← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

قلنا: وفي الصحيح أخبار صحيحة في الإباحة (أي إباحة العزل) وقوله ((الوأد الخفي)) كقوله ((الشرك الخفي)) وذلك يوجب كراهة لا تحريما. فإن قلت: فقد قال ابن عباس "العزل هو الوأد الأصغر" فإن الممنوع وجوده به هو الموءودة الصغرى. قلنا: هذا قياس منه لدفع الوجود على قطعه (١) ، وهو قياس ضعيف، ولذلك أنكره عليه علي ﵁ لما سمعه، وقال: لا تكون موءودة إلا بعد سبع، أي بعد سبعة أطوار، وتلا الآية الواردة في أطوار الخلقة، وهي قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٣] . إلى قوله ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ أي نفخنا فيه الروح ثم تلا قوله تعالى في الآية ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] . وإذا نظرت إلى ما قدمناه في طريق القياس والاعتبار ظهر لك تفاوت منصب علي وابن عباس ﵄ في الغوص على المعاني ودرك العلوم، فكيف وفي المتفق عليه في الصحيحين عن جابر أنه قال: ((كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل)) وفي لفظ ((كنا نعزل فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا)) وفيه أيضا عن جابر أنه قال: إن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمتنا وساقيتنا في النخل، وأنا أطوف عليها، وأكره أن تحمل. فقال ﵊: ((اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها)) فلبث الرجل ما شاء الله، ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حملت، فقال: ((قد قلت سيأتيها ما قدر لها)) كل ذلك في الصحيحين (٢) اهـ الغزالي.

стр. 5007

نتائج البحث حول بيان رأي الفقه الإسلامي في تحديد النسل أو تنظيمه من الدراسة الفقهية المتقدمة نستطيع أن نستخلص في موضوع بحثنا النتائج التالية: أولا: وسائل منع الحمل التي يترتب عليها منع التقاء الحيوان المنوي بالبييضة – سواء كانت في صورة العزل، وهي الصورة المنصوص عليها، أو في صورة سد الرحم بما يمنع وصول المني إلى البييضة – كما صرح بعض الفقهاء، أو في أي صورة شبيهة بذلك – يرى جمهور الفقهاء صحة استخدامها إذا كان ذلك باتفاق الزوجين، وكان الباعث عليه مشروعا. أما إذا كانت الوسيلة لمنع الحمل يبدأ عملها بعد التقاء الحيوان المنوي بالبييضة فإن ذلك لا يجوز شرعا (١) . ثانيا: أن منع الحمل، أو تنظيم فتراته هو حق شخصي للزوجين معا، فهما اللذان يقررانه، وهما اللذان يتحكمان فيه، طبقا لما تقتضيه مصلحتهما، ما دامت هذه المصلحة أمرا يقره الشرع ويرضى عنه. ومن هنا لا يجوز للدولة أن تتخذ من القرارات في هذا الشأن ما يلزم الأفراد بالامتناع عن الإنجاب، أو تحديده بعدد معين، أو تكثيره، ولكن يمكن للدولة أن تنصح بالإنجاب، أو بتنظيمه، وبيان فوائد كلا الأمرين، في الحدود التي تراها تحقق مصلحة عامة للدولة جميعها.

стр. 5008

فهناك بعض الدول تحتاج إلى زيادة الإنجاب وتكثير النسل، نظرا لكثرة خيراتها، ووفرة مواردها، وقلة عددها، وحاجتها إلى زيادة القوة البشرية لكي تستوعب كل هذه الخيرات، وتنميها، وتحافظ عليها. وهناك بعض الدول على العكس من ذلك تحتاج إلى الحد من زيادة الإنجاب، وتنظيمه أو تحديده، نظرا لكثرة عددها وقلة مواردها، وما يحيط بها من ظروف لا تستطيع بها توفير متظلبات شعبها. لكل ذلك أقول: إن للدولة – بأجهزتها العلمية والإعلامية، ومراكز التعليم والتثقيف فيها أن تبصر الناس بعواقب كثرة النسل – إذا كانت الدولة ليست في حاجة إلى هذه الكثرة - وبعواقب قلة النسل – إذا كانت الدولة بحاجة إلى كثرته. وإذا بصرت الناس بذلك عن طريق هذه الوسائل، فإنه يصبح لكل شخص وكل فرد من أفراد الأمة أن يوازن أموره طبقا لما يحيط به من ظروف اجتماعية ومادية – حاضرة أو مستقبله، وعلى ضوئها يقرر مع زوجه ويختار المسلك الذي يحقق له مصلحته – في حدود شرع الله تعالى. وإنما قلت إن حق الإنجاب، أو منعه، أو تكثيره هو حق خاص بالزوجين في الشريعة الإسلامية، وذلك لأن الزواج – وهو عقد يتم برضا الطرفين – حق خاص بكل واحد منهما، إذ كل واحد منهما، إذ كل واحد منهما له الحق في أن يتزوج، وله الحق في ألا يتزوج، وله الحق في أن يطأ، وله الحق في ألا يطأ ومن ثم فله الحق في أن ينجب، وله الحق في ألا ينجب، إلا أنه في هذه الحالة الأخيرة بعد تمام الزواج يصبح هذا الحق لهما سويا؛ لأنه بعقد الزواج أصبح الوطء والإنجاب حقا من حقوق العقد، وأثرا من آثاره، فلا يستأثر به واحد منهما دون الآخر، ولا يتحكم فيه غيرهما، بل هو لهما فقط، كما كان الزواج علاقة خاصة بهما فقط، فكذلك هذا.

стр. 5009

ثالثا: الباعث على تحديد النسل أو تنظيمه أو منعه: يمكن أن أتناول فيما يلي جملة من البواعث على منع الحمل، أو تنظيمه أو تحديده، وأبين فيما يلي موقف الفقه الإسلامي في كل واحد منهما، صحة وفسادا وأثر ذلك على إباحة المنع أو عدم إباحته: الباعث الأول: الخوف على حياة الأم، أو تدهور صحتها. إذا كان الباعث على استخدام ما يمنع الحمل هو الخوف على حياة الأم، أو تدهور صحتها، بأن كانت مريضة بمرض يؤثر الحمل في زيادته أو تأخير البرء منه فإنه في هذه الحالات يكون الباعث مشروعا، وذلك لأنه يؤدي إلى الحفاظ على حياة الأم، وحفظ الحياة أمر واجب شرعا على الإنسان أن يراعيه سواء بالنسبة لنفسه أو بالنسبة لغيره، زوجا كان الغير أو لم يكن زوجا. قال تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ الآية ٢٩ من سورة النساء. وقال جل شأنه ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الآية ١٩٥ من سورة البقرة. وكل ما يتطلبه هذا الأمر أن يكون هذا الخوف له أسبابه المقنعة والمعقولة والتي يقررها أهل الاختصاص والخبرة – إذ أنه ليس كل خوف يعتد به – فمن الناس من يكون الخوف عنده مرضا يحتاج إلى علاج. الباعث الثاني: الخوف على مستقبل الحمل بعد ولادته: لقد أورد الفقهاء حالات متعددة حول إباحة العزل عند الخوف على مستقبل هذا الطفل بعد ولادته دون إذن من الزوج الآخر. والخوف على مستقبله يتمثل فيما أحاط بالوالدين، وبما يتوقع أن يحيط بالطفل من ظروف بيئية أو اجتماعية بعد ولادته أثناء قيام هذه الظروف. فمن الظروف البيئية والتي تتمثل في إقامتها خارج الوطن: أن يكون الزوجان في دار الحرب، ومن المعلوم لنا أن الحرب وما يكتنفها من مخاطر وما يحيط بها من مفاجآت وأحداث، قد تؤدي إلى قتل الوالدين، ثم ضياع الولد في هذه الدار وإن لم يقتلا أو أحدهما، فقد يتعرض الطفل للرق – إن كان هناك رق – أو لاختطافه وتسخيره فيما يراد تسخيره فيه، أو لعدم رعايته الرعاية المطلوبة والحفاظ على حياته. وكل ذلك خطر جسيم وضرر عظيم يخشى منه على مستقبل الطفل إذا وجد.

