← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

٥ - روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها)) رواه أحمد وابن ماجه. وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها)) وهذا يدل على جواز العزل بإذنها. ٦ - ما ورد عن رفاعة بن رافع قال: (جلس إلى عمر كل من علي والزبير وسعد وجماعة من أصحاب الرسول فتذاكروا العزل فقال عمر: لا بأس به. فقال رجل: إنهم يزعمون أنها الموءودة الصغرى. فقال علي: إنها لا تكون موءودة حتى تمر على الأطوار السبعة تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظاما، ثم تكون خلقا آخر. فقال عمر: صدقت) لأن الوأد لا يتصور إلا بعد أن تمر بالمادة الأطوار السبعة وبروز الجنين إلى الوجود. ٧ - ما رواه أبو داود عن أسماء بنت زيد أن النبي ﷺ قال: ((لا تقتلوا أولادكم سرا فإن الغيل يدرك الفارس قيد عثرة عن فرسه)) فقد دل الحديث على أن مواقعة الزوجة في مدة الرضاعة تؤثر على الرضيع حالا أو مستقبلا ولو كان في قوة شبابه. ومن هنا استنتج الفقهاء أن وطء الحامل والمرضع مكروه إن خيف منه ضرر الولد وإن غلب على الظن الضرر حرم. وإذا كانت مدة الحمل والرضاع حولين كاملين فليس للزوج من طريق للوصول إلى مباشرة زوجته إلا عن طريق العزل، وهذا إذن ضمني من الشارع بالعزل على أن القائلين بعدم جواز العزل كثيرا ما يترددون في الاستشهاد بالنصوص القاضية بالمنع. ويرى الأستاذ محمد سلام مدكور في كتابه نظرة الإسلام إلى تنظيم النسل (١) . أن ما ذهب إليه الإمام الشوكاني (٢) . من أن معنى (لا عليكم أن لا تفعلوا) من الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري هو: " نفي الحرج عن عدم الفعل وهذا يفيد ثبوت الحرج في فعل العزل " لا يستقيم مع القواعد الأصولية المقررة التي تقول إن نفى الحرج عن جانب يفيد نفيه عن الجانب الآخر. فإذا كان الحديث قد أفاد نفي الحرج عن عدم الفعل، فنفي الحرج أسلوب يفيد الإباحة التي تقتضي التسوية بين جانبي الفعل والترك، فكان الأولى أن يستدل بهذا الحديث على جواز العزل؛ لأنه المتفق مع ما يفيده الأسلوب العربي.

стр. 5182

وقد ذكر الإمام الشوكاني أنه يمكن أن يخرج الحديث على أن يقال إن (لا) زائدة فيكون المعنى نفي الحرج عن الفعل؛ لأن (لا) كثيرا ما تزاد في أساليب العرب لذا اقتضى السياق ذلك، نظير ذلك قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ والمعنى ليعلم أهل الكتاب. ويؤيد هذا الاتجاه ما ذكره محمد بن خلفة الأبي (١) . في كتابه إكمال الإكمال بعد أن أورد وجهين في فهم الحديث قال والمعنى: لا جناح عليكم في أن تفعلوا العزل. ويقول ولي الله الدهلوي (٢) . في قول الرسول ((ما عليكم ألا تفعلوا)) يشير إلى كراهية العزل من غير تحريم والسبب في ذلك أن المصالح متعارضة فالمصلحة الخاصة بنفسه قد تدعوه إلى العزل والمصلحة النوعية ألا يعزل لتحقيق كثرة الأولاد وقيام النسل، والنظر إلى المصلحة النوعية أرجح من النظر إلى المصلحة الشخصية في عامة أحكام الله تعالى التشريعية والتكوينية، فالقضية في نظره لا تزيد على أن يكون العزل خلاف الأولى. وقال ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين (٣) . في حديث جابر بن عبد الله الذي قال: كنا نعزل والقرآن ينزل: إن ما فهمه جابر هو كمال فقه الصحابة وعلمهم واستيلائهم على طرق معرفة الأحكام ومداركها. وهذا يدل على أمرين: ١ - أن أصل الأفعال الإباحة، ولا يحرم منها إلا ما حرمه الله على لسان رسوله ﷺ . ٢ - أن علم الرب تعالى بما يفعلون في زمن شرع الشرائع ونزول الوحي، وإقراره لهم عليه، دليل على عفوه عنه. ويقول الإمام الشوكاني في حديث جابر (٤) . في قوله: والقرآن ينزل: فيه جواز الاستدلال بالتقرير من الله ورسوله على حكم الأحكام، لأنه لو كان ذلك الشيء حراما لم يقروا عليه.

стр. 5183

وقال القاضي عياض (إن كثيرا من الصحابة والتابعين أجازوا العزل استنادا إلى حديث جابر) ، ومهما يكن من أمر فإن المسافة بين المانعين والمجيزين لا تتعدى حدود الكراهة، فالمانع يقول بالكراهة، والمجيز يقول بأن العزل هو خلاف الأولى وهو كذلك إذا لم يكن هناك داع. ويعبر عن هذا المعنى الإمام النووي في شرحه على مسلم فيقول: إن هذه الأحاديث التي استدل بها المانعون مع غيرها من الأحاديث التي أفادت الإباحة، يجمع بينها أن ما ورد في النهي محمول على الكراهة التنزيهية، وما ورد في الإذن محمول على أنه ليس بحرام، وليس معناه نفي هذه الكراهة التنزيهية. ويؤيد هذا الاتجاه الإمام الغزالي في آداب معاشرة النساء (١) . حيث يقول (وأما الكراهية فإنها تطلق لنهي التحريم ولنهي التنزيه ولترك الفضيلة وهو مكروه هنا بالمعنى الثالث) . ثم يقول: (وإنما قلنا لا كراهية بمعنى التحريم والتنزيه لأن إثبات النهي إنما يمكن بنص أو قياس على منصوص، ولا نص ولا أصل يقاس عليه، بل ههنا أصل يقاس عليه وهو ترك النكاح أصلا أو ترك الجماع بعد النكاح أو ترك الإنزال بعد الإيلاج، فكل ذلك ترك للأفضل وليس بارتكاب نهي. لذلك فإن المجيزين لمنع الحمل يردون على المانعين ويؤولون كل النصوص التي يستشهدون بها وقالوا في قوله ﷺ : ((تناكحوا تكثروا)) الحديث: إن رسول الله ﷺ قال هذا في أول الإسلام، وفى فترة كان المسلمون فيها قلة، وكانوا بحاجة أن يكونوا كثرة نامية للوقوف في وجه أعدائهم الكثيرين على أن الرسول عندما يفاخر لا يفاخر بالكم وحده بل إنه يقرن الكم بالكيف وهو القائل: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)) وهو الذي نزل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ .

стр. 5184

فالشريعة أيضا لا تعجبها الكثرة الهزيلة ولا تقيم لارتفاع نسبتها في التعداد وزنا إذا لم تكن مؤهلة للقيام بمسؤلياتها، ويشير إلى هذا ما صح في دلائل النبوة عن النبي ﷺ من قوله: ((توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: لا بل أنتم كثيرون ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قال قائل: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)) . وتحتج فئة أخرى بقوله : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ فيكون الله متكفلا برزق جميع خلقه، ولا يتنافى هذا مع الأخذ بالأسباب، قال في تفسير المنار (١) : (قد أعطى كلا منها خلقه المناسب لمعيشته ثم هداه إلى تحصيل غذائه بغريزته) ثم قال (وليس معناها أن الله جعل لكل دابة من كل نوع أن يخلق لها ما تتغذى به، ويوصله إليها بمحض قدرته وإنما معناها: خلقه تعالى لكل منها الرزق الذي تعيش به، وأنه سخره لها وهداها إلى طلبه وتحصيله) . ولقد جعل الإسلام من الزواج مسئولية مادية ومعنوية تجاه الزوجة والأولاد، وقد نص صراحة على أنه إذا تعذر على الرجل القيام بأعباء الزوجية أو يجد في ذلك حرجا فإنه مطالب بألا يقدم على الزواج. قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ سورة النور [٣٣] . وروى البخاري ومسلم عن علقمة ﵁ قال: واللفظ لمسلم (٢) . كنت أمشى مع عبد الله بمنًى فلقيه عثمان ﵄ فقام معه يحدثه، فقال له عثمان: يا أبا عبد الرحمن: ألا نزوجك جارية ثانية لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك؟ قال: فقال عبد الله: لئن قلت ذلك: لقد قال لنا ﷺ : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) .

стр. 5185

فالدعوة إلى الزواج والإنجاب مرتبطة بالقدرة على تحمل مسئولياتها ونتائجها، ومسئولية الزوج تزداد إذا أنجب إذ عليه مسئولية التربية والتوجيه وتوفير المسكن والغذاء، وإعداد الولد ليكون مواطنا صالحا، وقد بين الرسول ﷺ هذه المسئولية في قوله ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) وكثرة العيال قد تكون سببا في تشتيت العائلة وضياع مصالحها وتلاشي تربيتها. وعندما يتأمل المرء في كل الأحاديث والآثار التي استند إليها المانعون للعزل والمجيزون له لا يستطيع الجزم بحرمة العزل الشخصي أو الفردي ما دامت النصوص الواردة في هذا الموضوع غير صريحة والقضية اجتهادية، بل يجد الإنسان نفسه أميل إلى القول بالإباحة إذ هي الأصل، لا سيما إذا وجدت الدوافع أو المصالح التي تدعو الزوج أو الزوجة لمنع الحمل بحيث يكون اتخاذ هذه الوسيلة في حدود الداعي الذي استلزمها ويكون هذا التنظيم فرديا اختياريا. وبهذا نعلم أن ضعف الموارد المادية في العائلة قد يكون عائقا يمنع الزوج عن النهوض بتبعات الأسرة والأظهر اعتباره عذرا من الأعذار المبيحة لمنع الحمل المؤقت وهذا لا ينافي ما نعتقده كمسلمين أن قدرة الله وإرادته فوق قدرة الإنسان وإرادته وأن الإنسان لا يستطيع الفرار من قدر الله وقضائه. وأن الله هو الرزاق وأنه ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها؛ لأن الله في نفس الوقت مكن الإنسان من الكسب والاختيار ومكنه بما أوتي من عقل وفكر أن يدبر ويعمل ويسعى لإصلاح حياته وتنظيمها.. وأن إفساد المادة التناسلية قبل التلقيح هي وسيلة من وسائل منع الحمل لمصلحة لا يكون فيه اعتداء على الجنين بحال من الأحوال.

