أقول: فتراه ﷺ قد نهى عن تزوج العاقر التي لا تلد واستدل بقول يعقوب النبي الذي قد أمر بثقل الأرض بتسبيح الذرية مهما استطاع وقد أمر ﷺ بتزوج السوآء الولود ومعلوم أن كون المرأة سوآء غير مندوبة عنده كما تدل عليه كلماته الأخر مثل قوله ﷺ وآله: ((أفضل نساء أمتي أصبحهن وجهًا وأقلهن مهرًا)) (١) . بل إن مراده ﷺ أن كون الزوجة ولودًا كثيرة الولادة والأولاد مطلوب جدًّا حتى إنه لو دار الأمر بين الجميلة غير الولود والسوآء الولود فالسوآء الولود هي الأولى والمتعينة. ويستفاد من نقل كلام النبي يعقوب ﵇ أن كثرة الولد وثقل الأرض بتسبيحه مندوب في جميع الشرائع الإلهية.
٦ - وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ وآله ((تزوجوا بكرا ولودا ولا تزوجوا حسناء جميلة عاقرًا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة)) (٢) .
٧ - وفي رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله ﵇، قال: قال رسول الله ﷺ وآله: ((أكثروا الولد أكاثر بكم الأمم غدا)) (٣) .
٨ - وفي سنن البيهقي بإسناده عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ وآله: ((تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة.)) خ. ((ولا تكونوا كرهبانية النصارى)) (٤) .
٩ - وفيها قال عمر بن الخطاب والله إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبح الله (٥) .
стр. 5147
١٠ - وفيها بإسناده عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب ومال إلا أنها لا تلد، أفأتزوج بها؟ فنهاه رسول الله، ثم أتاه الثانية فقال له مثل ذلك فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال له مثل ذلك فقال رسول الله ﷺ وآله وسلم: ((تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم)) (١) . وأخرجه الحاكم في المستدرك بتقديم (الولود) ، وقال: إن هذا حديث صحيح الإسناد. وصححه الذهبي في التلخيص. وأخرجه النسائي في سننه في باب كراهية تزوج العقيم. وأخرجه أبو داود أيضًا في سننه في باب النهي عن تزوج من لم تلد من النساء.
١١ - وفيها بإسناده عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ وآله وسلم يأمرنا بالباءة (بالنساء. خ د) وينهانا عن التبتل نهيا شديدا ويقول: ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء (الأمم، خ ل) يوم القيامة)) (٢) .
١٢ - وفيها بإسناده عن أبي أذينة الصدفي أن رسول الله ﷺ وآله وسلم قال: ((خير نسائكم الودود الولود المواتية المواسية إذا اتقين الله)) الحديث (٣) .
١٣ - وفي سنن ابن ماجه بإسناده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ وآله وسلم: ((انكحوا فإني مكاثر بكم الأمم)) (٤) . إلا أن في السند طلحة بن عمر والمكي الحضرمي وقد ورد عن الزوائد أنه متفق على تضعيفه.
ونكتفي بهذا المقدار وهي باقة من النصوص كثيرة في هذا الصدد.
ثانيًا: - كما تمسك أنصار هذا الرأي بالدافع الفطري الذي يحقق استمرار النوع البشري عن طريق التوالد وأن أي وقوف أمامه يعني مخالفة الفطرة بل وسوء الظن بالله تعالى الذي أرسل هذا الدين فطريا، وضمن للإنسان رزقه بشكل واضح، وأكد أن الطبيعة كافية تماما لكل ما يحتاجه أبناء الإنسان، أما النقص فهو ناتج من ظلم الإنسان وكفره ﴿وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (٥) .
стр. 5148
ثالثًا: كما ركزوا على الدوافع الاستعمارية والصهيونية والإباحية للقائلين بتحديد النسل وأشاروا من خلال ذلك إلى الحرب الديموغرافية التي يشنها الأعداء ضد الأمة الإسلامية لتقليل عددها وإضعاف قوتها.
رابعًا: على إبطال كل الدوافع المدعاة لهذا التحديد.
من خلال مناقشة نظرية مالتس التي تؤمن بأن (التصاعد العددي لنمو الإمكانات الغذائية لا يمكنه اللحوق بالتصاعد الهندسي للتوالد البشري) تعرضوا للرد عليها بالحجة وإبطالها، ثم حاولوا التشكيك في دلالة الروايات على جواز العزل أو قالوا بأنها لحالات فردية خاصة ولا يمكن استفادة الإطلاق في الجواز منها.
أنصار إمكان التنظيم ومستندهم:
أما أنصار إمكان تنظيم النسل فهم يركزون على ما يلي:
أولًا: الاستناد إلى الأحاديث التي تجيز (العزل) والتي على أساسها أفتى أئمة المذاهب الأربعة بجوازه مع إذن الزوجة بل أفتى مالك وأبو حنيفة والشافعي بالجواز دون تقيده بإذن الزوجة.
أما الإمامية فالمشهور لديهم هو جواز العزل
يقول الإمام الخميني (لا إشكال في جواز العزل. في غير الزوجة الدائمة الحرة وكذا فيها مع إذنها وأما فيها بدون إذنها ففيه قولان، أشهرهما الجواز مع الكراهية وهو الأقوى بل لا يبعد عدم الكراهة في التي علم أنها لا تلد وفي المسنة والسليطة والبذية والتي لا ترضع ولدها كما أن الأقوى عدم وجوب دية النطفة عليه وإن قلنا بالحرمة وقيل بوجوبها عليه للزوجة، وهي عشرة دنانير وهو ضعيف للغاية) (١) .
وهناك روايات في هذا الموضوع نذكر منها ما يلي:
١ - صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (ع) (يعني الصادق) عن العزل؟ فقال: ذاك إلى الرجل يصرفه حيث شاء.
٢ - وعن محمد بن مسلم عن الباقر (ع) قال: (لا بأس بالعزل عن المرأة الحرة أن أحب صاحبها وإن كرهت ليس لها من الأمر شيء) .
стр. 5149
٣ - وعن محمد بن مسلم عن أحدهما (أنه سئل عن العزل فقال: أما الأمة فلا بأس، فأما الحرة فإني أكره ذلك إلا أن يشترط عليها حين يتزوجها) .
٤ - وعن يعقوب الجعفي قال: سمعت أبا الحسن (ع) يقول: لا بأس بالعزل في ستة وجوه: المرأة التي تيقنت أنها لا تلد والمسنة والمرأة السليطة والبذية والمرأة التي لا ترضع ولدها والأمة.
٥ - جاء في الصحيحين عن جابر قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل) .
ثانيًا: الاستناد لأصل الإباحة في أصل الزواج وفي أصل الإنجاب خصوصا مع عدم تضرر أي من الجانبين ورضاهما.
ثالثًا: الاستناد إلى ما يترتب من ضرر فردي أو اجتماعي أحيانا وهذا أمر يشخصه الفرد في الحالة الفردية والحاكم في الحالة الاجتماعية.
ولقد حاول هؤلاء التركيز على أن الإسلام إذ يدعو لتكثير الذرية إنما يطلب بطبيعة الحال ما يمكن أن يباهي به النبي ﷺ الأمم الأخرى وهي الذرية الصالحة والولد الطيب، فإذا أدت كثرة الإنجاب إلى فقدان القدرة على التربية لم تكن محبذة إسلاميا.. وربما كانت قلة العيال أحد اليسارين.
وقد ركزوا لا على نظريات مالتس أو دواعي الغربيين وإنما على الأرقام الفعلية للنمو وضعف الإمكانات في قبال ذلك.
القول بالتفصيل:
وربما رأينا من يجنح للقول بالتفصيل بين الحالات الفردية والمنع الاجتماعي بحجة أن المباح على نوعين:
أ - ما يتفق مع حكم الأصل بأن ينطوي على فائدة عامة للفرد والمجتمع كالتمتع بالطيبات.
ب - ما لا يتفق مع حكم الأصل من الإباحة الأصلية العامة وإنما دخله حكم العفو أو الإباحة بالنسبة لأشخاص بأعيانهم أما المجال الأول فللحاكم الشرعي التدخل في منعه لمصلحة.
وأما الثاني فليس له ذلك ومسألتنا من هذا القبيل بل ربما يبدو من بعض العلماء قوله بعدم وجود أصل الإباحة فالأصل المنع إلا برخصة باعثة ويعتبر ذلك مما يقتضيه التفكير السليم (١) . ولا مبيح للتحديد على المستوى الجماعي.
стр. 5150
الرأي المختار:
يمكننا في مسألة جواز تنظيم الأسرة بتحديد النسل أن نلاحظ النقاط التالية لنصل إلى الرأي المختار في النتيجة:
النقطة الأولى: لا ريب - بملاحظة النصوص الكثيرة والمتنوعة - في أن الشريعة تحث على الإنجاب وتكثير النسل باعتباره مبدأ عاما وأصلا اجتماعيًّا يعتمده المسلمون، وقد بينت النصوص أن ذلك لكي تقوى به الأمة الإسلامية ويباهي بها الرسول باقي الأمم، وطبيعي ذلك باعتبار الأمة الإسلامية يراد لها أن تقود البشرية كلها حضاريًّا؛ لأنها خير أمة أخرجت للناس ولا يمكنها أن تحقق وظائفها وهي ضعيفة من حيث العدد الكمي.
إلا أن من الواضح أن التكاثر المراد ملحوظ فيه الجانب الكيفي أيضًا فالتركيز كله على الذرية الصالحة الطيبة المتقية التي تحمل أمانة الآباء وتخلفهم في حمل الرسالة الإسلامية والقيام بأعباء الخلافة الإلهية، وحينئذ فقط يفرح المجتمع الإسلامي بالإنجاب والتوالد الكثير.
ومن الواضح أيضا أن الإسلام من خلال ذلك يعطي رأيه في أمثال نظرية (مالتس) التي تتحدث عن بخل الطبيعة في مجال استيعاب معدلات النمو الإنساني في حين أننا نعلم أن الطبيعة تحوي طاقات ضخمة تستوعب أضعاف ما هو موجود اليوم إذا توفر أمران، أولهما شكر النعم الإلهية بالاستفادة الأفضل وتحسين أساليب الإنتاج باستمرار وعدم التبذير والإسراف في الاستهلاك وصرف الأموال على الحروب والأعمال المعادية للإنسانية أو التافهة، وثانيهما العدالة في التوزيع وضمان الحقوق الإنسانية التي ركز عليها الإسلام للإنسان كإنسان.
يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (١) . فالمشكلة الحقيقية تكمن في ظلم الإنسان وكفره.
стр. 5151
النقطة الثانية: ما هو المرجع عند الشك في حكم شرعي لم يمكن إثباته ولا نفيه؟ في مثل هذا المورد يتم البحث على صعيدين:
الأول: صعيد الأصل العملي العقلي.
الثاني: صعيد الأصل العملي الشرعي.
أما على الصعيد الأول: فهناك مسلكان.