стр. 5010

لكل ذلك أرجح رأي الحنابلة الذين يوجبون العزل في هذه الحالة خوفا على مستقبل هذا الجنين. ويقرب من ذلك في التعرض للمخاطر أن يكون الزوجان في سفر بعيد وفي مكان يخشيان فيه من أن حدوث الحمل أثناء السفر، ثم الولادة، لا يجدان فيه الرعاية المطلوبة للأم، ولا الإمكانات التي لا بد منها لها مما يضعهما في حرج بالغ وضيق شديد، لما يحيط بالأم في أثناء الحمل وأثناء الولادة من ظروف خاصة يعتبر هذا عذرا يبيح للزوج العزل عن زوجته، ولها أيضا ذلك، كما صرح الحنفية. وأما الظروف الاجتماعية، فقد تكون هذه الظروف عامة أو تكون خاصة: فإن كانت عامة، بأن كان الزمن زمن سوء، تفشت فيه الموبقات، وانتشرت فيه الدعارة، ووئدت فيه القيم، وأصبح الأبوان في ظله يعجزان عن إمكان تربيته التربية السوية الطيبة التي كلفهما المشرع الحكيم بها، ولا يستطيعان – حسب تقديرهما وإحاطتهما بجميع ما يجري حولهما – النجاة به من الانغماس في هذا الشر المستطير – إذا أنجباه – فإن ذلك يكون عذرا مقبولا شرعا يبيح العزل دون إذن من الزوج الآخر، كما صرح به علماء الحنفية. أو تكون الظروف خاصة بأحد الزوجين، كأن كانت الزوجة أو الزوج سيئة الخلق، أو سيئ الخلق، ويخشى إن هو أو هي أنجب منها، أو أنجبت منه، أن يكون مآل هذا الطفل – إذا حملت به – أن يكون سيئ الخلق مثله أو مثلها، فإنه في هذه الحالة أيضا يكون هذا السبب عذرا مبيحا للزوج أو للزوجة أن يعزل عن زوجته، أو تعزل عنه بوضع ما يسد فم الرحم، كما صرح علماء الحنفية أيضا. ومن الظروف الخاصة أيضا أنه إذا كان الزوج قد اعتزم فراق زوجته لعدم حدوث الائتدام والعشرة الطيبة بينهما وتفاقم ذلك بحيث لم يجد مفرا من الفراق، فإنه في هذه الحالة يمكن أن يعتبر ذلك عذرا يبيح له العزل عنها دون إذنها خوفا على مستقبل هذا الطفل – إذا وجد – من الضياع بين والدين مفترقين، كل منهما يعيش حياته الخاصة بعيدا عن الآخر، ولا يرعاه الرعاية المطلوبة شرعا – كما صرح بعض فقهاء الحنفية. الباعث الثالث: الخوف على الطفل الرضيع من حدوث الحمل: إذا كانت المرأة لها طفل رضيع، ترضعه من لبنها، وتعوله وترعاه، وتخشى أن يتأثر لبنها بالحمل، وتتأثر رعايتها لهذا الرضيع من مضاعفات الحمل وظروفه التي تختلف من امرأة إلى أخرى قوة وضعفا.. فأرادت منع الحمل حينئذ. ففي هذا الحالة أيضا يكون الباعث على منع الحمل أثناء هذه الفترة مشروعا، لأنه يكون الهدف منه حماية نفس الرضيع واستمرار رعايته وتتبعه بما يقويه ويساعده على النمو، والوصول إلى درجة الاستغناء عن الرضاعة التي هي عماد الحياة الأولى للطفل، والتي أثبت الطب أنها الغذاء الذي لا يعادله غذاء للطفل، وأي غذاء غيره فيه من المخاطر ما فيه. لكل ذلك، ولنفس الأدلة التي سقناها في الباعث الأول يكون للزوجين الحق في منع الحمل أثناء هذه الفترة، ولا يكون عليهما إثم في ذلك. الباعث الرابع: الخوف من كثرة النسل وتعاقبه: إن التناسل أمر مرغوب فيه شرعا، به يعمر الكون، وهدف مشروع من بين الأهداف التي شرع من أجلها الزواج، به يبقى النسل ويتمادى ويتتابع الخلق كما شاءت إرادة الله تعالى. وأيضا فإن كلا من الأبوين عليهما رعاية نسلهما، وحمايته، والتكفل بجميع متطلباته سواء من الناحية الصحية أو المادية أو الرعوية أو الاجتماعية، أو غير ذلك من الجوانب التي تتطلبها رعاية الأبناء حتى يشبوا قادرين على تحمل التكاليف، وتحمل متطلبات الحياة. وهذه الرعاية أمر مقرر شرعا، سواء من حيث كونها أمانة يتحملها الزوجان نحو أطفالهما، وهذه الأمانة أمرنا بأدائها إلى أهلها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [الآية ٥٨ من سورة النساء] . وقال تعالى في صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [الآية ٨ من سورة المؤمنون] . أو من حيث كونها مسئولية وتبعة تحملها الزوجان طائعين، ويسألان عنها يوم الدين حفظاها أو ضيعاها، والأحاديث في ذلك كثيرة منها: ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ ((كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت)) رواه أبو داود والنسائي والحاكم إلا أنه قال: ((من يعول)) وقال صحيح الإسناد.

стр. 5011

وروي عن الحسن ﵁ عن نبي الله ﷺ قال: ((إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظ أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته)) رواه ابن حبان في صحيحه. وروي عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بعلها وولده، وهي مسئولة عنهم والعبد راع على مال سيده، وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته)) رواه البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ لمسلم. فإذا كان الإنسان مسئولا عن رعاية كل ذلك، ومنها رعاية ولده، فإن هذه المسئولية تشتمل على أمور متعددة: تشتمل على التربية السوية، والرعاية الحقة، حتى يصلحوا ويكونوا عناصر إيمانية قوية في أمة الإسلام. وتشتمل على الرعاية المادية، حتى يوفر لهم – بإذن الله تعالى وتوفيقه – ما يحتاجون إليه من قوت، ومن ملبس ومشرب، ومن تعليم وتثقيف، ومن رعاية صحية واجتماعية، كل ذلك وغيره داخل في هذه المسئولية التي يسأل عنها الأب والأم كل فيما يخصه حسب منهج الشرع وأسلوبه الذي حدده. فإذا رأى الزوجان أن تتابع النسل وتكاثره لا يمكنهما من توفير الرعاية المطلوبة والتربية الحقة التي أرادها الله وشرعها للمسلمين، حتى يكونوا أقوياء، قال ﷺ : ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضيعف ... )) رواه مسلم في صحيحه – فإنه في هذه الحالة يكون الهدف مشروعا، حيث أن المشرع الحكيم سائلنا عمن ضيعناه وأهملنا تربيته ورعايته، فإذا علم الأبوان أو ترجح لديهما أنهما لا يتمكنان من ذلك جاز لهما تنظيم الحمل وتحديده، بالوسائل المشروعة التي لا تضر بصلاحيتهما للإنجاب في الوقت الذي يرغبان فيه في المستقبل، وفي الحدود التي يغلب على ظنهما أنهما يستطيعان القيام بهذه المسئولية إزاء من ينجبانه. وقد سبق أن بينا أنها مسئولية شخصية للأبوين دون غيرهما، وأنها تتم برضاهما معا.

стр. 5012

هذا ويجب أن أوضح أن الفقر في ذاته لا يصلح عذرا للمنع ولا يصلح باعثا على ذلك المنع، فإن الرزق لكل كائن مقرر ومكتوب. قال تعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [الآية ٦ من سورة هود] . وقال تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ الآية ٣١ من سورة الإسراء، وتراجع الآية ١٥١ من سورة الأنعام. وقد قال الرسول ﷺ : ((إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد)) رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود. فالرزق مكتوب عند الله تعالى ومقدر ومقرر، والعلم به كما وكيفا لا يحيط به إلا الله تعالى، ولكن الذي نعلمه ونؤمن به أن لكل إنسان – أو كل دابة – رزقا محددا وعد الله به وهو لا يخلف الميعاد. ومن هنا كان الباعث المشروع هو الذي يدور حول تمكن الأبوين من الرعاية المطلوبة شرعا – على الوجه الذي بيناه – أو عدم تمكنهما، فإذا ترجح لديهما أنهما لن يستطيعا ذلك كان لهما الحق في منع الإنجاب خلال هذه الفترة. قال الله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الآية ٢٨٦ من سورة البقرة] وإذا لم يترجح كان لهما ألا يمنعا ذلك. وما قاله الإمام الغزالي من أن الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد والاحتراز عن الحاجة إلى التعب في الكسب ودخول مداخل السوء، وهذا أيضا غير منهي عنه، فإن قلة الحرج معين على الدين، نعم الكمال والفضل في التوكل والثقة بضمان الله ... "تقدم نص كلامه آنفا" نقول بشأنه ما يلي: أ - إنه يسلم بأن النظر في ذلك فيه سقوط عن ذروة الكمال، وترك الأفضل، وإذا كان الأمر على هذا المنوال، فإن المؤمن سباق إلى الكمال، عامل دائما إلى ما هو الأفضل. ب - قوله: "لكن النظر إلى العواقب وحفظ المال وادخاره. مع كونه مناقضا للتوكل لا نقول إنه منهي عنه". نقول له: إن الأمر مختلف، إذ النظر إلى العواقب وحفظ المال وادخاره مأمور به شرعا وليس منهيا عنه بصريح الآيات والأحاديث. قال تعالى ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [الآية ٧٧ من سورة القصص] .

стр. 5013

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الآية ٢٩ من سورة الإسراء] – ففيها نهي عن التبذير وضياع المال، والنهي عن الشيء أمر بضده. وهو حفظ المال وادخاره. وقال تعالى ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [سورة الإسراء ٢٦، ٢٧] . وقال ﷺ : ((إن الهدي الصالح والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة)) (أخرجه الطبراني عن جندب بن أبي سفيان البجلي) . وعن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ : ((إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)) رواه مسلم. فابتغاء المال وطلبه للدنيا والآخرة، والإنفاق منه بقدر، دون إسراف أو تبذير، هو أمر واجب على المسلم، وضده منهي عنه، وإذا كان ذلك كذلك فيجب حينئذ الامتثال لما أمر به، والانتهاء عما نهي عنه. أما أن يكون الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد، باعثا مشروعا لعدم الإنجاب، فإن هذا لا يصلح أن يكون مناطا لهذا الحكم ولا باعثا عليه، لأن الله قد تكفل برزق كل مولود، والدخول في هذا المجال دخول فيما لا قبل للإنسان باستكشاف حقيقته، فكم من مولود كان أسعد حظا من والده، وكم من مولود تدفق الرزق على والديه بسببه.

стр. 5014

الباعث الخامس: العمل على استبقاء جمال المرأة لدوام التمتع بها: لا شك أن الحفاظ على الزوجة وما وهبها الله من جمال، أمر مرغوب فيه شرعا، فقد قال رسول الله ﷺ : ((ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله)) رواه ابن ماجه، عن أبي أمامة. وإذا كان أمرا مرغوبا فيه، فإن الحفاظ عليه أمر مشروع، لكن هل يصح أن يكون هذا الباعث معطلا للإنجاب نهائيا؟ لا: لا يصح أن يكون كذلك، لأنه إذا كان هذا مرغوبا، فأيضا الإنجاب مرغوب فيه، بل إن الرغبة في الإنجاب – ما دام ممكنا – تفوق الرغبة في حفظ جمالها، لأن لحفظ جمالها غاية خاصة بها أو به، وللإنجاب غاية عامة, وغاية خاصة، فأما عمومها فمن ناحية تعمير الكون وتتابع بني الإنسان تحملا للأمانة، وابتغاء لرضى الله تعالى، وأما خصوصها فمن ناحية وجود العقب وإرضاء غريزة الأبوة والأمومة، وتحصيل متعة امتداد الذكر وبقاء الاسم. لكل ذلك أقول إن منع الإنجاب إذا كان الباعث عليه استبقاء جمال المرأة وعدم تشوه منظرها، إن كان ذلك مانعا من الإنجاب نهائيا كان باعثا غير مرضي عنه شرعا، وإن كان هذا المنع موقوتا، أو لفترة محدودة، أو بعد وجود بعض من الذرية، كان باعثا لا ينهى عنه الشرع.

