التفريق بين ما يلزم ديانة وما يلزم قضاء:
وأما النقطة الثالثة وهي التفريق بين ما يلزم ديانة وما يلزم قضاء، لاتخاذ ذلك ذريعة إلى أن وجوب الوفاء بالوعد من الناحية الدينية، لا يترتب عليه تدخل السلطات الشرعية للقضاء به، والإلزام بتنفيذه، فالواقع أن الأصل هو الإلزام بكل ما أوجبه الله ورسوله، وما مهمة السلطات إلا تنفيذ ما أمر الله به، ومعاقبة من خرج عليه بحكم مسئوليتهم الشاملة.
والذي يتضح لي أن الأعلام الذين نقلنا رأيهم في وجوب الوفاء بالوعد، لم يكونوا يفرقون بين ما يلزم ديانة وما يلزم قضاء، بل الظاهر من سيرهم وأحوالهم وطريقة تفكيرهم أن كل ما يلزم المسلم دينا وشرعا، يقضى به عليه ويجبر على فعله في حالة الأمر والوجوب، وعلى تركه في حالة النهي والتحريم.
يؤكد هذا أن بعضهم كان بيده سلطة الإلزام والقضاء بالفعل مثل عمر بن العزيز وابن الأشوع وابن شبرمة، وإنما فرق الفقهاء بين الديانة والقضاء فيما له ظاهر وباطن، فيحكم القضاء بالظاهر، ويكل إلى الله السرائر، كما في حكم القاضي لمن هو ألحن بحجته، ومن شهدت له البينة ولو كاذبة، أو شهد له ظاهر الحال، وإن كان الواقع غير ذلك، فيجوز له أن يأخذ ما حكم له به قضاء لا ديانة.
وكذلك في بعض أحوال الطلاق ونحوه، قد يختلف القضاء عن الديانة، لاختلاف النية المكنونة عن الظاهر المشهود.. وهلم جرا.
وما قرره مؤتمر المصرف الإسلامي الأول المنعقد في " دبي " من " أن ما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك، وأمكن للقضاء التدخل فيه". يتفق مع اتجاه الشريعة الإسلامية في الإلزام بالواجبات الدينية المحضة وإشراك ولي الأمر في رعايتها، مثل الصلاة والصيام ونحوها مما شدد الشرع في فعله، وأوجب العقوبة على تركه، وإذا كان هذا في العبادات التي لها صفتها الدينية البارزة، فأولى من ذلك ما يتعلق بالعلاقات والمعاملات.
ومن المعروف أن عقوبة " التعزير " المفوضة إلى رأي الإمام، (ولي الأمر الشرعي) أو القاضي إنما محلها كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وهذا باب واسع يستطيع القانون أو القضاء أن يدخل منه ليحاكم أو يعاقب على كل إهمال متعمد لواجب ديني، ومن ذلك ترك من يتعرض للهلاك بالجوع أو العطش أو الغرق أو الحريق أو غير ذلك دون أن يسعفه، فإن المذهب المالكي وغيره يحمله مسئولية جنائية بتركه لواجبه الديني.
ومثل ذلك النفقة على البهيمة والرفق بها، مما هو واجب ديني في الأصل، ولكن عند إهماله يمكن أن يلزم القضاء، كما يدخل في سلطة المحتسب.
وقانون " الوصية الواجبة " الذي أخذت به بعض البلاد الإسلامية إنما أرادت به إلزام الأجداد قانونا، بما كان يجب أن يراعوه ديانة، نحو أحفادهم الذين ليس لهم نصيب من الميراث في تَرِكَتِهِم لموت آبائهم في حياتهم، فجمعوا بين اليتم والحرمان فألزموا بالوصية لهم وفقا للآية الكريمة في صورة البقرة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] .
стр. 5567
عقد الاستصناع عند الحنفية:
والخلاف في موضوع الوعد ومدى إلزامه، يشبه الخلاف الذي جاء في الفقه الحنفي حول " الاستصناع" الذي اتفق أئمة المذهب على جوازه، واعتباره بيعا صحيحا، برغم أنه بيع لمعدوم وقت العقد، ولكنهم أجازوه استحسانا، لتعامل الناس به الراجع إلى الإجماع العملي الممتد من عهد النبوة إلى اليوم بلا نكير، والتعامل بهذه الصفة- كما قال ابن الهمام - أصل مندرج في قوله ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) (١) اهـ.
ثم اختلف مشايخ المذهب في تكييفه: أهو مواعدة أم معاقدة؟
فالحاكم الشهيد والصفار ومحمد بن سلمة، وصاحب المنثور اعتبروه مواعدة، وإنما ينعقد عند الفراغ بيعا بالتعاطي، ولهذا كان للصانع ألا يعمل ولا يجبر عليه بخلاف السلم، وللمستصنع ألا يقبل ما يأتي به ويرجع عنه.
قال ابن الهمام: والصحيح من المذهب جوازه بيعا.. إلخ..
وإذا أتم صنع الشيء المطلوب فالمستصنع (بكسر النون) بالخيار إذا رآه: إن شاء أخذه وإن شاء تركه؛ لأنه اشترى ما لم يره ولا خيار للصانع؛ لأنه بائع باع ما لم يره، ومن هو كذلك فلا خيار له، وهو الأصح بناء على جعله بيعا لا عِدَة في رواية عن أبي حنيفة: أن له الخيار أيضا دفعا للضرر عنه؛ لأنه لا يمكنه تسليم المعقود عليه إلا بضرر.
وعن أبي يوسف: أنه لا خيار لهما، أما الصانع فلما ذكرنا (أنه بائع باع ما لم يره) ، وأما المستصنع فلأن الصانع أتلف ماله (أي بتحويله من مادة خام إلى مصنوعات) ليصل إلى بدله، فلو ثبت له الخيار تضرر الصانع؛ لأن غيره لا يشتري بمثله. ألا ترى أن الواعظ إذا استصنع منبرا فالعامي لا يشتريه أصلًا (٢) ؟
وهذا التعليل والتمثيل يرينا بوضوح كيف كان فقهنا يعيش في قلب الحياة العملية.
وقد عدلت " مجلة الأحكام العدلية" الشهيرة في مسألة " الاستصناع " عن قول أبي حنيفة ومحمد المفتى به في المذهب، والذي يجعل الخيار للمستصنع بعد إنجاز المصنوع، وإن جاء مستوفيا كل المواصفات المتفق عليها، وتبنت قول أبي يوسف في عدم الخيار وإلزامه بأخذ المستصنع. وهذا ما نصت عليه المادة ٢٩٢ من المجلة. وقد جاء في التقرير الذي قدمت به ما يأتي: -
" وعند الإمام الأعظم (أبي حنيفة) أن المستصنع له الرجوع بعد عقد الاستصناع، وعند الإمام أبي يوسف ﵀ أنه إذا وجد المصنوع موافقا للصفات التي بينت وقت العقد فليس له الرجوع، والحال أنه في هذا الزمان قد اتخذت معامل كثيرة تصنع فيها المدافع والبواخر ونحوها بالمقاولة، وبذلك صار الاستصناع من الأمور الجارية العظيمة، فتخيير المستصنع في إمضاء العقد أو فسخه يترتب عليه الإخلال بمصالح جسيمة.. لزوم اختيار قول أبي يوسف رحمه الله تعالى في هذا، مراعاة لمصلحة الوقت، كما حرر في المادة الثانية والتسعين بعد الثلاثمائة من هذه المجلة ".
هذا وبالله التوفيق
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور / يوسف القرضاوي
стр. 5568
الوفاء بالوعد وحكم الإلزام به
إعداد
الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
فلقد رغبت إلي الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ممثلة في أمينها العام المحترم الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة، أن أكتب بحثًا في الوعد وحكم الإلزام به، وكم كنت حريصًا على إجابة رغبة شيخنا الجليل ولكن صار لدي من المشاغل- ومنها إعداد بحث للمجمع في حكم تغير قيمة العملة بعد استقرارها في الذمة – هذه المشاغل حالت دون ذلك، فاكتفيت بجمع ما تيسر جمعه من أقوال أهل العلم في الموضوع، وصار مني بعض التعليقات اليسيرة عليها، وختمتها بتوجيه القول بلزوم الوعد على الواعد، بما لم أر أحدًا من أهل العلم قال به على وجه التفصيل مع ظهور قوة الاحتجاج به، أرجو أن يكون فيما ذكرته من نصوص أهل العلم مزيد إنارة وتبصير.
لا شك أن الوعد التزام بما لا يلزم قبله، والوفاء به من مكارم الأخلاق، ومن صفات الأصالة البشرية وقد قالوا: " وعد الحر دين" وقد اتفق العلماء ﵏ على أن الوفاء بالوعد من آكد المستحبات، واختلفوا في وجوبه على الواعد ووجوب الوفاء به، فذهب جمهورهم إلى عدم وجوبه، وأن الوفاء مستحب ومن مكارم الأخلاق، وذهب آخرون إلى وجوب الوفاء به ديانة وعدم صحة الحكم به قضاء وذهب فريق ثالث إلى وجوب الوفاء به ديانة وقضاء مطلقًا من غير تفصيل، وفرقة تقول بوجوب الوفاء به ديانة وقضاء إن كان الوعد على سبب سواء دخل الموعود في ذلك السبب أم لم يدخل، كأن يقول لإنسان: تزوج وعلي صداق زوجتك. فيلزمه الوفاء بالوعد، والفريق الثالث يشترط للقول بوجوب الوفاء ديانة وقضاء، أن يترتب على الموعود التزام بسبب دخوله في سبب الوعد، كأن يقول لآخر: اشتر هذه السلعة وأقرضك ثمنها. فإن اشتراها تعين عليه إقراضه ثمنها، وفيما يلي أقوال لبعض أهل العلم في حكم الوفاء بالوعد تفصيلًا للإجمال المتقدم ذكره:
١- جاء في أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب ما يلي:
أ) " إذا وعد أحدكم فلا يخلف "، رواه أبو يعلى والحاكم.
ب) " إن حسن العهد من الإيمان "، حسنه الحاكم وقال على شرطهما وأقره الذهبي.
جـ) " العِدَةُ دَيْنٌ "، فيه حمزة بن داود ضعفه الدارقطني لكن له عدة طرق فهو حسن.
стр. 5569
٢- في الجزء الخامس من فتح الباري على صحيح البخاري ص ٢٨٩ -٢٩٠ قال ابن حجر ما نصه: باب من أمر بإنجاز الوعد- وجه تعلق هذا الباب بأبواب الشهادات: إن وعد المرء كالشهادة على نفسه. قال الكرماني: قال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء اهـ. ونقل الإجماع في ذلك مردود فإن الخلاف مشهور لكن القائل به قليل، وقال ابن عبد البر وابن العربي: أجل من قال به عمر بن عبد العزيز، وعن بعض المالكية: إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به وإلا فلا. فمن قال لآخر: تزوج ولك كذا. فتزوج لذلك وجب الوفاء به وخرج بعضهم الخلاف على أن الهبة: هل تملك بالقبض أو قبله؟ وقرأت بخط أبي رحمه في إشكالات على الأذكار للنووي ولم يذكر جوابا عن الآية يعني قوله تعالى ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) وحديث: آية المنافق قال: والدلالة للوجوب فيها قوية فكيف حملوه على كراهية التنزيه مع الوعيد الشديد؟ وينظر هل يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء؟ أي يأثم بالإخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك.
ثم ذهب ﵀ يشرح أحاديث الباب فقال: قوله وفعله الحسن أي الأمر بإنجاز الوعد. قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٢) .
وفي رواية النسفي وذكر إسماعيل أنه كان صادق الوعد وروى ابن أبي حاتم من طريق الثوري أنه بلغه أن إسماعيل ﵇ دخل قرية هو ورجل فأرسله في حاجة، وقال له أن ينتظره، فأقام حولا في انتظاره، ومن طريق ابن شوذب أنه اتخذ ذلك الموضع مسكنا فسمي من يومئذ صادق الوعد.
стр. 5570
قوله: وقضى ابن الأشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة بن جندب- إلى قوله – قال أبو عبد الله هو المصنف، وأن إسحاق ابن إبراهيم يحتج بحديث ابن الأشوع أي هذا الذي ذكره عن سمرة بن جندب، والمراد أنه كان يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد – ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث، أحدها حديث أبي سفيان بن حرب في قصة هرقل أورد منه طرفا وقد تقدم موصولا في بدء الوحي.
