قلت: والمقصود بالكراهة في كلام الكاساني كراهية التحريم، لأن الحنفية إذا أطلقوا الكراهة انصرفت إليها بمصطلحهم.
فقد تحصل من هذا أن الأئمة الأربعة متفقون على جواز العزل عن الزوجة، إذا كان ذلك برضاها، وإلا فالأئمة الثلاثة متفقون على التحريم، وللشافعية في ذلك وجهان، رجح الإمام النووي منهما عدم التحريم.
ولعل الذي يقتضيه الدليل ويتفق مع القواعد الفقهية ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط رضا الزوجة، أما الدليل فما رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن عمر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها. وأما القاعدة فهي قولهم (الضرر يزال) وأصلها قوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) (١) بيان ذلك أن للزوجة في الولد حقًا مع الزوج، وفي توفيت هذا الحق إضرار بها.
ثم إن العزل من شأنه أن يفوت عليها لذة الجماع، فإن كان ذلك بدون رضاها فقد أضر بها.
ثم إن ثمة شرطًا آخر، هو في حكم المتفق عليه لدى الجميع، لدخوله تحت سلطان هذه القاعدة، ألا وهو أن لا يستتبع العزل أو ما يقوم مقامه ضررًا بالزوج أو الزوجة، فلو توقع الضرر من ذلك بعلم طبيب موثوق به وعادل، حرم اتخاذ تلك الوسيلة أيًا كانت.
стр. 5042
يدخل في حكم العزل سائر الأسباب الوقائية:
الآن وقد علمنا حكم العزل وأدلته وشرائطه، فإننا نقول: إنه يقاس عليه كل ما قد يشبهه من الوسائل التي يتقي بها الزوجان أو أحدهما الحمل، كالحبوب التي تستعملها النساء، وكاللجوء إلى الجماع في الأوقات التي لا يتوقع فيها العلوق، ونحو ذلك من الوسائل التي قد يبدعها الأطباء لتحقيق هذا الغرض.
فكل ما اتفق عليه الزوجان من ذلك ولم يستتبع ضررًا بالجسم أو النفس بناء على مشورة طبيب موثوق، جاز استعماله مع كراهة التنزيه.
ونحن كما تعلم إنما نتحدث عن الزوجين وما قد يكون بينهما من لقاء مشروع، فأما الزنا وما قد يترتب عليه من محاولات لعدم العلوق، فلا شأن لنا بالحديث عنه في هذا المقام.
لا رخصة في استعمال وسائل لاستئصال النسل:
اتفق جماهير العلماء على أنه لا يجوز استعمال شيء من الوسائل التي من شأنها القضاء على النسل قضاء مبرمًا، سواء في ذلك الرجل والمرأة، وسواء أكان ذلك باتفاق بينهما أم بدونه، وسواء أكان الدافع دينيًا أم غيره (١) .
وذلك كأن يستعمل الرجل علاجًا من شأنه استئصال الطاقة على الجماع، وكإجراء عملية لرحم المرأة يفقدها صلاحية الحمل والإنجاب، ويدخل في ذلك ما يسمى اليوم بربط البوقين.
стр. 5043
دليل حرمة ذلك أنه يدخل تحت ما يعد تغييرًا لجانب ذاتي من خلق الله ، وليس للإنسان أن يستقل بشيء من هذا التغيير، يقول الله مبينًا ما أخذه إبليس على نفسه من بذل كل جهد لإغواء الصفوة من عباده: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (النساء: ١١٨ - ١١٩) .
ومن أجل ذلك نهى رسول الله ﷺ عن التنميص وتزجيج الحاجبين وتفليج الأسنان والوشم، إذ كل ذلك داخل في مسمى التغيير الذاتي، بخلاف ما يدخل في معنى التهذيب والعناية كحلق الشعر والعناية به، وقص الأظافر وتكحيل العين ونحو ذلك.
وقد علمنا أن استئصال الشهوة الجنسية أو وسيلة القدرة على الإنجاب من أوضح أمثلة التغيير الذاتي لخلق الله، وقد حذر البيان الإلهي منه كما قد رأينا.
ولكن قد يرد علي ما قلناه السؤال التالي:
أرأيت لو أن طبيبين عادلين مختصين قررا أن فلانة من الناس يعرضها الحمل لخطر موت غالبي أو مؤكد، وأن ذلك يعود إلى حالة مرضية، الشأن أن تلازمها حتى الموت، ألا يجوز لها في هذه الحالة ربط البوقين، وهي معالجة تمنع الحمل منعًا دائمًا؟
مقتضى القواعد الفقهية أن يجوز لها الإقدام على هذا العمل استثناء من القاعدة العامة لاسيما وأن مرضها الطارئ قد تولى هو تغيير جانب ذاتي في حياتها إذ أفقدها القدرة على تحمل أعباء الحمل، فكان الربط الذي أقدمت عليه انسجامًا مع واقع التغيير الذي ابتلاها الله تعالى به. وكم من فرق بين هذه المرأة وتلك التي تتمتع بصحتها التامة وواقعها السوي، فتقدم على اجتثاث قابلية الحمل وأسبابه، لا شك أن هذه الثانية دون الأولى هي التي يصدق عليها أنها قد غيرت من خلق الله، والله أعلم.
стр. 5044
كان هذا بيانًَا لحكم هذه المسألة في حق الأفراد أصحاب العلاقة المباشرة.
والآن ما هو حكم هذه المسألة في حق المجتمع المتمثل في الدولة إذ توجه وتأمر وتنهى؟
إننا نقول بكلمة موجزة شاملة: إن الدولة لا تستطيع أن تستفيد شيئًا من أحكام الجواز الذي أوضحناه في حق كل من الزوجين، ولا يحق لها أن تعتمد على شيء من أدلة ذلك الحكم في أي إجراء توجيهي تتخذه إلا أن يكون توجيهًا للناس إلى الحكم الشرعي ذاته، ذلك لأن الدولة ليست هي صاحب العلاقة المباشرة في الموضوع، وليست لها أي سلطة أو ولاية على شيء من أركانه.
وهذا الفرق في الحكم يتجلى في كل ما كان الجواز فيه على سبيل الرخصة والتوسعة، فإن حكم الجواز فيه يسري في حق الأفراد أصحاب العلاقة المباشرة، ولكنه يبقى في عمومه، وبالنظر لعامة الناس ومجموعهم على أصل العزيمة التي اقتضتها المصلحة العامة.
أرأيت إلى الطلاق؟ إنه حق أعطاه الشارع لصاحب العلاقة وهو الزوج بشروط وقيود معروفة، فهل للدولة أن تفرض لنفسها صلاحية ممارسة هذا الحق وصلاحية فرضه على من تشاء من الناس، أي بأن تجبر من تشاء على الطلاق أو بأن توقع هي الطلاق عنه عندما ترى أن المصلحة تقضي بذلك، محتجة بعموم الأدلة الناطقة بمشروعية الطلاق؟
كذلك أحكام الحد من النسل، فإنما هي عائدة – من حيث هي رخصة – إلي الشخصين اللذين يمثلان أركان القضية، فليس إذن للحاكم أن يحتج بهذا الحق لهما، فيبني عليه دعوة عامة إلي الحد من النسل، ويثير لذلك الدوافع والمرغبات، بل يشرع له الإلزامات الأدبية أو الجزائية بالوسائل المختلفة.
стр. 5045
وأصل هذا الذي نقرره أن المباح في الشرع نوعان:
نوع يتفق مع حكم الأصل، بأن ينطوي على فائدة ومصلحة عامة للفرد والمجتمع، كالتمتع بالطيبات وتناول المنتفعات التي لا ضرر فيها، فحكم الإباحة في هذا النوع ماض في حكم الفرد والجماعة، يقضي به الفرد في حق نفسه، ويقضي به الحاكم لمجتمعه، دون إجبار ولا إلزام إلا في حق المصلحة العامة.
ونوع آخر لا يتفق مع حكم الأصل من الإباحة الأصلية العامة، وإنما دخله حكم العفو أو الإباحة (بتسامح في التعبير) من أجل عارض يتعلق بأشخاص بأعيانهم. فحكم العفو أو الإباحة يبقى خاصًا في نطاق هؤلاء الأشخاص الذين تعلقت بهم أحوال عارضة اقتضت التخفيف في أمر كان أصله يقتضي عدم الإباحة.
ونحن نعلم أن النكاح إنما شرع في أصله من أجل النسل، ولحكمة بقاء النوع. وقد قال ﵊: ((تناكحوا تناسلوا تكثروا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) (١) .
стр. 5046
فالسعي إلى إيقاف النسل أو تقليصه مناف لأصل ما شرع النكاح من أجله ولكن الشارع الحكيم ﷻ رخص للزوجين في محاولة جزئية وفردية للحد من النسل نظرا لظروف أو مصالح شخصية قد تكتنفهما أو تكتنف أحدهما أما الحكم العام فباق على أصله وهو المنع والحاكم العام هو الأمين على ذلك.
وفي بيان هذا الأصل يقول الإمام الشاطبي: إن المباح ضربان: أحدهما أن يكون خادمًا لأصل ضروري أو حاجي أو تكميلي والثاني ألا يكون كذلك. فالأول قد يراعى من جهة ما هو خادم له. فيكون مطلوبًا ومحبوبًا فعله، وذلك أن التمتع بما أحل الله من المأكل والمشرب ونحوهما مباح في نفسه، وإباحته بالجزء، وهو خادم لأصل ضروري وهو إقامة الحياة، فهو مأمور به من هذه الجهة ومعتبر ومحبوب من حيث هذا الكلي المطلوب، فالأمر به راجع إلي حقيقة كلية، لا إلى اعتبار جزئي.. ومن هنا يصح كونه هدية يليق فيها القبول دون الرد، لا من حيث هو جزئي معين. والثاني: إما أن يكون خادمًا لما ينقض أصلًا من الأصول الثلاثة المعتبرة أو لا يكون خادمًا لشيء كالطلاق، فإنه ترك للحلال الذي هو خادم لكلي: إقامة النسل في الوجود، وهو ضروري لإقامة مطلق الألفة والمعاشرة واشتباك العشائر بين الخلق، وهو ضروري أو حاجي أو مكمل لأحدهما، فإذا كان الطلاق بهذا النظر حرامًا لذلك المطلوب ونقضًا عليه كان مبغضًا، ولم يكن فعله أولى من تركه، إلا لعارض أقوى وعدم إقامة حدود الله، وهو من حيث كان جزئيًا في هذا الشخص وفي هذا الزمان مباح وحلال (١) .