стр. 5015

الباعث السادس: الخوف من إنجاب البنات خوفا من العار: لقد كان من العادات السيئة في الجاهلية كراهة إنجاب البنات، ووأدهن قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الآيات ٥٧- ٦٠ من سورة النحل] . قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [٨، ٩ من سورة التكوير] . ولكن الإسلام حرم ذلك، ومنع أن يكون النظر للبنت بهذه الكيفية، وجعلها صنو الولد، وجعل تربيتها وإحسان تثقيفها، وتعليمها موجبا لدخول الجنة. قال تعالى ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ الآيتان [٤٩، ٥٠] من شورى الشورى، وأوصى الرسول ﷺ بالنساء فقال ((استوصوا بالنساء خيرا)) الحديث. وروي عن جابر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ ((من كن له ثلاث بنات يؤويهن، ويرحمهن، ويكلفهن، وجبت له الجنة البتة قيل. يا رسول الله فإن كانتا اثنتين؟ قال: وإن كانتا اثنتين قال: فرأى بعض القوم أن لو قال واحدة لقال واحدة)) رواه أحمد بإسناد جيد والبزار والطبراني في الأوسط. وروي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من كن له ثلاث بنات، فصبر على لأوائهن (١) وضرائهن، (٢) وسرائهن، أدخله الله الجنة برحمته إياهن فقال رجل: واثنتان يا رسول الله؟ قال واثنتان قال رجل: يا رسول الله: وواحدة؟ قال وواحدة)) رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد. الباعث السابع: تأفف المرأة وتضجرها من الوطء، ومبالغتها في النظافة وتحرزها من الطلق والنفاس والرضاع. لقد أوجد الله الإنسان لحكمة، وخلقه على نهج قويم، وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، وخص كلا منهما بخصائص تناسب تكوينه، واستعداداته الفطرية وجعل لكل منهما مهام تناسب هذه الخصائص، وكلفه بتكاليف تتفق وما منحه وأعطاه وجعلت الشريعة الإسلامية خروج أي منهما عن خصائصه ونزوعه إلى الجنس الآخر أمرا معاقبا عليه شرعا، فلعن المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء. فإذا كانت المرأة تمتنع عن الحمل تأففا وتضجرا وتحرزا من الطلق والنفاس والرضاع فهو تأفف فاسد، وقصد غير مستقيم، يتنافى مع طبيعة ما خلقت له من ناحية، وما تحملته بمقتضى عقد الزواج من ناحية أخرى، وما خطه الشرع ورسمه لمسيرتها من ناحية ثالثة. لذلك كله نقول إن هذا القصد قصد فاسد. هذا ما أردت معالجته وإبرازه في هذا البحث "تنظيم النسل أو تحديده" راجيا الله تعالى أن يجنبنا الزلل والخطأ. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . أ. د حسن علي الشاذلي

стр. 5016

تنظيم النسل ورأي الدين فيه إعداد الدكتور/ محمد سيد طنطاوي مفتي الديار المصرية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مسألة تنظيم الأسرة من المسائل التي اهتم بها كثير من الدول والهيئات وكتبت فيها عشرات البحوث والمقالات والكتب قديما وحديثا: وقبل أن نبدأ في الحديث عن هذه المسألة من الناحية الدينية نحب أن نتفق على الحقائق التالية لأن تحرير موضع النزاع يعين على حسن الاقتناع وهذه الحقائق هي: ١- أن الأديان السماوية أنزلها الله تعالى لسعادة البشر ولهدايتهم إلى الصراط المستقيم ولغرس المعاني الفاضلة في نفوسهم. وأن الكتب التي أنزلها – سبحانه – على أنبيائه، قد قررت هذه الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: الآيات ٢-٤] . وقوله سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سورة إبراهيم:الآية ١] . ٢- أن الكلام في الأمور الدينية بصفة خاصة، وفي غيرها بصفة عامة يجب أن يكون مبنيا على العلم الصحيح، والفهم السليم، والدراية الواسعة الواعية لأصول الدين وفروعه ولمقاصده وأهدافه وأحكامه. وأن يكون ذلك لحمته وسداه: الأمانة والصدق وخدمة الحق والعدل والتنزه عن الأحقاد والأطماع والبعد عن المآرب والأهواء والترفع عن النفاق وكتمان الحق، وقال – تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] . وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] . وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] .

стр. 5017

وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ – قال: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا – أي في أنفسهم – وأضلوا- أي: غيرهم. ٣- أن الخلاف في الأمور التي تقبل الاجتهاد لا غبار عليه ولا ضرر منه ما دام القصد الوصول إلى الحق، وإلى ما تتحقق معه المصالح النافعة للأفراد والجماعات وما دام أيضا هذا الخلاف مصحوبا بالنية الحسنة وبالكلمة الطيبة وبالمناقشة الرصينة التي يزينها الأدب ومكارم الأخلاق. ولقد سما النبي ﷺ – بهذا الاجتهاد، فبشر أصحابه بأنهم مأجورون سواء أصابوا أم أخطأوا، فقال في حديثه الصحيح: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد)) . ومن شأن الأمم السعيدة الرشيدة أنه يكثر بين أفرادها التعاون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان أما الأمم الشقية الجاهلة، فهي التي يشيع بين أفرادها سوء الظن والتراشق بالتهم الباطلة، والتنازع الذي مبعثه الأهواء والأحقاد. ٤-أن الأولاد هم ثمرة القلب وإحدى زينتي الحياة الدنيا وقد تمنى الذرية جميع الناس حتى الأنبياء فهذا سيدنا إبراهيم يدعو الله فيقول ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] ولكن الأولاد في الوقت نفسه أمانة في أيدي آبائهم، ويجب على الآباء أن يرعوا هذه الأمانة حق رعايتها، بأن يحسنوا تربيتهم دينيا وجسميا وعلميا وخلقيا، وبأن يقدموا لهم ما هم في حاجة إليه من عناية مادية ومعنوية ... قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [سورة التحريم: ٦] . وقال سبحانه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] . وفي الحديث الصحيح: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) .

стр. 5018

٥ – أن هذا الكون قد أقامه الله تعالى – على نظام دقيق، بديع محكم، فكل شيء فيه يسير وفق تدبير متقن وتنظيم بديع، فالشمس تشرق وتغرب في وقت معلوم، ومثلها القمر والليل والنهار، كما قال سبحانه: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ . (يس: ٤٠) . وكما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩) . وكما قال : ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ (الملك: ٣) . وإذًا فالإنسان العاقل هو الذي يتخذ النظام شعارًا له في سائر تصرفاته لأنه يوفر المجهود ويضاعف الثمرة، وما وجد النظام في شيء إلا زانه، وما فقد من شيء إلا شانه وصدق الله إذ يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر: ٢١) . ٦ – إننا نعيش في عصر لا تتنافس فيه الأمم بكثرة أفرادها، ولا باتساع أراضيها وإنما نحن نعيش في عصر تتنافس فيه الأمم بالاختراع والابتكار ووفرة الإنتاج والتقدم العلمي بشتى صوره وألوانه، هذا التقدم الذي يجعل احتياج الغير إليك أكثر من احتياجك إليه. ونحن نشاهد أممًا أقل عددًا من غيرها ولكنها أقوى وأغنى من ذلك الغير والأمثلة على ذلك يعرفها عامة الناس، فضلًا عن علمائهم. ٧ – أن من مزايا الشريعة الإسلامية أن الأمور التي لا تختلف المصلحة فيها باختلاف الأوقات والبيئات والاعتبارات تنص على الحكم فيها نصًا قاطعًا لا مجال معه للاجتهاد والنظر، كتحليل البيع وتحريم الربا، أما الأمور التي تخضع فيها المصلحة للظروف والأحوال فإن شريعة الإسلام تكل الحكم فيها إلى أرباب النظر والاجتهاد والخبرة في إطار قواعدها العامة، ومن هذه الأمور مسألة تنظيم الأسرة أو النسل، فإنها من المسائل التي تختلف فيها الأحكام باختلاف ظروف كل أسرة وكل دولة، وباختلاف إمكانياتها.

стр. 5019

فمثلًا هناك دول هي في حاجة إلى الكثرة البشرية لأن وسائل الإنتاج والرقي فيها تحتاج إلى هذه الكثرة القوية المنتجة الرشيدة، وأمثال هذه الدول يقال لها: مرحبًا بهذه الكثرة القوية المؤمنة العاقلة، وهناك دول لا تحتاج إلى الكثرة في عدد أفرادها لأن هذه الكثرة موجودة فيها ولأن إمكانياتها لا تتحملها، ولأن السواد الأعظم من أفرادها يعيش على جهود القلة فيها، ولأنها مع كثرتها تستورد من غيرها معظم ضروريات حياتها، وأمثال هذه الدول يكون تنظيم الأسرة فيها أمرًا مرغوبًا فيه ومطلوبًا منها مع غيره من الوسائل الأخرى التي تؤدي إلى تقدمها، كمضاعفة الإنتاج، ومواصلة تطوير الزراعة والصناعة وغيرهما، وحرص أفرادها على أداء واجباتهم بأمانة ونشاط وقوة. إننا مرة أخرى نقول: إن الكثرة الصالحة المنتجة القوية مرحبًا بها، أما الكثرة الهزيلة الضعيفة الشاردة عن الطريق القويم، المعتمدة في كثير من ضروريات حياتها على غيرها فالقلة خير منها. بعد هذه الحقائق التي أرجو أن تكون محل اتفاق نحب أن ندخل إلى موضوع تنظيم الأسرة أو النسل بأسلوب السؤال والجواب فنقول: أولًا: ما معنى تنظيم الأسرة؟ وهل هناك فرق بينه وبين التحديد والتعقيم والإجهاض؟ والجواب ببساطة: تنظيم الأسرة معناه أن يتخذ الزوجان باختيارهما واقتناعهما الوسائل التي يريانها كفيلة بتباعد فترات الحمل، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان يتفقان عليها فيما بينهما. والمقصود من ذلك تقليل عدد أفراد الأسرة بصورة تجعل الأبوين يستطيعان القيام برعاية أبنائهما رعاية متكاملة بدون عسر أو حرج أو احتياج غير كريم. وهناك فرق شاسع بينه وبين التحديد والتعقيم والإجهاض، إذ تحديد النسل بمعنى منعه منعًا مطلقًا ودائمًا، حرام شرعًا، ومثله التعقيم الذي هو بمعنى القضاء على أسباب النسل نهائيًا. وأما الإجهاض وهو قتل الجنين في بطن أمه أو إنزاله، فقد أجمع الفقهاء أيضًا على حرمته وأنه لا يجوز إلا إذا حكم الطبيب الثقة بأن في بقاء هذا الجنين هلاكًا للأم، أو ضررًا بليغًا سيصيبها بسبب بقائه في بطنها.