ثانيها: حديث أبى هريرة في آية المنافق وقد تقدم شرحه في كتاب الإيمان.
ثالثها: حديث جابر في قصته مع أبي بكر فيما وعده به النبي ﷺ من مال في البحرين إلى آخره.
٣- وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم آية ٥٤] . قال: الثالثة من هذا الباب قوله ﷺ : ((العِدَةُ دَيْنٌ)) ، وفي الأثر: وَأْيُ المؤمن واجب إلى أن قال في المسألة الرابعة – قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه، فقال: نعم، وثم رجال يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان – إلى أن قال – وفي البخاري واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد، وقضى ابن الأشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة بن جندب قال البخاري ورأيت إسحاق ابن إبراهيم - يعني ابن راهويه – يحتج بحديث ابن الأشوع اهـ..
٤- وقال الشيخ الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسيره أضواء البيان على قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ ما نصه:
مسألة
اختلف العلماء في لزوم الوفاء بالعهد، فقال بعضهم: يلزم الوفاء به مطلقا. وقال بعضهم: لا يلزم مطلقًا. وقال بعضهم: إن أدخله بالوعد في ورطة لزم الوفاء به، وإلا فلا. ومثاله – ما لو قال له: تزوج. فقال له: ليس عندي ما أصدق به الزوجة، فقال: تزوج والتزم لها الصداق وأنا أدفعه عنك؛ فتزوج على هذا الأساس، فإنه قد أدخله بوعده في ورطة التزام الصداق، واحتج من قال يلزمه: بأدلة منها آيات من كتاب الله دلت بظواهر عمومها على ذلك وبأحاديث، فالآيات كقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (١) ، وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٣) الآية، وقوله هنا: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٤) الآية، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث؛ كحديث ((العِدَةُ دَيْنٌ)) .
стр. 5571
فجعلها دَينا دليل على لزومها: قال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: ((العدة دين)) رواه الطبراني في الأوسط، والقضاعي وغيرهما عن ابن مسعود، بلفظ قال: لا يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجز له؛ فإن رسول الله ﷺ قال: ((العدة دين)) . ورواه أبو نعيم عنه بلفظ: إذا وعد أحدكم صبيه فلينجز له؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ ... وذكره بلفظ " عطية " ورواه البخاري في الأدب المفرد موقوفا، ورواه الطبراني، والديلمي عن علي مرفوعا بلفظ: " العدة دين، ويل لمن وعد ثم أخلف، ويل له ". ثلاثا، ورواه القضاعي بلفظ الترجمة فقط، والديلمي أيضا بلفظ: ((الواعد بالعدة مثل الدين أو أشد)) أي وعد الواعد، وفي لفظ له ((عدة المؤمن دين، وعدة المؤمن كالأخذ باليد)) ، وللطبراني في الأوسط عن قباش بن أشيم الليثي مرفوعا: ((العدة عطية)) ، وللخرائطي في المكارم عن الحسن البصري مرسلا: ((أن امرأة سألت رسول الله ﷺ شيئا فلم تجده عنده، فقالت: عدني، فقال رسول الله ﷺ : " إن العدة عطية ")) وهو في مراسيل أبي داود، وكذا في الصمت لابن أبي الدنيا عن الحسن: أن النبي ﷺ قال: ((العدة عطية)) ، وفي رواية لهما عن الحسن أنه قال: ((سأل رجل النبي ﷺ شيئا، فقال: " ما عندي ما أعطيك " قال: عدني، فقال رسول الله ﷺ : " العدة واجبة)) قال في المقاصد بعد ذكر الحديث وطرقه: وقد أفردته مع ما يلائمه بجزء – انتهى منه، وقد علم في الجامع الصغير على الحديث من رواية علي عند الديلمي في مسند الفردوس بالضعف.
стр. 5572
وقال شارحه المناوي: وفيه دارم بن قبيصة، قال الذهبي: لا يعرف اهـ. ولكن قد مر لك أن طرقه متعددة، وقد روى عن غير علي من الصحابة كما قدمنا روايته عن ابن مسعود، وقباش بن أشيم الكناني الليثي ﵄.
وسيأتي في هذا المبحث إن شاء الله أحاديث صحيحة، دالة على الوفاء بالوعد.
واحتج من قال: بأن الوعد لا يلزم الوفاء به بالإجماع - على أن من وعد رجلا بمال إذا فلس الواعد لا يضرب الموعود بالوعد مع الغرماء، ولا يكون مثل ديونهم اللازمة بغير الوعد، حكى الإجماع على هذا ابن عبد البر، كما نقله عنه القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة، وفيه مناقشة وحجة من فرق بين إدخاله إياه في ورطة بالوعد فيلزم وبين عدم إدخاله إياه فيها فلا يلزم - أنه إذا أدخله في ورطة بالوعد ثم رجع في الوعد وتركه في الورطة التي أدخله فيها؛ فقد أضر به، وليس للمسلم أن يضر بأخيه؛ لحديث ((لا ضرر ولا ضرار)) .
وقال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: قال مالك: إذا سأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة فيقول له: نعم، ثم يبدو له ألا يفعل، فما أرى يلزمه، قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال: نعم، وثم رجال يشهدون عليه فما أحراه يلزمه إذا شهد عليه اثنان.
وقال أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، والشافعي وسائر الفقهاء: إن العدة لا يلزم منها شيء؛ لأنها منافع لم يقبضها في العارية؛ لأنها طارئة، وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض فلصاحبها الرجوع فيها، وفي البخاري: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (١) وقضى ابن أشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سمرة بن جندب، قال البخاري: ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع اهـ كلام القرطبي، وكلام البخاري الذي ذكر القرطبي بعضه هو قوله في آخر كتاب " الشهادات ": باب من أمر بإنجاز الوعد وفعله الحسن ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٢) وقضى ابن الأشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سمرة، وقال المسور بن مخرمة: سمعت النبي ﷺ ، وذكر صهرا له، قال وعدني فوفى لي، قال أبو عبد الله ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع: حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله: أن عبد الله بن عباس ﵄ أخبره.
стр. 5573
قال: أخبرني أبو سفيان: أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم؛ فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبي، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف)) . حدثنا إبراهيم ابن موسى، أخبرنا هشام عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: ((لما مات النبي ﷺ جاء أبا بكر مال من قبل العلاء ابن الحضرمي فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دين، أو كانت له قبله عدة فليأتنا، قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله ﷺ أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا. فبسط يديه ثلاث مرات، قال جابر: فعد في يدي خمسمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة،.)) حدثنا محمد بن عبد الرحيم، أخبرنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير: قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس، قال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله ﷺ إذا قال فعل – انتهى من صحيح البخاري – وقوله في ترجمة الباب المذكور " وفعله الحسن " يعني الأمر بإنجاز الوعد. ووجه احتجاجه بآية " إنه كان صادق الوعد " أن الثناء عليه بصدق الوعد يفهم منه أن إخلافه مذموم فاعله؛ فلا يجوز، وابن الأشوع المذكور هو سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني الكوفي، كان قاضي الكوفة في زمان إمارة خالد القسري على العراق، وقد وقع بيان روايته المذكورة عن سمرة بن جندب في تفسير إسحاق بن راهويه وهو إسحاق بن إبراهيم الذي ذكر البخاري أنه رآه يحتج بحديث ابن أشوع؛ كما قال ابن حجر في " الفتح "، والمراد أنه كان يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد.
стр. 5574
وصهر النبي ﷺ الذي أثنى عليه بوفائه له بالوعد هو أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ ، وقد أسره المسلمون يوم بدر كافرا، وقد وعده برد ابنته زينب إليه وردها إليه، خلافا لمن زعم أن الصهر المذكور أبو بكر ﵁، وقد ذكر البخاري في الباب أربعة أحاديث في كل واحد منها دليل على الوفاء بإنجاز الوعد.
الأول – حديث أبي سفيان بن حرب في قصة هرقل وهو طرف من حديث صحيح مشهور، ووجه الدلالة منه في قوله: " فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة" فإن جميع المذكورات في هذا الحديث مع الوفاء بالعهد كلها واجبة، وهي الصلاة والصدق والعفاف وأداء الأمانة، وقد ذكر بعد ذلك أن هذه الأمور صفة نبي والاقتداء بالأنبياء واجب.
الثاني- حديث أبي هريرة في آية المنافق. ومحل الدليل منه قوله ((وإذا وعد أخلف)) فكون إخلاف الوعد من علامات المنافق يدل على أن المسلم لا يجوز له أن يتسم بسمات المنافقين.
الثالث – حديث جابر في قصته مع أبي بكر، ووجه الدلالة منه أن أبا بكر قال: من كان له على النبي ﷺ دين أو كانت له قبله عدة.. الحديث.
فجعل العدة كالدين، وأنجز لجابر ما وعده به النبي ﷺ من المال. فدل ذلك على الوجوب.
الرابع – حديث ابن عباس في أي الأجلين قضى موسى، ووجه الدلالة منه أنه قضى أطيبهما وأكثرهما، وأن رسول الله ﷺ إذا قال فعل، فعلى المؤمنين الاقتداء بالرسل، وأن يفعلوا إذا قالوا، وفي الاستدلال بهذه الأحاديث مناقشات من المخالفين. ومن أقوى الأدلة في الوفاء بالعهد قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) ؛ لأن المقت الكبير من الله على عدم الوفاء بالقول يدل على التحريم الشديد في عدم الوفاء به، وقال ابن حجر في " الفتح" في الكلام على ترجمة الباب المذكور وقال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض؛ لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به من الغرماء اهـ.
ونقل الإجماع في ذلك مردود؛ فإن الخلاف مشهور لكن القائل به قليل، وقال ابن عبد البر وابن العربي أجل من قال به عمر بن العزيز: انتهى محل الغرض من كلام الحافظ في الفتح. وقال أيضا: وخرج بعضهم الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في الهبة، هل تملك بالقبض أو قبله؟
فإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وما استدل به كل فريق منهم- فاعلم أن الذي يظهر لي في هذه المسألة - والله تعالى أعلم - أن إخلاف الوعد لا يجوز؛ لكونه من علامات المنافقين، ولأن الله يقول: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: آية (٣) ] ، وظاهر عمومه يشمل إخلاف الوعد ولكن الواعد إذا امتنع من إنجاز الوعد لا يحكم عليه به ولا يلزم به جبرًا بل يؤمر به ولا يجبر عليه؛ لأن أكثر علماء الأمة على أنه لا يجبر على الوفاء به؛ لأنه وعد بمعروف محض، والعلم عند الله تعالى.
стр. 5575
٥- وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في فتاواه ص٣٩٥ قال في الإقناع وشرحه عن الرعاية: ولو قال لزيد: طلق زوجتك وعلي ألف أو مهرها. فطلقها لزمه ذلك بالطلاق، ولو قال: بع عبدك من زيد بمائة وعلي مائة أخرى لم يلزمه شيء، والفرق أن ليس في الثاني إتلاف بخلاف الأول، اهـ.
أقول: وفي هذا الفرق نظر فإنه إنما اختار بيعه بمائة لضمان المائة الأخرى فكأنه لم يرض ببيعه إلا بمائتين، والذي تقتضيه القواعد استواء المسألتين في الضمان، اهـ.
٦- وقال ﵀ في فتاواه ص ٣٧٥ ما نصه:
مرادهم بقولهم " الحال لا يتأجل " أنه إذا حل عليه دين فرضي بتأجيله بعد حلوله أنه وعد لا يجب عليه الوفاء به بل ليس له الوفاء به، ولو شرط على نفسه ذلك لم يلزمه وليس له مأخذ غير ما عللوه به، ومأخذ القائلين بتأجيله بعد حلوله إذا رضي صاحب الحق أولى فإن الشارع أمر بالوفاء بالوعود والعهود، وذم المخالفين للوعد وأخبر أنه من نعوت المنافقين، وهذا القول هو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد واختاره الشيخ وجملة من الأصحاب- إلى أن قال- والصواب أن القرض والعارية والديون الحالة تلزم بالتأجيل ولا يطالب صاحبها قبل حلول الأجل اهـ.
٧- وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته على الروض المربع جـ٥ ص ٤٠ على قول الزاد: بل ثبت بدله بذمته أي ذمة المقترض حالا ولو أجله المقرض، ما نصه قضية تشبيهه بالصرف عدم جواز التأجيل في القرض وعنه صحة تأجيله ولزومه إلى أجله وهو مذهب مالك وصوبه في الإنصاف، وقال الشيخ تقي الدين: الحال يتأجل بتأجيله سواء كان الدين قرضا أو غيره لقوله: المسلمون على شروطهم. وقال ابن القيم: هو الصحيح لأدلة كثيرة اهـ.
