طرقه الحديثة:
بعد أن تقدم الطب وتقدمت وسائله وأجهزته صار لمنع الحمل عدة طرق:
قال الدكتور الطيب الفاضل محمد بن علي البار في كتابه (خلق الإنسان بين الطب والقرآن) : وطرق منع الحمل كثيرة جدا نوجزها فيما يلي:
١ – استعمال الرفال (جلد يغطي الإحليل) .
٢ – استعمال الحواجز والقلنسوة لتغطية عنق الرحم.
٣ – استعمال المراهم واللبوس (التحاميل) القاتلة للحيوانات المنوية.
٤ – تنظيم الجماع بحيث يقع في أول الدورة الشهرية وآخرها. ويجتنب وسطها الذي تخرج فيه البييضة من المبيض.
٥ – استعمال حبوب منع الحمل وهي أنواع كثيرة.
٦ – استعمال أداة داخل الرحم (اللولب) وهو أنواع كثيرة تزيد على المائة.
٧ – تعقيم الرجل أو المرأة فتعقيم الرجل – الآن – بربط الحبل المنوي وقطعه، وأما تعقيم المرأة فبإزالة المبيض والرحم أو إزالة الرحم وهذا في حالة مرض الرحم. وأما الطريقة الشائعة فتكون بقطع قناتي الرحم وربطهما وتسمى – ربط الأنابيب.
أغراض تحديد النسل:
مادمنا عرفنا أن هذه (العادة) أو هذا (التنظيم) معروف لدى الأمم الماضية والباقية فإن المقاصد منه والهدف من ممارسته تختلف اختلافا كبيرا متباينا لا يمكن حصره في غرض واحد من الأغراض ولكن سنحاول أن نذكر ما وصل إليه علمنا من هذه الأهداف.
أولا: علمنا أنه موجود عند قدماء المصريين واليونان وعند الإغريق والصينيين ولكننا نجهل – الآن – الدوافع التي تدعو إليه، ولعلها ترجع إلى قضايا اقتصادية أو اعتقادات دينية، فهذان الأمران هما موضع الاهتمام عند عموم البشرية ولم تقم الحروب وتشعل الفتن إلا لأجل هذين الأمرين.
стр. 5077
ثانيًا: الذين وصلت إلينا أخبارهم هم العرب قبل الإسلام فكان قتل الأولاد عامة شائعا عند كثير من قبائل العرب، وكذلك وأد البنات كان موجودا عند بعض القبائل العربية. فكانوا يقتلون أولادهم من وجود الفقر كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (١) بل يبلغ بهم الأمر إلى قتلهم خشية الفقر كما قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٢) .
وقد جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود، أنه سأل رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " قلت: ثم أي؟ قال: " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك".
ومن أغراضه عند بعض العرب أنهم يئدون بناتهم خشية العار فكانت الحروب تقع بينهم، وكانت القبيلة المنتصرة تستولي – فيما تستولي عليه – على نساء القبيلة المغلوبة المقهورة وهذا من أشق الأمور عليهم أن تكون نساؤهم تحت أعدائهم فكانوا لا يستحيون منهن إلا ما دعت إليه ضرورتهم.
وتعظم الغيرة عليهن ويزيد الحقد عليهن حينما يخيرن بعد السبي فيخترن من سباهن على أهلن فكره ذلك عند ولادة البنت لتخلصوا منها بأبشع صورة.
وروي أن أول قبيلة وأدت من العرب ربيعة، وذلك أنهم أغير عليهم فنهبت بنت أمير لهم فاستردها بعد الصلح، فخيرت بين أبيها وبين من هي عنده فاختارت من هي عنده وآثرته على أبيها، فغضب وسن لقومه الوأد ففعلوه غيرة منهم ومخافة أن يقع لهم مثل ما وقع، وشاع ذلك في العرب وغيرهم والله أعلم.
وما زالت هذه العادة في العرب حتى جاء الإسلام فهذبهم وعلمهم وزكاهم بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٤) .
стр. 5078
ولما سئل الرسول ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " قلت: ثم أي؟ قال: " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ". حبب إليهم الأبناء بقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١) كما وعدهم الخير بتربية البنات والإحسان إليهن فقال ﷺ : " من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار ". متفق عليه.
ورفع من قدر الزوجة فقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "استوصوا بالنساء خيرا".
وجاء في خطبته العظيمة يوم عرفة أنه قال ﷺ : " استوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم، إلا أن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا".
وقال ﷺ : " خياركم خياركم لنسائهم " رواه الترمذي بإسناد الصحيح.
فبهذه النصوص الكريمة وأمثالها هذب الإسلام طبائع العرب وأزال منها الوحشية والهمجية، حتى صار للنساء شأن كبير ومكان شريف في المجتمع الإسلامي، وأصبحن شقائق الرجال فيما لهن من الحقوق وما عليهن من الواجبات، وأصبحت المرأة إنسانا كامل الحرية مطلق التصرف، وهذا كله بفضل هذه الشريعة الكاملة العادلة التي أعطت كل ذي حق حقه.
المنادون به:
لم يصل إلينا علم عن القرون الماضية: هل نادت به واتخذته لها عقيدة دينية أو نظاما وضعيا أو مبدأ اقتصاديا أو غير ذلك من مقاصدها في رعاياها؟ وإنما الذي وصل إليه علمنا أنه كان موجودا لديها.
أما العرب قبل الإسلام فإنه كان موجودا لديهم ولكنه على مستوى الأفراد وليس نظاما قبليا تسير عليه القبيلة في ذريتها.
ولما جاء الإسلام قضى عليه في جملة ما قضى عليه من أعمالها الجاهلية المستنكرة وعاداتها القبيحة الممقوتة، ولذا فإنه لم يعرف كنظام تسير عليه الدولة إلا حينما نادى به أحد علماء الاقتصاد في بريطانيا وهو العالم – مالتس – وذلك في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.
ثم تلاه على هذا المبدأ الاقتصادي العالم الفرنسي – بلاس- والطبيب الأمريكي- تشارلس – ثم شاع وانتشر كتنظيم سكاني ومبدأ اقتصادي، وقد تبنت هذه النظرية ودعمتها وعززتها منظمة – اليونسكو – التي تعمل لصالح أعداء الإسلام ممن تحركهم الصهيونية العالمية وقد قبل هذه الفكرة بعض المسلمين، إما لسوء نية أو حسن نية.
стр. 5079
أهداف القائلين به:
أما أهداف القرون الأولى فهي مجهولة لدينا كجهلنا بكثير من أحوالهم ولكن بصفتها أمما ذات حضارة عريقة فلا بد أن لها في سياستها مبادئ خاصة ولها نظامها الاجتماعي وسياستها الخاصة التي ترى أنها تلائم أحوالها ووضعها.
وعليه فإننا نرجح أنها أخذت بمبدأ تحديد السكان إما لمبدأ سياسي أو حصانة أمنية أو مبدأ اقتصادي لدى مفكريها.
أما الذي وصلت إلينا أخبار أهدافهم ومقاصدهم فهم عرب الجزيرة العربية إبان الجاهلية فيهم والهمجية والوحشية المتفشية فيهم، والفقر المدقع الذي يرزحون تحت وطأته مع ما هم عليه من الغيرة الشديدة على محارمهم ونسائهم اللاتي لا يهون عليهم أن يَكُنَّ عند أعدائهم.
وهذه الأهداف في العرب قبل الإسلام سجلها القرآن الكريم عليهم فذكر أن بعض العرب يقتلون أولادهم من البنين والبنات إما لوقوع الفقر فيهم كما قال تعالى " ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ (١) أو يقتلونهم خشية الفقر أن يحل بهم كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٢) .
وجعل النبي ﷺ من أعظم الذنوب قتل الولد خشية أن يطعم مع أبيه.
وأما قتل البنات وهو ما يسمى بالوأد وذلك بأن يدفنها وهي حية حتى تموت فهذا من أجل العار كما تقدم. فكانوا يستقلون من النساء ويتخففون منهن بقدر استطاعتهم فلا يستحيون منهن إلا ما تدعو إليه ضرورتهم.
على أن وأد البنات ليس عاما في قبائل العرب، وإنما هو موجود في بعض القبائل العربية، ومن القبائل التي لم تمارس الوأد قبيلة قريش، تلك القبيلة التي شرفها الله تعالى بمجاورة البيت الحرام كما شرفها ببعثه محمدا فيهم، فهذه القبيلة لها من الحصانة والأمان ما يستوجبا الإعظام في نفوس العرب والاحترام الاجتماعي في الجزيرة العربية، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٣)
ولذا غلط بعض المؤرخين الذين نسبوا إلى عمر بن الخطاب ﵁ أنه واد إحدى بناته في الجاهلية، فهو خطأ واضح وغلط فادح فلم تكن هذه العادة في قريش أبدا.
стр. 5080
أما اتخاذ – تحديد النسل – مبدأ اقتصاديا تسير عليه الدولة كمحاولة لتحديد السكان بقدر ما يتوقع من وجود المواد الغذائية، فهذا لم يعرف إلا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، حينما ألف العالم الاقتصادي – مالتس- كتابه عام (١٧٩٨م) في مشكلة السكان والذي جاء فيه العبارة التالية:
" إن العالم مقدم على تزايد هندسي في عدد السكان كل (٢٥سنة) بينما تزايد المواد الغذائية يسير بنسبة حسابية متوالية".
