← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

الأمثلة المثال الأول: قال أصبغ: سمعت أشهب وسئل عن رجل اشترى من رجل كرمًا فخاف الوضيعة فأتى ليستوضعه فقال له بع وأنا أرضيك، قال: فإن باع برأس ماله أو بربح فلا شيء عليه. وإن باع بوضيعة كان عليه أن يرضيه، فإن زعم أنه أراد شيئا سماه فهو ما أراد، وإن لم يكن أراد شيئا أرضاه بما شاء وحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما أراد أكثر من ذلك، وإن لم يكن أراد شيئًا يوم قال ذلك. قال أصبغ: وسألت عنها ابن وهب فقال: عليه رضاه بما يشبه ثمن تلك السلعة والوضيعة فيها. قال أصبغ: وقول ابن وهب هو أحسن عندي، وهو أحب إلي إذا وضع فيها. قال محمد بن رشد: قوله بعه وأنا أرضيك عدة، إلا أنها عدة على سبب وهو البيع، والعدة إذا كانت على سبب لزمت لحصول السبب في المشهور من الأقوال وقد قيل: إنها لا تلزمه بحال. وقيل: إنها تلزمه على كل حال. وقيل: إنها تلزم إذا كانت على سبب، وإن لم يحصل السبب. وقول أشهب إن زعم أنه أراد شيئا سماه فهو ما أراد يريد مع يمينه. ومعناه: إذا لم يسم شيئا يسيرا لا يشبه أن يكون أرضاه، والدليل على أنه يحلف على مذهبه إذا قال: أردت كذا وكذا، لما يشبه قوله إنه إن لم يكن أراد شيئا أرضاه بما شاء، وحلف أنه ما أراد أكثر من ذلك، وجوابه هذا على أصله في كثير من مسائله إذ لا يؤخذ أحد بأكثر مما يقر به على نفسه واليمين في هذا يمين تهمة إذ لا يمكن المستوضع أن يدعي بينه فيحقق الدعوى عليه بخلاف ما ذكر أنه أراده فيدخل فيه من الخلاف ما يدخل في يمين التهمة. وأما ابن وهب: فأخذه بمقتضى ظاهر لفظه وألزمه إرضاءه إلا أن لا يرضى بما يقول الناس فيه إنه أرضاه فلا يصدق أنه لم يرض، ويؤخذ بما يقول الناس فيه إنه أرضاه. هذا معنى قوله: ولو حلف ليرضينه لم يبر إلا باجتماع الوجهين وهما أن يضعا عنه ما يرضى به، وما يقول الناس فيه إنه أرضاه.

стр. 5532

المثال الثاني: إذا قال: إن غرمائي يلزمونني بدين فأسلفني أقضينهم. فقال: نعم، ثم بدا له. فقال أصبغ في سماع عيسى من كتاب العدة يلزمه ذلك ويحكم به عليه وهو جار على قوله بلزوم العدة إذا كانت على سبب وإن لم يدخل بسببها في شيء. وقال ابن القاسم: إنما يلزمه إذا اعتقد الغرماء منه على وعد أو أشهر به على نفسه وذلك على أصله في أنه لا يقضى بالعدة إلا إذا دخل بسببها في شيء. ولو قال: أشهدكم أني فاعل أو أفعل، فظاهر كلام مالك في سماع ابن القاسم من العارية أنه تردد في الحكم عليه بذلك، وأن الظاهر اللزوم. وقال ابن رشد: ولو قال: أشهدكم أني قد فعلت لما وقف في إيجابه عليه ولزوم القضاء به (١) . المثال الثالث: قال أصبغ في سماع عيسى من كتاب العدة: لو سألك مداينك أن تؤخره إلى أجل كذا وكذا فقلت: أنا أؤخرك لزمك تأخيره إلى الأجل، قلت: سواء قلت: أنا أؤخرك أو: قد أخرتك، قال: نعم، سواء في الحكم عليه غير أن قولك: أنا أؤخرك عدة تلزمك، وقولك: قد أخرتك، شيء واجب عليك كأنه في أصل حقك لم تبتدئه الساعة، وكلاهما يلزمك الحكم به غير أن قولك: قد أخرتك أوجبهما وأوكدهما (٢) . وقال الونشريسي في القاعدة الخامسة والستين: - الأصل منع المواعدة بما لا يصح وقوعه في الحال حماية، ومن ثَمَّ منع مالك المواعدة في العدة وعلى بيع الطعام، ووقت نداء الجمعة وعلى ما ليس عندك. وفي الصرف مشهورها المنع، وثالثها الكراهة، وشهرت أيضا لجوازه في الحال، وشبهت بعقد فيه تأخير، وفسرت به المدونة (٣) .

стр. 5533

المواعدة في مذهب الأحناف المعروف عن الحنفية أنهم لا يقولون بوجوب إنجاز الوعد، قال بدر الدين العيني: أما الوعد فاختلف الفقهاء فيه، قال أبو حنيفة والشافعي والأوزاعي: لا يلزم من العدة؛ لأنها منافع لم تقبض فلصاحبها الرجوع فيها. (١) وقال: وقد تنزل الهبة التي لم تقبض بمنزلة الوعد بها. وقال المهلب: إنجاز الوعد مندوب إليه وليس بواجب، والدليل على ذلك اتفاق الجميع على أن من وعد بشيء لم يضرب به مع الغرماء، ولا خلاف أنه مستحسن ومن مكارم الأخلاق. (٢) ونصت مجلة الأحكام العدلية في المادة ١٧١ على أن صيغة الاستقبال التي هي بمعنى الوعد المجرد مثل: سأبيع وأشتري لا ينعقد بها البيع، قال شراحها المرحوم علي حيدر: صيغة الاستقبال في اللغة العربية هي المضارع المقترن بالسين أو سوف كأن يقال: سأبيعك أو سوف أبيعك، وإنما لا ينعقد البيع بها؛ لأنها وعد مجرد وفي معنى المساومة في البيع. (٣) لكن ذهب فريق منهم إلى القول بلزوم المواعيد لحاجة الناس إليها، وأما الحاجة التي دعتهم إلى القول بلزومها فهي بمناسبة البيع الذي اعتاده أهل سمرقند ويسمونه بيع الوفاء. وقد اختلفوا فيه على أقوال، وقد ذكر في البزازية تسعة أقوال في بيع الوفاء، والمعروف في كتبهم أن بعضهم يعتبره رهنًا، وهو القول المعتبر عند فقهائهم وبعضهم يراه بيعًا، قال قاضيخان: الصحيح أن العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنًا؛ لأن كلًّا منهما عقد مستقل شرعًا لكل منهما أحكام مستقلة بل يكون بيعًا. (٤)

стр. 5534

ومبنى الخلاف على اعتباره رهنًا أو بيعًا، هو الخلاف في أن العبرة في العقود، هل هو للمقاصد والمعاني أم للألفاظ والمباني؟ فمن قال بالأول قال: إن بيع الوفاء هو في الحقيقة رهن، والمبيع في يد المشتري كالرهن في يد المرتهن لا يملكه، ولا يطلق له في الانتفاع إلا بإذن مالكه، وهو ضامن لما أكل من ثمره واستهلكه من شجره، والدَّيْن يسقط بهلاكه إذا كان به وفاء الدَّيْن، ولا ضمان عليه في الزيادة إذا هلك عن غير صنعه، وللبائع استرداده إذا قضي دَيْنه، لا فرق بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام؛ لأن المتعاقدين وإن سمياه بيعًا ولكن غرضهما الرهن والاستيثاق بالدَّيْن؛ لأنَّ البائع يقول لكل أحد بعد هذا العقد: رهنت ملكي فلانًا، والمشتري يقول: ارتهنت ملك فلان، والعبرة في التصرفات للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني. (١) ومن قال: العبرة للألفاظ اعتبره بيعًا جاء في مجموع النوازل: اتفق مشايخنا في هذا الزمان على صحته بيعًا على ما كان عليه بعض السلف؛ لأنهما تلفظا بلفظ البيع من غير ذكر شرط فيه، والعبرة للملفوظ نصًّا دون المقصود، فإن من تزوج امرأة ومن نيته أن يطلقها بعدما جامعها صح العقد. (٢) وهؤلاء احتاجوا إلى القول بلزوم المواعدة؛ لأن المتعاقدين وفاء يشترطون الفسخ في العقد والبيع يفسد بالشروط عندهم. قالوا: وكذا يفسد أيضًا إن لم يشترط الفسخ، ولكن تلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء؛ لأن هذا الشرط مفسد له. أو تلفظا بالبيع الجائز وعندهما أي والحال أن في زعمها هو بيع غير لازم، فإنه أيضًا يفسد حينئذ بزعمهما.

стр. 5535

قالوا: وإن ذكر العاقدان البيع من غير شرط، ثم ذكراه أي الشرط على وجه الميعاد جاز، أي البيع لخلوه عن المفسد ويلزم الوفاء به؛ لأن المواعيد قد تكون لازمة فيجعل هذا الميعاد لازمًا لحاجة الناس. (١) وقال في الأشباه والنظائر في كتاب الحظر والإباحة: الخلف في الوعد حرام كذا في أضحية الذخيرة وفي القنية: وعده أن يأتيه فلم يأته لا يأثم ولا يلزم الوعد إلا إذا كان معلقًا كما في كفالة البزازنة، وفي بيع الوفاء كما ذكره الزيلعي. (٢) ونصت مجلة الأحكام العدلية في المادة (٨٤) على أن المواعيد بصور التعاليق تكون لازمة لأنه يظهر فيها حينئذ معنى الالتزام والتعهد. قال الشيخ علي حيدر: يفهم من هذه المادة أنه إذا علق وعدًا على حصول شيء أو على عدم حصوله فثبوت المعلق عليه أي: الشرط كما جاء في المادة (٨٢) يثبت المعلق أو الموعود. مثال ذلك: لو قال رجل لآخر: بع هذا الشيء من فلان وإذا لم يعطك ثمنه فأنا أعطيك إياه. فلم يعطه المشتري الثمن لزم على الرجل أداء الثمن المذكور بناء على وعده. (٣) أما إذا كان الوعد وعدًا مجردًا أي: غير مقترن بصورة من صور التعليق فلا يكون لازمًا. مثال ذلك: لو باع شخص مالًا من آخر بثمن المثل أو بغبن يسير، وبعد أن تم البيع وعد المشتري البائع بإقالته من البيع إذا رد له الثمن، فلو أراد البائع استرداد المبيع وطلب إلى المشتري أخذ الثمن وإقالته من البيع فلا يكون المشتري مجبرًا على إقالة البيع بناء على ذلك الوعد؛ لأنه وعد مجرد.