وقال على قول الزاد: قال الإمام: القرض حال وينبغي أن يفي بوعده؛ لأن الوفاء بالوعد مستحب. واختار الشيخ لزومه إلى أَجَلٍ، وفي الإنصاف: اختار الشيخ صحة تأجيله ولزومه إلى أجله سواء كان قرضا أو غيره، وذكره وجها وهو الصواب ومذهب مالك والليث وذكره البخاري عن بعض السلف اهـ.
стр. 5576
٨- وقال ابن القيم في إعلام الموقعين جـ ٣ ص ٤٤٥ ما نصه:
المثال الحادي والثلاثون: اختلف الناس في تأجيل القرض والعارية إذا أجلها، فقال الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه وأبو حنيفة: لا يتأجل شيء من ذلك بالتأجيل وله المطالبة به متى شاء. وقال مالك: يتأجل بتأجيل، فإن أطلق ولم يؤجل ضرب له (أجل مثله) وهذا هو الصحيح لأدلة كثيرة مذكورة في موضعها اهـ.
٩- قول الأستاذ الكبير مصطفى أحمد الزرقا في كتابه المدخل الجزء الثاني ص ١٠٢٣ - ١٠٢٤ تفريعا على قاعدة المعلق بالشرط يجب ثبوته عند ثبوت الشرط ما نصه: المواعيد بصورة التعاليق تكون لازمة:
الأصل في الوعد أنه لا يلزم صاحبه قضاء وإن كان الوفاء به مطلوبا ديانة ...
فلو وعد شخص آخر بقرض أو بيع أو بهبة أو بفسخ أو بإبراء أو بأي عمل حقوقي آخر لا ينشأ بذلك حق للموعود فليس له أن يجبره على تنفيذه بقوة القضاء، غير أن الفقهاء الحنفيين لحظوا أن الوعد إذا صدر معلقا على شرط فإنه يخرج عن معنى الوعد المجرد، ويكتسي ثوب الالتزام والتعهد فيصبح عندئذ ملزما لصاحبه (شرح العلامة علي حيدر على المجلة) ، وذلك فيما يظهر اجتنابا لتغرير الموعود بعدما خرج الوعد مخرج التعهد، وقد قال ابن نجيم في الحظر والإباحة من الأشباه جـ ٢ ص ١١٠ لا يلزم الوعد إلا إذا كان معلقا. وعلى هذا قرر الفقهاء أنه لو قال شخص لآخر: بع هذا الشيء من فلان وإذا لم يعطك فأنا أعطيكه. فلم يعطه المشتري الثمن بعد المطالبة التزم القائلُ، وكذا لو باع شيئا بغبن فاحش فقال المشتري للبائع المغبون: إذا رددت إلي الثمن فسخت لك البيع. كان هذا الوعد ملزما ويصبح البيع كبيع الوفاء الذي هو في معنى الرهن - إلى أن قال – وفي الاجتهاد المالكي أربعة آراء فقهية حول لزوم الوعد وعدم لزومه قضاء، والمشهور من هذه الآراء أنه يعتبر الوعد بالعقد ملزما للواعد قضاء إذا ذكر فيه سبب ودخل الموعود تحت التزام مالي بمباشرة ذلك السبب بناء على الوعد، وذلك كما لو وعد شخصٌ آخرَ بأن يقرضه مبلغا من المال بسبب عزمه على الزواج ليدفعه مهرا أو ليشتري به بضاعة، فتزوج الموعود أو اشترى البضاعة ثم نكل الواعد عن القرض، فإنه يجبر قضاء على تنفيذ وعده (الفروق للقرافي جـ٤ ص٢٤ – ٢٥ ورسالة الالتزام للحطاب وهي منشورة في الجزء الأول من فتاوى الشيخ عليش، بحث مسائل الالتزام) وهذا وجيه جدا فإنه بنى الالتزام على فكرة دفع الضرر الحاصل فعلا للموعود من تغرير الواعد، فهو أوجه من الاجتهاد الحنفي الذي بنى الالتزام على الصور اللفظية للوعد هل هي تعليقية أو غير تعليقية، فإن التعليق وعدمه لا يغير شيئا من حقيقة الوعد اهـ. وجاء في حاشية المدخل للزرقا قوله: وقال أصبغ من فقهاء المالكية: يكفي للإلزام بالوعد ذكر السبب من زواج أو بناء أو غيرهما ولو لم يباشره الموعود اهـ.
стр. 5577
١٠- ونظرا إلى أن جمهور القائلين بالإلزام بالوعد على تفصيل بينهم، هم فقهاء المذهب المالكي، ولقد كتب أبو عبد الله محمد عليش في الموضوع بحثا قيما مستفيضا تكلم فيه عن الوعد وأقسامه، وحكم كل قسم مستعرضا في ذلك نصوص فقهاء مذهبه - المذهب المالكي - وذلك في كتابه فتح العلي المالك المشهور فتاوى عليش وذلك في الجزء الأول ص ٢٥٤- ٢٥٨ رأيت أن هذا البحث مجز عن استعراض أقوال فقهاء المذهب المالكي وعليه فقد جرى مني نقله بكامله وجعله بعضا من هذه النقول في المسألة: قال أبو عبد الله محمد أحمد عليش المتوفى ١٢٩٩ ﵀ في كتابه فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك ما نصه:
(تنبيه) يجب الوفاء بنذر العتق وإن لم يكن في ملك الناذر حينئذ ما يعتقه، قال في كتاب النذور من المدونة فيمن نذر عتق رقبة فلم يستطعها: إن الصوم لا يجزئه فهذا يدل على أنه يلزم الوفاء به، وإن لم يكن في ملكه من يعتقه، وقال في رسم العبرة من سماع يحيى من كتاب العتق في رجل جعل على نفسه رقبة من ولد إسماعيل، قال مالك: ليعتق رقبة، قيل له: أيجزئه رقبة من الذبح؟ قال: ليعتق رقبة أقرب الرقاب إلى ولد إسماعيل، قال ابن رشد: وهذا كما قال؛ لأن للشريف في النسب حرمة توجب التنافس في العبيد من أجلها وكزيادة في ثمنها والأجر على قدر ذلك اهـ.
(فصل) وأما العدة فليس فيها إلزام الشخص نفسه شيئا الآن وإنما هي كما قال ابن عرفة: إخبار عن إنشاء المخبر معروفًا في المستقبل، ولا خلاف في استحباب الوفاء بالوعد. وقد قال مالك في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب الحج ومن كتاب العدة فيمن هلك وعليه مشي إلى بيت الله فسأل ابنه أن يمشي عنه فوعده بذلك، فقال مالك: أما إذا وعد فإني أحب له أن لو فعل ذلك، ولكن ما ذلك رأي أو يمشي أحد عن أحد، ولكني أحب له إذا وعده أن يفعل ذلك. قال ابن رشد: المعنى في هذه المسألة أن مالكا استحب له أن يفي لأبيه بما وعده به من المشي عنه وإن كان ذلك عنده لا قربة فيه من ناحية استحباب الوفاء بالوعد في الجائزات التي لا قربة فيها. اهـ.
стр. 5578
فالوفاء بالعدة مطلوب بلا خلاف واختلف في وجوب القضاء بها على أربعة أقوال حكاها ابن رشد في كتاب جامع البيوع، وفي كتاب العارية، وفي كتاب العدة ونقلها عنه غير واحد فقيل: يقضى بها مطلقا، وقيل: لا يقضى بها مطلقا، وقيل: يقضى بها إن كانت على سبب وإن لم يدخل الموعود بسبب العدة في شيء كقولك: أريد أن أتزوج أو أن أشتري كذا أو أن أقضي غرمائي فأسلفني كذا، أو أريد أن أركب غدا إلى مكان كذا فأعرني دابتك، أو أن أحرث أرضي فأعرني بقرك، فقال: نعم، ثم بدا له قبل أن يتزوج أو أن يشتري أو أن يسافر فإن ذلك يلزمه ويقضى عليه به فإن لم يترك الأمر الذي وعدك عليه وكذا لو لم تسأله، وقال لك هو من نفسه: أنا أسلفك كذا لتقضي دينك أو لتتزوج أو نحو ذلك، فإن ذلك يلزمه ويقضى به عليه، ولا يقضى بها إن كانت على غير سبب كما إذا قلت: أسلفني كذا ولم تذكر سببا أو: أعرني دابتك أو بقرك ولم تذكر سفرا ولا حاجة، فقال: نعم، ثم بدا له أو قال هو من نفسه: أنا أسلفك كذا أو: أهب لك كذا، ولم يذكر سببا ثم بدا له والراجح يقضى بها إن كانت على سبب ودخل الموعود بسبب العدة في شيء، وهذا هو المشهور من الأقوال، قال في آخر الرسم الأول من سماع أصبغ من جامع البيوع قال أصبغ: سمعت أشهب وسئل عن رجل اشترى من رجل كرما فخاف الوضيعة، فأتى ليستوضعه، فقال له: بع وأنا أرضيك، قال: إن باع برأس ماله أو بربح فلا شيء عليه، وإن باع بالوضيعة كان عليه أن يرضيه، فإن زعم أنه أراد شيئا سماه فهو ما أراد، وإن لم يكن أراد شيئا أرضاه بما شاء وحلف بالله ما أراد أكثر من ذلك إن لم يكن أراد شيئًا يوم قال ذلك: قال أصبغ.. وسألت عنها ابن وهب فقال: عليه رضاه بما يشبه ثمن تلك السلعة والوضيعة فيها قال أصبغ: قول ابن وهب هو أحسن عندي وهو أحب إلي إذا وضع فيها، قال محمد بن رشد: قوله بع وأنا أرضيك عدة إلا أنها عدة على سبب وهو البيع، والعدة إذا كانت على سبب لزمت بحصول السبب في المشهور من الأقوال، وقد قيل: إنها لا تلزم بحال، وقيل: إنها تلزم على كل حال، وقيل: إنها تلزم إذا كانت على سبب وإن لم يحصل السبب. وقول أشهب: إن زعم أنه أراد شيئا سماه فهو ما أراد يريد مع يمينه ومعناه إذا لم يسم شيئا يسيرا لا يشبه أن يكون أرضاه، والدليل على أنه يحلف على مذهبه إذا قال: أردت كذا وكذا لما يشبه قوله إنه إن لم يكن أراد شيئا أرضاه بما شاء وحلف أنه ما أراد أكثر من ذلك، وجوابه هذا على أصله في كثير من مسائله إذ لا يؤخذ بأكثر مما يقر به على نفسه، واليمين في هذا يمين تهمة؛ إذ لا يمكن المستوضع أن يدعي بينة فيحقق الدعوى عليه بخلاف ما ذكر أنه أراده فيدخل فيها من الخلاف ما يدخل في يمين التهمة، وأما ابن وهب فأخذه بمقتضى ظاهر لفظه وألزمه إرضاءه إلا أن لا يرضى بما يقول الناس فيه أنه أرضاه، فلا يصدق إن لم يرض ويؤخذ بما يقول الناس فيه أنه أرضاه، هذا معنى ولو حلف ليرضيه لم يبر إلا باجتماع الوجهين وهما أن يضع عنه ما يرضى به وما تقول الناس فيه أنه أرضاه وقد مضى ما يدل على هذا في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب النذور في الحلف ليرضين غريمه من حقه اهـ.
стр. 5579
قلت: وهذا القول الذي شهره ابن رشد في القضاء بالعدة إذا دخل بسببها في شيء قال الشيخ أبو الحسن في أول كتاب الأول وفي كتاب الغرر: إنه مذهب المدونة لقولها في آخر كتاب الغرر: وإن قال: اشتر عبد فلان وأنا أعينك بألف درهم فاشتراه لزمه ذلك الوعد اهـ. وهو قول ابن القاسم في سماعه من كتاب العارية وقول سحنون في كتاب العدة ونصه في سماع عيسى: قلت لسحنون: ما الذي يلزم من العدة في السلف والعارية قال: ذلك أن يقول الرجل للرجل: اهدم دارك وأنا أسلفك أو اخرج إلى الحج وأنا أسلفك أو تزوج امرأة وأنا أسلفك، وعزاه له ابن رشد في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم من كتاب العارية، وقال القرافي في الفروق الرابع عشر بعد المائتين قال سحنون: الذي يلزم من الوعد اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبنى به أو: اخرج إلى الحج وأنا أسلفك أو اشتر سلعة أو تزوج امرأة وأنا أسلفك؛ لأنك أدخلته بوعدك في ذلك، أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به بل الوفاء به من مكارم الأخلاق اهـ.