المسلك الأول: وهو مسلك نفي الحكم التكليفي عند الشك فيه استنادًا إلى قاعدة عقلية هي (قاعدة قبح العقاب بلا بيان) .
والمسلك الثاني: مسلك حق الطاعة (كما يسميه السيد الصدر) وهو يؤمن بأن حق الطاعة للمولى الحقيقي حق واسع الأبعاد بحيث يشمل كل حكم تكليفي حتى ولو كان محتملا فقط ويؤمن هذا المسلك بأن العقل الإنساني الوجداني يؤمن بهذه السعة للمولى الحقيقي.
أما المسلك الأول فهو يركز على عدم وجود عقاب ما لم يقم دليل قطعي على الحكم مستدلا تارة بأنه لا مقتضى للتحرك وفق الحكم مع عدم الوصول القطعي للتكليف، والعقاب هنا قبيح عقلا.
والواقع أننا لو آمنا بضيق دائرة حق الطاعة بحيث لا تشمل التكاليف المشكوكة لكان هذا الكلام صحيحا ولكنه أول الكلام فيجب تحديد دائرة حق الطاعة أولا وهل تشمل التكاليف المحتملة أم لا؟
كما يستشهد أصحاب هذا المسلك بالعرف العقلاني الجاري بعدم العقاب عند عدم البيان ولكن يجب هنا التمييز بين المولى الحقيقي والمولى العرفي.
стр. 5152
وهناك أدلة أخرى ذكرت لهذا المسلك.
وعلى أي حال فإن آمنا بالمسلك الأول كان مقتضى الأصل العقلي عند الشك في أي حكم تكليفي هو البراءة العقلية من التكليف، وإن آمنا بالمسلك الثاني كان علينا الاحتياط العقلي.
هذا، إذا لم يكن هناك أصل شرعي في البين وقد ذكر العلماء أن الأصل الشرعي موجود ومقدم على الأصل العقلي وهو ما يسمى بالبراءة الشرعية من التكليف عند الشك فيه واستدلوا على ذلك بالكتاب الكريم والروايات.
أما الكتاب العزيز فقد استدلوا منه بآيات منها:
قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا﴾ (١) . وهذه الآية شاملة للشبهات الموضوعية والحكمية.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢) . فكلمة (الرسول) مثال على إرسال ما يوضح الحكم.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) .
أما من الروايات:
فقد ورد عن الصادق (ع) قوله: (كل شيء مطلق حتي يرد فيه نهي (٤) .
كما جاء في الحديث المرفوع عن النبي ﷺ قوله: ((رفع عن أمتي تسعة: الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة)) (٥) .
وضعف السند مجبور بشهرته والاستناد إليه وإذا شئنا التفصيل في البحث لزمنا الرجوع إلى الكتب الأصولية (٦) .
стр. 5153
ونخلص من هذا البحث إلى:
أنه في الموارد المشكوكة الحكم يكون الأصل العملي فيها البراءة الشرعية وحينئذ فارتكاب العمل مباح.
ولا معنى حينئذ للقول بالمنع ما لم يأت دليل مبيح ومسألتنا هنا موضوع لهذا البحث فليس هناك أي دليل على حرمة تحديد النسل وما ذكر من الأدلة المانعة لا يمكن أن تنهض على هذه الحرمة.
في حين أن حلية العزل بشرائطه دليل على إباحة التنظيم بلا ريب ولكن حتى لو لم تتم هذه الحلية فإن الأمر يبقي مشكوكًا والأصل الشرعي هنا هو البراءة عن الحكم التكليفي الإلزامي بعد أن لم يصلنا دليل قطعي على الحرمة.
النقطة الثالثة:
حول سعة دائرة ولاية الحاكم الشرعي.
وهنا بحوث مفصلة نحاول أن نذكر منها ما يرتبط بموضوعنا بكل اختصار:
ما هي مساحة الولاية؟
ما يمكن استفادته من الأدلة الشرعية أن الحاكم الشرعي يقوم بالوظائف التالية:
١ - التصرف في الأموال العامة وتوجيهها الوجهة الصحيحة.
٢ - إقامة الحدود الإسلامية.
стр. 5154
٣ - إصدار الأحكام في المساحة المباحة من التشريع الإسلامي كالإلزام بالمباح أو تحريمه تحقيقا لمصلحة اجتماعية ضرورية مثل تحديد الأسعار ومنع الاستيراد.
٤ - توحيد الموقف الاجتماعي كما في الأهلة والجهاد.
٥ - تشخيص موارد التزاحم الاجتماعي بين الأحكام فإذا ما تزاحم حكم شرعي اجتماعي مع حكم آخر ولم يكن بالإمكان الإتيان بهما معا كان من وظيفة الحاكم تشخيص هذا المورد وتقديم الأهم على المهم.
٦ - إلزام الأفراد بالعمل بواجباتهم وفق وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١) . وهل هناك فرق بين المباحات للأفراد والمباحات بشكل عام؟
لا تجد هناك ما يبرر هذا الفرق. إلا أن يقول أحد: إن الإسلام أراد لبعض الأحكام أن تكون مباحة دائما للأفراد كالزواج والطلاق والاستمتاع والحرية وليس للدولة الإسلامية أن تحد منها أو تضع لها قيودا حتى ولو كان ذلك بمقتضى مصلحة عامة ملزمة.
والظاهر: أن التأمل في نوع إباحة المشي والأكل المعين مثلا وإباحة الطلاق ينتهي إلى وجود فرق بينهما، من حيث كون النوع الثاني من الحلال الذي يعتمده الشارع حلالًا، وحينئذ فتجب مراعاة ذلك ولكن ذلك بالنسبة لأصل هذه والأمور لا لتقييداتها وحينئذ فللدولة الإسلامية إذا رأت المصلحة أن تقيد الزواج مثلا بالكتابة لدى كاتب العدل أو الطلاق ببعض القيود.
هذا إذا لم ينته الأمر إلى نوع من التزاحم بين بقاء هذه الإباحة مطلقة وبقاء النظام الاجتماعي العام وهو الأهم حتما فهو المقدم عقلا وشرعا.
وتحديد النسل بقانون هو في الواقع تقييد لهذا الحكم المباح ولا مانع منه بناء على ما قدمناه.
стр. 5155
النتيجة:
بعد معرفة المقدمات الماضية نستطيع أن نلخص الرأي المختار في موضوع بحثنا على النحو التالي:
أولًا: في الحالات الطبيعية يرى الإسلام الإنجاب وفتح المجال لتكثير عدد المسلمين لما يؤدي إليه ذلك من قوة لهم.
ثانيًا: للفرد عندما يرى حاجة لتحديد النسل وتنظيم الأسرة أن يستخدم إحدى الطرق المشروعة لذلك ومنها (العزل) مع مراعاة ما يشترطه الفقهاء أحيانًا من قبيل حصول رضا الزوجين وعدم الإضرار بحق الزوجة.
ثالثًا: ينبغي أن لا تلجأ الدولة الإسلامية إلى مسألة تحديد النسل بقانون مهما أمكن، وذلك:
أولًا: لأنه خلاف التوجه الإسلامي الاجتماعي العام.
ثانيًا: لأن فيه تضييقا لا مبرر له على المسلمين ولما فيه من صعوبة عملية شاقة الأمر الذي يلجئ للارتفاع بمستوى الإنتاج بمفهومه الواسع واستيعاب الطاقات الجديدة لتنتقل رأسا للقيام بالواجب الاجتماعي والنهوض بالأمة بدلا من العمل على التحديد.
وثالثًا: وعندما تواجه الدولة ضائقة عامة وتتحق المصلحة الملزمة لنوع من التنظيم والتحديد فلا مانع منه ولها القدرة للإلزام بهذا المباح إلى فترة معينة وبتعبير آخر لها القدرة على تقييد هذا الحكم المباح لصالح المجتمع حتى تمر الأزمة الاجتماعية ويعود الحال إلى وضعه الطبيعي.
ورابعًا: على أن للدولة الإسلامية أن تقوم بالتحديد لا على أساس ولايتها بل على أساس ما يتولد من الانفتاح المطلق من أَضرار اجتماعية كبرى إن قلنا بأن حديث (لا ضرر) يشمل الضرر الاجتماعي وسوء الحال في المجتمع، وهو الظاهر.
محمد علي التسخيري
стр. 5156
مسألة تحديد النسل
إعداد
الدكتور محمد القري بن عيد
باحث بمركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي
جامعة الملك عبد العزيز
جدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه ونصلي ونسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.
تعد قضية السكان واحدة من أهم المشاكل التي تواجه الدول النامية بما فيها أكثر بلدان المسلمين، والثابت ضمن المعرفة الاقتصادية المتاحة أن المجتمع النامي يواجه خيارا صعبا بين تحسين مستوى معيشة أفراده وبين إطلاق العنان للتزايد في عدد سكانه؛ لأن أحدهما لابد أن يأتي على حساب الآخر.
ولذلك تضطر البلدان التي يحقق سكانها معدلات نمو عالية ويعجز اقتصادها عن تحقيق متوسطات نمو كافية لتحسين مستوى معيشة الجميع إلى محاولة الحد من التزايد السكاني.
ولكن ذلك يواجه من جهة أخرى برفض شعبي سببه الاعتقاد الجازم عند أفراد المجتمع الإسلامي أن سياسة تحديد النسل غير جائزة في الشريعة الإسلامية.
إن مجتمعات الإسلام اليوم تختلف عنها بالأمس، فالمصالح صارت متشابكة والحياة معقدة، وكل قرار فردي له آثار اجتماعية مباشرة وغير مباشرة، والحكومة وهي الجهاز الضخم الذي تمس قراراته وسياساته حياة كل الأفراد في يومهم وفي غدهم، أصبحت واقعا يحتاج من جميع الأفراد إلى التنازل عن جزء من حرياتهم لكي يعاد تسخيرها لمصلحة المجموع لتحقيق ما يسمى في القاموس السياسي (المصلحة العامة) .
المشكلة التي تواجهها مجتمعات الإسلام اليوم هي إعادة فهم الأحكام الفقهية لكي تأخذ باعتبارها هذا الواقع الجديد، وكل ما تحتويه كتب الفقه حول تحديد النسل إنما يتعلق بالفرد والأسرة، أما السياسة العامة التي تستهدف السيطرة على زيادة عدد السكان فهي أمر مستجد ليس له أصل يقاس عليه، فمرده والحال هذه الأصول العامة للشريعة.
وقرار الفرد والأسرة بتحديد النسل أمر له طبيعة مختلفة عن السياسة العامة، فالأول يتخذ الوسائل البيولوجية طريقا إلى منع النسل، أما الثاني فقد يتبنى أساليب كثيرة منها سياسية واقتصادية وإعلامية بالإضافة إلى الطرق المباشرة لمنع التناسل والأهداف التي يسعى الفرد للوصول إليها من تحديد نسله أهداف شخصية مباشرة.
