← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

هـ- الرضاعة: تعتبر الرضاعة من الوسائل الفسيولوجية لمنع الحمل.. وهي طريقة موغلة في القدم، وقد وجد أن افراز البرولاكتين Prolactin من الغدة النخامية Pitfond وخاصة إذا كانت المرأة تعاني من نقص في التغذية يؤدي إلى منع إفراز البويضة.. وهذه الطريقة قد هيأها الله تعالى للمرأة في الأزمنة الغابرة والحاضرة لمنع الحمل أثناء الرضاع بصورة فسيولوجية.. إلا أن هذه الطريقة نسبة الفشل فيها عالية. ولذا فقد ورد عن رسول الله ﷺ النهي عن وطء المرضع وسماه وطء الغيلة وأنه يدرك الفارس قيد عثرة، وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده قوله ﷺ ((لا تقتلوا أولادكم سرا فإن الغيل يدرك الفارس قيد عثرة من فوق فرسه)) (١) . ثم أباح رسول الله ﷺ وطء المرضع عندما رأي أنه لا يضر أمتين قويتين آنذاك هما الفرس والروم وكانوا يفعلونه – عن أسامة بن زيد أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: ((إني أعزل عن امرأتي فقال له رسول الله ﷺ : لم تفعل ذلك؟ فقال الرجل أشفق على ولدها فقال الرسول: لو كان ضارا لضر فارس والروم)) أخرجه مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده (٢) . وقد أزال العلماء التعارض الظاهر بين الحديثين ومن أحسن ما كتب ما قاله ابن القيم في زاد المعاد ثم في مفتاح دار السعادة (٣) . فقد أخبر المعصوم ﷺ أن وطء المرضع يضعف المولود حتى إن ذلك الضعف قد يدركه وهو على فرسه قيد عثرة فأرشدهم إلى تركه ولم ينه عنه نهيا قاطعا. ولما رأى أن الإمساك عن وطء النساء مدة الرضاع ولا سيما من الشباب وأرباب الشهوة التي لا يكسرها إلا مواقعة نسائهم يؤدي إلى مفسدة أعظم.. رأى ﷺ أن دفع المفسدة الأعظم أهم من دفع المفسدة الأصغر.. وقد رأى أن الغيل (وطء المرضع) لا يضر أمتين قويتين هما فارس والروم فعندئذ أرشد إلى مواقعة المرضع.

стр. 4972

و التعقيم: ويتم تعقيم الرجل بقطع الحبل المنوي في الجهتين.. وقد انتشرت هذه الطريقة في الهند خاصة عندما أمرت بتنفيذها قسرا أنديرا غاندي وأدى ذلك إلى اضطرابات كثيرة وسقوط حكمها آنذاك. أما تعقيم المرأة فقد يتم بإزالة الرحم أو المبايض وذلك عند إصابة هذه الأعضاء بمرض خطير أو نزف شديد.. أو ورم حميد أو خبيث. كما يتم عادة بربط وقطع قناتي الرحم Tubal Ligation ومن المعلوم أن ربط الحبل المنوي من الجهتين وقطعه لا يؤدي إلى العقم مباشرة ولا بد من مرور ثلاثة أشهر على الأقل قبل التأكد من أن الرجل أصبح عقيما.. ومع هذا فإن هناك نسبة لا يستهان بها بقيت لهم قوة الإخصاب رغم قطع الحبل المنوي من الجهتين حتى بعد مرور فترة طويلة من الزمن. وكذلك فإن هناك نساء عديدات حملن رغم ربط الأنابيب (قناتي الرحم) وقطعها وهذا مصداق لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ولقوله ﷺ : ((إذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء)) أخرجه مسلم. ز- الإجهاض: قد يعتبر بعضهم الإجهاض أحد وسائل منع الحمل ... وهناك ٢٥ مليون حالة إجهاض جنائي Induced or criminal abortion في العالم سنويا، ورغم أن هذه أبشع الوسائل لمنع الحمل فإنها للأسف لا تزال واسعة الانتشار. وتختلف وسائل منع الحمل في درجة نجاحها فبعضها ذات نسبة نجاح عال مثل حبوب منع الحمل وربط الأنابيب واللولب وبعضها ذات نسبة فشل كبيرة تصل إلى ٣٠ بالمائة مثل العزل والرضاعة.

стр. 4973

سياسة منع الحمل في البلاد الإسلامية (عربية وأعجمية) : بما أن الإسلام شجع على التناسل والنكاح ورسول الله ﷺ يقول: ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم)) رواه أبو داود والنسائي والحاكم وفي رواية ((تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم)) والأحاديث والآيات الحاثة على الزواج والتناسل كثيرة جدا فإن سياسة منع الحمل أو ما يسمى تنظيم الحمل والذي تقوم به كثير من الدول في البلاد الإسلامية (عربية وأعجمية) هو سياسة خاطئة تضاد مقاصد الشريعة من كثرة التناسل والزواج والحث عليهما. والأغرب من ذلك أن تقوم بعض الدول (المسلمة) بإكراه النساء على وسائل منع الحمل دون مراعاة لأدنى نصيب من إنسانية الإنسان وكرامته.. ففي بعض البلاد العربية التي تبذل كل جهدها في نشر وسائل منع الحمل بكافة الطرق يقوم الطبيب بإدخال اللولب I.U.D إلى رحم المرأة عند قيامه بفحصها دون علمها ولا رغبتها ولا موافقتها!! وذلك تنفيذا لأوامر الدولة!! وهو أمر يجافي أبسط المبادئ الإنسانية. كما أن هذه الدول تستدين مئات الملايين من الدولارات لتنفيذ سياسة منع الحمل.. وتوجه إعلامها لنشر هذه الوسائل والدعوة إليها.. والسخرية من الحمل وكثرة النسل. وإذا علمنا أن إسرائيل تشجع سكانها على التناسل.. وبدرجة مثيرة للتقزز عندما وقف بيجن وطلب من الإسرائيليات أن ينجبن سواء كان ذلك بطريق شرعي أو غير شرعي – إذا علمنا ذلك أدركنا أن أعداء الإسلام يعملون دائبين على منع الحمل بين المسلمين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وفي البلاد الاشتراكية (الشيوعية) تقوم الدولة بتشجيع الحمل إلا بين الفئات الإسلامية ففي الاتحاد السوفيتي مثلا انزعج المسئولون انزعاجا شديدا عندما رأوا أن المسلمين في آسيا الوسطى (جمهوريات أوزبكستان، طادجيكستان، قزقستان قرغيزيا وتركمنستان) وفي جمهورية أذربيجان وبقية مناطق القوقاز يتكاثرون بنسبة تبلغ ضعف ما عليه الروس والأوكران وهم يعملون بكافة الوسائل لنشر منع الحمل بين المسلمين وزيادة الحمل بين الروس والأوكران وبقية المجموعات غير المسلمة.

стр. 4974

وتقدم الدولة في الغرب وفي الاتحاد السوفيتي كافة المعونات للنساء الحوامل والمرضعات وتخفف الضرائب عن الأسر التي تعول أطفالا عديدين.. وكلما زاد عدد الأطفال كلما خففت الضرائب وزادت المعونة من الدولة على هيئة غذاء مجاني للأطفال.. بينما تقوم الدولة هناك بفرض ضرائب مرهقة على غير المتزوجين وعلى الأسر بغير أطفال. وأشد هذه الدول الغربية انزعاجا من قلة النسل هي الدولة الألمانية حيث انخفض أطفال الأسرة الواحدة في المعدل إلى ١.٦ ومعنى ذلك ببساطة أن سكان ألمانيا (من الألمان) سينخفضون تدريجيا.. ويواجهون مشكلة الانقراض إذا استمر انخفاض التناسل على ما هو عليه. ولا شك أن ارتفاع عدد السكان في أوربا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وأوائل العشرين هو الذي مكن لهذه الدول أن تبسط سيطرتها ونفوذها على مناطق العالم، وإذا علمنا أن كثرة النسل وزيادته في بريطانيا قد أدت إلى أن يستوطن البريطانيون أستراليا ونيوزيلنده وكندا والولايات المتحدة وبالتالي يفرضوا سيطرتهم ولغتهم وثقافتهم على تلك البلاد الشاسعة. ونظرة إلى الوراء توضح لنا سكان بريطانيا.. ففي عام ١٤٠٠م كان عدد سكانها لا يجاوزون مليونين فقط وفي عام ١٥٠٠ بلغوا ثلاثة ملايين وفي عام ١٦٠٠م بلغوا خمسة ملايين وفي عام ١٧٠٠ بلغوا سبعة ملايين وفي عام ١٨٠٠ بلغوا عشرة ملايين، ثم حدثت الطفرة التي جعلت بريطانيا الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين ففي عام ١٨٤٧ بلغ عدد السكان ٢٠مليونا وفي عام ١٨٨٢ قفزوا إلى ثلاثين مليونا وفي أوائل القرن العشرين (١٩١١) كانوا قد قفزوا إلى رقم ٤٠ مليونا.. وفي عام ١٩٥١ وصلوا إلى ٥٠ مليونا (١) وفي عام ١٩٧٨ كان عدد السكان قد تجاوز ٥٦مليونا (٢) .. وإذا قارنا الجزيرة البريطانية بالجزيرة العربية من حيث المساحة والسكان فإننا سنذهل للفارق الكبير بينهما فبينما نجد سكان المملكة العربية السعودية لا يتجاوزون ثمانية ملايين بما فيهم الأجانب نجد سكان بريطانيا قد تجاوزوا ٥٦ مليونا ... وبينما نرى مساحة المملكة العربية السعودية تبلغ ٢.٢٤٠.٠٠٠ كيلو مترا مربعا نجد أن مساحة المملكة المتحدة (إنجلترا وويلز وأسكوتلندة وشمال أيرلندة) تبلغ ٢٤٤.١٠٤ كيلو مترا مربعا..