стр. 5536

كذلك: لو قال شخص لآخر: ادفع دَيْنِي من مالك والرجل وعده بذلك ثم امتنع عن الأداء فلا يلزم بوعده هذا على أداء الدَّيْن (١) ويستثنى من هذا الحكم مسألة واحدة في بيع الوفاء وقد سبق بيانها. مسائل متفرقة في العدة ذكرها ابن حزم في المحلى: قال في المسألة ١٤٥٧: ولا يحل بيع سلعة لآخر بثمن يحده له صاحبها، فما استزاد على ذلك الثمن فلمتولي البيع. ومن تفريعاتها: لو قال له: بعه بكذا أو كذا، فإن أخذت أكثر فهو لك. فليس شرطًا والبيع صحيح، وهو عدة لا تلزم ولا يقضى بها؛ لأنه لا يحل مال أحد بغير رضاه، والرضا لا يكون إلا بمعلوم، وقد يبيعه بزيادة كثيرة لا تطيب بها نفس صاحب السلعة إذا علم مقدارها. (٢) وقال في المسألة ١٥٠١ – القواعد في بيع الذهب بالذهب أو بالفضة، وفي بيع الفضة بالفضة وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض جائز، تبايعا بعد ذلك أو لم يتبايعا؛ لأن القواعد ليس بيعًا، وكذلك المساومة أيضًا جائزة تبايعا أو لم يتبايعا؛ لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك، وكل ما حرم علينا قد فصل باسمه قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] . فكل ما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال بنص القرآن، وإذ ليس في الدين إلا فرض أو حرام أو حلال فالفرض مأمور به في القرآن والسنة، والحرام مفصل باسمه في القرآن والسنة، وما عدا هذين فليس فرضًا ولا حرامًا فهو بالضرورة حلال، إذ ليس هنالك قسم رابع (٣) والله أعلم. هذا ما يسر الله الكريم به، والحمد لله أولًا وآخرًا وصلى الله على خاتم النبيين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الدكتور عبد الله محمد عبد الله

стр. 5537

الوفاء بالوعد في الفقه الإسلامي تحرير النقول ومراعاة الاصطلاح إعداد الدكتور نزيه كمال حماد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١- إن تحرير الأحكام الشرعية المتعلقة بالوعد من حيث وجوب الوفاء به ديانة أو استحبابه، أو من حيث القوة الملزمة له في القضاء والحكم تقتضينا تناول ألفاظه الاصطلاحية المتعددة التي يستعملها سائر الفقهاء أو بعضهم بالبيان والتفصيل وهي (العدة، المواعدة، الوعد) وذلك من أجل الوصول إلى فقه محكم في المسألة، بعيد عن الاختلاط والتداخل، قد تميز فيه محل الوفاق عن مواطن النزاع، وتبين فيه الموقف الأخلاقي والموجب الدياني من الحكم القضائي حيث يوجد التباين أو يقع الفرق، وبذلك يمكننا إبراز الأحكام الشرعية في القضية واضحة جلية، لا لبس فهيا ولا خلل يعتريها ... ٢- وإن كون هذه الألفاظ الثلاثة مشتقة من مادة لغوية واحدة تدل في أصل الوضع " على ترجيةٍ بقول" كما قال ابن فارس (١) لا يسلتزم كون دلالتها الاصطلاحية واحدة؛ لأن تواضع الفقهاء أو بعضهم على مدلول شرعي متميز لكل كلمة قد نقل معناه اللغوي وحوله إلى معنى اصطلاحي جديد، ربما كان أخص أو أضيق شمولا واستيعابا.

стр. 5538

(أ) العدة ٣- العدة في لغة العرب معناها الوعد، يقال: وعدت فلانًا بكذا ... والاسم منه العدة، فالعدة اسم منقوص من الوعد يحمل معناه دون زيادة أو نقصان (١) . ٤- أما في الاصطلاح الفقهي، فقد درج على استعمالها المالكية بدلالة خاصة وهي " الإعلان عن رغبة الواعد في إنشاء معروف في المستقبل يعود بالفائدة والنفع على الموعود". قال الحطاب في كتابه " تحرير الكلام في مسائل الالتزام ": " وأما العدة فليس فيها إلزام الشخص نفسه شيئًا الآن، وإنما هي كما قال ابن عرفة: إخبار عن إنشاء المخبر معروفا في المستقبل " (٢) . فالعدة إذًا عند فقهاء المالكية هي عبارة: أ- عن تصرف شرعي قولي يتم بالإرادة المنفردة. ب- قوامه تعهد شخصٍ بلفظ الإخبار بأن يسدي لغيره معروفًا مجانًا دون مقابل. جـ- في المستقبل لا في الحال. ٥- أما حكم العدة من حيث وجوب الوفاء بها قضاء أو ديانة أو استحباب ذلك، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على خمسة أقوال: (أحدها) يقضى بها مطلقًا. وهو مذهب القاضي سعيد ابن أشوع الكوفي الهمذاني (٣) ،وقول عند المالكية (٤) ، ورأي ابن شبرمة كما نقل ابن حزم في المحلى (٥) . (والثاني) يجب الوفاء بها ديانةً لا قضاءً وهو رأى الإمام تقي الدين السبكي الشافعي، قال: " ولا أقول يبقى دينا حتى يقضى من تركته، وإنما أقول يجب الوفاء تحقيقا للصدق وعدم الإخلاف" (٦) .

стр. 5539

وقد استشكل الحافظ ابن حجر هذه المقولة فقال: " وينظر: هل يمكن أن يقال يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء؟ أي يأثم بالإخلاف، وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك؟ " أي في القضاء (١) . فأجاب الإمام السخاوي على ذلك في جزئه المسمى " التماس السعد في الوفاء بالوعد"، فقال: " قلت: ونظير ذلك نفقة القريب، فإنها إذا مضت مدة يأثم بعدم الدفع ولا يلزم به، ونحوه قولهم في فائدة القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة: تضعيف العذاب عليهم في الآخرة مع عدم إلزامهم بالإتيان بها" (٢) . (والثالث) أن الوفاء بها مستحب لا واجب، وهو مذهب جماهير العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية وبعض المالكية وغيرهم (٣) . جاء في " العقود الدرية" لابن عابدين: " سئل فيما إذا وعد زيد عمرا أن يعطيه أرضه الفلانية، فاستغلها وامتنع من أن يعطيه من الغلة شيئا، فهل يلزم زيدًا شيء بمجرد الوعد المزبور؟ الجواب: لا يلزمه الوفاء بوعده شرعا، وإن وفى فبها ونعمت" (٤) . وفي " التمهيد" لابن عبد البر: " وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي وعبيد الله بن الحسين وسائر الفقهاء: أما العدة فلا يلزمه فيها شيء لأنها منافع لم يقبضها في العارية لأنها طارئة، وفي غير العارية: أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض، ولصاحبها الرجوع فيها " (٥) .

стр. 5540

وقال ابن عبد البر ﵀: " إن العدة واجب الوفاء بها وجوب سنة وكرامة، وذلك من أخلاق أهل الإيمان، وقد جاء في الأثر " وأي المؤمن واجب " (١) أي واجب في أخلاق المؤمنين، وإنما قلنا: إن ذلك ليس بواجب فرضا، لإجماع الجميع على أن من وعد بمال ما كان لم يضرب به مع الغرماء كذلك قلنا إيجاب الوفاء به حسن في المروءة، ولا يقضى به، ولا أعلم خلافا أن ذلك مستحسن، يستحق صاحبه الحمد والشكر على الوفاء به، ويستحق على الخلف في ذلك الذم، وقد أثنى الله على من صدق وعده ووفى بنذره، وكفى بهذا مدحا وبما خالفه ذما (٢) . وقال ابن حزم: " ومن وعد آخر بأن يعطيه مالًا معينًا أو غير معين، أو بأن يعينه في عمل ما، حلف له على ذلك أو لم يحلف، لم يلزمه الوفاء به. ويكره له ذلك، وكان الأفضل لو وفى به، وسواء أدخله بذلك في نفقة أو لم يدخله، كمن قال: تزوج فلانة وأنا أعينك في صداقها بكذا وكذا أو نحو هذا، وهو قول أبي حنيفة والشافعي " (٣) . (والرابع) إن كانت العدة مرتبطة بسبب، ودخل الموعود في السبب، فإنه يجب الوفاء بها كما يجب الوفاء بالعقد، أما إذا لم يباشر الموعود السبب فلا شيء على الواعد، كما إذا وعده بأن يسلفه ثمن دار يريد شراءها، فاشتراها حقيقة، أو أن يقرضه مبلغ المهر في الزواج " فتزوج اعتمادًا على هذا الوعد " ففي هذه الحالات وأمثالها يلزم الواعد قضاء بالوفاء بما وعد به، أما إذا لم يباشر الموعود تلك الأسباب، فلا يلزم الواعد بشيء. وهذا هو القول المشهور والراجح في مذهب مالك (٤) . وعزاه القرافي إلى مالك وابن القاسم وسحنون (٥) .

