وقد أجاب ابن الشاط على استدلال القرافي هذا بما يلي:
١- إن القول بأن الرسول ﵊ منع السائل من الكذب المتعلق بالمستقبل، غير مسلم وهي دعوى لا حجة عليها، ولعل السائل كان قصده من الكذب على زوجته أن يخبرها عن فعله مع غيرها من النساء بما لم يفعله، أو غير ذلك مما يقصد به إغاظة زوجته، فلم يتعين أن المراد ما ذكره، كيف وأن ما ذكره هو عين الوعد، وما معنى الحديث إلا أنه ﷺ " منعه من أن يخبرها بخبر كذب يقتضي تغييظها به وسوغ له الوعد لأنه لا يتعين فيه الإخلاف لاحتمال الوفاء به سواء كان عازما عند الوعد على الوفاء أو على الإخلاف أو مضربا عنهما، ويتخرج ذلك في قسم العزم على الإخلاف على الرأي الصحيح ... من أن العزم على المعصية لا مؤاخذة به، إذ معظم دلائل الشريعة يقتضي المنع في الإخلاف " (١) .
٢- إن القول بأن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا لجعله قسيم الكذب، غير مسلم أيضا، لأنه جعله قسيم الخبر عن غير المستقبل الذي هو كذب، فكان قسيمه من جهة كونه مستقبلا، وذلك غير مستقبل، أو من جهة كونه قد تعين أنه كذب، والوعد لا يتعين كونه كذبا.
٣- أما دعوى إخلاف الوعد لا حرج فيه فليس بصحيح، بل فيه الحرج بمقتضى ظواهر الشرع إلا حيث يتعذر الوفاء، كما سنرى ذلك من الأدلة.
٤- إن القول: بأنه لو كان قصد السائل الوعد الذي يفي به لما احتاج السؤال عنه ... إلخ. فيجاب عليه، بأن السائل لم يقصد الوعد الذي يفي فيه على التعيين، وإنما قصد الوعد على الإطلاق وسأل عنه لأن الاحتمال في عدم الوفاء اضطرارًا أو اختيارا قائم، ورفع النبي ﷺ عنه الجناح لاحتمال الوفاء، ثم إن وفى فلا جناح، وإن لم يف مضطرًا فكذلك، وإن لم يف مختارًا فالظواهر المتظاهرة قاضية بالحرج.
стр. 5707
٥- إن القول: بأن قصد السائل إصلاح حال امرأته ... إلخ، إن هذا القول غير صحيح، إذ من أين يحصل العلم بأن الزوج لا يفعله؟ وعلى أن يكون في حال الوعد غير متمكن مما وعد به، ومن أين يعلم عدم تمكنه منه في المستقبل؟ وإذا تعذر العلم بجميع ذلك، تعين أن يكون سؤال الزوج لاحتمال عدم الوفاء أو العزم على عدم الوفاء فسوغ له ﵊ ذلك، لأن عدم الوفاء لا يتعين أو لأن العزم على عدم الوفاء على تقدير أن عدم الوفاء معصية، ليس بمعصية. (١)
ثانيا: ومما استدل به هذا الفريق على قولهم: بأن الوعد غير ملزم، ما أخرجه أبو داود أنه ﵊ قال: ((إذا وعد أحدكم أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف فلا شيء عليه)) (٢) .
وأجيب عن هذا الحديث بما أجيب به عن الحديث الذي سبقه.
ثالثا: ومما استدل به أصحاب هذا الرأي أيضا، أن الرجل إذا وعد وحلف واستثنى – بأن قال إن شاء الله – فقد سقط عنه الحنث بالنص والإجماع المتيقن فإذا سقط عنه الحنث، دل على أنه لم يلزمه فعل ما حلف عليه.
وبما أن الوعد لا يصح بدون استثناء، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣) . دل على أن من وعد ولم يستثن، فقد عصى الله تعالى في وعده ذلك، ولا يجوز أن يجبر أحد على معصية، فإن استثنى فقال " إن شاء الله تعالى أو إلا أن يشاء الله تعالى أو نحوه مما يعلقه بإرادة الله فلا يكون مخلفا لوعده إن لم يفعل " (٤) .
ويجاب على هذا الاستدلال، بأن الاستثناء في الوعد سنة وليس بواجب، ولم ينقل عن أحد من العلماء بأنه يحرم الوعد بغير استثناء، حكى القرطبي عن ابن عطية قوله " وتكلم الناس في هذه الآية في الاستثناء في اليمين، والآية ليست في الإيمان وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين " (٥) .
стр. 5708
المذهب الثاني: وهو رأي الفقيه المالكي ابن شبرمة، ويقضي: بأن الوعد ملزم مطلقا ويجب الوفاء به ديانة وقضاء، حكى ذلك عنه ابن حزم حيث قال: " قال ابن شبرمة: الوعد كله لازم ويقضى به على الواعد ويجبر " (١) .
وهو مذهب كثير من فقهاء السلف، منهم الحسن البصري، والخليفة عمر بن عبد العزيز، وقضى به سعيد بن عمرو بن الأشوع (٢) ، ونقل ذلك عن الصحابي الجليل سمرة بن جندب ﵁، وذكر البخاري في صحيحه بأنه رأي إسحق بن راهويه مستدلا بحديث ابن الأشوع في القول بإنجاز الوعد (٣) .
ووجوب الوفاء بالعود مطلقًا مذهب بعض المالكية وإن وصفوه بأنه مذهب ضعيف (٤) وذهب إلى وجوب الوفاء بالوعد كذلك أبو بكر بن العربي المالكي (٥) .
وهذه وجهة نظر ابن الشاط المالكي وقد دافع عن رأيه هذا من خلال رده على القرافي (٦) . وحكى ابن رجب الحنبلي وجوب الوفاء بالوعد مطلقا عن طائفة من علماء أهل الظاهر وغيرهم (٧) .
وقال الإمام الغزالي الشافعي: إذا فهم الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر، وقد يفهم الجزم في الوعد إذا اقترن به حلف أو إقامة شهود على الوعد أو قرائن أخرى (٨) .
стр. 5709
أدلة أصحاب هذا الرأي:
استدل أصحاب هذا الرأي بنصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
١- فمما استدلوا به من الآيات القرآنية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) .
وجه الاستدلال من الآية: إن العقود تعني المربوط واحدها عقد، يقال عقدت العهد والحبل، والعقد، هو كل ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وكل ما كان غير خارج عن الشريعة وكذا ما عقده الإنسان على نفسه لله من الطاعات، قال الزجاج: " المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض" (٢) . ويستدل أيضا بقوله ﵊: ((المؤمنون عند شروطهم)) . ولما كان الوعد مما ألزم به الإنسان نفسه، فعلى هذا يلزمه الوفاء.
واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) .
فالوعد إذا أخلف، قول نكل الواعد عن فعله، فيلزم أن يكون كذبا محرما وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقا (٤) .
كما استدل هذا الفريق من العلماء بالآيات التي أثنى الله فيها على من بر بوعده وأوفى بعهده، منها قوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ (٥) وقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (٦) . ومدح إسماعيل لصدقه في وعده بقوله عز شأنه: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٧) .
وقد حمل أصحاب المذهب الأول هذه الأدلة على الندب والاستحباب.
٢- ومن السنة النبوية التي استدل بها القائلون: بوجوب الوفاء بالوعد، ما أخرجه البخاري ومسلم (٨) عن النبي ﷺ أنه قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان)) وفي رواية ((من علامات المنافق ثلاث ... إلخ)) وفي رواية أخرى ((آية المنافق ثلاث ... وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)) وورد في البخاري ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر)) .
стр. 5710
الدليل في هذه الأخبار أن إخلاف الوعد قد عده النبي ﷺ في خصال المنافقين، والنفاق مذموم شرعًا، وقد أعد الله للمنافقين الدرك الأسفل من النار، حيث قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (١) .
وعلى هذا يكون إخلاف الوعد محرما فيجب الوفاء به.
وقد صرف بعض شراح الحديث معنى النفاق الوارد في الروايات المذكورة عن حقيقته، فقالوا: إن المراد بإطلاق النفاق، الإنذار والتحذير للمسلم عن ارتكاب هذه الخصال أو اعتيادها والتي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق، وهذا المعنى حكاه الخطابي وارتضاه (٢) .
كما قال البعض منهم، بأن المراد بالحديث، المنافقون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ فحدثوا بإيمانهم وكذبوا، وأتمنهم على سره فخانوه ووعدوه بالخروج معه للجهاد فأخلفوه، وقد روى محمد المحرم هذا التأويل عن عطاء وأنه قال: حدثني به جابر، وذكر أن الحسن رجع إلى قول عطاء هذا عند بلوغه الخبر.
وقد رد ابن رجب الحنبلي على كلام محرم هذا بقوله: " هذا كذب والمحرم شيخ كذاب معروف بالكذب" (٣) .
فالحديث عام في كل إنسان يظهر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الأكبر، والنفاق الأصغر وهو نفاق العمل " وهو أن يظهر الإنسان علانية صلاحه ويبطن ما يخالف ذلك ". والنفاق هذا ترجع أصوله إلى الخصال المذكورة في هذا الحديث وغيره (٤) .
ومن الأحاديث النبوية التي استدل بها أصحاب المذهب الثاني ما جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له سألتك ماذا يأمركم فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة قال وهذه صفة نبي " (٥) .
стр. 5711
واستدلوا أيضا بما روي عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: ((لما مات النبي ﷺ جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا، قال جابر فقلت: وعدني رسول الله ﷺ أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرات، قال جابر فعد في يدي خمسمائة ثم خمسمائة ثم خمسمائة)) (١) .
وأخرجه البخاري بلفظ قريب في باب من تكفل عن ميت دينا (٢) . قال العيني: وقد استدل بعض الشافعية على وجوب الوفاء بالوعد في حق النبي ﷺ لأنهم زعموا أنه من خصائصه ولا دلالة فيه أصلا لا على الوجوب ولا على الخصوصية (٣) .
ومما استدل به أصحاب هذا الرأي ما أخرجه البخاري وذكره في معرض الاحتجاج لوجوب الوفاء بالوعد عن المسور بن مخرمة أنه قال: " سمعت النبي ﷺ وذكر صهرا له فقال: وعدني فوفاني " (٤) .
ومن ذلك أيضا قوله ﵊: ((وأي المؤمن واجب)) (٥) بمعنى وعده واجب الوفاء به.
واستدلوا كذلك بما رواه الترمذي عنه ﷺ أنه قال: ((" لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه)) (٦) .