أما الأهداف العامة فقد تتعلق بأمور بالغة الأهمية والخطورة تمس حياة المجتمع بمؤسساته ومعتقداته وأجياله الحالية والمستقبلية.
لذلك صار لزاما علينا اليوم أن ننظر إلى هذه المشكلة من أبعادها المستجدة.
ونسأل الله العلي القدير أن يهدينا إلى الصواب ...
стр. 5157
استعراض سريع للكتابات في هذا الموضوع:
تعالج أكثر الكتابات الإسلامية في موضوع السكان هذه القضية من زاوية واحدة هي ما يسمى بتحديد النسل، ويكاد يتفق أكثر من كتب في هذا الموضوع من منطلق فقهي على عدم جواز تبني الدولة الإسلامية سياسة عامة يمنع بموجبها الأفراد من إنجاب أكثر من عدد من الأطفال تحدده الحكومة، أو تكره فيها النساء - بقوة القانون - على تناول حبوب منع الحمل، أو تلقي الحقن أو إجراء العمليات الجراحية المؤدية لقطع النسل بصورة مؤقتة أو دائمة، ولكنهم يختلفون فيما دون ذلك، فيميل أكثرهم إلى إباحة التحديد إذا كان ضمن نطاق الأسرة وكان معتمدًا على حاجة حقيقية ورضا مشترك من الزوجين، والأدلة التي يعتمد عليها من كتب في هذا الموضوع كثيرة بعضها عقلي وبعضها نقلي، ومن النوع الأول القول بأن لأي برنامج لتحديد النسل آثارا إجتماعية واقتصادية سيئة، مثل قلة السكان وتدهور الأخلاق وانتشار الفواحش بالإضافة إلى الأضرار الصحية التي يتركها تناول المركبات الكيماوية المتضمنة في وسائل منع الحمل على جسد المرأة، وإلى مخالفة منع الحمل للفطرة الإنسانية السليمة. وسنعرض أدناه لأفكار ما أطلعنا عليه من فقهاء ومفكري الإسلام المعاصرين الذين كتبوا في هذا المجال.
يقدم المودودي في كتابه (حركة تحديد النسل) . (١) استعراضا مستفيضا للحركة المذكورة، تاريخها وأهدافها وتجارب الأمم المختلفة معها ونتائجها المحتملة على الفرد وعلى المجتمع. ثم يقوم بتفنيد أدلة القائلين بها، ويقدم أخيرا اقتراحه لحل مشكلة السكان المتمثل في دعوته إلى (أن يُبْذَلَ مَزِيدٌ من الجهود الفعالة الجديدة لزيادة وسائل المعيشة واكتشاف الموارد الجديدة للرزق) (٢)
ويرى الشيخ أبو زهرة في كتابه (تنظيم الأسرة وتنظيم النسل) (٣) أن حركة تحديد النسل هي (دعاية أمريكية إنجليزية صهيونية) (٤) وأن (الأرض العربية بكر تحتاج إلى يد عاملة) (٥) وكما أن (النسل في ذاته ثروة، وأن أعلى مصادر الثروة هو القوى البشرية. (٦)
ويضيف آخرون أن الفكرة (أمريكية صهيونية استعمارية شيوعية إلحادية دخيلة علينا كمسلمين) (٧) ... وهكذا.
إن ما يهمنا في هذا الاستعراض هي الأدلة الفقهية والأصول الشرعية للموقف المذكور من قضية السكان؛ لأن هذا هو المعيار الصحيح للحكم على الآراء المطروحة.
стр. 5158
١ - موقف الفقهاء المعاصرين من سياسة تحديد النسل والأصول الشرعية التي يستمد منها:
رغم أن أكثر الكتاب الذين عالجوا قضية السكان من منظور شرعي لم يقدم تعريفا محددا لما يسمى بتحديد النسل، لكن الذي يفهم من تلك الكتابات أنها تنظر إلى تحديد النسل بأنه سياسة تتبناها الحكومة يتم ضمنها منع الناس من الإنجاب أو منعهم من ذلك إلا بإذن الحكومة، أو تحديد حد أعلى لعدد الأطفال بهدف تقليل النسل (١) ، أو وقف النسل الإنساني عن النمو والزيادة بقوة القانون أو بالتأثير الإعلامي (٢) . ويدخل في ذلك إقدام الأفراد بأنفسهم على الامتناع عن الإنجاب لأسباب اقتصادية كالخوف من الفقر ... إلخ.
والاتجاه العام لدى من تناولوا هذا الموضوع أنه لا يجوز تبني مثل تلك السياسة، واعتمدوا في ذلك على أدلة متعددة، منها عام يتعلق بالمقاصد الكلية للشريعة، ومنها خاص. وسوف نحاول أدناه معرفة ما إذا كان يستفاد من هذه الأدلة حكم شرعي على سبيل القطع في مسألة السكان.
أولًا: أدلة عامة:
استدل بعض من قال بعدم جواز تبني تلك السياسة بأدلة كلية وبديهيات معروفة وذلك لاستنتاج تناقض تلك السياسة مع المبادئ العامة للدين الإسلامي، من ذلك أن الإسلام دين الفطرة ولذلك فكل قوانينه موافقة للفطرة الإنسانية والتوالد والتناسل من مقتضيات الفطرة الإنسانية (٣) . وأن قوانين الإسلام للحياة الاجتماعية والاقتصادية مع تعاليمه الخلقية وتربيته الروحانية قد محت كل سبب أو داعية من تلك الأسباب والدواعي التي لأجلها نشأت حركة تحديد النسل (٤) . ومنها أن من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية إيجاد النسل وبقاء النوع الإنساني وحفظه. وقد روي عن الإمام أحمد عن أنس عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بالباءة وينهى عن التبتل (٥) ، وأن (هذه هي النظرة العامة للشريعة بالنسبة للنسل وهي تدعو إلى الإكثار فالأحاديث النبوية تحث عليه والقرآن دستور الأمة يشير إليه وهو الفطرة وتحديده يناقضها) (٦) . وأن الإسلام رغب في زيادة النسل وتكثير؛ لأن كثرة النسل تقوي الأمة الإسلامية اجتماعيا واقتصاديا وحربيا وتزيده عزة ومنعة (٧) .
стр. 5159
وكذلك (إن القرآن الكريم قد جاء في أحد مواضعه كقاعدة كلية أن ليس الإقدام على تغيير خلق الله إلا عمل من أعمال الشيطان ﴿وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] ، والمراد بتغيير خلق الله في هذه الآية أن يستعمل شيء لغير الغرض الذي خلقه الله لأجله) (١) فالغرض الأصلى من الزواج هو الاستبقاء على النوع البشري وإقامة الحياة المدنية (٢) ، وأن الإسلام يدعو إلى القوة كما في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الآية، والقوة أول ما تكون بالعدد والقاعدة الأصولية أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٣) ، وأن (من نظر وينظر إلى ما نزل بنا من الحروب وسفك للدماء وطحن للعدة والعتاد، واستشهاد الكثير من الرجال والأبناء يعلم يقينا أننا في حاجة ضرورية لكثرة النسل والإنجاب) (٤) .
أدلة خاصة:
سوف نورد أدناه أهم النصوص من الكتاب والسنة التي يستمد منها بعض الفقهاء ما يطلقونه من أحكام حول موضوع السكان.
أولًا: أدلة الكتاب:
قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] .
وقد استدل عدد من الكتاب بهاتين الآيتين الكريمتين على عدم جواز تحديد النسل؛ لأنهم قاسوا طرق منع الحمل ومنها العزل والإجهاض على قتل الأولاد (٥) وأن كليهما يشترك في الباعث وهو الخوف من الفقر وانخفاض مستوى المعيشة.
стр. 5160
ثانيا: الأدلة من السنة المطهرة:
أ - أحاديث التكاثر:
يروى عن الرسول ﷺ عدة أحاديث تفيد الحث على التكاثر أصحها (١) : ((عن معقل بن يسار ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنى أحببت امرأة ذات حسب ومنصب ومال إلا أنها لا تلد أفأتزوجها؟ فنهاه ثم أتاه الثانية، فقال له مثل ذلك، ثم أتاه الثالثة فقال له ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم..)) )) رواه أبو داود والنسائي والحاكم. وأخرج الإمام أحمد في المسند عن أنس ﵁ ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة)) .
ب - أحاديث النهي عن العزل:
وردت عدة أحاديث بحرمة العزل وبأنه الموءودة الصغرى وأخرى بإباحته، وقد أخذ بها فريق من العلماء حكموا بحرمته مطلقا، وقال بعضهم غير ذلك. من هذا: عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: حضرت رسول الله ﷺ ... ثم سألوا عن العزل فقال رسول الله ﷺ ((ذلك الوأد الخفي)) ، وعن أبي هريرة عن عمر بن الخطاب ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها. أخرجه أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري.
أخرج البيهقي في السنن الكبرى في كتاب النكاح باب العزل ... أنهم أصابوا سبايا، فأرادوا أن يستمتعوا بهن ولا يحملن، فسألوا النبي ﷺ عن العزل، فقال ((ما عليكم، فإن الله كتب من هو خالق إلى يوم القيامة)) وبزيادة ((ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها)) (٢) .
وعن جابر قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن لى جارية وهي خادمتنا وسانيتنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل، قال: ((اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها)) أخرجه أبو داود في سننه وأحمد في مسنده.
وعن جابر ﵁ ((كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل)) وهو حديث متفق عليه، وفى رواية مسلم زيادة ((فبلغه فلم ينهنا عنه)) (٣) .
ولذلك فقد اعتد بعضهم بالحديث الأول وغيره بنفس معناه فقال بعدم جواز العزل وقاس عليه منع الحمل وتحديد النسل (٤)
стр. 5161
ونفي القياس عن الحديثين الأخيرين؛ لأنه يستعمل اليوم من الوسائل ما يمنع الحمل مطلقا مثل التعقيم واستئصال الرحم (١) ولأنه ليس لموضوع العزل صلة بتحديد النسل (٢) ومنهم من اكتفى بالقول بالكراهة وأنه عبث لأن الله خالق ما يشاء (٣) . ومنهم من قال بجوازه كاستثناء في حدود الضرورة كرخصة خاصة وأن القاعدة العامة هي حرمة العزل (٤) . وأن الرخصة خاصة بصاحب الضرر، ولا يباح كقاعدة عامة، ومنهم من حاول التوفيق بين الأحاديث بالقول بنسخ بعضها أو وجود قوة في إسناد بعضها وضعف في أخرى، وهذا تفصيل كثير ليس هذا مجال تقصيه. إلا أن منهم أيضا من قال بإباحة العزل مطلقا وجواز أن يقاس عليه موانع الحمل المعروفة اليوم وأن تكون أساسا لسياسة عامة لتحديد النسل (٥) .
جـ - الحث على الزواج:
الزواج سنة، حث رسولنا الكريم عليه ورغب فيه وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة منها ما رواه عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) . وعن عبد الله بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح)) أخرجه البيهقي. ونهى ﵊ عن التبتل، وأن يخصى أحد من ابن آدم (٦) . وحث ﵇ على اختيار المرأة الولود.