стр. 5541

وقد أشار العلامة محمد العزيز جعيط إلى أن هذا القول المشهور ليس مبنيا على أساس وجوب الوفاء بالوعد (أي أن في الوعد قوة ملزمة للواعد كما هو الشأن في العقد) بل هو مبني على عدم وجوب الوفاء به، وإنما قضي به في صورة ما إذا أدخله في شراء عقار أو تزوج امرأة أو غير ذلك، لأنه تسبب له في إنفاق مال قد لا يتحمله ولا يقدر عليه، رفعا للضرر عن الموعود المغرر به، وتقريرًا لمبدأ تحميل التبعة لمن ورطه في ذلك، إذ لا ضرر ولا ضرار (١) . (والخامس) إن كانت العدة مرتبطة بسبب، وجب الوفاء بها قضاء، سواء دخل الموعود في السبب أو لم يدخل فيه، وإلا فلا، فلو قال شخص لآخر: أعدك بأن أعيرك بقري ومحراثي لحراثة أرضك، أو أريد أن أقرضك كذا لتتزوج، أو قال الطالب لغيره: أريد أن أسافر أو أن أقضي دَيني أو أن أتزوج، فأقرضني مبلغ كذا. فوعده بذلك. ثم بدا له فرجع عن وعده قبل أن يباشر الموعود السبب الذي ذكر من سفر أو زواج أو وفاء دَين أو حراثة أرض ... إلخ، فإن الواعد يكون ملزمًا بالوفاء، ويقضى عليه بالتنفيذ جبرا إن امتنع. أما إن كانت العدة على غير سبب، كما إذا قلت: أسلفني كذا، ولم تذكر سببًا، أو أعرني دابتك أو بقرتك ولم تذكر سفرًا ولا حاجة، فقال: نعم. أو قال الواعد من نفسه: أنا أسلفك كذا أو أهب لك كذا ولم يذكر سببا، ثم رجع عن ذلك، فلا يلزم بالوفاء بها.

стр. 5542

قال القرافي: " وبذلك قضى عمر بن عبد العزيز ﵀ " (١) ، وهو قول في مذهب المالكية (٢) . وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قَوْلُ أصبغ الذي حكاه الباجي في " المنتقى" بقوله: " وأما إن كانت عدة لا تدخل من وعد به في شيء، فلا يخلو من أن تكون مفسرة أو مبهمة: فإن كانت مفسرة: مثل أن يقول الرجل للرجل: أعرني دابتك إلى موضع كذا. فيقول: أنا أعيرك غدًا. أو يقول: علي دَيْن فأسلفني مائة دينار أقضيه. فيقول: أنا أسلفك، فهذا قال أصبغ - في العتيبة- يحكم بإنجاز ما وعد به، كالذي يدخل الإنسان في عقد، وظاهر المذهب على خلاف هذا؛ لأنه لم يدخله بوعده في شيء يضطره إلى ما وعده. وأما إن كانت مبهمة: مثل أن يقول له: أسلفني مائة دينار، ولا يذكر حاجته إليها، أو يقول: أعرني دابتك أركبها، ولا يذكر له موضعًا ولا حاجة. فهذا قال أصبغ: لا يحكم عليه بها. فإذا قلنا في المسألة الأولى: إنه يحكم عليه بالعدة إذا كان لأمر أدخله فيه، مثل أن يقول له: انكح وأنا أسلفك ما تصدقها، فإن رجع عن ذلك الوعد قبل أن ينكح من وُعِدَ، فهل يحكم عليه بذلك أم لا؟ قال أصبغ في العتبية: يلزمه ذلك ويحكم به عليه، ألزمه ذلك بالوعد (٣) .

стр. 5543

(ب) المواعدة ٦- المواعدة في اللغة: تعني نشوء وعدين متقابلين من شخصين، فهذا يعد فلانا، والآخر يعده بكذا في مقابلة ذلك. ٧- أما في الاصطلاح الفقهي فهي عبارة عن " إعلان شخصين عن رغبتهما في إنشاء عقد في المستقبل تعود آثاره عليهما". وأكثر الفقهاء استعمالا لهذا المصطلح المالكية، وقد عبر عنها في النكاح الحطاب بقوله: " المواعدة أن يعد كل واحد منهما صاحبه بالتزويج فهي مفاعلة، لا تكون إلا من اثنين، فَإِنْ وعد أحدهما دون الآخر، فهذه العدةُ " (١) . وبهذا افترقت " المواعدة " عن " العدة " من حيث كون الأولى لا تنشأ إلا باجتماع رغبة طرفين، بينما تتم " العدة" بإعلان الرغبة من طرف واحد. وقد ذكر الفقهاء المواعدة في مسائل عديدة منها: المواعدة على النكاح في العدة، والمواعدة في الصرف، والمواعدة على بيع الطعام قبل قبضه، والمواعدة على البيع وقت نداء الجمعة، والمواعدة على بيع ما ليس عند الإنسان (٢) . ومع أن الفقهاء اتفقوا على عدم مشروعية بعضها، كالمواعدة على النكاح في العدة، واختلفوا في جواز بعضها الآخر كالمواعدة في الصرف ونحوها، فإنه لم ينقل عن أحد منهم- سواء أكان من المجيزين أو من المانعين – قول بأن في المواعدة قوة ملزمة لأحد المتواعدين أو لكليهما؛ لأن التواعد على إنشاء عقد في المستقبل ليس عقدًا، وفي ذلك يقول ابن حزم: " والقواعد والتواعد في بيع الذهب بالذهب أو بالفضة، وفي بيع الفضة بالفضة وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض جائز، تبايعا بعد ذلك أو لم يتبايعا؛ لأن التواعد ليس بيعا " (٣) . على أن المتواعدين لو اتفقا على أن يكون العقد الذي تواعدا على إنشائه في المستقبل ملزمًا للطرفين من وقت المواعدة، فإنها تنقلب إلى عقد، وتسري عليها أحكام ذلك العقد، إذ العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.

стр. 5544

(جـ) الوعد ٨- الوعد في اللغة معناه: الإخبار عن فعل أمر في المستقبل، سواء أكان خيرًا أم شرًّا. بخلاف الوعيد، فإنه لا يكون إلا بشر. وقيل: الوعد والوعيد واحد (١) . ٩- ويستعمل الفقهاء كلمة " الوعد " بنفس مدلولها اللغوي، بمعنى أن الوعد قد يكون بمعروف، كقرض أو تمليك عين أو منفعة مجانًا للموعود، وقد يكون بصلة أو برٍّ أو مؤانسة كعيادة مريض وزيارة صديق وصلة رحم ومرافقة في سفر ومجاورة في سكن، وقد يكون بنكاح، كما في خِطْبَةِ النساء، وقد يكون بمعصية كما إذا وعد شخصا بأن يقتل له خصمه أو غريمه أو يتلف ماله ظلما وعدوانا ونحو ذلك. ١٠- أما الحكم التكليفي للوعد من حيث الوفاء به: فهو محل خلاف بين الفقهاء، وإذا أردنا تحرير محل النزاع في المسألة فلابد من البيان والتفصيل الآتي: * فإذا كان الوعد بمعروف (وهو ما يسمى عند المالكية بالعدة) أو كان من قبيل المواعدة، فقد سبق عرض آراء الفقهاء فيه على الخصوص. * أما ما عدا ذلك من ضروب الوعد وصوره وحالاته، فإنه لا خلاف بين الفقهاء: (أ) في أن من وعد بشيء منهي عنه، فلا يجوز له الوفاء بوعده، بل يجب عليه إخلافه (٢) . قال ابن حزم: " من وعد بما لا يحل أو عاهد على معصية، فلا يحل له الوفاء بشيء من ذلك، كمن وعد بزنا أو بخمر أو بما يشبه ذلك، فصح أن ليس كل من وعد فأخلف أو عاهد فغدر مذمومًا ولا ملوما ولا عاصيًا، بل قد يكون مطيعًا مؤدي فرضٍ (٣) . (ب) وأن من وعد بشيء واجب شرعا، كأداء حق ثابتٍ أو فعل أمر لازم، فإنه يجب عليه إنجاز ذلك الوعد (٤) . (جـ) وأن من وعد بشيء مباح أو مندوب إليه فينبغي له أن يفي بوعده، حيث إن الوفاء بالوعد من مكارم الأخلاق وخصال الإيمان، وقد أثنى المولى جل وعلا على من صدق وعده وكفى به مدحا، وبما خالفه ذمًّا. ولكن هل الوفاء بذلك واجب أم مستحب أم غير ذلك؟ اختلف الفقهاء في ذلك على خمسة أقوال: (أحدها) أن الوفاء بالوعد واجب (٥) . قال القاضي أبو بكر ابن العربي: " أجل من ذهب إلى هذا المذهب عمر بن عبد العزيز " (٦) .

стр. 5545

وقد حكي هذا القول عن ابن شبرمة (١) ، وإليه ذهب العلامة تقي الدين السبكي (٢) ، وهو وجه في مذهب أحمد اختاره الإمام تقي الدين ابن تيمية (٣) ، وقول في مذهب المالكية صححه ابن الشاط في حاشيته على الفروق (٤) . وحجتهم على هذا الرأي قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: آية ٢، ٣] . وما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) . (٥) (والثاني) أن الوفاء بالوعد واجب إلا لعذر، وهو رأي القاضي ابن العربي، فإنه قال: "والصحيح عندي أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر" (٦) وقال أيضًا: "وإذا وعد وهو ينوي أن يفي، فلا يضره إن قطع به عن الوفاء قاطع، كان من غير كسب منه، أو من جهة فقر، أقضى ألا يفي للموعود بوعده، وعليه يدل حديث أبي عيسى –أي الترمذي - عن زيد بن أرقم: ((إذا وعد الرجل وهو ينوي أن يفي به، فلم يف فلا جناح عليه)) ، وهو غريب ضعيف". (٧) وإلى هذا الرأي مال الإمام الغزالي، حيث قال في الوعد: " فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر "، ثم نزل النفاق المذكور في الحديث ((وإذا وعد أخلف)) : على من ترك الوفاء بالوعد من غير عذر. (٨)

стр. 5546

(والثالث) أن الوفاء بالوعد مستحب، فلو تركه فاته الفضل، وارتكب المكروه كراهة تنزيه شديدة، ولكن لا يأثم، وهو رأي جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة والظاهرية وغيرهم (١) . قال ابن علان الشافعي: " قد تقرر في مذهبنا أن الوفاء بالوعد مندوب لا واجب " (٢) . وجاء في " المبدع" لبرهان الدين ابن مفلح: "لا يلزم الوفاء بالوعد، نص عليه " أي الإمام أحمد – وقاله أكثر العلماء " (٣) . (والرابع) أن الوفاء بالوعد أفضل من عدمه إذا لم يكن هناك مانع، وهو رأي الإمام أبي بكر الجصاص القائل: " وكذلك الوعد بفعل يفعله في المستقبل، وهو مباح، فإن الأولى الوفاء به مع الإمكان " (٤) . (والخامس) أن الوفاء بالوعد المجرد غير واجب، أما الوعد المعلق على شرط، فإنه يكون لازمًا، وهو مذهب الحنفية. جاء في الأشباه والنظائر لابن نجيم: " وفي القنية: وعده أن يأتيه فلم يأته، لا يأثم. ولا يلزم الوعد إلَّا إذا كان معلقًا " (٥) . وجاء في الفتاوى البزازية: " إن المواعيد باكتساء صور التعليق تكون لازمة " (٦) ونصت المادة " ٨٤" من مجلة الأحكام العدلية المواعيد بصور التعاليق تكون لازمة. مثال ذلك: لو قال شخص لآخر: ادفع ديني من مالك، فوعده الرجل بذلك، ثم امتنع عن الأداء، فإنه لا يلزم الواعد على أداء الدين، أما لو قال رجل لآخر بع هذا الشيء لفلان، وإن لم يعطك ثمنه فأنا أعطيه لك، فلم يعط المشتري الثمن، لزم الواعد أداء الثمن المذكور بناءً على وعده (٧) .

