وعندما صدر القانون المؤقت رقم ١٣ لسنة ١٩٧٨ بتأسيس البنك الإسلامي الأردني (وهو القانون الذي تولى الباحث إعداد صيغته الأولية حين كان مقرر اللجنة التحضيرية) وافقت لجنة الفتوى الأردنية بوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية على تعريف مقترح لبيع المرابحة للآمر بالشراء وهو التعريف الذي تضمنته المادة الثانية من القانون المشار إليه حيث جاء النص عليه كما يلي:
بيع المرابحة للآمر بالشراء يعني: قيام البنك بتنفيذ طلب المتعاقد معه على أساس شراء الأول ما يطلبه الثاني بالنقد الذي يدفعه البنك – كليًّا أو جزئيًّا – وذلك في مقابل التزام الطالب بشراء ما أمر به وحسب الربح المتفق عند الابتداء (١) .
وقد تثبت هذا النص بتمامه عند صدور القانون الدائم للبنك الإسلامي الأردني وهو القانون رقم ٦٢ لسنة ١٩٨٥.
وقد شاعت صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء وتلقفتها البنوك الإسلامية الناشئة في البلاد الإسلامية وخارجها، واعتمد عليها البنك الإسلامي للتنمية في مجال التجارة الخارجية حيث صارت هذه الصيغة تمثل النسبة الغالبة من تعامل البنوك الإسلامية على اختلاف مواقعها وأنشطتها.
وكان من الطبيعي أن تتعرض هذه الصيغة للنقد والجرح بما يتناسب مع درجة الشيوع والذيوع فكان أن تعرض بيع المرابحة للآمر بالشراء إلى زوابع من الكلام المحق حينًا وغير المحق في غالب الأحيان.
ومرادنا في هذا البحث الموجز يتمثل في توضيح حقيقة هذه الصيغة لتقويم الاعوجاج في التطبيق – إذا وجد – وإبعاد المغالاة والإغراق في الشكليات البعيدة عن درب اليسر والتيسير الذي ميز الله – – شريعته الخالدة على مر العصور والأزمان.
والله المستعان والمرتجى في كل حين وآن.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
الدكتور / سامي حمود
стр. 5742
الفرع الأول: أهمية بيع المرابحة للآمر بالشراء واستعمالاته:
تتمثل أهمية بيع المرابحة للآمر بالشراء في أنه يحقق أمرين رئيسين هما:
١- أنه يغطي جانبًا من جوانب الحاجة التي لا يمكن تحقيقها عن طريق الصيغ المعروفة في المعاملات المبحوثة في الفقه الإسلامي كالمضاربة والمشاركة وذلك باعتبار هاتين الصيغتين هما أبرز صيغ التمويل والاستثمار الحلال.
فالمضاربة مثلًا فيها تمويل ولكنه تمويل مقصود به العمل من أجل تحقيق الربح، وسواء كان ذلك بطريق تقليب رأس المال في التجارة أو التصرف فيه بالصناعة والزراعة وغير ذلك من الأعمال عند من يرى إمكان شمول المضاربة للأنشطة الأخرى عدا المتاجرة بالسلع انطلاقًا من إطلاق المضاربة على كل عمل يراد به تنمية المال حسبما يرى فقهاء المذهب الحنبلي بشكل مفصل (١) .
ولكن كيف يكون الحال لو أن شخصا ما يحتاج إلى آلة خاصة باستعماله الشخصي مثل السيارة أو جهاز التلفاز أو الأثاث المنزلي؟
وماذا يكون الحل لو أنا جهة ما تحتاج إلى أدوات ليست للتجارة بل من أجل تقدم الخدمات للمجتمع، مثل احتياج البلدية لشراء أنابيب لإيصال المياه إلى المواطنين أو سيارات لنقل النفايات؟
فأين يكون موضوع المضاربة هنا؟
من أجل ذلك كان تفكير الباحث متجهًا إلى تكميل صورة العمل المصرفي الإسلامي بحيث يكون قادرًا على تغطية مختلف الاحتياجات.
