٨- وعن سعيد بن المسيب أنه قال: (إني لأبغض الغناء وأحب الرجز) رواه عبد الرازق الصنعاني في (المصنف) بسند صحيح (وهو من أقوي الأدلة في الرد على من زعم أن سعيد بن المسيب كان يبيح الغناء) . فنقول: إنما كان يسمع الرجز فقط، وشتان ما بين الرجز والغناء فالرجز نوع من الشعر العادي. وزنه (مستفعلن) ست مرات سمي بذلك لتقارب أجزائه. أما الغناء: فهو –كما سبق- نغمات تلحن وتمطط بتكسير وتقطيع. والله أعلم.
٩- وعن قتادة أنه قيل له: فما صوته –أي ما صوت إبليس-؟ فقال: (المزمار، ومصائده النساء) . رواه ابن أبي الدنيا في (مكائد الشيطان) وابن القيم في (إغاثة اللهفان) والطبراني كما في مجمع الزوائد. وروي رفعه، ولكن الصحيح هو الموقوف إلا أنه مرسل ومعلوم أن لهذا الأثر شواهد كثيرة.
١٠- وعن الضحاك بن مزاحم الهلالي: أنه قال (الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب) . ذكره ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) ص: ٢٣٥.
١١-وعن يزيد بن الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين العادل المعروف بالناقص أنه قال: (يا بني أمية إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعله السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء رقية الزنا) . رواه ابن أبي الدنيا في (ذم الملاهي) وابن كثير في (البداية والنهاية) وابن القيم في (إغاثة اللهفان) .
١٢- وعن الفضيل عن عياض أنه قال: (الغناء رقية الزنا) رواه ابن أبي الدنيا في (ذم الملاهي) وابن الجوزي في (تلبيس إبليس) .
١٣- وقال على بن الحسين (زين العابدين) : (ما قدست أمة فيها البربط) رواه: ابن أبي الدنيا في (ذم الملاهي) . وابن الأثير في (النهاية) وابن القيم في (الإغاثة) بإسناد رجاله ثقات.
١٤- وعن قاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁: أنه قال لمن سأله عن الغناء: (أنهاك عنه وأكرهه لك، قال: أحرام هو؟ قال: انظر يا أخي إذا ميز الله الحق من الباطل في أيهما يجعل الغناء؟) رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي في السنن. وابن الجوزي في التلبيس وله شاهد من حديث عباس الذي ذكره ابن القيم في (الإغاثة) .
стр. 4657
١٥- وعن عمر بن عبد العزيز –﵀ أنه قال: (الغناء بدؤه من الشيطان وعاقبته سخط الرحمن) .
١٦- وعن محمد بن الفضل الأزدي أنه قال: (نزل الحطيئة برجل من العرب، ومعه ابنته (مليكة) فلما جنه الليل سمع غناء، فقال لصاحب المنزل: كف هذا عني، فقال: وما تكره من ذلك؟ فقال: إن الغناء رائد من رادة الفجور. ولا تسمعه هذه –يعني ابنته- فإن كففته وإلا خرجت عنك) ذكره ابن أبي الدنيا في (ذم الملاهي) . كما نقله ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان عن مكائد الشيطان) (جـ١ ص٢٤٦) .
١٧- وعن أبي عبيدة معمر بن المثني، أنه قال (جاور الحطيئة قوما من بني كلب –فتشاور القوم في شأنه- فأتوه في فناء خبائه. فقالوا: يا أبا مليكة، إنه قد عظم حقك علينا بتخطيك القبائل إلينا، وقد أتيناك لنسألك عما تحب فنأتيه وعما تكره فنزدجر عنه، فقال: جنبوا ندي مجلسكم، ولا تسمعوني أغاني شبيبتكم، فإن الغناء رقية الزنا) . رواه ابن أبي الدنيا بسند مقبول لكن فيه انقطاع. وفي هذا الأثر والذي قبله دلاله واضحة على قبح الغناء وشناعته، وأن خطره معروف حتى عند الشعراء الذين اشتهروا بالهجاء والسب والسفه..
وقد قال ابن القيم في (إغاثة اللهفان) : إذا كان هذا الشاعر المفتون الذي هابت العرب هجاءه خاف عاقبة الغناء، وأن تصل رقيته إلى حرمته، فما الظن بغيره؟ انظر (جـ١/ ٢٤٦) .
ومن هذه الأقوال نعلم علما أكيدا: أن كثيرا من الأغاني الحالية التي يتغنى بها كثير من أبنائنا وبناتنا، ونسمعها عن قصد أو من غير قصد –هي من عمل الشيطان، يفسد بها القلوب والعقول ويغضب الله، فالغناء إذًا هو نفسه حرام، وكسبه حرام.
стр. 4658
المبحث الثالث
من أقوال علماء المذاهب الأربعة في حكم
الأغاني والموسيقي ما يلي
لقد اتفق جمهورهم على تحريم الغناء المقترن بآلات الطرب. والمشتمل على ذكر أوصاف النساء، والخمور، والكذب، والافتراء ونحوها.
١- وهذا التحريم هو مذهب أبي حنيفة وسائر أهل الكوفة في ذلك الزمن كالثوري والشعبي، والنخعي فقد ذكر الحافظ ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) عن أبي الطيب أنه قال: (كان أبو حنيفة يكره الغناء، ويجعل سماعه من الذنوب، وكذلك سائر أهل الكوفة ... ) .
وذكر الألوسي في تفسيره (روح المعاني) تحريمه عن أبي حنيفة، وأنه حرام في جميع الأديان. وأن كلا من صاحب الهداية والذخيرة سمياه كبيرة.
وقال (صاحب الدر المختار شرح تنوير الأبصار) : لا تقبل شهادة من يغني للناس؛ لأنه يجمعهم على كبيرة، وكذلك لا تقبل شهادة من يستمع الغناء، أو يجلس بمجلس الغناء أو مجلسا آخر من مجالس الفجور.
وبهذا جزم الزيلعي في (تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق) (جـ٤ ص١٢٠) . وكذلك جزم به صاحب الفتاوى الهندية في فتاويه.
فمذهب أبي حنيفة في ذلك أشد المذاهب. وقوله فيه أغلظ الأقوال قاله ابن القيم في (الإغاثة) . وقال فيه –أيضا- (وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بتحريم سماع الملاهي كلها، كالمزمار، والدف، حتى ضرب القضيب، كما صرحوا بأنه معصية توجب الفسق فترد به الشهادة كما قالوا: إن سماعه فسق والتلذذ به كفر) .
وقال أبو يوسف في دار يسمع منها المعازف والملاهي: (ادخل عليهم بغير إذن للنهي، لأن النهي عن المنكر فرض، فلو لم يجز الدخول إذن لامتنع الناس من إقامة الفرض) انظر (إغاثة اللهفان) .
٢-وهو مذهب الإمام مالك وسائر أهل المدينة في ذلك الوقت سوى إبراهيم بن سعد الزهري وعبيد الله بن الحسن العنبري. فقد قال الإمام مالك حينما سئل عن الغناء (إنما يفعله عندنا الفساق) يعني بذلك إبراهيم ومن شاركه.
стр. 4659
وعن أبي الطيب الطبري: أن مالك بن أنس (نهى عن الغناء وعن استماعه) وقال: (إذا اشتري-إنسان- جارية فوجدها مغنيه كان له ردها بالعيب –يقصد بذلك العيب (كونها مغنية) . وقال: وهذا مذهب سائر أهل المدينة) .
وذكر ابن عبد البر في كتاب (الكافي في فقه أهل المدينة المالكي) : (إسقاط شهادة من يستمع الغناء أو يغشى المغنين) انظر (الكافي) (٢/ ٢٠٥) .
وذكر الحطاب في (شرح مختصر خليل) عن ابن عبد الحكم (أن سماع الغناء بغير آله إذا تكرر منه يكون قادحا في المروءة وأما الغناء بآلة: فإن كانت ذات أوتار كالعود، والطنبور، والمزمار فممنوع) انظر (٦/ ١٥٣) .
والحاصل: أن مذهب الإمام مالك وسائر أهل المدينة المعتبرين متفقون على كراهة الغناء ومنعه إلقاءً واستماعا.
وإن ما يدعيه ابن حزم الظاهري في ذلك المضمار فهو باطل. كما سنذكره إن شاء الله.
٣- والتحريم –أيضا- هو مذهب الشافعي كما هو معروف لدى العلماء فقد صرح في (كتاب الأم) : ٦/ ٢١٤، (بأن الرجل الذي يغني فيتخذ الغناء صناعة لا تجوز شفاعته؛ لأنه من اللهو الذي يشبه الباطل، وأن من يتخذ الغلام والجارية المغنين ويجمع عليهما أي يجتمع هو والناس على استماعهما والنظر إليهما –فهذا سفيه ترد به شهادته) قال: (وفي الجارية أكثر –سفها وأشد نكارة- لأن فيه سفاهة ودياثة..) .
(وإنما جعل هذا الرجل سفيها فاسقا، لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا إلى باطل كان سفيها وفاسقا) . قال ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) :
وعن أبي الطيب الطبري: (أن من أضاف إلى الشافعي إباحة الغناء والضرب بالقضيب فقد كذب عليه) حكاه عنه ابن الجوزي.
وحكي ابن الصلاح: (الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدف والشبابة والغناء فالخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نقل الشبابة منفردة والدف منفردا..) .
стр. 4660
وقال ابن القيم في (الإغاثة) : (إن أصحاب الشافعي العارفين بمذهبه صرحوا بتحريم الغناء، وأنكروا على من نسب إليه حله كالقاضي أبي الطيب وابن الصباغ) .
انظر: ملحق كتاب (تحريم النرد والشطرنج والملاهي) ص٣١٧.
وحكي عن أبي إسحاق في التنبيه: (أنه لا تصح الإجارة على منفعة محرمة كالغناء والزمر ولم يذكر فيه خلافا) .
قد تضمن كلام الشيخ أمورا: أحدهما: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة.
الثاني: أن الاستئجار عليها باطل.
الثالث: أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمغني ويحرم عليه ذلك، فإنه بذل ماله في مقابل محرم، وأن بذله في ذلك كبذله في مقابلة الدم والميتة.
فهذا قول علماء الشافعية وأهل التدين منهم، وإنما رخص في ذلك من قل حياؤه وغلبه هواه قاله ابن الجوزي.
وذكر الهيتمي في الزواجر: (أن الشافعية استدلوا على تحريم المزامير بأنها شعار شربة الخمور) . انظر (الزواجر) ص٢/ ٢٧٨.
فخلاصة القول: أن الأغاني المطربة بالمعازف وآلات الطرب محرمة عند المذهب الشافعي. وأن كل ما حكي عن الشافعية من إباحة المزامير والأوتار فهو غير صحيح.
٤- أما مذهب الإمام أحمد بن حنبل في مسألة حكم الأغاني فهي لا تخالف كثيرا مما سبق.
فلننظر قليلا فيما نقل عن ذلك الإمام.
فقد قال ابنه عبد الله: سألت أبي عن الغناء فقال: (الغناء ينبت النفاق في القلب؛ فلا يعجبني) .