стр. 5547

وأساس ذلك: أن الإنسان إذا أنبأ غيره بأنه سيفعل أمرًا فالمستقبل مرغوبًا له، فإذا كان ذلك الأمر غير واجب عليه، فإنه لا يلزمه بمجرد الوعد؛ لأن الوعد لا يغير الأمور الاختيارية إلى الوجوب واللزوم، أما إذا كانت المواعيد مفرغة في قالب التعليق، فإنها تلزم لقوة الارتباط بين الشرط والجزاء، من حيث إن حصول مضمون الجزاء موقوف على حصول شرطه، وذلك يكسب الوعد قوة، كقوة الارتباط بين العلية والمعلولية، فيكون لازما (١) . وحكى العلامة الحموي أن الوعد إذا صدر معلقا على شرط، فإنه يخرج عن معنى الوعد المجرد، ويكتسي ثوب الالتزام والتعهد، فيصبح عندئذ ملزما لصاحبه، قال: " لأنه إذا كان معلقا يظهر منه معنى الالتزام، كما في قوله: إن شفيت أحج. فشفي، يلزمه، ولو قال: أحج. لم يلزمه بمجرده " (٢) . على أن الحنفية إنما اعتبروا الوعود بصور التعاليق لازمة إذا كان الوعد مما يجوز تعليقه بالشرط شرعًا حسب قواعد مذهبهم، حيث إنهم أجازوا تعليق الإطلاقات والولايات بالشرط الملائم دون غيره، وأجازوا تعليق الإسقاطات المحضة بالملائم وغيره من الشروط، أما التمليكات- كالبيع والإجارة والهبة ونحوها- وكذا التقييدات، فإنه لا يصح تعليقها شرعًا بالشرط عندهم. فليتأمل (٣) .

стр. 5548

* وفي الختام تجدر الإشارة إلى أن النافين لوجوب الوفاء بالوعد حيث نفوه: أ- حملوا المحظور الذي نهى الله عنه ومقت فاعله عليه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢-٣] على من وعد وفي ضميره ألا يفي بما وعد. أو على الإنسان الذي يقول عن نفسه من الخير ما لا يفعله (١) . ب- وأجابوا على استدلال الموجبين للوفاء بالوعد المجرد بحديث " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان": بأن ذم الإخلاف إنما هو من حيث تضمنه الكذب المذموم إن عزم على الإخلاف حال الوعد، لا إن طرأ له (٢) . وقال الغزالي: " وهذا ينزل على من وعد وهو على عزم الخلف أو ترك الوفاء من غير عذر، فأما من عزم على الوفاء فعن له عذر منعه من الوفاء لم يكن منافقا، وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق" (٣) . * وأن أكثر الفقهاء نصوا على أنه ينبغي للواعد أن يستثني في وعده بقوله: " إن شاء الله " غير أنهم اختلفوا في حكم هذا الاستثناء: - فقال الإمام الغزالي: هو الأولى (٤) . - وقال العلامة الجصاص: إن لم يقرنه بالاستثناء فهو مكروه (٥) . - وقال الحنابلة والظاهرية: يحرم الوعد بغير استثناء (٦) . ودليل الاستثناء قوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف آية ٢٣، ٢٤] . ولأن الواعد لا يدري هل يقع منه الوفاء أم لا؟ فإذا استثنى وعلق بالمشيئة الإلهية خرج. عن صورة الكذب في حال التعذر. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين الدكتور نزيه كمال حماد

стр. 5549

الوفاء بالوعد إعداد الأستاذ الدكتور يوسف قرضاوي عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. أما بعد، فإن موضوع (الوعد) ووجوب الوفاء به ديانة، وجواز الإلزام به قضاء، من الموضوعات الهامة، التي تحتاج إلى تحريرها في عصرنا، لارتباطها بكثير من المعاملات المعاصرة، وبخاصة (بيع المرابحة للآمر بالشراء) كما تجريه المصارف الإسلامية، الذي أصبح المحور الأساسي لنشاط البنك الإسلامي الآن. ولابد لمن يكتب عن بيع المرابحة أن يكتب عن الوعد ومدى لزومه والإلزام به، فإن كثيرا من البنوك الإسلامية تجري مرابحاتها على أساس الوعد الملزم، وهو ما أراه وأرجحه. وهذه الصحائف تلقي شعاعا من ضوء على هذا الموضوع، أرجو أن يكون فيها بيان لما قصدت إليه. وبالله التوفيق وعليه قصد السبيل أ. د/ يوسف القرضاوي

стр. 5550

تحقيق القول في الإلزام بالوعد: من الإخوة الذين شاركوا في مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني بالكويت من وافقوا على المواعدة على بيع المرابحة المذكورة، ولكنهم خالفوا بشدة في قضية الإلزام بالوعد. ومن هؤلاء الإخوة: الدكتور حسن عبد الله الأمين الأستاذ الباحث بالمركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز، والدكتور محمد سليمان الأشقر الأستاذ الباحث بموسوعة الفقه الإسلامي بالكويت، وكلاهما قدم بحثا حول موضوع المرابحة، والزميل: الدكتور علي السالوس الأستاذ المساعد بكلية الشريعة بجامعة قطر، وقد شارك بالمناقشة في المؤتمر. وحجتهم أن فتوى مؤتمر المصرف الإسلامي الأول اعتمدت على مذهب مالك في الإلزام بالوعد والقضاء به، مع أن مذهب مالك في هذه القضية بالذات يمنع ولا يجيز؛ لأنه يعتبرها من بيوع العينة الممنوعة، فكيف نأخذ بمذهب مالك في الإلزام بالوعد، في الوقت الذي نتركه في القضية الخاصة التي ننفذ فيها الإلزام بالوعد؟ ومن جهة أخرى يقول الدكتور الأمين: إن مسألة لزوم الوفاء بالوعد قضاء أو عدمه لزومه (عند المالكية) إنما تتعلق فقط بمسائل المعروف والإحسان دون عقود المعاوضات، ومنها البيع، وينقل عن فتاوى الشيخ عليش المسماة " فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك" الجزء الأول، نقلا عن كتاب " تحرير الكلام في مسائل الالتزام" للعلامة الحطاب ما نصه: (فصل) وأما العدة- (أي الوعد) فليس فيها إلزام الشخص نفسه شيئا الآن، وإنما هي كما قال ابن عرفة: إخبار عن إنشاء المخبر معروفا في المستقبل (١) . ومثلوا له بالوعد بقرض، أو عتق، أو هبة، أو صدقة، أو عارية، أي الأمور التي تدخل في باب المعروف والإحسان كما قال ابن عرفة، دون الأمور التي تتعلق بالمعاوضات، كالبيع مثلا.

стр. 5551

" والوفاء بالعدة (بالتخفيف) مطلوب لا خلاف، واختلف في وجوب القضاء بها على أربعة أقوال حكاها ابن رشد في كتاب: جامع البيوع، وفي كتاب العارية، وفي كتاب العدة، ونقلها عنه غير واحد" (١) فقيل: يقضى بها مطلقا. (٢) وقيل: لا يقضى بها مطلقا. (٣) وقيل: يقضى بها إن كانت على سبب وإن لم يدخل الموعود بسبب العدة في شيء، كقولك: أريد أن أتزوج أو: أن اشتري كذا، أو أن أقضي غرمائي فأسلفني كذا، أو أريد أن أركب غدا إلى مكان كذا فأعرني دابتك ... فقال: نعم، ثم بدا له قبل أن يتزوج أو أن يشتري أو أن يسافر، فإن ذلك يلزمه ويقضى عليه به. (٤) وقيل: يقضى بها إن كانت على سبب ودخل الموعود بسبب العدة في شيء وهذا هو المشهور (١) وهو مذهب ابن القاسم، قال في المدونة: (لو أن رجلا اشترى عبدا من رجل على أن يعينه فلان بألف درهم، فقال له فلان: أنا أعينك بألف درهم فاشتر العبد، أن ذلك لازم لفلان) (٢) . وهذا وعد بمعروف.