стр. 5047
أقول وقد يعبر عن هذا الأصل الذي قررناه بالقاعدة الفقهية القائلة: ليس كل ما هو مشروع للفرد مشروعا للجماعة. وهي قاعدة فرعية مخرجة على القاعدة المعروفة الكبرى: تصرف الحاكم منوط بالمصلحة. أي بما أنه وكيل عن الأمة في رعاية مصالحها فقد وجب عليه أن يلتزم جانب الحيطة في الأمر فلا يغامر بمصالحها ولا ينزل عن السعي إلى تحقيق أعلى درجات الصلاح لها. هذا مع العلم بأن أفراد الأمة لو مارسوا بأنفسهم حقوقهم ومصالحهم جاز لكل منهم أن يغامر بمصالحه كما يحب.
مثال ذلك أن للفرد من الناس أن يقتدي في صلاته بفاسق إن شاء ذلك.. غير أن الحاكم لا يجوز له أن يعتمد على هذا الحكم، فينصب للناس إمامًا فاسقًا.
ومثاله أيضًا أن ولي المقتول يملك أن يعفو عن القصاص على الدية أو جزء منها.. غير أن الحاكم لا يملك مثل هذا الحق، ولا يستطيع أن يلزم ولي المقتول به (١) .
وحيثما يعطي الشارع الزوجين حق إيقاف النسل أو يمنعهما منه، طبق ما رأينا آنفًا، فإنما ذلك لمصلحة تتعلق بهما، ولأمر عائد إليهما، وقد يكون المجتمع شريكًا لهما في المصلحة في بعض الأحيان.
فتعميم الدولة حكم الإباحة أو الحظر، هدر لمصلحة الأفراد، وتجاوز لواجب الحيطة في رعاية أمر العامة.
ولو أن هؤلاء الذين يظلون يفتون للحاكم بالدعوة إلي تحديد النسل، تنبهوا إلي هذه القاعدة التي ما ينبغي أن تخفى على باحث بل طالب علم – لعلموا أنهم مبطلون فيما يفتون به، وأنهم إنما يستلبون بذلك حقًا أعطاه الشارع للأفراد أصحاب العلاقة، ليملكوه لمن لا حق لهم في امتلاكه أو التصرف به.
وأخيرًا فإننا نلاحظ أن خلاصة ما ذكرناه من أحكام هذه المسألة وما لم نذكره مما يتعلق بحالات الإجهاض وأحكامه – إنما هي في مجموعها رعاية لحقوق ثلاثة تعود إلي ثلاثة أطراف، وهي حق الأبوين، وحق المجتمع، وحق الجنين.
فمن رعاية هذه الحقوق الثلاثة والتنسيق فيما بينها، تتكامل أحكام تحديد النسل وقاية (وهو ما فرغنا من بيانه) وعلاجًا (وهو ما لم نذكره في هذا المقام) (٢) .
стр. 5048
دراسة المسألة في الميزان الاجتماعي والديموغرافي
دأب طائفة من الباحثين السطحيين علي إهمال الحكم الشرعي وعدم الوقوف عنده بأي تقدير، كلما كان الحكم متعلقًا بقضية اجتماعية سجل علماء الاجتماع في حقها حكمًا مخالفًا، ونظرة مغايرة لنظر الشرع ومن أبرز مظاهر السذاجة عند هذه الطائفة من الناس، أنهم ينعتون حديث علماء الاجتماع بالقرار العلمي، ويصفون حكم الشريعة الإسلامية بالنظرة الدينية.
ولسنا الآن بصدد تحليل هذه الظاهرة الفكرية المتخلفة التي تبعث علي الإشفاق، ولكني أشعر نظرًا لوجود هذه الطائفة فعلًا أن ثغرة ما قد تبقى في تضاعيف هذا البحث إن لم أتبع بيان الحكم الفقهي بما يؤيده من تهافت الكلام الذي يردده من ينعتون أنفسهم بعلماء الاقتصاد أو الاجتماع أو العلماء الديموغرافيين، بدءًا من مالتوس إلي كل من يهيم وراء كلامه في عصرنا هذا.
ومعلوم أنهم جميعًا يرفعون – في بلادنا العربية والإسلامية – شعار الدعوة إلى تحديد النسل أو تنظيمه.. والكلمتان توأمان في المدلول وإن اختلفتا في المظهر والنعومة.
بإمكاننا أن نكثف الأدلة العلمية المختلفة التي كشفت عن زيف افتراضات مالتوس وأشياعه في بيان النقاط التالية:
أولًا: إذا فرضنا أن المستند الذي أقام عليه مالتوس تصوراته، مستند علمي صحيح، يجب إذن أن يكون حقيقة راسخة تهيمن على علاقة الإنسان بوسائل الرزق والإنتاج من حيث الكم، علي طول الحياة الإنسانية فوق هذه الأرض. ذلك لأن الإنسان ذاته في كل عصر، وأسباب الرزق في محدوديتها أو عدم محدوديتها هي أسباب الرزق ذاتها في كل مكان وزمان.
فأين هو مصداق تصوره الذي بنى عليه اقتراحاته، على مساحة التاريخ الإنساني كله طولًا وعرضًا؟
стр. 5049
لقد ظل الناس يتزاوجون فيتناسلون ويتكاثرون خلال قرون متطاولة مرت، وكانت أرزاق الأرض والسماء كما هي الآن، إن لم تكن أقل غنى منها اليوم فإنها لم تكن أكثر. ومع ذلك فإن شيئًا مما دار في خلد مالتوس لم يقع في أي مرحلة من مراحل ذلك التاريخ الطويل: لم تتناقص كمية الأرزاق أمام زيادة السكان، ولم يقع أي جيل في كمين المهلكة التي ينذر بها المالتوسيون اليوم (١) .
وطبيعي أن أنظمة المعيشة ومقوماتها ليست خاصة بإنسان هذا العصر وحده، بل هي لا تسمى أنظمة كونية ومقومات أساسية إلا إذا كانت مهيمنة علي حياة الأسرة الإنسانية كلها منذ فجر التاريخ.
قد يناقش بعض السطحيين هذا الكلام بأن من الثابت أن تزايد السكان في هذا العصر يسير بسرعة أكثر مما كان الحال عليه في الماضي، فنسبة تزايد السكان في العالم اليوم ما بين ٤.٣ % (إحصائيات هيئة الأمم المتحدة) وهي تكشف عن مدى التفاوت في سرعة التكاثر بين هذا العصر والعصور الخالية.
والجواب أن ملاحظة هذه النسبة في الزيادة يجب أن تقترن بها ملاحظة التفاوت الكبير في الطاقة الإنتاجية وثمراتها، ما بين عصرنا هذا وتلك العصور الغابرة، فإذا أخذنا هذا بعين الاعتبار، أدركنا أنه ما من زيادة في تكاثر السكان إلا وتتبعها زيادة في الطاقة الإنتاجية وأسباب المعيشة، ذلك لأن التقدم العلمي الذي أصبح عاملًا في خفض نسبة الوفيات هو ذاته الذي غدا عاملًا في تطوير الطاقات الإنتاجية ومضاعفة ثمراتها، ولا يستثنى من هذا التلازم الواضح إلا حالة الركود الذي قد تجنح إليه جماعة من الناس، فالذنب عندئذ إنما هو ذنب الكسل والركود لا ذنب النسل المتكاثر.
стр. 5050
ثانيًا: إن أرباب هذه الدعوة، أقاموا دعوتهم على خطيئة كبرى في تقدير معنى الرزق الذي يحتاج إليه الإنسان، فلقد تصوروا أن الحاجات الإنسانية محصورة في الخيرات الثابتة في الأرض والمنافع الكامنة في أحشائها، بقطع النظر عن أي تفاعل يتم بينها وبين الإنسان، وهي بدون شك (علي هذا المعنى) منافع محصورة، سرعان ما يربو عليها نمو السكان وتكاثر الأفراد.
ولكن الأمر في واقعه ليس كذلك.
ليست مقومات العيش لبني الإنسان متمثلة في هذه المدخرات الثابتة من زيت وفحم وحديد وغير ذلك، وإنما هي كل ما قد يتوالد من تزاوج هذه المدخرات، مع ما قد يبذله الإنسان من جهد ويحققه من تدبير، في سبيل الوصول بهذه المنافع الطبيعية إلى أقصى درجات الاستفادة المتنوعة منها.
ومعلوم أن الإنسان كلما اكتشف سبل نفع جديدة من بعض خيرات الأرض، تكون له من ذلك رأس مال جديد لتحقيق مغانم جديدة في مجال النفع الإنساني الذي لا يكاد يقف عند حد.. ويمتد أثر هذا التلاقح من النفع المتوالد بشكل زاوية منفرجة تتسع قدر اتساع الجهد الإنساني.
وهذا شيء معروف ومفروغ منه لدى سائر علماء الاقتصاد والديمغرافيا اليوم، ولا نحسب أن أحدًا من المثقفين، فضلًا عن أهل الاختصاص يمتري فيه.
يقول الأستاذ فيدروف أمين الأكاديمية السوفياتية للعلوم بصدد نقده لتصورات مالتوس: وإذا كانت موارد الطبيعة محدودة حقًا، وكانت الحاجات الإنسانية غير محدودة فما وجه الاعتراض إذا على تلك النظرية؟ وجه الاعتراض عندنا أن موضع الاهتمام ينبغي أن يركز علي حاجات المجتمع الإنساني الأساسية وعلى وسائل سدها، لا على موارد الطبيعة ذاتها، كالفحم والزيت والحديد وغيرها، وكذلك ينبغي أن لا نغفل عن قيمة الإنسان وسعيه وتدبيره (١) .
стр. 5051
ويقول العالم الديموغرافي الفرنسي الفريد سوفي: إن الاكتظاظ الذي قد تبدو سماته في بعض البلدان مرده إلى قلة الاستغلال لموارد الطبيعة وضعف اختصاص العمال والاعتماد علي الزراعة، فالاكتظاظ في نهاية التحليل كظاهرة من ظواهر التأخر يزول عند أخذ المجتمع بأسباب التقدم.
ثم يذكر الفريد سوفي في ختام كلامه مثال الصين الشعبية إذ كانت تعد من أكثر البلاد اكتظاظًا بالسكان، وقد أصبحت أخيرًا محتاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة نظرًا لتقدمها السريع (١) .
ويقول المستر هوبرت مارسين وزير داخلية بريطانيا عام ١٩٤٣: إن بريطانيا إذا كانت تحب المحافظة على مستواها في الوقت الحاضر، والتقدم في سبيل الرقي والازدهار في المستقبل، فمن اللازم أن يتزايد فيها أفراد كل أسرة بنسبة ٢٥ % على الأقل.