ومعنى هذه النظرية: أن التزايد الهندسي يكون بالضعف دائما أبدا فإذا كان عدد السكان مثلا مليونا فإنه بعد (٢٥سنة) يكون مليونين وبعد (٢٥سنة) أخرى يكون أربعة ملايين وبعد (٢٥سنة) أخرى يكون ثمانية ملايين وبعد (٢٥سنة) رابعة يكون (ستة عشر مليونا) .
بينما لو كان الموجود من المواد الغذائية اليوم – طنا – وزاد في (٢٥سنة) ثالثة يزيد طنا واحدا وفي (٢٥سنة) رابعة يزيد طنا واحدا. ففي مائة سنة تكون نسبة زيادة السكان إلى زيادة المواد الغذائية بمعدل – أربعة أمثال – فنادى – مالتس – آنذاك بتحديد النسل تفاديا – في نظره – لهذا الخطر المتوقع.
стр. 5081
موقف الإسلام من تحديد النسل:
نستعرض لهذا الموقف بفقرات نبين فيها موقف الإسلام من هذه النظرية التي شغلت أذهان كثير من الناس، وتناولتها بعض الأقلام ما بين رافضة لها ومؤيدة.
أولا: الزواج: هو الطريق الطبيعي والشرعي لحصول الأولاد وتكثير النسل وبقاء النوع البشري، حث عليه الإسلام ورغب فيه حتى في حالة الفقر فقال تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)
وأباح تعدد الزوجات بشرط العدل بينهن فقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢) وذلك لفوائد النكاح العديدة التي منها مراعاة تكثير النسل ووفرة الذرية.
وجاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج " والنصوص في هذا كثيرة.
ثانيا: الزواج وطلب الأولاد وهو مسلك أفضل خلق الله من النبيين والمرسلين وعباد الله الصالحين، فقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (٣) وقال تعالى عن زكريا ﵇: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٤)
وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: " قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله".
فهذا دأب الصالحين المصلحين من عباد الله يستكثرون من الأولاد لما يرون في ذلك من المصالح الكبيرة والفوائد العظيمة والقدوة الحسنة في عبادته وطاعته وعمارته أرضه، فهؤلاء هم الذين جعلهم لنا قدوة وأسوة فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (٥) وليس القدوة هم دعاة الضلال وملاحدة الإفرنج.
стр. 5082
ثالثا: نهى الإسلام عن التبتل والانقطاع عن النساء والذرية؛ لأنه طريق عقيم ومسلك وخيم لا يقبله إلا قليلو الإدراك وسطحيو النظر ممن يرون الدين رهبنة وطقوسا جوفاء ويظنون العبادة هي التقشف والبعد عن ملاذ الحياة الطيبة ونعيمها المباح، قال تعالى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١)
وجاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أنا أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، من رغب عن سنتي فليس مني ".
فالحياة الزوجية وطلب الأولاد مما حبب إليه الإسلام وحث عليه قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ (٢) فالحرث من زرع الذرية وحصول الأولاد الذي هو أهم مطالب النكاح.
رابعا: جعل الله تعالى حصول الذرية منة منه على خلقه ونعمة أنعم بها عليهم فقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٥)
وقد جعل الله تعالى حصول الولد بشارة كبيرة ونعمة عظيمة فقال تعالى على لسان خليله إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (٧) وذكر شعيب قومه بنعمة الله عليهم فقال الله عنه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ (٨) .
والنصوص التي جعلت من التناسل والتكاثر نعمة أنعم بها الله على خلقه كثيرة جدا، فحصول الولد نعمة من الله على الإنسان حتى بعد موته؛ ولذا جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث. . . " من الثلاث " ولد صالح يدعو له".
стр. 5083
خامسًا: رغبت الشريعة الإسلامية في كثرة الولد وحثت عليه بعدة نصوص كريمة فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد وابن حبان من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: " تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة".
ومنها ما رواه الإمام أحمد عن حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " انكحوا أمهات الأولاد فإني أباهي بكم يوم القيامة".
فتحقيق مباهاة النبي ﷺ بأمته لا يأتي إلا من كثرة نسلها مع اتباع هذا النسل سنته وتحققه بمتابعته، فتكثير سواد المسلمين وتعظيم شأنهم أمر كبير وهو مطلب من مطالب الشريعة ورغبة أكيدة من صاحب الرسالة المحمدية ﷺ وإقلاله وتخفيفه مخالفة كبيرة لهذا الأمر العظيم.
سادسا: إن لبنات المجتمع لا تكون إلا من أفراده ففرده هو الذي يقوم عليه بناء المجتمع، فإذا قلت الولادة صار البناء صغيرا قليلًا لا يفي بمقصده ولا يحصل به المراد.
فتحديد النسل هو تنقيص لهذا المجتمع الإسلامي من أطرافه، وتخون له من جوانبه حتى ينتهي بالقضاء عليه، أما كثرة الولادة فهي لَبِنَات متعددات لقيام مجتمع إسلامي كبير وتكثير لسواد أمة إسلامية تبقى كثيرة العدد مرهوبة الجانب منيعة الذراء قوية البناء.
سابعا: إن الله تبارك لم يخلق هذه الخلق إلا لعبادته فقد قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) فتكثير سواد المسلمين هو تكثير لعبادة الله تعالى التي خلق الخلق لأجلها، وتحديد النسل وتقليل المسلمين هو إبطال لهذه الإرادة الشرعية من الله تعالى، فالنبي ﷺ سأل ربه الإبقاء على المشركين المعاندين له رجاء أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله.
ثامنا: إن بث هذه الدعاية ونشرها بين المسلمين ما هو إلا مكيدة مدبرة ودسيسة مرتبة من أعداء الإسلام الذين يتمثلون في المستعمرين والشيوعيين والصهيونيين والمنصرين، هذه الجهات الأربع التي بذرت في بلاد الإسلام كل شر وزرعت فيه كل قبيح ووجدت من ضعاف النفوس وقليلي الإيمان ممن يدعون الإسلام أكبر عون لها على تنفيذ مخططاتها الماكرة ضد الإسلام والمسلمين بما تبثه من أفكار باطلة ومذاهب خبيثة ومبادئ هدامة تريد بذلك القضاء على الإسلام وإضعاف كيان المسلمين. ونحن – المسلمين – بين رجلين إلى ما شاء الله رجل قبل هذه الأشياء المروجة المغلفة عن حسن نية وسلامة صدر وطيب قلب. وإما آخر خان دينه وأمانته وأمته وبلاده فباع هذا كله بعرض من أعراض هذه الحياة الزائلة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
стр. 5084
شُبَهٌ وأجوبتها:
الأولى: قال المنادون بتحديد النسل: إن الإسلام أباح العزل فقد صحت الأحاديث بجوازه وفعله من بعض الصحابه، وما المراد بالعزل إلا منع الحمل والولد؟ الجواب على هذا من وجهين:
الأول: إن الأحاديث الواردة في هذا الباب قد اختلفت فبعضها أباح العزل وبعضها منعه، فمن الأحاديث المبيحة ما في الصحيحين عن جابر قال: " كنا نعزل والقرآن ينزل "، ومنها ما جاء في صحيح مسلم عنه قال: " كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك الرسول ﷺ فلم ينهنا " وغير ذلك من الأحاديث المفيدة بجواز العزل.
أما الأحاديث الناهية عن العزل فمنها ما رواه مسلم من حديث عائشة عن جذامة بنت وهب قالت: حضرت رسول الله ﷺ في أناس فسألوه عن العزل، فقال ﷺ : " ذلك الوأد الخفي " وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (١)
وبناء على تعارض الأحاديث فيه فقد اختلف العلماء في حكمه فذهب الأئمة الثلاثة إلى جوازه، وذهب الإمام أحمد إلى تحريمه إلا إذا أذنت الزوجة المشاركة للزوج في اللذة والولد، وذهب ابن حزم والظاهرية إلى تحريمه مطلقا.
وذهب إلى تحريم تحديد النسل غالب علماء عصرنا منهم مفتي الديار السعودية سابقا الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ومفتي الديار السعودية حاليا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وأخذ بالتحريم هيئة كبار العلماء بالمملكة ومجلس المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، ولكل من هذين المجلسين الكبيرين قرارهما الآتي إن شاء الله.
أما تعارض الأحاديث في ذلك فأحسن ما يقال في ذلك إن حديث عائشة ناسخ لأخبار الإباحة، فإنه ناقل عن الأصل وأحاديث الإباحة على وفق البراءة الأصلية وأحكام الشرع ناقلة عن البراءة الأصلية. وهذه طريقة ابن حزم رحمه الله تعالى.
стр. 5085
الوجه الثاني:
أنه على فرض بقاء أحاديث الإباحة على أصلها بدون ناسخ لها فإن هذه الأحاديث لا تدل على ما ذهب إليه هؤلاء المنادون بتحديد النسل، وإنما تدل – في نهاية أمرها- على جواز محاولة منع الحمل لعارض من العوارض وظرف خاص من الظروف في حالات فردية: إما أن تكون الموطوءة أَمَة ويكره أن يكون ولده من أَمَة، وإما أن تتوالى الولادات فيحتاج إلى تنظيم وفترة استراحة، وإما أن يكون هناك مبرر ومسوغ شرعي يجيز ذلك ويبيحه.