стр. 5552

وواضح من تعريف ابن عرفة للعدة – الوعد – ومن الأمثلة عليه، أن القول بلزوم الوفاء بها قضاء، إنما يتعلق بأمور المعروف والإحسان - أي التبرعات - ولا يتعلق بأمور ذات صلة بعقود المعاوضات كالبيع. اهـ كلام د. الأمين. ويتفق الأستاذ الأشقر مع الأستاذ الأمين في أن الوعد الذي قال بعض المالكية بلزوم الوفاء به ديانة وقضاء إنما هو الوعد بإنشاء المعروف، أما الوعد التجاري فهو شيء آخر لم يدر بخلدهم. ويناقش الشيخ الأشقر فتوى فضيلة الشيخ بدر متولي عبد الباسط مستشار بيت التمويل الكويتي التي مال فيها إلى الأخذ برأي ابن شبرمة، الذي يقول: إن كل وعد بالتزام لا يحل حراما، ولا يحرم حلالا، يكون وعدا ملزما قضاء وديانة، وإن هذا ما تشهد له ظواهر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية.. وإن الأخذ بهذا أيسر على الناس ويضبط المعاملات. وقال الأشقر: قول ابن شبرمة لا أدري ما مصدره، ولعله منقول بالمعنى لا بالنص. وهو غير محرر ولا مبين، إذ لم يكن له أتباع يحررون مذهبه. كما ناقش القول بأن ظواهر الآيات والأحاديث تدل على وجوب الوفاء بالوعد، ومال إلى أن الوفاء بالوعد ليس بواجب قضاء، ولا ديانة، وإنما هو مستحب ومن مكارم الأخلاق، كما اختاره القرافي. وأن النصوص في كتب المذاهب على عدم لزوم الوفاء بالوعد ديانة. وأرى من المهم هنا مناقشة قضية الوعد، ووجوب الوفاء به ديانة، والإلزام به قضاء، وما في ذلك من خلاف. لما يترتب على الموضوع من نتائج تتعلق بمعاملات المسلمين وما يحل وما يحرم منها.

стр. 5553

رد على بعض الجزئيات: وقبل أن أُفَصِّلَ القول في الوفاء بالوعد، أحب أن أرد على بعض الجزئيات من كلام الأخ الأشقر فقد سأل عن مصدر قول ابن شبرمة، وأقول له: أقرب مصدر له نعرفه هو " المحلى" لابن حزم، فقد قال: وقال ابن شبرمة: الوعد كله لازم، ويقضى به على الواعد ويجبر (١) . وأما الادعاء بأن قوله غير محرر ولا مبين، لأنه لم يكن له أتباع يحررون مذهبه، فهو ادعاء مرفوض، ويترتب عليه رفض أقوال جميع فقهاء الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن لا أتباع لهم يقلدونهم. ومعنى هذا رفض آراء جميع علماء الأمة إلا أربع أشخاص فقط، هم أصحاب المذاهب المتبوعة عن أهل السنة! فهل يلتزم الشيخ الأشقر هذه النتيجة ويقبلها؟ لا أحسب ذلك. وأما الرد على قول الشيخ بدر بأن الأخذ بالإلزام بالوعد أيسر على الناس ويضبط المعاملات، بأن اختلاف العلماء لا يجيز لنا الأخذ بما هو أيسر من أقوالهم بل بما هو أرجح دليلا، ففي هذا الرد نظر؛ لأن المقصود أنه عند تكافؤ الأدلة أو تقاربها يكون الأخذ بالأيسر من دلائل الترجيح؛ لأن الشريعة مبناها على اليسر ورفع الحرج، وخصوصا في أمور المعاملات، وقد يأخذ الإنسان بالأحوط في خاصة نفسه، أما إذا أفتى للعموم فليراع التيسير، ولهذا أثر عن علمائنا في مثل هذه القضايا هذه العبارة: هذا أرفق بالناس. على أن فتوى الشيخ بدر حفظه الله قرنت بالتيسير معنى آخر لم يذكره المعقب، فقد قالت: هذا أيسر على الناس ويضبط المعاملات فلا ينبغي أن يفصل المعنى الأخير عن الأول.

стр. 5554

أدلة الإلزام بالوعد: وأكثر ما أثير من كلام كان حول عنصر الوعد والإلزام به، لهذا كان في حاجة إلى مزيد من التجلية والإيضاح لحقيقته، فأقول: إن الذي أرجحه أن الوفاء بالوعد واجب ديانة، فهذا هو الظاهر من نصوص القرآن والسنة وإن خالف في ذلك المخالفون. أ- ففي القرآن يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] . والوعد إذ أخلف قول لم يفعل فيلزم أن يكون كذبًا محرمًا. وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقا (١) . بل إن عبارة الآية الكريمة ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ تدل على أنه كبيرة، وليس مجرد حرام. ب- وقد ذم الله بعض المنافقين بقوله ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧] . والآية تفيد أن نفاقهم بسبب إخلافهم وعدهم مع الله، ومثل ذلك إخلاف الوعد مع الناس، إذ لا فرق في أصل الحرمة بين الأمرين، كما أن نكث العهد محرم سواء كان مع الله أم مع الناس. جـ – وقد أنكر القرآن شدة استغفار المؤمنين للمشركين مهما تكن قرابتهم، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] . وهنا تلوح للمؤمن قصة استغفار إبراهيم لأبيه ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] كيف يتفق هذا مع هذا الإنكار الشديد؟ هنا يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] . فكان عذر إبراهيم وعده السابق لأبيه ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] . فلو كان الوفاء بالوعد مجرد أمر مستحب ما ارتكب من أجله الاستغفار لمشرك ضال من أصحاب الجحيم. ولا يقال: لعل الوفاء بالوعد كان واجبا في شرع إبراهيم، وشرع من قبلنا ليس شرعا لنا، ونقول: الصحيح أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخه شرعنا، وبخاصة أن الله تعالى قال لرسوله ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] . د- يؤكد هذا ما ذكره الله عن الشيطان حين يجمعه بمن اتبعه من الغاوين في النار حيث يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] . وهذا ذكر في معرض الذم للشيطان وحزبه، فلو كان إخلاف الوعد لا يعدو أن يكون مكروها أو خلاف الأولى، لم يكن لذم الشيطان به معنى.

стр. 5555

هـ- وفي الحديث الصحيح المتفق عليه من رواية أبي هريرة: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب. وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) (١) . وفي بعض روايات مسلم: ((آية المنافق ثلاث ... وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)) . و وفي الحديث الصحيح الآخر من رواية عبد الله بن عمر: ((أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ... إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) (٢) . ز- وذكر البخاري في كتاب " الاستقراض " حديث عائشة ((: أن النبي ﷺ كان يستعيذ في صلاته كثيرًا من المأثم " أي الإثم " والمغرم " أي الدَّيْن" فقيل له: يا رسول الله، ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟! فقال: " إن الرجل إذا غرم - أي استدان - حدث فكذب، ووعد فأخلف ")) (٣) ، ومعنى هذا أن – الاستدانة تجره إلى المعصية بالكذب في الحديث، والخلف في الوعد. ح- وهناك أدلة أخرى سنذكرها فيما ننقله عن الغزالي والبخاري وابن القيم، والظاهر من هذه الأدلة أن الوعد سواء كان بصلة وبر، أم بغير ذلك، واجب الوفاء به، إذ لم تفرق النصوص بين وعد ووعد، وهذا ما روي عن ابن شبرمة فيما نقله عنه ابن حزم حيث قال: الوعد كله لازم، ويقضى به على الواعد، ويجبر (٤) . وإذا كان كل هذا التحذير من إخلاف الوعد حتى عد من علامات النفاق، وإحدى خصاله الأساسية، فهذا من أظهر الأدلة على حرمته، ولهذا جعله الإمام الغزالي في " إحيائه" من آفات اللسان، وهي إحدى " المهلكات".

стр. 5556

رأي الإمام الغزالي في إحيائه: قال وهو يعدد آفات اللسان: الآفة الثالثة عشر: الوعد الكاذب " فإن اللسان سباق إلى الوعد، ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد خلفا، وذلك من أمارات النفاق ... قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] : " وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل ﵇ في كتابه العزيز فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] . " ولما حضرت عبد الله بن عمر الوفاةُ قال: إنه كان خطب إليَّ ابنتي رجل من قريش وكان إليه مني شبه الوعد، فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق. أشهدكم أني قد زوجته ابنتي. وكان ابن مسعود لا يعد وعدا إلا ويقول: إن شاء الله، وهو الأولى. ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد، فلابد من الوفاء، إلا أن يتعذر، فإن كان عند الوعد عازما على أن لا يفي، فهذا هو النفاق. وقال أبو هريرة: قال النبي ﷺ ((ثلاث من كن فيه هو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ... )) الحديث. وقال عبد الله بن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ ((أربع من كن فيه كان منافقًا ... )) .. الحديث (١) .. وهذا ينزل على عزم الخلف أو ترك الوفاء من غير عذر، فأما من عزم على الوفاء فَعَنَّ له عذر منعه من الوفاء لم يكن منافقًا، وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق، ولكن ينبغي أن يحترز من صورة النفاق أيضًا، كما يحترز من حقيقته، ولا ينبغي أن يجعل نفسه معذورًا من غير ضرورة حاجزة (٢) . اهـ.

стр. 5557

رأي جماعة من السلف في وجوب الوفاء بالوعد: وذكر الإمام البخاري في صحيحه رأي جملة من السلف ممن يرى وجوب إنجاز الوعد، فقد ترجم في كتاب " الشهادات" من الصحيح باب من أمر بإنجاز الوعد. قال: وفعله الحسن البصري أي أمر به، وذكر الآية الكريمة: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] قال: وقضى ابن الأشوع (وهو سعيد بن عمرو بن الأشوع، قاضي الكوفة في زمان إمارة خالد القسري على العراق وذلك بعد المائة بالوعد، وذكر ذلك عن سمرة بن جندب. قال أبو عبد الله البخاري: رأيت إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه يحتج بحديث ابن أشوع (أي الذي ذكره عن سمرة)) . وذكر البخاري في الباب أربعة أحايث للدلالة على وجوب الإنجاز، منها: حديث آية المنافق ثلاث ... وحديث جابر: لما مات النبي ﷺ جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي، فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا. ونقل الحافظ في الفتح قول المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع، وليس بفرض، لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء. اهـ. قال الحافظ: ونقل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور، لكن القائل به قليل. وقال ابن عبد البر وابن العربي: أجل من قال به عمر بن عبد العزيز، وعن بعض المالكية: إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به، وإلا فلا، ومن قال لآخر: تزوج، ولك كذا، فتزوج بذلك، وجب الوفاء به. وخرج بعضهم الخلاف على أن الهبة: هل تملك بالقبض أو قبله؟ قال الحافظ: وقرأت بخط أبي ﵀ في إشكالات على الأذكار للنووي: ولم يذكر جوابا عن الآية: يعني قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وحديث " آية المنافق " قال: والدلالة للوجوب منها قوية فكيف حملوه على كراهة التنزيه مع الوعيد الشديد (١) اهـ.