وقد عد أكثر الكتاب ذلك دليلا على ضرورة تكثير عدد السكان بزيادة النسل؛ لأن (منع النسل أو تحديده من الأعمال التي تنافي مقاصد النكاح) (٧) . (والإنسان مطالب بأن يتزوج وينجب ذرية؛ لأن الإسلام (يرغب) في تكاثر الأعداد البشرية عن طريق الزواج) (٨) ... إلخ. وفى ما قيل عن الزواج تفصيل يكفي قليله عن كثيره.
стр. 5162
٢ - تحديد النسل والحد من الزيادة في عدد السكان:
يمكن النظر إلى موضوع تحديد النسل على مستويين، الأول فردي محدود بالأسرة والثاني اجتماعي وهو المتعلق بالسياسة العامة للدولة تجاه قضية السكان ومحاولة السيطرة على معدل تزايده، والمسألة الشائكة التي تحتاج إلى نظر وإلى تحرير هي المتعلقة بالمستوى الثاني؛ لأنها مشكلة تمس في زمننا الحاضر مجتمعات كثيرة في بلاد الإسلام وتواجه حكومات متعددة. وسوف نحاول أدناه استجماع الآراء المتعددة في موضوع تحديد النسل وخلافه للوصول إلى موقف محدد في المسألة السكانية بشكل عام.
أ - الأرجح أنه لا يجوز إصدار القوانين التي تحدد عدد الأطفال بالنسبة لكل أسرة، كأن يقال مثلا: إنه لا يجوز للزوجين إنجاب أكثر من ثلاثة أطفال، أو نحو ذلك، كما لا يجوز إرغام النساء بقوة القانون على تناول المواد الكيماوية أو خلافها التي تمنع القدرة على الإنجاب بصفة دائمة أو مؤقتة، ولا استئصال الرحم أو تعقيم الرجال بالقوة، ولا الدعوة إعلاميا إلى قطع النسل؛ لأن ذلك كله يتنافى مع مبدأ الحرية الذي قرره الإسلام للفرد في مجتمعه المسلم وتتناقض مع الفطرة فهي إذن تتناقض مع الإسلام؛ لأنه دين الفطرة.. والأدلة على ذلك كثيرة.
ب - لا يجوز تحريم الزواج، ولا وضع العراقيل القانونية أو الإدارية التي تحول بين الشباب والزواج ما دام أنه يتم ضمن القواعد المعتبرة شرعا؛ لأن الزواج مباح في الإسلام وهذه من الأمور المعروفة من الدين بالضرورة؛ ولأن الرسول ﷺ حث على الزواج ورغب فيه ووصفه ﵊ بأنه من سنته ومن رغب عن سنته فليس منه.
كما لا يجوز منع تعدد الزوجات؛ لأن هذا أمر مباح بنص الكتاب، وكل أمر خالف نصا قطعيا في الشريعة فهو مردود على صاحبه، فلا يجوز عصيانه فقط بل يجب محاربته؛ لأنه يكون مشرعا في الدين ما لم يأذن به الله، والتعدد مسموح به ضمن شروط أهما العدل والاقتدار على النفقة.
стр. 5163
جـ - يجوز للزوجين باختيارهما استعمال موانع الحمل لأي سبب، كأن تكون الزوجة مريضة أو ضعيفة أو موصولة الحمل. أو أن يكون الرجل فقيرًا (بل إن بعض العلماء يرون أن التحديد في هذه الحالات لا يكون مباحا فقط بل مندوبا إليه) (١) ، وكذلك الخوف من كثرة الحرج بسبب تعدد الأولاد؛ لأن قلة الحرج معين على الدين (٢) ، وقد ذكر بعض العلماء أن العزل لمجرد الرغبة في استبقاء جمال المرأة وسمنها لدوام التمتع بها، ليس منهيا عنه (٣)
وقد اعتقد بعض العلماء أن جواز استخدام وسائل منع الحمل (ومنها العزل) لا يجوز إذا كان ذلك خشية الفقر أو خوفا من زيادة تكاليف العيش؛ لأنه يخالف - في رأيهم - نص الآية الكريمة ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] . (٤) والحق أن ذلك قياس مع الفارق فالآية الكريمة تشير إلى قتل الأولاد، واستخدام موانع الحمل ليس فيه قتل لولد؛ لأنه تترتب على القتل أحكام كثيرة لم يقل أحد بأنها تترتب على العزل، ولو كان في العزل قتل لكان كل بالغ غير متزوج قاتلا لأولاده لأن شهوته قد تذهب بغير إنجاب (٥) وهذا ما لم يقل به أحد وهو مخالف للمنطق السليم، وقد ذكر الغزالي أن القتل جناية على موجود حاصل، أما العزل فهو غير ذلك (٦) ولا نرجح أن يكون الإذن بالعزل رخصة؛ لأن الرخصة لا تكون إلا من عزيمة والعزيمة لا تكون إلا بنص.
د - ولكن المهم في الأمر أنه لا يوجد دليل قطعي يقول بضرورة العمل على زيادة عدد السكان، ولذلك لا يوجد سند مقبول للقول أن العمل على زيادة عدد السكان أمر مطلوب شرعا بشكل مطلق، أو أن ذلك أحد مقاصد الشريعة فعلى المستوى الفردي لا يوجد نص قطعي يلزم المسلم بضرورة استخدام كل قدراته التناسلية لإنجاب الأطفال، صحيح أن الإسلام ينهى عن التبتل وعن قطع النسل ويحث على الزواج ولكن هذه كلها غير كافية لاستنتاج أن الإسلام يدعو إلى ضرورة أن يحاول كل مسلم إنجاب أكبر عدد ممكن من الأطفال بل الدليل على عكس ذلك، للأسباب التالية:
стр. 5164
١ - إن الإنجاب لا يتأتى في مجتمع الإسلام إلا عن طريق النكاح الشرعي، والنكاح تسري عليه الأحكام الخمسة، الوجوب والحرمة، والكراهة، والندب والإباحة، والشروط التي يكون فيها الزواج فرضا تجعل هذه الحالة هي الشذوذ لا القاعدة العامة، فلا يكون الزواج كذلك عند الحنفية إلا أن يتيقن الشخص الوقوع في الزنا إذا لم يتزوج (ولا يكفي مجرد الخوف من الوقوع في الزنا) ، وأن لا تكون له قدرة على الصيام الذي يكفه عن الوقوع في الزنا، وألا يكون قادرا على اتخاذ أمة يستغني بها وأن يكون قادرا على المهر والإنفاق من كسب حلال لا جور فيه، فإن لم يكن قادرا لا يفرض عليه الزواج حتى لا يدفع محرما بمحرم. والمذاهب الثلاثة الأخرى قريبة من ذلك (١) ، بل إن الشافعية قد قالوا: (إذا كان قادرا على مؤونة النكاح وليست به علة تمنعه من قربان الزوجة - فإن كان متعبدا - كان الأفضل له أن لا يتزوج كيلا يقطعه النكاح عن العبادة التي اعتادها (٢)
والمقصود الأصلي من الزواج ليس الإنجاب وإنما أن تكون المرأة سكنا للرجل ويكون الرجل سكنا لها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .
ولذلك فقد أفتى بعض العلماء بأنه لا يجوز إجراء الكشف قبل الزواج للاطمئنان على قدرة الزوجين على الإنجاب (٣) ؛ لأن ذلك مخالف للغرض الإسلامي من الزواج وهو أن يسكن الرجل إلى المرأة وتسكن إليه ويكون بينهما مودة ورحمة.
٢ - لا يكون التحريم إلا بنص أو قياس على منصوص، والقول بتحريم الحد من زيادة السكان ليس منصوصا عليه وليس له أصل واحد يقاس عليه، بل الأصل الذي يمكن أن يقاس عليه هو النكاح، والقياس على هذا الأصل يقول بالإباحة لا بالتحريم. فإذا جاز ترك النكاح وهو الأصل ألا يجوز ترك الإنجاب وهو النتيجة؟ وكما لا يجوز تحريم الزواج بتشريع لا يجوز تحريم الإنجاب بتشريع.
٣ - لم يبح الإسلام الزواج إلا لمن كان قادرا على نفقاته والقيام بواجباته من رعاية للزوجة والإنفاق عليها.. إلخ. وقد روي عنه ﷺ أنه قال: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) وقد ذكر ابن تيمية ﵀ أن (استطاعة النكاح هي القدرة على المؤونة وليس القدرة على الوطء فإن الحديث إنما هو خطاب للقادر على فعل الوطء ولهذا أمر من لم يستطع الباءة بالصوم فإنه له وجاء) (٤) . فالقدرة الاقتصادية لازمة التوفر حتى تكون مؤسسة الزواج ذات جدوى وثمرة مفيدة للفرد والمجتمع.
стр. 5165
يقول : ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [النور: ٣٣] فالقدرة إذن شرط في النكاح. وإذا لم يكن الفرد قادرا على الكسب بما يسد تلك النفقة إلا من حرام فإن الزواج يكون حراما عليه (١) ، وإذا أعسر الزوج بعد الزواج، وفقد القدرة على الإنفاق جاز للزوجة أن تتقدم للقاضي بطلب الطلاق (٢) .
والزواج مندوب لمن كان قادرا على مؤنته حتى لو لم يخش على نفسه الزنا ولم يكن له أمل في النسل (٣) وهذا يعطينا صورة عن أهمية القدرة الاقتصادية في الزواج فالقدرة على الإنفاق أرجح من الأمل في النسل؛ لأن غير القادر على الإنفاق لا يتزوج حتى لو قدر على الوطء والإنجاب، والقادر على الإنفاق يتزوج حتى لو لم يكن له أمل في النسل.
ولا تقتصر المسئولية الملقاة على الأب تجاه أطفاله على رعايتهم وتحري ما فيه خيرهم ورغدهم في حياته بل تتعدى ذلك إلى ضرورة الحرص على أن يترك لهم ما يغنيهم بعد وفاته فقد قال ﷺ : ((لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم ... الحديث)) .
٤ - إن تعدد الزوجات مباح فقط، (أي ليس مندوبا إليه مثلا) ، وحتى تلك الإباحة مقيدة بشرط القدرة على العدل بين النساء كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ الآية [النساء: ٣] ولو كان تكثير السكان هدفا إسلاميا عامًّا يكتسب أولوية لقامت الشريعة على ندب التعدد، وربما يكون تحديد الزوجات بأربع وجعل ذلك التعدد مباحا فقط مؤشرا على أن الإسلام لا يهدف إلى التكاثر لمجرد العدد، فالرسول ﷺ بعث في قوم كانوا يبيحون التعدد حتى عشرين زوجة وكانوا يبيحون تعدد الأزواج، فجاء بتحديد الزوجات بأربع واشترط العدل بينهن وهو إجراء يؤدي إلى تقليل النسل مقارنة بالوضع السابق.