والشرع الحنيف لا يمنع من جواز ذلك في مثل هذه الحالات فمنع الحمل على مستوى الأفراد جائز في إحدى حالتين.
الأولى: أن يكون على الزوجة ضرر في الحمل والولادة ويخشى عليها من ذلك، فصحتها وبقاؤها مقدمان على حصول الولد بناء على القاعدة " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" وقاعدة: " إذا وجد مفسدتان ارتكب أخفهما ".
الثانية: إن توالى الحمل بلا فترة راحة للأم فلا بأس في تنظيم الحمل بأن يجعل بين حمل وحمل آخر فترة راحة واستجمام، فهذا جائز لأن هذا لا يعتبر تحديدا للنسل ولا منعا للحمل، وإنما يعتبر تنظيما له وترتيبا.
الشبهة الثانية:
قال دعاة تحديد النسل: إن مساحة الأرض محدودة والصالح منها للسكنى والاستثمار محدود، وإن وسائل إنتاج الأرزاق محدودة أيضا، أما تناسل الناس فهو غير محدود بل زيادته مستمرة وكلما كثر الناس تضاعفت الزيادة، فإذا استمرت الزيادة في السكان مع محدودية الأرزاق والأمكنة حصلت الضائقة والمجاعات وأصيب الناس بهبوط مستواهم الصحي والعلمي، وانتهى بهم الأمر إلى عيشة البؤس والشقاء.
والجواب عن هذا من وجهين:
الوجه الأول: إن الذي برأ النسمة وخلق الخلق وأوجد الأشياء هو الذي يقول في محكم كتابه العزيز: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (١) ويقول تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) .
стр. 5086
وجاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ فقال: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وعمله وشقي أو سعيد ".
والنصوص في هذا مستفيضة من الكتاب والسنة بأن الله تعالى هو المتكفل برزق خلقه وإنما عليهم الأسباب الظاهرة، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ (١) .
فيا عجبا: هل نؤمن بكلام أصحاب هذه الأفكار القاصرة والمعلومات المحدودة والأفهام المنحرفة؟ أم نؤمن بكلام خالق السماوات والأرض الذي بارك فيها وقدر فيها أقواتها وأرزاق أهلها بما بسط لهم من الأرض وأجرى من الأنهار والعيون وأخرج لهم من الثمار والغلات التي جاء تقديرها من لدن حكيم خبير؟
الوجه الثاني:
أما تزايد السكان في الأرض فليس موضع خيفة وخطر على سعادة البشرية وإنما زيادة السكان زيادة في ثروة عظيمة من زيادة العلوم النافعة والاختراع المفيد والأيدي العاملة والقيام بكل مرافق الحياة إذا نظمت هذه الطاقة البشرية ونسقت. والخالق جل وعلا لما أوجب على نفسه رزق خلقه بقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٢) أودع هذه الأرض التي يسكنها البشر كل حاجات هذه المخلوقات من عناصر الغذاء ومقومات الحياة وكنوز الأرض وجعل في هذه المخلوقات القدرة على الحصول على رزقها المودع فيها، وهذه هي الصورة اللائقة بحكمة الله تعالى ورحمته في خلق الكون وأمرهم بالسعي وحثهم على كسب الرزق حيث قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (٣) .
стр. 5087
هكذا تواجه الحياة وهكذا تستقبل الدنيا وهكذا يعد ويهيأ للأجيال القادمة من العمار والاستثمار، أما الوقوف في وجه الأجيال المقبلة ووضع السدود والمبيدات في طرق وفود السعادة وفيهم العلماء والمفكرون، وفيهم العاملون والمخترعون وفيهم قبل كل ذلك عباد الله الصالحون، فهذا ليس عملا صالحا وإنما هو سلبية وانهزامية وجبن، والمشاكل تواجه وتحل بالإيجابيات المفيدة لا بالتواري والسلبيات.
فلا تزال في الأرض قارات ومسافات شاسعة غير مسكونة، ولا تزال الأنهار العظام تصب في البحار لا تجد من يستفيد منها ويوجه مياهها الغزيرة الثمينة إلى الأرض البور لتخرج الأشجار والثمار.
ثم إن تحديد النسل مخافة الجوع والضيق إجرام كبير في جانب الله تعالى وسوء ظن بالله تعالى وبوعده الكريم وهي إعادة للجاهلية الأولى بأبشع صورة ممن قال الله عنهم ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (١) . وهو – في نفس الوقت – تدخل بين الله تعالى وبين خلقه الذي دبر معائشهم وقدر أرزاقهم وهو الرازق ذو القوة المتين.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٢)
стр. 5088
الشبهة الثالثة: قال المنادون بتحديد النسل: إن الطبيعة قضت بتحديد النسل ومنع التضخم السكاني وذلك بكتب الموت والفناء عليهم بعد الوجود، كما قدر ذلك بوجود اليأس من المرأة في آخر عمرها والعجز عن الوقاع من الرجل في آخر حياته، وكما يحصل بالعقم من بعض الأفراد رجالا ونساء.
كل هذا مراعاة للتحديد السكاني وعدم التكاثر البشري.
الجواب عن هذا من وجوه:
الأول: إن الطبيعة ليست شيئا معترفا به عند الشرعيين، وإنما المقر به والمعترف به هو الله العلي القدير المدبر المتصرف في ملكه بلا شريك ولا معين، وإنما هو المتفرد بالربوبية والخلق والرزق والإحياء والإماتة وغير ذلك من شئون ملكوته.
وطبائع الأشياء هي أسباب خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا منظمة محكمة حسب إرادته ومشيئته جل وعلا، وإذا أراد ﵎ أبطلها وأبطل مفعولها فليس في هذا الكون متصرف سواه .
الثاني: إن القول بأن وجود الموت والفناء والعقم والإياس من الولادة ونحو ذلك إنما جاءت لتكون حدا من تكاثر النسل ووفرة السكان هو جراءة على الله تعالى وقول في أمره وخلقه بلا علم، وإنما هي تخمينات وتخرصات تمليها الأفكار القاصرة والعقول الزائغة.
والله تعالى جعل القول عليه بلا علم مثل الإشراك به فقال تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) فالتحكم بمخلوقات الله تعالى تعالى تهجم وهو جهل معه غرور والله تعالى يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ (٢) ويقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣) .
فمن أين لهؤلاء المفترين على الله الدليل على أن الله لم يوجد هذه الأسباب إلا ليحد من تضخم البشرية ويقلل من نسلها؟ .
إن طبيعة – الكائنات الحية – في الحيوان والنبات تخضع لنظام خاص بها جاء من طبيعة تركيبها وأصل عناصرها، تلك العناصر التي لها حد تنتهي إليه وليس هذا خاصا بالإنسان فلله تعالى في خلقه شئون وأحوال لا ندركها ولا نحيط بشيء منها، فالله لم يعطنا من العلم إلا قليلا ندرك به ما يسعدنا في دنيانا وأخرانا، أما الذي أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا فهو الله تعالت قدرته.
стр. 5089
الثالث: إن الله ﵎ أودع في طبيعة الأحياء وفي غرائزهم الرغبة في التناسل وحصول الذرية، فهي جبلة وغريزة ملحة في الإنسان تدعوه إلى الرغبة في الزواج لحصول الولد تحقيقا لبقاء النوع وإرضاء لعاطفة الأبوة والأمومة، فالذي جعل هذه الغريزة وتلك الطبيعة هو الذي جعل الوفاة واليأس من الولادة والعقم عوائق عن مواصلة الولادة والتناسل.
فحكمة الله تعالى أجل وأسمى من أن ترد إرادتان متضادتان على مراد واحد ومقصد واحد.
وإذا أبحنا لأنفسنا تعليل شيء من مراد الله تعالى وتلمسنا حكمته في هذا فإننا نقول: إن فترة الإخصاب بين الرجل والمرأة كافية لحصول عدد كبير من الأولاد، وهي الفترة التي فيها- غالبا- وجود الأبوين قويين لتربية الأولاد وتعليمهم والقيام على شئونهم وما يصلحهم. أما في حالة الشيبة والكبر فهما أنفسهما في حاجة إلى الراحة، وليس لهما قدرة على الولادة والتربية والقيام بشئون الأطفال، فرحمة الله تعالى وحكمته في ضعف الأبوين ورحمته وحكمته بالأطفال المحتاجين للعناية والرعاية أن ينتهي الإخصاب والإنجاب في هذه الفترة، وفترة نشاط الأبوين في سن الشباب إلى سن الكهولة الذي هو وقت الإخصاب وزمن الغبطة بالأولاد والقوة على تربيتهم والقيام بشئونهم كأطفال محتاجين للعناية والرعاية، أما الوفاة والفناء فهذا مصير كل كائن حي حتى على الكائنات التي يعتبر وجودها وتكاثرها إثراء في المواد الغذائية ورغدا في وسائل المعيشة، أما العقم فهو من الندرة بمكان جدا.
على أن من فوائده بيان قدرة الله تعالى وكمال إرادته وشمولها كما قال الله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ (١) فهو تعالى يهب الإناث أو الذكور ويهب النوعين ويحرم من يشاء فيجعله عقيما، وكل هذه الأحوال خاضعة لمشيئة الله تعالى يقدرها ويجريها وفق علمه وحكمته.