стр. 5558

وصنيع المحقق ابن القيم في كتابه " إعلام الموقعين " (١) يدل على أنه ممن يرى وجوب الوفاء بالوعد، فقد نظم العقود والعهود والشروط والوعود الواجب الوفاء بها كلها في سلك واحد، وسرد النصوص الدالة على لزوم الوفاء بالوعد، مع النصوص الدالة على وجوب الوفاء بالعقد وبالعهد وبالشرط، كلها سواء. فذكر قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) . وذكر صحاح الأحاديث في علامات المنافق وخصاله.. وأحاديث أخرى. وزاد على ذلك أحاديث أخرى تتعلق بالوعد خاصة مثل ما في سنن أبي داود عن عبد الله بن عامر قال: ((دعتني أمي يوما ورسول الله ﷺ قاعد في بيتها، فقالت: تعال أعطك، فقال لها رسول الله صلى الله ﷺ : "ما أردت أن تعطيه؟ " فقالت: أعطيه تمرا، فقال لها رسول الله ﷺ : أما أنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة)) . وقال ابن وهب: ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم: أن رسول الله ﷺ قال: ((وَأْيُ المؤمن واجب)) (٣) قال ابن وهب: وأخبرني إسماعيل بن عياش عن أبي إسحاق، أن رسول الله ﷺ كان يقول: ((ولا تعد أخاك عدة وتخلفه، فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة)) . قال ابن وهب: وأخبرني الليث بن سعد عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((من قال لصبي: تعال هذا لك، ثم لم يعطه شيئا، فهي كذبة)) . وفي السنن من حديث كثير بن عبد الله بن زيد بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده يرفعه: ((المؤمنون عند شروطهم)) وله شاهد من حديث محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر يرفعه: ((الناس على شروطهم ما وافق الحق)) وليست العمدة على هذين الحديثين بل على ما تقدم. وأجاب ابن القيم عما في بعض هذه الأحاديث من جهة السند، فقال: أما ضعف بعضها من جهة السند، فلا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف إن لم يكن عمدة (٤) .

стр. 5559

نقل العلامة الزبيدي: وقال العلامة " الزبيدي" في شرح القاموس في مادة " وعد ": " اختلف في حكم الوفاء بالوعد: هل هو واجب أو سنة؟ أقوال. قال شيخنا: وأكثر العلماء على وجوب الوفاء بالوعد، وتحريم الخلف فيه، وكانت العرب تستعيبه وتستقبحه، وقالوا: إخلاف الوعد من أخلاق الوغد. وقيل: الوفاء سنة، والإخلاف مكروه، واستشكله بعض العلماء. وقال القاضي أبو بكر بن العربي بعد سرد كلام: وخلف الوعد كذب ونفاق وإن قل فهو معصية. (وقد ألف الحافظ السخاوي في ذلك رسالة مستقلة سماها " التماس السعد في الوفاء بالوعد" جمع فيها فأوعى) (١) اهـ كلام الزبيدي. وإذا كان وجوب الوعد والأمر بإنجازه، قال به مثل عبد الله بن عمر (الذي زوج ابنته لمن صدر منه شبه وعد له، حتى لا يلقى الله بثلث النفاق!) ومثل سمرة بن جندب من الصحابة، ومثل عمر بن عبد العزيز من التابعين، وهو معدود من الخلفاء الراشدين المهديين الذين يعض على سنتهم بالنواجذ، والحسن البصري الإمام المشهور، ومن بعدهم: ابن الأشوع الذي اعتد البخاري بذكره في صحيحه، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن معين: مشهور يعرفه الناس، كما في عمدة القاري (٢) .. وابن شبرمة الفقيه الثقة العابد، وإسحاق بن راهويه شيخ البخاري، وأحد أئمة الحديث والفقه، وأمير المؤمنين في الحديث: محمد بن إسماعيل البخاري، كما يبدو من ترجمته للباب وعدم ذكره الرأي الآخر.... بالإضافة إلى ما نقلناه عن العلامة ابن القيم، وما هو معروف من مذهب الإمام مالك وبعض أصحابه، وخصوصا فيما كان له سبب ودخل الموعود من أجله في نفقة وكلفة.. فليس القائل به إذن قليلا، كما قال الحافظ ﵀، بل لعل الصحيح ما نقله الزبيدي عن شيخه: إن أكثر العلماء على وجوب الوفاء بالوعد، وتحريم الخلف فيه. وبهذا نرى أن نسبة القول بالإلزام بالوعد إلى بعض المالكية أو إلى ابن شبرمة فقط، فيه تقصير كبير في الاستقصاء.

стр. 5560

وقفات ثلاث: بعد البيان السابق ينبغي لنا أن نقف وقفات ثلاثا: الأولى: في شبهات النافين للإلزام بالوعد، وما اعتمدوا عليه من نصوص مع وضوح الأدلة المصرحة بالوجوب والإلزام. الثانية: فيما قيل من التفرقة بين العدة بالمعروف والصلة، والوعد في أمور المعاملات والمعاوضات، وأن الوعد في الأولى هو الذي قيل بوجوبه، أما في الثانية فلا. الثالثة: في التفرقة بين ما هو واجب ديانة، أي بين المرء وربه، وما هو واجب قضاء، بمعنى أن من حق ولي الأمر أو القاضي أن يتدخل فيه ويلزم به. فقد قال من قال: إنما نسلم أن الوفاء بالوعد والالتزام به واجب من الناحية الدينية والأخلاقية، ولكن لا حق للسلطة القضائية أو التقنينية أو التنفيذية في التدخل للإلزام به، أو المعاقبة على الإخلال به. وإن نشأ عن ذلك من الأضرار والخسائر ما لا يرضاه الله ولا رسوله ولا المؤمنون. ولنناقش هذه النقاط الثلاث بغير تطويل.

стр. 5561

شبهات النافين لوجوب الوفاء بالوعد: لم أجد دليلا مقنعا يقاوم الأدلة الكثيرة المؤيدة للقول بوجوب الوفاء بالوعد، ولكن هناك بعض شبهات ذكرها بعض الفقهاء، أكتفي منها بما ذكره العلامة " القرافي " من أحاديث عارض بها النصوص الدالة على تحريم خلف الوعد، وهي أحاديث لا تقوى على معارضة هذه النصوص، لا من ناحية ثبوتها، ولا من ناحية دلالتها. فقد ذكر هنا حديثين: أولهما: حديث الموطأ: ((قال رجل لرسول الله ﷺ : أكذب لامرأتي؟ فقال ﷺ : " لا خير في الكذب ". فقال: يا رسول الله أفأعدها وأقول لها؟ فقال ﵇: " لا جناح عليك ".)) قال: فمنعه من الكذب المتعلق بالمستقبل، فإن رضا النساء إنما يحصل به ونفى الجناح على الوعد، وهو يدل على أمرين: أحدهما: أن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا لجعله قسيم الكذب. وثانيهما: أن إخلاف الوعد لا حرج فيه (١) . اهـ. والحديث من ناحية سنده غير ثابت، قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: أخرجه ابن عبد البر في التمهيد من رواية صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار مرسلا. وهو في " الموطأ" عن صفوان بن سليم معضلًا من غير ذكر عطاء (٢) اهـ. وأما من ناحية الدلالة، فقد ناقش العلامة ابن الشاط القرافي (في حاشيته على الفروق) . مناقشة جيدة في " الأمر الأول " يحسن الرجوع إليها. ولم أذكرها خشية الإطالة (٣) .

стр. 5562

أما الأمر الثاني، وهو أن إخلاف الوعد لا حرج فيه مطلقا، فهو غير مسلم؛ لأن الحديث جاء في علاقة الرجل بامرأته، ومن حرص الشارع على دوام المودة بين الزوجين أن رخص لهما ما لم يرخص لغيرهما، فأجاز شيئا من الكذب كما أجاز في الحرب والإصلاح بين الناس، وقد روى ذلك الإمام مسلم في صحيحه عن أم كلثوم بنت عقبة: ((أنها لم تسمع رسول الله ﷺ يرخص في شيء مما يقول الناس: كذب، إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها)) (١) قال النووي في شرح الحديث: قال القاضي: لا خلاف في جواز الكذب في هذا الصور. واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها: ما هو؟ فقالت طائفة: هو على إطلاقه، وأجازوا قول ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة. وقال آخرون: ما جاء من الإباحة في هذا، المراد به: التورية واستعمال المعاريض، لا صريح الكذب، مثل أن يعد زوجته أن يحسن إليها ويكسوها كذا، وينوي: إن قدر الله ذلك، وحاصله أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه (٢) اهـ. وبهذا نتبين أن العلاقة بين الزوجين هنا موسع فيها، ولا يقول القرافي وغيره هنا بأن الترخيص في بعض الكذب هنا يعني أن الكذب لا حرج فيه بإطلاق. وثاني ما استدل به القرافي هنا هو حديث أبي داود ((إذا وعد أحدكم أخاه، ومن نيته أن يفي فلم يف، فلا شيء عليه)) (٣) .