وليس من سبيل لذلك سوى أسلوب بيع المرابحة للآمر بالشراء حيث يحدد صاحب الحاجة ما يرغب فيه ويقوم المصرف الإٍسلامي بالشراء بناء على طلب صاحب الحاجة وبحسب ما يحدده من مواصفات لكي يبيع عليه ما اشتراه بناء على طلبه بعد إضافة الربح المتفق عليه.
٢- أما الأمر الثاني الذي تحققه صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء فإنه يتمثل في القالب العملي الذي يتمتع بالمرونة والملاءمة لطبيعة العمل المصرفي المعاصر وذلك ضمن إطار الالتزام بالضوابط الشرعية.
فالمصرف الإسلامي – شأنه في ذلك شأن أي مصرف آخر – ليس تاجر اقتناء للسلع والبضائع والخدمات، ولكنه مدير مدبر للاحتياجات.
стр. 5743
فالمصرف الإسلامي لا يستطيع – حتى لو أراد ذلك – أن يكون مخزنًا عالميًّا لكي يشتري ويقتني من أجل البيع والشراء كل ما يخطر على بال الناس من السلع التي قد يحتاجون إليها في أعمالهم وأغراضهم ومتطلباتهم. ولكن هذا المصرف يستطيع أن يشتري ما يطلبه من صاحب الحاجة وفقًا لظروف كل حالة بحالتها.
ويمثل هذا الباب من أبواب التعامل نوعًا من الاستثمار الذي يغلب عليه عنصر البعد عن مسببات الخسارة التي قد تنتج من جراء الإقدام على شراء السلع يصيبها الكساد أو التلف أو يزيد في كلفتها التخزين والحراسة والضوابط الإدارية.
فما الوجه الفقهي الذي اعتمد عليه في تخريج هذه الصيغة العملية؟
الفرع الثاني: الوجه الفقهي لتخريج صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء:
كانت العمدة في تخريج صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء مبنية على ما ذكر في كتاب الأم للإمام الشافعي – رحمه الله تعالى – حيث أورد فيه ما يلي (١) :
" ... وإذا أرى الرجل الرجل السلعة، فقال: اشتر هذه وأربحك فيها كذا فاشتراها الرجل. فالشراء جائز والذي قال أربحك فيها بالخيار، إن شاء أحدث فيها بيعًا وإن شاء تركه. وهكذا أن قال اشتر لي متاعًا ووصفه له , أو متاعًا أي متاع شئت: وأنا أربحك فيه فكل هذا سواء، يجوز البيع الأول ويكون فيما أعطى من نفسه بالخيار، وسواء في هذا ما وصفت، إن كان قال ابتعه وأشتريه منك بنقد أو دين يجوز البيع الأول ويكونان بالخيار في البيع الآخر فإن جدداه جاز. وإن تبايعا به على أن ألزما أنفسهما الأمر الأول فهو مفسوخ من قبل شيئين – أحدهما أنه تبايعاه قبل (أن) يملكه البائع والثاني أنه على مخاطرة أنك إن اشتريته على كذا أربحك فيه كذا ".
فالواضح هنا من كلام الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى – أن المبادرة في الطلب تتم من الراغب في شراء السلعة وأنه يرى الطرف الثاني السلعة ويطلب منه أن يشتريها على أساس أنه يعد بشرائها منه بالثمن المدفوع في السلعة زائد الربح المتفق عليه من الابتداء.
فهذه العملية هي عملية مركبة من وعد بالشراء من طرف الآمر وبيع المرابحة من طرف المأمور وهذا هو الوجه الذي رآه فضيلة الأستاذ الشيخ محمد فرج السنهوري – رحمه الله تعالى – عند عرض المسألة عليه في مقابلة شخصية بمنزلة بالمعادي بتاريخ ٩ / ٨ / ١٩٧٥.
وإذا كانت المرابحة قد بحثت في معظم المؤلفات الفقهية عند مختلف المذاهب الإسلامية فإن هذه المرابحة ليست إلا بيعًا مبنيًّا على بيان رأس المال ومقدار الربح.