وروي عنه يعقوب الهاشمي (أن التغبير بدعة محدثة) وروى عنه أبو الحارث، أنه قال: (التغبير بدعة. فقيل له: إنه يرقق القلب فقال: هو بدعة) . وروي عن يعقوب بن غياث. أنه قال: (أكره التغبير وأنه نهى عن استماعه) .
وقد قيل: إن الغناء الذي كان موجودا في زمانه هو إنشاد القصائد الزهدية وكان الزهاد يلحنونها لذا اختلفت الروايات عنه.
стр. 4661
والتغبير: قيل هو الطقطقة بالقضيب أي الضرب به على المخدة وهي نوع من الجلد يتخذ وسادة بعد نفخه بالهواء كالقربة.
ومعلوم أن هذه الروايات كلها تدل على كراهية الغناء عند أحمد.
وروي عن المروزي عن الإمام أحمد أنه قال: (كسب المخنث خبيث يكسبه بالغناء) .
وقد نص الإمام أحمد (في أيتام ورثوا جارية مغنية ورثوا جارية مغنية وأرادوا بيعها أن لا يبيعوها إلا على أنها ساذجة غير مغنية) ، لأنها بوصفها مغنية قد يزيد ثمنها، فيفهم من هذا أنه لو كان بيع المغنية حلالا والغناء مباحا عند أحمد لم يأمر بتضييع مال اليتامى، لأن تضييع مالهم من أشد الحرام.. فدل هذا على أن الإمام أحمد كان يحرم الغناء ولا يبيحه.
ونص –أيضا في كتب المذهب الحنبلي (أن تكسر آلات اللهو والطرب كالطنبور وغيره، إذا رئيت مكشوفة وأمكن كسرها) .. لأنها من المنكرات كما نص فيها –أيضا- (أنه لو علم هناك آله مستورة تحت ثوب لكشف عنها وكسرت) .
فالحاصل من ذلك أن الغناء المطرب وآلاته ممنوعان في مذهب الإمام أحمد. وأن ما حكي عنه في الكراهة وعدمها إنما هو في القصائد الزهدية.
نضيف إلى ذلك بعض ما قاله علماء هذا المذهب حول هذه المسألة: فقد قال ابن عبد البر: (من مكاسب المجمع على تحريمها أخذ الأجرة على النياحة والغناء واللعب، والباطل كله) نقله القرطبي في تفسيره. ٧/ ٣.
وحكي عن ابن المنذر أنه قال: (أجمع كل من حفظ عنه من أهل العلم على إبطال إجارة النائحة والمغنية) . وقال ابن قدامة (كل ما قصد به الحرام كبيع السلاح لأهل الحرب أو لقطاع الطريق، وكبيع الأمة للغناء أو إجارتها.. حرام، والعقد باطل (.
ففي الحديث قوله ﷺ : ((أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه)) . رواه أحمد وأبو داود في سننه، والدارقطني.
ومن هذا كله نعلم أن الأئمة الأربعة متفقون على تحريم الأغاني المطربة، والمعازف الملهية والمزامير الشيطانية والله أعلم.
وقد ذكرنا الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين فلا نكررها هنا.
стр. 4662
المبحث الرابع
في غير الجمهور وأقوالهم
وأما غير الجمهور –وهم إبراهيم بن سعد، وعبيد الله العنبري ومحمد بن حزم الظاهري، ومن تبعهم من أهل الظاهر وأصحاب الأهواء- فهؤلاء قد فارقوا الجماعة، فذهبوا إلى إباحة الأغاني وآلات الملاهي والطرب من غير قيد ولا استثناء حتى ادعى واحد منهم – محمد بن طاهر المقدسي القيسراني - إجماع أهل المدينة والصحابة والتابعين على إباحة الغناء بالعود، وهو قول باطل يخالفه النقل كما سبقت الإشارة إليه.
فإليك بعض ما استدلوا على إباحة ذلك من:
١-استدلوا على إباحة الأغاني مطلقا، بحديث عائشة ﵂، وهو أنها قالت (دخل عليَّ أبو بكر ﵁ وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك يوم عيد فقال رسول الله ﷺ : ((يا أبا بكر أن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا.)) ) . رواه البخاري. ومسلم وأحمد والنسائي وابن ماجه وفي لفظ رواية أحمد: (قال أبو بكر: عياذ الله أمزمور الشيطان؟ قالها ثلاث مرات) . وفي رواية مسلم والنسائي وابن ماجه: (وعندها جاريتان تضربان بدف) .
قال ابن حزم في استدلاله بهذا الحديث: لأن الرسول ﷺ أقره بحضرته وأنكر على الصديق إنكاره، وأن قولها: (وليستا بمغنيتين) –معناه- ليستا بمحسنتين فلا حجة في قولها ولا في إنكار الصديق.. وإنما الحجة في إنكاره ﷺ على أبي بكر ﵁.. فصح أنه مباح مطلقا لا كراهية فيه، وأن من أنكره فقد أخطأ اهـ بتصرف انظر المحلي (٩/ ٧٥) .
٢- واستدلوا على إباحة سماع الغناء بالعود وبيع المغنية بقصة غير صحيحة وهي ما روي بسند منقطع عن محمد بن سيرين (أن رجلا قدم المدينة بجوار فأتى إلى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه، فأمر جارية منهن فأحدث حتى ظن ابن عمر أنه قد نظر إلى ذلك، فقال ابن عمر: حسبك سائر اليوم من مزمار الشيطان، فساومه، ثم جاء الرجل إلى عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن إني غبنت بسبعمائة درهم فأتي ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر فقال: أنه غبن بسبعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه، وإما أن ترد عليه بيعه، فقال: بل نعطيها إياه) .
стр. 4663
قال ابن حزم بعد ما روى هذه القصة في (المحلى) (فهذا ابن عمر قد سمع الغناء وسعى في بيع المغنية..) انظر (المحلى ٩/ ٧٧) .
٣- احتج ابن الطاهر القيسراني على إباحة الغناء بحديث مكذوب رواه في (صفوة التصوف) وهو قوله (–روي- عن أنس ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: ((هل فيكم من ينشدنا؟)) فقال بدو: نعم يا رسول الله. فقال: ((هات)) فأنشأ:
قد لسعت حية الهوى كبدي فلا طبيب لها ولا راقي
إلا الحبيب الذي شغفت به فعنده بقيتي وترياقي
قال: فتواجد رسول الله ﷺ وتواجد معه أصحابه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فتقاسمها فقراء الصفة، وجعلوها رقعا في ثيابهم، فقال معاوية: ما أحسن لهوكم؟ فقال: ((مهلا يا معاوية ليس بالكريم من لم يتواجد عند ذكر الحبيب)) . ذكره ابن تيمية في (الرسائل المنبرية) والسهروردي في (عوارف المعارف) .
٤- واستدل ابن حزم على إباحة بيع المغنيات وشرائهن، وبيع آلات الملاهي كالمزامير، والمعازف، والطنابير.... بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) .
وبقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ . (٢) .
وبقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣)
وقال: ولم يأت نص بتحريم شيء من ذلك.
وقال: ورأى أبو حنيفة الضمان على من كسر شيئا من ذلك (انظر المحلي: ٩/ ٦٦-٧٦) .
стр. 4664
وهذا خلاصة ما وقفت عليه مما احتجوا على تأييد رأيهم.. فإليك أجوبة الجمهور عن تلك الحجج الواهية.
أولا: إن حديث عائشة ﵂ المتفق عليه الذي استدلوا به إباحة الغناء ليس لهم فيه حجة، بل هو حجة عليهم، لأن النبي ﷺ أقر الجاريتين بالغناء لأمور عدة:
منها: أنها يوم عيد، فقد علل النبي ﷺ ذلك بقوله: ((دعهما فإنه يوم عيد)) فدل على أن أيام العيد ليست كذلك فلا يدل على جواز الغناء إلا في يوم العيد وما شاكله. وهذا الجواب نورده إذا قيل: إن الجاريتين كانتا تغنيان بالغناء المعروف عن أهل اللهو واللعب.
وإن كان غناؤهما مجرد إنشاد للأشعار – كما هو الأصح - فليس فيه دليل على إباحته لا في يوم عيد ولا غيره، لأن الجاريتين غنتا بأشعار الشجاعة والحروب التي قيلت يوم بعاث، فلم يقل أحد من الفقهاء بمنع مثله، انظر فصل الخطاب (ص٣ (الأغاني والمعازف وآلات الملاهي) (لمحمد سعيد عمر إدريس) ص: ٢٧٨) .
ومنها: أن غناءهما لم يبلغ إلى درجة الكراهة لأنهما، لم تكونا مغنيتين ففي شرح النووي على مسلم، وشرح الكرماني على البخاري: قال القاضي عياض في شرح هذا الحديث: (أي ليستا ممن يغني بعادة المغنيات من التشويق والهوى والتعريض بالفواحش، والتشبه بأهل الجمال وما يحرك النفوس.. وليستا ممن اشتهر بإحسان الغناء الذي فيه التمطيط والتكسير، وتحريك الساكن.. ولا من اتخذه صنعة وكسبا) .
وقال النووي في شرحه على مسلم: معناه (ليس الغناء عادة لهما، ولا معروفتان به) .
ومنها: أن النبي ﷺ لم ينكر على أبي بكر ﵁ بتسمية الغناء مزامير الشيطان بل أقره على التسمية –أي لم يقل: (ليس من مزامير الشيطان ولا ما يماثله) بل أمره بترك التغليظ في الإنكار على الجارتين وعلل ذلك بأنها أيام عيد.. فقول ابن حزم في هذه النقطة بعيد كل البعد؛ لأن أبا بكر ﵁ ليس الذي بدأ بهذه التسمية على الغناء. وإنما النبي ﷺ هو الذي سماه باسم مزامير الشيطان، كما في حديث جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان)) . رواه: الترمذي، والحاكم، والبيهقي، وأبو داود الطيالسي في مسنده.
ومنها: أن في إنكار الصديق ﵁ على عائشة ﵂ والجاريتين وانتهارهن دليلا على المنع من الغناء ...
стр. 4665
وخلاصة القول: أن حديث عائشةرضي الله عنها للجمهور لا لابن حزم وأتباعه كما نص عليه أبو الطيب الطبري حين قال: (أن هذا الحديث حجتنا ... ) .
وكما نص ابن القيم في (مدارج السالكين) بقوله: (إن هذا الحديث من أكبر الحجج عليهم فإن الصديق ﵁ سمى ذلك مزمورا من مزامير الشيطان....) .
ثانيا: وأما الجواب عن قصة الجارية التي قال ابن حزم: إنها غنت بالعود أو الدف على مسمع ومرأى ابن عباس وابن جعفر ﵄: فقد أجابوا عنها من وجوه عدة:
منها: أن القصة التي ساقها ابن حزم منقطعة السند في مرحلتين: بينه وبين حماد، وبين ابن سيرين وبين الرجل المجهول، وفيها رجل مبهم مجهول.
ومها: أنه ثبت عن ابن عمر ﵁ ((أنه سد أذنيه ونأى عن الطريق حينما سمع زمارة راع. كما في حديث نافع.. فقد روى عنه (أنه ﵁ كان مع ابن عمر ﵁ في طريق، فسمع زمارة راع، فعدل عن الطريق. ثم قال لنافع: هل تسمع؟ فلم يزل يقول: يا نافع أتسمع؟ حتى قلت: لا فأخرج أصبعه من أذنه ثم رجع إلى الطريق، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع)) . رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه. وابن حبان في صحيحه والبيهقي في السنن الكبرى والطبراني في المعجم الصغير. وهو حديث صحيح وثابت ومشهور فهو يناقض القصة..