стр. 5186

وقد صدرت فتاوى كثيرة عن هيئات علمية إسلامية محترمة كمشيخة الأزهر الشريف (١) . ومعهد البحوث الإسلامية (٢) . وعن مؤسسات دينية ومن شخصيات علمية (٣) . جوزت منع الحمل المؤقت للأفراد وعللت ذلك بقولها: (لما فيه من التيسير على الناس ورفع الحرج لا سيما إذا خيف من كثرة الحمل) . أما قرار مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في الحكم الشرعي في تحديد النسل فيبدو أنه أكثر تشددا من القرارات السابقة في خصوص هذا الموضوع فكأنه يريد قصر جواز منع الحمل بحالات المرض خاصة حيث يقول (٤) . (لا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك الإملاق؛ لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها أو كان ذلك لأسباب أخرى غير معتبرة شرعا. أما تعاطي أسباب منع الحمل أو تأخيره في حالات فردية لضرر محقق ككون المرأة لا تلد ولادة عادية وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الجنين فإنه لا مانع من ذلك شرعا. وهكذا إذا كان تأخيره لأسباب أخرى شرعية أو صحية يقرها طبيب مسلم ثقة) .

стр. 5187

فكرة تحديد النسل الجماعي ونشأتها إذا كانت كثرة النسل في العصور الأولى تعتبر عنوانا للعزة والقوة في القبيلة وسبيلا إلى الصمود أمام كل اعتداء فإن الكثافة السكانية أصبحت - مع مرور العصور، وتغير المفاهيم والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية - تعتبر في بعض الأحيان من المحاذير التي يجب أن ينظر إليها من قريب حتى لا تنقلب هذه الكثافة كارثة تدعو الحكومة إلى درئها قبل وقوعها. وإذا كان موضوع الانفجار السكاني بهذا الاعتبار فلا غرابة أن يجد اهتماما كبيرا من المفكرين والمشرعين قديما وحديثا، وأن تختلف أنظارهم في الحكم عليه. ولم تَعْدُ فكرةُ تحديد النسل في القديم حدودَ الأسرةِ، وبقيت تطبق بصفة فردية حسب الضرورات الخاصة التي دعت إليها، وإن اختلف مفهوم الضرورة من مدينة إلى أخرى ومن جيل إلى آخر. وأول بروز لفكرة تحديد النسل الجماعي كان في أوروبا ثم في أمريكا في أواخر القرن الثامن عشر، عندما تبنى هذه الفكرة عدد من رجال الاقتصاد في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وحذروا المجتمعات من بروز مشكل اقتصادى خطير وهو عدم التوازن بين نمو عدد السكان في العالم الذي صار يزداد بنسبة عالية، بل أصبح عدده يتضاعف في مدة قصيرة، وبين ضعف نمو وسائل العيش الذي لا يتم بنفس النسبة. وهذا من شأنه أن يحدث خللا كبيرا في التوازن، ويبشر بمجيء يوم يكون فيه عدد السكان أضعاف أضعاف موارد الرزق، وبذلك تحل بالمجتمعات أزمات ومجاعات قد يصعب التخلص منها. ولقيت حركة تحديد النسل الجماعي في أول أمرها صعوبات واعترضتها عراقيل متعددة منعتها من البروز والانتشار حقبة من الزمن. ثم لقيت في النهاية إقبالا من المجتمعات الأوربية المصنعة، فانتشرت كما انتشرت وسائل الوقاية من الحمل في جميع أنحاء أوروبا، ودلت الإحصائيات في أوائل القرن العشرين على أن التخطيط الشعبي الذي انتهجته بعض الدول في التقليل من الإنجاب قد حقق نتائج محسوسة في تقليل الولادية. واستمر انتشار حركة تحديد النسل في جميع أنحاء أوروبا بل في جميع بلاد العالم وما زالت تنتشر بخطى سريعة في مدة وجيزة لاحتواء العالم كله.

стр. 5188

أسباب نجاح حركة تحديد النسل لم تكن الوقاية من الحمل بإحدى الوسائل الواقية هي التي حمت وحدها البلاد الأوروبية من الكثافة السكانية، وإنما هي عوامل متعددة أحاطت بهذا المجتمع الذي آمن بأن الأسرة إنما تقوم على الكيف لا على الكم، وعلى سمو تربية الأولاد وتوفير وسائل العيش لهم لا على كثرتهم. وأهم هذه العوامل التي ساعدت على انتشار فكرة تحديد النسل هي: ١ - النهضة الصناعية: وما جلبته من أيد عاملة نازحة كونت كثافة سكانية في المدن، ورغبة في رفع مستوى المعيشة، فكان تحديد النسل وسيلة لمواجهة تلك الضغوط. ٢ - مشاركة النساء في العمل: وعجزهن عن القيام بشؤون رعاية البيت والأولاد مع ذلك، إذ كثرتهم تعوق المرأة عن مواصلة عملها خارج البيت. ٣ - فقدان التوازن بين الطموح الشخصي وبين المستوى الاقتصادي والاجتماعي: وتعلق الطبقات الكادحة بإيصال أبنائهم إلى أعلى المراتب أسوة بمطامح الطبقات الغنية. وهذا لا يتحقق إلا بقلة الأولاد. ٤ - انتشار المبدأ المادي الإلحادي: الذي قطع الصلة بالله الرزاق المجير المنعم المتفضل وجعل الإنسان يفكر في حدود ضيقة، لا يؤمل من الحياة إلا موارده المادية المحدودة. ٥ - الانغماس في الاستمتاع الشخصي: إلى أبعد حدوده، فلا يريد الزوجان الإنجاب؛ لأنه - حسب زعمهما - يعكر صفو حياتهما، ومسؤوليات الأبناء تقف حجر عثرة أما شهواتهما ورغباتهما الشخصية وتمتعهما بملذات الحياة.

стр. 5189

وهذه الأفكار في مجموعها هي التي تسربت إلى العالم الإسلامى، وتهافتت المجتمعات الإسلامية في تقليدها واعتناقها، مستبيحة كل الوسائل التي استباحها الغرب في التقليل من النسل، وحادت بها - أحيانا - عن مقاصد الإسلام التي تمنع التحديد، إلا إذا كان استجابة لضرورة اقتضتها مصلحة الأبوين، لتبني مبادئ بعيدة عن الإسلام، أساسها: ١ - تقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. ٢ - تغليب الجانب الاستهلاكي في الإنسان على الجانب الإنتاجي، وعدم تقدير قيمة توفير الأيدي العاملة التي تمكن المجتمعات من استغلال خيرات الله في أرضه وتناسي أن الأزمات الاقتصادية كان سببها في الغالب: - تكاسل الحكومات عن إيجاد حلول اقتصادية إيجابية قد تكلفها متاعب ومشاق. - ضعف التعاون الصادق النزيه بين دول العالم عامة، والدول الإسلامية خاصة. - عدم سعي المجتمعات إلى روح الإنتاج وتحسين الجودة لضعف الوازع الأخلاقي والديني. والذي ينبغي أن نلاحظه في هذا الموضوع أن العالم الغربي أصبح يتراجع عن تأييد فكرة تحديد النسل، ومناصرتها، إذا هو الآن يدعو إلى تكثير النسل، وتشجيع الإنجاب، وإعانة العائلات ذات الأطفال، ومكافأة العاملين على كثرة الإنجاب بالأوسمة والجوائز بينما تقوم بعض الدول الإسلامية في هذه السنوات الأخيرة بإكراه النساء على استعمال وسائل منع الحمل دون مراعاة لأدنى نصيب من إنسانية الإنسان وكرامته. يقول الدكتور محمد على البار: (ففي بعض البلاد العربية التي تبذل كل جهدها في نشر وسائل منع الحمل بكافة الطرق يقوم الطبيب بإدخال لولب إلى رحم المرأة عند قيامه بفحصها، دون علمها ولا رغبتها ولا موافقتها، وذلك تنفيذا لأوامر الدولة. وهو أمر يجافي أبسط المبادئ الإنسانية) (١) .

стр. 5190

نظرة الشريعة إلى تحديد النسل الجماعي لقد تبين لنا مما تقدم أن المنع الفردي للنسل، بالعزل أو بغيره من الوسائل، هو ترك الأفضل أو مكروه، وإذا وجد موجبه عند الفرد كان العزل مباحا على مقدار هذه الرخصة الفردية، والسؤال المطروح: هل يُجَوِّزُ الفقه الإسلامي قياس الرخصة الجماعية لأمة من الأمم أو لدولة من الدول على الرخصة الفردية في منع الحمل، وتحديد النسل، ولو لمدة معينة، حتى يزول المانع؟ المعروف عند الفقهاء أن الرخصة الفردية. محدودة بحدود الضرورات والضرورة تقدر بالنسبة لكل واحد على حدة، حسب ظروفه المادية والمعنوية. فإذا أبيح التحديد فإنما يباح للشخص الذي كانت عنده الرخصة، ولا يباح كقاعدة عامة تعم جميع الناس في بلد أو إقليم، فينتفع بالإباحة صاحب الرخصة وغيره. ولهذا فإن من قاس تحديد النسل على العزل فقد أخطأ، إذ هو قياس مع وجود الفارق، والقاعدة في القياس اتفاق المقيس مع المقيس عليه من جميع الوجوه ولا يوجد في الفقه الإسلامي ما يجعل الرخصة جماعية، إذ من المقررات الشرعية أن المباح بالشخص أو بالجزء، يكون إما مطلوبا بالكل، أو ممنوعا بالكل، على حسب موافقته للمبادئ الكلية المقررة في الشريعة، أو مناقضتها. فإن كان خادما للمبادئ الشرعية الثابتة، كان مطلوبا بالكل، مباحا بالجزء. وإن كان مناقضا للمبادئ العامة، كان مباحا بالجزء حراما بالكل. وقد بين هذا الموضوع الشاطبي في الموافقات، عند تعرضه لبيان المباح، فقال: (إن المباح ضربان: أحدهما أن يكون خادما لأصل ضروري أو حاجي أو تكميلي والثاني أن لا يكون كذلك. فالأول: قد يراعى من جهة ما هو خارج له فيكون مطلوبا ومحبوبا فعله، وذلك أن التمتع بما أحل الله من المأكل والمشرب والملبس ونحوها مباح في نفسه، وإباحته بالجزء وهو خادم لأصل ضرورى، وهو إقامة الحياة، فهو مأمور به من هذه الجهة، ومعتبر ومحبوب من حيث هذا الكلي المطلوب. فالأمر راجع إلى حقيقته الكلية لا إلى اعتباره الجزئي.