стр. 5166
هـ - لقد أمر الله النساء بإرضاع أطفالهن حولين كاملين كما قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ الآية [لقمان: ١٤] . ومن المعروف أن احتمال الحمل بالنسبة للمرأة المرضعة هو أقل ما يكون أثناء الإرضاع ولذلك فإن استمرار إدرارها للحليب لطفلها هو أحد موانع الحمل الطبيعية، فالإرضاع لمدة سنتين ليس فيه مصلحة للطفل فقط بل وللأم كذلك؛ لأن فيه تنظيما لعملية الحمل بالمباعدة بين حمل وآخر (Spacing) . وهذا مؤشر لمعدل الخصوبة في المجتمع الإسلامى، وقد استعملت المجتمعات القديمة طريقة تمديد فترة الإرضاع كوسيلة لخفض معدل الحمل (١) ، فلو كان تكثير النسل يكتسب تلك الأولوية التي يدعيها البعض لقصرت فترة الإرضاع لزيادة معدل الخصوبة.
و كما رأينا سابقا فإن النصوص التي يمكن أن يقاس عليها حكمنا على موضوع الحد من تزايد السكان هي الأحاديث المتعلقة بالعزل، والأحاديث التي تحث على التكاثر.
أما الأولى فقد رأينا أن في روايتها بعض التناقض، وأن الراجح لدى جمهور العلماء، والله أعلم، هو الإباحة، ومن قال بذلك كثير، منهم عشرة من كبار الصحابة (هم علي وسعد وأبو أيوب وزيد بن ثابت وجابر وابن عباس والحسن بن علي وخباب وأبو سعيد الخدري وابن مسعود ﵃ أجمعين) (٢) ، وكثير من التابعين ومنهم العلماء في كل عصر. لذلك فلا يمكن القول أنها تصلح حجة أو دليلا على ضرورة تكثير عدد السكان.
ونريد الآن أن نناقش حديث، أو أحاديث التكاثر، يرى البعض أنه يمكن أن يستفاد من تلك الأحاديث حكم شرعي يقول بضرورة زيادة عدد السكان أو - على الأقل - إطلاق حجم السكان وتركه يتزايد بشكل غير مقيد، ونحن نرى غير ذلك. فالراجح - والله أعلم - أن تلك الأحاديث لا يستفاد منها حكم شرعي على سبيل القطع يقول بضرورة ما ألمحنا إليه أعلاه.
وللحديث رواية صحيحة مشهورة هي ((جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إنى أصبت امرأة ذات حسب وجمال وأنها لا تلد أفأتزوجها قال: " لا "، ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فقال: " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ")) أخرجه النسائي في المجتبى والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى، وأخرجه ابن حبان من حديث أنس ((فإني مكاثر بكم يوم القيامة)) ، وأخرجه ابن ماجه بلفظ ((انكحوا فإني مكاثر بكم)) عن أبي هريرة ﵁.
стр. 5167
وفى رأينا - والله أعلم - أن الدليل المتضمن في هذا الحديث يتعلق بالنهي عن قطع النسل وليس فيه دعوة إلى العمل على زيادة عدد السكان لمجرد التزايد، والقرائن التالية تدل - إن شاء الله - على صحة ما نرمي إليه:
١ - يروى الحديث كرد من الرسول ﷺ على من سأله عن رغبته في زواج الجميلة التي لا تلد، وهذا مهم لفهمنا للمعنى المتضمن في هذا الحديث، فالرسول ﷺ ينهاه عن قطع نسله بالزواج من العقيم، وهذا هو المعنى الذي فهمه أكثر رواة الحديث ولذلك نجد أن النسائي ﵀ قد أدرجه في باب ((كراهية تزويج العقيم)) ، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في باب ((النهي في تزويج من لم تلد من النساء)) ، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده في باب ((صفة المرأة التي يستحب خطبتها)) ، فالواضح أن المعنى في الحديث لا ينصرف للدعوة إلى تكثير السكان، وإنما إلى النهي عن قطع النسل.
٢ - والراجح أن هذا كان فهم الصحابة رضوان الله عليهم للحديث. إذ لو أنهم فهموا منه الدعوة إلى تكثير السكان لمجرد العدد وأن على ولي الأمر مسئولية فعل ذلك، لكان الخلفاء منهم ﵃ قد اتخذوا خطوات عملية بهذا الصدد مثل الحث على زيادة الأولاد أو دفع المكافآت لهذا العمل أو الدعوة إلى تعدد الزوجات ... إلخ. ولكننا لا نعرف في السياسات التي اتبعها الخلفاء الراشدون ومن جاء بعدهم في عهود التابعين ما يدل على أن على ولي الأمر أن يعمل على زيادة عدد السكان بالتوالد.
٣ - إن كلمة (الولود) معناها الوالدة، كما قال الأعرابى للجاحظ في القصة المشهورة (كل أذون ولود وكل صموخ بيوض) فجعل الولود أي التي لا تبيض وإنما تحمل وتلد (١) . والولود تعني أيضا كثيرة الولد.
والذين يدعون إلى ضرورة زيادة عدد السكان لمجرد التكاثر يصرفون معنى الولود في الحديث إلى كثيرة الولد، والأرجح أن المعنى إنما ينصرف إلى عكس العقيم، أي المرأة التي تحمل وتلد لأن سؤال الصحابي كان عن العقيم، ومن ثم لا يكون معنى الحديث الطلب إلى المسلم أن يستغل كل طاقاته التناسلية في إنجاب الأطفال بل مجرد النهي عن قطع النسل.
стр. 5168
٤ - وكلمة التكاثر الواردة في الحديث الشريف تحتاج إلى وقفة. فالتكاثر بمعنى التزايد يحصل بمجرد عدم قطع النسل، فالزوجان إذا أنجبا طفلا واحدا فقد تكاثرا، ولا يعني ضرورة إنجاب أكبر قدر ممكن من الأطفال، فالمقصود يتحقق بإنجاب ولد واحد.
ويعني التكاثر أيضا (التفاخر) ، أي أن الرسول ﷺ علل دعوته أمته إلى التوالد برغبته ﷺ بأن يكاثر بها (أي يفاخر) الأمم يوم القيامة، ولكن لا يتصور أن يكون التفاخر بمجرد العدد؛ وذلك لأن الإسلام عقيدة ودين وليس دعوة عصبية، الانتساب إليها مرجعه اتصال الدم والنسب البيولوجي، ولذلك فإن مصدر الفخر للأمة الإسلامية هو المسلم القوي العامل المتعلم الذي اعتنى أبواه بتنشئته وتربيته ووفر له مجتمعه التعليم والثقافة العالية، وقوة الأمة الإسلامية - لو استعرضنا تاريخنا الإسلامي منذ البعثة - لم يكن مصدرها المعدل العالي للولادات، ولكنه بلا شك دخول أكثر أمم الأرض إلى الإسلام في عهد الفتوحات الإسلامية، والدعوة إلى دين الإسلام سوف تظل المصدر الأول للقوة الإسلامية، فالحديث الشريف رغم أنه قطعي في إسناده لكنه ظني الدلالة إلى المعنى المذكور وهو ضرورة زيادة عدد السكان.
٥ - وقد يبدو اليوم مستغربا أن يكون الحث على عدم قطع النسل بهذه الأهمية، ولكن الاستغراب سرعان ما يتبدد عندما نعرف أمرين مهمين، الأول: أن قطع النسل كان أمرا معروفا في المجتمعات القديمة حيث كانت تنتشر بعض النحل والملل والمذاهب التي تدعو إلى التبتل وعدم الزواج بل وقطع الشهوة بالاختصاء للرجال، ولذلك جاء دين الإسلام ناهيا عن هذه الأمور، والثاني: أن المجتمع الإسلامي في تلك الفترة كان يمر بالمرحلة الأولى من مراحل التحول الديموغرافي حيث يحقق معدلا عاليا من الوفيات ومن المواليد. وقد قرر علماء السكان أن التوازن كان دقيقا بين المعدلين بحيث أن زيادة معدل الوفيات على المواليد يؤدي إلى اندثار المجتمع برمته. ولهذا كان على مجتمع الإسلام أن يتأكد من عدم حدوث ذلك بالتوالد، ولا ندعي بأن ذلك كان سبب حث الرسول ﷺ على التكاثر، لكننا نرجح أن مجتمع الإسلام في عصر النبوة يواجه مشكلة محددة هي ضرورة تحقيق التوازن بين الوفيات والمواليد وعدم السماح للأولى بتخطي الثانية.
стр. 5169
من هذا كله نخلص إلى النتائج التالية:
أولًا: لا يوجد في الكتاب الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة نص يتضمن حكما قطعيا في موضوع السكان، ولذلك لا يمكن لنا أن نقول مطلقا: إن على الدولة الإسلامية أن تعمل على زيادة عدد سكانها، أو أنه لا يجوز لها أن تعمل على الحد من التزايد بالطرق الشرعية المباحة، ولقد ذكر الفقهاء بأن الأمور التي لا يوجد فيها نص من كتاب أو سنة ولا تسعف مصادر التشريع الأخرى في الوصول إلى ذلك الحكم فإن مرجعها إلى أصل الشريعة وهو تحقيق المصلحة.
ثانيًا: أن الأمر، والحال هذه، راجع إلى المصلحة، فإذا كان للمجتمع الإسلامي مصلحة راجحة في زيادة السكان أضحى على ولي الأمر أن يعمل على تحقيق ذلك، وإذا كان لذلك المجتمع مصلحة راجحة في الحد من الزيادة، صار لزاما عليه أن يتبع من السياسات المباحة شرعا ما يؤدي الهدف المقصود.
قال ابن تيمية ﵀:
(إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء هل هو على الإباحة أو التحريم، فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته فإن كان مشتملا على مفسدة راجحة ظاهرة فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته بل يقطع أن الشرع يحرمه لا سيما إذا كان مفضيا إلى ما يبغضه الله ورسوله) (١) .
ولذلك فإن السياسة السكانية المناسبة للدولة الإسلامية هي تلك التي تستمد أصولها من نظرية المصلحة العامة في الفقه الإسلامى.
ثالثًا: إن التزايد السكاني في أي قطر معتمد على متغيرات كثيرة معقدة ومتشابكة، وفى كثير من الأحيان تؤدي السياسات الحكومية الخاصة بتوزيع الدخل وتقديم الخدمات العامة إلى إحداث تسارع في معدل الزيادة السكانية بدون أن تكون تلك الزيادة هدفا مقصودا لهاتيك السياسات، وبما أن من الثابت (ضمن المعرفة الاقتصادية) ارتباط معدل الزيادة في عدد السكان بمتغيرات إقتصادية قابلة للتأثر بالسياسات المذكورة، صار يمكن للحكومة الإسلامية أن تتبنى سياسة تستهدف الحد من تزايد السكان بدون أن تلجأ (بالضرورة) إلى تحديد النسل، ومن المهم إذا الإتفاق على أنه لا يوجد في أصول الشريعة ما يلزم الحكومة بالضرورة بزيادة عدد السكان، ومن ثم يمكن لها أن تجعل آثار السياسات المختلفة على معدل النمو السكاني أحد الاعتبارات المهمة التي يعول عليها في اختيار السياسة المناسبة.