ومنها: أن فيما رواه البخاري في الأدب المفرد من حديث عبد الله بن دينار ما ينقض القصة: وهو أنه قال: خرجت مع عبد الله بن عمر ﵁ إلى السوق، فمر على جارية صغيرة تغني، فقال: (إن الشيطان لو ترك أحدا لترك هذه لجارية) ..
ثالثا: وأما الجواب عن الحديث الذي احتج به ابن طاهر على إباحة الغناء: فإنه يقال: إن هذا الحديث باطل ولم يصح عن النبي ﷺ إطلاقا بل هو موضوع. فقد قال الذهبي في (الميزان) (عمار بن إسحاق الضبي كأنه واضع هذه الخرافة لأنه من الأحاديث المكذوبة. انظر) ص٧٧.
وقال محمد المنيحي الحنبلي في كتاب (الرقص والسماع) (إن هذا –هو حديث مكذوب وموضوع باتفاق أهل العلم) . انظر (مجموعة الرسائل المنبرية) (٣/١٦٩) .
стр. 4666
وأما قولهم في بيع المزامير والمعازف وآلات الطرب (أنه حلال كله) فالجمهور يقولون (إن قولهم هذا باطل ومردود بالأحاديث الصحيحة وإجماع من يعتد بهم من فقهاء السلف والخلف) .
,أما الأحاديث فمنها ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري المرفوع: ((ليكونن من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)) كما سبق. وقد قيل: (إن الحر هو الفرج) ، والمراد به في هذا الحديث (الزنا) .. وأن المعازف: جمع معزف كمنبر ومنابر وهي آلات الملاهي كالعود والدف ونحوه.
والعازف: اللاعب بها. وقيل: (المعازف اسم لكل ما يعزف به كالطنبور والمزمار، والشبابة وغير ذلك من آلات الملاهي) كما في التذكرة للذهبي.
ومحل الشاهد في هذا الحديث قوله ﷺ : ((يستحلون)) لأنه دليل على أن هذه الأشياء المذكورة محرمة كلها ومن ضمنها المعازف ثم يأتي أقوام يحلونها..
ومنها قوله ﷺ : ((نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان)) رواه الترمذي وحسنه، والحاكم في المستدرك. والبيهقي في السنن والبزار، والطيالسي في مسنده وابن أبي شيبة وأبو يعلى الموصلي وإسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد كما في (نصب الراية) (٤/ ٨٤) .
وأما الإجماع على خلاف ما ذهب إليه ابن حزم: فقد قال ابن عبد البر (من المكاسب المجمع على تحريمها أخذ الأجرة على النياحة والغناء والزمر واللعب والباطل) . كما في تفسير القرطبي.
وممن حكى الإجماع الحافظ في (فتح الباري) فقد قال: قد حكي قوم الإجماع على تحريم المعازف.
وحكى ابن قدامة المقدسي في (المغني) الإجماع على أن الطنبور والمزمار والشبابة من آلات المعصية.
стр. 4667
وأما قول محمد بن حزم الظاهري في كتابه (المحلى) : ومن كسر شيئا من ذلك –أي المزامير والمعازف والطنابير –ضمنه- لأنها مال من مال مالكها. فهو قول غير صحيح؛ لأن الشارع الحكيم قد أمر وحث على إزالة المنكر ومحاربته، حيث قال ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) .
ولا شك ولا ريب أن من أشد المنكرات وأخطرها على المجتمع تلك الآلات آلات اللهو والطرب فتغبيرها واجب عظيم وإزالتها أمر لازم.
وإن تعليله بأنها (مال مالكها) فمردود لأنها ملعونة وقد وصفها ﷺ بأنها صوت أحمق وفاجر. والفاجر الملعون لا يجوز اقتناؤه، كما لا يثبت الملك فيه لأحد فهي مثل الخمر في قبحها وعدم جواز اقتنائها. وفي عدم ثبوت ملكيتها لأحد. بل يجب إتلافها حيثما وجدت، وإراقتها كما أراقها النبي ﷺ وأمر أصحابه.. وكذلك تلك الآلات، فيجب إتلافها ولا يجوز تركها مع القدرة على إتلافها لأنها منكر يجب إزالته.
وفي حديث أبي أمامة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((بعثت رحمة وهدى للعالمين وبمحق الأوثان والمعازف وأمر الجاهلية)) رواه أحمد والطيالسي وابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان والحميدي في مسنده.
وأما استدلاله على تحليل بيع آلات اللهو بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) . مع قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢) فغير مسلم به لأن عموم الآيتين مخصوص بما ثبت تحريمه في الكتاب والسنة. وآلات الملاهي قد ثبت تحريمها بهما كما سبق. فتكون مخصصة من عموم الآيتين كما لا يخفي.
стр. 4668
المبحث الخامس
إن من الأسباب التي أدت إلى انهيار الأخلاق الإسلامية في هذا العصر الحاضر خطط أعداء الإسلام والمسلمين التي تنفذ وتنتشر بصفة مباشرة وغير مباشرة في العالم الإسلامي.
فقد تبنت الماسونية واليهودية مذهب (فرويد) الذي فسر كل شيء في سلوك الإنسان بالإباحة والانطلاق في طريق الغريزة الجنسية والشهوة واللذة.
وآراء (كارل ماركس) الذي دعا إلى إلغاء الأديان السماوية وهاجم عقيدة الألوهية، ونادى إلى المسرح كبديل عنها، قائلا: اشغلوهم عن عقيدة الألوهية بالمسرح.
ولبوا بآراء (نيتشه) الذي ألغي الأخلاق وأباح لكل أحد أن يفعل ما تمليه إليه ميوله من كل ما يؤدي إلى استمتاعه فهؤلاء يجتهدون دائما لتنهار الأخلاق في كل مكان بجميع الطرق والوسائل وقد قالوا في (بروتوكولاتهم) يجب علينا أن نكسب المرأة المسلمة، فأي يوم مدت إلينا يدها نفوز بالحرام، وتتبدد جيوش المنتصرين للدين.
وتبنوا بآراء (داروين) الخبيثة الذي أعلن نظرية التطور المرفوضة وقالوا: إن فرويد منا –نحن اليهود- وسيظل دوما يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس، لكي لا يبقي في نظر الشباب شيء مقدس، ويصبح همه الأكبر وشغله الشاغل إرواء غرائزه الجنسية وعندئذ تنهار الأخلاق..
وقال (زويمر) أحد القساوس المبشرين في مؤتمر المبشرين في القدس ما يلي:
(إنكم أعددتم نشئا في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله.. وبالتالي جاء النشء طبقا لما أراد له الاستعمار، فلا يهتم بالعظائم، ويحب الراحة والكسل، فلا يصرف همه في الدنيا إلا في الشهوات فإن تعلم فللشهوات، وإن جمع المال فللشهوات، وإذا تبوأ أسمى المراتب والمراكز ففي سبيل الشهوات.
(وقال أحد أقطاب المستعمرين) : كأس وغانية تعملان في تحطيم الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع. فأغرقوها في حب المادة والشهوات ...
стр. 4669
ونقل الأستاذ محمود العقاد في كتابه (الإسلام والشيوعية) عن وثيقة من الوثائق الشيوعية ما خلاصته: (نجحنا في المجتمعات الدينية في تعميم ما يهدم الدين، من القصص، والمسرحيات والمحاضرات، والصحف والمجلات، والمؤلفات التي تدعو وتروج الإلحاد وتهزأ بالدين ورجاله، وتدعو للعلم وحده، وتجعله الإله المسيطر) .
وهذا نزر قليل من مخططات أعداء الإسلام اتخذوها لهدم حصون الإسلام والمسلمين ويتسللوها إليهم ويغيروا كل ما لديهم من خلق ودين وعقيدة. وها قد نالوا مرادهم من كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام.
وقد اتضح لنا من هذا الذي نقلناه منهم أن كلا من اليهودية والماسونية والشيوعية، والصليبية، والمستعمرين وقوى الشر كلها متعاونون ومتساندون على إفساد الأمة المحمدية عن طريق الخمر والمسرح والأغاني الماجنة، والتبرج الخليع، والاختلاط الفاحش، وترويج القصص الغرامية، والأفلام الوقحة، والصور العارية، على صورة ترويج بعض البضائع، أو على صورة التجميل والتزين والصحف والمجلات، وقد وصلوا بعض مراميهم من شبابنا بهذه الوسائل..
فعلى المسلمين أن يتنبهوا إلى ذلك. وأن ينتهوا عن هذا التقليد الأعمى لهؤلاء المضلين، من الناحية الخلقية والسلوكية..كالاختلاط بين الجنسين والتبرج الجاهلي والخمر والخَنَا.. وكممارسة الملاهي المحرمة من كل ما يصد عن ذكر الله، أو يغري بينهم البغضاء، أو يثير الغريزة الجنسية أو يميت الغيرة.. وأن يتميزوا عن غيرهم في العقيدة والعبادة والسلوك، وأن يغيروا ما بهم من الميوعة والخلاعة والانحلال، لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن يزيلوا هذا الجهل المطبق.
وفي الحديث الشريف قوله ﷺ : ((لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم ... )) رواه الترمذي.
стр. 4670
المبحث السادس
في التبرج والاختلاط
إن التبرج والاختلاط وما صاحبهما من كشف وعري.. لظاهرة رذيلة ومفسدة خطيرة للأخلاق والأعراض والأموال والأبدان والأرواح وجميع مقومات الحياة الإنسانية.. وقد فشا ذلك كله في كثير من المجتمعات الإسلامية المعاصرة، فلم يسلم منه إلا من قل وندر. وذلك عن طريق التقليد الأعمى للأعداء، والجهل عن مخططاتهم، والتناسي عن الدين الحنيف وتوجيهاته القوية القويمة نحو هذا التبرج.. فلنبحث صفحات ما كتب حول هذا الموضوع قليلا:
١- التبرج: أصله الخروج من البرج –أي القصر- ومعناه التكلف بإظهار ما يجب ستره، وقد استعمل في خروج المرأة من الحشمة والحياء. وإبراز محاسنها.
وقد جاء لفظ التبرج في القرآن الكريم. قال الله تعالى في سورة الأحزاب ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١)
وفي سورة النور: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ . (٢)
فالتبرج المذكور في الآيتين هو عين التبرج الذي نرى في نسائنا اليوم، كما لا يخفي ولا شك أن هذا التبرج ينافى الخلق، والدين، والمدنية معا، لأن أهم ما يتميز به الإنسان عن الحيوان الأعجم هو اتخاذ الملابس وأخذ الزينة. وقد امتن الله على الإنسان أن خلق له ما يستر به عورته، وما يتزين به ويتجمل قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ . (٣)
وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ . (٤)
والملابس والزينة من مظاهر الإنسانية الكاملة والمدنية الحقة. والتجرد عنها رجوع إلى الانحطاط والحيوانية، والحياة البشرية لا تسير إلى الوراء والتقهقر إلا إذا أصابتها نكسة تغير الأفكار والآراء كما هو واقع اليوم.