стр. 4975

وتذكر دائرة المعارف البريطانية (١) أن سكان المملكة العربية حسب إحصاء عام ١٩٧٤ كانوا ٧.٠١٢.٦٤٢ (بما فيهم الأجانب الذين قدروا بأكثر من ثلاثة ملايين) أما الكثافة السكانية فتبلغ في المملكة ٣.١ لكل كيلو متر مربع (وإذا أخذنا الرقم بالنسبة للسعوديين فهو أقل من شخصين لكل كيلو متر مربع) . وبالمقارنة فإن الكثافة السكانية في المملكة المتحدة حسبما ذكرته دائرة المعارف البريطانية (٢) كانت ٢٢٩.٣ في كل كيلو متر مربع. أما عدد المواليد في المملكة فكانوا (في الفترة ١٩٧٠- ١٩٧٥) ٤٩.٥ لكل ألف من السكان. أما عدد الوفيات فكانوا ٢٠.٢ لكل ألف من السكان أي أن الزيادة هي ٢٩.٣ لكل ألف نسمة من السكان. وسجل معدل الأعمار في المملكة بـ ٤٤ عاما للذكور و٤٦ عاما للإناث (دائرة المعارف البريطانية) (٣) . وبالمقارنة فإن معدل الأعمار في المملكة المتحدة هو ٧٠ عاما للذكور و٧٦ عاما للإناث. أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وكندا (أمريكا الشمالية) فقد كان عدد سكانها عام ١٧٥٠ م مليون نسمة فقط. وبعد قرن واحد (أي عام ١٨٥٠م) بلغوا ٢٦ مليون نسمة، وبعد قرن آخر بلغ عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية (بدون كندا) أكثر من ١٦٦ مليونا وهذا ما أعطى الولايات المتحدة الزحم السكاني وحولها من مستعمرة لبريطانيا في القرن التاسع عشر إلى أعظم دول الأرض قاطبة في القرن العشرين.. وقد ارتفع السكان ارتفاعا حثيثا في هذه الفترة ولا يزال ارتفاع معدل السكان عاليا فقد زاد السكان عام ١٩٧٢ إلى ٢٠٩ مليون نسمة (٤) .. وفي عام ١٩٨٠ بلغ عدد السكان أكثر من ٢٣٠ مليونا وبالمقارنة فإن كندا التي تبلغ مساحتها ٩.٩٧٦.١٣٩ كيلو مترا مربعا فإن سكانها حسب إحصاء ١٩٧١ كانوا أقل من ٢٢ مليونا (٥) . وهذا ما جعل الولايات المتحدة التي تقل مساحتها عن مساحة كندا دولة عظمى بينما نرى كندا دولة من الدرجة الثالثة.

стр. 4976

ويقدر عدد سكان العالم العربي عام ١٩٧٦ بـ ١٤٦ مليونا (١) مليونا، بينما بلغ سكان العالم ٤٠٤٥ مليونا في نفس العام. وبما أن مساحة العالم العربي تشكل ١/١٠ من مساحة اليابسة من الكرة الأرضية فإن سكان العالم العربي ينبغي أن يكونوا أكثر من ثلاثمائة مليون نسمة.. وبما أن الموارد النفطية والمعدنية والزراعية في البلاد العربية كبيرة جدا فإن تقارير الجامعة العربية تؤكد أن البلاد العربية تستطيع أن تضاعف عدد سكانها دون أن تجد أي صعوبة في إطعامهم وإسكانهم وإيجاد العمل المناسب لهم إذا استغلت الطاقات العظيمة الموجود حاليا، وإذا نظمت الأمور تنظيما دقيقا نسبيا على التعاون والتكامل بين كافة الأقطار العربية (٢) . وقد جاء في تقرير برنامج الأمن الغذائي الذي أصدرته المنظمة العربية للتنمية الزراعية بالجامعة العربية أغسطس ١٩٨٠ ما يلي: ١- إن حجم الموارد الطبيعية سواء كانت الأرضية أو المائية يعد كافيا للوفاء باحتياجات الأمة العربية في المستقبل القريب والبعيد. ٢- إن آفاق التنمية الزراعية واسعة وإمكانياتها متاحة بلا حدود فيمكن زيادة الموارد المائية السطحية من ١٣٩ مليار متر مكعب إلى ٢٠٢ مليار متر مكعب وذلك بالتحكم فقط في فواقد الأنهار الحالية وتنفيذ مشروعات التخزين السنوي والمستمر. وكذلك نستطيع أن نضاعف مياهنا الجوفية المستغلة من ١٢ مليار إلى ٢٥ مليار متر مكعب سنويا.. وعلى ذلك يمكن مضاعفة المساحة المروية سنويا إذ يمكن زيادتها من نحو ١٢.٥ مليون هكتار إلى ٢١.٦ مليون هكتار عام ٢٠٠٠ الأمر الذي يشير إلى أن هناك إمكانيات هائلة لتنمية إنتاج الغذاء خاصة إذا استغلت هذه الموارد على الوجه الصحيح. ٣- إن مساحة الأرض الصالحة للزراعة في الوطن العربي تبلغ ٢٣٦ مليون هكتار لا يستغل منها حاليا سوى ٤٦ مليون هكتار. ويعتمد منها على الأمطار ٨٠ % من هذه المساحة وينخفض التكثيف الزراعي على هذه الأراضي المطرية بحيث لا يتعدى ٥٠ % وهو معدل ضئيل للغاية.

стр. 4977

ويستعرض ذلك البحث الضخم المكون من ٨ مجلدات كيفية الاستفادة من الإمكانيات الزراعية الهائلة المتاحة وغير المستغلة حاليا، كما يورد إحصائيات دقيقة عن الموارد المائية الممكنة في الدول العربية من مصادرها المختلفة والتي تبلغ ٢٣٨ مليار متر مكعب والذي لا يستغل منها حاليا سوى ١٥٦ مليار، وبطرق بدائية تسبب عدم الاستفادة حتى من هذه الكمية المستخدمة، كما يتحدث الباحثون بعمق عن مصادر الثروات الحيوانية وكيف يمكن مضاعفتها عدة مرات وكذلك الثروات السمكية والداوجن وغيرها. وخلاصة البحث أن البلاد العربية تستطيع أن تعتمد على نفسها في إطعام سكانها، حتى لو تضاعفوا إذا استخدمت الموارد المتاحة بطرق فنية جيدة وبتعاون وثيق بين مختلف الدول العربية. ويكفي أن تعلم أن السودان وحدها إذا استغلت إمكانياتها الزراعية والحيوانية تستطيع أن تطعم العالم العربي بأكمله، وهي تحتاج إلى أموال وإلى وفرة سكانية يمكن أن تأتيها من مصر التي تعاني من زيادة نسبية في السكان. ولهذا فقد أسمت الدوائر المطلعة السودان "سلة الخبز" للعالم العربي. إذن نخلص من هذا إلى أن سياسة منع الحمل التي تسير عليها الدول العربية والإسلامية الأخرى هي سياسة خاطئة علميا ودينيا وديموجرافيا. منع الحمل على مستوى الأفراد. إذا قررنا أن سياسة منع الحمل على مستوى الدولة سياسة خاطئة، فإننا نعتقد أن موضوع منع الحمل على المستوى الفردي يختلف تمام الاختلاف عن موضوع سياسة منع الحمل على مستوى الدولة. يقرر الإسلام أهمية الحمل والتناسل وما يكون فيهما من أجر للوالدين وخاصة الأم، ويعتبر الإسلام مشقة حملها وولادتها مثل مشقة الجهاد، ولها في ذلك مثل أجر المجاهد، ومع هذا فإن وسائل منع الحمل يمكن أن تمارس بشرط:

стр. 4978

١- أن لا تكون وسائل دائمة أي تؤدي إلى العقم مثل قطع الأنابيب وربطها وقطع الحبل المنوي وربطه أو استئصال الرحم ما لم يكن هناك سبب طبي قوي جدا لذلك الإجراء. ٢- أن لا يعقب استخدام وسائل منع الحمل خطر وضرر على صحة المرأة التي تستخدمها، فمثلا لا ينصح باستخدام حبوب منع الحمل في الحالات التالية: ١- أمراض القلب وضغط الدم. ٢- أمراض الكلى. ٣- أمراض الكبد. ٤- امرأة بلغت سن الخامسة والثلاثين فما فوقها. ٥- البول السكري. ٦- امرأة أصيبت بنوع من أنواع السرطان وخاصة سرطان الثدي وعولجت منه. ٧- امرأة أصيبت بجلطة أو تخثر في الدم. ٨- الأمراض النفسية مثل الكآبة والقلق والشيزوفرانيا. ٩- تزداد أضرار حبوب منع الحمل مع التدخين إذ أن كلاهما يؤثر على شرايين القلب والدماغ والأطراف وكلاهما يزيد من احتمال الإصابة بالجلطات. وتعتبر الوسائل الفسيولوجية هي أسلم الوسائل لمنع الحمل وهي العزل أي القذف خارج الرحم، وتنظيم الجماع بحيث يتجنب فترة نزول البويضة، والرضاعة أما الوسائل الميكانيكية فهي قليلة الضرر مثل الرفال Condon والحواجز والقبعة وهذه الوسائل جميعها نسبة الفشل فيها عالية إذ تترواح ما بين ١٠ بالمائة إلى ٣٠ بالمائة. وترتفع نسبة النجاح في استعمال اللولب ولكن محاذير اللولب كثيرة وهي:

стр. 4979

١- أن طريقة عمل اللولب وهو منع العلوق يعتبر نوعا من الإجهاض المبكر جدا، ويحرمه الإمام مالك والظاهرية (ابن حزم) . ٢- النزف المتكرر. ٣- آلام شديدة عند بعض النساء في الظهر وأسفل البطن. ٤- التهابات ميكروبية في الجهاز التناسلي. ٥- انثقاب الرحم وهو أمر نادر الحدوث ولكنه خطير. ٦- انغراز اللولب في جدار الرحم. ٧- قد يطرد الرحم اللولب دون أن تشعر المرأة فتحمل. ٨- تزداد نسبة الحمل خارج الرحم مع وجود اللولب. ٩- حدوث الحمل وغم وجود اللولب (بنسبة ٦ %) . المسوغات لتنظيم النسل: ١- الخشية على حياة الأم أو صحتها من الحمل والولادة إذا أخبر بذلك طبيب ثقة. ٢- الخشية من وقوع حرج دنيوي قد يفضي إلى حرج في دينه فيرتكب المحظور من أجل الأولاد. ٣- الخشية على الأولاد أن تسوء صحتهم أو تضطرب تربيتهم ٤- الخشية على الرضيع من حمل جديد. وقد أورد الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين (١) النيات الباعثة على العزل وقال هي خمس: الأولى: في الإماء، لأن حمل الأمة (الجارية) يمنع التصرف فيها حيث تصبح أم ولد. الثانية: استبقاء جمال المرأة واستبقاء حياتها خوفا من خطر الطلق ... وتكرر الحمل والولادة وهذا ليس منهيا عنه. الثالثة: الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد والاحتراز من الحاجة ودخول مداخل السوء، وهذا غير منهي عنه فإن قلة الحرج معين على الدين. الرابعة: الخوف من الأولاد الإناث. الخامسة: أن تمتنع المرأة لتعززها ومبالغتها في النظافة والتحرز من الطلق والنفاس والرضاع وكان ذلك عادة الخوارج. وهاتان النيتان (الرابعة والخامسة) نيتان فاسدتان ولا يجوز العزل من أجلهما.