وقال اللخمي في كتاب الشفعة لها ذكر حجة مقابل المشهور القائل بلزوم إسقاط الشفعة قبل الشراء ما نصه: ولو قال له: اشتر هذا الشقص والثمن علي، فاشتراه لزم أن يغرم الثمن الذي اشتراه به؛ لأنه أدخله في الشراء وهذا قول مالك وابن القاسم اهـ.
والقول بأنه يقضي بها إذا كانت على سبب وإن لم يدخل بسببها في شيء هو قول أصبغ في كتاب العدة وقول مالك في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم وهو قوي أيضا، والقول بعدم القضاء بها مطلقا في سماع أشهب من كتاب العارية والقول بالقضاء بها مطلقا لم يعزه ابن رشد، وهذان القولان ضعيفان جدا والله أعلم.
(فرع) إذا قال له: إن غرمائي يلزمونني بدين فأسلفني أقضهم، فقال: نعم ثم بدا له فقال أصبغ من سماع عيسى من كتاب العدة: يلزمه ذلك، ويحكم عليه به وهو جار على قوله: بلزوم العدة إذا كانت على سبب ولم يدخل بسببها في شيء، وقال ابن القاسم: إنما يلزمه إذا اعتقد الغرماء منه على موعد أو أشهد بإيجاب ذلك على نفسه وذلك على أصله من أنه لا يقضي بالعدة إلا إذا دخل بسببها في شيء، ولو قال: أشهدكم أني فاعل أو أفعل فظاهر كلام مالك في سماع ابن القاسم من العارية أنه تردد في الحكم عليه بذلك، وأن الظاهر اللزوم. قال ابن رشد ولو قال: أشهدكم أني قد فعلت لما وقف في إيجابه عليه ولزوم القضاء به اهـ.
(فرع) قال في سماع أشهب من كتاب العارية فيمن حلف ليوفين غريمه إلى أجل، فلما خشى الحنث ذكر ذلك الرجل فقال: لا تخف ائتين هذه العشية أعطيكها، فلما كان العشي جاءه فأبى أن يعطيه فقال له: أغررتنى حتى خفت أن يدخل علي الطلاق أقراه له لازما، فقال له: لا والله ما أرى ذلك لازما له وما هو من مكارم الأخلاق ولا محاسنها قال ابن رشد قد قيل إنه يلزمه وهو الأظهر؛ لأنه غره ومنعه أن يحتال لنفسه بما يبر به من سلف أو غيره اهـ.
قلت فالقول الأول مبني على أن العدة لا يقضى بها ولو كانت على سبب ودخل في السبب وقد تقدم أنه في سماع أشهب من العارية، والثاني مبني على أنه يقضي بها إذا كانت على سبب وعلى المشهور أيضا؛ لأنه قد أدخله بسبب العدة في عدم الاحتيال لنفسه حتى خشي الحنث والله تعالى أعلم.
стр. 5580
(تنبيه) وأما الفرق بين ما يدل على الالتزام وما يدل على العدة فالمرجع فيه إنما هو إلى ما يفهم من سياق الكلام وقرائن الأحوال بحيث دل الكلام على الالتزام ولهذا قال الشيخ خليل في مختصره في باب الخلع: ولزمت البينونة إن قال: إن أعطيتني ألف فارقتك أو أفارقك إن فهم الالتزام أو الوعد إن ورطها فالشرط في قوله إن ورطها راجع إلى الوعد قال في التوضيح كما لو باعت قماشا أو كسرت حليها والله تعالى أعلم، ولا يفرق بين العدة والالتزام بصيغة الماضي والمضارع كما قد يتبادر للفهم من كلام ابن رشد في رسم حلف من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق وسيأتي في الباب الثالث إن شاء الله تعالى ذكره بتمامه فإن الالتزام قد يكون بصيغة المضارع إذا دلت القرائن عليه كما يفهم من كلام الشيخ خليل الماضي في مسألة الخلع ومن كلام ابن رشد المتقدم قريبا من كلام أصبغ الآتي في الفرع بعد هذا نعم صيغة الماضي دالة على الالتزام وإنفاذ العطية والظاهر من صيغة المضارع الوعد إلا أن تدل قرينة على الالتزام كما يفهم من كلام ابن رشد فتأمله والله تعالى أعلم.
(فرع) قال أصبغ في سماع عيسى من كتاب العدة لو سألك مديان أن تؤخره إلى أجل كذا وكذا فقلت أؤخرك لزمك تأخيره إلى الأجل، قلت: سواء قلت أنا أؤخرك أو قد أخرتك قال: نعم سواء في الحكم عليك غير أن قولك أنا أؤخرك عدة تلزمك وقولك قد أخرتك شيء واجب عليك كأنه من أصل حقك لم تبتدئه الساعة وكلاهما يلزمك الحكم به غير أن قولك قد أخرتك أوجبهما وأوكدهما. اهـ. ونقل هذا في الذخيرة واقتصر عليه وهو جار على قول أصبغ في القضاء بالعدة إذا كانت على سبب وإن لم يدخل بسببه في شيء وأما على المشهور فإنما يلزمه في قوله: أؤخرك إذا ورطه بذلك أو تدل قرينة على أنه أراد التأخير لا الوعد به فتأمله وهو يبين لك ما ذكرته من أن صيغة الماضي دالة على الالتزام، وصيغة المضارع إنما تدل عليه مع قرينة، ولم يتكلم ابن رشد على هذه المسألة بشيء بل قال: مضى تحصيل فيها سماع ابن القاسم من كتاب العارية ويشير إلى ما تقدم من الأقوال الأربعة في القضاء بالعدة.
стр. 5581
(فرع) قال في رسم حلف ليفعلن من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح: سئل مالك عن رجل كانت تحته امرأة فخطب أختها لابنه فقالت له عمتها: على صداق أختها فقال: لن أقصر بها إن شاء الله تعالى، فزوجوه، ثم إن الابن طلقها قال: أيقر هو بذلك؟ قال: نعم، قد قلت هذا القول ووعدتهم ولم أوجب على نفسي صداقا فرأيته يراه عليه وقال مرة فيصطلحوا وكأنه يراه عليه تشبيها، ويجاب ولم يبينه، قال ابن القاسم: أرى ذلك عليه إذا زوجوه على ذلك كأنه إنما تزوج على المكافأة، قال سحنون مثله، قال محمد بن رشد: أما إذا كان قولهم قد زوجناك جوابا لقوله لن أقصر عن صداق أختها فبين أن ذلك يلزمه كما قال ابن القاسم لأنه بمنزلة أن لو قالوا له نزوجك على أن لا تقصر عن صداق أختها وأما إن انقطع ما بين الكلامين فالأمر محتمل والأظهر إيجاب ذلك عليه كما ذهب إليه مالك وإن كان لم يبينه لأن ذلك أقوى من العدة الخارجة على سبب وفي التفسير ليحيى عن ابن القاسم أنه يحلف أنه ما أراد إيجاب ذلك على نفسه ولا يلزمه شيء فإن لكل غرم نصف الصداق ووجه ذلك أنه رأى قوله لن أقصر بها إن شاء الله عدة لا تلزم فلم يلزمه شيء إذا حلف أنه لم يرد إيجاب ذلك على نفسه وحلف بالتهمة دون تحقيق الدعوى ولذلك لم ترد اليمين وذلك فقوله على القول بلحوق يمين التهمة وأنها لا ترجع وقد اختلف في الوجهين. انتهى والله تعالى أعلم.
١١- وفي الفروق للقرافي في الفرق الرابع عشر بعد المائتين بحث مستفيض في مسألة الوعد وحكم الإلزام به وحاشية الشاطر عليه وتعقبه بعض آرائه في المسألة ورده عليه وحيث إن البحث قد لا يخرج عما ذكره الشيخ عليش ﵀ فقد رأيت الاكتفاء بلفت النظر إليه لمن يرغب الاستزادة من كلام أهل العلم دون نقله.
стр. 5582
١٢- ولقد سعدت بقراءة بحث قيم للدكتور يوسف القرضاوي عن المرابحة والرد على من يعترض على إجازتها وقد كان في رده بحث عن الوعد وحكم الإلزام به استعرض كثيرا من نصوص القائلين وظهر لي أنه من أجل البحوث في هذه المسألة فرأيت جعله جزءا من هذه النقول ونظرا لطوله فقد اعتبرته بحثا مستقلا وقدمت صورته لأمانة المجمع للتكرم بتصويره وتوزيعه على الإخوة المشاركين في هذه الدورة المباركة.
وهناك توجيه للقائلين بلزوم الوعد وهو أن من الوعد النذر والنذر عرفه بعض أهل العلم بأنه إيجاب طاعة غير واجبة وقد أجمع أهل العلم على وجوب الوفاء على الناذر إذا كان في طاعة لقول رسول الله ﷺ ((أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم)) . فإذا كان النذر ضربا من الوعد وهو حق لله تعالى وحقوق الله تعالى على عباده مبنية على التسامح والاتساع ومع ذلك فقد أجمع أهل العلم على لزومه ووجوب الوفاء به بشرطه فإن القول بوجوب الوفاء بالوعد علي العبد من باب أولى فإن حقوق العباد مبناها على المشاحة والمضايقة لا سيما إذا ترتب على الوعد التزام من الموعود أثر الوعد فإن في إخلاف الوعد ضررا على الموعود وقد قال ﷺ ((لا ضرر ولا ضرار)) .
ولا يخفى أن من حقوق الله الحدود وهي تدرأ بالشبهات ولا تدخلها الأيمان ويقبل من المقر بها الرجوع عن إقراره بخلاف حقوق العباد فإذا كان حق الله في النذر واجب الوفاء وهو في حقيقته وعد فحق العبد على أخيه الوفاء بوعده ولزوم وفائه متجه كاتجاه لزوم العبد وفاءه بنذره. وقد يرد علي هذا التوجيه بأن حق الله أولى فحق الله على عباده ليس كحقوق بعضهم على بعض لاسيما إذا كان من باب التبرع والالتزام بما لا يلزم. والله ولي التوفيق وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع
стр. 5583
الوفاء بالوعد في الفقه الإسلامي
بقلم
الشيخ هارون خليف جيلي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الوفاء بالوعد
تمهيد:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. وعلى آله الأطهار وأصحابه الأوفياء.
وبعد: فقد يلزم الإنسان نفسه بالتزامات تبرعية، ويطلب منه الوفاء مستقبلًا، لأن الحياة العملية للأفراد والجماعات اقتضت ذلك، لأن الفرد عضو من أعضاء مجتمعه، لابد له من رابط أو روابط بينه وبين المجتمع، فمنها روابط اجتماعية واقتصادية.
فالعقود المتنوعة صور معروفة وشائعة بين أفراد المجتمع، فيتولد عنها التزامات ينبغي الوفاء بها.
ومن مظاهر المجتمع المدني والريفي التزامات أفراده بالوعود والعهود المختلفة، فقديمًا أخذ الإنسان يعد لأخيه الآخر ما سيعود نفعه إليهما.
والوعد يحقق معروفا لإنسان من طرف إنسان آخر. فإذًا هو أمر مشروع لإصلاح المجتمع والفرد، فلا شك أن يكون لوفائه وإنجازه أثر بليغ في العلاقات الاجتماعية إيجابيًا أو سلبيا.
وهي غالبا ما تنشأ عنها التزامات مالية، فالبحث فيها مفيد جدًا.
فلذا أقلب صفحات كتب الفقهاء حسبما تسنح لي الفرصة عسى أن أجد شيئا يمكن تناوله في صفحات قليلة، وأستمد من المولى العلي القدير العون والهداية والتوفيق والسداد، إنه قريب مجيب.
стр. 5584
المبحث الأول: تعريف الوعد لغة واصطلاحًا:
أ- تعريفه في اللغة: إن كلمة الوعد مصدر وعد يعد – بالكسر – وعدا وعدة، وموعودًا وموعدًا وموعدةً، ولها صيغ أخرى: كأوعد إيعادًا، وواعد مواعدة. واتعد اتعادًا، وتوعد توعدا.. وهذا من حيث الاشتقاق، أما من حيث المعنى اللغوي: فلم أر – فيما اطلعت فيه من كتب اللغة – من تعرض إلى تحديد المعنى الأصلي للفظة الوعد- إن لم تخن الذاكرة -، لكنهم قالوا (وعد الفحل – أي هدر.. ووعدت الأرض – أي رجي خيرها) ، ولعل هذا المعنى هو المعنى الأصلي لكلمة الوعد. ولكنهم تكلموا عن المعاني المختلفة كثيرا.