ومن أدلتهم بهذا الخصوص أيضا، أن النبي ﷺ كان إذا وعد وعدا قال: عسى، وكان عبد الله بن مسعود ﵁ لا يعد وعدا إلا ويقول: إن شاء الله، وقد حمل الغزالي ذلك بعد ذكره لهذا الخبر، على أن الواعد إذا جزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر، فإن كان عند الوعد جازما على أن لا يفي، فهذا هو النفاق (٧) . لكن صاحب مرقاة المفاتيح قال بعد نقل هذا عن الغزالي: وهذا كله يؤيد الوجوب إذا كان الوعد مطلقا غير مقيد بعسى أو المشيئة ونحوهما مما يدل على أنه جازم في وعده، فقول الغزالي محل بحث (٨) .
وقد حمل أصحاب الرأي الأول الروايات التي استدل بها الفريق الثاني على الندب والاستحباب.
стр. 5712
المذهب الثالث: التفصيل في وجوب الوفاء بالوعد:
ذهب فقهاء المذهب المالكي إلى التفصيل فيما يجب الوفاء به من الوعود وما لا يجب وكانوا في ذلك فريقين.
الفريق الأول: وهو المنقول عن مالك وابن القاسم وسحنون، ويقضى رأيهم بأن الوعد يكون لازما يجب الوفاء به ويقضى القاضي به على الواعد إذا كان الوعد تم على سبب ودخل الموعود له بسبب الوعد في شيء.
قال القرافي: " اختلف العلماء في الوعد هل يجب الوفاء به شرعا أم لا؟ قال مالك: إذا سألك أن تهب له دينارا فقلت نعم ثم بدا لك لا يلزمك، ولو كان افتراق الغرماء عن وعد وإشهاد لأجله، لزمك لإبطالك مغرما بالتأخير، قال سحنون: الذي يلزم من الوعد قوله: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبني به، أو: اخرج إلى الحج وأنا أسلفك، أو: اشتر سلعة، أو: تزوج امرأة وأنا أسلفك؛ لأنك أدخلته بوعدك في ذلك، أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به بل الوفاء به من مكارم الأخلاق " (١) .
وإذا تنازع الواعد والموعود له فيما يلزم الواعد بسبب وعده، فقد قالوا: إذا اشترى رجل من آخر كرما فخاف الوضيعة، فأتى المشتري إلى البائع ليستوضعه، فقال له البائع: بع وأنا أرضيك، فإن باع المشتري الكرم برأس ماله أو بربح، فلا شيء على الواعد، وإن باع بالوضيعة كان عليه أن يرضيه، " فإن زعم الموعود أنه أراد شيئا سماه، فله ما أراد اتفاقا، وإن لم يكن أراد شيئا، أرضاه الواعد بما شاء وحلف بالله أنه ما أراد أكثر من ذلك ". وهذا هو رأي أشهب، أما على رأي ابن وهب واستحسنه أصبغ، فإن على الواعد، إرضاء الموعود بما يشبه، أي بالمثل، وهو ما يكون مرضيا عند الناس. أما لو حلف الواعد ليرضينه فإن عليه أن يوفيه بما يرضيه ويرضي الناس (٢) .
стр. 5713
الفريق الثاني: ويمثله مذهب أصبغ، وقالوا عنه بأنه مذهب قوي، ويقضي بلزوم الوعد ووجوب الوفاء به إذا تم الوعد على سبب وإن لم يدخل الموعود له في مباشرة شيء، نقل ذلك ابن عليش المالكي حيث قال: " والقول بأنه يقضي بها إذا كانت على سببه وإن لم يدخل بسببها في شيء هو قول أصبغ في كتاب العدة " (١) .
فعلى هذا الرأي، لو قال رجل لآخر إن غرمائي يلزمونني بدين، فأسلفني أقضهم فوعده المقابل، ثم بدا له الرجوع، فإن على مذهب أصبغ، يجب الوفاء لأنه وعد على سبب، وعلى مذهب مالك ومن وافقه، لا يجب، لأن الموعود له لم يدخل في شيء إلا إذا اعتقد منه الغرماء على موعد وأشهد بإيجاب ذلك على نفسه (٢) .
وحجة المالكية في تفصيلهم هذا، أن النصوص الشرعية بهذا الصدد قد تعارضت، فمنها ما أوجب الوفاء بالوعد مطلقا، وهي الأدلة التي ساقها موجبو الوفاء بالوعد، ومنها ما لم يجعل إخلاف الوعد من الكذب كحديث الموطأ وأبي داود، وأما قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ . فإنها نزلت في قوم كانوا يقولون جاهدنا وما جاهدوا، وفعلنا أنواع الخيرات وما فعلوا (٣) . ولا شك أن هذا محرم لأنه كذب، وأما كون مخلف الوعد منافقا فهو محمول على حالة كون الإخلاف سجية له أو تعمدا، فكان لا بد من حمل هذه النصوص على خلفا ظاهرها وأن يجمع بين الأدلة، فوافق هذا الرأي من أوجب الوفاء بالوعد إذا كان الوعد على سبب وباشره، ووافق من لم يلزم الوفاء بالوعد فيما عداها من الوعود المجردة، هكذا ذكر القرافي (٤) .
وقد رد ابن الشاط على كلام القرافي هذا، حيث قال: بأنه ينبغي الجمع بين الأدلة وتأويل ما يناقض ذلك، فيحمل حديث الموطأ وأبي داود بما يتسق مع الآية وحديث خصال المنافق، وذلك بأن تكون المسامحة في إخلاف الوعد اضطرارًا (٥) .
وقد انتقد ابن حزم تقسيم المالكية هذا وتفصيلهم وقال: " بأنه لا وجه له ولا برهان يعضده لا من قرآن ولا سنة ولا قول صحابي ولا قياس، فإن قيل: قد أضر الواعد بالموعود إذ كلفه من أجل وعده عملا ونفقة، قلنا: فهب أنه كما تقولون فمن أين وجب على من ضر بآخر وظلمه وغره أن يغرم له مالا؟ " (٦) .
وقول ابن حزم هذا غير مسلم، فقد ساق أصحاب الرأي الثاني من الأدلة ما فيه الكفاية، للقول بلزوم الوفاء بالوعد.
стр. 5714
الرأي الراجح:
لقد تبين لنا من خلال ما نقلنا عن أئمة الفقه ﵏ أنهم اتجهوا ثلاثة اتجاهات في القول: بإلزام الواعد بالوفاء بوعده أو عدم إلزامه، ومن خلال ما استدل به كل فريق من أدلة، يترجح لنا رأي الفريق القائل: بوجوب الوفاء بالوعد مطلقا، وكما يلزم الواعد بالوفاء بوعده ديانة، يلزم به قضاء (١) . وذلك لرجحان أدلة هذا المذهب من جهة، ولعدم وجود مبرر للتفريق بإلزام الواعد بوفاء وعده ديانة وعدم إلزامه به قضاء مع ملاحظة ما اشترطه الفقهاء من وجوب تحقق ركني العقد – الإيجاب والقبول – ممن تتوفر فيهما أهلية التعاقد، وأن يتم ذلك في مجلس واحد وإذا أخل الواعد بوعده، فعليه تعويض ما لحق الطرف المقابل من أضرار.
جواب السؤال مدار البحث:
بعد أن تبين لنا في موضوع الوعد، رجحان رأي من يلزم الواعد بالوفاء بوعده، فالجواب على سؤال الآمر بالشراء مرابحة، وهل يلزم بذلك؟ يكون الجواب كالآتي:
إن مثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاءً لأحكام المذهب المالكي، وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك وأمكن للقضاء التدخل به.
على أن تلاحظ الشروط التي اشترطها الفقهاء في مثل هذه العقود وتلخص بما يلي:
١- تطابق الإيجاب والقبول وأن يتم هذا التطابق في مجلس واحد.
٢- أن يكون الثمن والسلعة معلومين لدى المتعاقدين.
стр. 5715
٣- أن يبقى العقد معلقا لحين حيازة المصرف الإسلامي السلعة ودخولها في ملكه، لئلا يحصل بيع المبيع قبل قبضه، وذلك لا يجوز.
٤- أن توصف السلعة للمشتري وصفا تزول معه الجهالة، فإذا تم العقد وأراد المصرف تسليم البضاعة للآمر بالشراء مرابحة، فإن لم تكن السلعة على الوصف الذي اتفق عليه الطرفان في العقد، فللمشتري الحق في فسخ العقد، عملا بخيار الوصف.
ومع أننا قد أخذنا برأي من يلزم الواعد بالوفاء بوعده ديانة وقضاء، فإننا نوصي القائمين على المصارف الإسلامية باتباع ما يلي: وذلك للخروج من خلاف الفقهاء.
أ- أن يمتلك التصرف الإسلامي البضاعة قبل أن يتعاقد عليها مرابحة، ومن ثم يبيعها مرابحة وفق الشروط التي تكلمنا عنها في الفصل الأول من هذا البحث.
ب- إذا لم يلحق المصرف ضرر من جراء وعد الواعد له بالشراء مرابحة، فلا يطالبه بتعويض مالي، أما لو لحقه ضرر فلا بأس من أخذ التعويض في هذه الحالة، لأن المصرف المعين مؤتمن على الأموال المودعة عنده، قلا يحق للقائمين على شؤونه التفريط في حقوق أصحاب تلك الأموال.
وأسأل الله أن يجنبنا الزلل في القول والعمل إنه سميع مجيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
إبراهيم فاضل الدبو
стр. 5716
مراجع البحث
بعد القرآن الكريم
١) الجامع لأحكام القرآن – لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي.
الطبعة الثالثة – دار الكاتب العربي للطباعة والنشر ١٣٨٧ هـ – ١٩٦٧م.
٢) عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني إدارة الطباعة المنيرية.
٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري – للعسقلاني – مطبعة البابي الحلبي.
٤) صحيح مسلم بشرح النووي – دار الفكر- بيروت.
٥) إحياء علوم الدين لأبي حامد محمد الغزالي، المكتبة التجارية الكبرى بمصر.
٦) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك للشيخ محمد عليش- الطبعة الأخيرة ١٣٧٨ هـ – ١٩٥٨م.
٧) الفروق لأبي العباس الصنهاجي القرافي مع حاشية قاسم بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن الشاط مع تهذيب الفروق لمحمد بن الشيخ حسين دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت.
٨) المحلى لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم – المكتب التجاري للطباعة والنشر.
٩) جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي – نشر دار العلوم الحديثة – بيروت.
ودار الشرق الجديدة – بغداد.