والقصد أن المناطقة وذَوُو العقول يحيلون اجتماع الضدين قال تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٢) .
стр. 5090
أقوال العلماء المحققين:
قال مفتي الديار السعودية – سابقا – الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ما قيل في تحديد النسل فهو يناقض ويخالف ويتعارض مع مدلول الأحاديث المرغبة في التزويج بالودود الولود، مع مباهاة الرسول ﷺ بأمته الأمم يوم القيامة، أما مفتي الديار السعودية – الآن – الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز فله مقالات ضافية في الرد على المنادين بها وتوهين حججهم ودحض أدلتهم، ونشر ما قال سماحته في الصحف وأذيع من المحطات الكبار كمحطة لندن وصار لها وقع كبير في الجمهور الثقافي.
وألف العلامة الشيخ أبو الأعلى المودودي رسالة سماها: " حركة تحديد النسل " بنى فيها رده على أقوال الأطباء وإحصائيات اقتصادية ونظريات علماء النفس ورد تلك المزاعم المبيحة لتنظيمه.
وألف الشيخ عطية محمد سالم أحد قضاة المدينة المنورة رسالة في هذا الموضوع سماها " تعدد الزوجات. وتحديد النسل " أجاد فيها وأفاد بموقف الإسلام المضاد لهذه النظرية الاستعمارية.
стр. 5091
وللشيخ حسنين مخلوف – مفتي الديار المصرية سابقًا – عدة فتاوى في هذه المسألة كلها تحذير من خطورة تنفيذ هذه النظرية المستوردة وجاء في بعض فتاويه قوله: تحديد النسل مشروع خطير ولم يثره بادئ الأمر عندنا إلا الاستعماريون حين أفزعهم تزايد السكان وأقلقهم نمو الأمة ويقظة الشعور العام إلى أساليب الاستعمار، فنادوا في طول البلاد وعرضها بالخوف من المجاعة إذا لم يحدد النسل وزعموا أن الإسلام يبيح هذا التحديد بصفة عامة.
فبينا لهم في أكثر من مقال أن من أهم مقاصد الشريعة تكثير سواد الأمة حتى تواجه الخطوب وتستمر خيرات البلاد وتقف في وجوه الأعداء وقديمًا قالوا: إنما العزة في الكثرة.
هذا بعض ما قال علماء التحقيق.
أما الذين ساروا في ركاب الاستعمار فلا يخلو حالهم من أمرين: إما مخدوع وإما مأجور، فنسأل الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين آمين.
ولقد سبق – مجمعكم – الموقر بدراسة هذه المسألة من مجمعين كريمين أحدهما - مجلس هيئة كبار العلماء – في المملكة العربية السعودية وهم يضم نخبة ممتازة من علماء هذه البلاد المقدسة ممن جمعوا الرواية والدراية فأصدروا فيها قرارًا بالمنع منه.
كما درست هذه المسألة – أيضًا من – مجلس المجمع الفقهي الإسلامي – بمكة المكرمة الذي يضم نخبة ممتازة من علماء المسلمين من أرجاء المعمورة، فأصدروا فيها قرارًا بالمنع منه أيضًا، فرأيت ضم هذين القرارين إلى بحثي وإلحاقهما معه ليكون من مجموعهما مع البحث تعزيز وتقوية.
وإلى حضراتكم أول القرارين صدورًا وهو قرار – هيئة كبار العلماء.
стр. 5092
قرار رقم ٤٢ وتاريخ ١٣ / ٤ / ١٣٩٦ هـ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول من شهر ربيع الآخر ١٣٩٦هـ، بحث المجلس موضوع منع الحمل وتحديد النسل، وتنظيمه بناء على ما تقرر في الدورة السابعة للمجلس المنعقدة في النصف الأول من شهر شعبان ١٣٩٥هـ من إدراج موضوعها في جدول أعمال الدورة الثامنة. وقد اطلع المجلس على البحث المعد في ذلك من قبل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء وبعد تداول الرأي والمناقشة بين الأعضاء، والاستماع إلى وجهات النظر قرر المجلس ما يلي:
نظرًا إلى أن الشريعة الإسلامية ترغب في انتشار النسل وتكثيره وتعتبر النسل نعمة كبرى ومنة عظيمة من الله بها على عباده، فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله مما أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في بحثها المعد للهيئة والمقدم لها، ونظرًا إلى أن القول بتحديد النسل أو منع الحمل مصادم للفطرة الإنسانية التي فطر الله الخلق عليها وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الرب تعالى لعباده، ونظرًا إلى أن دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفة عامة وللأمة العربية المسلمة بصفة خاصة حتى تكون لديهم القدرة على استعمار البلاد واستعمار أهلها وحيث إن في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله تعالى وإضعافًا للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللبنات البشرية وترابطها، لذلك كله فإن المجلس يقرر بأنه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد منه خشية الإملاق؛ لأن الله تعالى هو الرازق ذو القوة المتين ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ، وأما إذا كان منع الحمل لضرورة محققة ككون المرأة لا تلد ولادة عادية وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترة ما لمصلحة يراها الزوجان فإنه لا مانع حينئذ من منع الحمل أو تأخيره عملًا بما جاء في الأحاديث الصحيحة وما روي عن جميع الصحابة رضوان الله عليهم من جواز العزل، وتمشيًا مع ما صرح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء، لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحققة، وقد توقف فضيلة الشيخ عبد الله بن عذبان في حكم الاستثناء، وصلى الله على محمد.
هيئة كبار العلماء
стр. 5093
وإلى حضراتكم قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وبعد:
فقد نظر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في موضوع تحديد النسل أو ما يسمى تضليلًا بـ (تنظيم النسل) .
وبعد المناقشة وتبادل الآراء في ذلك قرر المجلس بالإجماع ما يلي:
نظرًا إلى أن الشريعة الإسلامية تحض على تكثير نسل المسلمين وانتشاره وتعتبر النسل نعمة ومنة عظيمة مَنَّ الله بها على عباده، وقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ودلت على أن القول بتحديد النسل أو منع الحمل مصادم للفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الله تعالى لعباده، ونظرًا إلى أن دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين لتقليل عددهم بصفة عامة، وللأمة العربية المسلمة والشعوب المستضعفة بصفة خاصة حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد واستعباد أهلها والتمتع بثروات البلاد الإسلامية، وحيث إن في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللبنات البشرية وترابطها.
لذلك كله فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي يقرر بالإجماع أنه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأن الله تعالى هو الرازق ذو القوة المتين ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ أو كان ذلك لأسباب أخرى غير معتبرة شرعًا، أما تعاطي أسباب منع الحمل أو تأخيره في حالات فردية لضرر محقق ككون المرأة لا تلد ولادة عادية وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الجنين فإنه لا مانع من ذلك شرعًا وهكذا إذا كان تأخيره لأسباب أخرى شرعية أو صحية يقرها طبيب مسلم ثقة، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقق على أمة إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير من يوثق به من الأطباء المسلمين.
стр. 5094
أما الدعوة إلى تحديد النسل أو منع الحمل بصفة عامة فلا تجوز شرعًا للأسباب المتقدم ذكرها، وأشد من ذلك في الإثم إلزام الشعوب بذلك وفرضه عليها في الوقت الذي تنفق فيه الأموال الضخمة على سباق التسلح العالمي للسيطرة والتدمير بدلًا من إنفاقه في التنمية الاقتصادية والتعمير وحاجات الشعوب.
وكاتب هذا البحث بعد أن استعرض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة وبعد أن اطلع على كلام العلماء، والقرارين الصادرين في هذه المسألة المدعمين بالأدلة الصحيحة الصريحة، وبعد أن ظهر له وخاصة القول بتحديد النسل وما يجره على الأمة الإسلامية من قلة وذلة، وما يقصد به أعداء الإسلام بهذه المكيدة من إضعاف للمسلمين وتقليل لعددهم لا يسعه إلا أن يقرر بحزم وحتم تحريم القول والعمل بتحديد النسل بصورة جماعية وبنظام متبع عام.
أما استعماله بصورة فردية لظرف ملح خاص أو لضرورة داعية فلا مانع من ذلك.
وكذلك تنظيم النسل حينمًا يتوالى الحمل والولادة على المرأة فيريد الزوجان أن يجعلًا بين كل مولود وآخر فترة راحة للأم وعلوق للطفل الأول فلا مانع أيضًا.
وكاتب البحث يقترح على هذا – المجمع الفقهي الإسلامي – الموقر أن يحذو حذو زميليه – مجلس هيئة كبار العلماء والمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة – بالمنع من ذلك إلا ما استثني.