قال ابن سيده: يقال: وعده الأمر، وبه عدة ووعدا وموعدا وموعودا وموعدة. وهو من المصادر التي جاءت على مفعول ومفعلة ومفعولة، وقد تواعد القوم واتعدوا، وواعدوا الوقت والموضع. وواعده فوعده، وأوعده وتوعد.
وقال الفراء: يقال: وعدته خيرا ووعدته شرًا بإسقاط الألف – أي سأنيله إياه- وقال: فإذا أسقطوا الخير والشر، وقالوا في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته، ويقال في الخير الوعد والعدة، وفي الشرر: الإيعاد والوعيد.
وفي الصحاح: تواعد القوم: أي وعد بعضهم بعضا هذا في الخير وأما في الشر: فيقال: اتعدوا.
وخلاصة القول: إن الوعد يتعدى بنفسه إلى المفعول الثاني، وبالباء واللام أيضا. وأنه يستعمل في الخير والشر كما في مختار الصحاح وغيره. إذ هو شائع فيهما- كما هو الواضح وذكره البيضاوي في تفسيره وورد ذكرهما في القرآن الكريم بكثرة ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة ٢٦٨] ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج ٧٢] .
وأن الوعد يستعمل في الخير أكثر من الشر، كما في التفسير الوسيط وأن الوعد والعدة يستعملان في الخير، والإيعاد والوعيد في الشر فالمصدر هو الفارق لذا قال ابن النفيس في الياقوت " صرح أئمة اللغة: بأن الوعد يستعمل في الخير والشر مقيدا.. وأما عند الإطلاق: فيستعمل الوعد في الخير والإيعاد في الشر ".
وإن صيغ الوعد اللغوية أكثرها واردة في الكتاب والسنة.
فمنها: المواعدة التي في قوله تعالى ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]
وقوله تعالى ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة ٢٣٥] .
ومنها: التوعد الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٨٦] .
стр. 5585
ومنها: التواعد الوارد في قوله: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الانفال ٤٢] منها الموعدة الواردة في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة ١١٤] .
ومنها: العدة التي في الحديث المتفق عليه عن جابر بن عبد الله في ما شأن وعده النبي ﷺ ووفى له أبو بكر بعد وفاة النبي حيث: " إن أبا بكر أمر مناديًا، فنادى من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتنا ... ".
ومنها: الإيعاد الوارد في الحديث الشريف: " إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ".
ولكن الأكثر في ألسنة الفقهاء لا سيما فقهاء المالكية " الوعد والعدة والمواعدة ". وفي كتب اللغة أن العدة معناها اللغوي هو الوعد بعينه فيقال وعد فلان فلانا كذا وكذا أو بكذا وكذا والاسم منه العدة فالعدة إذا هي اسم منقوص من الوعد فيحمل معناه بلا زيادة ولا نقصان، وأن معنى المواعدة في اللغة إنشاء وعدين متقابلين من شخصين أو أكثر، كأن يعد عمر لعلي بأنه سيفعل له كذا وكذا، فيعد علي لعمر عقب وعده بأنه سيؤدي له كذا وكذا في مقابلة ذلك.
وأن معنى الوعد اللغوي هو الإخبار عن فعل أمر في المستقبل خيرًا كان أو شرًا، بخلاف الوعيد فإنه لا يكون إلا بالشر، وقيل معناهما واحد.
ب- أما تعريف الوعد في الاصطلاح الفقهي: فقد قال ابن عرفة المالكي العدة إخبار عن إنشاء المخبر معروفًا في المستقبل.
وقد قيل: إن فقهاء المالكية اعتادوا في اصطلاحهم حول كلمة العدة خاصة: أنها "الإعلان عن رغبة الواعد في إنشاء معروف في المستقبل يعود بالفائدة على الموعود له".
стр. 5586
وقال الفقيه الحنفي العيني، كما في عمدة القاري: الوعد هو الإخبار بإيصال الخير في المستقبل، والإخلاف جعل الوعد خلافًا، وقيل عدم الوفاء به وفي مواهب الجليل ما معناه أن المواعدة في الاصطلاح الفقهي –أي المالكية وفقهائهم هم الذين يتكلمون في موضوع الوعد أكثر من غيرهم من الفقهاء- هي إعلان شخصين عن رغبتهما في إنشاء عقد في المستقبل تعود آثاره عليهما.
وقال الحطاب –وهو من فقهائهم المعتمدين- " المواعدة: أن يعد كل واحد منهما صاحبه بالتزويج- مثلًا- فهي مفاعلة لا تكون إلا من اثنين، وإن وعد أحدهما دون الآخر فهي العدة.
فالتعريف الاصطلاحي للوعد والعدة والمواعدة: قد اعتمد التعريف اللغوي السابق، فقرر الفقهاء الوعد والمواعدة والعدة التي هي للخير واستبعدوا الوعيد والإيعاد اللذين هما لشر فالوعد لابد أن يكون بمعروف فإذا كان الوعد بشر فلا يجب الوفاء به، إن يكن محرمًا. كما قاله العسقلاني في الفتح.
جـ- هناك عقود قد تشاكل الوعد من حيث الشكل والحكم والوفاء من أهمها: العهد، والنذر، والجعالة، والهبة.
فقالوا للفرق بين الوعد والنذر: أن زمن الوفاء بهما في المستقبل فيتشابهان من ذلك الوجه وكذلك الوفاء في بعض الحالات، لكن تلك المشابهة لا تمنع وجود الفرق بينهما فالنذر وإن كان فيه معنى الوعد فيه القربة إلى الله وحده، وفي عدم الوفاء به كفارة بخلاف الوعد. ولذا عرف كل من الروياني والماوردي الشافعيين النذر " بأنه: الوعد بخير خاصة، وعند غيرهما: التزام قربة لم تتعين.
وقالوا للفرق بين الوعد والعهد: إن العهد في اللغة الأمان واليمين والموثق والذمة والحفاظ والوصية فتقول: عهد الله على لأفعلن كذا وكذا. أما معنى الوعد في اللغة فهو ما أسلفناه. ولهذا قيل للتفريق بين الوعد والعهد: إن العهد يكون ويراد به ما تعبد الله به العبد من أمور الدين، أو ما يكون بين العباد مما يكون بخلفه إتلاف مال أو نفس أو إدخال ضرر كبير، أما الوعد: فهو فيما لا يتعلق به حق لمخلوق، وكان خلفه كالساهي، أو ما لا يؤدي إخلافه إلى ضرر كبير – فقالوا- فمن نقض عهده – من غير عذر شرعي فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب يستحق به الهلاك.. ومن أخلف وعده كان آثما ولكنه لا يبلغ فاعله إلى الكفر والهلاك.
هذا، وقد ذكر العسقلاني في الفتح: أنه قد يتحد معناهما ولعل دليل اتحادهما ما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٥- ٧٧]
إذ بدأ الله بقوله ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ فلما أخلفوا رتب عليهم ما رتب عليهم من النفاق الأبدي ثم علله الله بقوله ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾
стр. 5587
وقيل: (إن العهد هو الوصية والوعد الموثق) ففي " التفسير الوسيط" الذي اشترك في تأليفه نخبة من العلماء المعاصرين تحت قوله تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة. ٤] العهد هو الوصية والموعد الوثق.
وفي تفسير " غرائب القرآن ورغائب الفرقان " تحت قوله تعالى ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة ١٧٧] المراد بالعهد ما أخذه الله من العهود على عباده بقولهم وعلى ألسنة رسله إليهم بالقيام بحدوده والعمل بطاعته، فقبل العباد ذلك حيث آمنوا بالأنبياء والكتب، ويندرج فيه ما يلتزمه المكلف ابتداء من تلقاء نفسه مما يكون بينه وبين الله كالنذور، والأيمان، أو بينه وبين رسول الله كالبيعة. أو بينه وبين الناس، سواء كان واجبا، كعقود المعاوضات أو مندوبا كالمواعيد، فلذا قال المفسرون ههنا: هم الذين إذا وعدوا أنجزوا وإذا حلفوا أو نذروا أوفوا وإذا ائتمنوا أدوا وإذا قالوا صدقوا)
وفي صفوة التفاسير ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ " أي ومن يوفون بالعهد ولا يخلفون الوعود"
وقالوا في التفريق بين الوعد والجعالة: إن في الجعالة معنى المعاوضة لأن الجاعل يلتزم بفعل خير للمجعول له مقابل قيام الأخير بعمل يطلبه الجاعل مقابل الجعل، بخلاف الوعد، فإنه التزام عمل معروف لآخر بدون مقابل.
وقالوا في التفريق بين الوعد والهبة: إن الهبة في اللغة: إيصال النفع إلى الغير، وفي الشرع: تمليك العين للغير بلا عوض، وركناها: الإيجاب والقبول، لأنها عقد. فاعتبر القبول عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة لصحتهما بخلاف الوعد فهو لا يحتاج إلى قبول أصالة، وليس عقدا عند الجمهور.
стр. 5588
د- صيغة الوعد لدى الفقهاء:
تكلم فقهاء المالكية عن صيغة الوعد فقد نقل عنهم ما معناه: أن العدة أن يقول الرجل مثلا: أنا أفعل كذا وكذا.. بصيغة الاستقبال. وأما إذا قال: قد فعلت كذا وكذا فهي عطية. وإن قال الواعد للموعود: لك كذا وكذا فقوله هذا أشبه بقوله قد فعلت منه بصيغة الاستقبال.
ومن هذا يفهم بأن الصيغة التي ينبغي أن يعمل بها في إنشاء الوعد هي صيغة الاستقبال المقرونة بأداة التنفيس، أما الصيغة الماضية: فهي لا تحمل إنشاء الوعد وإنما تفيد التنجيز في الحال. ومع ذلك لا يكون استعمال الفعل المضارع دائما يفيد الوعد، بل لابد لدلالته الوعد وجود القرائن في سياق اللفظ، فإذا كان الفعل المضارع والقرائن التي في سياق الكلام يفيد أن الالتزام جزما فليس بوعد، وأما إذا وجد مع المضارع ما يفيد إرادة المستقبل فإنه الوعد لا غير.
هـ- مشروعية الوعد: جاء في أحكام القرآن للجصاص: أن الوعد مباح فلكل شخص أن يعد بالمعروف والخير من يشاء من الناس، ولكن ينبغي أن يتحفظ الشخص في إطلاق الوعود للناس، لأن الوفاء بالوعد أمر مستقبل، والإنسان لا يملك معرفة أحواله المستقبلية. قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان ٣٤] : فقد يعجز الواعد عن الوفاء، فيخلف الوعد، فيوصم بخصلة من خصال النفاق. وقال الغزالي – ﵀ في الإحياء " إن اللسان سباق إلى الوعد ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد خلفا. وذلك من أمارات النفاق) .
وفي " المحلى " ما روي عن النبي ﷺ أنه قال ((ولا تعد أخاك وعدا فتخلفه، فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة)) .
ومن هذا وغيره نعلم أن الوعد مباح إنشاؤه في أصل الشرع، وممدوح إفشاؤه بين الناس وأن الوفاء به مأمور به، وإخلافه منهي عنه ... كما سنوضحه إن شاء الله، ولكنه قد يكون محرمًا كالوعد بالخمر أو الزنا أو الربا فالوفاء بهذا ونحوه محرم.
стр. 5589
و من أهم التصرفات التي يدخلها الوعد ويسن الوفاء بها أو يجب على اختلاف الفقهاء فيها كما سيأتي: هي التصرفات التي تدخل تحت التبرعات كالهبة والعارية، والصدقة والقرض، وما شاكلها.
أما التصرفات التي تدخل تحت المعاوضات المالية: كالبيع والإجارة، وما شابهها، وقد ألحقوا فيها النكاح: فإن الوعد بها لا يلزم ولا يثبت، كما لا يلزم الوفاء بها.
فقد نقل عن الحطاب المالكي أنه قال: (مدلول الالتزام لغة، إلزام الشخص نفسه ما لم يكن لازما له. وهو بهذا المعنى شامل للبيع والإجارة والنكاح وسائر العقود، وأما في عرف الفقهاء: فهو إلزام الشخص نفسه شيء من المعروف مطلقا أو معلقا على شيء. فهو معنى العطية، وقد يطلق في العرف على ما هو أخص من ذلك، وهو إلزام المعروف بلفظ الالتزام. وهو الغالب ... ) .