стр. 4980

الأحاديث الواردة في العزل: ١- عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: ((كنا نعزل على عهد رسول الله والقرآن ينزل)) أخرجه البخاري ومسلم وزاد مسلم: ((فبلغ ذلك رسول الله فلم ينهنا)) . ٢- عن أبي سعيد الخدري ﵁: ((غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة بني المصطلق فسبينا كرائم العرب فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء فأردنا أن نستمتع ونعزل فقلنا نفعل ذلك ورسول الله بين أظهرنا لا نسأله، فسألنا رسول الله فقال: لا عليكم ألا تفعلوا ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون)) أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه والدارمي وأحمد. ٣- عن جابر بن عبد الله ﵁: ((أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال إن لي جارية هي خادمتنا وساقيتنا -وفي رواية: سانيتنا وهي بمعناه - وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل فقال: اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها فلبث الرجل، ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها)) رواه مسلم وابن ماجه وأحمد والدارمي. ٤- عن جابر بن عبد الله قال ((قلنا يا رسول الله كنا نعزل فزعمت اليهود أنه الموءودة الصغرى. فقال: كذبت اليهود إن الله إذا أراد خلقه لم يمنعه)) وفي رواية ((إذا أراد الله خلقه لم تستطع رده)) . أخرجه الترمذي وأحمد وأبو داود. ٥- عن عمر بن الخطاب ﵁: أن النبي ﷺ نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها رواه أحمد في مسنده. ٦- قال رجل في مجلس عمر ﵁ العزل كالوأد. فقال الإمام على وكان حاضرا المجلس: لا تكون موءدة حتى تمر عليها التارات (وفي لفظ: الأطوار) السبع: حتى تكون سلالة من طين ثم تكون نطفة ثم تكون علقة ثم تكون مضغة ثم عظاما ثم تكسى لحما ثم تكون خلقا آخر. فقال عمر ﵁: صدقت أطال الله بقاءك (ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم) . ٧-

стр. 4981

وقد أباح أصحاب المذاهب الأربعة العزل عن الأمة برضاها وبدون رضاها كما أباحوا العزل عن الزوجة الحرة برضاها لأن لها حقا في الولد. ولكن جاء في مذهب الأحناف: "إن خاف فساد الولد لسوء الزمان فله أن يعزل بغير رضاها، وكذلك إذا كانت الزوجة سيئة الخلق ويريد فراقها مخافة أن تحبل" (١) وأما المالكية والحنابلة فقالوا: لا يجوز له أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها لأن لها حقا في الولد (٢) ، وقال ابن قدامة: ظاهر كلام أحمد وجوب الاستئذان من الزوجة ويحتمل أن يكون مستحبا لأن حقها في الوطء دون الإنزال. وأما الشافعية فأباحوا العزل عن الزوجة على قولين أحدهما "أنه يجب إذنها والقول الآخر أنه لا يجب إذنها لأن لها حقا في الوطء فقط" (٣) . وأما الظاهرية فقال ابن حزم (أبو محمد) : "لا يحل العزل عن حرة ولا عن أمة" (٤) . ومما تقدم يتضح أن المذاهب الأربعة على إباحة العزل على ما ذكرنا من نياته الباعثة له كما ذكرها الإمام الغزالي في الإحياء مع اشتراط موافقة الزوجة ورضاها عند أغلب الفقهاء لأن لها حقا في الولد ولحديث عمر بن الخطاب ﵁ ((أن النبي ﷺ نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها)) رواه أحمد. فلا مسوغ إذن لمنع هذه الرخصة والتشدد فيها كما فعل بعض العلماء المحدثين مثل الإمام أبو الأعلى المودودي في كتابه حركة تحديد النسل، والباحثة أم كلثوم يحيى مصطفى الخطيب في رسالتها التي نالت بها الماجستير من كلية الشريعة جامعة الأزهر "قضية تحديد النسل في الشريعة الإسلامية". حيث حددوها فقط بوجود سبب طبي قوي وحيث رفضوا البواعث الأخرى التي ذكرها العلماء وأقروها. الدكتور محمد علي البار

стр. 4982

تنظيم النسل أو تحديده في الفقه الإسلامي إعداد الأستاذ الدكتور حسن على الشاذلي أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن نهج نهجه واتبع سبيله إلى يوم الدين. أما بعد: فإن العلي القدير، والمشرع الحكيم، له قدرة علية، وحكمة بالغة، وقدر نافد.. فبقدرته العلية خلق الأرض والسماء وما بينها، خلق الأرض وبارك فيها، وقدر فيها أقواتها، وخلق السماء، وأوحى في كل سماء أمرها، وزين السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم. وبحكمته البالغة خلق الإنسان من الأرض وجعله في الأرض خليفة، واستعمره فيها، وأمده بكل مقومات الحياة، فسخر له ما في السماوات وما في الأرض.. وعرض عليه الأمانة فحملها، وأرسل له الرسل مبشرين ومنذرين. وبقدرته وبحكمته وإرادته جعله متوالدا، متناسلا يتتابع في الوجود، ويتوالى في البقاء، فردا يرث فردا، وجيلا يرث جيلا، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ومن سنته الحكيمة وقدرته الفائقة أن جعل للتوالد بين كل الكائنات سببا، وللتناسل منهجا وطريقة، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الآيات من ٤٧ – ٤٩ من سورة الذاريات] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأية ٣ من سورة الرعد] . وقال تعالى بشأن الإنسان: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [الآيتان ٤٥-٤٦ من سورة النجم] وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الآيات من ٣٦- ٤٠ من سورة القيامة] . وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الآية ٥٤ من سورة الفرقان] .

стр. 4983

فالخلق والتوالد والتناسل قدر نافذ، وسلطان قاهر، وتدبير محكم من عزيز حكيم قدير، عالم بما خلق، محيط بما أوجد، حكيم في شرعه، وما كل الكائنات وجودا وعدما، زيادة ونقصا- إلا خاضعة لإرادته جل شأنه، ولمشيئته العلية لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وكان من حكمته أن شرع للإنسان – من أجل تناسله وتوالده، وإرضاء غرائزه، وصيانته وحفظه.. الزواج، فكان عقدا رضائيا، وكان من بين ثماره النسل والذرية ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ . [الآية ٤٩-٥٠ من سورة الشورى] . واليوم وقد زخر العالم بالخلق، وماج ببني الإنسان، أحاط به ظاهرتان تستدعيان النظر والبحث: ظاهرة كثرة النسل في بلاد ضاق خيرها وقدر رزقها، وظاهرة قلة النسل في بلاد كثر خيرها ووسع رزقها، مما دفع بعض القائمين على الأمور إلى التساؤل عن حكم الشرع في تحكم الزوجين في الإنجاب، هل يجوز أو لا يجوز؟ وعن الأسباب أو البواعث التي يمكن أن تكون صالحة شرعا للقول بذلك واستجابة لهذه الرغبة، وإجابة عن هذا التساؤل، رأيت أن أبين في هذا البحث حكم الشرع في "تنظيم النسل أو تحديده" بالنسبة للأفراد، أو الجماعات والدول متوخيا في ذلك بيان رأي الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة، ومرجحا ما يرجحه الدليل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وقد تناولته على المنهج التالي:

стр. 4984

أولا: مقدمة عن الزواج، وحكمته، والترغيب فيه، وعن آثاره. ثانيا: آراء الفقهاء في منع الحمل بالعزل ونحوه. الرأي الأول: يباح العزل مطلقا – وأدلته. الرأي الثاني: يحرم العزل مطلقا – وأدلته. الرأي الثالث: يباح العزل برضا الزوجين – وأدلة الترجيح. حقيقة الرضا أو الإذن من الطرف الآخر. استثناءات يجوز فيها العزل دون إذن. البواعث المشروع منها وغير المشروع ورأي الإمام الغزالي في ذلك. ثالثا: خلاصة ما أرجحه من رأي في تحديد النسل أو تنظيمه في الفقه الإسلامي. والله ولي التوفيق، وهو الهادي إلى سواء السبيل. أ. د/ حسن علي الشاذلي أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن كلية الشريعة والقانون – جامعة الأزهر القاهرة

стр. 4985

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حكمة مشروعية الزواج: شرع الله تعالى الزواج لحكمة عالية، ومصلحة محققة، وفوائد جمة لا يحدها لفظ، ولا يحيط بها تعبير، وإنما يدركها أولا العقلاء، وثانيا الخبراء والمتخصصون في الحفاظ على النفس البشرية، وحمايتها من غوائل الأمراض النفسية والعضوية والاجتماعية. ولقد نطق القرآن الكريم بهذه الحكم والفوائد، وأشار إليها أكثر من آية من آياته الكريمة، وكذلك نطقت بذلك سنة رسول الله ﷺ ، وأرى في هذا الموطن الذي يكفي فيه اللفظ مكان الإشارة، والإشارة مكان العبارة، والإيجاز مكان الإطناب.. أن أبرز في هذا المقام ما يلي:- أولا: الزواج نعمة وسكن لكلا الزوجين: قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) . وقال ﷺ ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)) (٢) . ثانيا: الزواج تعمير للكون وبقاء واستمرار لبني الإنسان: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (٣) . وعن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ نهى عن التبتل، وقرأ قتادة، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ رواه الترمذي وابن ماجه. وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة)) أخرجه ابن حبان وصححه، ورواه أحمد والطبراني في الأوسط.