١٠) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي لمحمد بن عبد الرحمن المباركفوري – نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
стр. 5717
١١) من مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح – لعلي بن سلطان محمد القارني – نشر المكتبة الإسلامية.
١٢) الموطأ – للإمام مالك بهامش كتاب المنتقى للباجي – الطبعة الأولى.
١٣) شرح بداية المبتدي – لبرهان الدين علي أبي بكر المرغيناني والمطبوع مع فتح القدير – الطبعة الأولى – بولاق مصر ١٣١٧هـ.
١٤) شرح فتح القدير للكمال ابن المهام. والمطبوع مع الهداية.
١٥) المغني – لابن قدامة على مختصر الخرقي _ مطابع سجل العرب بالقاهرة.
١٦) الشرح الكبير للدردير على مختصر سيدي خليل – المطبعة الأميرية.
١٧) روضة القضاة وطريق النجاة – لأبي القاسم علي بن محمد بن أحمد الرحبي السمناني تحقيق الدكتور صلاح الدين الناهي. مطبعة أسعد ببغداد.
١٨) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع – لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني- مطابع الإمام – القاهرة.
١٩) المبسوط – لشمس الدين محمد بن سهل السرخسي – مطبعة السعادة بمصر ١٣٢٤ هـ.
٢٠) الدر المختار شرح تنوير الأبصار لعلاء الدين الحصكفي- مطبعة البابي الحلبي الطبعة الثانية.
٢١) رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين والمطبوع مع الدر المختار.
٢٢) المدونة الكبرى رواية الإمام سحنون بن سعيد التنوطي عن عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك – الطبعة الأولى.
٢٣) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف – لعلي بن سليمان المرداوي مطبعة السنة المحمدية في غزة ١٩٥٥م.
стр. 5718
٢٤) المهذب لأبي إسحاق إبراهيم علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي. مطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر.
٢٥) مغني المحتاج إلى معاني ألفاظ المنهاج – للخطيب الشربيني – مطبعة البابي الحلبي.
٢٦) شرح الخرشي لمختصر سيدي خليل – لأبي عبد الله محمد الخرشي ومعه حاشية الشيخ العدوي – المطبعة الأميرية ببولاق مصر – الطبعة الثانية.
٢٧) مطالب أولى النهي في شرح غاية المنتهى للسيوطي الرحيباني – الطبعة الأولى لسنة ١٣٨٠هـ- ١٩٦٠م منشورات المكتب الإسلامي بدمشق.
٢٨) كشاف القناع عن متن الإقناع – لمنصور بن يونس البهوتي، والإقناع للحجاوي الناشر مكتبة النصر الحديثة في الرياض.
٢٩) قواعد العلامة – للحسن بن يوسف بن المطهر الحلبي وهو متن مفتاح الكرامة.
٣٠) مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة لمحمد جواد العاملي – مطبعة الشورى.
٣١) البحر الزخار – الجامع لمذاهب علماء الأمصار – لأحمد بن يحيى بن المرتضى – مطبعة السنة المحمدية بمصر – ١٣٦٨هـ – ١٩٤٩ م.
٣٢) مصادر الحق في الفقه الإسلامي – للدكتور عبد الرزاق السنهوري – الجزء الثاني الطبعة الثالثة ١٩٦٧ م.
٣٣) نظرية العقد – للدكتور عبد الرزاق السنهوري.
٣٤) أصول الالتزام – للدكتور حسن علي الذنون – مطبعة المعارف.
٣٥) الوسيط – للدكتور عبد الرزاق السنهوري.
٣٦) الوسيط في نظرية العقد- الدكتور عبد المجيد الحكيم.
стр. 5719
المرابحة للآمر بالشراء
نظرات في التطبيق العملي
إعداد
الدكتور علي أحمد السالوس
أستاذ الفقه والأصول – كلية الشريعة
جامعة قطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" إياك نعبد وإياك نستعين "
تقديم
الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد: فعندما قامت المصارف الإسلامية جعلت شعارها قول الحق ﵎ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: (٢٧٥) ] . ورأت في بيع المرابحة للآمر بالشراء بديلا عن الإقراض الربوي الذي تقوم به البنوك الربوية. وثار الجدل ولا يزال حول مشروعية هذا البيع كما تجريه المصارف الإسلامية.
فذهب فريق من فقهاء العصر إلى أن هذا البيع لا يختلف في جوهره عن بيع المرابحة المعروف في الفقه الإسلامي كنوع من بيوع الأمانة.
وذهب آخرون إلى أن منهج البنوك الإسلامية في هذا المسمى بالبيع لا يختلف عن منهج البنوك الربوية في الإقراض الربوي.
واستدل كل فريق بأدلة كثيرة رأيناها في الأبحاث المقدمة للمؤتمرات، وفي الصحف والمجلات، كما نشر أكثر من كتاب يبحث هذا الموضوع.
стр. 5720
فتوى المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي:
ومن الفتاوى الجماعية المبكرة في هذا الموضوع ما صدر عن المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي الذي عقد بدبي سنة ١٣٩٩هـ (١٩٧٩ م) – أي بعد أربع سنوات من ظهور أول بنك إسلامي. ونص الفتوى ما يلي:
الوعد بالشراء مرابحة:
" يطلب العميل من المصرف شراء سلعة معينة، يحدد جميع أوصافها، ويحدد مع المصرف الثمن الذي سيشتريها به العميل بعد إضافة الربح الذي يتفق عليه بينهما، وهذا التعامل يتضمن وعدا من عميل المصرف بالشراء في حدود الشروط المنوه عنها، ووعدا آخر من المصرف بإتمام هذا البيع بعد الشراء طبقا لذات الشروط. ومثل هذا الوعد ملزم للطرفين طبقا لأحكام المذهب المالكي، وملزم للطرفين ديانة طبقا لأحكام المذاهب الأخرى، وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك، وأمكن للقضاء التدخل فيه.
وتحتاج صيغ العقود في هذا التعامل إلى دقة شرعية فنية، وقد يحتاج الإلزام القانوني بها في بعض الدول الإسلامية إلى إصدار قانون بذلك " اهـ.
ولعل المؤتمر لم يأخذ حظه من الإعداد الكافي، والفتوى ينقصها الدقة، فبيع المرابحة كما تجريه المصارف الإسلامية لا يجيزه المذهب المالكي، فضلًا عن أن يلزم به، وعارض الفتوى كثير ممن حضورا المؤتمر ممن لم يشاركوا فيه.
ومع هذا فالمؤتمر يعد خطوة أسهمت في مناقشة الموضوع من جوانبه المختلفة ومهدت لعقد مؤتمرات أخرى للمصارف الإسلامية ولغيرها.
стр. 5721
المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي:
وبعد أربع سنوات، أي سنة ١٤٠٣ هـ (١٩٨٣م) عقد المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي، بعد إعداد جيد، وكتابة قدر كاف من الأبحاث، ودعوة عدد كبير من فقهاء العصر ورجال الاقتصاد، وكان لبيع المرابحة النصيب الأوفى من البحث والمناقشة.
وأصدر المؤتمر فتوى من جزأين: الجزء الأول صدر بالإجماع، والجزء الثاني اشتد حوله الخلاف، ولم يمكن الجمع بين الآراء المتعارضة، فصدر تبعا لرأي الفريق الأكثر عددا.
الجزء الأول من الفتوى:
" يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء: بعد تملك السلعة المشتراة للآمر، وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق، هو أمر جائز شرعا طالما كانت تقع على المصرف الإسلامي مسئولية الهلاك قبل التسليم، وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي ".
الجزء الثاني من الفتوى:
" وأما بالنسيبة للوعد، وكونه ملزما للآمر أو للمصرف أو كليهما فإن الأخذ بالإلزام هو الأحفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعاملات، وفيه مراعاة لمصلحة المصرف والعميل، وإن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعا، وكل مصرف مخير في أخذ ما يراه في مسألة القول بالإلزام حسب ما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه " اهـ.
والجزء الأول من الفتوى كان له أثره الكبير في مسيرة المصارف الإسلامية، وفي قرارات هيئات الرقابة الشرعية المختلفة، وفي صياغة العقود لكثير من المصارف.
أما الجزء الثاني فلا يزال الخلاف حوله قائما، ولذلك فقد أحسن مجمعكم الموقر إذ جعل لموضوع " الوفاء بالوعد " بحثا مستقلًّا.
والجزء الأول وإن صدر بإجماع المشاركين غير أنا وجدنا من غيرهم من يعارضه، وفي انتظار قرار المجمع في دورته الحالية حيث لم يتمكن من إصدار قرار بشأن هذا البيع في دورته السابقة.
стр. 5722
في التطبيق العملي للمصارف الإسلامية:
لعل الضوابط الشرعية التي ذكرت في هذا الجزء من الفتوى تعتبر الحد الأدنى اللازم ليكون البيع مقبولا شرعًا، إلا أنني وجدت بعض المصارف الإسلامية لم تلتزم بهذه الضوابط في التطبيق العملي مع موافقتها على الفتوى، ووجدت في التطبيق العملي أيضا أمورا أخرى رأيت أن أعرضها على مجمعكم الموقر ليقول فيها رأيه إسهاما في تصحيح مسار المصارف الإسلامية.
وأبدأ بتقديم نموذجين لعقود الوعد بالشراء وبيع المرابحة، وكل نموذج تم التعامل به في مصرف إسلامي أو أكثر.
النموذج الأول " الوعد "
عقد وعد بالشراء
إنه في يوم: الموافق:
تم الاتفاق بين كل من:
أولا: ويمثله السيد/ طرف أول
ثانيا: السيد / السادة / طرف ثان
المقدمة
حيث إن الطرف الثاني يرغب في شراء / استيراد البضاعة المحددة المواصفات والكمية والمصدر على النحو المبين بطلب الشراء المؤرخ / / والمرقم الملحق بهذا العقد والمتمم له ونظرا لرغبة الطرف الثاني في الحصول على تمويل البضاعة من قبل الطرف الأول، لذا سيقوم الطرف الأول بشرائها ومن ثم بيعها للطرف الثاني إيفاء بوعد الشراء هذا ووفقا للشروط الآتية:
المادة الأولى: تعتبر المقدمة بأعلاه جزءًا لا يتجزأ من هذا العقد ومتممة له.
المادة الثانية: وعد الطرف الثاني الطرف الأول بشراء البضاعة المبنية آنفا وأبرم عقد البيع والشراء بمجرد استلام وكيل الطرفين (المتعاقدين) البضاعة من المستفيد.