محمد القري بن عيد
стр. 5170
تحديد النسل وتنظيمه
إعداد
الدكتور مصطفى كمال التارزي
أستاذ بالجامعة الزيتونية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن مسألة تنظيم النسل أو تحديده قضية إنسانية شغلت الناس وخصوصا المفكرين قديما وحديثا، وكانت موضع خلاف بينهم شأنها شأن كل قضية يتغير الحكم فيها بما يكتنفها من اعتبارات وما يرجح في نظر الباحث من مصلحة أو مفسدة، قد يوجبها وضع ما، أو اعتبار معين.
وتنظيم النسل أو ضبط النسل أو تحديد النسل أو التحكم في النسل أو تنظيم الولادية عبارات حديثة، حلت محل كلمة العزل المعروفة عند العرب وعند الفقهاء خاصة في القديم، وهي كلها تتعلق بمعنى واحد وتؤول إلى نتيجة واحدة هي تحديد النسل، وإنما استبدلوا أخيرا كلمة التحديد بالتنظيم ليخففوا من وقع معنى التحديد في نفوس الذين رفضوا التحكم في عملية الإنجاب.
وسواء قلنا التحديد أو التنظيم، فالسؤال المطروح هو: هل يجوز منع الحمل في حالات خاصة كالمرض؟ وهل يجوز منعه في حالات عامة كما إذا عجزت موارد الدولة عن ضمان ضروريات الشعب أمام تزايد عدد السكان؟
إن الشريعة الإسلامية التي قامت على رفع الحرج والتيسير وجلب المصالح ودرء المفاسد، هي أجدر الشرائع تفهما لهذه المشاكل الاجتماعية، وإيجاد الحلول التي تتحقق بها المصلحة وتبعد عن المجتمع ما يوقعه في الحرج والمفسدة.
ويستطيع الباحث أن يجد في بطون الكتب الفقهية القديمة منها والحديثة مادة غزيرة واسعة حول هذه المسألة، سواء فيما يتعلق بالحالات الخاصة أو الحالات العامة.
لقد دعا الإسلام إلى النكاح وحث عليه واعتبره طريقا لتحصيل العفة مع تحقيق النسل وبقاء النوع البشري.
والمتأمل في كتاب الله يدرك من سياق الآيات التي يقترن فيها ذكر الزواج بالنسل صراحة أو كناية أن النسل هدف من أهداف الحياة الزوجية، ومقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية حرصت على المحافظة عليه.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (٢) .
стр. 5171
فهذه الآيات مقترن فيها ذكر الزواج بالنسل، صراحة أو كناية وهذا يوحي بأن النسل كما قلنا غرض أساسي، والاستكثار منه من مقاصد الشريعة.
ومما يؤكد هذا المعنى ويدعو لكثرة النسل أيضا ما روي عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم - وقيل: الأنبياء - يوم القيامة)) (١) .
وما روي عن معقل بن يسار، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ((إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد أفأتزوجها؟ قال " لا ". ثم أتاه الثانية فنهاه. ثم أتاه الثالثة فقال: " تزوجوا الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ")) (٢) . كما رويت أحاديث كثيرة بينت أن المقصد الأول من الزواج هو النسل.
فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((لحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد)) . وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ((النساء تنكح للولد)) .
وبهذا نعلم أن الإكثار من النسل مطلوب في ذاته ويتماشى مع الفطرة السليمة والطبيعة الإنسانية، ومنع النسل أو تحديده بدون ضرورة ماسة وقوف أمام الفطرة، والإسلام دين الفطرة كما قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) .
فهل لأحد فردا كان أو جماعة أن يقف أمام هذه السنة الحياتية؟
يظهر أن موضوع معرفة حكم الله في العزل أو تنظيم النسل مرتبط ارتباطا كبيرا بمعرفة من له حق الولد عند فقهاء الشريعة الإسلامية ولهم في ذلك أقوال ثلاثة:
стр. 5172
القول الأول: يرى أن الولد حق للوالد وحده فهو الذي يختار الإنجاب أو عدمه وبموجب هذا الاختيار يكون امتناعه عن إنجاب الولد مباحا لا كراهة فيه؛ لأن النهي إنما يكون بنص أو قياس على منصوص ولا نص في الموضوع فترك التلقيح بعد المخالطة مباح ليس فيه إلا مخالفة الأفضل.
ومن القائلين بهذا الرأي الإمام الغزالي ولذلك فهو لا يتقيد بضرر موجب للعزل؛ لأن بواعث العزل كلها مباحة ما لم يكن منصوصا على كراهته كالخوف من ولادة الإناث فإنه مكروه بالنص. ومثل الغزالي لبواعث العزل المباحة:
١ - باستبقاء جمال المرأة ونضرتها.
٢ - الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد.
القول الثاني: يرى أن الولد حق للزوج والزوجة وهو مذهب الحنفية الذي يقرر أن العزل مباح بشرط أن تأذن فيه الزوجة؛ لأن الإنزال في داخل الفرج من حقها فهما يشتركان في حق الولد.
قال المرغياني صاحب كتاب الهداية (١) : (ويشترط في العزل عن الزوجة الحرة إذنها إذ العزل ينقص من حقها كما أن تحصيل الولد من حقها) .
وقال ابن عابدين (٢) . في حاشية رد المحتار (ويعزل عن الحرة بإذنها) .
قال الكمال بن الهمام: إن خاف من الولد السوء في الحرة يسعه العزل بغير رضاها لفساد الزمان فليعتبر مثله من الأعذار مسقطا لإذنها، ويقول الكاساني في البدائع (٣) : (ويكره للزوج أن يعزل عن امرأته الحرة بغير رضاها؛ لأن الوطء عن إنزال سبب لحصول الولد ولها في الولد حق وبالعزل يفوت الولد فكان سببا لفوات حقها. وإن كان العزل برضاها لا يكره؛ لأنها رضيت بفوات حقها) .
وجاء في كتاب منتهى الإرادات لابن النجار الحنبلي (٤) . (ويحرم وطء في حيض وكذا عزل بلا إذن حرة فالتحريم منصب على حالة العزل دون رضاء الزوجة) .
وينص الدسوقي في حاشيته على الدردير، وهو مالكي، على جواز العزل ليمنع الحمل واشترطوا إذن الزوجة بذلك صغيرة كانت أو كبيرة.
стр. 5173
القول الثالث: هو رأي جمهور من العلماء يرى أن منع الولد مكروه كراهة تحريم لحق الأمة فيه ولحق الزوجين إذ العزل يخالف المصلحة العامة وهي حفظ النسل الذي هو أحد الضروريات الخمسة التي قام عليها التشريع الإسلامي، كما يعارض رغبة الرسول ﷺ في دعوته إلى استكثار النسل في قوله ((تناكحوا تناسلوا تكثروا)) .
ولهذا قال ابن قدامة (١) . في المغني: والعزل مكروه رويت كراهته عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وروي ذلك عن أبي بكر الصديق أيضا؛ لأن فيه تقليل النسل وقطع اللذة عن الموطوءة.
ثم قال في الشرح الكبير (٢) . (ولا يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها) . قال القاضي (ظاهر كلام أحمد وجوب استئذان الزوجة في العزل ويحتمل أن يكون مستحبا؛ لأن حقها في الوطء دون الإنزال، والأول أولى لما روي عن عمر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها) (٣) .
ومعنى هذا أنه إن أجيز للزوج العزل فإن عليه أن لا يتعسف باستعمال هذا الحق بالتعدي على حقوق الغير.
فمنعهم ليس لذات العزل وإنما هو مراعاة لحق الغير لأن استكمال لذتها لا يتم إلا بالإنزال في الرحم.
стр. 5174
١ - وسائل منع الحمل:
يبدو أنه لا خلاف بين العلماء في إباحة إيقاف الحمل إذا كان هناك موجب شرعي يقتضيه بطريقة من الطرق المعروفة سابقا:
١ - بالعزل: وهي الطريقة البسيطة التي اتخذها القدماء للحيلولة دون الحمل أو دون تكوين الجنين أو دون التقاء الحيوان المنوي للرجل ببويضة الأنثى، ولا زال العزل شائع الاستعمال بين مختلف الأوساط الاجتماعية في الدول النامية والدول الصناعية على حد سواء.
٢ - أو بالوسائل الحديثة: كتناول الحبوب ضد الحمل أو استعمال آلة لمنعه.
٣ - أو بتوقيف المعاشرة الجنسية أياما معينة من الشهر: بحيث يقع في أول الدورة وآخرها وبتجنب وسطها الذي تخرج فيه البويضة، والذي يقع عادة في اليوم الرابع عشر قبل بدء الحيض وما دامت طريقة العزل مباحة شرعا عند الحاجة إليها لدى غالب العلماء فكل طريقة تماثلها تأخذ حكمها بشرط أن لا يكون المراد الإجهاض أو إسقاط الجنين وألا يكون فيها ضرر للمرأة أو الرجل أو الجنين.
٤ - أو الرضاعة: وللإرضاع تأثير مؤقت على الحمل وخاصة في فترته المبكرة وهي طريقة طبيعية ومعروفة من القدم ولكن لا يعول على هذه الطريقة بشكل أكيد؛ لأن فاعلية منع الحمل فيها تختلف من امرأة إلى أخرى.
ولذا فقد ورد عن رسول الله ﷺ النهي عن وطء المرضع، وسماه وطء الغيلة؛ لأن المرأة إذا حملت في هذه المدة تغير لبنها، فإذا رضع الصغير منه ربما يلحقه ضرر آجل أو عاجل، وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده (١) . قوله ﷺ : ((لا تقتلوا أولادكم سرا فإن الغيل يدرك الفارس قيد عثرة من فوق فرسه)) .
ثم أباح الرسول ﷺ وطء المرضع عندما رأى أنه مستعمل عند الأمم بدون ضرر فعال فيها. روى أسامة بن زيد (٢) . أن رجلا جاء إلى الرسول ﷺ فقال: إني أعزل عن امرأتي. فقال له رسول الله ﷺ : ((" لم تفعل ذلك؟ " فقال: أشفق على ولدها، فقال الرسول: " لو كان ذلك ضارا لضر فارس والروم ")) .
стр. 5175
وقد استطاع ابن القيم (١) . أن يجمع بين الحديثين بأن النهي عن ضعف المولود أقل خطرا من الإمساك عن وطء النساء مدة الرضاع، ولا سيما الشباب وأصحاب الشهوة، لذلك رأى رسول الله أن دفع المفسدة الأعظم أهم من درء المفسدة الأصغر ولهذا أباح وطء المرضعة بعد أن نهى عنه.