وأما الأمر الذي تفرد به الإمام الشافعي في الصورة المذكورة في كتاب الأم فإنه يتمثل في انتقال المبادرة من المورد للسلعة إلى الراغب في الشراء الذي يطلب من الطرف الآخر أن يشتري سلعة معينة بالذات أو موصوفة بمواصفات محددة.
стр. 5744
فالطبيب الذي يحتاج إلى جهاز خاص بتخطيط القلب مثلًا يحدد هو مواصفات الجهاز الذي يريده وقد يحدد كذلك اسم الشركة الصانعة ويقوم بالاتصال معها لمعرفة السعر وموعد التسليم وإمكانية إضافة المزايا التي يحبذ وجودها في الجهاز، فإذا تم له ذلك فإنه يأتي إلى الشخص أو المصرف الذي يملك القدرة على شراء مثل هذا الجهاز طالبًا منه أن يشتريه على أساس الوعد منه بشراء الجهاز المطلوب بسعر التكلفة (رأس المال + المصاريف) بالإضافة إلى ربح محدد سلفًا.
فالعملية هنا تواعد من طرفين ثم تنفيذ يتم فيه إنجاز المبايعة المتواعد عليها.
والتواعد في العقود الشرعية جائز طالما أن البيع جائز، والتنفيذ هو إنجاز يتم بطريق إبرام البيع المتواعد عليه.
ويشترط في التواعد المبتدأ والتبايع اللاحق ما يشترط في العقود بوجه عام سواء من حيث العاقدين أو المحل أو غير ذلك من شرائط الانعقاد. فإذا وجدت هذه الأركان صحيحة فإنه ليس هناك ما يمنع المواعدة في البيع الحلال أولًا ثم إجراء المبايعة بعد أن يمتلك البائع ما هو مطلوب شراؤه من الآمر.
أما ما يقال من أن المقصود بعقد المرابحة للآمر بالشراء هو التمول أي بمعنى الحصول على النقود عن طريق البيع فليس له اعتبار عند النظر الفقهي الدقيق لصيغة هذا التعاقد إذا جرى بشكله الصحيح، فإذا كان هناك انزلاق في التطبيق لدى بعض الجهات التي تتعامل بالمرابحة سواء من قبل المصارف الإسلامية نفسها أو من قبل المتعاملين معها، فإن هذه المخالفات يجب أن تصحح لكي ترد إلى جادة الحق والالتزام بضوابط الشرع ولا يكون الحل بالتوجيه إلى إغلاق أبواب اليسر في شريعة الله الرحمن الرحيم.
стр. 5745
وإن ما يعتذر به البعض لأنفسهم من هذا التشدد، في التحوط لحماية شرع الله – كما يظنون – لا محل له في التطبيق العملي في حياة الناس، وإلا كان موقف هؤلاء يشبه موقف من ينادي بتحريم زراعة العنب، لأن عصير العنب قد يصنع منه الخمر التي حرمها الله. فهل يقبل بذلك التحوط إنسان مسلم وله فهم بمقاصد الشريعة الإسلامية في الحياة؟
إن ما يهم المسلم المؤمن برسالة الإسلام أن يكون العقد الذي يتعامل به وذلك التصرف الذي يقوم به متفقا مع الشريعة وأن يكون مبنيا على وجه فقهي صحيح.
وطالما أن التعاقد وارد على بيع جائز شرعًا وأن شرائط انعقاد العقد صحيحه بالنسبة لذلك البيع، فإن الوعد والتواعد على إبرام العقد الشرعي الصحيح تكون صحيحة في كل عقد يجوز تلك المواعدة.
وما يهمنا في صيغة المرابحة للآمر بالشراء هو توفر الشروط التالية:
١- أن تكون الشيء المراد شراؤه مما يجوز للمسلم أن يتملكه فلا تجوز المواعدة لشراء الخمر أو الخنزير مثلًا.