المادة الثالثة: يعتبر الناقلون بصفتهم وكلاء عاملون للنقل، وكلاء للطرفين باستلام البضاعة اعتبارا من وقت استلامها وحتى ميعاد الوصول لشروط الاعتماد المستندي.
стр. 5723
المادة الرابعة: يكون البيع والشراء محل هذا الوعد على أساس المرابحة وبقيمة تكلفة البضاعة الكلية المشتملة على ثمنها وتكاليف شحنها وتأمينها وكافة المصاريف الأخرى بالإضافة إلى ربح الطرف الأول من مجموع التكلفة المذكورة وقدره --------------------------------- ويتحمل الطرف الثاني كامل الكلف الإضافية الطارئة إن وجدت ونتائج أية طوارئ قد تتعرض لها البضاعة عند استلامها من المستفيد كما ورد بالمادة الثانية.
المادة الخامسة: وافق الطرف الثاني على دفع نسبة % من قيمة البضاعة عند توقيع هذا الوعد كتأمين لضمان تنفيذ التزاماته قبل الطرف الأول وتسديد ما تبقى من قيمة البضاعة الكلية وأرباح الطرف الأول الواردة في المادة الرابعة أعلاه على النحو التالي: -
ــ
ــ
ــ
ــ
المادة السادسة: يلتزم الطرفان بإبرام عقد المرابحة النهائي المتعلق بهذا الوعد بمجرد إبلاغ المستفيد أحد الطرفين بتسليم البضاعة.
المادة السابعة: إذا امتنع أحد الطرفين عن تنفيذ هذا الوعد فيتحمل الطرف الممتنع أية أضرارا تلحق الطرف الآخر نتيجة لذلك ووفقا لما تحكم به هيئة التحكيم الواردة الذكر في المادة التاسعة من هذا العقد.
المادة الثامنة: إذا امتنع المصدر الذي عينه الطرف الثاني عن تنفيذ الصفقة أو أخرها عن موعد التسليم المتفق عليه لا يكون الطرف الأول مسئولا عن أي ضرر يعود على الطرف الثاني الذي عليه أن يدفع كافة المصاريف التي تحملها الطرف الأول من جراء عدم تنفيذ المصدر، وفي هذه الحالة لا يعتبر الطرف الأول مخلا بالوعد.
المادة التاسعة: في حالة نشوء أي نزاع بين الطرفين بشأن تنفيذ هذا العقد فإن هذا النزاع يعرض على هيئة تحكيم من ثلاثة محكمين ويختار كل طرف محكما ويختار المحكمان حكما ثالثا مرجحا، فإذا لم يتفق المحكمان على اختيار المحكم الثالث تتولى اختياره ------------------ خلال أسبوع من تاريخ نشوء النزاع بناء على أي طلب من الطرفين يتم الفصل في النزاع على أساس الشريعة الإسلامية ويكون حكم المحكمين سواء صدر بالإجماع أو بالأغلبية ملزما للطرفين غير قابل للطعن بالمعارضة ولا الاستئناف.
المادة العاشرة: كل ما لم يرد ذكره في بنود هذا العقد يخضع للقوانين النافذة بدولة -------- بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية وعقد التأسيس للطرف الأول ومن اختصاص محاكم دولة --------
المادة الحادية عشرة: حرر هذا العقد من نسختين استلم كل طرف نسخة منه.
الطرف الأول الطرف الثاني
стр. 5724
النموذج الأول " عقد البيع "
عقد بيع مرابحة
إنه في يوم الموافق حرر هذا العقد
بين كل من:
أولا: ويمثله السيد / طرف أول / بائع
ثانيا: السيد / السادة طرف ثان / مشتري
وذلك وفقا لما يلي:
١- يقر الطرف الثاني بأهليته الكاملة للتصرفات المالية عن نفسه أو بصفته
ــ
وأنه اطلع على النظام الأساسي................. (الطرف الأول) لا يلتزم في تعامله معه وفقا لهذا النظام.
٢- باع الطرف الأول للطرف الثاني القابل لتلك البضاعة المبينة أوصافها وكميتها بطلب الشراء المرفق بهذا العقد رقم بتاريخ / /
٣- حدد الثمن الإجمالي للبضاعة بمبلغ ــ
متضمنا الثمن الأساسي والمصاريف المدفوعة من الطرف الأول والربح المتفق عليه ويتعهد الطرف الثاني بسداده على النحو التالي
ــ
ــ
ــ
ــ
٤- تم التوقيع على هذا العقد من قبل الطرفين بعد تسليم البضاعة من قبل المستفيد إلى وكيل الطرفين (الناقلين) ويكون العقد نافذا من تاريخه وتصبح البضاعة ملكا للطرف الثاني وتحت مسئوليته.
٥- حيث أن الطرف الثاني هو الذي اختار المصدر وحدد مواصفات البضاعة فإن الطرف الأول ليس مسئولا عن أي نقص في البضاعة أو اختلاف في مواصفاتها وأن مسئولية ذلك تقع على عاتق الطرف الثاني طبقا لما هو متعارف عليه دوليا.
٦- الرسوم الجمركية ومصاريف نقل البضاعة من ميناء الوصول إلى مخازن المشتري والتخليص عليها لا تدخل ضمن الثمن المتفق عليه بهذا العقد ويتحملها الطرف الثاني (المشتري) .
٧- يتعهد الطرف الأول (البائع) بإخطار الطرف الثاني (المشتري) بوصول المستندات الخاصة بالبضاعة وتسليمه هذه المستندات بمجرد وصولها بعد إجراء اللازم في البند رقم (٣) .
٨- في حالة امتناع الطرف الثاني عن استلام المستندات الوارد ذكرها في البند السابق أو استلام البضاعة فمن حق الطرف الأول بيعها بالسعر السائد في حينه في بلد الوصول أو أي مكان آخر حسبما يراه الطرف الأول ولحساب الطرف الثاني وقبض الثمن لاستيفاء حقوقه وإعادة ما يزيد على ذلك للطرف الثاني وإن قل الثمن عن مستحقات الطرف الأول، كان له أن يرجع على الطرف الثاني بما بقي له في ذمته.
٩- في حالة نشوء أي نزاع بين الطرفين بشأن تنفيذ هذا العقد فإن هذا النزاع يعرض على هيئة تحكيم من ثلاثة محكمين ويختار كل طرف محكما ويختار المحكمان محكما ثالثا مرجحا. فإذا لم يتفق المحكمان على اختيار المحكم الثالث تتولى اختياره ----------- خلال أسبوع من تاريخ نشوء النزاع بناء على أي طلب من الطرفين. يتم الفصل في النزاع على أساس الشريعة الإسلامية، ويكون حكم المحكمين سواء صدر بالإجماع أو بالأغلبية ملزما للطرفين غير قابل للطعن بالمعارضة ولا الاستئناف.
١٠- كل ما لم يرد ذكره في بنود هذا العقد يخضع للقوانين النافذة بدولة ــ بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية وعقد التأسيس للطرف الأول ومن اختصاص محاكم ــ
١١- حرر هذا العقد من نسختين استلم كل طرف نسخة منه.
الطرف الأول " بائع " الطرف الثاني " مشترى "
стр. 5725
تعقيب:
عندما يرغب أحد في استيراد سلعة عن طريق الاقتراض من بنك ربوي فإنه يتفق مع البنك على القرض وفائدته، أي الربا الذي يلتزم به تبعا للزمن المتفق عليه، ويقوم البنك بفتح اعتماد مستندي للمقترض، ويستورد السلعة لحسابه، أي أنها تكون ملكا للمقترض، غير أن المستندات تأتي للبنك ويسلمها للعميل بعد اتخاذ ما يراه من إجراءات، ويمكن أن تظل البضاعة رهنا إلى أن تتم هذه الإجراءات.
والبنك هنا يتعامل في مستندات تطابق شروط فتح الاعتماد، والتزامه يقف عند هذه المستندات ولا يتعداها إلى السلعة ذاتها.
وعندما قامت المصارف الإسلامية رأت أن البديل الإسلامي كما سبق ذكره أن تقوم باستيراد السلعة لحسابها، ثم بيعها للعميل بالأجل عن طريق بيع المرابحة.
وتبعا للجزء الأول من فتوى المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي – سواء أكان الوعد ملزما أو غير ملزم – فإن البنك لا يقوم بالبيع إلا بعد التملك والحيازة، ويقع عليه هو تبعة الهلاك قبل التسليم، والرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي بعد التسليم.
وإذا نظرنا في النموذج السابق وجدناه يبعد كثيرا عما أفتى به المؤتمر، ويحكم العرف الدولي الذي ينظم الاعتمادات المستندية للبنوك الربوية لا الإسلامية.
وتبعا لهذا النموذج فإن السلعة تنتقل ملكيتها – وما يتبع ذلك من ضمان – من المستفيد، أي المصدر، إلى العميل المستورد مباشرة دون أن تدخل في ملكية المصرف وضمانه.
стр. 5726
وما ذكر من أن الشركة الناقلة وكيلة عن الطرفين، فهي تتسلم السلعة كوكيل عن المصرف، ويعتبر عقد البيع قد أبرم بمجرد هذا التسليم، وبالتالي تتسلم السلعة كوكيل عن العميل، هذا القول ممجوج مرفوض، فالشركة لا شأن لها بالبيع ولا بالشراء، ولم توكل لهذا أصلا، وإنما هي مختصة بالنقل، فالمصرف لم يوكلها لتبيع، والعميل لم يوكلها لتشتري، بل إن الأصل أن العميل ليس بينه وبين الشركة الناقلة أي نوع من العلاقة، فعلاقته بالمصرف، ولا يشتري إلا بعد أن تدخل السلعة في ملك المصرف وحيازته، ويتحمل مسئولية الهلاك قبل وصول السلعة وتسليمها، ولكن المصرف – كما يبدو من النموذج – اعتبر العميل قد اشترى بمجرد الشحن سواء أوافق أو عارض، فلم يشترط موافقة العميل لإتمام العقد.
ولم يكتف المصرف بكل هذه المخالفات الشرعية، وإنما جاء إلى الضابط الشرعي الأخير بعد التسليم ومحاه محوا تاما، ثم أضاف مخالفة جديدة أبعد من هذا وأكثر شططا، حيث اعتبر العميل هو المسئول عن أي نقص في البضاعة أو اختلاف في مواصفاتها لما هو متعارف عليه دوليا.