وقد تعرض الفقهاء في القديم إلى عدة وسائل أخرى غير العزل كانت تستعملها النساء فقد قال الونشريسي (٢) . في المعيار: وقد أجازوا أيضا أن تجعل المرأة وقاية في رحمها تمنع من وصول الماء للوالدة.
وذكر ابن عابدين في حاشيته (٣) . أنه كما جاز للرجل أن يعزل بإذن زوجته فلها أن تسد فم رحمها كما تفعله النساء في ذلك الزمان، وبذلك نعلم أن الوقاية من الحمل عند المسلمين لم تكن خاصة في الماضى بالرجل، بل كانت من جانبي الرجل والمرأة على السواء، وإذا كان من المقرر أن الرجل لا يعزل إلا بإذن زوجته قالوا فقياسا على هذا: إن المرأة لا تعزل إلا بإذن زوجها.
ونقل الرملي في نهاية المحتاج (٤) . عن الزركشي: هذا كله في استعمال الدواء بعد الإنزال فأما استعمال ما يمنع الحمل قبل إنزال المني حالة الجماع مثلا فلا مانع منه.
وموضوع وسائل منع الحمل طرقه عدد كبير من الأطباء المسلمين القدامى في بحوثهم حول الوسائل المختلفة في تنظيم الولادات ونجد هذا في قانون ابن سينا وإرشاد ابن الجامي وفي الذخيرة في الطب لإسماعيل الجرجاني وفي التذكرة لداود الأنطاكي، فكل هؤلاء تكلموا عن منع الحمل خوفا على صحة المرأة عند ضعفها خشية من الحمل المتتابع.
стр. 5176
أسباب منع الحمل:
أما أسباب منع الحمل فهي كثيرة وقد حصرها الغزالي (١) . في أنواع النية الباعثة على العزل وهي:
- استبقاء جمال المرأة لدوام التمتع خوفا من خطر الطلق.
- الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد.
- الاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ودخول مداخل السوء.
وذكر غيره أسبابا أخرى منها:
- الخوف من الضرر إذا كان الحمل يلحق ضررا مباشرا بصحة الأم.
- أو تحقق الأبوين من عجزهما عن القيام بشؤون مولود جديد.
- أو كانا في الجهاد وخيف على الزوجة أن يضعفها حملها عن مشقة السفر أو الجهاد أو كانت الزوجة سيئة الخلق ويريد فراقها.
قال الكمال بن الهمام (٢) : ((: ((وفي الفتاوى إن خاف من الولد السوء في الحرة يسعه العزل بغير رضاها لفساد الزمان فليعتبر مثله من الأعذار مسقطا لإذنها)) )) .
فأصل العزل مباح عند من قال إن الولد حق للأب أو للأب والأم معا.
أما من يرى أن الولد حق مشترك بين الأمة والوالدين فإنه يبيح العزل في الصور التي تلحق ضررًا بالأب أو الأم دفعا للمفسدة وتطبيقا للقاعدة المقررة أن الضرورات تبيح المحظورات.
ويبقى الخلاف محصورا بين الفقهاء في حكم العزل فيما سوى الضرورة، كما إذا كان لمجرد رغبة الأب أو الأم أو هما معا في تحديد الأولاد مع توفر الإمكانيات المادية، تحقيقا للراحة وحب الدنيا واتباع الشهوات والفرار من المسئولية الاجتماعية التي أنيطت بعهدتهما.
стр. 5177
حجة القائلين بكراهة العزل
من العلماء من يقول بكراهة العزل إذا لم يكن هناك موجب يقتضيه، احتجوا بما ورد من إنكار النبى ﷺ للعزل في نصوص كثيرة من السنة حيث لم يرد شيء في القرآن يبين حكم الله في العزل.
ومما وقع الاحتجاج به ما ورد في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أصبنا سبيا فكنا نعزل وسألنا رسول الله ﷺ فقال: ((أو إنكم لتفعلون - أو إنكم لتفعلون - ما من نسمة كانت إلى يوم القيامة إلا وهى كائنة)) (١) . ففهموا أن هذا الحديث سيق بصيغة الإنكار فيكون العزل غير مشروع ولا مباح.
وقد ورد هذا الحديث بعدة صيغ وفي لفظ لمسلم (٢) . من طريق ابن محيريز قال: دخلت أنا وأبو صرمة على أبي سعيد الخدري فسأله أبو صرمة فقال: يا أبا سعيد، هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر العزل؟ فقال: نعم. غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة بني المصطلق فسبينا كرائم العرب فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء فأردنا أن نستمتع ونعزل، فقلنا: نفعل ورسول الله بين أظهرنا لا نسأله؟ فسألنا رسول الله ﷺ فقال: ((لا عليكم أن لا تفعلوا، ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون)) وفي لفظ لمسلم ((فإن الله كتب من هو خالق إلى يوم القيامة)) وفي لفظ: ((فقال لنا: وإنكم لتفعلون. وإنكم لتفعلون. وإنكم لتفعلون، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة)) وفي لفظ له قال: ((لا عليكم ألا تفعلوا فإنما هو القدر)) .
وفسر العلماء هذا على أنه حث على عدم العزل حتى قال الحسن بأن قوله: " لا عليكم أن تفعلوا " تشبه الزجر، وقال ابن سيرين: هذا خبر إلى النهي أقرب.
ومنها حديث جذامة بنت وهب الأسدية قالت: حضرت رسول الله ﷺ في أناس وهو يقول: ((لقد هممت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر ذلك أولادهم شيئا، ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله: " ذلك الوأد الخفي ")) رواه مسلم (٣) . ويشير الرسول ﵊ في هذا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٤) .
стр. 5178
ومنها ما ورد عن أسامة بن زيد ((أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إنى أعزل عن امرأتي، فقال له الرسول: " لِمَ تفعل ذلك؟ " فقال له الرجل: أشفق على ولدها أو أولادها: فقال رسول الله ﷺ : " لو كان ضارا ضر فارس والروم ")) رواه مسلم (١) .
وكذلك استدلوا بحديث أبي سعيد الخدري من قول الرسول في العزل ((أنت تخلقه؟ أنت ترزقه؟ أقره قراره فإنما ذلك القدر)) وهذا الحديث يقتضي بظاهره منع العزل؛ لأن النبي ﷺ أمر الرجل أن يقر الماء في مقره، وهذا يدل على أن الله هو الخالق الرازق، وأنه ليس هناك ما يدعو إلى عزل النطفة والحيلولة بينها وبين أن تستقر في الرحم.
فهذه الأحاديث وغيرها تؤكد عند بعض الفقهاء الاتجاه الإسلامي العام القاضي بأن كثرة الذرية من مقاصد النكاح، وأن المحافظة على النسل هو أحد المصالح الخمسة التي يقررها الإسلام أساسا للتشريع.
إذ من المعلوم أن المصالح التي اعتمدها الفقهاء أساسا للتشريع ترجع إلى المحافظة على خمسة أمور هي: المحافظة على الدين وعلى النفس وعلى العقل وعلى النسل وعلى المال، وقد قال الغزالي في المستصفى ما نصه: (إن جلب المنفعة ودفع المضار مقاصد الحق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم لكننا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع. ومقصود الشرع في الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، لذلك فكل محاولة تهدف إلى منع الحمل هي محاولة تبعد عن منهج الشريعة الإسلامية الذي يدعو إلى التكاثر. والنبي ﷺ يقول: ((تناكحوا تناسلوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) (٢) . كما يحفز من استطاع الباءة أن يتزوج ويدعو الزوج أن يختار لنفسه الولود الودود.
стр. 5179
وقد سبق أن بينا أن الإسلام. يرغب في الزواج ويأمر به ويمتن على المسلمين بشرعه قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) .
ومن أغراض الزواج تكوين الأسرة وإيجاد النسل، والولد من نعم الله تميل إليه الفطرة السليمة وهو في الآن نفسه زينة الحياة الدنيا، لذلك كان العزل والفرار من الحمل انحرافا عن الفطرة السليمة.
وإذا كان العزل مكروها عند هؤلاء الفقهاء، فإن مذهب ابن حزم من الظاهرية يحرم العزل كما جاء في المحلى (٢) : قال: لا يحل العزل عن حرة ولا عن أمة مستدلًّا بحديث جذامة بنت وهب على أن الرسول لما سئل عن العزل قال: " ذاك الوأد الخفي ": قال إنه خبر في غاية الصحة وساق حديث أبي سعيد الذي قال فيه رسول الله: " لا عليكم أن لا تفعلوا " وقال: إن الذين احتجوا بأخبار أخرى لا تصح؛ لأن خبر جذامة بنت وهب يعارضها جميعا ثم قال: إن كل شيء أصله الإباحة لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وعلى هذا كان كل شيء حلالا حتى نزل التحريم قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فصح أن خبر جذامة بالتحريم هو الناسخ لجميع الإباحات المتقدمة، وهو أمر متيقن؛ لأنه إذا أخبر ﵇ أنه الوأد الخفي والوأد محرم فقد نسخ الإباحة المتقدمة بيقين، فمن ادعى أن تلك الإباحة المنسوخة قد عادت، وأن النسخ المتيقن قد بطل فقد ادعى الباطل وأتى بما لا دليل له عليه ورد كلام ابن حزم بأن ادعاء النسخ يحتاج فيه إلى معرفة تاريخ الناسخ وحيث إن التاريخ غير معروف فلا يصح ادعاء النسخ.
стр. 5180
حجة المجيزين للعزل
من العلماء من يقول بجواز العزل استنادا إلى جملة من أحاديث صحيحة رويت عن رسول الله ﷺ وأثبتتها الكتب الصحاح، أهما:
١ - ما جاء عن جابر رضى الله عنه الوارد في الصحيحين (١) . قال: ((كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل، ولو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن)) متفق عليه. ولمسلم ((فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا عنه)) .
وأول ما يتبادر إلى الذهن من هذا الحديث أن الرسول ﵊ لم ينه عن العزل بل أقره ولو كان حراما لنهى عنه؛ لأنه كان في وقت تقرير الأحكام ونزول الأوامر والنواهي، وقد أكد جابر ﵁ أن عملهم بالعزل لم يكن خافيا عن رسول الله ﷺ بل علم به فأقرهم ولو كان محرما ما أقرهم عليه.
٢ - ما جاء في صحيح مسلم (٢) . أيضا عن أسامة بن زيد أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: ((يا رسول الله، إني أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله: لم تفعل ذلك؟ " فقال الرجل: أشفق على ولدها، فقال: رسول الله: " لو كان ضارا - أي العزل - لضر فارس والروم ")) .
٣ - عن جابر ((أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إن لى جارية هي خادمتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل، فقال: " اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها ")) رواه مسلم فقد كان السائل يطلب من الرسول الحكم في أمر العزل فجاءه النص صريحا في إباحة العزل، ومن العلماء من يرى أن هذا الحديث يفيد معنى أكثر من الجواز؛ لأن الرسول هو الذي أشار بالعزل.