стр. 5191

والثانى: إما أن يكون خادما لما ينقض أصلا من الأصول الثلاثة المعتبرة، أو لا يكون خادما لشيء. كالطلاق، فإنه ترك للحال الذي هو خادم لكلي إقامة النسل في وجود وهو ضروري لإقامة مطلق الألفة والمعاشرة واشتباك العشائر بين الخلق وهو ضروري أو حاجي أو مكمل لأحدهما. فإذا كان الطلاق بهذا النظر خرقا لذلك المطلوب ونقضا عليه، كان مبغضا، ولم يكن فعله أولى من تركه، إلا لعارض أقوى كالشقاق (بين الزوجين) ، وعدم إقامة حدود الله. وهو من حيث كونه جزئيا في هذا الشخص وفي هذا الزمان فهو مباح وحلال) (١) . وبهذا نعلم أن الشرع لا يجوز منع النسل بالكل، ولا يبيحه كأمر عام، لأن اعتبار حق الأمة في الولد حق تقرره الشريعة الإسلامية لحفظ كيانها، ولنهوضها القومي، ومعاكسة الطبيعة في كف أجهزتها عن القيام بوظيفتها التي خلقت لها مما لا تقره الشريعة. والله يقول ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ . فالتحديد الجماعي لا تقره الشريعة الإسلامية، ولا تبيحه مهما كانت الأعذار ولا تحدد عدد الأولاد الذين ينبغي أن تنجبهم الأسرة، لأن الحكمة في عدم تحديد العدد الأقصى للأولاد، مادام ذلك يتعلق بالاختيار الإنساني في الأسرة، وقدرة كل أسرة على تربية الأولَاد تربية واعية. ولذلك فإن كثيرا من العلماء يرون أن تحديد النسل الجماعي ليس معناه جبر الأمة أو جبر إقليم من أقاليم البلاد على اتخاذ تدابير معينة لتحديد النسل للوصول بهم إلى نسبة ولادية معينة، فهذا مما لا يجيزه الشرع قطعا، بل معناه توعية الآباء والأمهات بمسؤولياتهم الزوجية والأبوية، وإقناعهم بهذه المسؤولية المرعية حتى يصبحوا أكثر احتياطا لمستقبل أولادهم، وأحرص على الاكتفاء بعدد من الأولاد حسب قدراتهم المادية والأدبية، وحتى يمدوا المجتمع بجيل قادر على مواجهة مشاكل الحياة؛ لأن من اهتمامات الشريعة الوصول بحياه المجتمع إلى المثل الأعلى.

стр. 5192

ولا يتم ذلك إلا بتدخلها تدخلا مباشرا في تنظيم الأسرة، وإخراجها من دائرة الحيرة والفوضى والتعسف إلى دائرة الوعي والنشاط والإنتاج، وذلك بتوعيتها توعية دينية واجتماعية وطبية تدفع الضرر الذي يلحق الزوجة أو الأمة من جراء الإنسال الأهوج وإطلاق الحرية غير الواعية في تحصيل النسل وكثرته؛ لأن الكثرة الهزيلة التي تتملكها عوامل الضعف والانهيار كثرة لا خير فيها. فالدعوة إلى تنظيم الأسرة لا يجوز أن تكون دعوة إلى محاربة الزواج أو محاربة النسل، فوجود الذرية بين البشرية أمر فطري لابد منه، والقرآن نفسه يوجبها إلى الذرية الطيبة الصالحة النافعة والمنتفعة، يوجهنا أن ندعو ربنا بدعاء زكريا ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (١) . كما علم عباد الرحمن أن يدعوه ليهبهم الذرية القوية الصالحة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٢) . وإنما تكون الذرية سببا للسعادة إذا كانت سليمة قوية، ومستعدة لخوض غمار الحياة. ولا خلاف بين الفقهاء في أن الإسلام يشترط في الزواج أن يكون الرجل صالحا للنهوض بواجبه، قادرا على تحمل تبعاته. فإن كان عاجزا غير قادر طالبه بالتعفف والانتظار، حتى يتوافر لديه المال والاقتدار، يقول الله ﵎: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣) . وإذا أباح عدد من العلماء توعية الأسرة توعية دينية وإجتماعية قصد تعريفها بحقوقها وواجباتها إزاء الأخطار التي تهدد حياة المجتمعات فلا ينبغي أن يقتصر جهدنا على هذا الجانب وحده، بل يجب أن تبذل كل الجهود لمضاعفة الإنتاج، وتطوير الصناعة والزراعة، ومواصلة السعي لكشف خيرات الأرض، والتعاون لتوزيع الفوائض والطاقات بين بلدان العالم.

стр. 5193

كما علينا - من جانب آخر - أن نعالج المصابين والمصابات بالعقم، حتى يشعر كل الناس أن توعية الأسرة هدف عام وندعو الأغنياء وأصحاب القصور أن لا يبخلوا بإنجاب الأولاد حسب طاقتهم، تلبية لرغبة الأمة المستمرة في إنجاب الأولاد الصالحين. من كل ما قدمناه يتبين أنه لا مجال لإلزام مجتمع ما بإنجاب عدد معين من البنين إذ هو تحكم في حرية الأسرة، وفيه مخالفة للفطرة البشرية، وخروج عن أهداف الشريعة من تكوين العائلة. كما أن إطلاق الحرية للمجتمع كي ينجب دون وعي ولا مراعاة للقدرات الفردية والعائلية والاجتماعية، الصحية منها والاقتصادية أمر لا يتماشى مع أهداف الشريعة الداعية إلى إنجاب أجيال قادرة على تبوء مركز الخلافة في الأرض تماشيا مع قول الرسول ﷺ : ((..... فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) . وهكذا يتبين أن موقف الشريعة الإسلامية من قضية تحديد النسل هو موقف الاعتدال والوسطية الذي ينصح العائلة ويوجهها، ويبقي لها حق اختيار الموقف الملائم لقدراتها في نطاق استعمال الوسائل التي لا تخرج بها عما يبيحه شرع الله. إن هذا هو الموقف الذي يتحقق به قول الله سبحانه. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾

стр. 5194

شبهات حول تحديد النسل وقبل أن ننهي الحديث عن تحديد النسل الجماعي لابد أن نتكلم عن شبهات ذائعة بين المسلمين وبعض العلماء الساهرين على شؤون الدعوة الإسلامية حول تنظيم الأسرة. فهناك شبهة تقول: إن الدعاية لتحديد النسل غزو يهودي صهيوني يقصد منه تقليل أفراد الأمة الإسلامية لتبقى ضعيفة لا تستطيع الجهاد والإنتاج وحينئذ تكون عالة على غيرها فيتحكم فيها كما يحلو له ويشهد بهذا ترويج وسائل منع الحمل بين أوساط المسلمين بأرخص الأسعار وقد يباع بعضها بأقل من سعر التكلفة ولا يوجد نظير هذه الحركة بين اليهود أنفسهم. وهناك من يقول إنها دعاية أمريكية وإنجليزية وغربية سرت إلينا وتبعها بعض المخلصين غافلين عن جذورها ومواردها وما يغذيها واتبعها بعض آخر ممن هو معجب بالأفكار الغربية وهؤلاء يتبعون كل ناعق ويسيرون وراءه من غير أن يعرفوا: أَيُسَارُ بهم في طريق يوصل إلى الخير أم يسار بهم في طريق مملوء بالأفاعي والحيات؟ وهناك من يقول: إن الدعوة إلى تنظيم النسل دعوة مرحلية وإننا إذا ذهبنا مع هذه الدعوة وفتحنا صدورنا لتقبلها بشروط وحدود معينة تقبلها الشريعة الإسلامية فإنها ستتحول في المستقبل لا محالة إلى تحديد النسل بصفة إجبارية موحدة وبطريقة لا تقبلها الشريعة الإسلامية بحال. وأمام هذه الشبهات وقف الشيخ أبو زهرة موقفا واضحا في المنع فقال (١) : (هل هنا علاقة بين هذه الدعوة إلى تحديد النسل أو تنظيمه وبين إسرائيل ومن استتر خلفها) ثم قال: (إنه لا يجوز منع النسل بالكل ولا يباح كأمر عام؛ لأنه يعارض قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ أو ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ لذلك نعارض باسم الدين ولا نريد أن نقطع نسلنا ونقلل جمعنا ونعصي رسولنا ونكفر بقدرة ربنا الذي يرزق من يشاء بغير حساب وهو نفس الموقف الذي وقفه المجمع الفقهي الإسلامي بمكة (٢) . في قراره في تحديد النسل حيث نص على: (أن تحديد النسل مصادم للفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الله لعباده، ونظر إلى أن دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين لتقليل عددهم بصفة عامة وللأمة العربية المسلمة والشعوب المستضعفة بصفة خاصة حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد واستعباد أهلها والتمتع بثروات البلاد الإسلامية. لذلك كله فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي يقرر بالإجماع أنه لا يجوز تحديد النسل مطلقا ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق) .

стр. 5195

أما مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر فإنه لم يتعرض إلى الشُّبَهِ التي تحيط بتحديد النسل الجماعي واقتصرت الفقرة الثالثة من القرار على قضية تحريم جبر الناس على التحديد ونص الفقرة الثالثة (ولا يصح شرعا وضع قوانين تجبر الناس على تحديد النسل بأي وجه من الوجوه) ويوصي القرار في الآخر بتوعية المواطنين وتقديم المعونة لهم بصدد تنظيم النسل. أما الشيخ شلتوت (١) . فإنه يرى أن الشريعة الإسلامية لا تعجبها الكثرة الهزيلة ولا تقيم لارتفاع نسبتها في التعداد وزنا ولا يتخذ منها النبي الكريم مبعثا للمباهاة بها. ويرى عدد من العلماء المعاصرين (٢) . أن عدد السكان لما أصبح يزيد زيادة مطردة مع نقص في الموارد الطبيعية لا تسير بنفس النسبة مما يخشى معه عدم القدرة على تحقيق المستوى اللازم لمستوى الفرد فإنه لا مانع شرعا عندهم من النظر في تنظيم النسل إذا كانت الحاجة تدعو إليه على أن يتم ذلك دون قهر أو قسر. إن الجزم بقيمة ومدى تدخل الدول الأجنبية في موضوع تحديد النسل يبقى موقوفا على قلة من الباحثين الذين اطلعوا على أسباب هذا التدخل؛ لأنه يتم في الغالب بطرق سرية ومقنعة. وفي انتظار الكشف عن ذلك للعموم لابد لنا أن نواجه بشجاعة ووعي ما قامت وتقوم به منظمات عالمية وأهلية من جهود كبيرة لخدمة تنظيم الأسرة وما عملته في هذا الميدان منذ عشرات السنين (الاتحاد العالمي لتنظيم الولادية) الذي أسس منذ سنة ١٩٥٢ وقسم العالم إلى ثمانية أقاليم وكان أحد أقاليمه إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ويضم البلدان الممتدة من أفغانستان حتى المغرب والسودان. وإدارة الإقليم تقدم لمعظم بلدان الإقليم المساعدات المادية والفنية الخاصة في حقل التدريب الطبي والفني لتحديد النسل (٣) .