والمتعارف عليه دوليا إعطاء هذا الحق للبنك الربوي، حيث يتعامل في مستندات فقط لا في سلع، فهو لا يشتري لنفسه ولا يبيع، وإنما هو واسطة بين المستورد المشتري، والمصدر البائع، ومهمته مراجعة المستندات طبقا للاعتماد المستندي، وتسليمها للمستورد، وتسليم الثمن للمصدر.
وإذا لم يتم هذا المسمى بالبيع بكل ما يحمله من مخالفات شرعية بعد فتح الاعتماد المستندي فإن العميل هو الذي يتحمل كافة المصاريف التي تحملها المصرف.
وبهذا لا نرى أي فرق بين فتح الاعتماد المستندي – غير المغطى أو المغطى جزئيا لا كليا- في بنك ربوي وفي مصرف إسلامي يأخذ بمثل هذا العقد.
стр. 5727
النموذج الثاني " الوعد "
وعد بالشراء
أنه في يوم / / ١٤ هـ الموافق / / ١٩ م
قد تم الاتفاق بين كل من:
١- مصرف قطر الإسلامي طرف أول
٢- طرف ثان
على ما يلي: -
المقدمة
حيث إن الطرف الثاني يرغب في شراء البضاعة المحددة على النحو المبين بطلب الشراء بالمرابحة والمؤرخ / / والمرقم:
فقد طلب الطرف الثاني من الطرف الأول القيام بشرائها ثم بيعها إيفاء بهذا الوعد منه بالشراء وفقا للشروط التالية:
١- يقر الطرف الثاني بأهليته للتصرفات المالية وأنه قد اطلع على القانون والنظام الأساسي لمصرف قطر الإسلامي (الطرف الأول) ويلتزم في تعامله معه وفقا لهذا النظام.
٢- وعد الطرف الثاني الطرف الأول بشراء البضاعة المبينة آنفا وإبرام عقد البيع والشراء بمجرد إعلام الطرف الأول للطرف الثاني بأن البضاعة جاهزة للتسليم أو وصلت إلى ميناء ---------------------- ووردت مستنداتها.
٣- شروط ومكان التسليم: ------------------------
٤- يكون البيع والشراء محل هذا العقد على أساس المرابحة وبقيمة التكلفة الكلية للبضاعة بالإضافة إلى ربح الطرف الأول بنسبة ----------- % من التكلفة الكلية.
٥- وافق الطرف الثاني على دفع نسبة % من قيمة البضاعة عند التوقيع على هذا الوعد كعربون لضمان الجدية وتنفيذ التزاماته تجاه الطرف الأول والقيام بتسديد باقي القيمة البيعية للطرف الأول الواردة على النحو التالي:
ــ
ــ
٦- في حالة امتناع الطرف الثاني عن تسلم البضاعة أو المستندات المتعلقة بها فإنه يعتبر ناقضًا لوعده وحينئذ فإنه من حق الطرف الأول بيعها واستيفاء حقوقه من الثمن وإن قل الثمن عن مستحقات الطرف الأول كان له أن يرجع على الطرف الثاني (المشتري) بمقدار ما تحمله من خسائر فعلية تترتب على ذلك وإن زاد ثمن البضاعة عن مستحقات الطرف الأول كانت هذه الزيادة خالصة له باعتباره مالكها.
٧- إذا امتنع أحد الطرفين عن تنفيذ هذا الوعد أو قدم بيانات أو معلومات ومستندات غير صحيحة فيتحمل أية أضرار تلحق للطرف الآخر نتيجة لذلك.
٨- في حالة ما إذا قام الطرف الثاني بتحديد المصدر فإنه يقر بعدم مسئولية المصرف في حالة عدم تنفيذ وعد الشراء لأسباب ترجع إلى المصدر ما دام المصرف قد وفى بالتزامه بفتح الاعتماد المستندي الضروري لاستيراد البضاعة في المدة المتفق عليها بطلب الشراء، كما يقر الطرف الثاني بعدم مسؤولية المصرف عن أية أضرار قد يتحملها نتيجة تأخر وصول البضاعة إذا تم شحنها خلال المدة المحددة في الاعتماد ويتعهد بشرائها وإبرام عقد البيع فور وصولها تنفيذا لهذا الوعد.
٩- أي نزاع ينشأ حول تنفيذ هذا الوعد يكون من اختصاص محاكم دولة قطر.
١٠- حرر هذا الوعد من نسختين بيد كل طرف نسخة للعمل بموجبه.
الطرف الأول الطرف الثاني
стр. 5728
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
النموذج الثاني " عقد البيع "
مصرف قطر الإسلامي
شركة مساهمة قطرية
عقد بيع بالمرابحة (نهائي)
في يوم / / ١٤ هـ الموافق / / ١٩ م بمدينة الدوحة – قطر – حرر هذا العقد بين كل من:
أولا مصرف قطر الإسلامي ويمثله في هذا العقد السيد /
طرف أول: بصفته بائعًا
ثانيا: السيد / السادة
ومقره طرف ثان / بصفته مشتريًا
وأقر الطرفان بصفتهما وأهليتهما القانونية للتعاقد واتفق على ما يلي:
... البند الأول ...
تنفيذًا – لطلب الشراء رقم () بتاريخ / /
ووعد الشراء المؤرخ في / /
والذي يعتبر هو وطلب الشراء جزءًا لا يتجزأ من هذا العقد، باع الطرف الأول للطرف الثاني القابل لذلك البضاعة المبينة أوصافها وكمياتها أدناه:
وصف البضاعة: --------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الكمية: --------------------------------------------
بوليصة الشحن رقم: --------------- وتاريخها: / /
رقم الحاوية: -------------------------
стр. 5729
. البند الثاني..
حدد ثمن البضاعة بمبلغ ------------------------
متضمنا المصاريف وأرباح المصرف، ويتعهد الطرف الثاني بسداد الثمن الإجمالي المشار إليه أعلاه على النحو التالي: ---------------------------------------------------------------------------
.. البند الثالث..
تم التوقيع على هذا العقد من قبل الطرفين المنوه عنهما بالبندين أولا وثانيًا بعد التأكد من حيازة الطرف الأول لهذه البضاعة.
.. البند الرابع..
اتفق الطرفان على أن يكون التسليم هو ميناء الوصول، ومن ثم فإن أجور التفريغ والرسوم الجمركية ومصاريف نقل البضاعة من الميناء إلى مخازن المشتري والتخليص عليها لا تدخل ضمن الثمن الإجمالي للبضاعة المشار إليها بالبند الثاني من هذا العقد ويتحملها الطرف الثاني (المشتري وحده) ولا يحسب لها نسبة أو مقدار في الربح.
.. البند الخامس..
وافق الطرف الثاني على تسلم المستندات المتعلقة بالبضاعة المبينة في هذا العقد بعد تظهيرها لصالحه من قبل الطرف الأول ويتعهد بتسلم البضاعة والتخليص عليها بمعرفته وذلك بمجرد تفريغها بجهة الوصول ويتحمل الطرف الثاني مصاريف الأرضيات وأجور التخزين في الميناء الناشئة عن التأخير في التخليص عن البضاعة محل هذا العقد.
.. البند السادس..
تنتهي مسئولية الطرف الأول عن أية عيوب خفية أو ظاهرة بعد ثلاثة أيام من توقيع العقد بالمرابحة وتقع مسئولية تخزين البضائع وفقا للأصول الفنية على عاتق الطرف الثاني وحده ولا يحق له الرجوع على الطرف الأول بالنتائج التي قد تترتب على مخالفته ذلك.
وإذا سبق أن وقع عقد بيع ابتدائي لنفس هذه البضاعة فإن مسؤولية الطرف الأول عن أية عيوب تعتبر منتهية بعد ثلاثة أيام من تاريخ توقيع ذلك العقد.
стр. 5730
. البند السابع..
كل ما لم يرده ذكره في هذا العقد يخضع القوانين والأعراف التجارية النافذة بدولة قطر وبما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية وعقد تأسيس الطرف الأول ومن اختصاص المحاكم القطرية.
.. البند الثامن..
لا يحق للطرف الثاني (المشتري) أن يتأخر في دفع الثمن بالكيفية الموضحة في هذا العقد كما لا يحق له أن يتأخر في دفع الأقساط المقررة عليه، وفي حالة تأخره عن دفع قسطين متتاليين أو في حالة مماطلته أو امتناعه عن الدفع تحل باقي الأقساط فورا دون تنبيه أو إنذار ويحق الطرف الأول في هذه الحالة أن يرجع على الطرف الثاني لاستيفاء كافة حقوقه الناتجة عن هذا العقد.
.. البند التاسع..
أي خلاف ينشأ حول تطبيق أحكام هذا العقد أو عن أي شيء متفرع عنه أو له علاقة به يعرض الخلاف على لجنة تحكيم تشكل من ثلاثة أعضاء على الوجه التالي:
- حكم يختاره الفريق الأول
- حكم يختاره الفريق الثاني
- حكم يختاره المحكمان الأولان
ويتم الفصل في النزاع على أساس الشريعة الإسلامية، ويكون حكمهم، سواء صدر بالإجماع أو بالأغلبية، ملزما للفريقين، وغير قابل للطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن الجائزة قانونا.
وفي حالة عدم توفر الأغلبية يحال الخلاف موضوع التحكيم إلى المحاكم القطرية.
وتكون محاكم دولة قطر هي المختصة دون سواها، بالفصل في أي طلبات و / أو قضايا تنشأ بمقتضى التحكيم و / أو ناشئة و / أو متعلقة به و / أو بهذا العقد.
.. البند العاشر..
حرر هذا العقد من نسختين بيد كل طرف نسخة للعمل بموجبه.
الطرف الأول بصفته الطرف الثاني بصفته
البائع المشتري
стр. 5731
تعقيب
قبل افتتاح مصرف قطر الإسلامي استعان المسئولون بمن سبقهم في هذه التجربة، وأخذوا نماذج من العقود التي وجدوها عندهم، وعرضوها علي للنظر فيها قبل بدء العمل.
واختاروا للمرابحة النموذج الأول، فطلبت منهم إحراقه لما رأيته من مخالفات شرعية، وأعطيتهم نموذجا آخر يسيرون عليه حتى تنتهي هيئة الرقابة الشرعية للمصرف من صياغة العقود المختلفة، وكان هذا النموذج الثاني هو ما انتهت إليها الهيئة.
ويلاحظ أن هذا النموذج التزم بالجزء الأول الذي صدر بإجامع المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي، وراعى الضوابط الشرعية من التملك والحيازة، ومسئولية الهلاك قبل التسليم، وتبعة الرد بعد التسليم.