واتخاذ الملابس والزينة بالنسبة للمرأة قد قيل إنه من ألزم اللوازم، لأنه هو الحافظ الوحيد، الذي يحفظ دينها، وشرفها، وعفافها، وإن أعز ما تملكه المرأة هو الشرف والعفة والحياء. فليس من صالح المرأة والمجتمع أن تتخلي عن الصيانة والاحتشام لأن الغريزة الجنسية هي من أشد الغرائز وأعفها على الإطلاق. والتبرج مثير لتلك الغريزة الجموحة.
стр. 4671
ولذا أعطي الإسلام عناية فائقة نحو ملابس المرأة وصيانتها. وتناولها كل من القرآن والسنة. فنهى الله عن التبرج في الآيتين السابقتين.
وأمرهن بالاحتجاب وسدل الجلباب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ . (١)
وفي قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ . – الجسدية - ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ . (٢) –كالكفين والوجه- ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ . (٣) إلى أن قال: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا﴾ . (٤) .
وفي الحديث أنه ﷺ قال: ((يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه)) أو كما قال. رواه البخاري.وفي حديث آخر قوله ﷺ : ((صنفان من أهل النار لم أرهما، رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات لا يدخلن الجنة..)) مسلم.
وقد قيل: إن عمر بن الخطاب ﵁ كان يخشى من فتنة التبرج العارمة في زمنه، فيقمعها قبل أن تقع، لأن الوقاية خير من العلاج فقد روى (أنه كان يتعسس ذات ليلة فسمع امرأة تقول: هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم من سبيل إلى نصر بن حجاج. فقال ﵁: أما في عهد عمر فلا. فلما أصبح استدعي نصرا فوجده من أجمل الناس وجها، فأمر بحلق شعره فإزداد جمالا. فنفاه إلى بادية الشام) .
وأما في الوقت الحاضر: فقد أصبح من المعتاد أن يجد الرجل المسلم –ولو كان رئيس القوم- المرأة المسلمة متبرجة مبتذلة، عارضة مفاتنها، كاشفة عن صدرها ونحرها، وظهرها، وخاصرتها وفخذيها –وربما تظهر بطنها- متعطرة.. ومغنية ومترنمة بنغماتها.. فلا تجد أية غضاضة من صنيعها. لأنه أصبح من الضروري وضع المساحيق المتنوعة. والتطيب واختيار الملابس المغرية المثيرة.. والأغاني المطربة.. فترى المرأة المسلمة وقد اعتادت أماكن الفجور والفسق والملاهي، والملاعب والمسارح، والأندية والسينما، والفنادق. بالزي الذي ذكرناه بمرافقة أقرانها من الرجال الأجانب.. إلخ.. إلى آخر ما هو معروف من الرقص والتمثيليات كما يقولون.
ما ذلك إلا بسبب الجهل العميق عن أوامر الدين ونواهيه. وعن عاقبة هذا الانحراف والانحلال أو التجاهل والتناسي عنهما وإلا بسبب التقليد الأعمى للأعداء، وتنفيذ مخططاتهم الشنيعة ﴿الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ . (٥) .
стр. 4672
وأصبحت النتيجة من هذا الانحراف أن كثيرا من الفسوق بكافة أشكاله في الأمة وانتشر الزنا بصورة رهيبة. وفشت المخدرات في الجيل الجديد فانهدم كيان الأسر.
وأهملت الواجبات الدينية والدنيوية، فتركت العناية بأطفال كثيرة. وتأزم قانون الزواج في كثير من البلدان. فصعب التطبيق عليه فرارا من مسؤولياته. حتى أصبح الحرام أسهل وأيسر حصولا من الحلال.. وضاعت الأخلاق الفاضلة والآداب الإسلامية من صدق وأمانة، وإخلاص وعفة واستقامة.. إلخ.. فتأزمت الحياة والمعيشة من كل جانب.. وماتت الفضيلة في تلك البيئة الفاسدة العفنة المتأزمنة إلا من عصمه الله..
وإن هذا الوضع السيئ لما نتأسف منه كثيرا.. وإن تلك الظاهرة –ظاهرة التبرج- لظاهرة سيئة تحتاج منا إلى علاج حاسم يقطع شأفتها بحكمة شيئا فشيئا. فلكي نصل إلى نتيجة حاسمة من هذه الناحية فلننظر إليها من الجانب الآخر، وهو ما يعبر عنه (بظاهرة الاختلاط بين الجنسين) .
٢- في ظاهرة الاختلاط وما قيل فيها من آراء وأحكام:
إن ظاهرة الاختلاط بين الجنسين –الرجال والنساء في جميع الميادين- في المدارس والمعاهد والجامعات والمكاتب والمصانع والنوادي في مظهر مريب، هي ظاهرة من مظاهر هذه الحضارة المادية. وهي ظاهرة خطيرة قد ركز عليها الأعداء المضلون في مخططاتهم الماكرة. كما سبقت الإشارة إليه.
ونعني بظاهرة الاختلاط ذلك الاختلاط المشبوه المثير للغريزة الجنسية الجامحة. الذي يروجه دعاة الإباحة.
فقد تري في كثير من مجتمعات هذا العصر من يدعو إلى الاختلاط والسفور بقوله أو بفعله، قائلا: (إن الاختلاط بين النساء والرجال فيه تهذيب للغريزة وتصريف وتنظيف لكوامن الشهوة) كما يقولون، فيجعل اجتماع النساء بالرجال والشباب بالشابات أمرا مألوفا وعاديا. ولا شك أن هذا القول كلام فارغ بل هو ادعاء كاذب ومرفوض لأن كلا من الفطرة والواقع والتجربة يكذبه ويرفضه.
أما الفطرة فالله لما خلق الرجل والمرأة ركب في كل منهما الميل إلى الآخر. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ . (١)
وقال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ . (٢)
لا سيما إذا كان كل منهما مائعا خلقيا وجائعا جنسيا، فتلك المودة وميل كل منهما إلى الآخر غريزة فطرية لا تبديل لها..
стр. 4673
وفي الحديث: أن النبي ﷺ قال: ((ما خلا رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما)) . رواه الترمذي.
وأما تكذيبه بالتجربة فحدث عنه ولا حرج، فقد قيل: إن نسبة الحبالى من جراء هذا الاختلاط قد زاد زيادة سريعة في المجتمعات المتقدمة –كما يقولون- يقولون: إن نسبة الحبالى من تلميذات المدارس الأمريكية قد بلغت ٤٨ % ثمان وأربعون بالمائة.
ونقل عن جريدة (الأحد) اللبنانية من عددها ٦٥٠: (أن الفضائح الجنسية في الجامعات والمعاهد الأمريكية بين الطلاب والطالبات تتجدد وتزداد عاما بعد عام، وأن الطلاب يقومون بمظاهرة في –بعض- جامعات أمريكا. ويهتفون فيها: نريد فتيات، نريد أن نرفه أنفسنا. وأن هجوما ليليا وقع من الطلاب على غرف نوم الطالبات وسرقن ثيابهن الداخلية) .
وقال عميد الجامعة معقبا على ذلك الحدث: (إن معظم الطلاب والطالبات يعانون جوعا جنسيا رهيبا. ولا شك أن الحياة العصرية الراهنة لها أكثر الأثر في تصرفات الطلاب الشاذة) . انظر: ما نقل من جريدة الأحد اللبنانية عدد٦٥٠.
(ودلت الإحصائيات في العام الماضي على أن (١٢٠) ألف طفل أنجبتهم فتيات بصورة غير شرعية –لا تزيد أعمارهن على العشرين، وأن كثيرا منهن من طالبات الجامعات) .
(وأن الطالبة لا تفكر إلا بعواطفها، وبالوسائل المتجاوبة مع العاطفة) .
(وأن أكثر من (٦٠ %) ستين بالمائة من الطالبات سقطن في الامتحانات وتعود أسباب فشلهن إلى أنهن يفكرن في الجنس أكثر من دروسهن ومستقبلهن ... وأن (١٠ %) عشرة بالمائة فقط ما زلن محافظات) انظر ما نقل من جريدة الأحد اللبنانية عدد٦٥٠.
فأين تهذيب الاختلاط للغريزة الجنسية؟ وأين تصريفها عن الميل؟ وأين تنظيفه وتطهيره لكوامن الشهوة؟
وأما تكذيبه بالواقع –فإن الحوادث المذهلة منتشرة من جراء الاختلاط كما اعترف بها الأعداء المروجون في الربع الأخير من هذا القرن. (والحق ما شهدت به الأعداء) .
стр. 4674
منها: ما كتبه (جورج بالوش) في كتابه (الثورة الجنسية) (صرح الرئيس (كيندي) في سنة ١٩٦٢م بأن مستقبل أمريكا في خطر لأن شبابها مائع منحل غارق في الشهوات، فلا يقدر عبء المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأن من كل سبعة شبان يتقدمون للجندية يوجد ستة منهم غير صالحين لها؛ لأن الشهوة التي أغرقوا فيها أفسدت..) وإن قيل: إن هذا الادعاء لم يتحقق فأمريكا ما زالت من إمامة العالم (نقول: ومنها: ما صرح به (خروشوف) سنة ١٩٦٢ (بأن مستقبل (روسية) في خطر، لأن شبابها لا يؤمن على مستقبلهم، لأنه مائع منحل غارق في الشهوات) .
ومنها: ما كتبته (جريدة الأهرام) المصرية في عددها الصادر ٧/ ٥/ ١٩٦٥م (أن الجمعية البريطانية أصدرت لمعالجة الشذوذ الجنسي تقريرا اليوم قالت فيه: إن مليون رجل في بريطانيا –وربما أكثر- مصابون بالشذوذ الجنسي.)
ومنها: ما ذكره (جورج بالوش) في نيسان سنة ١٩٦٤م من أنه (أثيرت في (السويد) ضجة كبرى عندما وجه (١٤٠) من الأطباء المرموقين مذكرة إلى الملك والبرلمان، يطلبون فيها اتخاذ إجراءات حاسمة للحد من الفوضى الجنسية التي هددت الأمة –حيويتها وصحتها- وطالب الأطباء بقوانين زاجرة ضد الانحلال الجنسي)
ومنها: ما نشرته صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية في عددها الصادر ١٥/ ٧/ ١٩٧٩ من (أن: ٧٥ % بالمائة من الأزواج يخونون زوجاتهم في أوربا وأن نسبة أقل من ذلك من المتزوجات يفعلن الشيء ذاته، وأن في كثير من الحالات يعلم الزوج بخيانة زوجته، وتعلم الزوجة بخيانة زوجها.. ومع هذا قد تستمر العلاقات الزوجية الشكلية دون أن يطرأ عليها انفصام) من باب المثل (أسكت عني أسكت عنك) .
ومنها: ما كتبته الكاتبة الأمريكية (هيلسبيان ستانسيري) في صحيفة (الجمهورية) يونيو ١٩٦٢م تحت عنوان كاتبة أمريكية تقول: (امنعوا الاختلاط وقيدوا حرية المرأة) –كما نقله (السيد سابق) في (فقه السنة) - وخلاصته ما يلي: أن المجتمع العربي مجتمع كامل وسليم.