والحمد لله رب العالمين وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن البسام
стр. 5095
تنظيم النسل وتحديده
إعداد
الدكتور علي أحمد السالوس
أستاذ الفقه والأصول بكلية الشريعة
جامعة قطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تنظيم النسل وتحديده" تعقيب "
الحمد لله تعالى حمدًا كثيرًا، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
وبعد: فقد رأيت أن أشترك بثلاثة موضوعات في هذا المؤتمر المبارك إن شاء الله تعالى وهي: تغير قيمة العملة، وأعمال البورصة، وبيع المرابحة، ولكن بعد الاضطلاع على بعض الأبحاث المقدمة بدا لي أن أكتب كلمة موجزة في تنظيم النسل وتحديده، وأركز هنا على النقاط التالية:
١- ما نسمعه من زيادة السكان أو الانفجار السكاني وقلة الغلة، هو قول غريب عن الإسلام وفد إلينا بعد أن تركنا الاقتصاد الإسلامي الرباني وأخذنا بالاقتصاد الوضعي البشري، فمالتس أحد أئمة الاقتصاد الرأسمالي – خرج على الناس بنظريته في السكان، حيث رأى أن الموارد تزيد بمتواليات عددية (١، ٢، ٣، ٤، ٥ وهكذا وأن السكان يزيدون بمتواليات هندسية (١، ٢، ٤، ٨، ١٦ ... وهكذا) . وهذا يعني أن في خلق الأرض خللًا، فغلتها لا تكفي سكانها، وبالطبع فإن هذا يخالف الواقع الذي أخبرنا به خالق السكان، وخالق الأرض، التي بارك فيها وقدر فيها أقواتها، والقائل ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (١) ، ولو أن الناس عمروا الأرض كما أمر الله : ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (٢) أي طلب منكم عمارتها ولو أنهم طبقوا المنهج الإلهي، لما وجد جائع أو عريان.
وهذا الخلل المزعوم المتزايد في السكان والموارد، والذي لا وجود له إلا في أوهام المالتسيين، ما علاجه عند مالتس؟ يرى تأخير الزواج مع العفة، ويعارض بناء مساكن لذوي الدخل المحدود، وتقديم أي عون للمحتاجين، ما دام سيساعد على الزاوج، وقد يقال: إنه حرص على العفة لأنه قسيس، ولكن هذا فيه نظر، فمع غير العفة يزداد السكان.
стр. 5096
وكم من الملايين في عصرنا ولدوا من سفاح، والعجيب أن يعارض من ينسب نفسه للدين مساعدة المحتاجين، والذين أخذوا بنظرية مالتس شجعوا الإجهاض، وتعقيم الرجال والنساء.
٢- الإسلام يدعو إلى النكاح، وهذا مسلم به واضح بَيِّنٌ، ومقصد النكاح الأول هو النسل، ولذلك جاء في أكثر من رواية: " تزوجوا الودود الولود ... " ومنع النسل ضد الفطرة، والإسلام دين الفطرة.
فإذا ذكرت أحاديث شريفة تبيح العزل، فيجب أن نبحث عن بقية الأحاديث المتصلة بالموضوع، وعلى الأخص إذا وجد ما يعارض أحاديث الإباحة، ثم نسلك بعد هذا المنهج العلمي في النظر في الأحاديث مجتمعة.
فمن الأحاديث الصحيحة الصريحة في المنع ما رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام مسلم في صحيحه، أن الرسول ﷺ سئل عن العزل فقال:
ذلك الوأد الخفي ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ .
ومن حديث المنع، ومنهج الإسلام، يتبين أن الإباحة برخصة فردية على خلاف الأصل، ولا تكون هذه الرخصة عامة على نطاق دولة من الدول.
٣- ذكرت بعض الفتاوى المعاصرة الفردية، وأرى أن من أهم ما صدر – إن لم يكن أهمها على الإطلاق – قرار المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية سنة ١٣٨٥ هـ (١٩٦٥ م) والذي صدر بإجماع العلماء الذين كانوا مندوبين عن خمسة وثلاثين دولة إسلامية، ومن بعده قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، التابع لرابطة العالم الإسلامي، في دورته الثالثة سنة ١٤٠٠ هـ وصدر أيضًا بإجماع الحاضرين.
وأذكر هنا نص كل من القرارين:-
أولًا: قرار مجمع البحوث الإسلامية:
١- إن الإسلام رغب في زيادة النسل وتكثيره لأن كثرة النسل تقوي الأمة الإسلامية اجتماعيا واقتصاديًا وحربيًا وتزيدها عزة ومنعة.
٢- إذا كانت هناك ضرورة شخصية تحتم تنظيم النسل فللزوجين أن يتصرفا طبقًا لما تقتضيه الضرورة، وتقديره هذه الضرورة متروك لضمير الفرد ودينه.
٣- لا يصح شرعًا وضع قوانين تجبر الناس على تحديد النسل بأي وجه من الوجوه.
٤- وأن الإجهاض بقصد تحديد النسل، أو استعمال الوسائل التي تؤدي إلى العقم لهذا الغرض، أمر لا تجوز ممارسته شرعًا للزوجين أو لغيرهما.
ويوصي المؤتمر بتوعية المواطنين وتقديم المعونة لهم في كل ما سبق تقريره بصدد تنظيم النسل.
стр. 5097
ثانيًا: قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي
الحمد لله وحده، والصلاة على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه: وبعد.
فقد نظر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في موضوع تحديد النسل أو ما يسمى تضليلًا بـ " تنظيم النسل ".
وبعد المناقشة وتبادل الآراء في ذلك قرر المجلس بالإجماع ما يلي:
نظرًا إلى أن الشريعة الإسلامية تحض على تكثير نسل المسلمين وانتشاره، وتعتبر النسل نعمة كبرى ومنة عظيمة مَنَّ الله بها على عباده، وقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ودلت على أن القول بتحديد النسل أو منع الحمل مصادم للفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها، وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الله تعالى لعباده، ونظرًا إلى أن دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين لتقليل عددهم بصفة عامة، وللأمة العربية المسلمة والشعوب المستضعفة بصفة خاصة، حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد واستعباد أهلها والتمتع بثروات البلاد الإسلامية، وحيث إن في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللبنات البشرية وترابطها.
لذلك كله فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي يقرر بالإجماع، أنه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ، أو كان ذلك لأسباب أخرى غير معتبرة شرعًا، أما تعاطي أسباب منع الحمل أو تأخيره في حالات فردية لضرر محقق ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الجنين فإنه لا مانع من ذلك شرعًا، وهكذا إذا كان تأخيره لأسباب أخرى شرعية أو صحية يقرها طبيب مسلم ثقة، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقق على أمه إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير من يوثق به من الأطباء المسلمين.
стр. 5098
أما الدعوة إلى تحديد النسل أو منع الحمل بصفة عامة فلا تجوز شرعًا للأسباب المتقدم ذكرها، وأشد من ذلك في الإثم والمنع إلزام الشعوب بذلك وفرضه عليها في الوقت الذي تنفق فيه الأموال الضخمة على سباق التسلح العالمي للسيطرة والتدمير، بدلًا من إنفاقه في التنمية الاقتصادية والتعمير وحاجات الشعوب.
٤- بعد هذه الكلمة الموجزة أريد أن أسأل سؤالا له دلالته وهو:
ما الجهات التي تنفق على الدعوة لتحديد النسل وتنظيمه في البلاد الإسلامية ذات القلة غير المسلمة؟ وما أهدافها؟ وما نسبة هذه القلة قبيل بدء الدعوة وما نسبتها؟
نسأل الله تعالى أن يجنبنا الزلل في القول والعمل
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الدكتور علي السالوس
стр. 5099
تنظيم النسل وتحديده
إعداد
الشيخ د. الطيب سلامة
عضو المجلس الإسلامي الأعلى – أستاذ بالجامعة الزيتونية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تنظيم النسل وتحديده
البحث في هذا الموضوع يتناول عدة قضايا
أهمها اثنتان:
الأولى: التوقي من حصول الإخصاب الذي به يبدأ الحمل.
• بسط إجمالي.
• تنظيم النسل وتحديده.
• ما هو النسل؟
• حكمة التناسل ومنزلة الذرية في حياة الناس.
• النسل كما يرضاه الإسلام.
• هل من شروط الإنجاب حسن القيام؟
• موقف الشريعة الإسلامية من التعرض للإخصاب.
• الإنجاب في القرآن.
• الإنجاب في السنة الشريفة.
١- اتجاه الجواز.
٢- اتجاه القائلين بعدم الجواز.
стр. 5100
الرد على القائلين بالمنع.
• حكم التوقي من الحمل عند أئمة المذاهب.
١- في المذهب المالكي.
- خلاصة المذهب المالكي.
٢- عند الشافعية.
٣- عند الحنفية.
٤- عند الحنابلة.
- خلاصة المذاهب.
الثانية: الإجهاض والإعقام:
• تقديم.
• حكم الإجهاض.
• حكم الإعقام.
• القرار في النسل يتبع الحق في الولد.
стр. 5101
القضية الأولى في هذا البحث
التوقي من حصول الإخصاب الذي به يبدأ الحمل
بسط إجمالي:
لا نعدو الحق والواقع إذا نحن قلنا: إن البحث في هذا الموضوع هو بحث في صميم البناء الهيكلي للأسرة البشرية التي بها يتواصل الوجود الدنيوي ويعمر الكون كما أراد الله تعالى أن يعمر، وتتم الخلافة في الأرض للإنسان كما أراد الله أن يحصل ذلك ويتم.
وإذا كان الحجر الأساسي في بناء هيكل الأسرة إنما هو الزواج الذي حثت عليه الأديان السماوية ورغبت فيه الفطرة الإنسانية، فإن لهذا الزواج مأملين عظيمين وغايتين شريفتين:
- أولى هاتين الغايتين – إعفاف النفس وإحصان الفرج وكفى بذلك نبلا أن الإنسان يرتفع عن مصاف العجماوات، ويتنزه عن الدنس والرذيلة والفجور.