ونقل عن الإمام مالك أنه قال: من ألزم نفسه بمعروف لزمه، فإن البيع والإجارة والنكاح لا تدخل في دائرة وإنما الواعد يأخذ عوضًا عما يعد به فهي من المعاوضات.
وإن استعمل الواعد بصيغة الاستقبال التي هي بمعنى الوعد المجرد، مثل أن يقول: - سأبيع منك هذا بمبلغ كذا، فلا ينعقد بها البيع، لأن الوعد المجرد هو في معنى المساومة في البيع، فالبيع وأمثاله من المعاوضات تعتمد جزم الإرادتين في مجلس العقد بإيجاب وقبول مفيد للبت فيه بصيغة لا تسويف فيها، فإذا انتفت دلالة الصيغة على وقوع الارتباط والتعاقد فلا عقد ولا التزام، ولذا قرر الفقهاء المعاصرون أن الوعد بالبيع ينعقد به البيع ولا يلزم صاحبه قضاءً.
وأما الوعد بعقد النكاح فلا ينعقد به النكاح قطعا، ولا يلزم الواعد الوفاء فيه بوعده لم له من الاحتياط في هذا المضمار، ولكنه قد يلزم عليه الغرامات التي لحقت الطرف الآخر بسبب ذلك الوعد. فلا إلزام في عقود المعاوضات المالية، ولا فيما ألحق بها، لأن الفقهاء قاطبة قد اتفقوا على أن طريقها الجزم.
стр. 5590
المبحث الثاني: في حكم الوفاء بالوعد بصفة عامة:
أ- لقد تعرفنا فيما سبق: أن معنى الوعد في اللغة هو الإخبار عن فعل أمر في المستقبل خيرا كان أو شرا.
وأن الفقهاء في اصطلاحهم يستعملون كلمة الوعد بعين مدلولها اللغوي. أو قريب منه، حيث قالوا: إن حقيقة الوعد إلزام الشخص على نفسه عملا معروفا لشخص آخر، ولو كان فيه شر له أو لثالث.
فقد يكون الوعد بمعروف: كقرض حسن، أو صدقة أو عطاء، أو إعارة شيء ذي منفعة، أو تمليك عين مجانا.
وقد يكون بمؤانسة: كزيارة صاحب، وعيادة مريض، ومرافقة في نحو سفر ومسكن.
وقد يكون الوعد وعدًا بعقد من العقود اللازمة: الوعد بعقد النكاح، كما في خطبة النساء، والبيع والشراء.. أو بعقد من العقود الجائزة، كالوكالة. والجعالة. وغير ذلك من الأمور المباحة في أصل الشرع.
وقد يكون الوعد بأداء واجب شرعي: كأداء دين، ورد أمانة، وإنفاق واجب، وإتقان عمل.. ونحو ذلك من أداء الحقوق الواجبة عليه.
وقد يكون الوعد وعدًا بمعصية: كما إذا وعد شخصا صديقا له بقتل خصمه أو غريمه، أو بإتلاف ماله ظلمًا وعدوانًا.. ونحو ذلك من الأعمال المحرمة شرعا.
ب- أما الحكم التكليفي للوعد من حيث الوفاء به أو الإخلاف، ففيه التفصيل كالآتي:
١- اتفق الفقهاء على أن من وعد بشيء منهي عنه شرعا فإنه لا يجوز الوفاء بوعده، بل يجب عليه إخلافه، كما ذكره النووي في " كتاب الأذكار" وأبو بكر الجصاص في " أحكام القرآن " وابن حزم في " المحلى".
стр. 5591
قال ابن حزم الظاهري: (من وعد بما لا يحل- فعله – أو عاهد على معصية، فلا يحل له الوفاء بشيء من ذلك، كمن وعد بزنا أو بخمر أو بما يشبه ذلك، فصح أنه ليس كل من وعد فأخلف أو عاهد فغدر مذموما، ولا ملوما، ولا عاصيا. بل قد يكون مطيعا مؤديا بفرض ".
٢- واتفقوا – أيضًا – " بأن من وعد بشيء واجب شرعا: كأداء حق ثابت، أو فعل أمر لازم فقد وجب عليه إنجاز ذلك الوعد".
٣- واتفقوا – أيضا- أن من وعد بشيء مباح أو مندوب إليه.. فإنه ينبغي له الوفاء بوعده، لأن الوفاء بذلك من خصال الإيمان، ومكارم الأخلاق، ولأن الله تعالى أثنى على من صدق وعده ثناء جميلا، كما ذم من خالفه ذمًا قبيحا.. وإنه ينبغي الوفاء به، أعني بالمعروف: ديانة، ومروءة. وتخلقا بمكارم الأخلاق.
وقد قال الإمام يحيى بن شرف النووي الشافعي ﵀: " أجمع العلماء على أن من وعد إنسانا شيئا ليس بمنهي عنه فينبغي أن يفي بوعده".
وإذا أمعنا النظر في حكم هذا الوفاء بذلك النوع من الوعد وتتبعنا آراء الفقهاء فيه: يتضح لنا أنهم اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب:
وجوب الوفاء مطلقًا.
استحباب الوفاء لا وجوبه.
وجوب الوفاء به بتفصيل.
ويمكن تقسيم آرائهم إلى خمسة.
الوفاء بالوعد واجب.
الوفاء بالوعد واجب إلا لعذر.
الوفاء بالوعد مستحب.
الوفاء بالوعد أفضل من عدمه إذا لم يكن هناك مانع.
الوفاء بالوعد المجرد غير واجب، أما الوعد المعلق على شرط: فيكون لازما.
ولكنني سأتناول الطريقة الأولى التي تقول إن في المسألة ثلاثة مذاهب " الوجوب مطلقًا – والاستحباب مطلقًا- والتفصيل" في المبحث التالي بصفة أوسع مما سبق- إن شاء الله-.
стр. 5592
المبحث الثالث: أقوال الفقهاء المشهورين في الوعد:
أ- المذهب الأول: وجوب الوفاء بالوعد مطلقا.
وهو رأي الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، فقد قال القاضي أبو بكر ابن العربي الأندلسي: أجل من ذهب إلى هذا المذهب عمر بن عبد العزيز. ذكره الإمام النووي في الأذكار.
وهو قول الحسن البصري، ومذهب الصحابي الجليل سمرة بن جندب ﵁، ورأي الإمام إسحاق بن راهويه، ورأي الفقيه المالكي المشهور ابن شبرمة، وبه قضى القاضي سعيد بن عمر بن الأشوع الهمداني.. وغير هؤلاء من السلف والخلف كما في " فتح الباري " و" عمدة القاري" و" المحلي".
فكل هؤلاء يقولون ما معناه: إن الوعد ملزم مطلقًا ويجب الوفاء به ديانة وقضاء، وقد حكى ابن حزم في " المحلى" عن ابن شبرمة أنه قال: " الوعد كله لازم، ويقضى به على الواعد، ويجبر". وذكر البخاري في صحيحه بأنه قول الحسن البصري وأن القاضي سعيد بن الأشوع قضى بوجوب إنجاز الوعد، وأن وجوب إنجاز الوعد هو مذهب الصحابي سمرة بن جندب. وأنه رأي ابن راهويه.
ووجوب الوفاء بالوعد مطلقا مذهب بعض المالكية ووصفوه بأنه مذهب ضعيف ولكن الفقيه المالكي ابن الشاط صحح هذا المذهب في حاشيته على الفروق.
وإليه ذهب العلامة تقي الدين السبكي الشافعي كما ذكر ابنه تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى.
وقال الإمام الغزالي الشافعي – ﵀: " إذا فهم الجزم في الوعد فلابد من الوفاء به إلا إذا تعذر، وقد يفهم الجزم في الوعد إذا اقترن به حلف أو إقامة شهود على الوعد أو قرائن أخرى ... ".
وذهب إلى ذلك – أيضا- القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي كما ذكره القرطبي في كتابه " الجامع لأحكام القرآن ".
وحكى ابن رجب الحنبلي في كتابه " جامع العلوم والحكم" وجوب الوفاء بالوعد مطلقا عن طائفة من أهل الظاهر وغيرهم.
وهو وجه صحيح من مذهب العلامة تقي الدين ابن تيمية ٠. كما في شرح المقنع.
ومن هذه الأقوال نعلم: أنه يوجد في كل مذهب من المذاهب الفقهية أكثر من فقيه مشهور يقول بلزوم الوعد ووجوب الوفاء به ديانة وقضاء إلا لعذر.
стр. 5593
ب- أدلة هذا المذهب الأول:
لقد استدل القائلون بهذا القول بنصوص من الكتاب والسنة النبوية:
١- منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف٢-٣] فذكر المفسرون كابن كثير الشافعي في تفسيره الكبير أنه يحتج بالآية على أن من ألزم نفسه عقدا لزمه الوفاء به، والوعد مما ألزم الإنسان على نفسه به مع وجود الخلاف في الوجوب أو الاستحباب. كما في "الجامع لأحكام القرآن " للقرطبي، و"أحكام القرآن " للجصاص.
وذكر الفقهاء في هذه الآية: أن الذين أوجبوا الوفاء بالوعد وجه استدلالهم بالآية أن الواعد إذا وعد، ثم أخلف، فإنه قال قولًا ولم يفعل، فيكون داخلًا في استنكار الآية الكريمة، فليزم أن يكون وعده كذبا، والكذب محرم إجماعا فيكون إخلاف الوعد محرما لا محالة فلزم الوفاء به خروجا من وصف الكذب، كما في كتاب الفروق والمحلى.
٢- ومنها: قوله تعالى ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] ووجه الاستدلال بهذه الآية وغيرها: أن الله أمر بالوفاء بكل من الوعد والعهد والعقد في جميع الأديان السماوية، فحافظ عليه الرسل المتقدمون منهم والمتأخرون، فمدحهم بوفائهم بوعودهم وصدقهم فيها. حيث قال في حقهم ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] وقال ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] وفي شريعتنا ما يؤكد الوفاء بالوعد دائما- مثل قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم: ٦] وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠] وقوله جل وعلا- في أكثر من سورة في القرآن الكريم (أن وعد الله حق) فمن هذه الآيات وأمثالها نعلم أن الله سبحانه قطع على نفسه الوفاء بما وعد لعباده من وعد ووعيد فعلى العباد الوفاء بوعودهم.
стр. 5594
٣- ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي ﷺ أنه قال ((آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان)) . وفي رواية ((من علامات المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف ... إلخ " وفي رواية: " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف.. وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)) .
وحديث مسلم: ((إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف. وإذا خاصم فجر)) . ومحل الدلالة في هذه الأخبار الصحيحة على وجوب الوفاء بالوعد هو أن النبي ﷺ قد عد إخلاف الوعد من خصال المنافقين وصفاتهم، والنفاق مذموم قطعًا في الشريعة، فلذا أعد الله لأهل النفاق الدرك الأسفل من النار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فنظرًا لهذا يكون إخلاف الوعد محرما والوفاء به واجبا ". انظر شرح مسلم للإمام النووي.
٤- ومنها: ما أخرجه البخاري في صحيحه وذكره في معرض الاحتجاج لوجوب الإنجاز بالوعد من حديث المسور بن مخرمة حيث قال: سمعت النبي ﷺ وذكر صهرا له فقال: " وعدني فوفاني ".
٥- ومنها: ما أخرجه البخاري وغيره من حديث جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: ((لو جاء مال البحرين لأعطينك هكذا ثم هكذا)) ثلاث حثيات، وأنجز له ذلك الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ ، ونصه: قال جابر: قال لي النبي ﷺ ((لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا ثلاثا، فلم يقدم حتى توفي النبي ﷺ ، فأرسل أبو بكر مناديا فنادى: من كان له عند النبي ﷺ عدة أو دين فليأتنا فأتيته، فقلت: إن النبي ﷺ وعدني فحثا لي ثلاثا". وفي رواية أخرى " فحثا لي حثية، فعددتها فإذا هي خمسمائة، وقال: خذ مثليها" وفي رواية " فعد في يدي خمسمائة ثم خمسمائة)) .