стр. 4675
ومن الخليق به أن يتمسك بتقاليده التي تقيد الفتاة والشاب في حدود المعقول. وهذا المجتمع يختلف عن المجتمع الأوربي والأمريكي. فعندكم تقاليد تحتم تقييد المرأة، واحترام الأب والأم.. وتحتم عدم الإباحية الغربية، التي تهدد اليوم المجتمع والأسرة في (أوربا) و (أمريكا) .. وهذه القيود صالحة ونافعة.. لهذا أنصح بأن تتمسكوا بتقاليدكم وأخلاقكم.. وامنعوا الاختلاط، وقيدوا حرية الفتاة. بل ارجعوا إلى عصر الحجاب. فهو خير لكم من إباحية وانطلاق ومجون (أوربا) و (أمريكا) . امنعوا قبل العشرين. فقد عانينا منه في أمريكا الكثير. لقد أصبح المجتمع الأمريكي مجتمعا معقدا، مليئا بكل صور الخلاعة. وإن ضحايا الاختلاط والحرية قبل سن العشرين يملأن السجون والبارات السرية.
وقالت الكاتبة: (إن الاختلاط والإباحية والحرية –المطلقة- فينا هدد الأسر وزلزل القيم والأخلاق. فالفتاة الصغيرة فينا تخالط الرجال، وترقص وتشرب الخمر، والسجائر وتتعاطى المخدرات ومن هذا العرض السريع حول التبرج والاختلاط المشين، وما في ذلك من مأساة ونتائج وخيمة، وما أوردنا حوله من آيات ناهية وأحاديث فيها الوعيد الشديد اللهجة نعلم أن كلا من التبرج والاختلاط مظهر خطير لا يليق بالأمة المسلمة ولا يجوز لها) .
ومما أوردنا في العرض من أقوال الأعداء المخططين نتأكد من أن هذه المفسدة مدروسة ومرسلة إلينا من غزاة الفكر الإسلامي ليحطموا أخلاقنا وشرفنا. فأصابوا منا المقاتل كما اعترفوا به.
وإن ذلك التبرج والاختلاط الجاهليين وما صاحبهما من خلاعة وميوعة وانحلال هو مما اكتوى به غيرنا من الأمم المادية فذاقوا وباله قبلنا، كما نرى ونسمع مثل الحوادث التي نقلناها عن أصحابها.
وأن ذلك الوباء تسرب إلينا من تلك الأمم الغارقة بكيفية مخططة من قساوستهم وطواغيتهم. وقد فشا في مجتمعنا بسبب التقليد الأعمى.
وأن ما ادعوه من أن الاختلاط بين الجنسين فيه تهذيب للغريزة وتنظيف لها هو ادعاء باطل، يكذبه كل من الفطرة والواقع والتجربة.
وهذا مما لا يختلف فيه اثنان إلا من تجاهل عن الحقيقة أو تناسي عنها. أو من اغتر بما وصلت إليه تلك الأمم من تقدم مادي ولم يهتد إلى أن التقدم المادي له سبب مغاير عن تلك الخلاعة.
إذا عرفنا العلة وخطورتها وعرفنا السبب.
فلا بد لنا من أن نبحث عن علاج ودواء ناجع.
فأولاه: ترك أسباب الوباء وسد طرقه.
ولكن قبل الإشارة إلى طرق العلاج فلنكمل مبحثنا هذا بمبحث آخر وهو من نتائج التبرج ودواعيه وهو: الخمر والمخدرات وأضرارها وأسباب انتشارها وأحكامها.. فإليك ما يلي:
стр. 4676
المبحث السابع
في الخمور ومظهرها وضررها في الأخلاق
وشيئ من أحكامها
الخمر: ما خامر العقل. رطبا كان أو يابسا. مأكولا أو مشروبا أو مشموما.. (فكل مسكر خمر، وكل مسكر حرام) . أخرجه مسلم، وابن حبان في صحيحه، وعبد الرزاق والدارقطني (نصب الراية للزيلعي) .
والخمر ظاهرة خبيثة قد عمت وطمت في كثير من مجتمعاتنا المنتسبة للإسلام، مع أن الجميع يعرفون ضررها على (العقل، والدين والمال والبدن) وتقتل الأخلاق قتلا فهي تغتال العقل، وتخرج منه تعظيم المحارم، وتذهب الغيرة منه، وتدعو شاربها إلى الزنا ولو من المحارم، وتهون له ارتكاب القبائح والآثام، كما يشهده الواقع. وهي رجس من عمل الشيطان العدو اللدود، وسلاحه الفتاك الذي يصد به عن ذكر الله، وإقام الصلاة ويوقع به العداوة والبغضاء بين الناس.. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ . (١) كما هي تصدع الرأس وتسبب القتل، وتتلف الكبد والكلي. وتسبب الضعف العقلي والعصبي والجسمي. كما يشهده الأطباء وكما قاله كل من ابن القيم والذهبي.
وهي تنزف المال. وتورث الندامة والفضيحة، وتهتك الأستار وتفشي الأسرار وتلحقه بالمجانين، وتسلبه عن السمات الحسنى، فتكسوه أخبث الصفات..
стр. 4677
كما أنها توجب على شاربها ثمانين جلدة. وتمنعه من الإيمان حين يشربها. وتمنع شاربها غير التائب دخول الجنة، وتجعل مدمنها كعابد الوثن وملعون من الله ورسوله إذا لم يتب لما في الأحاديث الشريفة..
منها: قوله ﷺ : ((اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث ... )) أخرجه ابن أبي الدنيا. والبيهقي.
ومنها قوله ﷺ : ((مدمن الخمر كعابد الوثن)) . رواه ابن ماجه. وابن حبان في صحيحه – والبزار.
ومنها قوله صلى الله
عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) .
وفي رواية: " ... فإذا فعل ذلك خلع ربقة الإسلام من عنقه، فإن تاب تاب الله عليه ". البخاري، مسلم في صحيهما.
ومنها قوله ﷺ : ((من شرب الخمر خرج نور الإيمان من جوفه)) . رواه: مسلم والنسائي.
ومنها: قوله ﷺ : ((اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، وهي مفتاح كل شر)) الحاكم وقد انعقد الإجماع على تحريمها لما في الآية الكريمة والآحاديث الشريفة السابقة..
ولما في تناولها من أضرار بالغة كما سبق الإشارة إليه –أيضا-.
стр. 4678
وقد قيل: (إن الحكمة من تحريم الخمر هي المحافظة على سلامة دين المسلم وعقله وبدنه، وماله) .
ولذا حذرنا رسول الله ﷺ عن الخمر والاقتراب منها أو الاستفادة من إنتاجها فعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها)) رواه أحمد والحاكم، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه: السيوطي والألباني.
وفي لفظ آخر ((إن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وشاربها، وآكل ثمنها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، ومستسقاها)) . رواه أحمد بسند صحيح.
ومن أهم أسباب انتشار الخمر والمخدرات التي غيرت أخلاق كثيرة من شبابنا وأفسدت صحة كثير منهم، وتسببت لكثير من الحوادث.. ما يلي:
١- إرسال شبابنا –وهو في عنفوان شبابهم- إلى بلدان (أوربا) و (أمريكا) وغيرها من البلدان اللادينية، ليتعلموا في جامعاتها قبل أن يتعلموا في بلداننا من الدين وعقيدته الراسخة وأخلاقه الفاضلة ما يكون لهم درعا متينا وحصنا حصينا من تسرب عوائد أهل تلك البلدان الإباحية. وغوائل أخلاقهم الشيطانية.. فعاشوا مع هؤلاء الإباحيين.. فتأثر أكثرهم بتلك الحياة الماجنة والشره العاتي. فتسربت العوائد والأخلاق الماجنة إلى قلوب أولادنا الغرباء، تحت تأثير مظاهر الحياة المادية المتقدمة هناك..
فعادوا إلينا وهو متعودون باستعمال هذا الشراب الخبيث فأصبحوا معلمين للآخرين من أجيالهم على ممارسة ما يمارسونه من هذا الإثم إلا من عصمه الله.
٢- وقبل ذلك جاء المستعمرون إلى بلداننا ليستعمروها ويجعلوها أسواقا لمنتجاتهم فمهدوا لها من يستهلكها في بلداننا.
стр. 4679
٣- ومن أسباب انتشار الخمور والمخدرات في العالم الإسلامي، استيراد المستخدمين المتعودين على استعمال تلك المواد المسكرة من بلدان (أوربا) و (أمريكا) وغيرها من البلدان المتقدمة ماديا، المتحللة خلقيا.
٤- ومن تلك الأسباب التقليد الأعمى على هؤلاء الأجانب الوافدين المضلين، والتشبه بهم من هذه الناحية التقليدية السلوكية، فتأثر المسلمون بهم كما يتأثر الضعيف بالقوي.
٥-ومنها: الجهل المطبق أو التجاهل والتسامح المستمر في خطورة هذا الداء والوباء المتسرب من هؤلاء الماديين وانتشاره في المجتمع المغلوب عليه ماديا المهزوم فكريا..، وإرخاء العنان أو التسهيلات المادية والمعنوية لمريدي انتشار ذلك الشر المستطير.
٦- ومنها: فتح الأندية والمرافق السياحية التي شكلت وأسست على إطار شبيه وملائم بأوضاع عوائد الأجانب الذين لا يحترمون أوامر الدين والأخلاق وتلك المرافق موجودة في كثير من مدن العالم الإسلامي في الآونة الأخيرة بصورة جذابة.
ولا أقصد بهذا القول الأندية الرياضية كميدان الكرة والسباحة والفروسية، وغيرها من ميادين الألعاب الرياضية، التي تقوي الجسد أو تشحذ الذهن.. لأن تلك الألعاب وأنديتها مباحة ومفيدة شرعا، إن سلمت من مفسدة غير مقصودة منها.
وإنما نقصد بتلك الأندية والمرافق المحذورة شرعا، تلك الأندية التي أسست للهو، والقمار، والميسر، والخمر، والتقاء الجنسين.. لأن المقصود منها مفسدة محرمة شرعا.. هذه هي أهم الأسباب لانتشار تلك المفسدة في العالم الإسلامي في العصر الحاضر.. فإذا عُرفت العلة وخطورتها، والأسباب ومصادرها، فلا شك أن علاجها سيعود وهو إيقاف سير الأسباب ومنعها وسد مصادرها بحكمة ومداواة الجروح بأدوية مضادة لجراثيمها، وتغيير الجو الموبوء بتهيئة جو مناسب ونقي وطاهر ونظيف.. وسأذكر أسهل كيفية لمكافحة هذه المفاسد الخلقية الخطيرة –حسب نظريتي- في الفصل القادم، إن شاء الله.
стр. 4680
الفصل الخامس
وفيه خلاصة ما توصلت إليه
المبحث الأول
لقد تبين لنا مما سبق من عرض المفاسد الخلقية المنتشرة من الملاهي الخطيرة. كالأغاني وآلاتها المطربة، ومرافقها من تبرج جاهلي واختلاط فاحش وما أردفناه خلفها من خمور مسكرة ومخدرات مشينة.
إن هذه كلها أمراض فتاكة قد اجتاحت مجتمعنا بصورة خطيرة من كل باب حتى أصبحت شيئا مألوفا عند كثير من أبنائنا وبناتنا.
وأن مفسدة كل من الأغاني المائعة، والتبرج، والاختلاط، والخمور، والمخدرات هي مفسدة ظاهرة لكل ذي عقل نير.