стр. 4986

ثالثا: الترغيب في الزواج والحث عليه: قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) . عن ابن مسعود ﵁ قال: ((قال رسول الله ﷺ : يا معشر الشباب (٢) من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) رواه الجماعة. وعن أنس ﵁ أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ قال بعضهم: لا أتزوج، وقال بعضهم أصلي ولا أنام، وقال بعضهم، أصوم ولا أفطر، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ((ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) متفق عليه. وروي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)) (٣) .

стр. 4987

رابعا: الذرية منحة من الله تعالى ينظمها بحكمته، ويوزعها على الخلق بتدبيره: قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (١) . يقول ابن العربي قال علماؤنا: "يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا" يعني لوطا، كان له بنات ولم يكن له ابن ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ يعني إبراهيم، كان له بنون ولم يكن له بنت، وقوله ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ يعني آدم، كانت حواء تلد له في كل بطن توأمين ذكرا وأنثى، ويزوج الذكر من هذا البطن من الأنثى من البطن الآخر، حتى أحكم الله التحريم في شرع نوح ﷺ وكذلك محمد ﷺ كان له ذكور وإناث من الأولاد – القاسم والطيب والطاهر، وعبد الله (٢) وزينب وأم كلثوم ورقية وفاطمة، وكلهم من خديجة ﵂، وإبراهيم من مارية القبطية. ثم يقول: "وكذلك قسم الله الخلق من لدن آدم إلى زماننا هذا، إلى أن تقوم الساعة، على هذا التقدير المحمود بحكمته البالغة ومشيئته النافذة، ليبقى النسل، ويتمادى الخلق، وينفذ الوعد ويحق الأمر، وتعمر الدنيا، وتأخذ الجنة وجهنم كل واحدة ما يملؤها ويبقى، ففي الحديث: إن النار لن تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه (٣) ، فتقول قط قط، وأما الجنة فيبقى منها فينشئ الله لها خلقا آخر"، ثم يقول: إن الله تعالى لعموم قدرته وشديد قوته يخلق الخلق ابتداء من غير شيء، وبعظيم لطفه وبالغ حكمته يخلق شيئا من شيء لا عن حاجة، فإنه قدوس عن الحاجات سلام عن الآفات، كما قال القدوس السلام، فخلق آدم من الأرض، وخلق حواء من آدم، وخلق النشء من بينهما منهما مرتبا على الوطء، كائنا عن الحمل، موجودا في الجنين بالوضع، فالخلق والذرية تكون بتقدير من العزيز العليم، يوزعها على الخلق بتدبيره وبحكمته ويخص بها من يشاء من خلقه، ليبقى النسل، ويتمادى الخلق، وينفذ الوعد ويحق الأمر وتعمر الدنيا".

стр. 4988

خامسا: إرادة الزوجين وأثرها في تحديد عدد النسل: شاءت إرادة الله تعالى أن يكرم الإنسان ويفضله على كثير من خلقه فكان من إكرامه وتفضيله أن نظم له طريقة إشباع غريزته، وطريقة تكاثره وتناسله حتى يعمر الكون، ويتواصل، وتتوالي الأجيال جيلا بعد جيل، كما أوضحنا آنفا. فكان أن جعل الوسيلة إلى ذلك – هي عقد الزواج- الذي جعله عبادة، لما فيه من تحقيق هدف المشرع الحكيم كما جعله عقدا – فوضع له القواعد والضوابط الموضوعية وكذا الشكلية التي بها يتم تحقيق الهدف الذي شرع من أجله، فجعله عقدا رضائيا، يتم بإرادة الزوجين ورضاهما، وجعل العشرة بين الزوجين قوامها المودة والبر والرحمة والمعروف. وكما نظم المشرع الحكيم كل شئون هذا العقد، كذلك أحاط ثماره – وهم الأولاد – بالرعاية والحفظ والصيانة منذ اللحظة الأولى لبدء تكوين الجنين. وبين للزوجين حدود السلطة الممنوحة لهما إزاء هذا الجنين – سواء كان ذلك قبل التقاء الحيوان المني بالبييضة، أو بعد التقائهما.. وحتى خروجه من بطن أمه خلقا سويا، فتبارك الله أحسن الخالقين. وإذا كان موضوعنا الذي نتحدث عنه هنا هو "تنظيم النسل وتحديد عدده" فإننا نتناول هذا الموضوع طبقا للمنهج التالي: أولا: آراء الفقهاء في عدم الإنجاب: تناول الفقه الإسلامي بيان الحكم فيما لو أراد الزوجان أو أحدهما عدم الإنجاب رغم مواصلة المعاشرة الجنسية بينهما، وذلك من خلال بحث موضوع " العزل عن الزوجة أثناء الجماع" حيث إنه الصورة التي سئل رسول الله ﷺ عن حكمها والتي كانت هي المعروفة أو المشهورة في هذا الوقت لمنع الإنجاب، ويمكن أن يقاس عليها كل الوسائل التي عرفت حديثا والتي ستعرف ما دامت لا تؤدي إلى الإضرار بأي من الزوجين، ولا يؤدي إلى قتل الجنين في مرحلة من مراحله.

стр. 4989

حكم العزل عن الزوجة في الفقه الإسلامي: اختلف الفقهاء في حكم عزل الزوج عن زوجته أثناء الجماع إلى ثلاثة آراء نوضحها فيما يلي. ثم نرجح ما يظهر لنا رجحانه لرجحان أدلته: الرأي الأول: يباح العزل مطلقا- سواء أكان عن زوجته الحرة أو الأمة أو عن سريته، ودون توقف على إذنها – وهو رأي عند الشافعية (١) ، ورأي الفقيه محمد بن يحيى الهادي (٢) وأبو حامد الجاجرمي. وقد استدلوا بما يأتي: ١- ما روي عن جابر ﵁ أنه قال: ((كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل)) متفق عليه. ولمسلم بلفظ ((كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغه ذلك فلم ينهنا)) فهذا يدل على إباحته، وإلا لنهاهم النبي ﷺ . ٢- وعن جابر ﵁ أن رجلا أتي النبي ﷺ فقال: ((إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا في النخل، وأنا أطوف عليها، وأكره أن تحمل، فقال: اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها)) رواه أحمد ومسلم وأبو داود.

стр. 4990

٣- وعن أبي سعيد قال: قالت اليهود العزل الموءودة الصغرة، فقال النبي ﷺ ((كذبت يهود، إن الله لو أراد أن يخلق شيئا لم يستطع أحد أن يصرفه)) رواه أحمد وأبو داود (١) . ٤- وعن أبي سعيد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبيا من العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة، وأحببنا العزل، فسألنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال ((ما عليكم ألا تفعلوا فإن الله قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة)) متفق عليه. ٥- وقد جاءت الإباحة للعزل صحيحة عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص وزيد بن ثابت، وابن مسعود (المحلى ج١٠ ص٧١) . فمن هذه الأحاديث يتبين لنا ما يأتي: أن رسول الله ﷺ قال للرجل الذي سأله عن العزل عن أمته في حديث جابر ((اعزل عنها إن شئت)) فهذا يدل على إباحته العزل إذا شاء الرجل ذلك. وأيضا في حديث جابر الأول أن الرسول ﷺ لم ينه عن العزل عندما بلغه أن الصحابة كانوا يعزلون عن نسائهم، والقرآن ينزل، فلو كان محرما لحرمه الله تعالى. وأنه ﷺ حينما قال اليهود: ((العزل هو الموءودة الصغرى)) قال ((كذبت يهود إن الله لو أراد أن يخلق شيئا لم يستطع أحد أن يصرفه)) ، ومنه يتبين لنا أن العزل جائز وأنه ليس الموءودة الصغرى – أي ليس قتلا للنفس – وأن العزل لا يؤثر في إيجاد الولد أو عدم إيجاده، فإذا أراد الله وجوده وجد وإن وجد العزل، وإذا لم يرد وجوده لم يوجد وإن لم يوجد العزل.

стр. 4991

فقد نفى الرسول ﷺ تأثير العزل في وجود الولد ومنه يتبين أنه إذا لم يكن للعزل أثر في ذلك فلا تكون هناك حرمة في ذلك، فكما أن له أن يمتنع عن الوطء ابتداء كذلك يجوز له أن يعزل أثناء الوطء. وأيضا قوله ﷺ في حديث أبي سعيد حينما سئل عن رغبتهم في العزل في غزوة بني المصطلق ((ما عليكم ألا تفعلوا، فإن الله قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة)) ووقع في رواية البخاري وغيره بلفظ ((لا عليكم ألا تفعلوا)) قالوا ومعنى هذه العبارة ليس عليكم حرج في فعل العزل، وحينئذ تكون (لا) زائدة. وقد ناقش العلماء الاستدلال بهذا الحديث على جواز العزل وسنورد هذه المناقشة في الترجيح بين الآراء. كما نقل عن الشافعية إجازة العزل بلا إذن، وعليه الغزالي، وصححه بعض المتأخرين، وذلك لأنه لا حق للمرأة عندهم في الجماع، فضلا عن أن يحتاج في النزع قبل الإفراغ إلى إذنها. وقيل عن الشافعي: لا حق لها فيه إلا الوطأة الأولى (١) . الرأي الثاني: يرى تحريم العزل مطلقا عن الحرة أو الأمة أو السرية، بإذن أو بدون إذن (وهو رأي ابن حزم الظاهري، ورأي للهادوية – القاسم العياني – وابن حبان) . وقد استدل لهذا الرأي بما يلي: ما روي عن جذامة بنت وهب الأسدية قالت: حضرت رسول الله ﷺ في أناس، وهو يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة (٢) فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم شيئا ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ : ((ذلك الوأد الخفي)) وقرأ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ رواه أحمد ومسلم.