ولكن ما وجه العلاقة بين ازدياد كثافة السكان، وازدياد الأرزاق والطاقات الإنتاجية؟
هذا ما سنوضحه في البرهان الثالث، وهو:
ثالثًا: إن المتحمسين في الدعوة إلي تحديد النسل، يذهلون عن حقيقة ذات أهمية بالغة في ترسيخ دعائم الحضارة والمدنية في المجتمع، وهي حقيقة علمية لا مجال لإنكارها.
стр. 5052
هنالك ما يسمى عند علماء الديموغرافيا بمبدأ الاصطفاء، وهو يعني باختصار أن مرافق العمل الإنتاجي والاقتصادي في أي مجتمع من المجتمعات متعددة ومتنوعة فمنها ما هو فني، ومنها ما هو علمي، ومنها ما هو عضلي ... إلخ ولابد أن يسد كل واحد من هذه المرافق بالعدد الكافي من الأشخاص الأكفاء.. غير أن الأشخاص الأكفاء لا يظهرون إلا ضمن مجموعة كثيرة من الناس عن طريق الاصطفاء، فالعباقرة العلميون لا يمكن العثور عليهم في ساحة لا يوجد فيها غيرهم، وإنما يتم اكتشافهم من خلال استعراض أناس كثيرين، وكذلك الفنيون، وكذلك غيرهم من ذوي القدرات أو الاختصاصات علي اختلافها.
وهكذا فإن من الثابت أن الأمة كلما كانت أكثر عددًا، كانت الصفوة فيها أكثر عددًا أو أكثر تنوعًا، ونتيجة لذلك تصبح فرص المهارات والاختصاصات أمامها أرحب وأوسع.
إذن فإن رأس المال الأول الذي لا غنى عنه لتحريك عجلة الحياة الإنتاجية إنما يتمثل في الفيض السكاني إذ يملأ رحب الأرض.
يتوهم بعض السطحيين أن عملية الاصطفاء هذه من شأنها أن تخلف وراءها كمية كبيرة من الناس الذين لا يمكن تصنيفهم مع أي فريق من العاملين، فيكونون بذلك عبئًا على المجتمع، وتبوء عملية الاصطفاء بالخسارة بدلًا من الربح.
ولا ريب أن هذا توهم باطل ينطوي على خطأ كبير في التقدير.. والحقيقة أن الكرم الإلهي قد وزع مزايا الملكات والطاقات بين سائر الناس، بحيث قل أن تجد – بالنسبة إلى الكثرة الكبرى – إنسانًا جردته الأقدار من كل طاقة فوقف هناك عالة على الناس.
غير أنه لا يمكن اكتشاف ما لدى الأفراد من ملكات وطاقات يتمتعون بها، وبتعبير أدق لا يمكن اكتشاف حاجة المجتمع إلى مواهبهم أو جهودهم إلا بعد ظهور صفوة العلماء والفنيين وأصحاب الاختصاصات المتنوعة حيث تتجلى من خلال خططهم ومشروعاتهم التي يتقدمون بها – الحاجة إلى ملكات أولئك الناس وطاقاتهم.. ذلك لأن مرافق الحياة كثيرة ومتوالدة، واحتياجات الإنسان أيضًا كثيرة ومتنوعة لا يكاد يحصرها عد، إلا أن وجه الحاجة إلى كثير من هذه المرافق والاحتياجات والتنبه إلى المشروعات المتوالدة عن بعضها، لا يستبين جليًا إلا بوجود تلك الصفوة المتنوعة من الناس قبل كل شيء.
стр. 5053
وإليك هذا المثل: إن استخراجك لحجارة سليمة صالحة لتشييد بناء بها لا يتم في أي تربة أو مكان، إلا من خلال تجميع ركام من الرمال وفتات الحجارة تتكاثر أمامك، وقد تتوهم بادئ الأمر أن هذا الركام شيء لا يجدي شيئًا، ولكن ما أن تتهيأ الحجارة الكبيرة أمامك حتى تتنبه إلى أن ذاك الذي كنت تحسبه ركامًا لا فائدة منه شرط أساسي لإقامة بناء متماسك.
لا أظن أن بين هذا المثال والمجتمعات الإنسانية أي فارق إلا في اختلاف الجنس وتفاوت حجم المثال.
وتبدو لنا ثمرة هذا الذي نقول فيما نلاحظه من كثرة أصحاب الاختصاصات العميقة والمهارات المتنوعة في الأمم الكثيفة الأعداد (شريطة أن لا تكون كسولة ميالة إلى الدعة) .
ومن هبوط عدد هؤلاء الرجال في الأمم التي هي أقل عددًا إلي نسبة أقل بكثير مما يقتضيه الفرق العددي بين حجم كل من الأمتين.
ويقرر الدكتور عبد الكريم اليافي بالإضافة إلى هذا حقيقة أخرى إذ يقول: وربما كان في هذا ما يفسر حصول الابتكار والاختراع والكشوف في البلاد الكبيرة على أنه ربما يكون الأفراد في البلاد الصغيرة على درجة عالية من الثقافة ولكن الابتكار والاختراع والكشوف في الغالب من نصيب البلاد الكبيرة (١) .
ويقول جاك أوستروي في كتابه: الإسلام والتنمية الاقتصادية مؤكدًا هذه الحقيقة الهامة: وإذا كان الازدياد الكبير في السكان يشكل فيما يبدو أخطارًا اقتصادية لا يمكن إنكارها في بلاد أخرى، فإن هذا الواقع له جانب مفيد أيضًا، وهو تحول التركيب البشري في اتجاه اقتصادي مفيد بإنقاص عدد الأشخاص الذين لا ينتجون اقتصاديًا بالنسبة لعدد المنتجين، وبالتالي يحدث دفعًا مبدعًا له دور أساسي في عملية التنمية (٢) .
стр. 5054
ويعدد الدكتور أحمد عبد العزيز النجار المشكلات الاقتصادية لتنمية المجتمعات المتخلفة بعد أن أوضح عوامل الإنتاج وبين أن الإنسان أهم هذه العوامل من حيث الكم ومن حيث الكيف، فيذكر منها: الخلل في العلاقة الكمية بين الناس المخططين والمنظمين من جهة، والعاملين من جهة أخرى قائلًا: الخلل في العلاقة بين نسب عوامل الإنتاج المختلفة، فرأس المال والمنظمون أقل نسبيًا من الأرض والموارد الطبيعية والعمل (غالبية العمال غير مهرة) وبالتالي فإن وسائل الإنتاج الكامنة لا تستغل استغلالًا كافيًا، ويصاحب الاستغلال السائد طاقة إنتاجية ضعيفة، ويصبح متوسط الدخل القومي للفرد منخفضًا.
ويتابع فيقول: تؤدي قلة وجود أنظمة وانعدام الخبرة ونقص الأيدي العاملة الماهرة، وصعوبة الحصول علي رأس المال بتكاليف معدلة، إلى اعتماد الدول النامية الرئيسي على تصدير بعض الخدمات أو المواد الأولية أو نوع أو أكثر من السلع الزراعية واستيراد جميع السلع الاستثمارية ومعظم السلع الاستهلاكية.. ويعتبر هذا الارتباط الشديد بالأسواق الخارجية من أهم العوامل المسببة لمشاكل كثيرة في الدول النامية (١) .
أقول: ومن أبرز النتائج لهذه الظاهرة شيوع البطالة، حيث تقل الكثافة السكانية وذلك على النقيض مما يتوهمه السطحيون والبسطاء.. ذلك لأنها وإن كانت تشيع لأسباب شتى، إلا أن من أهم أسبابها أن تعوز الأمة وجود الصفوة الكافية فيها من المخططين والخبراء والمبدعين، فيبقى أكثر السبل إلي الحياة الإنتاجية مغلقة من جراء ذلك، فلا يجد كثير من الناس بسبب ذلك ما يعملون، وتذهب طاقاتهم الكامنة بددًا.
стр. 5055
وأخيرًا
المشكلات الجزئية محلولة
ثم إن أكثر الذين يتبنون الدعوة إلى ما يسمونه بـ (تنظيم النسل) وهي تسمية ملطفة عن الحقيقة التي هي – تحديد النسل – يتذرعون بأسباب ومقتضيات جزئية يلملمونها من هنا وهنك، ليقيموا عليها دعوتهم الكلية العامة هذه.
فهم يذكرون من هذه الأسباب والمقتضيات مثلًا ما قد تتعرض له المرأة أو بعض النساء من أوضار صحية مختلفة، إذا ما تلاحق الحمل بالحمل دون فاصل زمني كاف لإعادة المرأة الأم إلى نشاطها ومناعتها الصحية، أو ما قد يتعرض له الطفل من أمراض وأضرار بسبب الحمل المبكر الذي من شأنه أن يصرف الأم كليًا أو جزئيًا عن إمكانية منحه الرعاية الكافية، أو ما قد تفاجأ به الحامل من أوضاع صحية، وربما نفسية واجتماعية تقتضيها التخلص من حملها.. يذكرون أمثلة من هذا القبيل، ثم يتخذون منها حجة لقيامهم بحملة مركزة عامة في صفوف الناس جميعًا تهدف إلى حملهم على الإقلال من النسل ما أمكن، وخفض نسبة الكثافة السكانية فيهم بصورة عامة، أي بقطع النظر عن أي عارض من العوارض الجزئية ونحن نقول في تعليقنا على هذا الشكل، بل الطريقة من الاحتياج.
أولًا: ليس ثمة أي تناسب منطقي بين الاحتجاج بالوقائع الجزئية والقصد إلى توجيه الناس عمومًا نحو العمل على إقلال النسل ومقاومة الكثافة السكانية.
إن المشكلات الجزئية إنما يتم التغلب عليها بالحلول الجزئية المتعلقة بها، أما زعم السعي إلي القضاء عليها ضمن تيار عام من التغيير والتحويل، فإنه لا يمكن إلا أن يجر معه مشكلات أخرى أكثر عددًا وأشد خطورة وأهمية من تلك المشكلات الجزئية المتناثرة التي استعمل ذلك التيار العام للقضاء – فيما زعموا – عليها.
ثانيًا: إن كلًا من المنطق والشريعة الإسلامية قد تكفل بحل سائر المشكلات الجزئية التي قد تظهر في أي أسرة، مما يتعلق بأمر الحمل والإنجاب وقضايا الصحة والتربية ونحو ذلك. أجل فقد تكلفت الشريعة الإسلامية بحل ذلك، كما قد رأينا في الوقت ذاته الذي يدعو عامة الناس إلى الإكثار من النسل وإلى مسابقة الأمم الأخرى في هذا المضمار.