وأن الغناء المعروف بالتلحين والتمطيط على النغمات الموسيقية والمعازف والمزامير حسب أكثر الاستعمالات العصرية –قد اتفق على تحريمها جمهور علماء المسلمين من السلف والخلف كما اتفق على تحريمها أئمة المذاهب الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنبلية. وذلك كله بأدلة من الشريعة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين.
وأن من خالف الجمهور في ذلك من العلماء قلة قليلة قد أسقط دليلهم عن ميزان الأدلة وقيمها.
وأن كلا من التبرج الجاهلي والاختلاط والخمور محرم عند فقهاء المسلمين قديما وحديثا، بأدلة شرعية لا غموض فيها.
وأن انتشار هذه المفاسد في العالم الإسلامي بصورتها الحالية إنما هو من مخططات أعداء المسلمين والإسلام أولا، ومن وجودهم وممارستهم بها في المسلمين ثانيا. ومن الجهل المطبق وحاجتهم الماسة إلى ما عند هؤلاء من تقدم مادي ثالثا ومن التقليد الأعمى لهؤلاء والتشبه بمظاهرهم وعاداتهم ولهوهم تحت تأثير التفوق المادي في المتخلف المحتاج.. مع أن الشريعة تأمر أهلها بالتميز عن غيرهم بعقيدتهم، وعباداتهم وأخلاقهم، ومظاهرهم وغايات أعمالهم ... ومن الفراغ الرهيب.
فلا بد لنا من الإشارة إلى شيء من أساليب الشريعة لمعالجة هذا الوضع، ومسؤولية تغييره.
إن الشريعة الإسلامية إذا حرمت فعلا من الأفعال على المسلمين فعلى كل واحد من أفرادهم البالغين أن يتركه إثر علمهم بذلك التحريم.
стр. 4681
وإذا حرمت شيئا من الأشياء فالواجب على كل من بلغه هذا التحريم وعنده ذلك الشيء أن يتخلى عنه فورا.
وإنها إذا حرمت عادة من العادات المألوفة فيهم فعلي كل واحد منهم الاقتلاع عن ممارسته تلك العادة.
لأن ترك الحرام والتخلي عن المحرم وتغيير المنكر المفسد يكون على الأمة من جميع طبقاتها من غير استثناء في جميع الأوقات والأحوال إلا للتعذر والضرورة. والضرورة تقدر بقدرها.
فمسؤولية تغيير تلك المفاسد مسؤولية شاملة على أفراد المجتمع الإسلامي بدليل من الكتاب والسنة.. فمسؤوليته قبل كل شيء على الأئمة والحكام، كما هو المعروف ففي الحديث قوله ﷺ : ((الإمام راع وهو مسئول عن رعيته)) إلى آخر الحديث، رواه الخمسة إلا النسائي.
وهي على عاتق المجتمع إذا قصرت الأئمة وطلبت معاونتهم ففي الحديث الآخر قوله ﷺ : ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على متن سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم وقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا لم نؤذ من فوقنا؟ فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا)) رواه البخاري.
- وهي على عتق رب الأسرة والزوجة والخادم أو العامل بدليل قوله ﷺ : ((والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها والخادم في مال سيده راع ومسئول عن رعيته)) رواه الخمسة إلا النسائي.
-وهي على عتق كل أحد بقدر طاقته وخيلته إذا علم.. لما في الحديث المشهور قال ﷺ : ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) رواه مسلم.
وفي الحديث: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته..)) . رواه الخمسة إلا النسائي.
من هذا كله نعلم علما أكيدا أن المسؤولية على جميع الأمة، فالكل متعاونون ومتكاتفون ومتساندون على تغيير كل مفسدة ومنكر، وعلى تنظيف وتطهير المجتمع من تلك المفاسد والمفاتن وعلى دفع كل ضرر عن الأنفس والأموال والأخلاق والأعراض.
стр. 4682
وقد حدد الله لكل مؤمن ومسلم في هذه الحياة وظيفته الاجتماعية.. ومسؤوليته في حراسة مجتمعه بقدر وسعه ومكانته ومؤهلاته.. كما سبق فبأداء تلك المسؤولية يستحقون الرحمة والرضوان.. كما قال تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ . (١)
هذا وقد حدد الإسلام وفصل ورتب أمورا كثيرة لأداء الواجبات الأساسية وصيانة الأخلاق الأساسية، كما جعل لجماح كل غريزة من الغرائز الإنسانية ما يكبحها من القيود الشرعية، كما هذب كلا من غريزة حب التملك، والأنانية، وحب البقاء والبغض. في الحديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) . متفق عليه.
وكما جعل حدا لكبح الغريزة الجنسية الجموحة. وهي من أعتى الغرائز على الإطلاق وذلك مثل غض البصر عن المحرمات: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ . (٢) ومنع الخلوة لقوله ﷺ : ((لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم)) رواه الشيخان.
ومنع التبرج.. قال تعالى لنساء النبي ﷺ : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ . (٣) .
ومنع إبداء الزينة للأجانب لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ . (٤) وغير ذلك من المظاهر التي تثير الغريزة.
وكثيرا ما أشار الإسلام إلى كيفية المعالجة لكثير من المفاسد من غير بيان وتحديد فترك للناس اختيار الأسلوب كتحديد بعض الزواجر والتعازير المتنوعة مع أنه رسم قواعد أساسية عامة لا تخرج الحلول الشرعية عنها بحال من الأحوال.
стр. 4683
المبحث الثاني
في طريقة مكافحة المفاسد الخلقية
إن طريقة معالجة هذه المفاسد الخلقية الموبقة تكون في إطار القواعد الإسلامية التالية: (دفع الضرر مقدم على جلب المصالح) – و (المفاسد تدرأ وذرائعها تسد) و (الأرواح والعقول والأعراض والأموال محروسة) .
إن أقوم الطرق لمعالجة تلك المفاسد بصفة عامة وأسهلها وأوفقها لمبادئ الشريعة الإسلامية في هذه البيئة الموبؤة –حسب نظريتي- اتخاذ الخطط الآتية بصورة حازمة وبحكمة متناهية وهي:
١- نشر الوعي الإسلامي في جميع الشعوب الإسلامية وترسيخ العقيدة في شبابها بصورة مدروسة مبسطة ومقننة ومدللة بأدلة مقنعة.
وتبصير الناس بخطورة الاندفاع وراء هذا التيار المادي الجارف القاتم، الذي هدد الأخلاق الفاضلة فهدمها في كثير من أمم العصر، والذي أهدر العفة والطهارة والكرامة فأقبرها. وأسقط الشرف والمروءة الإنسانية فسوى الإنسان بالحيوان العجم، بحيث يعم نشر هذا الوعي جميع طبقات المجتمع الإسلامي، كتربية إسلامية شاملة، ضمن التعاليم المختلفة والتوجيهات المتنوعة، حتى يكون للشخص المسلم شخصية متميزة من غيره في عقيدته وعبادته وأخلاقه وسلوكه، قبل الأخذ بالإجراءات، حتى لا يكون هناك حرج أو إكراه محظور، ولكي يتبين الحق من الباطل لدى الجميع، فيتضح أمامهم معني قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ . (١) .
стр. 4684
٢- سن قانون موحد وشامل، إسلامي وإنساني في أن واحد لحماية الأخلاق والآداب.. ومعاقبة كل من لم يحفظه ولم يقف عند حده من جماعة المسلمين بشدة وحزم بعد إعلامه وذلك إما بحد صارم.. وإما بتعزير زاجر..
يشرط أن يتضمن ذلك القانون الأمور التالية بصفة واضحة.
٣- اختيار ملابس مناسبة لكل من الرجال والنساء أثناء وجودهم في غير منازلهم الخاصة.
وذلك كأن يختار للنساء لباسا يستر أجسامهن إلا الوجه والكفين –أو الذراعين- والقدمين. شريطة أن لا يكون مهلهلا ولا رقيقا في صنعه، ولا ضيقا ولا فضفاضا جدا في لبسه وتصنيفه. ولا مشوها للمنظر العام في صورته، ولا مانعا أو معوقا من ممارسة الأعمال من مشي وجري، وقيام وقعود، وأخذ ومد..
تمسكا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . (١)
وبقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ . (٢)
وبقوله ﷺ : ((إن المرأة إذا بلغت الحلم لا ينبغي أن يري منها غير وجهها وكفيها)) . البخاري.
стр. 4685
وبقوله ﷺ : ((كل عين زانية، وإن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا)) يعني زانية، رواه أصحاب السنن.
ويترك تعيين ألوان تلك الملابس وأشكالها للشعوب وقادتها المحليين، تقديرا لرغباتها وتيسيرا لها ودفع الحرج عنها.
٤- تكليف التزام اللباس الموصوف على كل من يعمل عملا رسميا بصفة عامة.
وذلك التكليف ليس فيه تضييق في حريات الناس، بل فيه تعزيز وتشريف وتجميل وليس هو محظورا شرعا.
٥- والإشادة بالفضيلة والحشمة والعفة بجميع وسائل النشر والإعلام –كالإذاعة والتلفزة والصحف والمجلات، وكالأندية والمجاميع العلمية والعملية- وتنزيه جميع وسائل نشراتنا وإعلامنا بث الرذائل.
بشرط أن يلتزم ذلك الداعي والمذيع، والمخرج، وأصحاب الأندية والمنتزهات بالفضيلة والتزام الخلق الكريم لتكون دعوته إلى الأخلاق الفاضلة دعوة ناجحة، لمطابقة أقواله وأفعاله لما يدعو إليه.
قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . (١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ . (٢) .
وقال الشاعر الحكيم:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
٦-منع الصحف والمجلات المحلية عن أن تنشر الصور العارية أو القصص الغرامية ووضع الرقابة الآمنة الشديدة على مصممي الأزياء ومخرجي البرامج الثقافية والرياضية، والسياحية، وأصحاب النوادي الحرة، والمتنزهات وعلى مستوردي الأفلام والصحف والمجلات الأدبية والرياضية من الخارج؛ لأن إبراز تلك الصور مع ما يفعله المغرضون والعابثون حول هذه الميادين، لا شك أنه من الغش المحرم شرعا وعقلا. ففي الحديث الشريف قوله ﷺ : ((من غشنا فليس منا)) رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
стр. 4686
٧- منع الرقص الفاحش وما يتصل به من أغان وألحان وآلات مطربة وألعاب ساقطة، وملاهٍ محرمة ... لأن هذه كلها محرمة شرعا –كما سبق- وأن مفاسدها جسيمة كما أسلفنا. فهذه والتي قبلها تستوجب المنع والحظر من كل الشعوب الإسلامية المتحضرة سدا للذرائع.
فإن قيل في تلك الأغاني والألحان وآلات الطرب والموسيقي ... وتلك الصحف والمجلات المصورة (الصور الخليعة) كسب لأصحابها ورواج لتجارها وترفيه وتسلية وترويض لمشتريها ومستمعيها ومستهلكيها.. نقول: إن إثمها أكبر من نفعها، ومفاسدها أكثر من منافعها والقاعدة الشرعية الفقهية تقول: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وإن هذا الكسب لكسب خبيث جدا لما في الحديث المروي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: (أخبث الكسب كسب الزمارة) . رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا بإسناد حسن. ولما في الحديث المرفوع عنه ﷺ وهو أن ((بعثت بكسر المزامير والمعازف)) ثم قال: ((كسب المغنية حرام، وكسب الزانية سحت. وحق على الله أن لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت)) . رواه ابن الجوزي.