стр. 4992

فهذا الحديث قد صرح فيه الرسول ﷺ بأن العزل هو "الوأد الخفي" "وإذا كان وأدا، فالوأد محرم، فيكون العزل محرما، سواء كان العزل عن حرة أو أمة (١) . وقال ابن حزم إن الأحاديث الأخرى غير حديث جذامة موافق لأصل الإباحة إذ الأصل في الأشياء الإباحة – وحديثها يدل على المنع، فمن ادعى أن العزل قد أبيح بعد أن منع فعليه البيان، فحديث جذامة هو الناسخ لجميع الإباحات المتقدمة. وأما حديث أبي سعيد (٢) والذي جاء فيه عقب سؤالهم رسول الله ﷺ عن العزل قوله ((ما عليكم ألا تفعلوا)) وفي رواية في البخاري ((لا عليكم ألا تفعلوا)) قال ابن سيرين: هذا أقرب إلى النهي. وحكى ابن عون عن الحسن أنه قال: والله والله لكان هذا زجرا. قال القرطبي: كأن هؤلاء فهموا من (لا) النهي عما سألوه عنه، فكأنه قال: لا تعزلوا، وعليكم ألا تفعلوا. ويكون قوله: وعليكم إلى آخره تأكيدا للنهي. وقد رد على هذا بأن الأصل عدم التقدير، وإنما معناه: ليس عليكم أن تتركوا (أي العزل) وهو الذي يساويه "ألا تفعلوا". وقال بعض العلماء: معنى قوله ((لا عليكم ألا تفعلوا)) أي لا حرج عليكم.. أي لا تفعلوا، ففيه نفي الحرج عن عدم فعل العزل، فأفهم (ذلك) ثبوت الحرج في فعل العزل، ولو كان المراد نفي الحرج عن فعل العزل، لقال ﷺ : ((لا عليكم أن تفعلوا)) إلا أن يدعى أن (لا) زائدة، فيقال: الأصل عدم الزيادة فيكون الحديث دالا على النهي عن العزل أيضا.

стр. 4993

كما استدل ببعض الآثار المروية عن بعض الصحابة، ومنها: ما روي عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر كان لا يعزل، وقال لو علمت أحدا من ولدي يعزل لنكلته، قال أبو محمد: لا يجوز أن ينكل على شيء مباح عنده. ومنها ما روي عن على بن أبي طالب ﵁ "أنه كان يكره العزل ". وما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال في العزل "هي الموءودة الخفية" وعنه أيضا: هي الموءودة الصغرى. وعن أبي أمامة قال "ما كنت أرى مسلما يفعله". وما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال "ضرب عمر على العزل بعض بنيه" وما روي عن سعيد بن المسيب قال "كان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ينكران العزل" (١) . كما قالوا إن النهي عن العزل يترتب عليه أمور كلها تؤدي إلى منعه، وهي: ١- تفويت حق المرأة: لأن لها في الإنزال لذة، ولها في الولد حق، وتفويت حقها لا يصح. ٢- "وأن العزل معاندة للقدر ... " وحاشا لله أن يعاند مؤمن القدر. ٣- وأنه إضرار بالمرأة حيث يترتب عليه ضرر بها، والضرر مرفوع لحديث الرسول ﷺ ((لا ضرر ولا ضرار)) لكل ذلك يكون العزل محرما شرعا. الرأي الثالث: يرى إباحة العزل إذا أذنت الزوجة، وعدم إباحته إذا لم تأذن (وهو رأي جمهور الفقهاء – الحنفية – المالكية – رأي للشافعية – الحنابلة – الزيدية – الإمامية – الإباضية) .

стр. 4994

ويمكن أن يقال: إن هذا الرأي جمع بين الأدلة، حيث حرم العزل إذا لم تأذن الزوجة فيه – وحينئذ عمل بالأحاديث الدالة على التحريم – وأباح العزل إذا أذنت الزوجة فيه وحينئذ عمل بالأحاديث الدالة على الإباحة، إلا أن هذا التفرقة في الحكم بناء على وجود الإذن وعدمه تحتاج إلى دليل. كما أنهم أيضا اتفقوا على أن هذا هو الحكم إذا كانت الزوجة حرة، وأما إذا كانت أمة فقد اختلفوا في اعتبار الإذن أو عدم اعتباره، وفي اعتبار الإذن منها، أو من سيدها، ونوضح فيما يلي الحكم فيما إذا كانت الزوجة حرة، ثم إذا كانت أمة. حكم العزل عن الزوجة الحرة: لا يجوز العزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء كما بينا – وقد استدلوا على ذلك بما يلي: ١- جميع الأحاديث التي استدل بها أصحاب الرأي الأول – التي تفيد إباحة العزل – غير أن هذا الإطلاق الوارد في هذه الأحاديث قيد بإذن الزوجة في الخبر المروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ ((أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها)) رواه أحمد وابن ماجه (١) . وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ((نهي عن عزل الحرة إلا بإذنها)) أخرجه عبد الرزاق والبيهقي. قال الشوكاني حكي في الفتح عن ابن عبد البر أنه قال "لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها، لأن الجماع من حقها، ولها المطالبة به وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل. قال الحافظ ووافقه في نقل هذا الإجماع ابن هبيرة. غير أن دعوى الإجماع هذه يؤثر فيها ما أوردناه آنفا من الرأيين: الأول والثاني – التحريم مطلقا، أو الإباحة مطلقا.

стр. 4995

كما استدلوا بالمعقول، وهو أن للزوجة في الولد حقا، وعليها في العزل ضرر، فلم يجز إلا بإذنها "لأن إسقاط الحق لا يكون إلا من صاحبه، وتحمل الضرر لا يكون إلا برضا المضرور في حدود ما يتحمل شرعا". وقد ردوا على أدلة المحرمين للعزل بما يلي: عمدة أدلة المحرمين للعزل هو حديث جذامة بنت وهب الأسدية والذي قال فيه الرسول ﷺ بالنسبة للعزل ((ذلك الوأد الخفي)) وقرأ ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ . هذا الحديث يعارض الحديث الذي رواه أبو سعيد عن النبي ﷺ أنه قال حينما قالت اليهود العزل الموءودة الصغرى، قال ((كذبت يهود، إن الله لو أراد أن يخلق شيئا لم يستطع أحد أن يصرفه)) تقدم نصه. ونظرا لهذا التعارض بين الحديثين، فقد سلك العلماء في دفع هذا التعارض عدة مسالك: مسلك النسخ، مسلك الترجيح بالقوة والضعف، مسلك الجمع بينهما، ونوضح هذه الآراء فيما يلي: أ - المسلك الأول وهو النسخ: لما كان النسخ – اصطلاحا – هو أن يرد دليل شرعي متراخيا عن دليل شرعي مقتضيا خلاف حكم الدليل الشرعي المتقدم – وعندنا الآن في العزل دليلان أحدهما حديث جذامة وهو ينص على الحرمة، وثانيهما حديث أبي سعيد، وهو يدل على الإباحة، فقد رأى بعض العلماء أن حديث جذامة منسوخ بالأحاديث الدالة على الجواز، ومنها حديث أبي سعيد.

стр. 4996

ولما كانت دعوى النسخ هذه تحتاج إلى معرفة المتقدم من الأدلة والمتأخر، أي معرفة تاريخ ورود كل من النصين، ونظرا إلى أنه لم يعرف هذا التاريخ، لذلك كانت دعوى النسخ غير واردة، وتسقط. ومنهم من جعل حديث جذامة هو المتقدم، وأنه كان على وفق ما عليه أهل الكتاب، قال الطحاوي: يحتمل أن يكون حديث جذامة على وفق ما كان عليه الأمر أولا من موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه، ثم أعلمه الله تعالى بالحكم، فكذب اليهود فيما كانوا يقولونه. وقد تعقب ابن رشد وابن العربي هذا القول بأن النبي ﷺ لا يحرم شيئا تبعا لليهود، ثم يصرح بتكذيبهم فيه. وأيضا يمكنني أن أقول: إن قوله (يحتمل أن يكون ... ) لا يصلح أن يكون هذا الاحتمال طريقا لجعل حديث جذامة هو المتقدم. ب - مسلك الترجيح باعتبار السند: من بين العلماء من رجح حديث جذامة بثبوته في الصحيح، وضعف حديث أبي سعيد بالاختلاف في إسناده والاضطراب. قال الحافظ: ورد – على هذا – بأنه إنما يقدح في حديث لا فيما يقوي بعضه بعضا، فإنه يعمل به، وهو هنا كذلك، والجمع ممكن. ومنهم من ضعف حديث جذامة لمعارضته ما هو أكثر منه طرقا (١) . وقد رد على هذا، فقال الحافظ: وهذا دفع للأحاديث بالتوهم، والحديث صحيح لا ريب فيه، والجمع ممكن. جـ- مسلك الجمع بين الحديثين: سلك البيهقي مسلك الجمع بين الحديثين، فحمل حديث جذامة على الكراهة التنزيهية ومثله قاله الطحاوي (٢) ويقول الصنعاني "ونوزع ابن حزم في دلالة قوله ﷺ ((ذلك الوأد الخفي)) على الصراحة بالتحريم للوأد المحقق الذي هو قطع حياة محققة، والعزل وإن شبهه رسول الله ﷺ به، فإنما هو قطع لما يؤدي إلى الحياة، والمشبه دون المشبه به، وإنما سماه وأدا لما تعلق به من قصد منع الحمل ".