وما رواه الترمذي في سننه وحسنه من حديث أبي جحيفة، قال، ((رأيت رسول الله ﷺ أبيض قد شاب، وكان الحسن بن علي يشبهه، وأمر لنا بثلاثة عشر قلوصا، فنبهنا نغيفها؟ فأتانا موته، فلم يعطونا شيئا، فلما قام أبو بكر قال: من كانت له عند رسول الله ﷺ عدة فليجئ، فقمت إليه، فأخبرته، فأمر لنا بها)) .
٦- ومنها: ما رواه ابن وهب عن إسماعيل بن عياش عن أبي إسحاق مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: ((ولا تعهد أخاك وعدا فتخلفه، فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة)) . ووجه الدلالة في هذا الحديث وما قبله واضح وأبو حنيفة ومالك يحتجان بالمرسل.
٧- ومنها: ما روي عنه صلى الله عليه من أنه قال ((وأي المؤمن واجب)) أي وعده واجب الوفاء به وهو حديث مرسل من مراسيل هشام بن سعيد أيضا.
стр. 5595
٨- ومنها: ما روي في الأثر: ((من أن النبي ﷺ كان إذا وعد وعدا قال عسى، وكذلك كان عبد الله بن مسعود لا يعد إلا ويقول: إن شاء الله)) ذكره الإمام الغزالي في " الإحياء " وقال فيه: إذا جزم الواعد في الوعد فلابد من الوفاء به إلا أن يتعذر، فإن كان عند الوعد جازما على أن لا يفي فهذا هو النفاق بعينه.
٩- ومنها ما رواه الترمذي وحسنه وغربه: من أن النبي ﷺ قال: ((لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه)) .
١٠- ومنها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١] وقالوا إن العقد هو كل ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء. وإجاره وكراء.. وكل ما كان غير خارج عن مقاصد الشريعة، وكل ما عقده الإنسان على نفسه من الطاعات ومنها: المواعيد.
١١- ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ [التوبه: ٧٥- ٧٧]
ووجه الاستدلال بالآية: أن الله استنكر إخلافهم بوعدهم استنكارا شديدا. لأن الصدقة واجبة، والكون من الصالحين واجب بسبب الوعد والعهد الشبيه بالشرط فالوعد بذلك كلاهما فرضان وإنجازهما لازم وواجب، وإن قال بعض من العلماء، أن هذا كان نذرا ممن عاهد الله على ذلك. وهو ثعلبة بن حاطب ومن نحا نحوه، والنذر بالخير فرض وواجب فهو كذلك.
١٢- ومنها: ما رواه ابن عساكر عن هارون بن رباب من أن عبد الله بن عمر لما حضرته الوفاة قال: " انظروا فلانا فإني كنت قلت له في ابنتي قولا كشبه العدة فما أحب أن ألقى الله بثلث النفاق، فأشهدكم أني زوجته ". ووجه دلالة هذا الأثر واضح.
стр. 5596
ولأصحاب هذا القول أدلة أخرى من الكتاب والسنة. نكتفي من إيرادها وتتبعها بهذا القدر.
وقد رأينا أنه رأي نخبة من علماء الأمة من السلف الصالح ومن علماء المذاهب المشهورة: كالصحابي الجليل: عبد الله بن عمر – ﵄ – وسمرة بن جندب الصحابي المشهور. وكالخليفة الراشد: عمر بن عبد العزيز ﵀ – وكالحسن البصري التابعي الجليل – ﵀ – وكالإمام إسحاق بن راهويه والقاضي سعيد بن عمرو بن الأشوع الهمداني قاضي الكوفة في إمارة خالد القسري.
وكالفقيه المالكي المشهور بابن شبرمة، والقاضي أبي بكر بن العربي الأندلسي المالكي، وكالإمام الغزالي الشافعي، وتقي الدين السبكي الشافعي. وكالإمام تقي الدين ابن تيمية الحنبلي المشهور.
هذا المذهب هو أكثر دليلا من غيره من المذاهب الأخرى في هذه المسألة.
جـ- المذهب الثاني: استحباب الوفاء بالوعد لا وجوبه مطلقا.
١- وهو مذهب جمهور العلماء: أبي حنيفة والشافعي، وأحمد بن حنبل، والظاهرية، وبعض من علماء المالكية، وغيرهم من علماء الإمامية.
وخلاصة قولهم في هذه المسألة " أن الوفاء بالوعد مستحب مندوب إليه، وليس بواجب ولا فرض، فلا يقضى به على الواعد إذا أخلف، ولكن الواعد إذا ترك الوفاء بالوعد فإنه الفضل، وارتكب المكروه بسبب خلفه".
قال الإمام النووي في " الأذكار" (ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور: إلى أنه مستحب، فلو تركه فاته الفضل، وارتكب المكروه كراهة تنزيه شديدة. ولكن لا يأثم) .
وقال ابن علان الشافعي في كتابه" الفتوحات الربانية..": " وقد تقرر في مذهبنا أن الوفاء بالوعد مندوب لا واجب ".
ومقتضى حكم آراء علماء الشافعية كما يفهم من كلام النووي في الروضة، و"القليوبي" و"شرح الأذكار"، لابن علان " أن إخلاف الوعد مكروه كراهة شديدة مطلقا، وأن مخلفه لا يجبر على التنفيذ".
وقال الإمام أبو بكر الجصاص في كتابه " أحكام القرآن " " إن الوعد بفعل يفعله الإنسان في المستقبل مباح إذا كان الفعل مباحا، وأن الوفاء به أولى من إخلافه مع الإمكان".
стр. 5597
وقال ابن حزم الظاهري في " المحلى": " من وعد آخر بأن يعطيه مالا معينا أو غير معين، أو بأن يعينه بعمل ما، حلف له على ذلك أو لم يحلف، لم يلزمه الوفاء به، ويكره له الخلف، وكان الأفضل لو وفى به، وسواء أدخله بذلك في نفقة أم لم يدخله، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأبي سليمان".
وقال برهان الدين ابن مفلح الحنبلي في كتابه " المبدع" " لا يلزم الوفاء بالوعد وقال نص عليه – الإمام أحمد – وقاله أكثر العلماء".
وكتاب " جامع البيان " للطبرسي ما مؤاده " أن استحباب الوفاء بالوعد" هو مذهب " الإمامية.."
ونقل العسقلاني في " الفتح " عن المهلب " أن إنجاز الوعد مأمور به ومندوب إليه عند الجميع، وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود له لا يضارب بما وعد به مع الغرماء.." وقد رد العسقلاني ادعاء هذا الاتفاق، وعلله بقوله " لأن الخلاف فيه مشهور، وإن كان القائل به قليل".
قال بعض العلماء: إن العلماء الذين نفوا الإثم عن مخلف الوعد إنهم عنوا ذلك بمجرد خلف الوعد، فلو قصد الواعد في إخلافه إضرار الموعود له فهو آثم لا محالة.
هذا وقد تساءل ابن حجر العسقلاني في القول " بأن الواعد إذا ترك الوفاء بوعده فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة تنزيهية شديدة ولا يأثم" وقال: هل يمكن أن يقال يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء؟ أي أن الواعد يأثم بالإخلاف وإن ذلك نفقة القريب، فإنها إذا مضت مدة يأثم بعدم الدفع ولا يلزم به ... ".
وفي كتاب " التمهيد " لابن عبد البر قال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي وعبد الله بن الحسن،وسائر الفقهاء" أما العدة فلا يلزمه فيها شيء وبأنها منافع لم يقبضها في العارية، لأنها طارئة، وفي غير العارية أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض ولصاحبها الرجوع فيها ".
ومن هذا كله نعلم: أن هذا المذهب هو مذهب أكثر العلماء والفقهاء، لكن قد لا يوجد له دليل قاطع وصحيح من حيث النقل فلننظر إلى تلك الناحية.
стр. 5598
ب- أدلة هذا المذهب الثاني:
منها ما أخرجه الإمام مالك في " الموطأ ((أنه قال رجل لرسول الله ﷺ : أكذب لامرأتي؟ فقال ﷺ " لا خير في الكذب" فقال: يا رسول الله: أفأعدها وأقول لها؟ فقال ﷺ " لا جناح عليك ")) .
ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أن رسول الله ﷺ منع السائل من الكذب المتعلق بالمستقبل، ونفى الجناح عن الوعد، فإخلاف الوعد لا يسمى كذبا لجعله ﷺ قسيما له، ولو كان منه لم يجعله قسيما له، فإخلاف الوعد لا حرج فيه، ولو كان المقصود في مثل هذا الحديث – الوعد الذي يفى به – أي يريد الوفاء به- لما احتاج للسؤال عنه، ولما ذكره مقرونا بالكذب، فتبين من ذلك أن مقصود الرجل إصلاح حال زوجته بما لا يفعله. فتخيل الحرج في ذلك فاستوضح النبي ﷺ في ذلك ... انظر: ما قاله القرافي في " الفروق".
أجاب ابن الشاط في حاشيته على الفروق عن هذا الاستدلال إجابة حرفية خلاصتها كالتالي: إن القول بأن النبي ﷺ منع السائل من الكذب المتعلق بالمستقبل، غير سليم، إذ يمكن أن يكون قصده من الكذب على زوجته أن يخبرها عن فعله مع غيرها من النساء بما لم يفعله إغاظة لزوجته، فلم يتعين أن المراد ما ذكر، ومعنى الحديث، أنه ﷺ منعه من أن يخبرها بخبر كاذب يقتضى تغييظها به وأجاز له الوعد لأنه لا يتعين فيه الإخلاف. لاحتمال الوفاء به، إذ معظم دلائل الشريعة يقتضي المنع في الإخلاف ...
- ومنها: ما أخرجه أبو داود في سننه من حديث زيد بن أرقم: أن النبي ﷺ قال: ((إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له، فلم يف ولم يجئ للميعاد، فلا إثم عليه.))
- ومنها – ما في الوعد من معنى التبرع المحض، فقد قال الإمام النووي في " الأذكار" " استدل من لم يوجب الوفاء – بالوعد- بأنه في معنى الهبة - قبل قبضها- والهبة لا تلزم إلا بالقبض عند الجمهور، وعند المالكية تلزم قبل القبض " فالهبة تبرع محض كالوعد- ولا دليل على وجوب التبرع المحض على أحد شرعا.
стр. 5599
هذا. وإن أدلة هذا الفريق أقل من أدلة الموجبين. وإنها لا تصل إلى درجة القمة التي وصلت من حيث الصحة والوصف.
ولذا تأولوا الآيات والأحاديث التي استدل بها الموجبون.
وقالوا: إن الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] .
إنها نزلت على قوم تمنوا فريضة الجهاد عليهم، فلما فرض الجهاد عليهم نكل بعضهم، كقوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٧٧] . وكقوله تعالى ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد٢٠] فهي خاصة فيهم أو في أمور الجهاد. وهو اختيار ابن جرير. وقول ابن عباس.
وقالوا- أيضا- إن المراد بالآية الإنكار على الذين يقولون ما لا تفعلون خاصة في الأمور الواجبة كالوعد بإنجاز دين وأداء حق ونحو ذلك..
كما تأولوا الآية الثانية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ... ﴾ إلخ [التوبة ٧٥] .. بأنها تخبر عن النذر، والوفاء به فرض وواجب.
وأجابوا عن الأحاديث التي وردت بأن إخلاف الوعد خصلة وعلامة مميزة للنفاق وأهله بأن الحديث مصروف عن ظاهره، وأن النفاق الوارد في الحديث مصروف عن حقيقة النفاق، فقالوا كما في " فتح الباري" إن المراد بإطلاق النفاق: الإنذار للمسلم وتحذيره عن ارتكاب هذه الخصال واعتيادها، لئلا تفضي به إلى حقيقة النفاق، وهو ما حكاه الخطابي وارتضاه.
وقال بعض منهم: إن المنافقين الذين يذكرهم الحديث هم الذين كانوا في زمن النبي ﷺ خاصة، فحدثوا بإيمانهم وكذبوا، وائتمنهم النبي ﷺ على سره فخانوه، ووعدوه بالخروج معه للجهاد فأخلفوه.
وقال أكثرهم: إن معنى الحديث: إن الخصال المعدودة فيه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، وهو متخلق بأخلاقهم، لأن النفاق إظهار لما يبطن خلافه، ويكون نفاقه في حق: من وعده وخاصمه وحدثه وائتمنه وعاهده من الناس، ولا يكون منافقا في الإسلام: فيظهره ويبطن الكفر، فليس مراد النبي ﷺ بهذا الحديث نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار، وقالوا: إن معنى قوله ﷺ ((كان منافقا خالص)) ، أي شديد الشبه بهم بسبب تلك الخصال.