стр. 5563

والحديث في سنن أبي داود بلفظ: ((إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي ولم يجئ للميعاد فلا إثم عليه)) (١) . والحديث سكت عليه أبو داود، ولكن ذكر المنذري في مختصره عن أبي حاتم الرازي أن في سنده راويين مجهولين (أبو النعمان وأبو وقاص) وكذا رواه الترمذي وقال: حديث غريب وليس إسناده بالقوي. قال: ولا يعرف أبو النعمان وأبو وقاص وهما مجهولان (٢) . وكذا ضعفه الحافظ العراقي في تخريج أحاديث " الإحياء " فالحديث متفق على ضعفه. ومثل هذا لا يحتج به في مقابلة الأدلة الأخرى الدالة على تحريم الخُلْف. ومع هذا يمكن حمل هذا الحديث – كما قال ابن الشاط المالكي - على أنه لم يف مضطرا، جمعا بين الأدلة، مع بعد تأويل تلك الأدلة وقرب تأويل هذا (٣) . والحق أن العلامة القرافي في هذا الموضوع لم يكن على العهد به من التحقيق والتدقيق، ولهذا نجد العلامة ابن الشاط في حاشيته على " الفروق" المسماة " أدرار الشروق" يعقب على ما ذكره القرافي من اختلاف الفقهاء في الوعد هل يجب الوفاء به شرعا أم لا؟.. إلخ. بقوله: الصحيح عندي القول بلزوم الوفاء بالوعد مطلقا، فيتعين تأويل ما يناقض ذلك، ويجمع بين الأدلة. على خلاف الوجه الذي اختاره المؤلف، والله أعلم (٤) . اهـ.

стр. 5564

الوعد بالمعروف والوعد في المعاوضات: وأما النقطة الثانية، وهي ما قيل من التفرقة بين الوعد بالصلة والمعروف وأنه هو الذي قيل بوجوبه، وبين الوعد في شئون المعاملات والمبادلات المالية، وأن هذا لم يقولوا بوجوبه. فيهمني أن أؤكد في هذا أمرين: الأول: أن النصوص التي أوجبت الوفاء وحرمت الإخلاف، جاءت عامة مطلقة ولم تفرق بين وعد ووعد، كما أشرنا إلى ذلك من قبل، ولا دليل عند المعارض يخصص عمومها، أو يقيد إطلاقها. ولهذا قال ابن شبرمة بصريح العبارة: الوعد كله لازم. الثاني: أنه إن كان لا بد من تفرقة بين النوعين- فالأمر يبدو لي على خلاف ما قيل تماما. والذي أراه أن الخلاف المنقول في الوعد ولزوم الوفاء به عند المالكية وغيرهم قد يقبل فيما كان من باب البر والمعروف والإرفاق، على معنى أن من وعد إنسانًا بصلة أو خدمة يقدمها له قد يجري فيه الخلاف السابق؛ لأن أصله تبرع محض، ويستقبح منه على كل حال إخلافه، وهذا ما تعارف الناس عليه وعبروا عنه في نثرهم بمثل قولهم: وعد الحر دين عليه، وفي شعرهم بمثل قول من قال: إذا قلت في شيء: " نَعَمْ " فأتمه فإن " نَعَمْ " دين على الحر واجب! وإلا فقل: " لا " فتسترح وترح بها لئلا يقول الناس: إنك كاذب! وهذا ما لم يدخل بسبب الوعد في ارتباط مالي، فإنه يشبه أن يكون تعاقدا ضمنيا.. ومن هذا ما تَعِدُ به الحكومات موظفيها من علاوات وترقيات وإعانات اجتماعية في حالة الزواج والإنجاب وغيرها. وما تعد به الوزارات والمؤسسات العاملين فيها من مكافآت وحوافز لمن يقوم بجهد معين كعمل إضافي أو خدمة معينة، أو تحسين لمستوى العمل، أو نحو ذلك فيجب أن توفي به.

стр. 5565

ومن ذلك عقد (الجعالة) فإنما هو وعد من (الجاعل) كأن يقول: من رد علي مالي المفقود، فله كذا.. فرده عليه، فيلزمه إعطاؤه ما وعد به. ومن ذلك ما تعد به المؤسسات الثقافية من جوائز تمنحها لمن يستوفي شروط السبق في مسابقات علمية تعلن عنها، ومثلها المسابقات الرياضية ونحوها. أما الذي ينبغي ألا يقبل الخلاف فيه، فهو: الوعد في شئون المعاوضات والمعاملات، التي يترتب عليها التزامات وتصرفات مالية واقتصادية، قد تبلغ الملايين، ويترتب على جواز الإخلاف فيها إضرار بمصالح الناس وتغرير به. فالوفاء بالوعد هناك كالوفاء بالعهد. لهذا وضعت بعض الأحاديث: ((إذا عاهد غدر)) مكان ((إذا وعد أخلف)) فالمعنيان متلازمان أو متقاربان. وقد ذكر الغزالي في الاستدلال على وجوب الوفاء بالوعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] . دلالة على أن الوعد داخل في " مسمى العقود ". كما أدخل ابن القيم الوعود مع العقود والعهود والشروط جميعا في باب واحد، فكما أن المسلمين عند شروطهم، فهم كذلك عند وعودهم؛ لأنهم لا يقولون ما لا يفعلون. ومن هنا أستغرب اتجاه د. الأمين، ود. الأشقر إلى عكس ذلك تماما، على حين رأينا المالكية الذين اعتمدا مذهبهم، يرجحون الإلزام بالوعد ديانة وقضاء إذا ترتب عليه شيء من الالتزام المالي، فكيف لا نتجه إلى القول بلزوم الوفاء إذا كانت المعاملة كلها قائمة من الأساس على التزام مالي متبادل؟ أما أن المالكية لا يقولون بالإلزام بالوعد في هذه الصورة بالذات، فلما عارضه- في نظرهم – من أدلة أخرى أوجبت منع هذه الصورة. وقد بينا ضعف هذه الأدلة في موضع آخر، ولهذا لا يلزمنا تقليدهم هنا، ولا مانع أبدا من الأخذ برأيهم في الإلزام بالوعد، وعدم الأخذ برأيهم في بيوع الآجال، أو بيوع العينة. على أننا قد وجدنا بحمد الله من غير المالكية من فقهاء الأمة من قال بالإلزام، فمن كان يرى أن رأي المالكية إما أن يؤخذ كله، وإما أن يترك كله، تركنا له رأيهم كله، ووسعنا أن نأخذ برأي الآخرين من القائلين بالإلزام، وهم عدد غير قليل.

стр. 5566

التفريق بين ما يلزم ديانة وما يلزم قضاء: وأما النقطة الثالثة وهي التفريق بين ما يلزم ديانة وما يلزم قضاء، لاتخاذ ذلك ذريعة إلى أن وجوب الوفاء بالوعد من الناحية الدينية، لا يترتب عليه تدخل السلطات الشرعية للقضاء به، والإلزام بتنفيذه، فالواقع أن الأصل هو الإلزام بكل ما أوجبه الله ورسوله، وما مهمة السلطات إلا تنفيذ ما أمر الله به، ومعاقبة من خرج عليه بحكم مسئوليتهم الشاملة. والذي يتضح لي أن الأعلام الذين نقلنا رأيهم في وجوب الوفاء بالوعد، لم يكونوا يفرقون بين ما يلزم ديانة وما يلزم قضاء، بل الظاهر من سيرهم وأحوالهم وطريقة تفكيرهم أن كل ما يلزم المسلم دينا وشرعا، يقضى به عليه ويجبر على فعله في حالة الأمر والوجوب، وعلى تركه في حالة النهي والتحريم. يؤكد هذا أن بعضهم كان بيده سلطة الإلزام والقضاء بالفعل مثل عمر بن العزيز وابن الأشوع وابن شبرمة، وإنما فرق الفقهاء بين الديانة والقضاء فيما له ظاهر وباطن، فيحكم القضاء بالظاهر، ويكل إلى الله السرائر، كما في حكم القاضي لمن هو ألحن بحجته، ومن شهدت له البينة ولو كاذبة، أو شهد له ظاهر الحال، وإن كان الواقع غير ذلك، فيجوز له أن يأخذ ما حكم له به قضاء لا ديانة. وكذلك في بعض أحوال الطلاق ونحوه، قد يختلف القضاء عن الديانة، لاختلاف النية المكنونة عن الظاهر المشهود.. وهلم جرا. وما قرره مؤتمر المصرف الإسلامي الأول المنعقد في " دبي " من " أن ما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك، وأمكن للقضاء التدخل فيه". يتفق مع اتجاه الشريعة الإسلامية في الإلزام بالواجبات الدينية المحضة وإشراك ولي الأمر في رعايتها، مثل الصلاة والصيام ونحوها مما شدد الشرع في فعله، وأوجب العقوبة على تركه، وإذا كان هذا في العبادات التي لها صفتها الدينية البارزة، فأولى من ذلك ما يتعلق بالعلاقات والمعاملات. ومن المعروف أن عقوبة " التعزير " المفوضة إلى رأي الإمام، (ولي الأمر الشرعي) أو القاضي إنما محلها كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وهذا باب واسع يستطيع القانون أو القضاء أن يدخل منه ليحاكم أو يعاقب على كل إهمال متعمد لواجب ديني، ومن ذلك ترك من يتعرض للهلاك بالجوع أو العطش أو الغرق أو الحريق أو غير ذلك دون أن يسعفه، فإن المذهب المالكي وغيره يحمله مسئولية جنائية بتركه لواجبه الديني. ومثل ذلك النفقة على البهيمة والرفق بها، مما هو واجب ديني في الأصل، ولكن عند إهماله يمكن أن يلزم القضاء، كما يدخل في سلطة المحتسب. وقانون " الوصية الواجبة " الذي أخذت به بعض البلاد الإسلامية إنما أرادت به إلزام الأجداد قانونا، بما كان يجب أن يراعوه ديانة، نحو أحفادهم الذين ليس لهم نصيب من الميراث في تَرِكَتِهِم لموت آبائهم في حياتهم، فجمعوا بين اليتم والحرمان فألزموا بالوصية لهم وفقا للآية الكريمة في صورة البقرة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] .