стр. 5020

ثانيًا: هل تنظيم الأسرة بتلك الصورة التي سبق بيانها جائز من الناحية الدينية؟ والجواب: أن تنظيم الأسرة أو النسل بتلك الصورة التي سبق بيانها جائز شرعًا وعقلًا متى كانت هناك أسباب تدعو إليه، وهذه الأسباب يقدرها الزوجان حسب ظروفهما، فقد تنشأ أسباب تدفع الإنسان إلى تنظيم أسرته أو نسله، وقد ذكر الفقهاء قديمًا وحديثًا جملة من الأسباب التي تبيح للزوجين تنظيم نسلهما. ومن الفقهاء القدامى الذين فصلوا الحديث عن هذه المسألة، الإمام الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥هـ، فقد قال في كتابه إحياء علوم الدين ج/٢ ص (٥١) : (وأما العزل – وهو أن يقذف الرجل ماءه خارج الرحم منعًا للحمل، فقد اختلف العلماء في إباحته وكراهته ... والصحيح عندنا أن ذلك مباح) . ثم قال ﵀: (والنيات الباعثة على العزل خمس: الأولى: في السراري، وليس منهيًا عنه. والثانية: من أجل استبقاء جمال المرأة وسمنها لدوام التمتع بها واستبقاء حياتها خوفًا من خطر الطلق، وهذا أيضًا ليس منهيًا عنه. والثالثة: الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ودخول مداخل السوء، وهذا أيضًا غير منهي عنه فإن قلة الحرج معين على الدين. نعم الكمال والفضل في التوكل والثقة بضمان الله حيث قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ولكن النظر إلى العواقب وحفظ المال وادخاره، لا نقول إنه منهي عنه) . ولقد لخص فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت في كتابه تنظيم النسل ص ٨ جانبًا من كلام الإمام الغزالي في هذه المسألة فقال: (يرى الإمام الغزالي أن منع الولد مباح ولا كراهة فيه. قال: لأن النهي إنما يكون بنص أو قياس منصوص، ولا نص في الموضوع ولا أصل يقاس عليه بل عندنا في الإباحة أصل يقاس عليه وهو ترك الزواج أصلًا أو ترك المخالطة الجنسية بعد الزواج، أو ترك التلقيح بعد المخالطة، فإن كل ذلك مباح وليس فيه إلا مخالفة الأفضل فليكن منع الحمل بالعزل أو ما يشبهه مباحًا ... ) .

стр. 5021

ومن العلماء القدامى الذين رجحوا جواز العزل الأئمة ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، أما الإمام ابن تيمية فقد جاء عنه في كتاب (مختصر الفتاوى) ص (٤٢٦) : (وأما العزل فقد حرمه طائفة لكن الأئمة الأربعة على جوازه بإذن المرأة) ، وأما الإمام ابن القيم، فقد رجح في كتابه زاد المعاد ج/٤ ص ١٦ الرأي القائل بإباحة العزل، فبعد أن ذكر طائفة من الأحاديث المصرحة بجوازه فقال: (فهذه الأحاديث صريحة في جواز العزل) . وأما الإمام الشوكاني فقد قال في كتابه نيل الأوطار: (ولا خلاف بين العلماء في جواز العزل، بشرط أن توافق الزوجة الحرة على ذلك، لأنها شريكة في المعاشرة الزوجية) . وأما الفقهاء المحدثون فمنهم فضيلة الشيخ السيد سابق، فقد قال في كتابه المشهور فقه السنة ج ٧ ص ١٤٥، تحت عنوان: (العزل وتنظيم النسل) : (تقدم أن الإسلام يرغب في كثرة النسل، إذ أن ذلك مظهر من مظاهر القوة والمنعة بالنسبة للأمم والشعوب إلا أن الإسلام مع ذلك لا يمنع في الظروف الخاصة من تنظيم النسل، باتخاذ دواء يمنع من الحمل أو بأي وسيلة أخرى من وسائل الحمل فيباح التنظيم في حالة ما إذا كان الرجل معيلًا – أي كثير العيال – ولا يستطيع القيام على تربية أبنائه التربية الصحيحة وكذلك إذا كانت المرأة ضعيفة، أو كانت موصولة الحمل، أو كان الرجل فقيرًا، أو كان هناك مرض معد في الزوجين أو في أحدهما. ففي مثل هذه الحالات يباح تنظيم النسل، بل إن بعض العلماء يرى أن التحديد في هذه الحالات لا يكون مباحًا فقط بل مندوبًا إليه ... ) . ولقد جاء في مجلة الحج العدد ١٦ لسنة ١٣٨٤ فتوى لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز حول هذا الموضوع قال فيها: (العزل هو إراقة المني خارج الفرج، لئلا تحمل المرأة وهذا إنما يفعله الإنسان عند الحاجة إليه، مثل كون المرأة مريضة فيخشى أن يضرها الحمل أو يضر طفلها، فيعزل لهذا الغرض أو نحوه من الأغراض المعقولة الشرعية إلى وقت ما، ثم يترك ذلك وليس في هذا قطع للحمل ولا تحديد للنسل، وإنما فيه تعاطي بعض الأسباب المؤخرة للحمل لغرض شرعي وهذا لا محظور فيه في أصح الأقوال – عند العلماء كما دلت عليه أحاديث العزل) (١) . وبذلك نرى أن تنظيم الأسرة أجازه الفقهاء القدامى والمحدثون متى كان هناك داع إليه.

стр. 5022

ثالثًا: هل تنظيم النسل أو الأسرة هو الوسيلة الوحيدة لحل مشكلة تزايد السكان ورفع مستوى المعيشة وحصول كل فرد على مطالب حياته بصورة مقبولة؟ والجواب: ما قال عاقل بأن تنظيم النسل أو الأسرة هو الوسيلة الوحيدة لحل هذه المعضلات، وإنما هو وسيلة من بين كثير من الوسائل التي من أهمها: أداء كل فرد من أفرادها لواجبه قبل مطالبته بحقوقه، وحرص هذا الفرد على أن يكون لبنة نافعة في بناء كيان مجتمعه لبنة تقوي كيان المجتمع ولا تضعفه، وتعطيه من إنتاجها أكثر مما تأخذ منه وآفة الآفات في كل أمة تثقلها الديون والمتاعب المتشابكة، تتمثل – في تقديري – في تمزق أبنائها وتفرقهم وسلبيتهم وشيوع سوء الظن بينهم بدون موجب واهتمام معظمهم بالحصول – بكل الطرق – على مصالحهم الخاصة، ومنافعهم الذاتية، أما ما يعود على أمتهم بالخير، فلا يحظى بجانب كبير من تفكيرهم أو اهتمامهم، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١) . رابعًا: أهناك فتاوى رسمية صدرت في موضوع تنظيم النسل أو الأسرة؟ والجواب: نعم هناك فتاوى متعددة صدرت في هذا الموضوع، نكتفي بإيراد نماذج منها: ١ – في ٢٥ من يناير سنة ١٩٣٧، أي منذ أكثر من خمسين سنة ورد إلى دار الإفتاء سؤال نصه: رجل رزق بولد واحد، ويخشى إن هو رزق أولاد كثيرين أن يقع في حرج من عدم قدرته على تربية الأولاد والعناية بهم، أو تسوء صحته فتضعف أعصابه عن تحمل واجباتهم ومتاعبهم، وأن تسوء صحة زوجته بكثرة ما تحمل وتضع، دون أن يمضي بين الحمل والحمل فترة تستريح فيها، فهل له أو لزوجته أن يتخذا بعض الوسائل التي يشير بها الأطباء، ليتجنبا كثرة النسل، بحيث تطول الفترة بين الحمل فتستريح الأم ولا يرهق الوالد؟

стр. 5023

وقد أجاب فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم – مفتى الديار المصرية في ذلك الوقت بقوله: (اطلعنا على هذا السؤال، ونفيد بأن الذي يؤخذ من نصوص الفقهاء الأحناف أنه يجوز أن تتخذ بعض الوسائل لمنع الحمل، على الوجه المبين بالسؤال) . والفتوى بكاملها منشورة بمجموعة الفتاوى الإسلامية ج ٢ ص ٤٤٥. ٢ – وشبيه بهذا السؤال سؤال آخر ورد إلى لجنة الفتوي بالأزهر في ١٠ مارس سنة ١٩٥٣م ونصه: رجل متزوج رزق بولد واحد ويخشى إن هو رزق أولادًا كثيرين أن يقع في حرج من عدم قدرته على تربية الأولاد والعناية بهم ... فهل له أو لزوجته أن يتخذا بعض الوسائل التي يشير الأطباء لتجنب كثرة النسل بحيث تطول الفترة بين الحمل والحمل، فتستريح الأم وتسترد صحتها ولا يرهق الوالد صحيًا أو ماديًا أو اجتماعيًا؟ وكان الجواب: اطلعت اللجنة على هذا السؤال، وتفيد بأن استعمال دواء لمنع الحمل مؤقتًا لا يحرم على رأي عند الشافعية، وبه تفتي اللجنة، لما فيه من التيسير على الناس، ودفع الحرج ولاسيما إذا خيف من كثرة الحمل، أو ضعف المرأة من الحمل المتتابع بدون أن يكون بين الحمل والحمل فترة تستريح فيها المرأة وتسترد صحتها، والله تعالى يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وأما استعمال دواء لمنع الحمل أبدًا فحرام. ٣ – ومن الأسئلة التي وجهت لي شخصيًا حول هذا الموضوع ما يأتى: أ – زوجان معهما طفل واحد، ويسكنان في شقة من حجرتين ودخلهما الشهرى في حدود مائة جنيه في أيامنا هذه سنة ١٩٨٨، ويريدان باختيارهما واتفاقهما أن يوقفا الحمل لفترة من الوقت ليتفرغا لتربية هذا الطفل تربية كريمة، فهل يجوز لهما شرعًا ذلك مع أنهما يؤمنان إيمانًا عميقًا بأن كل شيء بقضاء الله وقدره؟ وكان جوابي: لا مانع شرعًا من إيقاف الحمل لفترة من الزمان ماداما يقصدان من وراء ذلك حسن التربية لطفلهما، وماداما يؤمنان هذا الإيمان العميق بقدرة الله تعالى على كل شيء، ومسلكهما هذا إنما هو لون من مباشرة الأسباب الشريفة التي أحلها الله تعالى.