٢- أن يكون ذلك الشيء موجودًا أو قابلًا لأن يوجد في السوق.
٣- أن يكون قابلًا للتحديد بالوصف المنضبط إذا لم يمكن معيانته بالذات.
٤- أن يكون هناك تفريق بين التواعد والتبايع بحيث لا تتم المبايعة إلا بعد ثبوت التملك لدى البائع بحيث تمر عملية الامتلاك بذمته ليكون التمليك صادرًا ممن يملك أولًا ولكي يكون هناك مجال للقول بالضمان إذا تبين أن هناك تلفًا أو عيبًا خفيًّا أو غير ذلك من أسباب الضمان.
وليس يهمنا التقيد بالشكل عند من يربطون التملك بالحيازة المادية لأن ذلك ليس شرطًا من شرائط انعقاد العقود الشريعة حيث يكون التسليم أثرًا من آثار الانعقاد وليس ركنًا فيه.
فقد يشتري الإنسان الشيء ويبقيه عند البائع كوديعة. حيث تنقلب يد البائع الأول من يد ملك إلى يد أمانة، فإذا باع هذا الإنسان ما اشتراه بعد أن يصبح معينًا إلى شخص آخر فإنه يبيع مما يملك ويقع عليه ضمانه حتى يتسلمه المشتري الأخير سليمًا خاليًا من العيوب الموجبة لرد البيع.
وهذا هو الوجه الفقهي الذي نراه لتخريج صيغة بيع بالمرابحة للآمر بالشراء في حدود الفهم الذي تيسر لنا اغترافه من بحر الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان.
فما هي وجوه الاعتراض على هذه الصيغة التي كانت العمود الفقري لنجاح العمل المصرفي الإسلامي في التطبيق المعاصر؟
стр. 5746
الفرع الثالث: وجوه الاعتراض على بيع المرابحة للآمر بالشراء:
تعرضت صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء إلى النقد والتجريح بدرجات متفاوته ابتداء من الاعتراض على أساس المعاملة وانتهاء بالاعتراض على مسألة الإلزام في الوعد.
وليس يهمنا اعتراض ذلك الفريق من الناس المعتادين على حمل العصا في وجه كل فكرة مستحدثة لكي يغلقوا أبواب الرحمة في هذا الدين الذي بعث الله نبيه به ليكون رحمة للعاملين، كما لا يهمنا أولئك الذين يحسبون أنفسهم أنهم قوامون على أبواب الاجتهاد حيث يريدون إقفال ما تركه رب العباد مفتوحًا لكي تتبارى فيه العقول والأفهام. وإنما يهمنا فقط أن نناقش وجوه الاعتراض الفقهي على بيع المرابحة للآمر بالشراء لنرى ما إذا كانت هذه الاعتراضات جديرة بالاعتبار.
جمع الأستاذ الفاضل الدكتور يوسف القرضاوي اعتراضات المعترضين في ست نقاط حيث تولى الرد على هذه الاعتراضات في كتاب أصدره بعنوان " بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية ". وهذه النقاط الستة هي: (١)
١- إن هذه المعاملة ليست بيعًا ولا شراء وإنما هي حيلة لأخذ الربا.
٢- إن أحدًا من فقهاء الأمة لم يقل بحلها.
٣- إنها من بيوع العينة وهي محرمة.
٤- إنها بيعتان في بيعة وذلك منهي عنه.
٥- إنها تدخل في بيع ما لا يملك وهو ممنوع.
٦- إن فيها إلزامًا بالوعد وهو إيجاب لما لم يوجبه الله تعالى وتقييد لما أطلقه.
وقد تولى الدكتور القرضاوي – جزاه الله خيرًا – تفصيل القول في هذه النقاط الستة بما يفي بغاية البحث وبحيث لا أرى مجالًا للزيادة على ما أورده حيث يستطيع من شاء الإطلاع أن يرجع إلى كتابه المشار إليه، ويهمنا فقط أن نختار لتوضيح نقطتين تتطلبان التركيز في الإيضاح مما أورده فضيلة الدكتور القرضاوي وذلك بالإضافة إلى نقطة ثالثة جديدة وجه إليها النظر الدكتور عبد السلام العبادي في محادثة شخصية جرت معه بهذا الخصوص (٢) .