- وثانية الغايتين – التناسل والإنجاب اللذان أودع الله تعالى في تركيبه الجبلة الحيوانية عموما، وخص الجبلة البشرية بالرغبة في ذلك تقترن بحب البقاء، وتحقيق الآمال، وبقاء الذكر، والتطلع لامتداد الأجل.
- وإذا كان بقاء الإنسان في ذاته منتهيا إلى حد قصير في هذا الوجود الدنيوي، فإن بقاءه في نسله وبنسله قد يستمر ما استمر الملوان..
- وإذا كان من العسير جدا أن يحقق الإنسان بنفسه كل الآمال والأحلام التي ظل يحلم بها ويمني النفس، فإن تحقيق ذلك قد يصبح ميسورا مأمولا إن هو عول في الباقي على ربه وعلى ما وهبه من ذرية صالحة.
وقد اشتاقت (حنة) امرأة عمران إلى الولد لما أسنت فدعت ربها، ولما أحست بالحمل نذرت ما في بطنها محررا من شواغل الدنيا لخدمة بيت المقدس، وبذلك تحقق بنسلها ما لم يتيسر لها تحقيقه بشخصها، ولكن جرت المقادير بغير ما اشتهت حنة.
стр. 5102
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ . (١) .
كما اشتاق زكريا إلى الذرية الصالحة لما رأى من أمر مريم التي تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكان هو الكافل لها، وكان قد انقرض أهل بيته، فدخل محرابه للصلاة في جوف الليل وحكى عنه القرآن توجهه وقوله: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢)
- وإذا كان بقاء الإنسان حيا بالذكر لا يتم إلا بما يحقق من عمل صالح أو من علم بثه في صدور الرجال أو من أبناء ينشئون تنشئة طيبة، فإن أيسر الأمور الثلاثة بقاء الذكر عن طريق الذرية الطيبة والأبناء الصالحين؛ لأن ذلك رهين العناية بهم وحسن القيام على تهذيبهم وتربيتهم، وهذا ليس بالعسير على كافة الآباء والأمهات في حين أن الأعمال الصالحة وبث العلم في صدور الرجال لا يحققان هذه الغاية إلا متى بلغ صاحبهما مبلغ النباهة ورفعة الشأن وحسن الأحدوثة، وليس الوصول إلى ذلك إلا لمن وفقهم الله ويسر لهم الطريق وكلل مساعيهم بالنجاح والفوز.
ولقد جاء من أوصاف الصالحين الذين سماهم القرآن عباد الرحمن أنهم هم الذين يدعون ربهم أن يهب لهم أزواجا وذرية – إذ الذرية من الأزواج حتما – ما تقر به أعينهم ويرضي طموحهم إلى مزيد الصلاح والخير فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٣) .
فقد دعوا أن يمنحهم الله الخير عن طريق الأزواج والذرية وقدموا ذلك على دعائهم لأنفسهم مباشرة مع أن المعروف من سنة الدعاء هو تقديم النفس على الغير، فيقول الداعي الملتزم بآداب الدعاء مثلا: اللهم ارحمنا وارحم آباءنا وارحم جميع المسلمين.
стр. 5103
والظاهر أن ذلك التقديم لأمرين:
-أحدهما أن دعاءهم للأزواج والذرية هو دعاء للنفس في الواقع؛ لأن صلاح الأزواج والذرية ينتفع به الأب بلا شك.
-وثانيهما أن هذا التقديم لإبراز ما للآباء من آمال تعلق على الأبناء هي أقرب للتحقيق من سواها، وما لهؤلاء الآباء من حرص على الأزواج والأبناء يفوق الحرص على النفس من باب ويؤثرون على أنفسهم، وإن كان هذا الإيثار لا يخلف خصاصة.
-وهكذا فإن الإنجاب مطمح عظيم تتعلق به أسمى الغايات وتتوقف عليه أزكى المآرب وأشرف المقاصد.
-وكفى بالوالد شرفا ونبلا ومكانة وفخرا أن يولد له من صلبه من يعبد الله ويتقيه، وقد خلق تعالى المخلوقات من جن وإنس ليعبدوه، وحصر خلقهم في ذلك الشأن فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)
-وأن يولد له من صلبه من يسهم بقسطه في إعلاء كلمة الحق وإقرار القيم والموازين القسطاس ويحمل الأمانة على خير الوجوه كما حملها عباد الله المقربون.
-مما أسلفنا عن الإنجاب والذرية – وما أسلفنا غير نبذة – قد اكتسب هذا الموضوع قداسة وأهمية بالغة دفعت بالباحثين في أمر تحديد النسل إلى مزيد من الحذر أحيانا وإلى الخوف من الوقوع فيما يغضب الله أحيانا أخرى.
-ولعل الأهم من الحذر والخوف أن يتوصل العلماء والباحثون إلى إنارة السبيل أمام الأفراد والمجتمعات وأمام الماسكين بأزمة السياسة والحكم في العالم الإسلامي حتى لا تحيد الأسرة المسلمة عن منهج دينها الحنيف، وفي دينها من التعاليم والأحكام المرنة التي ترعى المصالح الثابتة والآنية ما يضمن لها أن تعيش عصرها على خير الوجوه وأمثل الطرق، وأن تستغني عن استيراد الأنماط والنماذج المنبترة النزقة التي لا تقاس فضلا عن كونها تلبس.
стр. 5104
-إن الأسر المسلمة اليوم في هذا العصر تعيش مذبذبة بين أصالة حضارتها الإسلامية، التي طمس صفاءها الجهل بها والتغاضي عنها، وبين زيف حضارة قائمة في بلاد الغرب بناها أهلها على مادية جامحة، لها بريقها ولها مغرياتها فتهافت الأغرار على نارها تهافت الفراش.
-بين هذه وتلك تعيش الأسرة المسلمة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ترقب الهداية من الله وتبحث عن العون من أهل العلم والخير والتقى لتجد سبيلها الواضحة القويمة حتى لا تتفرق بها السبل كما هو الواقع والمحسوس.
ولها في هذا المجمع الفقهي الكريم وأسرته من العلماء والباحثين الجلة خير مرشد ومعين خصوصا حين يحتسب عمله لله تعالى راجيا أن ينفع به أمة الإسلام متخذا شعاره من شعار رسول الله ﷺ الذي علمه القرآن إياه في قوله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)
ومن المتأكد أن نشير في خاتمة هذا التقديم إلى أن موضوع تنظيم النسل وتحديده قد كان من القضايا الثانوية التي أثارها المتسرون توقيا من حمل الإماء وأثارها بعض الأزواج في حالات قليلة لأسباب عارضة، أما الزوجات فقلما كان الأمر يعنيهن أو يفكرن فيه بحكم أن المرأة لا تكره أن تكون ولودا ودودا ولا يعجزها تدبير بيتها وقوام أمره في حدود نفقات الزوج وقدرته، أما السلطة السياسية فقد تخلت عن هذه القضية لنظر السلطة القضائية باعتبار أنها من الأحوال الشخصية شأنها شأن الزواج والطلاق والإيلاء وغيرها.
لكن تغير واقع الحياة عما كان عليه فصار أمر النسل في يومنا هذا موضع عناية المرأة باعتبار أنها خرجت من البيت لتعمل خارجه وصارت تكره أن تكون ولودا ودودا وتعجز عن تدبير البيت وقوام أمره إلا بمال وفير فخرجت تسعى لهذا المال وتروم سد الحاجة فلم تصل إلى سدها ولن تصل.
كما صار موضع عناية فائقة من السلطة السياسية، فنادى البعض بتكثير النسل لمجابهة عدد آخر من الأعداد، وعد المتواني في الإنجاب متوانيا في خدمة وطنه، وهو بالتالي لا يبعد كثيرا عن أرباب الخيانة الذين خانوا أوطانهم.
стр. 5105
في حين نادى البعض الآخر بضرورة تحديد النسل والحرص عليه والإسراع به قبل أن تحل الكارثة التي لا يستبعد أن تصيب العالم كله، ويبني نظريته على حسابات عدة يدخل فيها الاقتصاد والإنتاج والتشغيل والإسكان وفتح المدارس وإقامة المستشفيات وتعبيد الطرقات وبناء المسارح والملاهي ونصب المحاكم وتخصيص السجون ... و ... و ... و ... حتى أمر المناخ وكمية الأوكسجين في الهواء أصبحت مهددة بتزايد النسل تزايدا لا يخضع للمقاييس المحددة.
وكما أشاد الفريق الأول بالمكثرين من النسل ونوه بخصالهم وليكونوا أسوة لمن سواهم، فقد توسع في البذل والعطاء لهؤلاء المستجيبين ورفع من درجاتهم الاجتماعية حتى عادت الأسر تتباهى بعدد الأبناء وكثرتهم بقلة العدد.