стр. 5024

ب – زوجان يسكنان في شقة من ثلاث غرف، ومعهما ولد وبنت ودخلهما الشهرى في أيامنا هذه سنة ١٩٨٨ مائتا جنيه، ويشعران بأن هذا المبلغ يكفيهما بمطالب الحياة الشهرية التي لا غنى عنها، ويريدان باختيارهما أن يوقفا الحمل لفترة من الزمان وقصدهما من ذلك أن يكون للولد حجرة خاصة ينام فيها، وللبنت حجرة أخرى تنام فيها، فهل يجوز ذلك شرعًا، ومع أنهما يحافظان على أداء فرائض الله تعالى، ويحرصان على التقيد بأحكام دينه؟ وكان جوابي: أنه لا مانع شرعًا من ذلك لأنهما بفعلهما هذا يباشران الوسائل السليمة لتربية ولديهما تربية قويمة، دعا إليها النبي ﷺ في قوله: ((علموا أولادكم الصلاة وهم في سن السابعة واضربوهم على تركها وهم في سن العاشرة، وفرقوا بينهم في المضاجع)) أي عند النوم. ج – زوجان معهما ثلاثة أولاد، وحالتهما المادية والصحية ممتازة، ويريدان أن يوقفا برضاهما واختيارهما الحمل لفترة من الزمان، وليس ذلك لأسباب خاصة بهما وإنما لأنهما يعتقدان بأن الدولة التي يعيشان فيها هي بحاجة إلى تنظيم النسل، فهل هذا جائز شرعًا مع حرصهما التام على أداء أحكام دينهما؟ وكان جوابي: أن هذا الشعور بظروف الدولة التي تعيشان فيها شعور طيب وحميد يدل على حسن الظن وعلى الثقة فيما تصدره الدولة من بيانات حول هذا الموضوع، كما يدل على الاهتمام المشكور بأحوال المجتمع الذي تعيشان فيه استجابة لقول النبي ﷺ : ((من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم)) . ومادام شعوركما كذلك، فما تريدان عمله من تأجيل الحمل لفترة من الزمان تتفقان عليها، لا مانع منه شرعًا، فإن الأمور بمقاصدها، والأعمال بالنيات. خامسًا: أيصح للدولة أن تصدر قانونًا لتنظيم الأسرة أو النسل؟ والجواب: لا يصح ذلك في تقديري، لأن مسألة تنظيم الأسرة من المسائل الشخصية التي تتعلق بالزوجين وحدهما، والتي تختلف من أسرة إلى أسرة على حسب ظروفهما وأحوالهما وما يتعلق بالزوجين لا تعالجه القوانين، وإنما خير وسيلة لتنظيم الأسرة فهم الدين فهمًا سليمًا وإشاعة هذا الفهم بين جميع أفراد الأمة.

стр. 5025

وإني أرجح أن على رأس الأسباب التي جعلت بعض الناس يتهاون في مسألة تنظيم الأسرة هو فقدان الوعي، وعدم الفهم السليم لأحكام الدين ولشئون الدنيا، والاستخفاف بالمسئولية نحو الأبناء. سادسًا: هل تتعارض الدعوة إلى تنظيم الأسرة مع قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أو مع قوله سبحانه ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ أو مع قوله تعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ أو مع الحديث الشريف: ((تناكحوا تناسلوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم بوم القيامة؟)) . والجواب: لا تتعارض الدعوة إلى تنظيم النسل متى سيقت بأسلوب حكيم، مع قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ومع ما يشبهها من آيات كريمة وذلك لأنه لم ينكر أحد من العقلاء أن المال الحلال والذرية الصالحة هما زينة الحياة الدنيا، ولكن هناك ما هو أسمى منهما وأبقى، وهو ما وضحته بقية الآية في قوله سبحانه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (١) أي: المال والبنون زينة يتزين بها كثير من الناس في هذه الحياة وإذا كان الأمر كذلك في عرف كثير منهم، فإن الأقوال الطيبة والأعمال الصالحة هي الباقيات الصالحات التي تبقى ثمارها للإنسان وتكون عند الله تعالى خير من الأموال والأولاد، لأن المال والبنين كثيرًا ما يكونان فتنة، كما في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٢) أي أن أموالكم وأولادكم على رأس الأسباب التي تؤدي المبالغة في الاشتغال بها إلى التقصير في طاعة الله تعالى وإلى مخالفة أمره، فكونوا مؤثرين لرضا الله على كل شيء سواه وقال سبحانه في آية أخرى قبل هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (٣) . فالأولاد قد يكونون زينة، وقد يكونون فتنة، وقد يكونون أعداء، وتنظيم النسل متى صاحبته النية الطيبة والمقاصد الشريفة، كان عونًا للإنسان على أن يكون الأولاد قرة عين له.

стр. 5026

ولا تتعارض الدعوة إلى تنظيم الأسرة مع قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (١) لأنه ما قال أحد بأن تنظيم الأسرة قتل للأولاد، وإنما هو حماية لهم من النواحي الدينية والصحية والاجتماعية ... والآية الكريمة وما يشبهها من آيات، تنهى عن قتل الأولاد قبل ولادتهم، وبعد ولادتهم وتتوعد الذين كانوا يفعلون ذلك من أهل الجاهلية ولاسيما مع البنات بأشد أنواع العذاب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٣) . ولقد حرمت شريعة الإسلام الإجهاض – وهو قتل الجنين في بطن أمه – تحريمًا قاطعًا، ولم تبحه – كما سبق أن أشرنا – إلا إذا حكم الطبيب الثقة بأن بقاء هذا الجنين سيؤدي إلى هلاك الأم أو إلحاق ضرر محقق بها. وقال فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت ما ملخصه: (اتفق الفقهاء على أن إسقاط الحمل بعد نفخ الروح فيه – وهو كما يقولون لا يكون إلا بعد أربعة أشهر – حرام وجريمة لا يحل لمسلم أن يفعله لأنه جناية على حي متكامل ولكنهم قالوا: إذا ثبت من طريق موثوق به أن بقاءه بعد تحقيق الحياة هكذا يؤدي لا محالة إلى موت الأم فإن الشريعة بقواعدها العامة تأمر بارتكاب أخف الضررين، وهو إسقاط هذا الحمل، أما إسقاطه قبل نفخ الروح فيه – أي قبل إتمام أربعة أشهر كما يقولون – فقد اختلفوا فيه فرأى فريق أنه جائز ولا حرمة فيه، ورأى آخرون أنه حرام أو مكروه) . ولا يتعارض تنظيم الأسرة كذلك مع قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٤) ، لأن كل إنسان لا يكون مؤمنًا حقًا إلا إذا اعتقد اعتقادًا جازمًا أن كل دابة في الأرض من إنسان أو حيوان أو غيرهما، على الله وحده رزقها فهو سبحانه الرازق للغني والفقير وللصغير والكبير، ولكن ذلك لا ينافي الأخذ بالأسباب والسعي في سبيل الحصول على الرزق إذ أن هذا الرزق قد جعل الله تعالى له وسائل من سلكها نجح ومن أهملها خسر، وكيف لا هو القائل في آية أخرى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .

стр. 5027

ولذا فتنظيم الأسرة لا يتعارض إطلاقًا مع الاعتقاد بأن الله تعالى هو الرازق لمخلوقاته لأننا مع هذا الاعتقاد مطلوب منا أن نسعى لطلب الرزق من وجوهه المشروعة حتى نقدم لمن هم أمانة في أعناقنا ما يغنيهم ويسترهم.. وفي الحديث الصحيح: ((إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون وجوه الناس)) ، ثم إني بعد ذلك أتساءل في ألم: هل الناس في مجموعهم يؤمنون بهذه الآية إيمانًا عمليًا كما ينطقون بها لفظيًا؟ والجواب: أن واقعهم العملي الذي نحسه ونشاهده، يخالف أقوالهم.. بدليل أنهم لو كانوا يؤمنون بهذه الآية إيمانًا عمليًا عميقًا، لما رأيت الوساطات من فلان إلى فلان من أجل الحصول على أشياء معينة.. ولما رأيت من يريق ماء وجهه ويذل نفسه لمخلوق مثله، من أجل أن يعين بعض أولاده في وظيفة معينة، أو في عمل معين، أو أن يدخلهم له كلية معينة ... إلخ، ولما رأيت أولئك الذين لا يعرفون معنى التعفف وهم يمدون أيديهم بالسؤال إلى مخلوق مثلهم. فهل هذا المسلك الذي يتنافى مع الكرامة الإنسانية يتفق مع معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ؟ مما لا شك فيه أن الذي يتفق مع معنى هذه الآية الكريمة هو العفاف النفسي والسمو القلبي والتعالي على سؤال المخلوقين في أمر يتنافى مع مكارم الأخلاق.. ولكن آفة الناس الكبرى أن كثيرًا منهم أقوالهم في واد وأفعالهم في واد آخر، وهذا شر ما تبتلى به الأمم. وأيضًا لا تتعارض الدعوة إلى تنظيم النسل مع قوله ﷺ : ((تناكحوا تناسلوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) ؛ لأن هذا الحديث مع كونه مرسلًا نرجح أن المقصود به والله أعلم الكثرة المؤمنة الصالحة القوية المنتجة، إذ من المعلوم أن الرسول ﷺ لا يباهي بكثرة فاسقة عاصية ضعيفة جائعة متخلفة جاهلة تستورد معظم ضروريات حياتها من غيرها، وإنما يباهي بالكثرة المستقيمة القوية العزيزة الغنية التي دائمًا يدها هي العليا ويد غيرها هي السفلى.

стр. 5028

ولقد ذم النبي ﷺ الكثرة التي لا فائدة من ورائها في حديثه المشهور الذي يقول فيه: ((يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها)) ، قالوا: ومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: ((بل أنتم حينئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن)) ، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: ((حب الدنيا وكراهية الموت)) . وإذن فالكثرة الصالحة القوية المنتجة مرحبًا بها، وهي محل المباهاة في كل زمان ومكان، أما الكثرة المنحرفة الطائشة الضعيفة التي تمد يدها بالسؤال إلى غيرها فإن القلة الرشيدة خير منها. ونحن نكرر أن مسألة تنظيم الأسرة ليست من المسائل التي لا تقبل التغيير أو النظر؛ لأنها تنزيل من حكيم حميد، وإنما هي من المسائل التي تقبل المراجعة والنظر والتى هي من الأمور النسبية التي تخضع لظروف كل أسرة وأحوالها، ولإمكانيات كل دولة وتقديرها، فقد يكون تنظيم النسل مطلوبًا في أسرة دون أسرة وفي دولة دون دولة. فالأقطار التي تشكو من تضخم السكان في حاجة إلى تنظيم الأسرة أو النسل، والأقطار التي في حاجة إلى كثرة الأفراد لخروجها من حروب مدمرة أو لوجود إمكانيات ضخمة فيها، لا تطالب بتنظيم النسل. والخلاصة أن هذه المسألة تختلف من أسرة إلى أسرة، ومن قطر إلى قطر على حسب الظروف والأحوال والإمكانيات. سابعًا: هل الدين يدعو إلى اتخاذ وسائل معينة لتنظيم الأسرة؟ الجواب: أن الدين يدعو إلى الحياة السعيدة بين الزوجين ويرسم لهما طريقهما ويحدد لهما ما هو حلال وما هو حرام، ثم بعد ذلك يعيطهما الحرية الكافية لتصريف حياتهما في إطار شريعة الله تعالى ومكارم الأخلاق.