стр. 5056
فقد علمنا أن الشريعة الإسلامية لا تمنع من اتفاق الزوجين على اتخاذ وسيلة وقائية ما لمنع الحمل، بالشروط التي أوضحناها، غير أن من المعلوم أيضًا أن هذا الحكم ليس إلا رخصة رخص الله بها لعباده، ليستعينوا بها في حل مشكلاتهم الجزئية العارضة، ومن ثم فإن هذه الرخصة لا تخلو من الكراهة التنزيهية في أكثر الأحيان. وهي في الحقيقة ليست إلا ذيلًا وتتميمًا للحكم الأساسي العام الذي تنهض عليه الحكمة الكبرى من ربط كل من الجنسين بالحياة الزوجية وإخضاع الإنسان (ذكرًا أو أنثى) لهذا المعنى الغريزي العجيب، تحقيقًا لتنمية النسل وتكاثر أفراد الأسرة الإنسانية المسلمة فوق الأرض ولا يضير بهذا الحكم الأساسي العام وجود رخصة استثنائية تذيله وتقيده، إذ ما من حكم من الأحكام الكلية إلا وله قيود ورخص استثنائية.
ومن ثم فإن واجب المسلمين والحالة هذه أن يطبقوا الحكم الكلي في مجاله الكلي العام وأن يضعوا قيوده واستثناءاته ورخصه في مواضعها الجزئية الخاصة بها بحيث لا يجعل من الاستثناءات الجزئية أداة نسف للقاعدة الكلية التي شرعها الله .
والنتيجة التي تؤخذ من هذا الكلام أنه لا يجوز للدولة ولا لأي جهة عامة ولا لفئات الموجهين والمصلحين توجيه الناس عمومًا إلى الحد من النسل، مهما اختلفت الأسماء والمسوغات، كما لا يجوز – قولًا واحدًا – استخدام شيء من وسائل الإعلام لبث هذه الدعوة في صفوف الناس، أو لحملهم على مضمونها بشكل من الأشكال.. بل واجب هذه الفئات والأجهزة، وعلى رأسهم ممثلو الدولة تذكير الناس بالحكمة الكبرى التي شرع من أجلها الزواج وتشجيعهم بكل الوسائل الممكنة على الإكثار من النسل، كما أن من واجب هذه الفئات العامة ترك الرخص التي شرعها الله استجابة لظروف وأحوال جزئية طارئة يقدرها أصحاب العلاقة أنفسهم.
نعم لا بأس من بيان الحكم الشرعي العام والخاص للناس عامة، حتى يكونوا على بينة من أمرهم وعلى علم باليسر الذي ضمنته الشريعة لحياتهم.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا نعمة الاعتزاز بدينه وشريعته، وأن يلهم المسلمين جميعًا قادة وشعوبًا الرجوع إلى ما ضمن الله به عزنا وسعادتنا وتألفنا واجتماع شملنا، ألا وهو دين الله المتمثل في عقائده وتشريعاته وأخلاقه، إنه سميع مجيب. والحمد لله رب العالمين.
محمد سعيد رمضان البوطي
стр. 5057
تنظيم النسل وتحديده
إعداد
الدكتور إبراهيم فاضل الدبو
الأستاذ بكلية الشريعة – جامعة بغداد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين. وبعد..
قد دعا الإسلام إلى زيادة الإنجاب والتكثير من النسل الطيب والذرية الصالحة، وجعل ذلك سببًا لتكثير الأمة وإعلاء كلمة التوحيد، وترجيح كفة الإيمان على الكفر والفسوق والعصيان، وتعزيز جانب الحق وإظهاره على الباطل، وتعمير الأرض بالعمل الصالح ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (١)
لأجل هذا ندب الإسلام أتباعه إلى الزواج لأنه السبب في بقاء هذا النوع الإنساني على أحسن وجه، وأكمل نظام، وفيه حفظ النوع البشري من الفناء والانقراض وفيه عمران الأرض وصلاحها، فها هو نبينا الأعظم محمد ﵊، يلفت أنظار الشباب لهذا الركن الحيوي من أركان الحياة الاجتماعية، مخاطبًا إياهم بقوله: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" (٢) .
وبخصوص زيادة النسل وتكثير عدد أفراد الأمة، فقد لفت الإسلام أنظارنا إلى اختيار المرأة الودود الولود. قال ﷺ : "تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم " وفي رواية: " فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة" (٣) .
والتكاثر المقصود، هو التكاثر الذي يستحق أن يباهي به الرسول ﷺ ، الأمم وهو التكاثر القائم على الصلاح والإيمان والقوة والحيوية والخير، أما التكاثر القائم على الفساد والعصيان فإنه أبعد ما يكون عن قصد النبي ﵊.
стр. 5058
التنظيم والتنسيق بمعنى واحد، يقال: خرز نسق بمعنى منظم. والنسق أيضًا ما جاء من الكلام على نظام واحد.
والإنظام معناه الاتساق (١) .
أما التحديد فله معنى آخر، فحد الشيء منتهاه، والحد بمعنى المنع. ومنه قيل للبواب حداداً وللسجان أيضا، لأنه يمنع عن الخروج، أو لأنه يعالج الحديد من القيود (٢) .
ولا يختلف المعنى الاصطلاحي كثيرًا عن المعنى اللغوي للفظتي التنظيم والتحديد، إذ مقصودنا من هاتين اللفظتين في هذا البحث، هو ترتيب النسل وتنسيقه أو منعه بصورة مؤقتة.
الفرق بين تنظيم النسل ومنعه:
هناك فرق كبير بين تنظيم النسل المقصود بالبحث هنا، وبين منعه بصورة دائمة وذلك بإجراء بعض العمليات الجراحية، وبعض الطرق العلمية التي تحقق هذا الغرض، ومنع الإنجاب نهائيًا يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية من الزواج الذي من أهم أغراضه ومقاصده التناسل كما ظهر لنا ذلك من النصوص المتقدمة.
ثم إن قواعد الشريعة تدل على منع ذلك الأمر وتحريمه من غير ضرورة، فإن في الحرمان من النسل نهائيًا مضرة ظاهرة يأباها الشارع وتدخل فيما نهى عنه بقوله ﷺ " لا ضرر ولا ضرار " وواضح وجه المضرة في الحرمان من النسل، فإن الشريعة الإسلامية وما تعارفه الناس في أمر النكاح، يقتضي أن يكون هناك تناسل لعمارة الأرض وبقاء الإنسان، كما أنه هو الذي يتفق مع الطبيعة الإنسانية التي أوجدها الله في كل من الذكر والأنثى من حب الأبوة والأمومة، وأن يشعر كل منهما بتحقق هذا الوصف كما تحقق في أصله الذي يرى في حياته إمتدادًا لحياة أصله وتخليدًا له، وفي هذا الأمر تغيير لخلق الله في الإنسان، وتحويل له عن طبيعته، ومقتضى فطرته التناسلية، والدين يأبى ذلك، لأنه جاء مسايرًا للناس في نظرهم السليم، وداعيًا إلى مصالحهم، ومحرمًا لكل ما يترتب عليه ضرر في أشخاصهم ومجتمعاتهم (٣) .
стр. 5059
وبناء على ذلك فقد وردت نصوص فقهية، في كتب الشافعية وغيرها تنص على تحريم التعقيم، فقد نقل البجيرمي أحد فقهاء الشافعية في حاشيته على الإقناع، عن فقهاء المذهب " أنه يحرم استعمال ما يقطع الحبل من أصله".
ويستوى في تحريم التعقيم، أن يكون قبل الإنجاب مطلقًا، أو بعد الإنجاب اكتفاء بما رزق به الزوجان أو أحدهما من أولاد، فإن ذلك أيضًا يشتمل على مضرة، تتنافى مع أغراض الشارع، فإن ما رزقهما الله به من أولاد، قد يفقدانه دفعة واحدة أو على التتالي، وقد فقدا أو أحدهما وسيلة الإنجاب، فيقعان في الحرمان، ولا يستطيعان على أن يتداركا ما فاتهما، وقد تتحرك فيهما أو فيمن فقد منهما الصلاحية للإنجاب. عاطفة الأمومة أو الأبوة فلا يجدان أو أحدهما مجالا لتحقيقها، والانتفاع بها، ويندمان أو أحدهما وقت لا ينفع الندم (١) .
الغرض من تنظيم النسل وتحديده:
تلجأ الأسر إلى عملية التنظيم هذه، بقصد عدم إرهاق الأم في أغلب الأحيان سيما إذا كانت الأم مشغولة بالأعمال الوظيفية، وليس لديها الوقت الكافي لإدارة شئون أسرتها فتلجأ إلى هذه الوسيلة لتتهيأ لها فرصة الإشراف على أعمالها المنزلية من خدمة زوجها أو تربية أولادها، وفي بعض الأحيان يكون سببه مرض المرأة مما يجعلها عاجزة عن مهامها البيتية كما قلنا، فتلجأ لذلك.
وقد يكون سببه حرص المرأة على المحافظة على جمالها وسمنها لدوام التمتع واستبقاء حياتها خوفًا من خطر الولادة، وهناك عامل آخر قد تلجأ إليه بعض الأسر وهو الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ودخول مداخل السوء (٢) ومهما كان القصد من تحديد النسل وتنظيمه، فإنه لا يعني منعه بصورة نهائية.
стр. 5060
وسائله:
لتنظيم النسل وسائل متعددة، منها ما تتم قبل تكوين الجنين في رحم المرأة، وذلك بأن يمتنع الزوج من وطء زوجته في فترة معينة من طهرها، وغالبا ما يكون ذلك في العشرة الوسيطة من الطهر، عندما تكون بويضة المرأة مهيأة للتلقيح، أو في استعمال بعض العقاقير الطبية التي تقلل فرصة الحمل، وأحيانًا يلجأ الزوج إلى العزل وذلك بأن يقذف ماءه خارج رحم زوجته.
وهناك وسائل أخرى تلجأ إليها بعض الأسر بعد تكوين الجنين في رحم أمه، سواء كان في مراحل تكوينه الأولى أم الأخيرة، ولكل حالة من هاتين الحالتين حكمها الخاص.
حكم الحالة الأولى:
وهي ما إذا استعمل الزوجان الوسائل الكفيلة بمنع الحمل بصفة مؤقتة قبل تكوين الجنين.