ولما في حديث صفوان بن أمية، قال: (كنا عند رسول الله ﷺ فجاء عمرو بن مرة. فقال: يا رسول الله، إني قد كتب على الشقوة، فما أراني أرزق إلا من دفي بكفي، فأذن لي في الغناء، فقال رسول الله ﷺ : ((لا آذن لك ... كذبت أي عدو الله، لقد رزقك الله طيبا حلالا. فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه عما أحل الله لك من حلاله. ولو كنت تقدمت إليك لفعلت بك وفعلت، فقم عني وتب إلى الله. أما إنك إن فعلت بعد التقدمة إليك ضربتك ضربا وجيعا، وحلقت رأسك مثلة ونفيتك من أهلك، وأحللت سلبك نهبة لفتيان أهل المدينة ... )) رواه ابن ماجه وابن الجوزي في (تلبيس إبليس) والذهبي في (الميزان) وضعفوه.
стр. 4687
ونقول –ايضا-: إن الإسراف في إنفاق المال أو القوة والتفكير، أو الوقت والصحة والترفيه المطغي لمما يحرمه الشرع. قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ؟ (١) وقال: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ . (٢)
فمن هذه الآيات وغيرها نعلم تحريم كل من التبذير بأنواعه، والإسراف بأنواعه. وكذلك الترف، لأنه منكر في الإسلام وشريعته، لما يخلفه من انهيار وانحراف وانحلال وترهل في بنية الفرد وسلوكه، ولما يبثه من فساد وتعفن في كيان الفرد والجماعة فالمترفون كانوا –وسيكونون دائما- أسباب انهيار المجتمعات، كما هو الواقع، وكما أخبرنا الله تعالى في كتابه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ . (٣)
وفي الحديث قال ﷺ : ((إن شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم، ونبتت عليه أجسامهم)) البزار.
وقوله ﷺ : ((إن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم فضعفت قلوبهم وجمحت شهواتهم)) رواه: البخاري.
وقوله ﷺ : ((إنما أخشي عليكم شهوات الغي في بطونكن، وفروجكم ومضلات الهوى)) رواه المنذري وأحمد.
ومن هذا كله نفهم أن الأمة قد أصيبت من هذا الجانب بتلك الأدواء المهلكة أمة مهزومة ومهددة الكيان خلقيا وعقليا بطوفان الوقاحة وجموح الشهوات من كل جانب وفي كل قطر من أقطار الأمة الإسلامية –إلا ما شاء الله-.
الهيجان الجنسي الخطير قد انبعث من تأثير الآداب المنحرفة، والصور المكشوفة والرقص والمسرحيات، فأضرمت نار الشهوة في العوام ثم الجرائد والمجلات المغرية أظهرت القصص الجنسية والصور العارية.. فنتج من ذلك الأمراض الفتاكة كمرض الزهري.
стр. 4688
وفساد النظام العائلي. والاجتماعي والمالي.. وخلاصة القول منع تلك المظاهر المفسدة منعا باتا من جميع أقطار الأمة الإسلامية. لحرمتها بالنصوص السابقة، وردا لمفاسدها الخطيرة والتعزير الرادع على كل من لم يمتنع عنها بعد تحذيره عنها بشرط. أن يكون التعزير زاجرا عن ممارسة تلك المفسدة.
تنبيه في تعزير المجرم
" إن تعزير المجرم أمر مشروع، وهو تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود، وقد يكون تأديبا زائدا على حد ذنب له حدود مقدرة.
وهي أنواع وأشكال مختلفة، ويترك للحاكم أن يختار من بينها النوع الملائم للجريمة وحال المجرم، وهي تبتدئ بالإنذار والتهديد. وتنتهي بأشد العقوبات وقد تصل إلى القتل كقعوبة مدمن الخمر في المرة الرابعة، فعن معاوية بن أبي سفيان أن النبي ﷺ قال في شارب الخمر: ((إذا شرب فاجحلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة فاضربوا عنقه)) . رواه أبو داود والترمذي، وابن ماجه برواة ثقات، وقد روي عن جماعة من الصحابة ﵁ نحو هذا.
وعد من أنواعها تحريق البيت على من تخلف عن حضور الجماعة إذا لم يكن معه فيه من لم يستحقها من النساء والذرية. ففي الحديث قوله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لهممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم بالناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم)) . رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لأحمد: أنه ﷺ قال: ((لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار)) . رواه: الإمام أحمد.
ومنها عقوبة الحبس والتغريب والإبعادو التوبيخ والتهديد والتشهير.
ومنها: الغرامة وتضعيف الغرم، والغرامة المالية.
ومنها: الهجر والتهديد ومنع الاقتران بالنساء.
ومنها: العزل عن الوظيفة، والحرمان من بعض الحقوق، كالحرمان من تولي الوظائف العامة،، ومن تولي أداء الشهادات وكإسقاط النفقة ونصيبه في التركة.
стр. 4689
ومنها: المصادرة والإزالة كمصادرة أدوات الجريمة وما حرمت حيازته وكهدم ما بني في مكان محظور، وكإعدام أواني الخمر وأدوات اللهو المحرم.... ولكل نوع من أنواع تلك التعاذير أدلة من الكتاب والسنة وعمل الصحابة والسلف الصالح. كما أن لكثير منها أمثلة وأقيسة. فمن ذلك ما يلي:
١- أما تحريق البيت على المتخلف عن الجماعة: فقد سبق لنا حديث الصحيحين الدال على العزم الأكيد بالتحريق. وقد بينت الرواية الثانية على وجود المانع.... فمحمد ﷺ لم ينفذ تلك العقوبة. ولكن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁ نفذ شبه هذه العقوبة. فقد روي: " أن عمر ﵁ أحرق قصر سعد بالكوفة لما احتجب فيه عن الرعية ".
وفعل عمر ﵁ مثل هذا الفعل ببيت وجد فيه الخمر تعزيرا لصاحب البيت فقد روي أن عمر ﵁ حرق بيت رجل من ثيف وجد فيه شرابا مسكرا وكان يقال لهذا الرجل: " رُوَيْشِد " فقال له: " فُوَيْسِق ". انظر " كتاب الأموال " لأبي عبيد ص: ١٠٢ وما بعدها.
وقد قيل: إن لهذا الخليفة العادل ﵁ في التعزير اجتهادا وافقته عليه الصحابة لكمال نصحه ويقظته لمصلحة أمته. ووفور عقله وحسن اختياره للأمة وحدوث أسباب اقتضت تعزيره لهم تعزيرا زاجرا. ولم يكن مثلها في عهد المصطفى ﷺ . أو زاد الناس عليها فمن ذلك أنهم لما زادوا في شرب الخمر وتتابعوا فيه بعد أن كان قليلا في عهده ﷺ جعل حد الشارب ثمانين جلدة ونفي فيه ". انظر " إغاثة اللهفان " (١ / ٣٣٣) .
٢- وأما عقوبة الحبس: فهي عقوبة تعزيرية ثانوية والحبس إما أن يكون محدود المدة وإما أن يكون غير محدودها: فالنوع الأول تعاقب به الشريعة على المجرمين غير المعتادين للإجرام. وأقل مدته " يوم وليلة " وحده الأعلى غير متفق عليه: فقيل: " بستة أشهر " وقيل " بسنة " وقيل: يترك تحديده لأولى الأمر: وهذا القول الأخير أقرب إلى الصواب، وإلى محاسن الشريعة ومرونتها ولكن يشترط فيه: أن يؤدي إلى إصلاح الجاني وتأديبه.
والنوع الثاني من الحبس يعاقب به المجرمون المعتادون على الإجرام. ومن لا تردعه العقوبات العادية فيكون المجرم محبوسا حتى يتوب. ويظهر صلاحه. وإلا يبقى محبوسا مكفوفا شره عن الناس.
стр. 4690
وروري " أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة ". رواه: أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه وزاد الأخيران: " ثم خلى عنه ".
٣- وأما عقوبة التغريب فهي عقوبة تعزيرية يلتجأ إليها إذا تعددت أفعال المجرم وتعدت إلى اجتذاب غيره إليها أو إلى استضراره بها أيا كانت نوعية الجريمة وذهب أغلب الفقهاء إلى جواز زيادة التغريب عن سنة واستحسنوا ترك تحديدها لأولى الأمر. ويرى بعض منهم أن يوضع المغرب تحت المراقبة في المكان الذي غرب إليه.
وقد عاقب النبي ﷺ بالتغريب على الرجال المتشبهين للنساء حيث أمر بإخراج المخنثين من المدينة. ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: ((أتي رسول الله ﷺ بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء. فقال ﷺ : ما بال هذا؟ قالوا: يتشبه بالنساء. فأمر به فنفي إلى النقيع –بالنون-. فقيل: يا رسول الله ألا تقتله؟ فقال: إني نهيت أن أقتل المصلين)) رواه أبو داود. وعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: ((أن النبي ﷺ أخرج المخنث)) أخرجه الطبراني. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ((لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم، فأخرج النبي ﷺ فلانة، وأخرج عمر ﵁ فلانا)) . رواه: الإمام أحمد والبخاري.
وعاقب بالتغريب –أيضا- كل من أبي بكر وعمر ﵄ كما في الحديث الآنف الذكر، وكما في الحديث (أن أبا بكر الصديق أخرج مخنثا) . رواه البيهقي.
وفي الحديث الآخر: (أن عمر بن الخطاب ﵁ أخرج واحدا من المخنثين) رواه البيهقي.
وفي الأثر: (أن عمر ﵁ عاقب نصر بن الحجاج بالنفي من المدينة) كما سبق.
وعاقب به –أيضا- صبيغا، مع الجلد والهجر عن كلامه حتى تاب، وكتب عامل البلد الذي غرب إليه إلى عمر ﵁ بتوبته فأذن للناس في كلامه.
٤- وأما عقوبة الغرامة: ففي الحديث أن النبي ﷺ قال: ((في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون لا تفرق إبلها عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا فله أجرها. ومن منعها فإنا آخذها وشطر إبله ... )) رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وقال ابن معين: إسناده صحيح كما في (زاد المعاد) (٣/ ٢٢٩) . فدل هذا الحديث على تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله.
وفي الحديث الآخر قوله ﷺ : ((من خرج بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة..)) رواه أبو داود والنسائي.
стр. 4691
٥- وأما العقوبة بالهجر والتهديد والمنع من اقتران النساء (فقد عزر النبي ﷺ بها على الثلاثة الذين خلفوا عنه ﷺ في غزوة تبوك. كعب، ومرارة، وهلال) كما رواه البخاري ومسلم. وكذلك (عاقب بها عمر ﵁ صبيغا) كما سبق.
٦-وأما عقوبة التهديد: فهي عقوبة تعزيزية شرعية، بشرط أن لا يكون التهديد تهديدا كاذبا، وأن يرى الحاكم صلاحه في تأديب الجاني، وذلك مثل: أن القاضي أن عاد المجرم إلى جريمة أنه سيعاقبه بالحبس، أو بأقصى العقوبة.. وقيل (إن من التهديد الشرعي حكمه بالعقوبة ثم توقيف تنفيذها إلى مدة معينة) .