ولذلك فهو يقوم بفتح الاعتماد المستندي لنفسه، وتصدر مستندات البيع من المصدر باسمه كمشتر، وباسمه أيضا تكون (بوليصة) الشحن والتأمين، ويتحمل مخاطر الطريق وعلى الأخص ما لا يدخل في ضمان شركات التأمين، كما يتحمل نقص البضاعة ومخالفتها للمواصفات، والعيوب الظاهرة والخفية. وتبعا لهذا أصيب المصرف بخسائر في بعض العمليات، ولكنها – بحمد الله تعالى – لم تكن كثيرة، وأثبتت بطريقة عملية الفرق بين بيع المرابحة والقرض الربوي.
ويبقى الجزء الثاني الذي ثار حوله الجدل في المؤتمر المذكور:
وشاركت في المؤتمر مع فضيلة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي، وكان مع القائلين بالإلزام بالوعد في بيع المرابحة، وكنت مع المعارضين، ثم أصبحنا معا في هيئة الرقابة الشرعية لمصرف قطر الإسلامي، وكان معنا عضو ثالث أيد رأي الشيخ القرضاوي، ودار النقاش، ثم انتهينا إلى هذه الصيغة المعروضة التي توفق بين الرأيين إلى حد ما، وإن كانت أقرب إلى رأي غيري.
стр. 5732
والفرق بين النموذجين في آثار الالتزام بالوعد: أن النموذج الأول يجعل الموافقة على الوعد إلزاما بعقد البيع حتى وإن امتنع العميل بعد هذا عن تسلم المستندات وإتمام عقد البيع، وإذا باع المصرف السلعة حسبما يراه فإنه يبيعها باعتبارها ملكا للعميل الذي رفض التوقيع على العقد، ثم يأخذ التكاليف والربح، ويعطي العميل ما زاد عنها، ويعود عليه بما يقل عن التكاليف والربح معًا.
أما النموذج الثاني فعقد البيع فيه لا يتم إلا بالتراضي، وعند امتناع العميل فإن المصرف يبيع السلعة باعتبارها لا تزال في ملكه، وإن ربح قليلًا أو كثيرًا فالربح له، وإن لم يربح ولم يخسر فلا يعود بشيء على العميل.
ويبقى ما يعد شرطا يلتزم به الطرفان لتحمل الضرر نتيجة للوعد:
فإن خسر المصرف عاد بمقدار الخسارة على العميل، وإن وقع ضرر على العميل يتحمله المصرف ما دام لم يلتزم بوعده، كأن يكون العميل دخل في مناقصة وترتب على عدم تنفيذه أن غرم مالًا، أو وعده المصرف ببيع آلات لمصنع أو مستشفى واستأجر العميل المكان وأنفق مالًا لإعداده، فهنا يلتزم المصرف بما غرمه العميل.
فعقد البيع إذن لا يتم إلا بضوابطه الشرعية، ولكن هذا الشرط الذي وضع لمنع الضرر الذي يسببه أي طرف للآخر نتيجة للوعد أيقبل شرعًا أم لا؟
لعل مجمعكم الموقر يقول: كلمته:
فإن أقر هذا اعتبرناه توفيقا بين الرأيين، وقدمناه للمصارف الإسلامية، وإن لم يقره أرحنا من الخلاف، والله هو المستعان، وهو الأعلم.
стр. 5733
مسائل أخرى في التطبيق العملي لبيع المرابحة:
المسألة الأولى:
في المرابحات الخارجية وجدت بعض المصارف تفتح الاعتماد المستندي باسم العميل، وتأتي المستندات باسمه، ومعنى هذا صراحة أن السلعة لا تدخل في ملك المصرف.
وفي المرابحات المحلية قد يتفق العميل مع البائع، ثم يأتي للمصرف ليأخذ المبلغ الذي يريده، ويكتب عقد بيع المرابحة، ثم يقوم العميل بعد هذا بالشراء مباشرة من البائع.
فالمصرف باع قبل أن يملك ويحوز، بل لم تدخل السلعة في ملكه وحيازته بعد هذا.
المسألة الثانية:
بيع المرابحة عن طريق تظهير (بوليصة) الشحن، وهذا يعني أنه لا حيازة، ولا ضمان، ولا تسليم ولا تسلم، ولا رؤية.
وأحيانا يكون الشراء عن طريق التظهير، ثم يتم البيع مرابحة بالتظهير مرة أخرى.
المسألة الثالثة:
يوكل المصرف أحدا بالشراء، وبعد أن يتم الشراء، وتصبح السلعة أمانة في يد الوكيل، يطلب المصرف منه بيعها مرابحة بشروط معينة، إذا رغب الوكيل في الشراء لنفسه بهذه الشروط جاز بموافقة المصرف، وإذا لم يرغب، ولم يتمكن من بيعها بهذه الشروط، ظلت أمانة عنده.
أجاز المجمع هذه الصورة.
وجدت مصرفا يوكل غيره بالشراء، ويشترط على الوكيل أن يشتري لنفسه بمجرد شرائه للمصرف بشروط محددة للمرابحة.
فتسلم الوكيل للسلعة المشتراة للمصرف يعتبر في الوقت نفسه تسلما للسلعة المبيعة من المصرف، أفيجوز هذا؟ علما بأن المصرف يحتج هنا بفتوى المجمع.
стр. 5734
المسألة الرابعة:
ما دامت السلعة في ملك البائع ولم يتم البيع، فلا يجوز جعل الضمان على طالب الشراء.
غير أننا وجدنا – في بضع الحالات – أن طالب الشراء هو الذي يقوم بالتأمين على السلعة التي تشتريها المصرف عند الشحن وقبل أن يتم بيع المرابحة.
وأحيانا يقوم المصرف بالتأمين ولكن (بوليصة) التأمين تصدر باسم طالب الشراء بدلا من إصدارها باسم المصرف مالك السلعة.
المسألة الخامسة:
من المشكلات التي تؤثر في مسيرة المصارف الإسلامية عدم التزام كثير من المدينين بدفع أقساط الديون في مواعيدها المتفق عليها، وقليل من هؤلاء ذو عسرة وأكثرهم يماطلون مع القدرة على الأداء نظرًا لأن المصارف الإسلامية لا تأخذ فوائد التأخير التي يلتزم بها هؤلاء مع البنوك الربوية.
وكثير من المصارف لم تجد علاجا لهذه المشكلة، ووجدت حلا جزئيا في اللجوء إلى المزيد من الضمانات، غير أن بعض المصارف لجأت إلى حلول أخرى نرجو أن يقول المجمع فيها رأيه. ونذكر منها ما يأتي:
أ- عند عجز المدين (المشتري) عن الدفع، وعلم المصرف بهذا، رأى – تقديرا لظروفه ورأفة به- أن يدخل مع هذا المدين في شركة بقيمة الدين وربما كان هذا التصرف يتعارض مع قول الحق ﵎: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة (٢٨٠) ] .
ب- ومن المصارف من لجأ إلى إعادة الاتفاق على نسبة الربح، بحيث تزيد هذه النسبة لصالح المصرف تبعا للزمن الذي يتأجل إليه الدفع.
ولعل هذا مثل إعادة جدولة الديون الربوية، وربما كان فيه شبه من المبدأ الجاهلي " إما تقضي وإما أن تُرْبِي ".
جـ- وبعض المصارف الإسلامية – وهي ليست قليلة – استحدثت إلزام المدين المماطل دفع تعويض عن الضرر الذي ألحقه بالمصرف نتيجة مماطلته، وحجز المال عن الاستثمار وتحقيق الربح.
ولعل هذا الموضوع يحتاج إلى وقفة، نبين فيها وجهة نظر القائلين بهذا الرأي المدافعين عنه، وأثر هذا في التطبيق العملي.
стр. 5735
هل للمصرف أخذ تعويض من المدين المماطل؟
رأي المجيزون أن الغني المماطل أوقع الضرر بالمصرف، فلولا مماطلته لضم هذا المال لباقي الأموال المستثمرة، ويمكن أن يقدر بمقدار الربح الذي حققه المصرف فعلا في مدة المماطلة.
ولذلك أجازوا للمصرف أخذ تعويض بمقدار نسبة الربح التي كان يمكن أن يحققها دين المماطل لو استثمره المصرف، فمتى تبين المصرف الإسلامي أن المدين المماطل مليء غني أضاف إلى دينه نسبة تعادل التي حققها خلال مدة بقاء الدين في ذمته.
وقد ناقشت بعض هؤلاء المجيزين، ووجدتهم يستدلون بثلاثة أحاديث شريفة، وبالمصلحة المرسلة التي يرون أنها تتفق مع مقاصد التشريع الإسلامي.
والأحاديث الثلاثة هي:
١) ((مطل الغني ظلم))
٢) ((لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته)) .
٣) ((لا ضرر ولا ضرار)) .
والحديث الأول متفق عليه.
قال ابن حجر في الفتح (٤/٤٤٦- الباب الأول من كتاب الحوالة) :
" في الحديث الزجر عن المطل، واختلفت هل يعد فعله عمدا كبيرة أم لا؟
فالجمهور على أن فاعلها يفسق، لكن هل يثبت فسقه بمطله مرة واحدة أم لا؟ قال النووي: مقتضى مذهبنا اشتراط التكرار، ورده السبكي في شرح المنهاج بأن مقتضى مذهبنا عدمه، واستدل بأن منع الحق بعد طلبه، وابتغاء العذر عن أدائه، كالغصب، والغصب كبيرة ... وتسميته ظلما يشعر بكونه كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التكرار، نعم لا يحكم عليه بذلك إلا بعد أن يظهر عدم عذره ".
стр. 5736
والحديث الثاني " لَيُّ الواجد ... " ذكره السيوطي وأشار إلى رواته وهم: أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم. ورمز للحديث بالصحة.
وقال المناوي في فيض القدير (٥/٤٠٠) :
" عرضه: بأن يقول له المدين (ولعل الصحيح بأن يقول للمدين) : أنت ظالم، أنت مماطل، ونحوه ما ليس بقذف ولا فحش.
وعقوبته: بأن يعزره القاضي على الأداء بنحو ضرب أو حبس حتى يؤدي ثم قال: " قال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي، ولم يضعفه أبو داود ".
والحديث ذكره البخاري تعليقا، قال في " باب: لصاحب الحق مقال " من كتاب الاستقرار في صحيحه: ويذكر عن النبي ﷺ : ((لَيُّ الواجد يحل عقوبته وعرضه)) قال سفيان: يقول مطلتني، وعقوبته: الحبس.
وفي تغليق التعليق لابن حجر (٣/٣١٨-٣٢٠) ذكر طرقه المختلفة الموصولة، وقال كما قال في الفتح: إسناده حسن.