٤ - عن أبي سعيد الخدري قال: قالت اليهود: العزل الموءودة الصغرى فقال النبي ﷺ ((كذبت يهود. إن الله لو أراد أن يخلق شيئا لم يستطع أحد أن يصرفه)) رواه أحمد وأبو داود، ويقول الشوكاني: وقد أخرج هذا الحديث أيضا الترمذي والنسائي ونقل عن الحافظ أن رجاله ثقات.
стр. 5181
٥ - روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها)) رواه أحمد وابن ماجه.
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها)) وهذا يدل على جواز العزل بإذنها.
٦ - ما ورد عن رفاعة بن رافع قال: (جلس إلى عمر كل من علي والزبير وسعد وجماعة من أصحاب الرسول فتذاكروا العزل فقال عمر: لا بأس به. فقال رجل: إنهم يزعمون أنها الموءودة الصغرى. فقال علي: إنها لا تكون موءودة حتى تمر على الأطوار السبعة تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظاما، ثم تكون خلقا آخر. فقال عمر: صدقت) لأن الوأد لا يتصور إلا بعد أن تمر بالمادة الأطوار السبعة وبروز الجنين إلى الوجود.
٧ - ما رواه أبو داود عن أسماء بنت زيد أن النبي ﷺ قال: ((لا تقتلوا أولادكم سرا فإن الغيل يدرك الفارس قيد عثرة عن فرسه)) فقد دل الحديث على أن مواقعة الزوجة في مدة الرضاعة تؤثر على الرضيع حالا أو مستقبلا ولو كان في قوة شبابه. ومن هنا استنتج الفقهاء أن وطء الحامل والمرضع مكروه إن خيف منه ضرر الولد وإن غلب على الظن الضرر حرم. وإذا كانت مدة الحمل والرضاع حولين كاملين فليس للزوج من طريق للوصول إلى مباشرة زوجته إلا عن طريق العزل، وهذا إذن ضمني من الشارع بالعزل على أن القائلين بعدم جواز العزل كثيرا ما يترددون في الاستشهاد بالنصوص القاضية بالمنع.
ويرى الأستاذ محمد سلام مدكور في كتابه نظرة الإسلام إلى تنظيم النسل (١) . أن ما ذهب إليه الإمام الشوكاني (٢) . من أن معنى (لا عليكم أن لا تفعلوا) من الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري هو: " نفي الحرج عن عدم الفعل وهذا يفيد ثبوت الحرج في فعل العزل " لا يستقيم مع القواعد الأصولية المقررة التي تقول إن نفى الحرج عن جانب يفيد نفيه عن الجانب الآخر. فإذا كان الحديث قد أفاد نفي الحرج عن عدم الفعل، فنفي الحرج أسلوب يفيد الإباحة التي تقتضي التسوية بين جانبي الفعل والترك، فكان الأولى أن يستدل بهذا الحديث على جواز العزل؛ لأنه المتفق مع ما يفيده الأسلوب العربي.
стр. 5182
وقد ذكر الإمام الشوكاني أنه يمكن أن يخرج الحديث على أن يقال إن (لا) زائدة فيكون المعنى نفي الحرج عن الفعل؛ لأن (لا) كثيرا ما تزاد في أساليب العرب لذا اقتضى السياق ذلك، نظير ذلك قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ والمعنى ليعلم أهل الكتاب.
ويؤيد هذا الاتجاه ما ذكره محمد بن خلفة الأبي (١) . في كتابه إكمال الإكمال بعد أن أورد وجهين في فهم الحديث قال والمعنى: لا جناح عليكم في أن تفعلوا العزل.
ويقول ولي الله الدهلوي (٢) . في قول الرسول ((ما عليكم ألا تفعلوا)) يشير إلى كراهية العزل من غير تحريم والسبب في ذلك أن المصالح متعارضة فالمصلحة الخاصة بنفسه قد تدعوه إلى العزل والمصلحة النوعية ألا يعزل لتحقيق كثرة الأولاد وقيام النسل، والنظر إلى المصلحة النوعية أرجح من النظر إلى المصلحة الشخصية في عامة أحكام الله تعالى التشريعية والتكوينية، فالقضية في نظره لا تزيد على أن يكون العزل خلاف الأولى.
وقال ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين (٣) . في حديث جابر بن عبد الله الذي قال: كنا نعزل والقرآن ينزل: إن ما فهمه جابر هو كمال فقه الصحابة وعلمهم واستيلائهم على طرق معرفة الأحكام ومداركها. وهذا يدل على أمرين:
١ - أن أصل الأفعال الإباحة، ولا يحرم منها إلا ما حرمه الله على لسان رسوله ﷺ .
٢ - أن علم الرب تعالى بما يفعلون في زمن شرع الشرائع ونزول الوحي، وإقراره لهم عليه، دليل على عفوه عنه.
ويقول الإمام الشوكاني في حديث جابر (٤) . في قوله: والقرآن ينزل: فيه جواز الاستدلال بالتقرير من الله ورسوله على حكم الأحكام، لأنه لو كان ذلك الشيء حراما لم يقروا عليه.
стр. 5183
وقال القاضي عياض (إن كثيرا من الصحابة والتابعين أجازوا العزل استنادا إلى حديث جابر) ، ومهما يكن من أمر فإن المسافة بين المانعين والمجيزين لا تتعدى حدود الكراهة، فالمانع يقول بالكراهة، والمجيز يقول بأن العزل هو خلاف الأولى وهو كذلك إذا لم يكن هناك داع.
ويعبر عن هذا المعنى الإمام النووي في شرحه على مسلم فيقول: إن هذه الأحاديث التي استدل بها المانعون مع غيرها من الأحاديث التي أفادت الإباحة، يجمع بينها أن ما ورد في النهي محمول على الكراهة التنزيهية، وما ورد في الإذن محمول على أنه ليس بحرام، وليس معناه نفي هذه الكراهة التنزيهية.
ويؤيد هذا الاتجاه الإمام الغزالي في آداب معاشرة النساء (١) . حيث يقول (وأما الكراهية فإنها تطلق لنهي التحريم ولنهي التنزيه ولترك الفضيلة وهو مكروه هنا بالمعنى الثالث) .
ثم يقول: (وإنما قلنا لا كراهية بمعنى التحريم والتنزيه لأن إثبات النهي إنما يمكن بنص أو قياس على منصوص، ولا نص ولا أصل يقاس عليه، بل ههنا أصل يقاس عليه وهو ترك النكاح أصلا أو ترك الجماع بعد النكاح أو ترك الإنزال بعد الإيلاج، فكل ذلك ترك للأفضل وليس بارتكاب نهي.
لذلك فإن المجيزين لمنع الحمل يردون على المانعين ويؤولون كل النصوص التي يستشهدون بها وقالوا في قوله ﷺ : ((تناكحوا تكثروا)) الحديث: إن رسول الله ﷺ قال هذا في أول الإسلام، وفى فترة كان المسلمون فيها قلة، وكانوا بحاجة أن يكونوا كثرة نامية للوقوف في وجه أعدائهم الكثيرين على أن الرسول عندما يفاخر لا يفاخر بالكم وحده بل إنه يقرن الكم بالكيف وهو القائل: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)) وهو الذي نزل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ .
стр. 5184
فالشريعة أيضا لا تعجبها الكثرة الهزيلة ولا تقيم لارتفاع نسبتها في التعداد وزنا إذا لم تكن مؤهلة للقيام بمسؤلياتها، ويشير إلى هذا ما صح في دلائل النبوة عن النبي ﷺ من قوله: ((توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: لا بل أنتم كثيرون ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قال قائل: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)) .
وتحتج فئة أخرى بقوله : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ فيكون الله متكفلا برزق جميع خلقه، ولا يتنافى هذا مع الأخذ بالأسباب، قال في تفسير المنار (١) : (قد أعطى كلا منها خلقه المناسب لمعيشته ثم هداه إلى تحصيل غذائه بغريزته) ثم قال (وليس معناها أن الله جعل لكل دابة من كل نوع أن يخلق لها ما تتغذى به، ويوصله إليها بمحض قدرته وإنما معناها: خلقه تعالى لكل منها الرزق الذي تعيش به، وأنه سخره لها وهداها إلى طلبه وتحصيله) .
ولقد جعل الإسلام من الزواج مسئولية مادية ومعنوية تجاه الزوجة والأولاد، وقد نص صراحة على أنه إذا تعذر على الرجل القيام بأعباء الزوجية أو يجد في ذلك حرجا فإنه مطالب بألا يقدم على الزواج. قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ سورة النور [٣٣] .
وروى البخاري ومسلم عن علقمة ﵁ قال: واللفظ لمسلم (٢) . كنت أمشى مع عبد الله بمنًى فلقيه عثمان ﵄ فقام معه يحدثه، فقال له عثمان: يا أبا عبد الرحمن: ألا نزوجك جارية ثانية لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك؟ قال: فقال عبد الله: لئن قلت ذلك: لقد قال لنا ﷺ : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) .
стр. 5185
فالدعوة إلى الزواج والإنجاب مرتبطة بالقدرة على تحمل مسئولياتها ونتائجها، ومسئولية الزوج تزداد إذا أنجب إذ عليه مسئولية التربية والتوجيه وتوفير المسكن والغذاء، وإعداد الولد ليكون مواطنا صالحا، وقد بين الرسول ﷺ هذه المسئولية في قوله ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) وكثرة العيال قد تكون سببا في تشتيت العائلة وضياع مصالحها وتلاشي تربيتها.
وعندما يتأمل المرء في كل الأحاديث والآثار التي استند إليها المانعون للعزل والمجيزون له لا يستطيع الجزم بحرمة العزل الشخصي أو الفردي ما دامت النصوص الواردة في هذا الموضوع غير صريحة والقضية اجتهادية، بل يجد الإنسان نفسه أميل إلى القول بالإباحة إذ هي الأصل، لا سيما إذا وجدت الدوافع أو المصالح التي تدعو الزوج أو الزوجة لمنع الحمل بحيث يكون اتخاذ هذه الوسيلة في حدود الداعي الذي استلزمها ويكون هذا التنظيم فرديا اختياريا.
وبهذا نعلم أن ضعف الموارد المادية في العائلة قد يكون عائقا يمنع الزوج عن النهوض بتبعات الأسرة والأظهر اعتباره عذرا من الأعذار المبيحة لمنع الحمل المؤقت
وهذا لا ينافي ما نعتقده كمسلمين أن قدرة الله وإرادته فوق قدرة الإنسان وإرادته وأن الإنسان لا يستطيع الفرار من قدر الله وقضائه. وأن الله هو الرزاق وأنه ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها؛ لأن الله في نفس الوقت مكن الإنسان من الكسب والاختيار ومكنه بما أوتي من عقل وفكر أن يدبر ويعمل ويسعى لإصلاح حياته وتنظيمها.. وأن إفساد المادة التناسلية قبل التلقيح هي وسيلة من وسائل منع الحمل لمصلحة لا يكون فيه اعتداء على الجنين بحال من الأحوال.