стр. 5196

إن عمل هذا الاتحاد ينبثق من إيمانه بأن ممارسة طرق سليمة وفعالة لتنظيم الأسرة (سواء بمنع الحمل أو المباعدة بين الولادات) هو حق إنساني أساسي كما أن تحقيق التوازن بين سكان العالم وموارده الطبيعية أمر أساسي لتأمين السعادة والرفاهية والسلم للإنسان. والهدف البعيد لهذه المنظمة هو العمل لخلق رأي عام ملائم يشجع الحكومات على تبني خدمات تنظيم الوالدية ضمن خدمات الصحة العامة. وقد تقدمت هذه المنظمة العالمية وغيرها من المنظمات والهيئات التي تعمل في تنظيم الأسرة تقدما كبيرا في عملها هذا، ووجدت إقبالا كبيرا من شعوب العالم واهتماما بالغا ومساعدات متعددة من الدول والحكومات الإسلامية وغير الإسلامية. ويبدو أن بعض الحكومات الإسلامية قد تبنت فكرة تنظيم الأسرة قبل أن تتعرف على حكم الشريعة في ذلك واندفعت في تنفيذ مخططات الجمعيات العالمية والإقليمية العاملة على تنظيم الولادية حتى أصبحت هذه الحركة تشمل آلافا من مراكز تنظيم الأسرة مزودة بأطباء متخصصين في هذا الميدان من مختلف جنسيات العالم. وأصبحت عملية تنظيم الأسرة واستعمال وسائل الوقاية من الحمل معروفة لدى الخاص والعام وعلى الأخص لدى الطبقات الشعبية التي صارت تتردد على هذه المراكز زرافات ووحدانًا وتسعف في غالب جهات العالم الإسلامي بوسائل الوقاية المجانية غير مبالية بما يقول الشرع في هذا الموضوع؛ لأن حركة تنظيم الأسرة غزت المجتمع، والمجتمع استجاب لتوجيهاتها وطبق وسائلها. وفي الختام أدعو إلى إعداد دراسات موضوعية صحية واجتماعية واقتصادية وغيرها تحدد بدقة ما لعملية تنظيم النسل من إيجابيات وسلبيات ودراسات أخرى تكشف بوضوح نوايا الدول المتدخلة في هذا الميدان ودراسات وإحصائيات تبين ما قطعه هذا العمل في مختلف البلدان الإسلامية من أشواط منذ ولجتها فكرة تحديد النسل أو تنظيمه. وبذلك نستطيع أن نحدد من الآراء ما ينير طريق المؤمنين ويساعد على حل هذا المشكل في ضوء شريعة الله. والسلام مصطفى كمال التارزي

стр. 5197

تحديد النسل وتنظيمه إعداد الشيخ رجب بيوض التميمي عضو المجلس الوطني الفلسطيني وعضو مجمع الفقه الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. فكرة تحديد النسل وتنظيمه خلق الله الإنسان وجعله خليفته على الأرض، استخلفه لتعمير الأرض واشاعة الرخاء وعدم الإفساد فيها بإهلاك الحرث والنسل، وقدر الله في الأرض أقواتها تمهيدا لوجود البشر عليها، وطلب من البشر أن يمشوا في مناكبها، ويعملوا ليأكلوا من خيراتها التي أنعم الله بها عليهم. وأن الله جل وعلا الذي شاءت إرادته أن يعمر الأرض بالبشر لِيعلم أن هؤلاء يزدادون بأمره، ليتمكنوا من السعي في طلب الرزق والاستفادة بما على سطح الأرض وفى جوفها، وسخر لهم البحر علاوة على البر ليبتغوا من فضل الله، وكلما بحث الإنسان ونقب في البر والبحر، فإنه يكتشف موارد جديدة لم تكن في حسبانه، ولا تزال حتى يومنا هذا كثير من الأماكن غير معروفة للإنسان، وهى في حاجة إلى اكتشافها ومعرفة مقدراتها، كما أنه ستكون في حاجة أيضا إلى استغلالها والاستفادة من مواردها، وفي كل هذه الحالات يكون الإنسان محورا أساسيا، في البحث والتنقيب عن المصادر الطبيعية التي خلقها الله جل وعلا، كما أنه الأداة الرئيسية لاستخراج هذه المصادر والاستفادة منها. خلق الله الإنسان من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، يتناسلون ويتكاثرون ويزدادون، فطرة الله التي فطر الناس عليها، وسنته ولن تجد لسنة الله تبديلا. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (٢) .

стр. 5198

من الأفكار السيئة الهدامة، والتي تخالف الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والتي غزانا بها الغرب، ليقضي بها على قوة المسلمين وعزهم ومجدهم؛ فكرة تحديد النسل، والتي يطلقون عليها أيضا فكرة تنظيم النسل وكلاهما بمعنى واحد والذي يقصد منها العمل على إضعاف الأمة الإسلامية، وتقليل عددها ليتمكن أعداء الإسلام من السيطرة على بلاد المسلمين، ونهب خيراتها، واستعمارها سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وتهافت على هذه الفكرة الخبيثة الملحدة من أبناء المسلمين، من يتبعونهم ويغترون بأفكارهم، دون فهم لمقاصدهم، وما يتربصون به من كيد للإسلام والمسلمين، مع أننا لو أمعنا النظر وتتبعنا ما يقوم به الغرب واقعيا، لوجدناه أنه حينما يروج لهذه الفكرة في البلاد العربية والإسلامية، يدعو إلى عدم تطبيقها في بلاده، ففي أمريكا: أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية الجنرال أيزنهاور في مؤتمره الثاني المنعقد في ديسمبر سنة ١٩٥٩، أن حكومته لن تفكر في تحديد النسل في أمريكا مادمت في البيت الأبيض، ويقول الرئيس جونسون: أنه ما دامت الفرص أمام الأمريكيين في تزايد، فسوف تظل هذه الأمة تنعم بالخير والبركة، مهما وصل عدد أبنائها، قال هذا: عندما وصل عدد الشعب الأمريكي مائتي مليون نسمة، وأعلن الرئيس نيكسون تأييده لموقف أيزنهاور وطالب بمنع الإجهاض، وفي روسيا قالت صحيفة الديلي تلغراف: إن السلطات زادت الأموال المخصصة وامتيازات السكن للمتزوجين، كما شجعت النساء على إنجاب الأطفال، واشترطت لذلك إعطاءهن إجازات ولادة لمدة سنة مدفوعة الأجر، وفى اليونان: صرفت مكافأة شهرية ثابتة لكل أبوين عن الطفل الثالث، وفى بريطانيا: بالإضافة للإجازة المجانية والعلاوة التي تحصل عليها الأمهات، فإن كل مولود دون استثناء يحصل على علاوة طفل تستمر إلى أن يتخرج من المدرسة الثانوية، وفي فرنسا: صدر قانون سنة ١٩٦٨ يجعل بيع وسائل منع الحمل ممنوعا، ويحرم الدعاية الإعلانية فيها، ويشترط شهادة طبيب لاستخراجها واستخدامها، وأعلن وزير الدفاع ميشيل دبريه: أن تحديد النسل يمثل خطرًا كبيرًا على مستقبل الدولة، وأنه بالتالي يجب على المرأة الفرنسية أن تعمل على زيادة النسل، كواجب قومي يحفظ لفرنسا كيانها كدولة كبرى.

стр. 5199

هذه مواقف أمريكا وأوروبا والدول الغربية التي تروج في بلادنا فكرة تحديد النسل، حتى تعمل كما بينت على إضعاف الأمة الإسلامية، وتقليل عددها ليسهل عليها التغلب عليها، وقهرها سياسيا واقتصاديا والاستيلاء على خيرات بلادها ونهب مواردها، يقول فضيلة الشيخ حسنين مخلوف، المفتي الأسبق لجمهورية مصر العربية وعضو مجمع البحوث الإسلامية في فتواه في هذا الموضوع: وقد عثرت على رسالة وجهها أحد الرؤساء المسيحيين للأطباء منهم، يحذرهم من منع الحمل بين أبناء طائفتهم، ويدعوهم إلى منع ذلك بينهم منعا باتا، بينما يدعوهم إلى مساعدة من يريد التحديد والتنظيم إذا كان من المسلمين، أملا في أن يقل عدد المسلمين ويكثر عدد غيرهم من غير المسلمين، يقول فضيلته في فتواه: وهذا المنشور قرأته بنفسى منذ بضع سنين، وهو منشور سري كتبه هذا الزعيم المسيحى، ونشره بين أبناء ملته سرا، ليعمل به أطباؤهم وينفذوه حين يعرض عليهم الأمر، وخلاصته تقليل عدد المسلمين وتكثير عدد غير المسلمين، وبعبارة أخرى إضعاف المسلمين وتقوية غير المسلمين في مجال الحياة، والله لا يهدي كيد الخائنين - انتهى ما قاله فضيلته. إن من الواجب على المخلصين من أبناء الأمة الإسلامية، أن يقفوا بوعي وحسم وبجدية أمام المؤامرات الإمبريالية والصهيونية، التي تعمل على إخضاع المسلمين والاستيلاء على أقدس بقعة في بلادهم بعد المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوى الشريف بالمدينة المنورة، وهو المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، والقدس الشريف وفلسطين المباركة، إنه من الواجب على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن ينتبهوا ويفيقوا من غفلتهم ويرفضوا هذه الأفكار الخبيثة التي يروج لها أعداؤهم، والتي تؤدي إلى ضعف الأمة وانحلالها، وليعلم الذين يتبعون هذه الأفكار من أبناء الأمة الإسلامية، والترويج لفكرة تحديد النسل، أنهم يساعدون الصهيونية التي تعمل على إبادة الشعب العربي الفلسطيني، وإضعاف العالم العربي والإسلامي، والقضاء على كيانه بالتعاون مع أعداء العرب والمسلمين. إن العالم العربي والإسلامي، عالم متكامل يكمل بعضه بعضا، فقد يكون في بلد كثافة سكانية، وفي بلد آخر تقل الأيدي العاملة وتكثر الأراضي البور الصالحة للزراعة، ولذلك يجب أن ينظر إليه نظرة شاملة، بحيث تذوب الحواجز السياسية والمصطنعة، ويتكون من هذه الأوطان المتعددة عالم قوي متماسك، تتكامل فيه الثروة المادية والثروة البشرية والثروة الأدبية ويتبوأ بذلك مكانته اللائقة في هذا العالم.

стр. 5200

إن العالم الإسلامي، لم يحقق وحدته الاقتصادية التي تجعل كل جزء من أجزائه عضوا في الجسد الإسلامي الكبير، بما يحقق التعاون بتنمية الثروة ومضاعفة الانتاج، ومن المؤسف حقا أن المسلمين اليوم يملكون ما يكفي لاستصلاح كل شبر من أراضيهم التي لم تستغل حتى الآن ولكن هذه الثروة توضع في بنوك أوروبا وأمريكا ويستفيد منها الصهيونية وأعداء الأمة، ويستغل هذه الثروة ويستفيد منها المتآمرون على عقيدتهم وحريتهم وبلادهم، وعلى كيانهم التقدمي والحضاري، وبالرغم من قيام منظمات إسلامية وعربية متخصصة في جوانب الاقتصاد، إلا أننا لم نر عمليا حتى اليوم التكامل الاقتصادي في البلاد الإسلامية والعربية، مع أنه يجب أن يعلم أن العالم العربي والإسلامي حين يستغل ثرواته الطبيعية، فإن ميزان القوى في هذا العالم سيتحول لصالحه، ويسير بخطى واسعة في طريق القوة والتقدم والازدهار، وليعلم الجميع أن واقعنا يلزمنا من الإكثار من النسل بعد أن تبين أن عالمنا العربي والإسلامي غني بثرواته الطبيعية، وفي حاجة إلى الأيدي البشرية لاستغلال هذه الموارد والاستفادة منها، ويجب أن يعلم أن قضية تحديد النسل قضية عقائدية، قبل أن تكون مخططا لتقليل عدد المسلمين وإضعافهم، فالقرآن الكريم يقرر أن الله تكفل برزق العباد، ولكن دعاهم إلى البحث والتنقيب عن مصادر الرزق واستغلالها استغلالا حسنا وعادلا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١) . أما الذين يدعون إلى الشرك والضلال والإلحاد يقولون: إن مسألة إيجاد الرزق خاضعة لعقل الإنسان وتخطيطه، ولا علاقة لها بالمسائل الإيمانية، ويزعمون من هذا المنطلق الإلحادي قائلين: إن تحديد أفراد الأسرة يرفع من مستوى المعيشة، ويساعد على التنمية القومية، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ .

стр. 5201

إن زيادة أفراد الأسرة وزيادة عدد الأطفال فيها، وإن كانوا يمثلون في أول عمرهم عبئًا على الأسرة، ويقللون من مستوى نصيب الفرد في الأسرة لأنهم يستهلكون المواد الاقتصادية فيها، وبالتالي تتدنى المستويات المعيشية لأسرهم، وللمجتمعات التي يعيشون فيها، إلا أنه من المشاهد في المجتمع أن الأسرة التي يزداد عدد أفرادها وأولادها، تحقق فوائد اقتصادية كثيرة من وراء استثمار الوالدين، والأسرة لأموالهم في تربية الأطفال وتعليمهم، ذلك لأن الأطفال إذا كبروا يعملون ويصبحون منتجين، ويكون إنتاجهم أثناء عملهم أكثر من استهلاكهم، وبذلك يتحقق الخير والبركة للأسرة والمجتمع، وإن تحديد النسل ما هو إلا نوع من أنانية الوالدين اللذين ينظران لمصلحتهما أكثر من مصلحة المجتمع الاقتصادية. إن الإسلام يأمرنا بالإكثار من النسل، ويحض عليه ويدعو إليه، فعن معقل بن يسار جاء رجل إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، إنى أحببت امرأة ذات حسب ومنصب ومال، إلا أنها لا تلد أفأتزوجها؟ فنهاه ثم أتاه الثانية فقال له مثل ذلك ثم أتاه الثالثة فقال له ﷺ : ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم)) - رواه أبو داود والنسائي والحاكم.

стр. 5202

إن الذين يدعون إلى حركة تحديد النسل من المسلمين، لا يجدون في القرآن الكريم آية واحدة تؤيدهم في دعواهم، يحاولون أن يستدلوا على صحة فكرتهم بروايات عن رسول الله ﷺ جاء في بعضها الإذن بالعزل، إن احتجاجهم بالأحاديث النبوية الشريفة هو احتجاج غير صحيح، ذلك لأن العزل لم يكن شائعا بين المسلمين، ولم تقم فيهم حركة لتحديد النسل ومنع الحمل، وإنما كانت هناك ثلاثة أسباب، هي التي حملت على العزل نفرا من المسلمين، ويمكن أن نعرفها من الروايات الواردة في كتب الحديث الشريف في باب العزل، أولا: خشية أن تحمل الأمة، ثانيًا: خشية أن تستحق الأمة إقامة دائمة إذا صارت أم ولد، ثالثًا: خشية أن يتعرض الولد لنوع من الضرر إذا حدث الحمل في أيام الرضاعة. فهذه هي الأسباب التي من أجلها أحس نفر من الصحابة - منهم عبد الله بن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وأبو أيوب الأنصاري، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله ﵃ بحاجة إلى العزل في ظروف خاصة، وعملوه بحجة أنهم لم يجدوا في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية دليلا ينهى صراحة عنه، يقول جابر ﵁: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، ويقول في رواية أخرى: كنا نعزل والقرآن ينزل، ويقول في رواية ثالثة: كنا نعزل في عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل رواها البخاري ومسلم، فواضح من هذه الروايات، أن جابرًا ومن كان على رأيه من الصحابة، في إباحة العزل، لما لم يجدوا في نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة دليلا ينهى عن العزل صراحة، حسبوا ذلك دليلا على إباحته، يقول جابر ﵁ في رواية أخرجها عنه الإمام مسلم في صحيحه: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغه ذلك فلم ينهنا. أما الروايات الأخرى فقد جاء في بعضها أن الرسول ﷺ كان سئل في هذه القضية، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (أصبنا سبيا فكنا نعزل) . فسألنا رسول الله ﷺ فقال: ((أو إنكم لتفعلون - قالها ثلاثًا - ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهى كائنة)) أخرجها البخاري ومسلم.

стр. 5203

وفى رواية أخرى، أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمتنا وساقيتنا وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل، فقال: اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها. رواه مسلم، مع أن جماعة من الصحابة وغيرهم قد صح عنهم النهي عن العزل، يقول الإمام الترمذي في سننه: وقد كره العزل قوم من أهل العلم من الصحابة وغيرهم، وروى الإمام مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر ﵁، أنه كان لا يعزل وكان يكره العزل، والذى يمكن أن نستخلصه من الروايات التي وردت عن رسول الله ﷺ : أنه لم تكن في زمن الرسول ﷺ حركة عامة قائمة لدعوة الناس إلى تحديد النسل، ولا جاء أحد إلى الرسول ﷺ ليسأله عما إن كان له القيام بحركة مثل هذه، وكل ما في الأمر أن نفرا من أصحاب الرسول ﷺ جاءوا إليه على أحيان مختلفة، يعرضون عليه ظروفهم الشخصية المخصوصة، ويسألون عما إذا كان من المباح لهم كمسلمين في مثل هذه الظروف أن يعزلوا؟ والرسول ﷺ في رده على سؤال بعض هؤلاء قد نهى عن العزل وفى رده على سؤال بعضهم عد العزل فعلا عبثا لا طائل تحته. كما أنه قد سكت في رده على سؤال بعضهم، إذ قال ما لا يمكن الاستدلال به على إباحة العزل، ونحن إذا لم نأخذ بالاعتبار إلا أقواله التي تدل على إباحة العزل فإنه يمكن الاستدلال بها على إباحة العزل للأفراد بصفتهم الفردية في ظروفهم الشخصية المخصوصة. ولا يمكن بحال من الأحوال أن يستدل بها على إباحة القيام بحركة شعبية عامة لمنع الحمل، أما الحركة الاجتماعية لتحديد النسل فهي متصادمة مع الإسلام في صميمه لأنها تؤدي إلى تناقض المجتمع وانخفاض أصحاب الكفاءات العلمية فيه، وإن استعمال الوسائل التي تؤدي إلى منع الحمل، قد تؤدي إلى إشاعة الفاحشة وانتشار الأمراض والفساد في الأرض، كما يولد استخدام هذه الوسائل الأنانية والانحلال لأنه يطلق العنان لشهوات المراهقين الذين يتحولون إلى حيوانات مفترسة، تتصارع مع بعضها لإشباع الغريزة الجنسية، ولا يمكن للدين الإسلامي الذي يرى في الزنا أبشع جريمة خلقية يستحق مقترفها أقصى العقوبات، أن يسكت عن معارضة حركة لابد أن تعرض المجتمع كله لخطر انتشار هذه الجريمة، كما أن الإسلام لن يسكت على هذه الدعوة، التي تقوم على الأثرة وحب الذات، وتسبب مزيدا من النقص في أعداد المسلمين المحاطين بالأعداء المتربصين.

стр. 5204

إن موقف الإسلام من هذه الحركة الخبيثة لا يمكن أن يقبل تحديد النسل للأمة الإسلامية التي تريد لنفسها البقاء، وتعمل جاهدة في جميع الميادين، لتأخذ مكانتها اللائقة بها بين الأمم الأخرى، قوية عزيزة الجانب تسير في طريق التقدم والازدهار، كما أنه لا يقبله أحد من أبناء الأمة العاملين المخلصين لرفع شأن الأمة، ومن هنا جاءت الشريعة الإسلامية، على مبادئ القوة واتساع العمران وكثرة الأيدي العاملة والحث على الزواج، وامتن الله على الناس بنعمة الأولاد والحفدة كأثر من آثار الزواج قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (١) . وقد طمأن الله النفوس على الرزق، وأن المائدة التي أعدها الله لعباده في ظاهرها وباطنها، لا يمكن أن تضيق عن حاجتهم، وحاجة نسلهم مهما تكاثروا وتزايدوا، وحاشا لله أن تضيق مائدته عن عباده، إن القيام بحركة تحديد النسل بشكل كلٍّ، وعلى مستوى الأمة بأسرها، حرام شرعا، ويحرم الإقدام عليه، كما تحرم الاستجابة له؛ لأن أي تقدم اقتصادي وعمراني رهن بكثافة النسل والسكان، وأن خيرات الأمة لا يمكن استغلالها إلا بازدياد عدد السكان، وأصبحت حاجتهم ماسة إليها؛ لأن ضغط السكان على الموارد يعمل في استغلال هذه الموارد لحاجة السكان إليها، وقد تكفل الله جل وعلا برزق المخلوقات، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٤) . وقال تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (٥) . وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٦) .

стр. 5205

إن المهمة التي يجعلها الله من وظيفة الإنسان بعد بيانه له حقيقة الرزق في هذه الآيات الكريمة هي أن يبذل الإنسان سعيه للبحث عن رزقه في خزائنه المبثوثة على وجه الأرض وفي باطنها وبمعنى آخر فإن الرزق من وظيفة الخالق، وأن البحث عنه من وظيفة الإنسان قال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ . وعلى هذا الأساس ينعى القرآن الكريم في غير موضع من آياته الكريمة على الذين كانوا يقتلون أولادهم خشية الإملاق أيام الجاهلية. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٢) . إن الذين يدعون لحركة تحديد النسل، إنما يدعون الناس لمنع زيادة الأفراد وتكاثر النسل، خشية الفقر كما كانوا في أيام الجاهلية، ويستعملون طرقا أخرى تحول دون الحمل، إنهم بدعوتهم الإلحادية يرتكبون جريمة خطر ضيق الأرض ونفاذ موارد الرزق، وهو الباعث لهم على الترويج لهذه الحركة لمنع زيادة السكان والنسل، إن الذين يدعون لهذه الحركة يخالفون الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وينكرون ما بينه الله في الآيات الكريمة، بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ويعملون على تقويض أركان المجتمع، وإهلاك الحرث والنسل، ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون. وإن حركتهم ستبوء بالفشل لأنها قائمة على الإلحاد والدعوة إلى الفساد والله لا يهدي كيد الخائنين. إن منع الحمل إذا كان محددا بشئون فردية مخصوصة، قد يشعر فيها الزوجان بحاجة حقيقية إليه، نظرا لأحوالهما الخاصة، على ألا يكون منها الخوف على الرزق؛ لأن هذا يتصادم مع الشريعة الإسلامية في صميمها، ويشترط أن يفتي بجوازه عالم تقي من علماء المسلمين لصحة حاجتهما، مع ذلك لا يجوز لهما استعمال وسائل منع الحمل إلا عن طريق طبيب مسلم صادق، إذا كان منع الحمل بهذه الشروط يكون مباحا؛ لأنه لن يرجع على الحياة الاجتماعية بمثل تلك المضار التي تؤدي إلى الإخلال بالمجتمع وتنقيص النسل؛ لأن هذا المنع الفردي للحمل، يختلف عن الحركة الشعبية العامة المتصادمة مع الشريعة الإسلامية وتوجيهاتها وأحكامها.