والحديث الثالث: ((لا ضرر ولا ضرار))
стр. 5737
ذكر السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٤٦٨) أن الحديث أخرجه مالك والشافعي مرسلا، وأحمد وعبد الرزاق وابن ماجه والطبراني، وفيه جابر الجعفي، وابن أبي شيبة من وجه آخر أقوى عنه، والدارقطني من وجه ثالث.
وقال المناوي في فيض القدير (٦/٤٣٢) : الحديث حنسه النووي وقال: له طرق يقوى بعضها بعضا.
وقال العلائي: للحديث شواهد ينتهي مجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به.
والحديثان الأول والثاني ظاهران في ظلم الغني المماطل، واستحقاقه للعقاب، وهما مما يحتج به.
والعقوبة هنا تعزيرية، وذهب الجمهور إلى أن العقوبة هنا هي الحبس، وإن جاز في التعزير غيره كالضرب والتوبيخ، وما دام الهدف من العقوبة التعزيرية الردع والزجر وأداء الحقوق، وليس في العقوبة هنا حد مقرر، فالأمر إذن فيه متسع أمام القاضي أو ولي الأمر، فقد يرى في التوبيخ الكفاية، وقد يرى ضرورة الضرب مع الحبس، والأمر لا يستدعي كبير خلاف ما دام الحكم يصدر من عادل غير محكم للهوى والتشهي.
والحديث الثالث: ينهى عن الضرر، ومن القواعد الشرعية المعروفة أن الضرر يزال، والمصرف لحقه ضرر فيجب أن يزال.
ومن المعروف أن الدائن ليس له إلا دينه، سواء أخذه وقت استحقاقه، أم بعد مدة المطل، وما أجاز أحد من الفقهاء، أن يدفع المدين قدرا زائدا عن الدين لعقوبة تعزيرية، ولو قيل: يدفع مقابل الزمن، فهذا هو عين الربا.
قال المجيزون: " إن المصلحة تقتضي منع المماطل من استغلال أموال المسلمين ظلما وعدوانا "، وإذا كانت الفائدة الربوية تمنع المطل مع البنوك الربوية، فإن الإسلام لا يعجز عن أن يوجد حلا لمشكلة المطل التي تعاني منها المصارف الإسلامية، وإذا كان الفقهاء السابقون رأوا أن تكون العقوبة الحبس، وهذا غير مطبق الآن، فعلى فقهاء العصر أن يجتهدوا لإيجاد الحل.
стр. 5738
ثم أضافوا: " والقدر الذي نرى أن يتحمله المماطل هو ما يقابل الربح الفعلي للمصرف، فهذا ليس من باب الربا، ولكنه من باب منع الضرر الذي يلحق بالمصرف ".
وربما كان من الصعب التفرقة بين ما ذهب إليه هؤلاء وبين الربا.
ويبقى هنا كذلك أن نسأل:
ما الهدف من العقوبة التعزيرية؟
ومن الذي يحدد هذه العقوبة؟
ومن الذي يأمر بإيقاعها؟ أو يقوم بتنفيذها؟
أفيمكن أن يكون شيء من هذا للمصرف؟
لو جاز أن يكون للمصرف استحداث عقوبة تعزيرية يوقعها بالعميل، وهي تشتبه بالربا، إن لم تكن هي الربا بعينه، فمن باب أولى أن يكون له الحق في العقوبة التعزيرية المقررة كالحبس أو الضرب؟
ونأتي إلى الجانب التطبيقي لنرى هل تحقق الهدف من هذه العقوبة؟
بعض المصارف رأت أن المتعاملين معها الذين لا يؤدون الأقساط في مواعيدها بلغوا من الكثرة حدا يصعب معه النظر في كل حالة، والتفرقة بين مطل الغني وعجز الفقير، كما توجد عوامل أخرى تزيد الأمر صعوبة، ولذلك عند تأخر أي مدين عن الأداء يضاف على دينه ما يقابل الربح الذي يعلنه المصرف في حينه، ولا يستطيع أي أحد أن يفرق بين هذا وبين الربا المحرم.
وقد يقال: إن هذا خطأ في التطبيق لا في الفتوى، ولكن على المفتي أن ينظر إلى ما يمكن تطبيقه.
وبعض المصارف الأخرى تمسكت بنص الفتوى، فكانت ترسل للعميل أولا حتى تتأكد من المطل قبل إنزال العقوبة.
ويلاحظ هنا أن الأرباح التي تحققها المصارف الإٍسلامية أقل من الفوائد الربوية في أوقات كثيرة فالذين يستحلون هذه الفوائد استمروا في مطلهم غير عابئين بما يضيفه المصرف الإسلامي.
وبذلك تحولت العقوبة التعزيرية إلى زيادة ترتبط بربح المصرف والزمن، ورضي بهذا الطرفان، فهل تحقق الهدف من العقوبة التعزيرية؟ أم تحولت العقوبة إلى نوع جديد من الربا؟ ويبقى هنا أيضا أن نسأل:
إذا لم يكن هذا التصرف مشروعا- وأظنه غير مشروع – فهل نجد عند مجمعكم الموقر حلا لمشكلة الأموال الضخمة التي يستحلها الأغنياء القادرون المماطلون؟
نرجو أن يتسع وقت المجمع لبحث هذا الموضوع
стр. 5739
الخاتمة
بعد هذه الدراسة لبعض الجوانب التطبيقية لبيع المرابحة للآمر بالشراء في المصارف الإسلامية، أرجو ألا يكتفي المجمع بالفتوى من الناحية النظرية، وأن يبين ما يجوز وما لا يجوز مما ذكرته في هذه الدراسة، حتى نساعد المصارف الإسلامية لتصحح مسيرتها، وتبتعد عن الأخطاء في مجال التطبيق العملي.
والله هو المستعان، نعم المولى ونعم النصير، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
" سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين "
الدكتور / علي أحمد السالوس
стр. 5740
بيع المرابحة للآمر بالشراء
إعداد
الدكتور سامي حسن محمود
المدير العام
مركز البركة للبحوث والاستشارات المالية
الإسلامية
عمان – المملكة الأردنية الهاشمية
بيان المحتويات
مقدمة الموضوع
الفرع الأول: أهمية بيع المرابحة للآمر بالشراء واستعمالاته.
الفرع الثاني: الوجه الفقهي لتخريج الصيغة المستحدثة.
الفرع الثالث: وجوه الاعتراض على بيع المرابحة للآمر بالشراء
١- هل المرابحة للآمر بالشراء من بيع العينة؟
٢- مسألة الإلزام بالوعد
٣- نقطة المخاطرة برأس المال.
الخاتمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الموضوع:
يعتبر بيع المرابحة للآمر بالشراء في مجال التطبيق المعاصر للمعاملات الشرعية أنه تعامل حديث دعت إليه الحاجة ورسخت جذوره الظروف السائدة في غالب المجتمعات الإسلامية وأعلت راياته المصارف الإسلامية بما توسعت به في طرق استعمال هذه الصيغة المستحدثة.
وقد كان بيع المرابحة للآمر بالشراء بصورته المعروفة حاليًا في التعامل المصرفي كشفًا وفق الله إليه الباحث أثناء إعداده لرسالة الدكتوراه في الفترة الواقعة بين ١٩٧٣- ١٩٧٦ (١) حيث تم التوصل إلى هذا العنوان الاصطلاحي بتوجيه من الأستاذ الشيخ العلامة محمد فرج السنهوري- رحمه الله تعالى – حيث كان أستاذ مادة الفقه الإسلامي المقارن للدراسات العليا بكلية الحقوق بجامعة القاهرة.
стр. 5741
وعندما صدر القانون المؤقت رقم ١٣ لسنة ١٩٧٨ بتأسيس البنك الإسلامي الأردني (وهو القانون الذي تولى الباحث إعداد صيغته الأولية حين كان مقرر اللجنة التحضيرية) وافقت لجنة الفتوى الأردنية بوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية على تعريف مقترح لبيع المرابحة للآمر بالشراء وهو التعريف الذي تضمنته المادة الثانية من القانون المشار إليه حيث جاء النص عليه كما يلي:
بيع المرابحة للآمر بالشراء يعني: قيام البنك بتنفيذ طلب المتعاقد معه على أساس شراء الأول ما يطلبه الثاني بالنقد الذي يدفعه البنك – كليًّا أو جزئيًّا – وذلك في مقابل التزام الطالب بشراء ما أمر به وحسب الربح المتفق عند الابتداء (١) .
وقد تثبت هذا النص بتمامه عند صدور القانون الدائم للبنك الإسلامي الأردني وهو القانون رقم ٦٢ لسنة ١٩٨٥.
وقد شاعت صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء وتلقفتها البنوك الإسلامية الناشئة في البلاد الإسلامية وخارجها، واعتمد عليها البنك الإسلامي للتنمية في مجال التجارة الخارجية حيث صارت هذه الصيغة تمثل النسبة الغالبة من تعامل البنوك الإسلامية على اختلاف مواقعها وأنشطتها.
وكان من الطبيعي أن تتعرض هذه الصيغة للنقد والجرح بما يتناسب مع درجة الشيوع والذيوع فكان أن تعرض بيع المرابحة للآمر بالشراء إلى زوابع من الكلام المحق حينًا وغير المحق في غالب الأحيان.
ومرادنا في هذا البحث الموجز يتمثل في توضيح حقيقة هذه الصيغة لتقويم الاعوجاج في التطبيق – إذا وجد – وإبعاد المغالاة والإغراق في الشكليات البعيدة عن درب اليسر والتيسير الذي ميز الله – – شريعته الخالدة على مر العصور والأزمان.
والله المستعان والمرتجى في كل حين وآن.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
الدكتور / سامي حمود
стр. 5742
الفرع الأول: أهمية بيع المرابحة للآمر بالشراء واستعمالاته:
تتمثل أهمية بيع المرابحة للآمر بالشراء في أنه يحقق أمرين رئيسين هما:
١- أنه يغطي جانبًا من جوانب الحاجة التي لا يمكن تحقيقها عن طريق الصيغ المعروفة في المعاملات المبحوثة في الفقه الإسلامي كالمضاربة والمشاركة وذلك باعتبار هاتين الصيغتين هما أبرز صيغ التمويل والاستثمار الحلال.