وقال الترمذي في " سننه" عقب حديث ابن عمر ((أربع من كن فيه كان منافقا.. إلخ)) . " إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد الله ﷺ ، هكذا روي عن الحسن البصري شيء من هذا. وارتضاه كل من القرطبي والعسقلاني- كما في " الفتح". ولكن العسقلاني قال فيه " إن أصحاب هذا التفسير قد استدلوا بأحاديث ضعيفة ولو صحت لوجب المصير إليها ".
стр. 5600
هـ- المذهب الثالث: التفصيل في وجوب الوفاء بالوعد: وهو مذهب المالكية ومن وافقهم.
ذهب فقهاء المالكية فيما يجب الوفاء به من الوعود وما لا يجب إلى التفصيل الآتي، وافترقوا في ذلك إلى فرقتين:
ذهب الفريق الأول: إلى أن الوعد يكون لازما فيجب الوفاء به ويقضي القاضي به على الواعد إذا كان الوعد قد تم على سبب ودخل الموعود له في شيء من سبب الوعد أما إذا لم يدخل الموعود له في شيء من ذلك فلا شيء على الواعد ولا يجب الوفاء به كما لا يقضي عليه القاضي به.
وهو القول الراجح المشهور في مذهب الإمام مالك، وعزاه القرافي إلى الإمام مالك نفسه، وابن القاسم، وسحنون، وعليه المدونة.
قال القرافي في " الفروق" اختلف العلماء في الوعد هل يجب الوفاء به شرعا أم لا؟ قال مالك: إذا سألك أن تهب له دينارا فقلت: نعم ثم بدا لك- أن لا تفي له – لا يلزمك – ولو كان إفراق الغرماء عن وعد وإشهاد لأجله لزمك لإبطالك مغرما بالتأخير، وقال سحنون: الذي يلزم من الوعد قولك اهدم دارك وأنا سأسلفك ما تبني به، أو أخرج إلى الحج وأنا أسلفك – ما تحج به مثلا – أو اشتر سلعة أو تزوج امرأة وأنا أسلفك- كذا وكذا – لأنك أدخلته بوعدك في ذلك. أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق.. ".
وقال القرافي – أيضا – وبذلك قضى عمر بن عبد العزيز ﵀. ونقل من مؤيدي هذا القول هذا المثال، أو قريبا منه: إذا اشترى رجل من آخر كرما، فخاف الوضعية- أي الكساد - فأتى المشتري إلى بائع الكرم ليستوضعه فقال له البائع، بع وأنا أرضيك، فإن باع المشتري الكرم برأس ماله أو بربح فلا شيء على الواعد. وإن باع بالوضعية كان عليه أن يرضيه وإن زعم الموعود له أن أراد شيئا أو قدرًا سماه – أثناء ممارسة عمله – فله ما أراد اتفاقا، وإن لم يكن أراد شيئا معينا أرضاه الواعد بما شاء، وحلف بالله أنه ما أراد أكثر من ذلك.
وقالوا: إن هذا هو رأي أشهب. أما على رأي ابن وهب: فإن على الواعد إرضاء الموعود له بالمثل، وهو ما يكون مرضيا عند الناس، أما لو حلف الواعد أثناء وعده ليرضينه فإن عليه أن يوفيه بما يرضيه ويرضي الناس.
وذهب الفريق الثاني، وهو قول أصبغ ومن وافقه من السلف والخلف إلى أن الوعد يكون لازمًا ويجب الوفاء به ويقضي القاضي به على الواعد إذا تم الوعد على سبب وإن لم يدخل الموعود له في ممارسة شيء من السبب.
وقالوا: إنه مذهب قوي.
стр. 5601
وحكى الباجي في كتابه " المنتقى " عن أصبغ قوله: كأنه يجعل العدة شيئًا آخر غير الوعد كعادة علماء المالكية الذين يفرقون الموضوع إلى (عدة، ووعد، ومواعدة) أما إن كانت عدة لا تُدْخِل من وعد به في شيء فلا يخلو من أن تكون – مفسرة أو مبهمة – فإن كانت مفسرة، كأن يقول الرجل للرجل، أعرني دابتك إلى موضع كذا. فيقول: أنا أعيرك غدا، أو يقول: علي دين فأسلفني مائة دينار أقضه فيقول: أنا أسلفك – غدا إياها- فهذا قال أصبغ - يحكم بإنجاز ما وعد به، كالذي يدخل الإنسان في عقد.. وظاهر المذهب – المالكي – على خلاف هذا لأنه لم يدخله بوعده في شيء يضطره إلى ما وعده.
وأما إن كانت العدة مبهمة، مثل أن يقول له: أسلفني مائة دينار ولا يذكر حجته إليها، أو يقول: أعرني دابتك أركبها، ولا يذكر له موضعا ولا حاجة، فهذا قال أصبغ- لا يحكم عليه بها.
وإن قال في المسألة الأولى: انكح وأنا أسلفك ما تصدقها، فإن رجع عن ذلك قبل أن ينكح من وعد له، قال أصبغ- يلزم ذلك ويحكم به عليه".
وفي الفروق " لو قال رجل لآخر: إن غرمائي يلزمونني بدين فأسلفني أقضهم فوعده المقابل، ثم بدا له الرجوع- فعلى رأي مذهب أصبغ الوفاء لأنه وعد على سبب، وعلى مذهب مالك ومن وافقه لا يجب. لأن الموعود له لم يدخل في شيء إلا إذا اعتقد منه الغرماء على موعد أو اشهد بإيجاب ذلك على نفسه.
стр. 5602
و أدلة هذا المذهب الثالث:
قال أصحابه: إن النصوص الشرعية بهذا الأمر قد تعارضت تعارضًا حادًا فمنها: ما أوجب الوفاء بالوعد مطلقًا، أي سواء كانت مرتبطة بسبب أم لا، وسواء دخل الموعود له في ممارسة السبب أم لا، كلف الموعود له بتكلفة أم لم يكلف ... وهي التي ساقها موجبو الوفاء بالوعد، كأحاديث النفاق ومنها- ما لم يوجب الوفاء به مطلقا، ولم يجعل إخلاف الوعد من الكذب كحديث أبي داود والترمذي والموطأ. كما فهمها الجمهور.
فاحتاج الموقف إلى تفصيل وتكييف وتوفيق بين الأدلة، لاسيما إذا لوحظ نحو قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف ٣] والتي قبلها، لأنها نزلت في قوم كانوا يقولون جاهدنا وما جاهدوا وفعلنا أنواع الخيرات وما فعلوا أو قالوا: لو حصل لنا كذا وكذا لنفعلن كذا وكذا ولا يوفون ولا شك أن هذا وأمثاله محرم لأنه كذب، فلاحظوا تلك الناحية، وكذلك لاحظوا كون مخلف الوعد منافقا وكاذبا فحملوا الإخلاف على ظاهره، كما لاحظوا أن تحويل التبرعات المجانية إلى ملازمات قضائية من غير سبب. فأرادوا الجمع بين الأدلة.
فوافقوا رأي من أوجب الوفاء بالوعد إذا كان الوعد مرتبطا على سبب وباشره الموعود له.
ووافقوا رأي من لم يلزم الوفاء بالوعد، فيما عدا ذلك من الوعود المجردة، كما ذكره القرافي في كتاب " الفروق".
وقال ابن الشاط في حاشيته على الفروق ما مؤداه " ينبغي الجمع بين الأدلة وتأويل ما يناقض ذلك، فيحمل حديث المالكي وأبي داود بما يتسق مع الآية وحديث خصال المنافق، وذلك بأن تكون المسامحة في إخلاف الوعد اضطرارًا ".
стр. 5603
المبحث الرابع: الخلاصة:
الرأي الراجح:
لقد اتضح لنا من خلال ما نقلنا في بحثنا هذا عن أئمة الفقه المشهورين ﵏: أن لهم اتجاهات ثلاثة حول الوفاء بالوعد.
- اتجاه الجمهور الذين يرون استحباب الوفاء بالوعد مطلقا وكراهة الإخلاف فيه كراهة شديدة، وعدم وجوب الوفاء به.
- واتجاه العلماء الذين يرون أن الوعد لازم، والوفاء به واجب.. إلخ.. وهم الذين قد قيل: إن أجلهم الخليفة عمر بن عبد العزيز، وابن شبرمة الفقيه المالكي، وعد منهم تقي الدين السبكي الشافعي، وغيرهم من العلماء الأجلاء.
- واتجاه العلماء الذين فصلوا الوعد إلى وعد مجرد، وغير مجرد. وهم أكثر المالكية.
وتبيين لنا – أيضا- من خلال ما استدل به كل فريق لرأيه من أدلة، وجاهة رأي القائلين بوجوب الوفاء بالوعد مطلقًا. ديانة وقضاء، سواء كان الوعد مقيدا بسبب أو غير مقيد، وذلك من حيث رجحان الأدلة التي استدلوا بها، فإنها أدلة صحيحة وقوية وواضحة كما لا يخفى.
وتبين لنا – أيضا- من ذلك كثرة هذا الفريق وثقل مذاهبهم وأئمتهم، أعني الحنفية قاطبة وغالبية علماء الشافعية، والحنابلة. والإمامية وغيرهم الذين ذهبوا إلى استحباب الوفاء بالوعد وكراهة الإخلاف فيه وعدم لزومه، وقد أجابوا عن أدلة الموجبين إجابات لم يقتنع بها كثير من الأصوليين.
ولكننا قد وجدنا أدلتهم التي استدلوا بها لرأيهم ونقلنا منها ما نقلناه فوجدناها أنها ليست رفيعة الدرجة، إن لم تكن ضعيفتها.
وقد ذكر الترمذي في سند الحديث الذي أخرجه أبو داود أيضًا من حديث زيد ابن أرقم أن فيه مجهولين.
ولم يسلم من الجرح شيء أو حديث واحد مما استدلوا من الأحاديث إلا حديث الموطأ، وقد عرفنا كيف فسره الآخرون.
وتبين لنا من ذلك- أيضا- وجاهة رأي القائلين بالتفصيل حيث توسطوا بين الفريقين، فوافقوا القائلين بالوجوب فيما إذا كان الوعد مصحوبا بسبب فقط، محترمين الأدلة الواردة.
ووافقوا الآخرين إذا كان الوعد مجردا فقط.
وبرأيي المتواضع: أؤيد أو أرجح رأي هؤلاء الذين يقولون بالتفصيل، وأوافقهم من حيث المبدأ من غير تعصب لمذهب.. ولكن لي ملاحظة حول هذا التفصيل لم أر إبداءها قبل أن أجد ما قال علماء القانون العصريون حول الوعود الدولية فإني لم أجد شيئا وأن قل ما قالوه.
فلذا أحببت أن أدخر ملاحظتي إلى وقت المناقشة، وفقني الله وإياكم إلى ما فيه الحق والصواب.
إنه ولي التوفيق.
الشيخ هارون خليف جيلي
стр. 5604
أهم المراجع
١- القرآن الكريم.
٢- التفسير العظيم لابن كثير.
٣- تفسير البيضاوي.
٤- تفسير الإمام الصاوي.
٥- صفوة التفاسير للصابوني.
٦- تفسير البيان للطبري (جـ٢) .
٧- أحكام القرآن للجصاص.
٨- أحكام القرآن لابن العربي.
٩- المصباح المنير.
١٠- مختار الصحاح.
١١- قاموس المحيط.
١٢- المنجد في اللغة والأعلام.
١٣- صحيح البخاري مع فتح الباري العسقلاني.
١٤- صحيح البخاري مع عمدة القاري للعيني.
١٥- سنن الترمذي.. تحفة الأحوذي.
١٦- سنن أبي داود مع عون المعبود.
стр. 5605
١٧- إحياء علوم الدين للإمام الغزالي.
١٨- الأذكار للنووى مع الفتوحات الربانية لابن علان (جـ١) .
١٩- المحلى لابن حزم.
٢٠- الفروق للقرافي مع حاشيته لابن الشاط (جـ١) .
٢١- فتح العلي المالك. لعليش (جـ١) .
٢٢- مغنى المحتاج للشربيني.
٢٣- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
٢٤- جامع العلوم والحكم لابن رجب.
٢٥- التفسير الوسيط لنخبة من العلماء.
٢٦- شرح صحيح مسلم للنووي.
٢٧- ياقوت النفيس لابن نفيس.
٢٨- الموطأ لإمام مالك.
٢٩- التمهيد لابن عبد البر.
٣٠- الفتاوى لابن تيمية.
٣١- إغاثة اللهفان لابن القيم.