٧- وأما عقوبة التشهير: فهي عقوبة تعزيرية شرعية تعاقب بها على المجرم فتحرمه من ممارسة الأعمال المدنية والاجتماعية.. ويحصل التشهير بالإعلان عن جريمة المحكوم عليه –ككذبه، وخيانته. وغشه، وسلوكه الخبيث- بجميع وسائل الإعلام.
٨-وأما عقوبة العزل عن الوظيفة والحرمان عن بعض الحقوق.. فهي صارمة يفقد المجرم بسببها كثيرا. فتفقد الزوجة الناشزة نفقتها واحترامها ويفقد الزوج الخؤون سكنه واحترامه.. ويعدم العامل المضيع أو الخائن.. عمله ووظيفته..
ويفقد التاجر الكذاب الغشوش ... ثروته ... ويفقد الصانع والمحترف والطبيب صنعته وحرفته ... وهكذا هذه العقوبة تنطبق على جميع الموظفين، سواء كان عاملا رسميا أو مؤقتا.. وعلى أصحاب الحقوق فقاتل المورث يحرم من نصيبه في تركة المقتول تعزيرا له.
والغانم المجاهد يحرم من نصيبه من الغنيمة لغشه أو لتواطئه مع غيره، كما في حديث عوف بن مالك الأشعري في قصته مع خالد بن الوليد والمددي في غزوة تبوك ... التي رواها مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه. تركتها لطولها، وقلة جدواها لموضوعنا.
٩- وأما عقوبة المصادرة والإزالة فهي عقوبة شرعية رادعة. وهي تحصل بالمصادرة بأدوات الجريمة، كالبندق والمسدس، والخنجر ... إلخ ...
стр. 4692
وكمصادرة كل ما حرمت حيازته أو حظر لمصلحة المجتمع.
وتحصل بإزالة وهدم البناء الذي بني في مكان محظور أو بني لممارسة المحرمات فيه، كحوانيت الخمارين.. وبإعدام أواني الخمر وغيرها من آلات الملاهي والمخدرات والمواد المضرة المحظورة: انتهي التنبيه.
١٠- الفصل بين الرجال والنساء –من غير مفاضلة بين الجنسين- في المدارس والمكاتب، والمتنزهات والأندية.. إلا فيما دعته الضرورة لأن الضرورات تبيح المحظورات ولكنها تقدر بقدرها –لما أسلفناه من الأضرار الجسيمة الناجمة من الخلطة الفاحشة. لا سيما المراهقين والمراهقات. ومن فوق هذه المرحلة من تلاميذ المدارس والمعاهد العلمية؛ لأن الاختلاط في المدارس في تلك المرحلة قد أضر كلا من البنين والبنات، بل تضرر البنات به أكثر وأشد من تضرر البنين به، كما هو الواقع، وشهد به دعاة الاختلاط أنفسهم في البلدان المتقدمة..
فالفصل بين الجنسين ضرورة حتمية لكل مجتمع يريد صيانة أعراضه وشرفه ودينه الحق من الضياع، ولكل مجتمع يريد التقدم العلمي والعقلي والأخلاقي لا بد له من مراقبة شبابه وصيانتهم من كل ما يدعوهم إلى الميوعة والانحلال.
ومعلوم أن الاختلاط قد عاق كثيرا من شباب هذا العصر المادي، وأفقدهم التوازن العقلي، ففشلوا في التعلم والتكسب، والتنمية الجسمية والصحية بسبب هيجان الغريزة الجنسية التي يثيرها داما ذلك الاختلاط والاحتكاك مع ما يصاحبه من الهيجان، كما سبقت الإشارة إليه.
فالشاب الذي وجد الفرصة للتعليم العالي لا يقدر ممارسة دراسته إلى تلك المرحلة، إلا النزر القليل، وما ذلك إلا من شؤم الاختلاط والاحتكاك الجنسي. فتراه وقد سقط فريسة لهذا الطوفان وقل في الشابة كذلك ... فماذا ترجو ممن قلت فرصته من فرصة ذلك الذي كان من إمكانه أن لا ينشغل ولا ينجذب إلى لذة جنسية لولا هذا الاختلاط المثير ... لأنه قد قيل: إن لذة العلم في المرحلة العليا من مراحل التعليم بل وفي مرحلة التفتح العلمي يعمي ويغني عن النكاح والتفكر فيه ...
وتري كذلك كثيرا من الشباب اليوم لا يقدرون ممارسة التجارة الخاصة، أو تنمية الثروة التي ورثها من والده.. وما ذلك إلا بسبب الاختلاط والتبرج المثير ...
стр. 4693
وقل كذلك في فقدان القوة العقلية والفكرية والجسمية عند كثير من شبابنا فلنجزم الفصل بين الجنسين في الميادين التي ذكرناها. ولنجاوز كل ما أثاره الإباحيون حول الفصل والستر والحجاب.. بصفة لا تنقص المرأة ولا تخلفها عن الركب.. وقد يحتاج حل هذه المشكلة إلى تدابير عديدة قبل تقريرها.
أحسنها أن تكون محاولة الفصل بينهما بالنسبة للمتعلمين والمتعلمات كالآتي:
١-تدريب معلمات متفوقات وتكوينهن تكوينا علميا وخلقيا لجميع مراحل التدريس لا سيما بما بعد الابتدائية, ولا بد للتغلب على الصعوبات أن لا يقل عدد هؤلاء المعلمات بالنسبة للمعلمين الذكور قدر ثلثهم. وذلك لكي يتغلب التعلل بقلة المعلمات.
٢-تكثير المدارس والمعاهد والجامعات في البلدان الإسلامية حتى يفحم المتعللون بقلة المدارس فيها واقعيا.
٣- ثم الفصل بين البنين والبنات على نحو الترتيب التالي: يكون الفصل بينهما:
أولا: في فصول التعليم.. ثانيا: في بناياتها. ثالثا: في ساحات الاستراحة والملاعب أو الساعات. رابعا: في تعيين المعلمات لفصول البنات والمعلمين لفصول البنين.. والأحسن أن يكون البدء بذلك: بالفصول الإعدادية –حتى يبلغ أعمار تلاميذها الرابع عسر أو الخامس عشر- ثم الثانوية ثم الكليات. وأخيرا في المدارس الابتدائية.. بشرط مساواة أكثر المواد المدروسة للبنين والبنات بصفة عامة ولكل نقطة من تلك النقط عللها، ومسوغاتها، وأسبابها وغاياتها ... تركتها مخافة طول الكلام فيها.
ملاحظة:
قد يقول بعض من العلماء الغيورين: إن تعليم البنات مقصور ببعض سور القرآن وببعض أحاديث كلها تتعلق بعبادتهم وإطاعتهن لأزواجهن. وأما المعاملات بالتجارة والصناعة والزراعة وغيرها من المعاملات فلا تحتاج إليها.. إلخ لقلة مسؤوليتهن.. وقد يقول آخر: إن النساء مثل الرجال في كل عمل، فلهن ما لهم، وعليهن ما عليهم، فلهن أن يمارسن كل عمل تمارسه الرجال كالجندية والسياسة والهندية.. وغيرها مما سهل وصعب.. فنقول: إن كلا القولين مرفوض لما فيهما من التشدد والتساهل فأنا لا أوافق هذا في جميع ما قاله، ولا ذاك.. بل أقول: خير الأمور أوسطها.
стр. 4694
وإن أصل طلب العلم وتعلمه فرض أو مندوب أو مباح. أو محرم أو مكروه. كما هو معروف، ففي الحديث المشهور قوله ﷺ : ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)) . وفي رواية ((ومسلمة)) رواه البخاري في الصحيح. وابن ماجه في السنن. فمن هذا نفهم أن طلب العلم فرض وواجب على الرجل والمرأة المسلمين.
وقد قال الفقهاء (إن تعلم العلم يكون (فرض عين) بقدر ما يحتاجه الإنسان لإصلاح دينه ويكون (فرض كفاية) بما زاد عليه لنفع غيره.. ويكون (مندوبا) كالتبحر في علم الفقه وعلم القلوب.. ويكون (حراما) كعلم الموسيقي والشعوذة، والسحر، والتنجيم.. ويكون (مكروها) كأشعار المولدين من الغزل والبطالة، إلا لحاجة بلاغية علمية. ويكون (مباحا) كأشعارهم التي لا سخف فيها ولا كذب إذا سلمت من إضاعة الوقت) .
فلنكتف من هذه الأنواع بالنوع الأول وهو (فرض العين) : فمنه:
(معرفة حق الخالق، وحق المخلوقين علي مقتضي الشريعة. فيدخل في هذا القسم معرفة الله ورسوله.. والإسلام بصفة عامة، ومعرفة الطريق لإصلاح القلب والنفس.
ويدخل فيه تعلم الفقه المحتاج إليه بأنواعه: كالعبادات والمعاملات والأخلاق.. ومعرفة النواحي الأساسية في التربية الإسلامية ومعرفة شيء من السيرة وحياة الصحابة.. ومعرفة تجويد القرآن الكريم.
ومعرفة نواقض الإسلام وعلم رد الضلالات المنتشرة في كل وقت وما يناسبه.. وتعلم القتال أحكامه وأدواته وأساليبه بصفة عامة، والتعرف على أحوال المسلمين بقدر المستطاع.. فكل هذا فرض عين على الرجال والنساء من غير فرق) انتهي.
стр. 4695
ومن هذا نعلم أن علوم العقيدة وعلم النفس والقلوب والفقه بأنواعه –ما عدا الحدود والفرائض والقضاء- وعلوم التربية والتاريخ، وعلوم القرآن، والأخلاق والدعوة والدفاع كلها تدخل في هذا القسم الذي يستوي في أصل تعلمه الرجال والنساء.
وأما العمل في نظر الشريعة فإنه عماد الحياة وأساس السعادة في كل أمة في جميع الميادين لذا حض الإسلام عليه ورغب فيه، ونوه به فقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ . (١) وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ . (٢) . وقال: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ . (٣)
وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ . (٤) .
وفي الحديث قوله ﷺ : ((ما من مسلم يغرس غرسا –أو يزرع زرعا- فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)) .
وفي حديث آخر قوله ﷺ : ((إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)) البزار بسند ثقات، وأحمد وإسناده صحيح.
وفي حديث آخر قوله ﷺ : ((إن الله يحب العبد المحترف)) .
وفي الحديث الآخر: ((اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا)) .
وقال عمر ﵁: (إني لأكره أن أرى الرجل، لا في أمر دنياه ولا في أمر آخرته) .
وقال فقهاء المسلمون: (لو احتاج المسلمون إلى صناعة إبرة ولم يوجد بينهم من يحسن صناعتها فكل المسلمون آثمون) .
فمن هذا نأخذ أن العمل واجب في جميع الميادين. فمن قصر فيه فعليه ذنب لا يغتفر إلا إذا عمله آخرون ... كما هو واضح.
وإن العمل مطلقا حق لكل مسلم: ذكر أو أنثى، غني وفقير، صغير وكبير، عالم وجاهل. فلا يمنع منه إلا إذا ثبت ضرره له أو للآخرين. فيمنع عنه دفعا للضرر؛ لأن دفع الضرر مصلحة يرعاها الإسلام. لقوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) . رواه الإمام مالك وأحمد وابن ماجه والبيهقي والدارقطني.