كما أشاد الفريق الثاني بالمقلين من الإنجاب واعتبروا فيهم مثالا للتحضر والمعاصرة وسموهم بالواعين والمنسجمين مع حياة الرقي وقالوا عنهم بالفرنسية (Les gens biens) يعني (الناس الكيسون الظرفاء) وبذلوا لهم وسائل الحد من الإخصاب مجانا من ميزان الدولة وأخفوا عنهم ما تخلفه الأدوية والآلات التي توضع في الأرحام من انعكاسات سيئة، وألزموا الأطباء والأعوان الصحيين بأن يغيروا الحقائق العلمية، وأوكلوا أمر العناية بتحديد النسل وتقليله إلى وزارات أو إلى دواوين مجت الأسماع أساليبها الدعائية واشمأزت الأذواق والأخلاق من شعاراتها السمجة وتوضيحاتها وبياناتها المثيرة للسخط والمنفرة، ورغم الإنفاق السخي والمجانية الكاملة لمن يقبلون ورغم العقوبة بالحرمان من بعض المنح والعلاوات لمن يزيدون على الولد الثالث، فإن الحصيلة بقيت هزيلة باعترافهم وبقيت النسبة المؤملة في تحديد النسل تتراءى لهم بعيدة المنال..
فهل يجوز أن نسكت ونترك أمر الإنجاب والتناسل موكولا لاجتهاد زوج غير مسؤول أو لشهوة زوجة ناشز أو لحكم السياسة تعتد برأيها ولا تعتبر أحكام الدين ولا اجتهاد العلماء الذين لا يخشون في الحق لومة لائم؟
اللهم إنه لا يجوز أن نسكت عن هذا التذبذب والتسيب، بل علينا أن نقول للمسلمين ما قاله شرعهم ثم ندعو أن يوفقنا الله وإياهم إلى الهدى وصراط الله المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين – آمين.
стр. 5106
ما هو النسل؟
النسل في اللسان العربي هو الولد والذرية، والثلاثي منه – من باب كتب، وتختلف المادتان نسل وولد بأن أولاهما مشعرة بالكثرة فيقال: نسلت الناقة أي بولد كثير، بخلاف ولدت ومن هنا أشعرت كلمة النسل بالكم دون كلمة الولد.
قال في القاموس
النسل = الخلق والولد نسل = ولد كأنسل، وتناسلوا = أنسل بعضهم بعضا.
وجاء في المصباح المنير اقتران مادة نسل بمعنى الكثرة، فقال: النسل الولد، ونسل نسلا من باب ضرب (١) كثر نسله.
ولعل المراد المطابق لكلمة النسل هي كلمة الذرية، بحكم إفادة كل منهما لمعنى الخلق ومعنى الكثرة.
قال في القاموس:
ذرأ كجعل = خلق، والشيء كثره ومنه الذرية، لنسل الثقلين.
وجاء في المصباح أيضا:
والذرية: النسل، والذرية فُعْلِيَّة من الذَّرِّ وهم الصغار (٢) وتكون الذرية واحدا وجمعا (٣) .
ولم ترد كلمة النسل بصيغة الاسم في القرآن إلا مرتين إحداهما في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٤) .
وإذا اعتبرنا سبب النزول وأنها نزلت في نفاق الأخنس بن شريق الذي كان يتظاهر بالإيمان ولكنه عمد إلى زرع لبعض المسلمين فأحرقه وإلى حمرهم فعقرها، فكشف الله حقيقة أمره.
وحينئذ فالمراد بالحرث في الآية هو الزرع كما أن المراد بالنسل الحيوان فأدركنا أن النسل كما يقال على ولد الإنسان يقال كذلك على ولد الحيوان.
وثانية المرتين في سورة السجدة في قوله تعالى:
﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (٥) .
والنسل هنا هو نسل الإنسان أي ذريته.
стр. 5107
وفي حين وردت مادة نسل في القرآن مرتين بصيغة الاسم – كما بينا – فقد وردت كذلك مرتين فقط بصيغة الفعل في قوله تعالى في سورة الأنبياء:
﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (١) . وفي قوله تعالى في سورة يس: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ (٢) .
والفعل المكرر في الآيتين بمعنى يسرعون وبابه: ضَرَبَ.
وإن كلمة الذرية قد وردت في عديد من سور القرآن وآياته بما لا يقل عن اثنتين وثلاثين مرة وكلها بصيغة الاسم (ذرية) المفرد، مذكرا أو موصوفا أو مضافا، وبعضها بصيغة الجمع (ذرياتنا – ذرياتهم) وأكثر ما ورد من هذه الأسماء جاء مرادا بها النسل والعقب والأبناء وقلما وردت بمدلول مجانب كإطلاق الذرية على الطائفة مثل قوله تعالى: ﴿فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ (٣)
ولم تطلق الذرية في الاستعمال القرآني على ولد الحيوان كما كان الشأن بالنسبة لكلمة النسل، فثبت أن اسم الذرية أخص من النسل.
ولعل وقوع الاختيار على كلمة النسل في عنوان الموضوع الذي نحن بصدده وهو:
تنظيم النسل وتحديده دون كلمة الذرية اعتبارا لكون عملية التنظيم والتحديد هذه إنما تبدأ من البداية، أي من الحيوان المنوي الذي هو بداية الخلق، وبعد أطوار من النمو، ومنذ نفخ الروح يصح إطلاق الذرية على الجنين.
стр. 5108
حكمة التناسل ومنزلة الذرية في حياة الناس:-
شاءت حكمة الباري التي لا تجارى أن يقوم تواصل الحياة في هذا الكون على نظام المباشرة والتناسل بين المخلوقات، سواء في ذلك أصناف الحيوان وأصناف النبات.
وقد شاءت حكمته تعالى أن يخضع توالد النبات إلى نظام دقيق وعجيب هو آية للمتدبرين، وأن يخضع تناسل الحيوان إلى غريزة ماضية لا تفتر ولا تني بل تضمن استمرار الأنواع بقدر وموازنة في نطاق ما رسمته الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١) .
وميز الإنسان من بين أصناف الحيوان بفطرة حسنة تكفل له البقاء وتوفر له المتعة والخير في الدارين، ولم يترك الإنسان كما ترك الحيوان إلى الغريزة التي تحدد تحركاته وتسير حياته، بل أعطي مع فطرة الله الحسنة التي فطر الناس عليها عقلا مفكرا ووجدانا هو عالم النفس والشعور، وفوق كل ذلك وضحت له مسالك الهداية والرشاد عن طريق ما جاءه من الدين القيم رحمة من الله وتكريما وحفظا.
وهكذا شرف الإنسان عامة بشرف خطاب الله من خلال خطابه لمحمد ﷺ ولأتباع محمد رضوان الله عليهم حين قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
وبهذا الشرف فارق الإنسان أصناف الحيوان لأنه لا يتناسل بالغريزة، ولا يتناسل الذكر مع أية أنثى وجدها ولا تقبل الأنثى أو تطلب أي ذكر صادفته، وإنما التناسل لدى الإنسان أمانة يتحمل تبعتها حيًّا وميتًا وهو عمل اختياري هادف وتعامل مدني يتوقف على القدرة والتمييز والأهلية.
والتناسل عند الإنسان لا يكون إلا بالزواج وإلا عد فسوقًا وظلمًا وهبوطًا عن أدنى مستوى الإنسانية، فصار الزواج في حد ذاته غاية ووسيلة وهو غاية؛ لأنه يوفر للإنسان نعمة لا تنتجها المعامل والأيدي ولا تابع في المتاجر والأسواق وإنما هي نعمة من الله وآية من آيات خلقه، هي نعمة السكن ونعمة المودة والرحمة قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (٤) .
стр. 5109
ثم هو وسيلة لآية أخرى من آيات الله الكبرى ونعمة من نعمه الجلية، إنه طريق لإنجاب الأبناء والحفدة إنجابًا يكون حافزًا على تعظيم الخالق وتقواه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (١)
ويكون مؤملًا لخير من الله وبركة ورزق الطيبات قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (٢) .
وهل في الدنيا أو في حياة الناس شيء يعادل منزلة الأبناء الصالحين أو يسد مسد الذرية الصالحة؟ لقد شاءت حكمته تعالى أن يجعلهم من زينة الحياة الدنيا حين قال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣) بل جعلهم المحور لكل زينة في هذه الحياة حتى إن الإنسان لتنقطع صلته بكل زينة إذا ما انقطعت حياته الدنيوية باستثناء زينة الذرية والأولاد فيهم يستمر بقاؤه وذكره، وعن طريقهم يتواصل عمله فلا ينقطع بحكم أن الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته (٤) .
وقد جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا ثلاثة أشياء: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (٥) .
стр. 5110
وهكذا تبقى صلة الميت بالدنيا ويستمر عمله كما لو كان حيًا عن طريق العقب والذرية، ولقد جاءت الآثار تؤكد أن الآباء ينتفعون بصلاح الأبناء ولو كانوا قد تبوءوا أماكنهم من الجنة، أخرج مالك عن يحيى بن سعيد أن سعيد بن المسيب كان يقول: " إن الرجل لَيُرْفَعُ بدعاء ولده من بعده. وقال بيديه نحو السماء ورفعها (١) قال الإمام السيوطي في تعليقه على هذا الخبر: قال ابن عبد البر: هذا - أي الذي كان يقول سعيد بن المسيب - لا يدرك بالرأي، وقد روي بإسناد جيد مرفوعًا، ثم أخرج - أي ابن عبد البر - من طريق أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إن المؤمن ليرفع له الدرجة في الجنة، فيقول: يا رب بم هذا؟ فيقال له: بدعاء ولدك من بعدك " (٢) .