стр. 5029

وظروف تنظيم النسل أو الأسرة كانت في القديم مقصورة على (العزل) وهو قذف النطفة بعيدًا عن الرحم عند الإحساس بنزولها. وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل. وفي رواية للإمام مسلم عن جابر أيضًا قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، فبلغه ذلك فلم ينهنا. ثم تطورت طريقة تنظيم النسل بمرور الأيام وابتكر الأطباء أنواعًا كثيرة لهذا الغرض، منها ما يؤخذ عن طريق الفم، ومنها ما يؤخذ عن طريق الحقن، ومنها اللوالب المعدنية إلى غير ذلك من الوسائل. وكل هذه الوسائل لا يعارضها الدين مادامت لا تتنافى مع آدابه، ومادام قد حكم الأطباء الثقات بصلاحيتها وعدم حدوث ضرر من استعمالها. ثامنًا: هل يتنافى تنظيم الأسرة مع الإيمان بقضاء الله وقدره؟ والجواب: أنه لا تنافي بين تنظيم الأسرة وبين الإيمان بقضاء الله وقدره، لأن تنظيم الأسرة ما هو إلا لون من مباشرة الأسباب التي أمرنا الله تعالى بمباشرتها لتنظيم حياتنا. وهذه الأسباب قد تنجح وقد لا تنجح، وقد تتخذ المرأة وسائل منع الحمل لفترة معينة مع ذلك يأتي الحمل، كما أن المريض قد يذهب إلى الطبيب فيعطيه علاجًا معينًا، ولكن هذا العلاج قد يؤدي إلى الشفاء وقد لا يؤدي إلى ذلك. ونحن مطالبون دينيًا وعقليًا بمباشرة الأسباب التي شرعها الله تعالى لنجاحنا في الحياة، مع إيماننا المطلق بأن ما قدره الله وقضاه لابد أن يكون، إلا أن ما قدره الله وقضاه نحن لا نعلمه ولا نعرفه؛ لأن مرده إليه وحده، وهو سبحانه علام الغيوب، ورحم الله القائل: إنما الغيب كتاب صانه عن عيون الخلق رب العالمين ليس يبدو منه للناس سوى صفحة الحاضر حينًا بعد حين وإذن فتنظيم الأسرة لا يتعارض إطلاقًا مع الإيمان بالقضاء والقدر لأن ما قدره الله سبحانه نحن لا نعلمه، وإنما نحن نباشر الأسباب، ثم نَكِلُ النتائج له سبحانه يصرفها كيف شاء ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . الدكتور محمد سيد طنطاوى

стр. 5030

تحديد النسل وتنظيمه إعداد الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي أستاذ في قسم الفقه الإسلامي بجامعة دمشق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة وعرض لخطة البحث الحمد لله ملهم الخير، دل عباده على طريق الصواب ثم ألزمهم به، ونبههم إلى مزالق الردى ثم حذرهم منها، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فيحسن أن أضع القارئ الكريم أمام خطة لهذا البحث تبين له هيكله العام، وتسلسل جزئيات مسائله المرتبة بعضها على بعض حتى يكون على بينة من خارطة البحث ونهجه وكيفية تسلسله. وهذه هي الخطة، وعلى نهجها بتوفيق الله نسير: ١ – تحرير محل البحث وتحديده. ٢ – تمهيد: متى وكيف بدأت فكرة تحديد النسل أو تنظيمه؟ ٣ – حكم المسألة في الميزان الفقهي: أ – مقدمة تتضمن بيان القاعدة الفقهية القائلة: ليس كل ما هو مشروع للفرد يشرع للجماعة. ب – حكم تحديد النسل للأفراد. جـ - حكم تحديد النسل في حق المجتمع بتوجيه من القادة. ٤ – دراسة المسألة في الميزان الاجتماعي والديموغرافي. ٥ – وأخيرًا المشكلات الجزئية التي تقتضي الحد من النسل أو تنظيمه محلولة، والمصلحة الكلية تتمثل دائمًا في أن يكون الزواج للإنجاب لا لمجرد المتعة والاقتران. هذا وأسأل الله تعالى الرشد والتوفيق.

стр. 5031

تحرير محل البحث وتحديده كلمة (تحديد النسل) أو (تنظيم النسل) تعني في المصطلح الشائع اليوم كل ما قد يتبعه الزوجان من الوسائل والأسباب التي من شأنها أن تحول دون نشوء الحمل، كليًا أو جزئيًا، أي دائمًا أو في أحوال وفترات دون أخرى. ويدخل في هذه الوسائل العلاجات المختلفة التي تلجأ إلى استعمالها الزوجة ومنها العزل الذي قد يمارسه الزوج لأسباب اقتصادية أو اجتماعية. إذن فلا يدخل في هذا المصطلح الإجهاض بأنواعه، من كل ما يعد إسقاطًا للجنين أو لمادة الجنين بعد العلوق. إن المراد بتحديد النسل في بحثنا هذا كل ما يدخل في مضمون العمل الوقائي ضد الحمل لا الوسائل العلاجية التي تتخذ لإسقاطه. كما أن مرادنا بتحديد النسل هذا ذاك الذي يمارسه الزوجان ابتغاء هدف اقتصادي أو تربوي أو اجتماعي كما أوضحنا، فلا يدخل في بحثنا هذا ما قد يلجأ إليه مرتكبوا الفواحش، نساء أو رجالًا، من الوسائل الكفيلة بمنع الحمل، فإن لهذه الحالة موازين خاصة بها من النظر والاعتبار. متى وكيف بدأت فكرة تحديد النسل؟ من المعروف لدى علماء التاريخ والاجتماع أنه سادت بعض العشائر البدائية في بعض العصور القديمة عادة قتل الأولاد لأسباب متعددة، لعل من أكثرها شيوعًا الرغبة في التخفيف من أعباء الحياة.. ولما كان البنون أكثر نفعًا لآبائهم في أعمال الإنتاج، فقد كانت البنات وحدهن ضحية هذه العادة، هذا ما يقرره كثير من الباحثين (١) . غير أن هذه العادة لم تكن مضطردة، فكثيرًا ما كان الآباء يصطفون لأنفسهم البنات، فلا يقع القتل إلا على الذكور، مما يبعث على الريبة في السبب الذي افترضه أولئك الباحثون.

стр. 5032

ولقد شاع القتل لكل من الجنسين لدى كثير من القبائل البدائية في أستراليا وغيرها، إذ كثيرًا ما كانت الأم تحرص على التخلص من وليدها دون نظر إلى الجنس، ولعل ذلك كان يتم لمجرد أسباب شخصية تعود إلى رغبة الأم وربما الأب أيضًا، في التخفيف من مشقات التربية، وفي الركون إلى مزيد من الراحة والدعة. وفي إسبرطه كانت التقاليد المتبعة تقضي بأن يختبر الوالد وليده الصغير فور ولادته، فإن وجده ضعيفًا أو مريضًا أو مشوهًا لم ير مانعًا من القضاء عليه بأيسر طريق (١) . كما أن عادة قتل الأولاد كانت سارية عند كثير من القبائل العربية في الجاهلية، مثل كندة، وربيعة، وطيء، وتميم، وغيرها.. والصحيح أن الدوافع إلى ذلك كانت مختلفة، فربما كان الحامل على ذلك خوفًا من الفقر والإملاق، وفي هذه الحال كان الهلاك كان يقع على كل من الذكور والإناث، وربما كان خوفًا من العار أو سيرًا وراء بعض المعتقدات الأسطورية التي تقضي بكون الأنثى من الإنسان رجسًا من الشيطان، وفي هذه الحال كان القتل يستحر بالبنات وحدهن (٢) . وأيًا كان الأمر فإن التخلص من النسل أو كثرته لم تكن تعتمد عند تلك الجماعات والشعوب على أي طريقة وقائية سابقة، على نحو ما صورنا وحددنا في نقطة تحرير البحث.. بل كان يأخذ شكل التدارك للأمر من بعد الولادة بواسطة القتل.

стр. 5033

وإذا استثنينا النظام الذي كان سائدًا في إسبرطه وأثينا فيما يتعلق بهذا الأمر، فإن هذا الذي كانت تقدم عليه سائر القبائل والشعوب الأخرى، إنما كانت مدفوعة إليه بدافع من جهالتها وبدائيتها في التعامل مع الحياة وأسبابها ... ولم يكن لدى أي قبيلة أو فئة من مجموع أولئك الناس أي انطلاقة علمية أو ثقافية مهما ضؤلت قيمتها إلى تلك العادة المتبعة. ولقد تقدمت الشعوب والأمم صعدًا فيما بعد على درب العلم والحضارة، فترك كثير منها كثيرًا من عاداتها وتقاليدها المتخلفة وراءها.. بما فيها هذه العادة ذاتها، وظل الأمر مستمرًا على ذلك أجيالًا متعاقبة من الزمن. إلا أن الثلث الأخير من القرن الثامن عشر شهد ولادة جديدة لهذا الاتجاه بأسلوب متطور.. لقد ولد هذه المرة في رحم من المسوغات والحيثيات العلمية والحضارية بعد أن كانت ولادته الأولى ضمن ظلمات من تلافيف الجهل والخرافة. فقد نشر القس والعالم الاقتصادي البريطاني (مالتوس) مقالًا بعنوان (تزايد السكان وتأثيره في تقدم المجتمع في المستقبل) وذلك في عام ١٧٩٨ أوضح فيه أن وسائل الإنتاج وأسباب الرزق في الأرض محدودة، غير أنه لا يوجد حد لتزايد السكان وتضخم النسل. فإذا ترك الأمر بدون تنسيق، فإن المفروض أن يأتي يوم تضيق الأرض فيه بسكانها وتقل فيه وسائل العيش عن تلبية حاجاتهم.. ثم اقترح الكاتب القس لتنفيذ هذا التنسيق سبيلين اثنتين: أولهما: ألا يتزوج الشباب إلا بعد أن يتقدم بهم السن. ثانيهما: أن يبذل الأزواج بعد أن تظلهم الحياة الزوجية قصارى جهدهم في سبيل الإقلال من الإنجاب (١) .