стр. 5206

ويجب أن يعلم أن الإجهاض بقصد تحديد النسل، أو استعمال الوسائل التي تؤدي إلى العقم، أمر لا يجوز ممارسته للزوجين، وأن الإجهاض قبل الأربعين وبعدها يكون حراما، إلا في حالة الضرورة العلاجية، وفقا للضوابط المقررة في الشرع وأن العقوبة المترتبة على جريمة الإجهاض عقوبتان: عقوبة دنيوية وعقوبة أخروية. وفى الختام: على المسلم رجلا كان أو امرأة، أن يتحرى الحلال، ويعمل به وأن يتقيَ الله وألا يتخذ من فساد المجتمع مبررا لارتكاب ما نهى الله عنه، وعلى الدول العربية والإسلامية أن تحارب فكرة تحديد النسل أو تنظيمه، محاربة تامة وصريحة وحاسمة، وعلى الدول العربية والإسلامية أن تعمل حظرا على بيع وسائل منع الحمل الحديثة، حفظا على الأخلاق والصحة العامة، وألا تسمح باستعمال تلك الوسائل إلا في الحالات العلاجية الضرورية، وأخيرا على الدول العربية والإسلامية أن تعمل على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية تطبيقا كاملا ومخلصا، في جميع مجالات الحياة حتى تكون الأمة الإسلامية كما أراد الله لها خير أمة أخرجت للناس تقود العالم إلى طريق الخير والعدل والرحمة. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. رجب بيوض التميمي

стр. 5207

تناسل المسلمين بين التحديد والتنظيم إعداد الدكتور أحمد محمد جمال عضو مجلس الشورى وأستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة أم القرى بسم الله الرحم الرحيم تناسل المسلمين بين التحديد والتنظيم. * عقيدة المسلم تمنعه من التحديد. * الدعوة إلى تحديد النسل: مكيدة استعمارية. * قلة السكان من أسباب الكساد!! * متى بدأت فكرة تحديد النسل؟! * المخاطرة الأخلاقية لعمليات التحديد! * الغربيون أنفسهم يعارضون دعوتهم. * تنظيم النسل في حالات فردية لا بأس به. أحمد محمد جمال أستاذ التفسير بجامعة أم القرى

стр. 5208

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تتعالى بين حين وآخر.. الدعوة إلى تحديد النسل بحجة تكاثر السكان وقلة الغذاء أو السكن، وخوفًا من حدوث مجاعة عامة، وتتردد - في الوقت نفسه - تحذيرات من بعض الساسة والزعماء العرب والمسلمين.. تؤكد أن وراء هذه الدعوة أغراضا استعمارية سياسية واقتصادية، هدفها الدول العربية والإسلامية. وهناك - في بعض المجتمعات - فكرة أخرى تطرح الدعوة إلى تنظيم النسل وبين الفكرتين أو الدعوتين فرق واضح. فالدعوة الأولى عامة شاملة أما الأخرى فهى محدودة وخاصة ببعض الأسر، تنفذها الأسرة من أجل إمكان تربية أطفالها وتعليمهم فترة بعد فترة، أو بسبب اضطرار الأم إلى الانتظار بضع سنين بين حمل وحمل. وفي الدراسة التالية للموضوعين، محاولة لبيان وجهة النظر الإسلامية حولهما وكشف مكائد الاستعمار الأجنبى اقتصاديا وسياسيا الموجه للعالم العربي والإسلامي من وراء الدعوة إلى تحديد النسل. وحسبنا في بداية بحثنا عن تحديد النسل - من الوجهة الشرعية - أن نذكر كفالة الله الخالق الرازق في قوله تأنيبًا وتثريبا للجاهلين الوائدين لبناتهم. ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (١) . ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢) . ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ (٣) . ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤) . وإلى جانب هذه الكفالة الإلهية الثابتة الخالدة برزق الخلق - يحث الإسلام في قرآنه وحديث رسوله ﷺ ، وفي سيرة خلفائه وأصحابه على البحث والعمل، واكتشاف كنوز الأرض وثرواتها التي لا تنفد واستغلال خيراتها التي لا تغيض.

стр. 5209

ففي التشريع الإسلامي: الكفالة الإلهية برزق الناس.. تأكيدا للقدرة، وتعميمًا للرحمة، وإغراء بالإيمان، وفيه الدعوة المكررة إلى العمل امتحانا للإنسان الذي وهبه الله العقل والسمع والبصر والجوارح، ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فهو : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١) . ونستأنس بوجهة نظر العلامة الأستاذ علال الفاسي في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها) يقول الأستاذ الفاسي ما خلاصته. (إن الدولة وذوى السلطة في الأمة الإسلامية ممنوعون من اتخاذ التدابير لقتل الأمة خوفًا من الفقر، وذلك كوأد الأجنة في بطون أمهاتها.. حتى لا تنمو الأمة، فلا تجد بزعمهم ما يسمونه بالمجال الحيوي. إن دعوات جاهلية تنتشر في الشعوب الكثيرة العدد كالصين والهند - ويقلدها في ذلك بعض الدول العربية والإسلامية - تحث على تحديد النسل وإجهاض الأجنة بعد تكوينها بدعوة ضرورة توافق عدد السكان مع مستوى الإنتاج الاقتصادى، وللاحتياط من الفقر والبطالة، لقد خلق الله لنا من عوالم هذه الدنيا وما فوقها وما تحتها، وإلى الآن لم يبلغ الإنسان في استنزاف خيراتها إلا القليل، ولم يبلغ من اكتشاف أسرارها إلا الأقل، فلماذا نضيع الوقت في البحث عن طريق تحديد النسل، وإبادة الخلق، وقطع حبل الإنتاج الإنساني لأوهام لا مبرر لها؟!) . (وليس في إفريقيا الآن إلا قدر ضئيل من السكان بالنسبة إلى مساحتها الكبيرة.. وما عليها الآن بعد أن تخلصت من الاستعمار الأجنبي إلا أن تبدأ كفاحها لإحياء أراضيها واستخراج خيراتها..) . (إن إجهاض الأجنة، واستعمال الأدوية لمنع النسل وتقليله بصفة جماعية ليس مما يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية - وهو مما يدخل في غاية القرآن مما قصه علينا في وأد البنات عند العرب الجاهليين، والسبب الذي كان يحملهم على ذلك) .

стр. 5210

وهنا نحب أن نقف قليلا عند قول الأستاذ الفاسي: إن استعمال الأدوية المانعة للنسل أو تقليله.. بصفة جماعية لا يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية - فنلفت الانتباه والتأمل لقوله (بصفة جماعية) !! فهذا هو الصواب في تحريم تحديد النسل أو تقليله: أن يكون بصفة جماعية تفضي إلى تناقص الأمة عددًا، وضعفها قوةً، وقلة أبنائها ورجالها الذين يعملون لتقدمها وتطورها علميا واقتصاديًا، ويدافعون عن مصالحها ومنافعها سلمًا، وعن حماها وبيضتها (١) . إذا أريدت بحرب أو عدوان. ونتأمل هنا زجر الله لخلقه من وأد بناتهم كما كانوا يفعلون في الجاهلية مخافة الفقر حاضرًا ومستقبلًا، مع وعده ﵎ بأنه الكفيل برزقهم وبرزق أولادهم: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (٢) . ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٣) . وللعلامة الأستاذ أبي الأعلى المودودي رأى في الدعوة إلى تحديد النسل يقول سماحته: (إن هؤلاء المتعاقلين - يقصد دعاة تحديد النسل - لا يعرفون أن الله قد خلق كل شيء في السماوات والأرض بمقدار كما قال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وأنه لا يصدر شيئًا من خزائنه إلا بقدر معلوم: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ فمهما يكن من ظن هؤلاء القوم بالله وبأنفسهم، فإن الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن الله الذي خلق هذا العالم وأبدع نظامه المحكم ليس بجاهل، ولا بطالب مبتدئ لفن الخلق والتنشئة، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ - كما أن خلق السكان في العالم أو في بلد من بلاده ، ثم الزيادة والنقصان في عددهم وتهيئة الأسباب لبقائهم - مما يتعلق بحكمته ونظامه وحده: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ - ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ - ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ .

стр. 5211

وعلى هذا الأساس يزجر القرآن الذين كانوا يقتلون أولادهم خشية الإملاق - أى الفقر - أيام الجاهلية، وكان زجرهم عن ذلك لارتكابهم جريمتين: الأولى أنهم يقتلون أولادهم، والأخرى أنهم يرون في ولادتهم سببًا لفقرهم وبؤسهم) . ويضيف الأستاذ المودودي: أن هناك عشرات الكتب التي طبعت في الغرب، ومهمتها أن تبالغ كل المبالغة في عرض مشكلة زيادة السكان في الشرق وتقترح على أساسه اتباع خطة تحديد النسل، ومنع الحمل - كحل ناجح لهذه المشكلة، وإن مكتبات البلاد الغربية مليئة بمثل هذه الكتب وهى تؤثر في حكومات الغرب بصفة مستمرة، كما أن السلوك العملي للقوى الاستعمارية يوثقها توثيقًا. تآمر استعماري على العالم الإسلامي: ويثبت الأستاذ المودودي ما يقوله باعتراف لبعض المفكرين الغربيين أمثال فرانك نوتيسين - وأرنولد قرين - وآثر كورماك -: بأن التقدم العلمي والفني قد وصل أيضًا إلى البلاد التي يتزايد عدد سكانها بسرعة فائقة!! وأن سيادة أوروبا تتوجس خطرًا سياسيًا شديدًا من تزايد السكان في العالم الإسلامي، وأن أمريكا تشعر بقلق من تغير الأحوال في آسيا وأفريقيا على أساس زيادة السكان بحيث يصبحون أغلبية في العالم. وهناك مخاطر قلة السكان العرب في ديارهم الواسعة ذات الخيرات والبركات الكثيرة، ومساعي إسرائيل إلى مزيد من تهجير اليهود في العالم الشيوعي إليها لتوطينهم واستعمار الأراضي العربية التي احتلتها عام ١٩٦٧ م لقد تحدث الدكتور أحمد زكي عن هذه المخاطر والأطماع اليهودية، وعن إسرائيل وانتصارها مع قلتها على العرب وكثرتهم فقال: إن ما حدث لم يكن من قوة الصهاينة ولكن من ضعف العرب، وقال أيضا: هناك أطماع في الوطن العربي تثيرها قلة السكان مع كثرة الخير. ثم قال: إن زيادة السكان لا نقصهم يجب أن تكون سياسة العرب، على شرط ألا ينتجوا الأنسال للعري والجوع ولكن للرزق الحلال، من العمل النافع، بعد التخطيط له، ثم كرر الكاتب: القول: بأن قلة السكان مع كثرة الخير تحرك الأطماع، ذلك أن بعض مناطق الوطن العربي قد تصبح في أي وقت موضعًا لأطماع تغزوها من الخارج لكثرة خيرها، مجتمعًا هذا إلى قلة سكانها، وضعف الدفاع عنها بناء على ذلك. وهو لا يعني (بالخير) الزيت وحده. وإنما يعني: الأرض الطيبة، والماء الوفير (١) .