стр. 5747
أ – الاعتراض الوارد على تصنيف بيع المرابحة للآمر بالشراء ضمن بيوع العينة المحرمة.
شبه بعض الكاتبين الصورة الواردة في كتاب الأم بما أورده المالكية في كتبهم حيث قالا بأن من صور العينة أن يقول الرجل: اشتر لي سلعة كذا بعشرة نقدًا وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل قال ابن رشد (الجد) في المقدمات فذلك حرام لا يحل ولا يجوز، لأنه رجل ازداد في سلفه (١) .
وقال الدريدير في " الشرع الصغير " العينة جائزة إلا أن يقول الطالب: اشترها بعشرة نقدًا وأنا آخذها منك باثنى عشر إلى أجل، فتمنع، لما فيه من تهمة سلف جر نفعًا، لأنه كأنه سلفه عشرة- ثمن السلعة – يأخذ عنها بعد الأجل اثنى عشر (٢) .
والصورة هنا – كما هو واضح – تختلف عن الصورة الواردة في كتاب الأم من حيث أسس بناء التصور والمفهوم والمقصود.
فالتصور في هذه الصورة التي أوردها المالكية هو أن الراغب في الشراء يطلب من الشخص المعنى أن يشتري السلعة له (أي للراغب نفسه) حيث يقول له اشتر لي سلعة كذا وهذا يعني أنه يوكله الشراء، والوكيل كما هو معروف أمين فإذا هلك ما تحت يده بلا تعد ولا تقصير فإنه يهلك على ملك الأصيل. فلا محل لمرور الضمان هنا بذمة المشتري الوسيط حيث يصبح الثمن المدفوع قرضًا أو سلفًا بدأ بعشرة دراهم وانتهى باثني عشر درهمًا، وهذا حرام لأن فيه سلفا وزيادة، وهذا ما أوضحه الدردير في الشرح الصغير حين قال كأنه سلفه عشرة (ثمن السلعة) ليأخذ عنها بعد الأجل مقدار اثنى عشر.
أما الصورة التي أوردها الإمام الشافعي فهي تتناول صورة الشراء الكامل من جانب المطلوب منه الشراء. وهو شراء حقيقي يتطلب المرور بذمته وذلك بدليل أن هناك حاجة إلى إجراء عقد البيع اللاحق فإذا لم يتم عقد ذلك البيع فلا بيع بينهما.
فهنا لا بد من وجود اتفاقين منفصلين يتضمن الأول منهما المواعدة ثم يتم في الثاني إتمام العقد وذلك أمر قد يتحقق وقد لا يتحقق، حيث يحتلم عدم وجود السلعة أو عدم تمكن المأمور بالشراء من الحصول عليها بالسعر الذي يحدده الآمر أو بالوصف الذي يطلبه.
ثم قد يحدث التملك ولكنه يعجز عن التسليم إلى غير ذلك من أحوال.
стр. 5748
ب- الاعتراض الوارد على مسألة الإلزام بالوعد:
أثار العديد من الكاتبين في موضوع المرابحة مسألة الإلزام في المواعدة التي تتضمنها صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء.
وقد تعددت وجهات النظر المطروحة حول هذه المسألة:
أ- فهناك من يرى لزوم الوعد لطرفي الاتفاق وهما التزام الآمر بالشراء فيما يعد بشراء ما أمر به، وكذلك التزام المطلوب منه ببيع ما يشتريه بناء على طلب الآمر.
وهذا الرأي هو ما أخذت به لجنة الفتوى في المملكة الأردنية الهاشمية عند مناقشة مشروع قانون تأسيس البنك الإسلامي الأردني (١) ، كما أخذ به كذلك بيت التمويل الكويتي وبنك دبي الإسلامي وهو رأي له ما يبرره من ناحية الوفاء بالعهود ودين الإسلام، كما ينسجم مع الاتجاه الذي اختاره القانون المدني الأردني المستمد من الفقه الإسلامي من ناحية اعتبار الوعد ملزمًا.