стр. 5034

وما كادت أصداء مقالته هذه تنتشر في ربوع أوروبا، حتى كتب الباحث الفرنسي فرنسيس بلاس Francis Palace مقالًا ينادي فيه بدعوة مالتوس، ويؤكد فيه ضرورة الحد من تزايد السكان. وبعد حين ظهر في أمريكا مقال للطبيب المشهور تشارلس كنورتون Charles Knorotton يؤيد فيه الفكرة ذاتها مقدمًا اقتراحاته ضمن آراء وتدابير طبية يمكن الاستفادة منها. وسرعان ما لقيت هذه الدعوة رواجًا في الأوساط المختلفة، وصادفت من الغرب المقبل على بحر من التحلل لا شاطئ له ولا قرار، تربة صالحة، ووجد الباحثون عن اللذة والهاربون من مغارم المسئولية في الاستجابة لها ما يحقق بغيتهم ويعينهم على تحقيق أهدافهم وهذا شيء متوقع من أناس هذه هي حالهم. ولكن لابد أن نتساءل: هل صدقت قواعد العلم، أو هل صدق الواقع الممتد من أواخر القرن الثامن عشر إلى أواخر القرن العشرين، شيئًا من تصورات مالتوس؟ وأحسب أن قرنين من الزمن فيهما فرصة كافية للكشف عن حقيقة هذه النبوءة.. نبوءة تناقص وسائل الرزق عن عدد الأناسي الذين أحصاهم مالتوس في خياله الممتد إلى آفاق الزمن المقبل. إن الذي أثبتته الدراسات العلمية الموضوعية، ودلت عليه تجارب الأمم ووقائع الأزمنة والتاريخ، نقيض ما قد تصوره مالتوس ومن انساقوا وراء افتراضاته، فلنشرح ذلك بالقدر الذي يتناسب وطبيعة هذا البحث، على أن نبدأ قبل كل شيء، فنستجلي حكم هذه المسألة في الميزان الشرعي، فقد كانت حقائق العلم ولا تزال لاحقة بحكم الشرع وخاضعة له، ذلك لأن حكم الشرع ليس إلا قرار خالق العلم وقواعده ومحال أن يقع بينهما أي تناقض أو تشاكس.

стр. 5035

حكم المسألة في الميزان الفقهي لهذه المسألة حكمان مختلفان، أولهما يتعلق بالأفراد، وثانيهما يتعلق بالمجتمع الذي تمثله الدولة وينطق باسمه الحاكم أو الإمام، فلنبدأ ببيان الحكم الأول منهما، وهو الحكم الذي يخاطب به الفرد صاحب العلاقة. أولًا: عرض لأهم الأحاديث الواردة في هذه المسألة: ١ – روى البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه، عن جابر ﵁ أنه قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل. ٢ – روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أصبنا سبيًا فكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﷺ ، فقال: ((أوإنكم لتفعلون؟!)) قالها ثلاثًا، ((ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة)) . ٣ – روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: غزونا مع رسول الله غزوة بني المصطلق فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء، فأردنا أن نستمتع ونعزل، وقلنا: نفعل ورسول الله بين أظهرنا لا نسأله؟! فسألنا رسول الله ﷺ ، فقال: ((لا عليكم ألا تفعلوا، ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون)) . ورواه أيضًا بألفاظ مقاربة أبو داود والطبراني والإمام أحمد. ٤ – روى مسلم والبخاري وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري أن ﷺ سُئل عن العزل، فقال: ((لا عليكم ألا تفعلوا ذاكم، فإنما هو القدر)) . ٥ – روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر العزل عند رسول الله ﷺ فقال: ((ولم يفعل ذلك أحدكم؟)) ، ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم، ((فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها)) .

стр. 5036

٦ – روى مسلم عن جابر ﵁ أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا (أي تسقي لنا) وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل، فقال: ((اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها، فلبث الرجل ثم أتاه، فقال: إن الجارية قد حبلت، فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها)) . ورواه أيضًا بألفاظ قريبة أبو داود والإمام أحمد. ٧ – روى مسلم وابن ماجه والإمام أحمد عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة حديثًا طويلًا جاء فيه: ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ "ذلك الوأد الخفي". ٨ – وروى الترمذي والنسائي كل منهما عن طريق معمر، عن يحيى بن كثير عن جابر قال: كانت لنا جوار وكنا نعزل، فقال اليهود: إن تلك الموءودة الصغرى، فسُئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: ((كذبت اليهود، لو أراد الله خلقه لم تستطع رده)) . ما الذي نفهمه من هذه الأحاديث؟ إذا استثنينا الحديث السابع من مجموع هذه الأحاديث، لاحظنا أن سائر الأحاديث الأخرى دالة على جواز العزل عن المرأة اتقاء الحمل، وإن كانت لا تخلو من دلالة علي الكراهة، فقول جابر في الحديث الأول: كنا نعزل على عهد رسول الله في قوة قوله: كان يعلم أننا نعزل وكان يقرنا على ذلك، وإلا لم يكن لقوله: على عهد رسول الله معنى. وقد نقل الإمام النووي في مقدمة المجموع، أن مثل هذا التعبير من الصحابي يجعل الحديث في قوة المرفوع، بل عده البعض في حكم المرفوع، حتى وإن لم يضفه إلى رسول الله ﷺ . وبعد أن نقل النووي الخلاف في ذلك قال: وظاهر استعمال كثير من المحدثين وأصحابنا في كتب الفقه أنه مرفوع مطلقًا، سواء أضافه أم لم يضفه، وهذا قوي، فإن الظاهر من قوله: كنا نفعل، أو كانوا يفعلون، الاحتجاج به وأنه فعل على وجه يحتج به، ولا يكون ذلك إلا في زمن رسول الله ﷺ ويبلغه (١) .

стр. 5037

وقوله ﷺ في الحديث الثاني: ((أوإنكم لتفعلون؟)) يحتمل الاستنكار على وجه الكراهة التنزيهية، ويحتمل الاستنكار على وجه التحريم، كما أن قوله في الحديث الثالث والرابع: ((لا عليكم ألا تفعلوا)) ، يحتمل الإذن والنهي، إذ يحتمل أن يكون معنى هذه الجملة ليس عليكم أن تتركوا ذلك، ويحتمل أن يكون المعنى: لا تعزلوا وعليكم إثم ذلك. إلا أن نص الحديث السادس وهو قوله: ((اعزل عنها إن شئت)) رفع الاحتمال من كلا الجملتين، فبقيت الجملة الأولى دالة علي الكراهة، أما الثانية فدالة على عموم الإذن وعدم الحرج. وإذن فإن سبعة أحاديث من مجموع ما أوردناه تدل على جواز العزل من حيث المبدأ ويقطع النظر عن الإباحة والكراهة. أما الحديث الذي يدل ظاهره على المنع فهو حديث جذامة بنت وهب، فما القول فيه؟ كيف نفهم حديث جذامة؟ نبدأ أولًا فنذكر الوجوه التي ذكرها العلماء في التوفيق بينه وبين الأحاديث الأخرى، ثم نختار من بين هذه الوجوه ما قد يبدو لنا أنه الأقرب والأوفق. الوجه الأول: وذكره النووي في شرحه على مسلم، ويفهم من كلام الطحاوي في شرح معاني الآثار أن حديث جذامة يحمل النهي فيه على كراهة التنزيه، ويحمل الإذن الوارد في الأحاديث الأخرى على عدم الحرمة، فيكون القدر المشترك في دلالة الأحاديث كلها هو كراهة التنزيه (١) .

стр. 5038

الوجه الثاني: تضعيف حديث جذامة بسبب كثرة الأحاديث الصحيحة المعارضة له، وبسبب أن حديث تكذيب النبي ﷺ لليهود أكثر طرقًا، إذ أن النسائي قد أخرجه من طريق هشام وعلي بن المبارك وغيرهما عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي مطيع عن أبي سعيد.. ومن طريق ابن عامر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة.. ومن طريق سليمان الأحول أنه سمع عمرو بن دينار يسأل أبا سلمة بن عبد الرحمن عن العزل، فقال: زعم أبو سعيد.. إلخ، قال: فسألت أبا سلمة: أسمعته من أبي سعيد؟ قال: لا، ولكن أخبرني رجل عنه. فهذا الطريق الأخير وإن كان فيه مجهول، إلا أنه معزز بالطرق المذكورة الأخرى وهي في مجموعها، بالإضافة إلى الأحاديث الأخرى الصريحة في جواز العزل، تقضي بضعف حديث جذامة المنفرد في مضمونه عن كل ما قد روي عنه ﷺ في هذا الباب. الوجه الثالث: أن مضمون حديث جذامة وهو المنع، كان معمولًا به في أول الإسلام، ثم إنه نسخ فيما بعد بالأحاديث الأخرى الدالة على الجواز. الوجه الرابع: وإليه ذهب ابن حزم، أن حديث جذامة هو الذي يجب العمل به، لثبوته في الصحيح، ولاضطراب الطرق الواردة للحديث المقابل له، ولأن حديث جذامة دال على المنع، فهو رافع لحكم الإباحة الأصلية، وهذا أمر متيقن، فمن ادعى أن تلك الإباحة المنسوخة قد عادت وأن النسخ المتيقن قد بطل، فقد ادعى الباطل، ونفى ما لا علم له به، وأتى بما لا دليل عليه (١) .

стр. 5039

الوجه الذي نرجحه: إن القول بتضعيف حديث جذامة للأسباب التي ذكرناها قول لا يستند فيما نرى إلى دليل صحيح، ذلك لأن دعوى التعارض في أصلها غير صحيحة، بل غاية الأمر أن قوله ﵊: ((ذلك الوأد الخفي)) يشير إلى كراهة العزل تنزيهًا، وليس فيه ما يقطع بالدلالة على التحريم، مع ملاحظة أن أقواله ﷺ في الأحاديث الأخرى دالة على أصل الجواز الصادق بالكراهة والإباحة، فانتفى التعارض، فانتفى بذلك موجب الشذوذ الباعث على التضعيف. وقد قال الحافظ ابن حجر عن هذا الوجه: وهذا دفع للأحاديث الصحيحة بالتوهم والحديث صحيح لا ريب فيه، والجمع ممكن (١) . وأما القول بأن مضمون حديث جذامة، وهو النهي، كان ساريًا في أول الإسلام، ثم نسخته الأحاديث الأخرى الدالة على الجواز، فيرده أن من شروط النسخ معرفة تاريخ كل من الناسخ والمنسوخ، وليس ثمة ما يثبت أنه ﷺ أخبر أصحابه بحكم التحريم أولًا، ثم أخبرهم بعد حين بحكم الجواز. وأما قول ابن حزم بأن المنع في حديث جذامة جاء نسخًا لأحاديث الإباحة الأصلية، فيرده قول جابر ﵁ فيما رواه الستة ما عدا أبا داود: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل، فلو لم يكن جواز العزل مستمرًا إلى وفاته ﵊، لما قال جابر ذلك، ولأوضح أن آخر ما استقر عليه الحكم هو التحريم. ويرده أيضًا أن كلامه هذا يعني أن حديث تكذيب النبي لليهود منسوخ، فيقال له عندئذ عين ما يقوله هو لنا، ويطالب هو نفسه بالدليل الذي يثبت أن حديث تكذيب اليهود منسوخ ولا دليل، ذلك لأن دعواه بأن حديث جذامة قد نسخ الإباحة الأصلية، ليست أولى من دعوانا نحن بأن حديث تكذيب النبي لليهود قد نسخ حديث جذامة، هذا كله نقض إجمالي. أما النقض التفصيلي فهو أن يقال لابن حزم: ليس ثمة أي تعارض، كما قد أوضحنا، ومن ثم فإن اللجوء إلى القول بالنسخ غير وارد في هذا الصدد مطلقًا. إذن فقد بقي الوجه الأول الذي رويناه عن النووي وأيده الحافظ ابن حجر والطحاوي وجماهير الفقهاء والمحدثين، وهو الوجه المتعين الذي لا محيد عنه، وهو أن العزل (كأداة من أدوات التحايل لمنع الحمل) جائز مع الكراهة التنزيهية.