стр. 5567

عقد الاستصناع عند الحنفية: والخلاف في موضوع الوعد ومدى إلزامه، يشبه الخلاف الذي جاء في الفقه الحنفي حول " الاستصناع" الذي اتفق أئمة المذهب على جوازه، واعتباره بيعا صحيحا، برغم أنه بيع لمعدوم وقت العقد، ولكنهم أجازوه استحسانا، لتعامل الناس به الراجع إلى الإجماع العملي الممتد من عهد النبوة إلى اليوم بلا نكير، والتعامل بهذه الصفة- كما قال ابن الهمام - أصل مندرج في قوله ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) (١) اهـ. ثم اختلف مشايخ المذهب في تكييفه: أهو مواعدة أم معاقدة؟ فالحاكم الشهيد والصفار ومحمد بن سلمة، وصاحب المنثور اعتبروه مواعدة، وإنما ينعقد عند الفراغ بيعا بالتعاطي، ولهذا كان للصانع ألا يعمل ولا يجبر عليه بخلاف السلم، وللمستصنع ألا يقبل ما يأتي به ويرجع عنه. قال ابن الهمام: والصحيح من المذهب جوازه بيعا.. إلخ.. وإذا أتم صنع الشيء المطلوب فالمستصنع (بكسر النون) بالخيار إذا رآه: إن شاء أخذه وإن شاء تركه؛ لأنه اشترى ما لم يره ولا خيار للصانع؛ لأنه بائع باع ما لم يره، ومن هو كذلك فلا خيار له، وهو الأصح بناء على جعله بيعا لا عِدَة في رواية عن أبي حنيفة: أن له الخيار أيضا دفعا للضرر عنه؛ لأنه لا يمكنه تسليم المعقود عليه إلا بضرر. وعن أبي يوسف: أنه لا خيار لهما، أما الصانع فلما ذكرنا (أنه بائع باع ما لم يره) ، وأما المستصنع فلأن الصانع أتلف ماله (أي بتحويله من مادة خام إلى مصنوعات) ليصل إلى بدله، فلو ثبت له الخيار تضرر الصانع؛ لأن غيره لا يشتري بمثله. ألا ترى أن الواعظ إذا استصنع منبرا فالعامي لا يشتريه أصلًا (٢) ؟ وهذا التعليل والتمثيل يرينا بوضوح كيف كان فقهنا يعيش في قلب الحياة العملية. وقد عدلت " مجلة الأحكام العدلية" الشهيرة في مسألة " الاستصناع " عن قول أبي حنيفة ومحمد المفتى به في المذهب، والذي يجعل الخيار للمستصنع بعد إنجاز المصنوع، وإن جاء مستوفيا كل المواصفات المتفق عليها، وتبنت قول أبي يوسف في عدم الخيار وإلزامه بأخذ المستصنع. وهذا ما نصت عليه المادة ٢٩٢ من المجلة. وقد جاء في التقرير الذي قدمت به ما يأتي: - " وعند الإمام الأعظم (أبي حنيفة) أن المستصنع له الرجوع بعد عقد الاستصناع، وعند الإمام أبي يوسف ﵀ أنه إذا وجد المصنوع موافقا للصفات التي بينت وقت العقد فليس له الرجوع، والحال أنه في هذا الزمان قد اتخذت معامل كثيرة تصنع فيها المدافع والبواخر ونحوها بالمقاولة، وبذلك صار الاستصناع من الأمور الجارية العظيمة، فتخيير المستصنع في إمضاء العقد أو فسخه يترتب عليه الإخلال بمصالح جسيمة.. لزوم اختيار قول أبي يوسف رحمه الله تعالى في هذا، مراعاة لمصلحة الوقت، كما حرر في المادة الثانية والتسعين بعد الثلاثمائة من هذه المجلة ". هذا وبالله التوفيق وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الدكتور / يوسف القرضاوي

стр. 5568

الوفاء بالوعد وحكم الإلزام به إعداد الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه وبعد: فلقد رغبت إلي الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ممثلة في أمينها العام المحترم الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة، أن أكتب بحثًا في الوعد وحكم الإلزام به، وكم كنت حريصًا على إجابة رغبة شيخنا الجليل ولكن صار لدي من المشاغل- ومنها إعداد بحث للمجمع في حكم تغير قيمة العملة بعد استقرارها في الذمة – هذه المشاغل حالت دون ذلك، فاكتفيت بجمع ما تيسر جمعه من أقوال أهل العلم في الموضوع، وصار مني بعض التعليقات اليسيرة عليها، وختمتها بتوجيه القول بلزوم الوعد على الواعد، بما لم أر أحدًا من أهل العلم قال به على وجه التفصيل مع ظهور قوة الاحتجاج به، أرجو أن يكون فيما ذكرته من نصوص أهل العلم مزيد إنارة وتبصير. لا شك أن الوعد التزام بما لا يلزم قبله، والوفاء به من مكارم الأخلاق، ومن صفات الأصالة البشرية وقد قالوا: " وعد الحر دين" وقد اتفق العلماء ﵏ على أن الوفاء بالوعد من آكد المستحبات، واختلفوا في وجوبه على الواعد ووجوب الوفاء به، فذهب جمهورهم إلى عدم وجوبه، وأن الوفاء مستحب ومن مكارم الأخلاق، وذهب آخرون إلى وجوب الوفاء به ديانة وعدم صحة الحكم به قضاء وذهب فريق ثالث إلى وجوب الوفاء به ديانة وقضاء مطلقًا من غير تفصيل، وفرقة تقول بوجوب الوفاء به ديانة وقضاء إن كان الوعد على سبب سواء دخل الموعود في ذلك السبب أم لم يدخل، كأن يقول لإنسان: تزوج وعلي صداق زوجتك. فيلزمه الوفاء بالوعد، والفريق الثالث يشترط للقول بوجوب الوفاء ديانة وقضاء، أن يترتب على الموعود التزام بسبب دخوله في سبب الوعد، كأن يقول لآخر: اشتر هذه السلعة وأقرضك ثمنها. فإن اشتراها تعين عليه إقراضه ثمنها، وفيما يلي أقوال لبعض أهل العلم في حكم الوفاء بالوعد تفصيلًا للإجمال المتقدم ذكره: ١- جاء في أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب ما يلي: أ) " إذا وعد أحدكم فلا يخلف "، رواه أبو يعلى والحاكم. ب) " إن حسن العهد من الإيمان "، حسنه الحاكم وقال على شرطهما وأقره الذهبي. جـ) " العِدَةُ دَيْنٌ "، فيه حمزة بن داود ضعفه الدارقطني لكن له عدة طرق فهو حسن.

стр. 5569

٢- في الجزء الخامس من فتح الباري على صحيح البخاري ص ٢٨٩ -٢٩٠ قال ابن حجر ما نصه: باب من أمر بإنجاز الوعد- وجه تعلق هذا الباب بأبواب الشهادات: إن وعد المرء كالشهادة على نفسه. قال الكرماني: قال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء اهـ. ونقل الإجماع في ذلك مردود فإن الخلاف مشهور لكن القائل به قليل، وقال ابن عبد البر وابن العربي: أجل من قال به عمر بن عبد العزيز، وعن بعض المالكية: إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به وإلا فلا. فمن قال لآخر: تزوج ولك كذا. فتزوج لذلك وجب الوفاء به وخرج بعضهم الخلاف على أن الهبة: هل تملك بالقبض أو قبله؟ وقرأت بخط أبي رحمه في إشكالات على الأذكار للنووي ولم يذكر جوابا عن الآية يعني قوله تعالى ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) وحديث: آية المنافق قال: والدلالة للوجوب فيها قوية فكيف حملوه على كراهية التنزيه مع الوعيد الشديد؟ وينظر هل يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء؟ أي يأثم بالإخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك. ثم ذهب ﵀ يشرح أحاديث الباب فقال: قوله وفعله الحسن أي الأمر بإنجاز الوعد. قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٢) . وفي رواية النسفي وذكر إسماعيل أنه كان صادق الوعد وروى ابن أبي حاتم من طريق الثوري أنه بلغه أن إسماعيل ﵇ دخل قرية هو ورجل فأرسله في حاجة، وقال له أن ينتظره، فأقام حولا في انتظاره، ومن طريق ابن شوذب أنه اتخذ ذلك الموضع مسكنا فسمي من يومئذ صادق الوعد.

стр. 5570

قوله: وقضى ابن الأشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة بن جندب- إلى قوله – قال أبو عبد الله هو المصنف، وأن إسحاق ابن إبراهيم يحتج بحديث ابن الأشوع أي هذا الذي ذكره عن سمرة بن جندب، والمراد أنه كان يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد – ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث، أحدها حديث أبي سفيان بن حرب في قصة هرقل أورد منه طرفا وقد تقدم موصولا في بدء الوحي. ثانيها: حديث أبى هريرة في آية المنافق وقد تقدم شرحه في كتاب الإيمان. ثالثها: حديث جابر في قصته مع أبي بكر فيما وعده به النبي ﷺ من مال في البحرين إلى آخره. ٣- وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم آية ٥٤] . قال: الثالثة من هذا الباب قوله ﷺ : ((العِدَةُ دَيْنٌ)) ، وفي الأثر: وَأْيُ المؤمن واجب إلى أن قال في المسألة الرابعة – قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه، فقال: نعم، وثم رجال يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان – إلى أن قال – وفي البخاري واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد، وقضى ابن الأشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة بن جندب قال البخاري ورأيت إسحاق ابن إبراهيم - يعني ابن راهويه – يحتج بحديث ابن الأشوع اهـ.. ٤- وقال الشيخ الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسيره أضواء البيان على قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ ما نصه: مسألة اختلف العلماء في لزوم الوفاء بالعهد، فقال بعضهم: يلزم الوفاء به مطلقا. وقال بعضهم: لا يلزم مطلقًا. وقال بعضهم: إن أدخله بالوعد في ورطة لزم الوفاء به، وإلا فلا. ومثاله – ما لو قال له: تزوج. فقال له: ليس عندي ما أصدق به الزوجة، فقال: تزوج والتزم لها الصداق وأنا أدفعه عنك؛ فتزوج على هذا الأساس، فإنه قد أدخله بوعده في ورطة التزام الصداق، واحتج من قال يلزمه: بأدلة منها آيات من كتاب الله دلت بظواهر عمومها على ذلك وبأحاديث، فالآيات كقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (١) ، وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٣) الآية، وقوله هنا: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٤) الآية، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث؛ كحديث ((العِدَةُ دَيْنٌ)) .
следующие страницы →