ومنع الحمل بهذه الصفة أمر معروف لدى الأمم قبل الإسلام وبعده، ومنهم الفرس والرومان، وقد اتخذ العرب في الجاهلية العزل وسيلة لمنع الحمل أيضًا، ولما جاء الإسلام والناس على هذه الحال، وكان بعض من دخلوا في الإسلام يتبعون هذه الوسيلة، سأل بعضهم الرسول ﷺ عن حكم العزل باعتباره وسيلة للتحكم في الحمل طالما وجدت الرغبة في عدم حصوله، فأدلى الرسول ﵊ بما يشعر بإباحته.
فما هو العزل؟ هو أن ينزع الرجل بعد الإيلاج ليقذف ماءه خارج الرحم.
ويلجأ إليه لأحد سببين، إما خوفًا على الرضيع من أن يلحق به ضرر إن وجد أو لئلا تحمل المرأة (١)
стр. 5061
رأي الفقهاء في العزل:
الأصل عند الجمهور هو جواز العزل إلا أنهم اختلفوا في اشتراط إذن الزوجة له أو عدم اشتراطه، وذلك على النحو التالي:
١- نص الحنفية على إباحة العزل بعد إذن الزوجة، إذا كانت بالغة، إذ غير البالغة لا ولد لها، وكالبالغة المراهقة إذ يمكن بلوغها وحبلها. وقد نقل ابن عابدين عن بعض كتب المذهب، أن الزوج إذا خاف من الولد السوء، فله العزل بغير رضاها بسبب فساد الزمن (١) وهذه وجهة نظر الحنابلة أيضًا، قال ابن قدامة: " ولا يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها" (٢) معللا لذلك بأن للزوجة حقًا في الولد. وعليها في العزل ضرر فلم يجز إلا بإذنها (٣)
وهل الاستئذان واجب أو مستحب؟ قال القاضي الحنبلي: " ظاهر كلام أحمد وجوب استئذان الزوجة في العزل، ويحتمل أن يكون مستحبًا لأن حقها في الوطء دون الإنزال " (٤) .
وبإباحة العزل قال المالكية أيضًا. فقد ذكر الدردير أن للزوج العزل إذا أذنت له الزوجة بذلك (٥) ونص الخرشي على مثل هذا بقوله: " يجوز للرجل أن يعزل عن زوجته. لكن إن كانت أمة فلا بد من إذنها وإذن سيدها.. وإن كانت حرة فيكفي أذنها وإن لم يأذن وليها (٦) .
وفي مذهب الشافعية ما يؤيد هذا الرأي أيضًا، فقد ذكر الفيروزآبادي الشافعي، أن الرجل إذا عزل عن زوجته الحرة، إن كان العزل بإذنها جاز، لأن الحق لهما، ولو لم تأذن الزوجة بالعزل ففيه وجهان: " أحدهما لا يحرم لأن حقها في الاستمتاع دون الإنزال، والثاني يحرم لأنه يقطع النسل من غير ضرر يلحقه" (٧) .
٢- ونص الغزالي الشافعي في الإحياء على إباحة العزل دون اشتراط أذن الزوجة، وقد نفى أن يكون ذلك مكروها كراهة تحريم أو تنزيه، معللًا لذلك بقوله: " لأن إثبات النهي إنما يكون بنص أو قياس على منصوص، ولا نص ولا أصل يقاس عليه، بل ههنا أصل يقاس عليه وهو ترك النكاح أصلا أو ترك الجماع بعد النكاح أو ترك الإنزال بعد الإيلاج فكل ذلك ترك للأفضل وليس بارتكاب منهي " (٨)
стр. 5062
دليل الجمهور فيما ذهبوا إليه:
استدل الجمهور على إباحة العزل للزوج من زوجته سواء من اشترط منهم إذنها أو لم يشترط بالروايات الصحيحة الواردة عن النبي الكريم ﷺ والتي تشعر بجواز ذلك منها:
أ – ما جاء في الصحيحين عن جابر ﵁ قال: " كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل لو كان شيء ينهى عنه لنهانا عنه القرآن " (١) .
والحديث فيه دليل على فعل الصحابة للعزل في زمن التشريع ولو كان حرامًا لما أقرهم الوحي عليه.
ب- واستدلوا كذلك بما رواه أحمد وأبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي جارية، وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وأن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى قال: كذبت اليهود لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه (٢) .
وجه الإستدلال من هذا الرواية، أن الرسول ﷺ فند مزاعم اليهود في تسميتهم العزل بالموءدة الصغرى: وقوله: " لو أراد الله أن يخلقه ... الحديث" معناه أنه تعالى إذا قدر خلق نفس فلا بد من خلقها بأن يسبق الرجل ماؤه من غير شعوره فلا يقدر على دفعه فينفذ الله ما قدره، وفي هذا دليل على جواز العزل (٣) .
وقد جزم ابن حزم الظاهري بتحريم العزل (٤) . وقالت الزيدية بكراهيته (٥) .
وقد استدل الظاهرية بما رواه مسلم عن جذامة بنت وهب قالت حضرت رسول الله ﷺ في أناس وهو يقول: " لقد هممت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر ذلك أولادهم شيئًا ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ " ذلك الوأد الخفي " (٦) والغيلة والغيال بكسر الغين، والمراد بها مجامعة الرجل امرأته وهي ترضع وقيل هي: أن ترضع المرأة وهي حامل، ويعتبر الأطباء ذلك داء، وكانت العرب تكرهه وتتقيه، وقد فند النبي ﵊ هذه المزاعم لما ثبت عنده من فعل فارس والروم ذلك دون أن يلحق أولادهم ضرر من جرائه (٧) .
стр. 5063
وجه الاستدلال في هذه الرواية كما يراها ابن حزم هو: أن النبي ﵊ اعتبر العزل بمثابة الوأد الخفي وذلك أمارة التحريم، وغيرها من الروايات مرجحة لأصل الإباحة ورواية جذامة تمنع، فمن يدعي إباحة العزل بعد منعه فعليه البيان (١) .
جواب الجمهور على ما استدل به ابن حزم:
أ – إن حديث جذامة معارض بما رويناه من أحاديث صحيحة، ويمكن الجمع بين رواية جذامة وغيرها، بحمل النهي الوارد في حديث جذامة على التنزيه.
ب- إن قوله ﷺ " الوأد الخفي " في رواية جذامة بنت وهب لا يفهم منه التحريم صراحة، لأن التحريم يثبت للوأد المحقق الذي فيه قطع حياة محققة، والعزل وإن شبهه ﷺ به فإنما هو قطع لما يؤدي إلى الحياة والمشبه دون المشبه به، وإنما سماه وأدًا لما تعلق به من قصد منع الحمل (٢) وبهذا يرجح رأي الجمهور.
الحالة الثانية:
وهي ما إذا تعمدت المرأة إسقاط النطفة بعد تكوينها في رحمها وذلك باستعمال العقاقير الطبية أو إجراء عملية جراحية أو ما أشبه ذلك، وهو ما يعبر عنه بالإسقاط أو الإجهاض، وقبل أن أنقل رأي الفقهاء في الاعتداء على الجنين بما ذكرناه أود أن أبين هنا مراحل تكوين الجنين بقدر ما له صلة بموضوع بحثنا هذا.
стр. 5064
أطوار الجنين في الرحم:
لقد تناول القرآن الكريم أطوار الجنين في رحم أمه من وقت التلقيح الذي هو أصل التكوين الجنيني حتى مرحلة نفخ الروح فيه وتكوين العظام وإكسائها باللحم ثم جعله إنسانًا كامل الخلقة، وكل هذه الأطوار يتناولها قول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١) يتعرض القرطبي في تفسيره للأطوار الثلاثة التي يمر بها الجنين منذ بدء تكوينه ويفسر كل طور من هذه الأطوار، ومن المفيد أن ننقل ما قاله ﵀ بهذا الخصوص.
النطفة: " وهي المني، سمي نطفة لقلته، وهو القليل من الماء وقد يقع على الكثير منه ".
العلقة: وهو الدم الجامد، والعلق الدم العبيط، أي الطري، وقيل الشديد الحمرة.
المضغة: وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ ومنه الحديث ألا وإن في الجسد مضغة" (٢)
والأطوار المذكورة عدتها أربعة أشهر وحكي عن ابن عباس قوله: وفي العشر بعد الأشهر الأربعة ينفخ فيه الروح فذلك عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر. (٣) ، وجاء الحديث الشريف مؤكدًا الأطوار المارة الذكر التي ذكرها القرآن الكريم، ففي الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.. " (٤)
ومما مضى تأكد بأن نفخ الروح في الجنين يكون بعد مائة وعشرين يوما، وذلك محل اتفاق بين جميع العلماء، وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع وفي وجوب النفقات على حمل المطلقات وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف (٥)
стр. 5065
رأي العلماء في الاعتداء على الجنين بالإجهاض:
بعد هذه العرض لتكوين الجنين في رحم أمه والأطوار التي يمر بها، أذكر ما قاله فقهاؤنا ﵏ بخصوص جواز إسقاطه أو عدم جوازه، وفي أي مرحلة من مراحله يجوز الإسقاط؟
اتفق الفقهاء: على القول بتحريم الإجهاض بعد نفخ الروح في الجنين، أما قبل النفخ فقد اختلفت آراؤهم وذلك على النحو التالي:
أجاز الحنفية في كثير من كتبهم الإسقاط بعد الحمل، ما لم تنفخ فيه الروح ولن يتحقق ذلك إلا بعد مائة وعشرين يومًا كما قلنا، ولم يشترط أصحاب هذا الرأي من فقهائهم إذن الزوج في الإسقاط قبل المدة المذكورة، جاء في الدر المختار: " يباح إسقاط الولد قبل أربعة أشهر ولو بلا إذن الزوج".
وحكى ابن عابدين عن بعض كتب المذهب ما يفيد الكراهية، إن تم الإسقاط بدون عذر، فقد نقل عن الذخيرة ما نصه.. " لو أرادت الإلقاء قبل مضي زمن ينفخ فيه الروح هل يباح لها ذلك أم لا؟ اختلفوا فيه وكان الفقيه علي بن موسى يقول أنه يكره، فإن الماء بعدما وقع في الرحم مآله الحياة، فيكون له حكم الحياة كما في بيضة صيد الحرم، ونحوه في الظهيرية ".