стр. 5040

حكم العزل عند الفقهاء بناء على هذه الأحاديث: ذهب الأئمة الأربعة اعتمادًا منهم على مجموع الأحاديث المذكورة إلى جواز عزل الرجل ماءه عن زوجته مع الكراهة التنزيهية. واتفق الأئمة الثلاثة (مالك وأحمد وأبو حنيفة) على أن ذلك مشروط برضا الزوجة، واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من وافق الجمهور في هذا الشرط، ومنهم من خالفه فأجازه بدون ذلك. قال الإمام النووي: العزل هو أن يجامع، فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج، وهو مكروه عندنا في كل حال، ولكل امرأة سواء رضيت أم لا. إلى أن قال: وأما زوجته الحرة فإن أذنت فيه لم يحرم، وإلا فوجهان أصحهما لا يحرم (١) . وقال ابن جزي من فقهاء المالكية: لا يجوز العزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها (٢) . وقال ابن قدامة من فقهاء الحنابلة: ولا يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها. قال القاضي: ظاهر كلام الإمام أحمد وجوب استئذان الزوجة في العزل (٣) . وقال الإمام الكاساني، وهو من أئمة الحنفية: ويكره للزوج أن يعزل عن امرأته الحرة بغير رضاها، لأن الوطء عن إنزال سبب لحصول الولد، ولها في الولد حق، وبالعزل يموت الولد، فكان سببًا لفوات حقها، وإن كان العزل برضاها لا يكره؛ لأنها رضيت بفوات حقها (٤) .

стр. 5041

قلت: والمقصود بالكراهة في كلام الكاساني كراهية التحريم، لأن الحنفية إذا أطلقوا الكراهة انصرفت إليها بمصطلحهم. فقد تحصل من هذا أن الأئمة الأربعة متفقون على جواز العزل عن الزوجة، إذا كان ذلك برضاها، وإلا فالأئمة الثلاثة متفقون على التحريم، وللشافعية في ذلك وجهان، رجح الإمام النووي منهما عدم التحريم. ولعل الذي يقتضيه الدليل ويتفق مع القواعد الفقهية ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط رضا الزوجة، أما الدليل فما رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن عمر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها. وأما القاعدة فهي قولهم (الضرر يزال) وأصلها قوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) (١) بيان ذلك أن للزوجة في الولد حقًا مع الزوج، وفي توفيت هذا الحق إضرار بها. ثم إن العزل من شأنه أن يفوت عليها لذة الجماع، فإن كان ذلك بدون رضاها فقد أضر بها. ثم إن ثمة شرطًا آخر، هو في حكم المتفق عليه لدى الجميع، لدخوله تحت سلطان هذه القاعدة، ألا وهو أن لا يستتبع العزل أو ما يقوم مقامه ضررًا بالزوج أو الزوجة، فلو توقع الضرر من ذلك بعلم طبيب موثوق به وعادل، حرم اتخاذ تلك الوسيلة أيًا كانت.

стр. 5042

يدخل في حكم العزل سائر الأسباب الوقائية: الآن وقد علمنا حكم العزل وأدلته وشرائطه، فإننا نقول: إنه يقاس عليه كل ما قد يشبهه من الوسائل التي يتقي بها الزوجان أو أحدهما الحمل، كالحبوب التي تستعملها النساء، وكاللجوء إلى الجماع في الأوقات التي لا يتوقع فيها العلوق، ونحو ذلك من الوسائل التي قد يبدعها الأطباء لتحقيق هذا الغرض. فكل ما اتفق عليه الزوجان من ذلك ولم يستتبع ضررًا بالجسم أو النفس بناء على مشورة طبيب موثوق، جاز استعماله مع كراهة التنزيه. ونحن كما تعلم إنما نتحدث عن الزوجين وما قد يكون بينهما من لقاء مشروع، فأما الزنا وما قد يترتب عليه من محاولات لعدم العلوق، فلا شأن لنا بالحديث عنه في هذا المقام. لا رخصة في استعمال وسائل لاستئصال النسل: اتفق جماهير العلماء على أنه لا يجوز استعمال شيء من الوسائل التي من شأنها القضاء على النسل قضاء مبرمًا، سواء في ذلك الرجل والمرأة، وسواء أكان ذلك باتفاق بينهما أم بدونه، وسواء أكان الدافع دينيًا أم غيره (١) . وذلك كأن يستعمل الرجل علاجًا من شأنه استئصال الطاقة على الجماع، وكإجراء عملية لرحم المرأة يفقدها صلاحية الحمل والإنجاب، ويدخل في ذلك ما يسمى اليوم بربط البوقين.

стр. 5043

دليل حرمة ذلك أنه يدخل تحت ما يعد تغييرًا لجانب ذاتي من خلق الله ، وليس للإنسان أن يستقل بشيء من هذا التغيير، يقول الله مبينًا ما أخذه إبليس على نفسه من بذل كل جهد لإغواء الصفوة من عباده: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (النساء: ١١٨ - ١١٩) . ومن أجل ذلك نهى رسول الله ﷺ عن التنميص وتزجيج الحاجبين وتفليج الأسنان والوشم، إذ كل ذلك داخل في مسمى التغيير الذاتي، بخلاف ما يدخل في معنى التهذيب والعناية كحلق الشعر والعناية به، وقص الأظافر وتكحيل العين ونحو ذلك. وقد علمنا أن استئصال الشهوة الجنسية أو وسيلة القدرة على الإنجاب من أوضح أمثلة التغيير الذاتي لخلق الله، وقد حذر البيان الإلهي منه كما قد رأينا. ولكن قد يرد علي ما قلناه السؤال التالي: أرأيت لو أن طبيبين عادلين مختصين قررا أن فلانة من الناس يعرضها الحمل لخطر موت غالبي أو مؤكد، وأن ذلك يعود إلى حالة مرضية، الشأن أن تلازمها حتى الموت، ألا يجوز لها في هذه الحالة ربط البوقين، وهي معالجة تمنع الحمل منعًا دائمًا؟ مقتضى القواعد الفقهية أن يجوز لها الإقدام على هذا العمل استثناء من القاعدة العامة لاسيما وأن مرضها الطارئ قد تولى هو تغيير جانب ذاتي في حياتها إذ أفقدها القدرة على تحمل أعباء الحمل، فكان الربط الذي أقدمت عليه انسجامًا مع واقع التغيير الذي ابتلاها الله تعالى به. وكم من فرق بين هذه المرأة وتلك التي تتمتع بصحتها التامة وواقعها السوي، فتقدم على اجتثاث قابلية الحمل وأسبابه، لا شك أن هذه الثانية دون الأولى هي التي يصدق عليها أنها قد غيرت من خلق الله، والله أعلم.

стр. 5044

كان هذا بيانًَا لحكم هذه المسألة في حق الأفراد أصحاب العلاقة المباشرة. والآن ما هو حكم هذه المسألة في حق المجتمع المتمثل في الدولة إذ توجه وتأمر وتنهى؟ إننا نقول بكلمة موجزة شاملة: إن الدولة لا تستطيع أن تستفيد شيئًا من أحكام الجواز الذي أوضحناه في حق كل من الزوجين، ولا يحق لها أن تعتمد على شيء من أدلة ذلك الحكم في أي إجراء توجيهي تتخذه إلا أن يكون توجيهًا للناس إلى الحكم الشرعي ذاته، ذلك لأن الدولة ليست هي صاحب العلاقة المباشرة في الموضوع، وليست لها أي سلطة أو ولاية على شيء من أركانه. وهذا الفرق في الحكم يتجلى في كل ما كان الجواز فيه على سبيل الرخصة والتوسعة، فإن حكم الجواز فيه يسري في حق الأفراد أصحاب العلاقة المباشرة، ولكنه يبقى في عمومه، وبالنظر لعامة الناس ومجموعهم على أصل العزيمة التي اقتضتها المصلحة العامة. أرأيت إلى الطلاق؟ إنه حق أعطاه الشارع لصاحب العلاقة وهو الزوج بشروط وقيود معروفة، فهل للدولة أن تفرض لنفسها صلاحية ممارسة هذا الحق وصلاحية فرضه على من تشاء من الناس، أي بأن تجبر من تشاء على الطلاق أو بأن توقع هي الطلاق عنه عندما ترى أن المصلحة تقضي بذلك، محتجة بعموم الأدلة الناطقة بمشروعية الطلاق؟ كذلك أحكام الحد من النسل، فإنما هي عائدة – من حيث هي رخصة – إلي الشخصين اللذين يمثلان أركان القضية، فليس إذن للحاكم أن يحتج بهذا الحق لهما، فيبني عليه دعوة عامة إلي الحد من النسل، ويثير لذلك الدوافع والمرغبات، بل يشرع له الإلزامات الأدبية أو الجزائية بالوسائل المختلفة.

стр. 5045

وأصل هذا الذي نقرره أن المباح في الشرع نوعان: نوع يتفق مع حكم الأصل، بأن ينطوي على فائدة ومصلحة عامة للفرد والمجتمع، كالتمتع بالطيبات وتناول المنتفعات التي لا ضرر فيها، فحكم الإباحة في هذا النوع ماض في حكم الفرد والجماعة، يقضي به الفرد في حق نفسه، ويقضي به الحاكم لمجتمعه، دون إجبار ولا إلزام إلا في حق المصلحة العامة. ونوع آخر لا يتفق مع حكم الأصل من الإباحة الأصلية العامة، وإنما دخله حكم العفو أو الإباحة (بتسامح في التعبير) من أجل عارض يتعلق بأشخاص بأعيانهم. فحكم العفو أو الإباحة يبقى خاصًا في نطاق هؤلاء الأشخاص الذين تعلقت بهم أحوال عارضة اقتضت التخفيف في أمر كان أصله يقتضي عدم الإباحة. ونحن نعلم أن النكاح إنما شرع في أصله من أجل النسل، ولحكمة بقاء النوع. وقد قال ﵊: ((تناكحوا تناسلوا تكثروا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) (١) .
следующие страницы →