стр. 4997

وجمع ابن القيم بينهما فقال "الذي كذب فيه ﷺ اليهود هو زعمهم أن العزل لا يتصور معه الحمل أصلا، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم، وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأدا حقيقة، وإنما سماه وأدا خفيا في حديث جذامة، لأن الرجل إنما يعزل هربا من الحمل، فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد، لكن الفرق بينهما: أن الوأد ظاهر بالمباشرة، اجتمع فيه القصد، والعزل (١) يتعلق بالقصد فقط، فلذلك وصفه بكونه خفيا، وهذا الجمع قوي. فحديث جذامة حمل على التنزيه وتكذيب اليهود لأنهم أرادوا التحريم الحقيقي، وحمل تكذيب اليهود على أن العزل لا يتصور معه الحمل أصلا، كما قاله ابن القيم آنفا، ويدل لذلك قوله ﷺ ((كذبت يهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطاعت أن تصرفه)) أي أنه تعالى إذا قدر خلق نفس فلا بد من خلقها، وأنه يسبقكم الماء فلا تقدرون على دفعه، ولا ينفعكم الحرص على ذلك، فقد يسبق الماء من غير شعور العازل لتمام ما قدره الله. وقد أخرج أحمد والبزار من حديث أنس، وصححه ابن حبان أن رجلا سأل عن العزل، فقال النبي ﷺ ((لو أن الماء يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولدا)) وله شاهدان في الكبير للطبراني عن ابن عباس وفي الأوسط له عن ابن مسعود. ومن كل هذا يترجح لنا رأي جمهور الفقهاء في أنه يباح العزل عن الزوجة الحرة إذا أذنت في ذلك، ويحرم إذا لم تأذن.

стр. 4998

حكم العزل عن الأمة: الأمة إما أن تكون زوجة، أو تكون سرية. فإن كانت الأمة زوجة، فهناك اتجاهان رئيسيان: • الاتجاه الأول: يشترط الإذن: وهو رأي جمهور الفقهاء، إلا أنهم اختلفوا فيمن يؤخذ إذنه، هل يؤخذ إذنها، أو إذن وليها، أو هما معا: الرأي الأول: فيرى أبو حنيفة والحنابلة أن الإذن في العزل لمولى الأمة، وقالوا في توجيه ذلك: إن العزل يخل بحق المولى، وهو حصول الولد الذي هو ملكه فيشترط رضاه. بخلاف الحرة، لأن الولد والوطء حقها. الرأي الثاني: يرى الصاحبان " أبو يوسف ومحمد من الحنفية" أنه يشترط رضاها، دون رضى وليها، لأن الوطء حقها، والعزل تنقيص له. الرأي الثالث: يرى المالكية وقريب منه الإباضية، قال المالكية: يجوز لزوجها العزل إذا أذنت وسيدها معا له بالعزل، إذا كانت ممن تحمل ويتوقع منها الحمل وإلا فالعبرة بإذنها دون السيد، وقريب منه قول الإباضية يجوز له العزل عنها بإذنها، أو بإذن وليها، وإنه إن لم يأذن سيدها لم يجز إذنها. * الاتجاه الثاني: لا يشترط إذنا: وهو رأي الشافعية وكذا الزيدية حيث قالوا: "يجوز العزل عن الزوجة الأمة، والمملوكة مطلقا، أي سواء رضيت أم كرهت وسواء رضي سيد الأمة المزوجة أم كره". وأرى رجحان رأي جمهور الفقهاء الذين يشترطون الإذن في العزل عن الأمة المزوجة، كما أرجح الرأي القائل بأن الإذن في العزل يكون من حق الأمة فقط، لأن المولى برضاه بزواجها قد رضي بكل ما يترتب على العقد من أحكام وآثار، وأصبحت العلاقة بين الزوجين علاقة خاصة يحكمها عقد الزواج، فدخوله بعد ذلك في الحياة الزوجية – في العزل وغيره – أمر لا يتفق ومقتضى عقد الزواج وبخاصة أن الوطء حقها، والعزل تنقيص له – كما قاله الصاحبان.

стр. 4999

حكم العزل عن السرية: وأما السرية: فيرى الفقهاء (كما صرح: المالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإباضية) أنه يجوز لسيدها العزل عنها دون إذنها – وقد استدل الحنابلة بحديث أبي سعيد الخدري مرفوعا ((إنا نأتي النساء، ونحب إتيانهن، فما ترى في العزل؟ فقال ﷺ : اصنعوا ما بدا لكم، فما قضى الله تعالى فهو كائن، وليس من كل الماء يكون الولد)) رواه أحمد. أقوله: تأييدا لهذا الاستدلال إن هذا الحديث كان بشأن السبايا، فقد روي عن أبي سعيد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل، فسألنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: ((ما عليكم ألا تفعلوا فإن الله قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة)) متفق عليه – وقد تقدم نصه وتقدم مناقشة ما يفهم من هذا النص. وقال في الفتح "يجوز العزل عن السرية بلا خلاف عندهم، إلا في وجه حكاه الروياني في المنع مطلقا، كمذهب ابن حزم، وإن كانت السرية مستولدة فالراجح الجواز فيه مطلقا، لأنها ليست راسخة في الفراش، وقيل حكمها حكم الأمة المزوجة" (١) . وأرى رجحان الرأي الثاني، لأنها باستيلادها، أصبحت لا تباع ولا تشترى ولا توهب، وتعتق بمجرد موت سيدها، لذلك كان القول بقياسها على الأمة المزوجة أولى من قياسها على الأمة السرية. كما أرجح ما رآه الحنفية من أن المكاتبة حكمها حكم الحرة، في أن يؤخذ إذنها فقط عند العزل عنها.

стр. 5000

حقيقة الإذن المطلوب: الإذن المطلوب إما قطعي بأن تأذن له في العزل عنها صراحة، أو ظني، بأن كان الزوج يغلب على ظنه أنها رضيت بذلك، لا أنها ترضى بذلك بعد وقوعه – صرح بذلك: الزيدية، وللزوجة أن تعدل عن هذا الرضا في أي وقت تشاء، فإذا عدلت عنه يحرم على الزوج أن يعزل عنها. استثناءات لا تحتاج إلى إذن: ما يستثنى من الحالات التي يجوز فيها العزل دون إذن: نص بعض فقهاء الحنفية على بعض الحالات التي لا يحتاج فيها الزوج إلى إذن زوجته بالعزل عنها: جاء في الخانية "أنه يباح العزل في زماننا لفساده" – أي فساد هذا الزمان – قال الكمال: فليعتبر عذرا مسقطا لإذنها. وعلق ابن عابدين بقوله "قال الكمال عبارته" وفي الفتاوى: إن خاف من الولد السوء في الحرة يسعه العزل بغير رضاها، لفساد الزمان، فليعتبر مثله من الأعذار مسقطا لإذنها. كما أن قوله: "فليعتبر مثله من الأعذار ... " يحتمل أنه أراد إلحاق مثل هذا العذر به، كأن يكون في سفر بعيد، أو في دار الحرب فخاف على الولد، أو كانت الزوجة سيئة الخلق، ويريد فراقها، فخاف أن تحبل. فما رآه بعض الحنفية من الأعذار مجيزا لإسقاط إذنها، ينحصر في اتجاهين: أولهما: أن يكون العذر عاما، بأن يكون الزمن زمن سوء، ويخشى من الإنجاب في مثل هذا الوسط السيئ، أو أن يكونا في دار الحرب، ويخشى من استرقاق الولد.

стр. 5001

وثانيهما: أن يكون العذر خاصا، وذلك بأن يخشى من الحمل والولادة أثناء سفرهما سفرا بعيدا، أو كانت الزوجة سيئة الخلق ويريد فراقها فيخشى بأن تحبل ويترتب على ذلك ضياع الولد مستقبلا بعد فراقهما. وما قاله بعض علماء الحنفية هنا، لا ينطبق على الزوج وحده، بل وعلى الزوجة أيضا (١) . كما نص الحنابلة على أنه يجب على الزوج أن يعزل – عن زوجته الحرة أو الأمة – كما يجب أن يعزل عن سريته – بدار الحرب دون حاجة إلى الاستئذان – لئلا يستعبد الولد. البواعث التي يجوز من أجلها تنظيم النسل أو تحديده: تناول بعض العلماء هذه البواعث بإيجاز، وبعضهم تناولها بالتفصيل، وأورد فيما يلي ما نص عليه بإيجاز، ثم ما نص عليه بالتفصيل. الحنفية: يجوز عند فساد الزمان، وعند الخوف من الولد السوء، بأن كانت أمه سيئة الخلق – أو كان أبوه كذلك – ويريد كل منهما أو أحدهما الفراق، وكذا يجوز في السفر البعيد، وفي دار الحرب، خوفا على الولد. الحنابلة: يجب العزل في دار الحرب.

стр. 5002

الإباضية: قالوا "والعزل يكون للفرار من الولد خشية العيال، وإدخال الضرر على المرضع، واسترقاق الولد إن كانت أمة، ولإضرار المرأة بذلك. وأما الذين فصلوا فالإمام الغزالي في إحيائه جـ ٢ ص٤٧. فقد تناول آراء العلماء في حكم العزل، مرجحا إباحته، وإن ما ورد من النهي إنما هو لترك الفضيلة وليس لنهي التحريم، ولا لنهي التنزيه. وبعد أن استدل لهذا الفهم تساءل هل يكون النهي مكروها من حيث إنه دفع لوجود الولد، فلا يعدو أن يكره لأجل النية الباعثة عليه، إذ لا يبعث عليه إلا نية فاسدة فيها شيء من شوائب الشرك الخفي؟ ثم رد على هذا التساؤل مبينا البواعث على العزل وصحح أن يكون الباعث عليه (في السرراي) حفظ الملك عن الهلاك باستحقاق العتاق.. وفي الحرائر – استبقاء جمال المرأة وسمعتها لدوام التمتع بها واستبقاء حياتها.. أو الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد – وأما الخوف من الأولاد الإناث لما يعتقد في تزويجهن من المعرة، فهذه نية فاسدة، يأثم بها وكذلك إذا كانت المرأة تمتنع لتعززها ومبالغتها في النظافة والتحرز من الطلق والنفاس والرضاع ... فهي نية فاسدة.. ثم يقول فالنية والقصد هو الفاسد، دون منع الولادة وأرى أن أورد رأيه فيما يلي: رأي الإمام الغزالي: يرى الإمام الغزالي أن العزل مباح، وإن كان فيه ترك الأفضل والأولى (١) ،كما يرى أن العزل قد يحرم إذا كان الباعث عليه منهيا عنه، وقد عدد البواعث عليه مبينا ما يترتب عليها من إباحة أو حرمة، وأرى أن أورد ما أورده بنصه نظرا لأهميته ثم أتبعه بالرأي الذي يظهر لي: تناول الإمام الغزالي العزل، فقال: " ومن آداب النكاح ألا يعزل، بل لا يسرح إلا إلى محل الحرث، وهو الرحم فما من نسمة قدر الله كونها إلا وهي كائنة" هكذا قال رسول الله ﷺ متفق عليه من حديث لأبي سعيد.