стр. 5212

أشار الكاتب إلى أحاديث سبقت له مع بعض اليهود في لندن، صرحوا فيها أنهم لا يهدفون إلى سيناء ولا إلى النقب، ولا إلى الأردن الشرقي، فهي عندهم مناطق صحراء غبراء ولكنهم يهدفون إلى أبعد من ذلك وأخطر من ذلك، وأمرع نباتا وأكبر محصولًا، وأكثر ثمرًا، وأقل رجالًا، بل حيث لا رجال. وقد نشر إلى جوار كلامه هذا خريطتين وضعتا على قاعة المحاضرات في لندن مع دعوة للناس إلى الاستماع إلى محاضرة عنوانها (معجزة العودة - الإسرائيلية إلى الشرق الأوسط) الخريطة الأولى تصور إسرائيل في وضعها الحاضر - والثانية تصورها وهى تغطي جزيرة العرب كلها! وأضاف قوله: إنه إذا لم تكن سرعة النسل بمسعفة فما بال الهجرة من مكان فيه كثرة إلى مكان فيه قله؟؟ نعم هجرة عرب إلى أرض عربية ينزلون فيها ليعملوا في حرث وبذرٍ وجمعٍ وحصاد. قلت: إنه نذير صارخ للزعامات العربية: أن تصحو.. وأن تفكر وأن تعمل وأن تتعاون على الحرث والزرع وتكاثر النسل وبذر الخير للأبناء قبل أن يهجم الأعداء. ومن عجائب الصدف ومحاسن الاتفاق: أن أقرأ في نفس الوقت في كتاب (وجهة الاقتصاد الإسلامي) لجاك أوستروي - رأيًا للمستشرق الفرنسي المعروف لويس ماسنيون يقول فيه: (إن الدراسات البشرية تدل أن سكان البلاد الإسلامية هم من الشباب في ذروة النشاط والأمل، ولن يتركوا إلى ما لا نهاية نظام استغلال بلادهم عن طريق الوصاية. إن هؤلاء الشباب سيصلون إذا عملوا إلى استعادة ثرواتهم الطبيعية من أرض زراعية، ومطاط، وقصدير، ومنغانيز وبترول إلخ) . وقد علقت على هذا الرأى بالعبارة التالية: إذن فالدعاة إلى تحديد النسل في بلادنا العربية والإسلامية، وأصحاب صناعات أدوية منع الحمل: مدسوسون لمنع هذه (اليقظة) الإسلامية ومنع نهوض الشباب الإسلامي لاستراداد حقوقه واستغلال ثروات بلاده الغنية المعطاء!

стр. 5213

قلة السكان سبب للكساد: ولعلماء الاقتصاد الحديث وجهة نظر مضادة لفكرة تحديد النسل، فإنهم يرون أن قلة السكان أقوى أسباب الكساد الاقتصادى لأنه بانخفاض عدد المواليد يقل عدد السكان المستهلكين للسلع المنتجة، مما تفشو به البطالة بين السكان المنتجين، بقلة الطلب على المواد المنتجة، الأمر الذي يضطر أصحاب المصانع لتسريح عدد كبير من العمال، ومن هنا يطالب علماء الاقتصاد المعارضون لفكرة تحديد النسل بزيادة السكان، لضمان استهلاك الإنتاج واستبقاء العمال في مصانعهم. ويؤكد فريق آخر من علماء الاقتصاد الحديث: بأن زيادة السكان في العالم أو في منطقة خاصة منه، ليس معناها زيادة الأفواه الآكلة فقط، بل تعني زيادة الأيدي العاملة أيضًا: وذلك أن للإنتاج ثلاثة أسس: الأرض - والمال - والإنسان هو أهم هذه الأسس وأخطرها ومن المؤسف: أن دعاة تحديد النسل يرون في زيادة السكان عاملًا استهلاكيًا ويصرفون نظرهم جهلًا وعنادًا عن كون هذه الزيادة عاملًا مهما للإنتاج! ولا أدل على صدق وجهة نظر هؤلاء الاقتصاديين - من اهتمام فرنسا بانخفاض نسبة تزايد سكانها - في عام ١٩٦٧ وتكوينها فرق عمل لدراسة ما يمكن القيام به لحث الأزواج على إقامة أسر متعددة الأفراد أكثر مما هو موجود الآن. كذلك ليس أدل على كذب الدعوى بأن الإنتاج الغذائي في العالم أقل من كفاية سكانه المزايدين عامًا بعد عام - مما أثبته تقرير منظمة الزراعة والأغذية التابعة لهيئة الأمم المتحدة - لسنة ١٩٦٧ - من أن إنتاج المواد الغذائية في العالم ارتفع بنسبة ٣ % وفى البلدان النامية ارتفع الإنتاج إلى ٦ % ولم يرتفع عدد السكان في السنة ذاتها إلا بنسبة ٢ % - وكانت المحصولات الزراعية غزيرة في أوروبا الغربية وأوروبا الوسطى وأمريكا وأمريكا الشمالية والشرق الأدنى.

стр. 5214

وهناك واقع مرير للسياسة الأمريكية والأوروبية الاقتصادية.. وهى قذف آلاف الأطنان من الحبوب والبيض والفواكه في المحيطات والبحار، لأنها زائدة عن حاجة الأسواق العالمية التي تصدر إليها أمريكا وأوروبا إنتاجها الغذائي، ولو كان لهؤلاء الناس المستعمرين كما يزعمون بعض المشاعر الإنسانية لتصدقوا بهذا الفائض من إنتاجهم على الجياع في أفريقيا من شيوخ ونساء وأطفال. وهكذا تبطل حجة المنادين بتحديد النسل، وتسقط دعواهم بأن الإنتاج الغذائي لا يكفي سكان العالم. ومن العجيب المريب: أنه في الوقت الذي ينادي فيه بعض الخبراء الاقتصاديين الغربيين الذين تبعثهم بعض الدول الكبرى - تحت ستار المساعدات الاقتصادية لبعض دول أفريقيا - بضرورة التشجيع على زيادة السكان الأفريقيين لأن بلادهم حديثة عهد بالاستقلال السياسى والتنمية الصناعية ولأن الإنتاج الاقتصادى يحتاج إلى أيد عاملة وفيرة - في هذا الوقت بالذات يكرر المستر (مكنمار) مدير البنك العربي الدولي الذي يتولى إعطاء القروض الربوية لتلك الدول الأفريقية المتطلعة إلى الازدهار الاقتصادي - يكرر الدعوة في تقرير له - عام ١٩٦٩ - إلى المسارعة لحل مشكلة زيادة السكان في هذه الدول، ويصفها بأنها أكبر عائق للتقدم الاقتصادى والاجتماعى لأغلبية شعوب العالم غير المتطور! وتكرار (مكنمار) لدعوته إلى مقاومة زيادة السكان في الدول الشرقية النامية برهان جديد على أهداف الغرب الاستعمارية من وراء فكرة تحديد النسل، وقد بدأ التخطيط لتحقيق الفكرة منذ رحل الاستعمار الغربي العسكري والسياسي عن بلدان الشرق في آسيا وأفريقيا، حيث لاحظ الغرب المستعمر زيادة عدد السكان المستمرة بين الشرقيين، وتعذر بقائهم محكومين أبدًا للغربيين، وبخاصة بعد تدرب الشرقيين على الآلات الميكانيكية وإلمامهم بالعلوم الفنية.

стр. 5215

بدء الدعوة إلى تحديد النسل: واستتمامًا للحديث عن فكرة تحديد النسل نرى أن نذكر منشأها أو ابتداءها التاريخي، لقد بدأت فكرة تحديد النسل في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وكان أول الدعاة إليها الاقتصادي الإنكليزي المعروف مالتوس فقد رأى أن سكان بريطانيا في عهده يتزايدون بصورة غير عادية، وأنه لابد لكى يحافظ الشعب البريطاني على سعة عيشة ورخائه المادي، ورفاهه الاقتصادي: أن يكون ازدياد عدد سكانه متمشيًا مع ازدياد موارد الرزق ووسائل المعيشة في بريطانيا. والطريق التي اقترحها (مالتوس) لتحديد النسل هي أن لا يتزوج الأفراد إلا بعد أن تتقدم بهم السن، وأن يحاولوا التغلب على أهواء النفس وكبت نزواتها في الحياة الزوجية إذا تزوجوا. وبعد مالتس الأنكليزي ظهر فرانسيس بالاس الفرنسي، ودعا في فرنسا بضرورة الحد من تزايد السكان، وكان رأيه الذي تقدم به لتحقيق هذا الغرض هو استخدام الآلات والعقاقير. ثم قام في أمريكا الطبيب الشهير تشارلس نورتون وأصدر كتابه (ثمرات الفلسفة) الذي شرح فيه التدابير الطبية لمنع الحمل، وأشاد فيه بذكر المنافع الاقتصادية لتحديد النسل. وقد تأسست في بريطانيا - على إثر ذلك جمعية برئاسة الطبيب دريسديل، وأصدرت كتبًا ورسائل للحث على تحديد النسل، وبعد ذلك بسنين ظهر كتاب (قانون عدد السكان) للسيدة بيسانت وفى سنة ١٨٨١ م وصلت حركة تحديد النسل إلى هولندا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا، وانتشرت شيئا فشيئًا في سائر البلاد المتحضرة في أوروبا وأمريكا.