ومن المفيد في ذلك ما نقل عن ابن وهبان، من أن وجود العذر يبيح الإجهاض قبل أربعة أشهر، وذلك كأن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل، وليس لأبي الصبي ما يستأجر به الظئر ويخاف هلاكه. وفي القول بإباحة الإسقاط هذا استنتج صاحب كتاب النهر، بأنه يجوز للمرأة سد فم رحمها، كما تفعله النساء دون اشتراط إذن الزوج، وقد خالف بذلك رأي صاحب البحر الذي اشترط لذلك إذنه، قياسًا على عزله بغير إذنها، فإنه لا يجوز له ذلك، كذلك الأمر هنا.
وفي حالة عدم رجوع الزوجة إلى أخذ رأي زوجها، فإنه يحرم عليها ما تفعله من سد فم رحمها (١) .
стр. 5066
وقد تشدد المالكية في هذه المسألة، إذ منعوا إسقاط الجنين ولو قبل الأربعين يومًا على ما هو المعتمد في المذهب. جاء في الشرح الكبير للدردير " ولا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يومًا، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعًا " (١) . وجاء في الخرشي ما يؤيد ذلك أيضًا فقد نص على ما يلي: " لا يجوز للمرأة أن تفعل ما يسقط ما في بطنها من الجنين، وكذا لا يجوز للزوج فعل ذلك ولو قبل الأربعين، وقيل يكره قبل الأربعين للمرأة شرب ما يسقطه إن رضي الزوج بذلك" (٢) . على أن الخرشي قد نقل عن أحد أئمة المذهب ما يفيد جواز الإسقاط قبل الأربعين (٣)
وعلى هذا الرأي، يكون للمالكية رأيان في جواز إسقاط ما في الرحم قبل الأربعين يومًا، الجواز وعدمه، أما بعد الأربعين فلا يجوز إسقاطه قولًا واحدًا.
أما الشافعية فمذهبهم تصوره عبارة البجيرمي نقلًا عن ابن حجر إذ يقول: " اختلف الشافعية في سبب الإسقاط ما لم يصل لحد نفخ الروح فيه، والذي يتجه وفاقًا لابن عماد وغيره الحرمة" وفرق بين ذلك وبين العزل، فإن المني حال نزوله محض جماد ولم يتهيأ للحياة بوجه (٤) بخلافه بعد استقراره في الرحم، وأخذه في مبادئ التخلق. ثم يمضي البجيرمي قائلًا: إن في بعض الكتب خلاف ذلك أخذا من قول ابن حجر والذي يتجه الحرمة.
ومقتضى ذلك أن بعض الشافعية يقول بعدم حرمة الإسقاط قبل نفخ الروح، واستنتج البجيرمي من قول ابن حجر- " وأخذه في مبادئ التخلق " أنه يفيد عدم الحرمة قبل ذلك (٥)
وقد نص الشبراملسي أنهم اختلفوا في جواز التسبب في إلقاء النطفة بعد استقرارها في الرحم، وأن أبا إسحق المروزي يجوز إلقاء النطفة والعلقة. ونقل عن الغزالي: أورد في بحث العزل، ما يدل على تحريمه وقال: إنه الأوجه لأنه بعد الاستقرار آيلة للتخلق (٦) .
стр. 5067
وجاء في موضع آخر من نهاية المحتاج، اختلف في النطفة قبل تمام الأربعين على قولين: قبل لا يثبت لها حكم السقط والوأد، وقيل لها حرمة ولا يباح إفسادها، ويتجه أبو بكر بن أبي سعيد القرافي، إلى جواز الإسقاط في فترتي النطفة والعلقة، أي قبل التخلق في مرحلة المضغة، ونقل الشبراملسي عن الغزالي أيضًا ما حاصله: أن العزل ليس كالاستجهاض والوأد وأن مراتب الوجود، دفع نطفة الرجل في الرحم فيختلط بماء المرأة فإفسادها جناية، فإن صارت علقة أو مضغة فالجناية أفحش، فإن نفخت الروح واستقرت الخلقة زادت الجناية تفاحشًا ثم قال الغزالي: ويبعد الحكم بعدم تحريمه، ثم عاد فتردد بقوله: قد يقال إن الإجهاض قبل نفخ الروح لا يقال إنه خلاف الأولى بل يحتمل التنزيه والتحريم ويقوي التحريم فيما قرب من زمن النفخ، ثم قال: نعم لو كانت النطفة من زنى فقد يتخيل الجواز فلو تركت حتى نفخ فيها فلا شك في التحريم (١)
ويبدو من مسلك الغزالي هنا كما يقول الأستاذ مدكور، " أنه باحث متحفظ يريد أن يطرق الاحتمالات التي يمكن الذهاب إليها، وأنه لا ينقل عن أئمة الفقه الشافعي على طريقته في الورع الصوفي والنظر الفلسفي، غير أنه استطاع أن يجزم على طريق النظر الفقهي بما أشرنا إلى أنه مجمع عليه , وهو أنه لا شك في تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح، وإن كان لم يشر إلى حالة وجود الفرد اعتمادًا على القواعد الفقهية العامة، كما أنه جزم بحثًا فقهيًا لم يسنده إلى أحد بأن النطفة من الزنا إذا تركت حتى نفخ فيها فلا شك في التحريم، وكأنه يرى أن ذلك يلتحق بالوأد المحرم ومعنى يشترك فيه ابن الزنا وابن الفراش (٢)
وذكر الخطيب الشربيني، أن المرأة الحامل إذا دعتها الضرورة إلى شرب دواء فشربته ثم أجهضت فينبغي أن لا ضمان عليها في هذه الحالة، كما قال الزركشي بخلاف ما إذا صامت فأجهضت فإنه تضمن دية الجنين (٣) .
ومن هنا يظهر لي بأن الإجهاض لعذر لا إثم فيه على رأي الشافعية بناء على قول الزركشي هذا، وبهذا يتضح أن الشافعية لا يختلفون عن غيرهم ممن قدمنا كثيرًا في مسألة العزل وإن كانوا يقتربون في مسلكهم الفقهي وذكر الخلافات من مسلك الحنفية على ما أوردناه.
стр. 5068
ويصور لنا ابن قدامة مذهب الحنابلة فيقول: تجب في الجنين إذا سقط من الضربة ميتًا وكان من حرة مسلمة الدية، وقيمتها خمس من الإبل، ولا فرق بين أن يخرج جميع أجزاء الجنين من الضربة أو بعضه، ولو أن رجلا ضرب حاملًا أو ضرب من في جوفها حركة أو انتفاخ فسكن الحركة وأذهبها لم يضمن الجنين، معللًا ذلك بقوله: " لأن الحركة يجوز أن تكون لريح في البطن سكنت ولا يجب الضمان بالشك" (١) . فإن أسقطت المرأة من جراء الضربة ما ليس فيه صورة آدمي فلا شيء فيه، لعدم التيقن من كونه جنينا، " وإن ألقت مضغة فشهد ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية ففيه غرة، وإن شهدت أنه مبتدأ خلق آدمي لو بقي تصور ففيه وجهان: أحدهما لا شيء فيه، لأنه لم يتصور فلم يجب فيه كالعلقة، ولأن الأصل براءة الذمة فلا نشغلها بالشك. والثاني فيه غرة لأنه مبتدأ خلق آدمي، أشبه ما لو تصور وهذا يبطل بالنطفة والعلقة " (٢) .
ومن خلال ما قاله ابن قدامة هنا بعد إلزام الضارب بشيء فيما لو أسقط ما لم يتصور أو كان نطفة أو علقة، يظهر بأن الحنابلة لا يختلفون عن غيرهم من الفقهاء الآخرين، في القول: بجواز إسقاط الجنين ما دام في مراحل تكوينه الأولى من نطفة أو علقة، بخلاف ما لو تصور بمعنى بان خلقه، فلا يحل إسقاطه لاحتمال نفخ الروح فيه.
ويرى الظاهرية كما يصور مذهبهم ابن حزم بقوله: " صح أن من ضرب حاملًا فأسقطت جنينًا فإن كان قبل الأربعة أشهر، فلا كفارة في ذلك " وهذا العبارة لا تدل على وقوع الإثم فلا يكون حرامًا، وقد علل ذلك بقوله: " لأنه لم يقتل أحدًا فلا كفارة إذ هي إنما تكون في القتل الخطأ ولا يقتل إلا ذو روح". (٣)
وإن كان الإجهاض قد حدث بعد الأربعة أشهر فإنه يوجب مع الغرة الكفارة التي هي كفارة القتل الخطأ لأن الجنين بعد مضي أربعة أشهر يكون قد نفخت في الروح الإنسانية.
стр. 5069
وفي مذهب الزيدية ما يؤيد اتجاه الفقهاء الآخرين، فيرون كما يحكي مذهبهم صاحب البحر الزخار " أنه يجوز القاء النطفة والعلقة والمضغة لأنه لا حرمة لهذه الأشياء" (١) . ونص في موضع آخر على أنه " لا شيء فيما لم يتبين فيه التخلق والتخطيط كالمضغة " ثم قال: " إنه لا كفارة في المستبين لأن النبي ﷺ قضى بالغرة ولم يذكر الكفارة".
خلاصة الآراء:
ومن كل ما عرضنا في هذا الموضوع يتبين أن الإتجاه، لا تختلف فيه وجهة النظر في أن الإجهاض بعد نفخ الروح عمدًا محرم شرعًا، وقد حكى اتفاق العلماء هذا ابن قدامة حيث قال: " وإذا شربت الحامل دواء فألقت به جنينًا فعليها غرة، لا ترث منها شيئًا وتعتق رقبة" (٢) ويمضي قائلًا:" ليس في هذه الجملة اختلاف بين أهل العلم نعلمه" (٣) .
وقد انفرد الزركشي من أئمة الشافعية، بجواز ذلك للأم عند الضرورة، كما حكاه الخطيب الشربيني والذي أشرنا إليه سابقًا.
أما قبل نفخ الروح في الجنين فقد اختلفت وجهات نظرهم على ما بينا.
والذي أرجحه في هذه المسالة: هو حرمة الاعتداء على الجنين بعد نفخ الروح فيه بأي وسيلة كانت، سواء بشرب دواء من الأم أو بإجراء عملية جراحية أو غير ذلك فيما لو تأكد لنا بث الروح فيه، لأن الإجهاض عليه إزهاق لروحه وهذا لا يجوز. وما ذهب إليه الزركشي من جواز ذلك عند الضرورة ينقصه الدليل.