стр. 5003

فإن عزل، فقد اختلف العلماء في إباحته، وكراهته على أربعة مذاهب: فمن مبيح مطلقا بكل حال، ومن محرم بكل حال، ومن قائل يحل برضاها، ولا يحل دون رضاها، وكأن هذا القائل يحرم الإيذاء دون العزل، ومن قائل يباح في المملوكة دون الحرة، ثم يقول "والصحيح عندنا – أن ذلك مباح – وأما الكراهية فإنها تطلق لنهي التحريم، ولنهي التنزيه، ولترك الفضيلة، فهو – أي العزل – مكروه بالمعنى الثالث أي فيه ترك الفضيلة، كما يقال يكره للقاعد في المسجد أن يقعد فارغا لا يشتغل بذكر أو صلاة، ويكره للحاضر في مكة مقيما بها ألا يحج كل سنة، والمراد بهذه الكراهية: ترك الأولى والفضيلة فقط، وهذا ثابت لما بيناه من الفضيلة في الولد، ولما روي عن النبي ﷺ أن الرجل ليجامع أهله فيكتب له بجماعه أجر ولد ذكر قاتل في سبيل الله فقتل (١) وإنما قال ذلك لأنه لو ولد له مثل هذا الولد لكان له أجر التسبب إليه، مع أن الله تعالى خالقه ومحييه ومقويه على الجهاد والذي إليه من التسبب قد فعله، وهو الوقاع، وذلك عند الإمناء في الرحم. وإنما قلنا لا كراهة بمعنى التحريم والتنزيه، لأن إثبات النهي إنما يكون بنص أو قياس على منصوص، ولا نص، ولا أصل يقاس عليه، بل ههنا أصل يقاس عليه، وهو ترك النكاح أصلا، أو ترك الجماع بعد النكاح، أو ترك الإنزال بعد الإيلاج، فكل ذلك ترك للأفضل وليس بارتكاب نهي، ولا فرق، إذ الولد يتكون بوقوع النطفة في الرحم، ولها أربعة أسباب: النكاح، ثم الوقاع، ثم الصبر إلى الإنزال بعد الجماع ثم الوقوف لينصب المني في الرحم، وبعض هذه الأسباب أقرب من بعض، فالامتناع عن الرابع كالامتناع عن الثالث، وكذا الثالث عن الثاني، والثاني كالأول. وليس هذا كالإجهاض والوأد، لأن ذلك جناية على موجود حاصل، وله أيضا مراتب، وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فإن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح، واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشا، ومنتهى التفاحش في الجناية بعد الانفصال حيا.

стр. 5004

وإنما قلنا مبدأ سبب الوجود من حيث وقوع المني في الرحم، لا من حيث الخروج من الإحليل، لأن الولد لا يخلق من مني الرجل وحده، بل من الزوجين جميعا.. وكيفما كان فماء المرأة ركن في الانعقاد، فيجري الماءان مجرى الإيجاب والقبول في الوجود الحكمي في العقود، فمن أوجب ثم رجع قبل القبول لا يكون جانيا على العقد بالنقض والفسخ، ومهما اجتمع الإيجاب والقبول كان الرجوع بعده رفعا وفسخا وقطعا، وكما أن النطفة في الفضاء لا يتخلق منها الولد فكذا بعد الخروج من الإحليل ما لم يمتزج بماء المرأة أو دمها، فهذا هو القياس الجلي. ثم يتساءل الغزالي فيقول "فإن قلت يكون العزل مكروها، من حيث إنه دفع لوجود الولد فلا يبعد أن يكره لأجل النية الباعثة عليه، إذ لا يبعث عليه إلا نية فاسدة فيها شيء من شوائب الشرك الخفي. فأقول: النيات الباعثة على العزل خمس: الأولى في السراري: وهو حفظ الملك عن الهلاك باستحقاق العتاق (١) ، وقصد استبقاء الملك بترك الإعتاق، ودفع أسبابه ليس بمنهي عنه. الثانية: استبقاء جمال المرأة وسمنها لدوام التمتع واستبقاء حياتها، خوفا من خطر الطلق، وهذا أيضا ليس منهيا عنه. الثالثة: الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد، والاحتراز عن الحاجة إلى التعب في الكسب، ودخول مداخل السوء، وهذا أيضا غير منهي عنه، فإن قلة الحرج معين على الدين، نعم: الكمال والفضل في التوكل والثقة بضمان الله، حيث قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٢) ولا جرم فيه سقوط عن ذروة الكمال، وترك الأفضل، ولكن النظر إلى العواقب، وحفظ المال وادخاره مع كونه مناقضا للتوكل، لا نقول إنه منهي عنه. الرابعة: الخوف من الأولاد الإناث لما يعتقد في تزويجهن من المعرة، كما كانت من عادة العرب في قتلهم الإناث، فهذه نية فاسدة، لو ترك بسببها أصل النكاح، أو أصل الوقاع أثم بها، لا بترك النكاح والوطء (٣) فكذا في العزل والفساد في اعتقاد المعرة في سنة رسول الله ﷺ أشد، وينزل منزلة امرأة تركت النكاح استنكافا من أن يعلوها رجل، فكانت تتشبه بالرجال، ولا ترجع الكراهة إلى عين ترك النكاح.

стр. 5005

الخامسة: أن تمتنع المرأة لتعززها ومبالغتها في النظافة، والتحرز من الطلق والنفاس والرضاع، وكان ذلك عادة نساء الخوارج لمبالغتهن في استعمال المياه، حتى كن يقضين صلوات أيام الحيض، ولا يدخلن الخلاء إلا عراة، فهذه بدعة تخالف السنة، فهي نية فاسدة، واستأذنت واحدة منهن على عائشة ﵁ لما قدمت البصرة فلم تأذن لها – فيكون القصد هو الفاسد منع الولادة. ثم رد اعتراضات واردة على ما قرره فقال: قان قلت: فقد قال النبي ﷺ ((من ترك النكاح مخافة العيال فليس منا، ثلاثا)) (١) . قلت: فالعزل كترك النكاح، وقوله ((ليس منا)) أي ليس موافقا لنا على سنتنا وطريقتنا، وسنتنا فعل الأفضل (٢) . فإن قلت: فقد قال ﷺ في العزل: ((ذاك الوأد الخفي)) وقرأ ((وإذا الموءودة سئلت)) وهذا في الصحيح.

стр. 5006

قلنا: وفي الصحيح أخبار صحيحة في الإباحة (أي إباحة العزل) وقوله ((الوأد الخفي)) كقوله ((الشرك الخفي)) وذلك يوجب كراهة لا تحريما. فإن قلت: فقد قال ابن عباس "العزل هو الوأد الأصغر" فإن الممنوع وجوده به هو الموءودة الصغرى. قلنا: هذا قياس منه لدفع الوجود على قطعه (١) ، وهو قياس ضعيف، ولذلك أنكره عليه علي ﵁ لما سمعه، وقال: لا تكون موءودة إلا بعد سبع، أي بعد سبعة أطوار، وتلا الآية الواردة في أطوار الخلقة، وهي قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٣] . إلى قوله ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ أي نفخنا فيه الروح ثم تلا قوله تعالى في الآية ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] . وإذا نظرت إلى ما قدمناه في طريق القياس والاعتبار ظهر لك تفاوت منصب علي وابن عباس ﵄ في الغوص على المعاني ودرك العلوم، فكيف وفي المتفق عليه في الصحيحين عن جابر أنه قال: ((كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل)) وفي لفظ ((كنا نعزل فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا)) وفيه أيضا عن جابر أنه قال: إن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمتنا وساقيتنا في النخل، وأنا أطوف عليها، وأكره أن تحمل. فقال ﵊: ((اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها)) فلبث الرجل ما شاء الله، ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حملت، فقال: ((قد قلت سيأتيها ما قدر لها)) كل ذلك في الصحيحين (٢) اهـ الغزالي.

стр. 5007

نتائج البحث حول بيان رأي الفقه الإسلامي في تحديد النسل أو تنظيمه من الدراسة الفقهية المتقدمة نستطيع أن نستخلص في موضوع بحثنا النتائج التالية: أولا: وسائل منع الحمل التي يترتب عليها منع التقاء الحيوان المنوي بالبييضة – سواء كانت في صورة العزل، وهي الصورة المنصوص عليها، أو في صورة سد الرحم بما يمنع وصول المني إلى البييضة – كما صرح بعض الفقهاء، أو في أي صورة شبيهة بذلك – يرى جمهور الفقهاء صحة استخدامها إذا كان ذلك باتفاق الزوجين، وكان الباعث عليه مشروعا. أما إذا كانت الوسيلة لمنع الحمل يبدأ عملها بعد التقاء الحيوان المنوي بالبييضة فإن ذلك لا يجوز شرعا (١) . ثانيا: أن منع الحمل، أو تنظيم فتراته هو حق شخصي للزوجين معا، فهما اللذان يقررانه، وهما اللذان يتحكمان فيه، طبقا لما تقتضيه مصلحتهما، ما دامت هذه المصلحة أمرا يقره الشرع ويرضى عنه. ومن هنا لا يجوز للدولة أن تتخذ من القرارات في هذا الشأن ما يلزم الأفراد بالامتناع عن الإنجاب، أو تحديده بعدد معين، أو تكثيره، ولكن يمكن للدولة أن تنصح بالإنجاب، أو بتنظيمه، وبيان فوائد كلا الأمرين، في الحدود التي تراها تحقق مصلحة عامة للدولة جميعها.