стр. 5216

ويرى الأستاذ المودودي: أن انتشار هذه الحركة في أوروبا وأمريكا كان لأسباب غير الذي دعا من أجله مالتوس وإنما جاء نجاحها نتيجة للنهضة الصناعية الجديدة والنظام الرأسمالي والحضارة المادية السائدة اليوم في الغرب، فقد هجر سكان القرى والأرياف مزارعهم إلى المدن للعمل في مصانعها ومعاملها، واتسعت حاجات الحياة، وغلت تكاليفها غلاء فاحشا ضاق به أصحاب الدخل المحدود، حتى عجز الآباء عن تربية أولادهم، والأزواج عن رعاية زوجاتهم والشباب عن كفالة آبائهم وأمهاتهم الشيوخ، واضطرت النساء أن يكفلن أنفسهن بعملهن فخرجن من بيوتهن لكسب المعيشة. بذلك بطلت القسمة الفطرية القديمة في باب الاقتصاد التي كان بموجبها: أن يكدح الرجال لكسب المعيشة، وأن يتولى النساء تربية الأولاد، وإدارة شؤون المنزل الداخلية، وإذا كان على المرأة أن تعمل كالرجل لتؤدي نصيبها من نفقات الأسرة المشتركة فأنى لها أن تستعد لإنجاب الأولاد، وأن تقوم برعايتهم كما ينبغي! وإن نعجب من نجاح فكرة تحديد النسل لسبب غير السبب الذي من أجله دعا الدعاة إلى تحقيقها وهو تقليل عدد السكان ليتفق مع مقدار الموارد والوسائل الاقتصادية الممكنة. .. فعجب آخر: أن يكون رواج هذه الفكرة بين الأغنياء والطبقات المتوسطة.. التي لا تشكو فقرًا ولا نقصًا في مواردها الاقتصادية، فالعمال الفنيون من ذوي الرواتب الضخمة، وأرباب التجارة والصناعة، والمثقفون ثقافة عليا، ورجال الرفاهية الاقتصادية من الطبقة الوسطى والأغنياء والمترفون من الطبقة العليا - هم المؤيدون لهذه الحركة والعاملون على تحديد نسلهم كما جاء في تقرير اللجنة الملكية لإحصاء السكان في بريطانيا، وظلت طبقة العمال والفلاحين يتزايد عدد أفرادها في مقابل انخفاض عدد الأغنياء والمثقفين. وقد أكد ذلك الفيلسوف البريطاني برترا ثدراسل - في كتابه (مبادئ الإنشاء الاجتماعي) فقال: إن الطبقات التي يقل أفرادها هم المثقفون والأغنياء والأذكياء.. بينما يتزايد عدد أفراد طبقات العمال والأغبياء والجبناء، وحذر راسل من انحطاط مستوى الذكاء والقوة والنشاط والثقافة وطالب بتغيير النظام الاقتصادي والمستوى الأخلاقي.

стр. 5217

المخاطر الأخلاقية للتحديد: ومن عجائب آثار حملة تحديد النسل - غير ما تقدم - أن أدوية ووسائل منع الحمل يسرت طرق الفواحش الخلقية. ولم تعد المرأة تخشى فضيحة بسبب حملها إذا ما رغبت في تلبية نزعاتها الجنسية بغير وسيلة الزواج. وبخاصة حين تقوم العقبات الاقتصادية الكثيرة في طريق تأسيس بيت الزوجية، وتتبع الفواحش الخلقية الميسرة - عادة - الأمراض التناسلية الخبيثة المعروفة.. وللأستاذ المودودي تعليق لطيف حكيم، على هذه الناحية الخلقية من نتائج تحديد النسل، يقول سماحته: (إن هناك أمرين لا ثالث لهما يثبتان النساء - بعد خشيتهن لله - على جادة الأخلاق.. وهما حياؤهن الفطري، وخوفهن من أن ولد الزنا يفضحهن في البيئة، أما الحاجز الأول فقد أزاحته المدنية الجديدة إلى حد كبير، فأنى للحياء أن تبقى منه باقية بعد الاختلاط العلني بين الرجال والنساء في محافل الرقص والغناء والخمر وسواحل البحار والمسابح والملاهي، وأما الخوف من ولادة ولد الزنا فإن رواج وسائل تحديد النسل قد جعله أيضا أثرًا بعد عين، وشيئا يمت إلى الماضي لذلك أصبح النساء والرجال جميعا كأنهم قد نالوا إجازة عامة باقتراف الزنا) !! ومن ثمرات تحديد النسل كثرة حوادث الطلاق، وقد أسلفنا أن الفكرة راجت في أوروبا بين طبقات الأغنياء والمثقفين أكثر من رواجها بين الفقراء. والحقيقة أن هناك علاقة واضحة بين الطلاق والحياة الزوجية الخالية من الذرية التي من شأنها أن تشد من رباط الزوجين، كما يقول بارنيس وريودي في كتابهما: (الأسلوب الأمريكى للحياة) ويقرران أن الأزواج والزوجات الذين يطالبون بالطلاق ثلثاهم ممن لم يرزقوا أطفالا. وهنا نقف مليا لنتأمل هذه الحقيقة الإنسانية واضحة بينة في كتاب الله المجيد: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . وهكذا أوهنت بدعة تحديد النسل العلاقات الزوجية بين سكان البلاد الغربية - كما يقول الأستاذ المودودي - وقد أثبت سماحته في كتابه: (حركة تحديد النسل) آراء ونظريات أعلنها مفكرون غربيون حذرا من مخاطر التحديد، وقلة الذرية، وفشو الطلاق بين الأزواج وزيادة عدد الوفيات من الكبار.

стр. 5218

الغربيون أنفسهم يعارضون التحديد: وحين تجلت الآثار السيئة لبدعة تحديد النسل من: - رواج الفكرة بين الأغبياء والمثقفين، عكس ما كان يراد لها. - وزيادة نسل الفقراء والأغبياء. - وتفشي الزنا وما يصحبه من الأمراض الخبيثة. - وكثرة حوادث الطلاق بسبب فقدان الذرية. - وزيادة عدد الوفيات من الشيوخ على عدد المواليد من الأطفال.. قام عدد من المفكرين ونادوا بخطأ الفكرة وخطرها وأثرها السيء في مستقبل الأسرة والمجتمع في أوروبا وأمريكا. من هؤلاء (ليندليس بال) الذي قال في كتابه (المشاكل الاجتماعية) : إن مالتوس لو كان حيا لما وسعه إلا الشعور بأن الإنسان في الغرب قد رمي إلى أبعد من اللازم بسبب تحديده للنسل، بل الحقيقة أنه أثبت أن نظرة قصير جدًا.. بشأن التفكير في حفظ مستقبل حضارته. ويضيف ليندليس بال: أن عدد سكان فرنسا وبليجكا قد قل من وقت لآخر؛ لأن الوفيات فيهما تزيد على المواليد، ولكن البقية الباقية من الأمم الصناعية المتحضرة في الغرب يواجهها أيضا هذا الخطر، وفى أمريكا نفسها قال علماء الإحصاء إن خطر قلة السكان سيتحول إلى حقيقة ثابتة بعد جيل واحد فقط. ويقول الأستاذ (كول) مؤلف كتاب (توجيه الرجل الذكي بعد الحرب) (ليست قلة السكان حلًا لمشكلة البطالة في بلادنا كما أنه من المحال أن يرتفع بها مستوى معيشة بقية السكان وستكون مؤثراتها الاقتصادية سيئة للغاية.. إذ لابد بسببها أن ترتفع نسبة العجائز فيضطر المنتجون إلى تشغيل المتقاعدين لكل ذلك علينا أن نستعين بكل طريق ممكن لمواجهة خطر قلة السكان) .

стр. 5219

ويقول سوروكون في كتابه (الثروة الجنسية في أمريكا) من قانون الفطرة أن أية أمة إذا لبت نداء شهواتها النفسية، وانقطعت إلى التشرد الجنسي غفلت عن إنجاب الذرية وتخليد النسل، وحسبت الأطفال عائقا في سبيل حريتها ولذاتها ورخائها الاقتصادى - وهو سلوك معاد لقانون الفطرة وبه يقل عدد أفرادها ثم ينحط ويتردى حتى لا تستطيع قضاء حاجاتها اللازمة، ولا تقدر على الاحتفاظ بشخصيتها المستقلة، ولا أن تدافع عن نفسها.. وهذا هو الانتحار! وقد قامت لجان في بريطانيا وفرنسا وأمريكا لدراسة النتائج التي ترتبت على فكرة تحديد النسل، وما لوحظ من نقص المواليد وزيادة الوفيات، ووضعت هذه اللجان تقاريرها المدعمة بالأرقام والحقائق الإحصائية، ودعت بمنتهى الصراحة إلى العمل على زيادة عدد أفراد كل أسرة بنسبة ٢٥ % على الأقل وحذرت من خطر النقص المتزايد في هبوط نسبة الولادة القومية، وأوصت هذه اللجان بمنح الأسر مكافأة مالية على قدر ما يكون لديها من أطفال، وأن تخف وطأة قانون الضريبة على المتزوجين الآباء وتشتد على غير المتزوجين، وأن تبنى على نطاق واسع بيوت تشتمل على أكثر من ثلاث حجرات للنوم.. كل ذلك تشجيعا على الزواج والولادة ومقاومة لخطر قلة التناسل التي نشأت من فكرة التحديد. وكذلك كانت الحال بالنسبة لألمانيا، وإيطاليا، والسويد، فقد شجعت هذه الدول جماهير شعبها على التناسل بعد أن سبق لها تطبيق فكرة التحديد ورأت من أخطاره ما رأت - فقد أصدرت ألمانيا قانونا لتحريم منع الحمل، وترويج طرقه وأخرجت النساء من المعامل والمصانع، وبذلت القروض لتشجيع الزواج والنسل، وكذلك أصدرت إيطاليا والسويد قوانين مماثلة أو شبيهة.

стр. 5220

تنظيم النسل في حالات فردية: أما إذا كانت هناك أسباب صحية تدعو إلى وقف التناسل في حالات فردية خاصة.. كأن تكون الأم لا تقوى على الحمل المتواصل لضعفها أو مرضها، أو أنها تحتاج عند كل وضع إلى شق بطنها لإخراج الجنين منه، وهو ما يفضي بها مع التكرار إلى ضرر شديد أو موت مؤكد، وما يشبه ذلك من أخطار وأضرار فردية.. فإن التشريع الإسلامي - في أصوله وقواعده الحكيمة الرحيمة - يأمر بمنع الضرر من ناحية، ويبيح المحظور للضرورة من ناحية أخرى. وهناك مسوغ آخر لتنظيم فترات النسل (أو الحمل) وهو رغبة الأبوين في إحسان تربية كل مولود ورعايته حتى يبلغ السادسة من عمره فيدخل المدرسة، وتتفرغ الأم عندئذ لمولود جديد.. ففي هذا الانتظار بين طفل وطفل - لا شك - مصلحة ظاهرة للآباء والأبناء معا. وقد جاءت بعض الآثار عن الصحابة الأجلاء ﵃ أنهم كانوا يعزلون على عهد رسول الله ﷺ فلم ينههم عن (العزل) وإنما وجههم وجهة إيمانية يقينية بأن الله ﵎ إن يشأ يثبت الحمل مهما عزلوا أو يمنعه مهما اتصلوا فهو القادر على كل شيء وهو الفعال لما يريد. وهذه (القدرة والمشيئة) اللإلهيتان المطلقتان اللتان لفت الرسول ﵊ إليهما أصحابه الذين كانوا يعزلون عن نسائهم طلبا لعدم الحمل - ما زالتا تتجليان على مدى الدهر فنحن نرى ونسمع أن امرأة تستعمل الأدوية المانعة للحمل فتحمل رغم أنفها وأنف زوجها، وأن أخرى لا تستعملها ولا تحمل على كره منها ومن زوجها، وصدق الله القدير الحكيم فيما قال . ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (١) . على أنه يجب أن نلاحظ أن العزل الفردي الذي كان يمارسه الصحابة إنما كان لأسباب فردية ومؤقتة منها: خشية أن تحمل الأمة، أو خشية أن تستحق الأمة إقامة دائمة إذا صارت أم ولد أو خشية أن يتعرض الرضيع للضرر إذا حدث الحمل أثناء الرضاعة.
следующие страницы →