وقد نَزَّلَ الله تعالى محبة الأبناء والحفدة سويداء القلوب فحفظ بذلك مصالحهم, وأمن عيشهم فلم يحتج إلى حرص يحفز الآباء لمزيد العناية وحسن القوامة عليهم، بل قد يدعو الأمر إلى تنبيه هؤلاء الآباء إلى الأخذ بالحذر في سعيهم وحدبهم على الأبناء، حتى لا ينقلب الأمر إلى وبال عليهم أو إلى فتنة يفتنون بها في حياتهم، فقال تعالى مرشدًا ومحذرًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) .
стр. 5111
كما قال تعالى في بيان المنهج الرشيد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١) .
وقال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ﴾ (٢)
ولم ينقص هذا الإرشاد ولا هذا التحذير من عاطفة الأبوة المتأججة بل استمر تأججها ضمانًا لبقاء العطف والرحمة وضمانًا لاستمرار الحياة وبقاء النوع البشري. وهذا أسوتنا الحسنة وسيد الأنام ﷺ يستجيب لأزكى مشاعر الأبوة فينزل من أعلى المنبر ويقطع خطبته لأصحابه من أجل الحسن والحسين ﵄، أخرج الترمذي من طريق الحسين بن حريث عن عبد الله بن بريدة (٣) قال سمعت أبا بريدة ﵁ يقول: " كان رسول الله ﷺ يخطبنا إذا جاء الحسن والحسين ﵉، عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: " صدق الله العظيم ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما " (٤)
стр. 5112
ولقد أعرب ﷺ عن عاطفة الأبوة في غير ما مرة ذلك أنه خرج ذات يوم وهو محتضن أحد ابني ابنته فاطمة ﵃، وهو يقول عن الأبناء: " إنكم لتبخلون وتجبنون وتجهلون، وإنكم لمن ريحان الله ". (١) وقال حين أبصر الحسن والحسين: ((اللهم إني أحبهما فأحبهما)) (٢) . وفي حديث آخر كان ﷺ يقول: ((إن الحسن والحسين هما ريحاناتي من الدنيا)) (٣) .
وحين سئل ﷺ : أي أهل بيتك أحب إليك قال: " الحسن والحسين، وكان يقول لفاطمة ادعي ابني ". فيشمهما ويضمهما إليه، تلكم هي حكمة التناسل، وهذه هي منزلة الأبناء في قلوب الناس وفي حياتهم التي يحيونها.
النسل كما يرضاه الإسلام:
لا أحد فيما نعلم ينازع أن الشريعة الإسلامية، حثت على الزواج ودعت إلى التناسل ورغبت في التكاثر، والنصوص في هذا من الكتاب والسنة معلومة وعديدة: قال تعالى في بيان شرعه في رسله وأخرى في خلقه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (٤) ونوه القرآن بزكرياء حين دعا ربه ليرزقه ذرية طيبة فقال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء﴾ (٥)
وقد جاء في حديث أنس المتفق عليه: " وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " وهل يراد النكاح إلا من أجل الذرية والنسل؟ أخرج ابن ماجه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي ﷺ قال " النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم، فإن الصوم له وجاء " (٦) .
كما أخرج عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " انكحوا فإني مكاثر بكم " (٧) .
стр. 5113
ومما هو نص في أن المراد من الزواج التناسل والتكاثر ما أخرجه أبو داود بسنده عن معقل بن يسار ﵁ قال: " جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: لا – ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم " (١) .
نعم لا خلاف أن الإسلام لا يرضي التبتل ولا رهبانية النصارى، كما جاء عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: " رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا " (٢) ونظيره ما أخرجه الترمذي وابن ماجه من طريق زيد بن أخزم الطائي وغيره قالوا: حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الحسن عن سمرة: أن النبي ﷺ نهى عن التبتل وزاد زيد بن أخزم: وقرأ قتادة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (٣)
كما لا يرضى الإسلام لمن هفا إلى الزواج – وحري به أن يهفو – أن يخبط خبط العشواء بل عليه أن يتخير القرين الكفء والصالح، لأن هذا القرين سيصبح أقرب الناس إليه وألصقهم به وأشركهم في متاعه، وليس هذا القريب بالمنفك عن قرينه المشدود إليه بعقد الزواج حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولا، وليس في حياة القرينين – قران زواج – مسؤولية أثقل ولا عمل أدق وأخطر من إنجاب الذرية وتنشئتهم التنشئة الصالحة والطيبة، لذا وضح رسول الله ﷺ في سنته الطاهرة معالم الطريق، وذلك بوضع المقاييس الصحيحة والموازين القسط في هذا المضمار، فقال رسول الله ﷺ : " إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض " وفي رواية: " إذا أتاكم - وأخرى: إذا جاءكم - من ترضون دينه وخلقه. . . " إلخ (٤) .
стр. 5114
والمعتبر في القرين سواء كان زوجًا أو زوجة من الاستعداد والخصال ما يتحققه مع السكن وحسن العشرة سواء قبل الإنجاب أو بعده، ثم حسن القوامة على سير الأسرة وعلى تربية الأبناء وتعليمهم وسد حاجاتهم بعد الإنجاب؛ لذا جاءت بعض الأحاديث ترشد إلى تخير الزوجة كما تتخير التربة فقال ﷺ فيما يروى عن عائشة ﵂ ((تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم)) (١) .
ولن يوفق الزوجان في بحثهما عن الكفء وعن حياة راضية حتى يضعا في الاعتبار الإيمان والتدين قبل كل اعتبار آخر من مال أو جمال أو نسب، وفي الزوجة المؤمنة نسوق حديث ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ : " لما نزل في الفضة والذهب ما نزل، قالوا: فأي المال نتخذ؟ - قال عمر: فأنا أعلم لكم ذلك فأوضع على بعيره، فأدرك النبي ﷺ وأنا في أثره فقال: يا رسول الله: أي المال نتخذ؟ فقال: " ليتخذ أحدكم قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة ". (٢) وليس أمر الآخرة بالهين إذا لم تعن عليه الزوجة ولم تستعن فيه بزوجها، ولقد جاء الخطاب عامًّا لأرباب التكليف والمسؤولية من الذين آمنوا فقال الحق تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٣) والمخاطب في الآية كل مكلف من المؤمنين في خاصة نفسه من جهة، وفي عامة أهله من جهة أخرى، وبذلك تتوافر دواعي الوقاية لكل فرد.
وفي اختيار الدين قال ﷺ : " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك " (٤) .
وقد لا يجتزي الزوج بالزوجة المؤمنة المتدينة، بل قد يطلب فوق ذلك أن تكون الزوجة صالحة فما المراد بالزوجة الصالحة؟ هي التي سماها الحديث بهذا الاسم وهي التي عرفها ﷺ في قوله الصادق: " ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة: إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله (٥) فليست الزوجة صالحة حتى يشمل صلاحها نفع زوجها وأبنائها، وليس الزوج صالحًا حتى يكون صالحًا لأهله، وهل يعني رسول الله ﷺ غير هذا حين قال: " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي " (٦)
стр. 5115
ثم ماذا بعد الزوجة الصالحة والزوج الصالح غير الأبناء الصالحين؟ نعم إن الإسلام يكره تقليل النسل ويكره الامتناع عن الزواج وعن الإنجاب ... ولكن أي نسل هذا الذي يكره قلته ويحب الكثرة منه؟ إنه النسل الصالح الذي تزداد الأمة بازدياده مكانة ورجحانًا، وليس النسل الذي تصبح به الأمة غثاء كثغاء السيل، عن ثوبان مولى رسول الله قال: " توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ". – فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: " بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن ". فقال قائل: يا رسول الله! . وما الوهن؟ قال: " حب الدنيا وكراهية الموت " (١) .
فهل يبقى بعد هذا شك أن المفهوم الصحيح للأمة الإسلامية ليس هو العدد الكثير الوهن حتى صار في الكثرة والتفاهة أشبه بالغثاء؟ إنما مفهوم الأمة الإسلامية مراد منه الكيف أولًا وبالذات وهذا الكيف يأخذ في الاعتبار – حتما وبالأساس – ما ينشأ عليه الفرد من إيمان قوي وتربية فاضلة وسلوك حضاري قويم.
هذه الأمة الإسلامية بجوهرها وبعرضها بحيث لا يعد من اختل إيمانه واعتلت تربيته وفسد سلوكه في عداد أفراد الأمة الإسلامية إلا على ضرب من التجوز، أو باعتبار التقسيم الجغرافي للكرة الأرضية.
وهذه حقيقة تكاد تصبح بديهية لا ينكرها عالم، ولا يقول بخلافها إلا من قصرت مداركه عن التصور السليم لمفهوم الأمة الإسلامية كأمة متميزة لها حضارة إنسانية فريدة ولها شرعة ومنهاج من الله رب العالمين.
وسيرًا في ضوء هذا المقصد التشريعي الواضح أفتى بعض المتأخرين من علماء الحنفية وغيرهم أنه إذا خيف على الولد السوء لفساد الزمان فالأولى الإمساك عن الإنجاب، ويرى البعض أن الأولوية تكون في الإمساك عن الزواج من أصله إذا أمكن إعفاف النفس بالصوم مثلًا.