أما قبل نفخ الروح في الجنين، فإن دعت الضرورة لإسقاطه كالخوف على هلاك الأم من مرض أو ما أشبهه، فلا أرى مانعًا من إسقاطه، أما إجهاضه لغرض تنظيم النسل بعد استقراره في رحم المرأة، فلا أرى جوازه؛ لأنه ليس بضرورة وبإمكان الزوجين الأخذ بالوسائل المشروعة لتنظيم النسل والذي فصلنا فيها القول عند كلامنا عن العزل.
стр. 5070
الخاتمة:
في ختام بحثنا لموضوع تنظيم النسل وتحديده، أود أن أبين ما يلي:
١ – إن تنظيم النسل وتحديده بالوسائل المشروعة التي تطرقنا إليها خلال البحث وقبل تكوين الجنين في رحم المرأة، ينطبق عليه حكم العزل الذي فصل العلماء فيه القول، وقد أباحه جمهورهم على أن لا يتخذ ذلك ذريعة لمنع الحمل بصورة دائمة، لأنه يتنافى مع توجيهات الشريعة الإسلامية التي تدعو إلى تكثير النسل.
٢ – بعد استقرار في رحم المرأة، وأخذ دوره التكويني سواء كان في طوره الأول النطفة أو الثاني العلقة أو الثالث المضغة، وقبل نفخ الروح فيه، فلا يباح إسقاطه إلا إذا دعت الضرورة إليه، كما ذكرنا ذلك قبل قليل.
٣ – وبعد بث الروح في الجنين، ويعرف ذلك عن طريق الأم، أو إخبار طبيب أو مولده، فلا أرى جواز إسقاطه لأي سبب من الأسباب، لما فيه من إزهاق الروح، وهو محرم شرعًا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..
الدكتور إبراهيم فاضل الدبو
стр. 5071
أهم مصادر البحث
بعد القرآن الكريم:
١ – الجامع لأحكام القرآن – أبو عبد الله محمد القرطبي، المتوفى ٦٧١هـ- مطبعة دار الكتاب العربي- الطبعة الثالثة ١٩٦٧م
٢ – روح المعاني – شهاب الدين السيد محمود الآلوسي – المتوفى ١٢٧٠هـ- إدارة الطباعة المنيرية- دار إحياء التراث العربي – بيروت.
٣ – سبل السلام- محمد بن إسماعيل الكحلاني ثم الصنعاني المتوفى ١١٨٢هـ شرح بلوغ المرام لأحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني- مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
٤ – الروضة الندية شرح الدرر البهية – لأبي الطيب صديق بن حسن القنوجي البخاري- الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ- دار الندوة الجديدة.
٥ – منتهى الإرادات – تقي الدين محمد بن أحمد الشهير بابن النجار– تحقيق الدكتور عبد الغني عبد الخالق – الناشر عالم الكتب.
٦ – الشرح الكبير – لأبي البركات سيدي أحمد الدردير- طبع بدار إحياء الكتب العربية – عيسى البابي الحلبي وشركاه.
٧ – حاشية الدسوقي على الشرح الكبير – للعلامة محمد عرفة الدسوقي.
٨ – الخرشي على مختصر سيدي خليل وبهامشه حاشية الشيخ علي العدوي – دار صادر بيروت.
стр. 5072
٩ – حاشية البجيرمي على المنهج، المساة التجريد بنفع العبيد على شرح منهج الطلاب لأبي يحيى زكريا الأنصاري – الطبعة الأخيرة مطبعة البابي الحلبي.
١٠- حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار- لمحمد أمين الشهير بابن عابدين - الطبعة الثانية – مطبعة مصطفى البابي الحلبي.
١١- إحياء علوم الدين لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي – مطبعة مصطفى البابي الحلبي – سنة الطبع ١٣٨٥هـ - ١٩٣٩م.
١٢- المهذب في فقه الإمام الشافعي - للفيروز آبادي الشيرازي – مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر.
١٣- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج- للخطيب الشربيني – مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة ١٣٧٧هـ ١٩٥٨م.
١٤- المغني – لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة على مختصر أبي القاسم عمر بن حسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي – مطابع سجل العرب ١٣٨٩هـ- ١٩٦٩م.
١٥- مختار الصحاح – لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي- الناشر دار الكتاب العربي.
١٦- الجنين والأحكام المتعلقة به في الفقه الإسلامي- للدكتور محمد سلام مدكور- الطبعة الأولى ١٣٨٩هـ - دار النهضة العربية بالقاهرة.
стр. 5073
تنظيم النسل وتحديده
إعداد
الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام
القاضي بمحكمة التمييز بالمنطقة الغربية
المملكة العربية السعودية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فهذه خلاصة ونبذة في حكم الشريعة الإسلامية الغراء عن موضوع (تنظيم النسل وتحديده) .
نستمد العون من الله تعالى في تحريرها وتطبيقها وفق الشريعة الإسلامية ثم نستمد ذلك من النصوص الكريمة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد ﷺ ، وكلام علماء المسلمين رحمهم الله تعالى.
فقد عودتنا هذه الشريعة الكريمة المعطاءة من الحلول الكافية لجميع مشاكل الحياة وأمورها مما يستجد فيها من وقائع وقضايا، فإنها الشريعة الكفيلة بتقديم كل ما يحل المشكلة المعترضة أو الواقعة الجديدة بكل ما يكفل نجاح المهمة.
ذلك أنها شريعة الله الخالدة التي جعلت لصلاح البشرية عبر قرونها الطويلة وستستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وهذه الشريعة لا بد أن يكون فيها عوامل البقاء والدوام ومقومات الشمول والعموم لتصمد في عطائها الحلول الكافية للإنسانية في كل زمان ومكان.
وبهذا فإننا على ثقة تامة – بحول الله تعالى وعونه- من أننا سنقدم في هذه القضية وغيرها ما يكفل الصالح العام ويضمن سلامة العاقبة، لتطمئن بها النفوس وترضى بها القلوب وترتاح إليها العقول.
تحديد النسل لغة:
الحد هو طرف الشيء ومنتهى غايته.
النسل لغة: الولد والذرية يقال: تناسل القوم إذا كثر نسلهم.
تعريفه اصطلاحا:
هو وضع حد ينتهي إليه نسل الأولاد بتقدير من الأبوين أو من الدولة لغاية مرادة بوسائل يظن أنها تمنع الحمل.
تاريخه:
أقدم ما حفظه التاريخ لمنع الحمل لغرض الحد من النسل هو ما وجد في الآثار الفرعونية، فقد كشف تنقيب الآثار عن وجود كتابات تدل على هذه المحاولة ترجع إلى ما قبل عشرين قرنا قبل ميلاد المسيح ﵇، مما يدل على قدم هذه الأفكار.
стр. 5074
الأمم التي عرفت بهذا:
تقدم أن هذه موجود عند قدماء المصريين منذ عهد الأسر الفرعونية.
وقد ذكر علماء الاجتماع أن هذه الظاهرة معروفة لدى الإغريق واليونان والصينيين.
وهي كذلك موجودة عند العرب في جاهليتهم بوسائل، منها قتل الأولاد التي نهى عنها القرآن الكريم بقوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (١) وبصورة وأد البنات كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٣) .
وجاء بصورة العزل وذلك بأن ينزع الرجل حينما يحس بقرب نزول شهوته.
وطرق محاولة تحديد النسل بمنع الحمل تختلف باختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة والثقافة.
أما تحديد النسل الذي وضحت لنا معالمه ومقاصده وأهدافه وعلمت دوافعه وعمل به كمبدأ اقتصادي وتنظيمي، فإن أول من علمنا به هو العالم الإنجليزي – مالتس روبرت – المولود- ١٧٧٦- والمتوفي – ١٨٣٤م. فقد قالت (الموسوعة العربية الميسرة) :
مالتس: اقتصادي إنجليزي اشتهر بنظريته في نمو السكان وتناقصهم وبين كيف يميلون إلى الزيادة بنسبة تجاوز كثيرا نسبة الزيادة في المواد الغذائية، وأن التوازن بين السكان والمواد الغذائية يتحقق بالكوارث كالحروب والمجاعات ولا يمكن الخلاص من هذه النتيجة إلا بالامتناع الاختياري عن الزواج أو تأخير ميعاده وتحديد النسل. اهـ.
وقد ضمن نظريته كتابه (بحث في مبادئ السكان) . وكان له أثر عميق في المعاصرين واللاحقين من رجال الاقتصاد والاجتماع والسياسة. اهـ.
وتلاه في نظريته كل من العالم الفرنسي – فرانسيس بلاس- والطبيب الأمريكي الشهير- تشارلس تون – ثم انتشرت في هذه السنين القريبة حينما وفرت الدول بالسكان العاطلين وحينما ناب الحديد والمعدات الثقيلة بالأعمال الشاقة عن الأيدي العاملة وضاق مجال العمل، وكثرت البطالة فصارت هذه الظاهرة الاجتماعية حجة لأصحاب هذا المبدأ السلبي ممن لا يواجهون مشاكل الحياة إلا بالتواري والانطواء.
стр. 5075
طرق تحديد النسل:
إن هناك حضارات كانت على ضفاف النيل، وهناك الإغريق وقدماء اليونان من تلك الأمم التي لم يصل إلينا من حضارتهم وأساليب عيشهم وأحوالهم الاجتماعية إلا النزر اليسير الذي لا يعطي حكما يقينيا على طرقهم في ذلك، فمع عظمة ما خلد من آثارهم التي توحي بوجود علم واسع وحضارة عريقة، فإن معرفة تلك الطرق لا تعنينا في بحثنا هذا وإنما تعني رجال الآثار وعلماء التاريخ.
أما وجوده عند الأمة البدائية وهي العرب في جاهليتها فهو العزل حال الجماع، وذلك بإخراج العضو التناسلي ليريق ماءه خارج الفرج.
فهذا الذي قال بعض الصحابة عنه: كنا نعزل والقرآن ينزل.
وللعرب طرق في تقليل النسل وذلك بقتل الأولاد عامة من ذكر وأنثى كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (١) وكذلك يئدون البنات، والوأد هو دفنها حية حتى تموت، ولذا قال تعالى ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٢) وقال تعالى ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٣)
فكان الوأد عند بعض القبائل العربية وليس عند جميعهم، بل بلغت الرأفة والرحمة ببعضهم أنه كان يفتديها ويشتريها من أهلها فيربيها أحسن تربية، كما قال الفرزدق التميمي يفخر بقومه:
ومنا الذي أحيا الوئيدة غالب
وعمرو ومنا حاجب والأقارع
ولقساتهم في الوأد طريقان:
قال في – بلوغ الأرب- للشيخ محمود شكري الألوسي: كيفية الوأد أن الرجل من العرب كان إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية.
وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها وقد حفر لها بئرا في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر مع الأرض.
الطريق الثاني: ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: كانت الحامل إذا قربت ولادتها حفرت حفرة فمخضت على رأس تلك الحفرة إذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة وإذا ولدت ولدا حبسته.
стр. 5076
طرقه الحديثة:
بعد أن تقدم الطب وتقدمت وسائله وأجهزته صار لمنع الحمل عدة طرق:
قال الدكتور الطيب الفاضل محمد بن علي البار في كتابه (خلق الإنسان بين الطب والقرآن) : وطرق منع الحمل كثيرة جدا نوجزها فيما يلي:
١ – استعمال الرفال (جلد يغطي الإحليل) .
٢ – استعمال الحواجز والقلنسوة لتغطية عنق الرحم.
٣ – استعمال المراهم واللبوس (التحاميل) القاتلة للحيوانات المنوية.
٤ – تنظيم الجماع بحيث يقع في أول الدورة الشهرية وآخرها. ويجتنب وسطها الذي تخرج فيه البييضة من المبيض.
٥ – استعمال حبوب منع الحمل وهي أنواع كثيرة.
٦ – استعمال أداة داخل الرحم (اللولب) وهو أنواع كثيرة تزيد على المائة.
٧ – تعقيم الرجل أو المرأة فتعقيم الرجل – الآن – بربط الحبل المنوي وقطعه، وأما تعقيم المرأة فبإزالة المبيض والرحم أو إزالة الرحم وهذا في حالة مرض الرحم. وأما الطريقة الشائعة فتكون بقطع قناتي الرحم وربطهما وتسمى – ربط الأنابيب.
أغراض تحديد النسل:
مادمنا عرفنا أن هذه (العادة) أو هذا (التنظيم) معروف لدى الأمم الماضية والباقية فإن المقاصد منه والهدف من ممارسته تختلف اختلافا كبيرا متباينا لا يمكن حصره في غرض واحد من الأغراض ولكن سنحاول أن نذكر ما وصل إليه علمنا من هذه الأهداف.
أولا: علمنا أنه موجود عند قدماء المصريين واليونان وعند الإغريق والصينيين ولكننا نجهل – الآن – الدوافع التي تدعو إليه، ولعلها ترجع إلى قضايا اقتصادية أو اعتقادات دينية، فهذان الأمران هما موضع الاهتمام عند عموم البشرية ولم تقم الحروب وتشعل الفتن إلا لأجل هذين الأمرين.
стр. 5077
ثانيًا: الذين وصلت إلينا أخبارهم هم العرب قبل الإسلام فكان قتل الأولاد عامة شائعا عند كثير من قبائل العرب، وكذلك وأد البنات كان موجودا عند بعض القبائل العربية. فكانوا يقتلون أولادهم من وجود الفقر كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (١) بل يبلغ بهم الأمر إلى قتلهم خشية الفقر كما قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٢) .
وقد جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود، أنه سأل رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " قلت: ثم أي؟ قال: " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك".
ومن أغراضه عند بعض العرب أنهم يئدون بناتهم خشية العار فكانت الحروب تقع بينهم، وكانت القبيلة المنتصرة تستولي – فيما تستولي عليه – على نساء القبيلة المغلوبة المقهورة وهذا من أشق الأمور عليهم أن تكون نساؤهم تحت أعدائهم فكانوا لا يستحيون منهن إلا ما دعت إليه ضرورتهم.
وتعظم الغيرة عليهن ويزيد الحقد عليهن حينما يخيرن بعد السبي فيخترن من سباهن على أهلن فكره ذلك عند ولادة البنت لتخلصوا منها بأبشع صورة.
وروي أن أول قبيلة وأدت من العرب ربيعة، وذلك أنهم أغير عليهم فنهبت بنت أمير لهم فاستردها بعد الصلح، فخيرت بين أبيها وبين من هي عنده فاختارت من هي عنده وآثرته على أبيها، فغضب وسن لقومه الوأد ففعلوه غيرة منهم ومخافة أن يقع لهم مثل ما وقع، وشاع ذلك في العرب وغيرهم والله أعلم.
وما زالت هذه العادة في العرب حتى جاء الإسلام فهذبهم وعلمهم وزكاهم بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٤) .
стр. 5078
ولما سئل الرسول ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " قلت: ثم أي؟ قال: " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ". حبب إليهم الأبناء بقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١) كما وعدهم الخير بتربية البنات والإحسان إليهن فقال ﷺ : " من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار ". متفق عليه.
ورفع من قدر الزوجة فقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "استوصوا بالنساء خيرا".
وجاء في خطبته العظيمة يوم عرفة أنه قال ﷺ : " استوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم، إلا أن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا".
وقال ﷺ : " خياركم خياركم لنسائهم " رواه الترمذي بإسناد الصحيح.
فبهذه النصوص الكريمة وأمثالها هذب الإسلام طبائع العرب وأزال منها الوحشية والهمجية، حتى صار للنساء شأن كبير ومكان شريف في المجتمع الإسلامي، وأصبحن شقائق الرجال فيما لهن من الحقوق وما عليهن من الواجبات، وأصبحت المرأة إنسانا كامل الحرية مطلق التصرف، وهذا كله بفضل هذه الشريعة الكاملة العادلة التي أعطت كل ذي حق حقه.
المنادون به:
لم يصل إلينا علم عن القرون الماضية: هل نادت به واتخذته لها عقيدة دينية أو نظاما وضعيا أو مبدأ اقتصاديا أو غير ذلك من مقاصدها في رعاياها؟ وإنما الذي وصل إليه علمنا أنه كان موجودا لديها.
أما العرب قبل الإسلام فإنه كان موجودا لديهم ولكنه على مستوى الأفراد وليس نظاما قبليا تسير عليه القبيلة في ذريتها.
ولما جاء الإسلام قضى عليه في جملة ما قضى عليه من أعمالها الجاهلية المستنكرة وعاداتها القبيحة الممقوتة، ولذا فإنه لم يعرف كنظام تسير عليه الدولة إلا حينما نادى به أحد علماء الاقتصاد في بريطانيا وهو العالم – مالتس – وذلك في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.
ثم تلاه على هذا المبدأ الاقتصادي العالم الفرنسي – بلاس- والطبيب الأمريكي- تشارلس – ثم شاع وانتشر كتنظيم سكاني ومبدأ اقتصادي، وقد تبنت هذه النظرية ودعمتها وعززتها منظمة – اليونسكو – التي تعمل لصالح أعداء الإسلام ممن تحركهم الصهيونية العالمية وقد قبل هذه الفكرة بعض المسلمين، إما لسوء نية أو حسن نية.
стр. 5079
أهداف القائلين به:
أما أهداف القرون الأولى فهي مجهولة لدينا كجهلنا بكثير من أحوالهم ولكن بصفتها أمما ذات حضارة عريقة فلا بد أن لها في سياستها مبادئ خاصة ولها نظامها الاجتماعي وسياستها الخاصة التي ترى أنها تلائم أحوالها ووضعها.
وعليه فإننا نرجح أنها أخذت بمبدأ تحديد السكان إما لمبدأ سياسي أو حصانة أمنية أو مبدأ اقتصادي لدى مفكريها.
أما الذي وصلت إلينا أخبار أهدافهم ومقاصدهم فهم عرب الجزيرة العربية إبان الجاهلية فيهم والهمجية والوحشية المتفشية فيهم، والفقر المدقع الذي يرزحون تحت وطأته مع ما هم عليه من الغيرة الشديدة على محارمهم ونسائهم اللاتي لا يهون عليهم أن يَكُنَّ عند أعدائهم.
وهذه الأهداف في العرب قبل الإسلام سجلها القرآن الكريم عليهم فذكر أن بعض العرب يقتلون أولادهم من البنين والبنات إما لوقوع الفقر فيهم كما قال تعالى " ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ (١) أو يقتلونهم خشية الفقر أن يحل بهم كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٢) .
وجعل النبي ﷺ من أعظم الذنوب قتل الولد خشية أن يطعم مع أبيه.
وأما قتل البنات وهو ما يسمى بالوأد وذلك بأن يدفنها وهي حية حتى تموت فهذا من أجل العار كما تقدم. فكانوا يستقلون من النساء ويتخففون منهن بقدر استطاعتهم فلا يستحيون منهن إلا ما تدعو إليه ضرورتهم.
على أن وأد البنات ليس عاما في قبائل العرب، وإنما هو موجود في بعض القبائل العربية، ومن القبائل التي لم تمارس الوأد قبيلة قريش، تلك القبيلة التي شرفها الله تعالى بمجاورة البيت الحرام كما شرفها ببعثه محمدا فيهم، فهذه القبيلة لها من الحصانة والأمان ما يستوجبا الإعظام في نفوس العرب والاحترام الاجتماعي في الجزيرة العربية، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٣)
ولذا غلط بعض المؤرخين الذين نسبوا إلى عمر بن الخطاب ﵁ أنه واد إحدى بناته في الجاهلية، فهو خطأ واضح وغلط فادح فلم تكن هذه العادة في قريش أبدا.
стр. 5080
أما اتخاذ – تحديد النسل – مبدأ اقتصاديا تسير عليه الدولة كمحاولة لتحديد السكان بقدر ما يتوقع من وجود المواد الغذائية، فهذا لم يعرف إلا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، حينما ألف العالم الاقتصادي – مالتس- كتابه عام (١٧٩٨م) في مشكلة السكان والذي جاء فيه العبارة التالية:
" إن العالم مقدم على تزايد هندسي في عدد السكان كل (٢٥سنة) بينما تزايد المواد الغذائية يسير بنسبة حسابية متوالية".
ومعنى هذه النظرية: أن التزايد الهندسي يكون بالضعف دائما أبدا فإذا كان عدد السكان مثلا مليونا فإنه بعد (٢٥سنة) يكون مليونين وبعد (٢٥سنة) أخرى يكون أربعة ملايين وبعد (٢٥سنة) أخرى يكون ثمانية ملايين وبعد (٢٥سنة) رابعة يكون (ستة عشر مليونا) .
بينما لو كان الموجود من المواد الغذائية اليوم – طنا – وزاد في (٢٥سنة) ثالثة يزيد طنا واحدا وفي (٢٥سنة) رابعة يزيد طنا واحدا. ففي مائة سنة تكون نسبة زيادة السكان إلى زيادة المواد الغذائية بمعدل – أربعة أمثال – فنادى – مالتس – آنذاك بتحديد النسل تفاديا – في نظره – لهذا الخطر المتوقع.