стр. 5008

فهناك بعض الدول تحتاج إلى زيادة الإنجاب وتكثير النسل، نظرا لكثرة خيراتها، ووفرة مواردها، وقلة عددها، وحاجتها إلى زيادة القوة البشرية لكي تستوعب كل هذه الخيرات، وتنميها، وتحافظ عليها. وهناك بعض الدول على العكس من ذلك تحتاج إلى الحد من زيادة الإنجاب، وتنظيمه أو تحديده، نظرا لكثرة عددها وقلة مواردها، وما يحيط بها من ظروف لا تستطيع بها توفير متظلبات شعبها. لكل ذلك أقول: إن للدولة – بأجهزتها العلمية والإعلامية، ومراكز التعليم والتثقيف فيها أن تبصر الناس بعواقب كثرة النسل – إذا كانت الدولة ليست في حاجة إلى هذه الكثرة - وبعواقب قلة النسل – إذا كانت الدولة بحاجة إلى كثرته. وإذا بصرت الناس بذلك عن طريق هذه الوسائل، فإنه يصبح لكل شخص وكل فرد من أفراد الأمة أن يوازن أموره طبقا لما يحيط به من ظروف اجتماعية ومادية – حاضرة أو مستقبله، وعلى ضوئها يقرر مع زوجه ويختار المسلك الذي يحقق له مصلحته – في حدود شرع الله تعالى. وإنما قلت إن حق الإنجاب، أو منعه، أو تكثيره هو حق خاص بالزوجين في الشريعة الإسلامية، وذلك لأن الزواج – وهو عقد يتم برضا الطرفين – حق خاص بكل واحد منهما، إذ كل واحد منهما، إذ كل واحد منهما له الحق في أن يتزوج، وله الحق في ألا يتزوج، وله الحق في أن يطأ، وله الحق في ألا يطأ ومن ثم فله الحق في أن ينجب، وله الحق في ألا ينجب، إلا أنه في هذه الحالة الأخيرة بعد تمام الزواج يصبح هذا الحق لهما سويا؛ لأنه بعقد الزواج أصبح الوطء والإنجاب حقا من حقوق العقد، وأثرا من آثاره، فلا يستأثر به واحد منهما دون الآخر، ولا يتحكم فيه غيرهما، بل هو لهما فقط، كما كان الزواج علاقة خاصة بهما فقط، فكذلك هذا.

стр. 5009

ثالثا: الباعث على تحديد النسل أو تنظيمه أو منعه: يمكن أن أتناول فيما يلي جملة من البواعث على منع الحمل، أو تنظيمه أو تحديده، وأبين فيما يلي موقف الفقه الإسلامي في كل واحد منهما، صحة وفسادا وأثر ذلك على إباحة المنع أو عدم إباحته: الباعث الأول: الخوف على حياة الأم، أو تدهور صحتها. إذا كان الباعث على استخدام ما يمنع الحمل هو الخوف على حياة الأم، أو تدهور صحتها، بأن كانت مريضة بمرض يؤثر الحمل في زيادته أو تأخير البرء منه فإنه في هذه الحالات يكون الباعث مشروعا، وذلك لأنه يؤدي إلى الحفاظ على حياة الأم، وحفظ الحياة أمر واجب شرعا على الإنسان أن يراعيه سواء بالنسبة لنفسه أو بالنسبة لغيره، زوجا كان الغير أو لم يكن زوجا. قال تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ الآية ٢٩ من سورة النساء. وقال جل شأنه ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الآية ١٩٥ من سورة البقرة. وكل ما يتطلبه هذا الأمر أن يكون هذا الخوف له أسبابه المقنعة والمعقولة والتي يقررها أهل الاختصاص والخبرة – إذ أنه ليس كل خوف يعتد به – فمن الناس من يكون الخوف عنده مرضا يحتاج إلى علاج. الباعث الثاني: الخوف على مستقبل الحمل بعد ولادته: لقد أورد الفقهاء حالات متعددة حول إباحة العزل عند الخوف على مستقبل هذا الطفل بعد ولادته دون إذن من الزوج الآخر. والخوف على مستقبله يتمثل فيما أحاط بالوالدين، وبما يتوقع أن يحيط بالطفل من ظروف بيئية أو اجتماعية بعد ولادته أثناء قيام هذه الظروف. فمن الظروف البيئية والتي تتمثل في إقامتها خارج الوطن: أن يكون الزوجان في دار الحرب، ومن المعلوم لنا أن الحرب وما يكتنفها من مخاطر وما يحيط بها من مفاجآت وأحداث، قد تؤدي إلى قتل الوالدين، ثم ضياع الولد في هذه الدار وإن لم يقتلا أو أحدهما، فقد يتعرض الطفل للرق – إن كان هناك رق – أو لاختطافه وتسخيره فيما يراد تسخيره فيه، أو لعدم رعايته الرعاية المطلوبة والحفاظ على حياته. وكل ذلك خطر جسيم وضرر عظيم يخشى منه على مستقبل الطفل إذا وجد.

стр. 5010

لكل ذلك أرجح رأي الحنابلة الذين يوجبون العزل في هذه الحالة خوفا على مستقبل هذا الجنين. ويقرب من ذلك في التعرض للمخاطر أن يكون الزوجان في سفر بعيد وفي مكان يخشيان فيه من أن حدوث الحمل أثناء السفر، ثم الولادة، لا يجدان فيه الرعاية المطلوبة للأم، ولا الإمكانات التي لا بد منها لها مما يضعهما في حرج بالغ وضيق شديد، لما يحيط بالأم في أثناء الحمل وأثناء الولادة من ظروف خاصة يعتبر هذا عذرا يبيح للزوج العزل عن زوجته، ولها أيضا ذلك، كما صرح الحنفية. وأما الظروف الاجتماعية، فقد تكون هذه الظروف عامة أو تكون خاصة: فإن كانت عامة، بأن كان الزمن زمن سوء، تفشت فيه الموبقات، وانتشرت فيه الدعارة، ووئدت فيه القيم، وأصبح الأبوان في ظله يعجزان عن إمكان تربيته التربية السوية الطيبة التي كلفهما المشرع الحكيم بها، ولا يستطيعان – حسب تقديرهما وإحاطتهما بجميع ما يجري حولهما – النجاة به من الانغماس في هذا الشر المستطير – إذا أنجباه – فإن ذلك يكون عذرا مقبولا شرعا يبيح العزل دون إذن من الزوج الآخر، كما صرح به علماء الحنفية. أو تكون الظروف خاصة بأحد الزوجين، كأن كانت الزوجة أو الزوج سيئة الخلق، أو سيئ الخلق، ويخشى إن هو أو هي أنجب منها، أو أنجبت منه، أن يكون مآل هذا الطفل – إذا حملت به – أن يكون سيئ الخلق مثله أو مثلها، فإنه في هذه الحالة أيضا يكون هذا السبب عذرا مبيحا للزوج أو للزوجة أن يعزل عن زوجته، أو تعزل عنه بوضع ما يسد فم الرحم، كما صرح علماء الحنفية أيضا. ومن الظروف الخاصة أيضا أنه إذا كان الزوج قد اعتزم فراق زوجته لعدم حدوث الائتدام والعشرة الطيبة بينهما وتفاقم ذلك بحيث لم يجد مفرا من الفراق، فإنه في هذه الحالة يمكن أن يعتبر ذلك عذرا يبيح له العزل عنها دون إذنها خوفا على مستقبل هذا الطفل – إذا وجد – من الضياع بين والدين مفترقين، كل منهما يعيش حياته الخاصة بعيدا عن الآخر، ولا يرعاه الرعاية المطلوبة شرعا – كما صرح بعض فقهاء الحنفية. الباعث الثالث: الخوف على الطفل الرضيع من حدوث الحمل: إذا كانت المرأة لها طفل رضيع، ترضعه من لبنها، وتعوله وترعاه، وتخشى أن يتأثر لبنها بالحمل، وتتأثر رعايتها لهذا الرضيع من مضاعفات الحمل وظروفه التي تختلف من امرأة إلى أخرى قوة وضعفا.. فأرادت منع الحمل حينئذ. ففي هذا الحالة أيضا يكون الباعث على منع الحمل أثناء هذه الفترة مشروعا، لأنه يكون الهدف منه حماية نفس الرضيع واستمرار رعايته وتتبعه بما يقويه ويساعده على النمو، والوصول إلى درجة الاستغناء عن الرضاعة التي هي عماد الحياة الأولى للطفل، والتي أثبت الطب أنها الغذاء الذي لا يعادله غذاء للطفل، وأي غذاء غيره فيه من المخاطر ما فيه. لكل ذلك، ولنفس الأدلة التي سقناها في الباعث الأول يكون للزوجين الحق في منع الحمل أثناء هذه الفترة، ولا يكون عليهما إثم في ذلك. الباعث الرابع: الخوف من كثرة النسل وتعاقبه: إن التناسل أمر مرغوب فيه شرعا، به يعمر الكون، وهدف مشروع من بين الأهداف التي شرع من أجلها الزواج، به يبقى النسل ويتمادى ويتتابع الخلق كما شاءت إرادة الله تعالى. وأيضا فإن كلا من الأبوين عليهما رعاية نسلهما، وحمايته، والتكفل بجميع متطلباته سواء من الناحية الصحية أو المادية أو الرعوية أو الاجتماعية، أو غير ذلك من الجوانب التي تتطلبها رعاية الأبناء حتى يشبوا قادرين على تحمل التكاليف، وتحمل متطلبات الحياة. وهذه الرعاية أمر مقرر شرعا، سواء من حيث كونها أمانة يتحملها الزوجان نحو أطفالهما، وهذه الأمانة أمرنا بأدائها إلى أهلها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [الآية ٥٨ من سورة النساء] . وقال تعالى في صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [الآية ٨ من سورة المؤمنون] . أو من حيث كونها مسئولية وتبعة تحملها الزوجان طائعين، ويسألان عنها يوم الدين حفظاها أو ضيعاها، والأحاديث في ذلك كثيرة منها: ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ ((كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت)) رواه أبو داود والنسائي والحاكم إلا أنه قال: ((من يعول)) وقال صحيح الإسناد.
следующие страницы →