فالمضاربة مثلًا فيها تمويل ولكنه تمويل مقصود به العمل من أجل تحقيق الربح، وسواء كان ذلك بطريق تقليب رأس المال في التجارة أو التصرف فيه بالصناعة والزراعة وغير ذلك من الأعمال عند من يرى إمكان شمول المضاربة للأنشطة الأخرى عدا المتاجرة بالسلع انطلاقًا من إطلاق المضاربة على كل عمل يراد به تنمية المال حسبما يرى فقهاء المذهب الحنبلي بشكل مفصل (١) .
ولكن كيف يكون الحال لو أن شخصا ما يحتاج إلى آلة خاصة باستعماله الشخصي مثل السيارة أو جهاز التلفاز أو الأثاث المنزلي؟
وماذا يكون الحل لو أنا جهة ما تحتاج إلى أدوات ليست للتجارة بل من أجل تقدم الخدمات للمجتمع، مثل احتياج البلدية لشراء أنابيب لإيصال المياه إلى المواطنين أو سيارات لنقل النفايات؟
فأين يكون موضوع المضاربة هنا؟
من أجل ذلك كان تفكير الباحث متجهًا إلى تكميل صورة العمل المصرفي الإسلامي بحيث يكون قادرًا على تغطية مختلف الاحتياجات.
وليس من سبيل لذلك سوى أسلوب بيع المرابحة للآمر بالشراء حيث يحدد صاحب الحاجة ما يرغب فيه ويقوم المصرف الإٍسلامي بالشراء بناء على طلب صاحب الحاجة وبحسب ما يحدده من مواصفات لكي يبيع عليه ما اشتراه بناء على طلبه بعد إضافة الربح المتفق عليه.
٢- أما الأمر الثاني الذي تحققه صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء فإنه يتمثل في القالب العملي الذي يتمتع بالمرونة والملاءمة لطبيعة العمل المصرفي المعاصر وذلك ضمن إطار الالتزام بالضوابط الشرعية.
فالمصرف الإسلامي – شأنه في ذلك شأن أي مصرف آخر – ليس تاجر اقتناء للسلع والبضائع والخدمات، ولكنه مدير مدبر للاحتياجات.
стр. 5743
فالمصرف الإسلامي لا يستطيع – حتى لو أراد ذلك – أن يكون مخزنًا عالميًّا لكي يشتري ويقتني من أجل البيع والشراء كل ما يخطر على بال الناس من السلع التي قد يحتاجون إليها في أعمالهم وأغراضهم ومتطلباتهم. ولكن هذا المصرف يستطيع أن يشتري ما يطلبه من صاحب الحاجة وفقًا لظروف كل حالة بحالتها.
ويمثل هذا الباب من أبواب التعامل نوعًا من الاستثمار الذي يغلب عليه عنصر البعد عن مسببات الخسارة التي قد تنتج من جراء الإقدام على شراء السلع يصيبها الكساد أو التلف أو يزيد في كلفتها التخزين والحراسة والضوابط الإدارية.
فما الوجه الفقهي الذي اعتمد عليه في تخريج هذه الصيغة العملية؟
الفرع الثاني: الوجه الفقهي لتخريج صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء:
كانت العمدة في تخريج صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء مبنية على ما ذكر في كتاب الأم للإمام الشافعي – رحمه الله تعالى – حيث أورد فيه ما يلي (١) :
" ... وإذا أرى الرجل الرجل السلعة، فقال: اشتر هذه وأربحك فيها كذا فاشتراها الرجل. فالشراء جائز والذي قال أربحك فيها بالخيار، إن شاء أحدث فيها بيعًا وإن شاء تركه. وهكذا أن قال اشتر لي متاعًا ووصفه له , أو متاعًا أي متاع شئت: وأنا أربحك فيه فكل هذا سواء، يجوز البيع الأول ويكون فيما أعطى من نفسه بالخيار، وسواء في هذا ما وصفت، إن كان قال ابتعه وأشتريه منك بنقد أو دين يجوز البيع الأول ويكونان بالخيار في البيع الآخر فإن جدداه جاز. وإن تبايعا به على أن ألزما أنفسهما الأمر الأول فهو مفسوخ من قبل شيئين – أحدهما أنه تبايعاه قبل (أن) يملكه البائع والثاني أنه على مخاطرة أنك إن اشتريته على كذا أربحك فيه كذا ".
فالواضح هنا من كلام الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى – أن المبادرة في الطلب تتم من الراغب في شراء السلعة وأنه يرى الطرف الثاني السلعة ويطلب منه أن يشتريها على أساس أنه يعد بشرائها منه بالثمن المدفوع في السلعة زائد الربح المتفق عليه من الابتداء.
فهذه العملية هي عملية مركبة من وعد بالشراء من طرف الآمر وبيع المرابحة من طرف المأمور وهذا هو الوجه الذي رآه فضيلة الأستاذ الشيخ محمد فرج السنهوري – رحمه الله تعالى – عند عرض المسألة عليه في مقابلة شخصية بمنزلة بالمعادي بتاريخ ٩ / ٨ / ١٩٧٥.
وإذا كانت المرابحة قد بحثت في معظم المؤلفات الفقهية عند مختلف المذاهب الإسلامية فإن هذه المرابحة ليست إلا بيعًا مبنيًّا على بيان رأس المال ومقدار الربح.
وأما الأمر الذي تفرد به الإمام الشافعي في الصورة المذكورة في كتاب الأم فإنه يتمثل في انتقال المبادرة من المورد للسلعة إلى الراغب في الشراء الذي يطلب من الطرف الآخر أن يشتري سلعة معينة بالذات أو موصوفة بمواصفات محددة.
стр. 5744
فالطبيب الذي يحتاج إلى جهاز خاص بتخطيط القلب مثلًا يحدد هو مواصفات الجهاز الذي يريده وقد يحدد كذلك اسم الشركة الصانعة ويقوم بالاتصال معها لمعرفة السعر وموعد التسليم وإمكانية إضافة المزايا التي يحبذ وجودها في الجهاز، فإذا تم له ذلك فإنه يأتي إلى الشخص أو المصرف الذي يملك القدرة على شراء مثل هذا الجهاز طالبًا منه أن يشتريه على أساس الوعد منه بشراء الجهاز المطلوب بسعر التكلفة (رأس المال + المصاريف) بالإضافة إلى ربح محدد سلفًا.
فالعملية هنا تواعد من طرفين ثم تنفيذ يتم فيه إنجاز المبايعة المتواعد عليها.
والتواعد في العقود الشرعية جائز طالما أن البيع جائز، والتنفيذ هو إنجاز يتم بطريق إبرام البيع المتواعد عليه.
ويشترط في التواعد المبتدأ والتبايع اللاحق ما يشترط في العقود بوجه عام سواء من حيث العاقدين أو المحل أو غير ذلك من شرائط الانعقاد. فإذا وجدت هذه الأركان صحيحة فإنه ليس هناك ما يمنع المواعدة في البيع الحلال أولًا ثم إجراء المبايعة بعد أن يمتلك البائع ما هو مطلوب شراؤه من الآمر.
أما ما يقال من أن المقصود بعقد المرابحة للآمر بالشراء هو التمول أي بمعنى الحصول على النقود عن طريق البيع فليس له اعتبار عند النظر الفقهي الدقيق لصيغة هذا التعاقد إذا جرى بشكله الصحيح، فإذا كان هناك انزلاق في التطبيق لدى بعض الجهات التي تتعامل بالمرابحة سواء من قبل المصارف الإسلامية نفسها أو من قبل المتعاملين معها، فإن هذه المخالفات يجب أن تصحح لكي ترد إلى جادة الحق والالتزام بضوابط الشرع ولا يكون الحل بالتوجيه إلى إغلاق أبواب اليسر في شريعة الله الرحمن الرحيم.
стр. 5745
وإن ما يعتذر به البعض لأنفسهم من هذا التشدد، في التحوط لحماية شرع الله – كما يظنون – لا محل له في التطبيق العملي في حياة الناس، وإلا كان موقف هؤلاء يشبه موقف من ينادي بتحريم زراعة العنب، لأن عصير العنب قد يصنع منه الخمر التي حرمها الله. فهل يقبل بذلك التحوط إنسان مسلم وله فهم بمقاصد الشريعة الإسلامية في الحياة؟
إن ما يهم المسلم المؤمن برسالة الإسلام أن يكون العقد الذي يتعامل به وذلك التصرف الذي يقوم به متفقا مع الشريعة وأن يكون مبنيا على وجه فقهي صحيح.
وطالما أن التعاقد وارد على بيع جائز شرعًا وأن شرائط انعقاد العقد صحيحه بالنسبة لذلك البيع، فإن الوعد والتواعد على إبرام العقد الشرعي الصحيح تكون صحيحة في كل عقد يجوز تلك المواعدة.
وما يهمنا في صيغة المرابحة للآمر بالشراء هو توفر الشروط التالية:
١- أن تكون الشيء المراد شراؤه مما يجوز للمسلم أن يتملكه فلا تجوز المواعدة لشراء الخمر أو الخنزير مثلًا.
٢- أن يكون ذلك الشيء موجودًا أو قابلًا لأن يوجد في السوق.
٣- أن يكون قابلًا للتحديد بالوصف المنضبط إذا لم يمكن معيانته بالذات.
٤- أن يكون هناك تفريق بين التواعد والتبايع بحيث لا تتم المبايعة إلا بعد ثبوت التملك لدى البائع بحيث تمر عملية الامتلاك بذمته ليكون التمليك صادرًا ممن يملك أولًا ولكي يكون هناك مجال للقول بالضمان إذا تبين أن هناك تلفًا أو عيبًا خفيًّا أو غير ذلك من أسباب الضمان.
وليس يهمنا التقيد بالشكل عند من يربطون التملك بالحيازة المادية لأن ذلك ليس شرطًا من شرائط انعقاد العقود الشريعة حيث يكون التسليم أثرًا من آثار الانعقاد وليس ركنًا فيه.
فقد يشتري الإنسان الشيء ويبقيه عند البائع كوديعة. حيث تنقلب يد البائع الأول من يد ملك إلى يد أمانة، فإذا باع هذا الإنسان ما اشتراه بعد أن يصبح معينًا إلى شخص آخر فإنه يبيع مما يملك ويقع عليه ضمانه حتى يتسلمه المشتري الأخير سليمًا خاليًا من العيوب الموجبة لرد البيع.
وهذا هو الوجه الفقهي الذي نراه لتخريج صيغة بيع بالمرابحة للآمر بالشراء في حدود الفهم الذي تيسر لنا اغترافه من بحر الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان.
فما هي وجوه الاعتراض على هذه الصيغة التي كانت العمود الفقري لنجاح العمل المصرفي الإسلامي في التطبيق المعاصر؟