ب - وهناك من يرى لزوم الوعد بالنسبة للمطلوب منه حيث يكون هو ملزمًا بالبيع أما الآمر بالشراء فهو غير ملزَم.
وهذا هو ما علمت من الأستاذ الفاضل الدكتور صديق الضرير أنه أفتى به لبنك فيصل الإسلامي المصري، ولم أستطع أن أفهم سببًا لهذا التفريق بلا موجب لوجود هذا الفرق.
جـ- وهناك من يرى عدم لزوم الوعد للجانبين حيث يكون كل منهما حرًّا في أن يكمل العملية ليبيع المطلوب منه ما اشتراه بناء على طلب الآمر أو يعدل عن ذلك كما يشاء، وكذلك يكون الآمر حرًّا في أن يشتري ما أمر به أو يعدل عن الشراء.
وهذا ما يراه البعض من الكاتبين في الفقه الإسلامي الذين تصدوا للمسألة وخالفوا مسألة القول بلزوم الوعد، ومن أبرزهم الأستاذ الدكتور محمد سليمان الأشقر الباحث بموسوعة الفقه الإسلامي بالكويت والدكتور رفيق المصري الباحث بمركز الاقتصاد الإسلامي التابع لجامعة الملك عبد العزيز في جدة والدكتور على السالوس الأستاذ المساعد بكلية الشريعة بجامعة قطر والدكتور حسن عبد الله الأمين الباحث بالمعهد الإسلامي للتدريب والبحوث التابع للبنك الإسلامي للتنمية بجدة.
стр. 5749
وقد تنوعت وجهات النظر المثارة حول هذه المسألة بحيث يمكن إجمالها في النقاط التالية:
١- إن القول الوارد في مذهب الإمام مالك في الإلزام بالوعد إنما يتعلق بمسائل المعروف والإحسان دون عقود المعاوضات.
وهذا الاعتراض لا يتفق مع المثل الإسلامية التي توجب الوفاء بالوعد فإن قيل بأن الوفاء واجب ديانةً وليس قضاء، فنقول: وماذا يمنع من انتقال الإلزام من منطقة الأخلاق إلى منطقة الإلزام بالقضاء؟ ثم أليس الوفاء بالعهود هو مما أمر به الله تعالى؟
٢- أما النقطة الثانية وهي الأقوى في الاستدلال على عدم صحة اشتراط لزوم الوعد فهي ما احتج به الفريق الذي يرى أن كلام الإمام الشافعي نفسه ينفي هذا الإلزام بدليل ما جاء في آخر العبارة المنقولة عن كتاب الأم بقوله (رحمه الله تعالى) : " وإن تبايعا به على أن ألزما أنفسهما الأمر الأول فهو مفسوخ من قبل شيئين: أحدهما أنه تبايعاه قبل (أن) يملكه البائع والثاني أنه على مخاطرة أنك إن اشتريته على كذا أربحك فيه كذا ".
وإن من يعيد قراءة النص فيما كتبه الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى – يجد أن المقصود هو قيام المتواعدين بإلزام نفسيهما بالبيع بأن قال أحدهما للآخر بعتك بالمرابحة ما سوف أشتريه بناء على طلبك. ولكن الحال الواقع في صيغة المرابحة للأمر بالشراء أن هناك مرحلتين منفصلتين هما:
- مرحلة المواعدة ومرحلة المبايعة وبينما فاصل زمني هو حضور البضاعة أو التمكن من إبرام العقد عليها.
وهذا بخلاف الإلزام بالبيع مسبقًا حيث يصبح العقد باتًّا، أما كون الواعد ملزمًا فإنه يفيد الإجبار على إبرام العقد حيث يمكن أن يتحقق ذلك أو لا يتحقق، فإذا أمكن تحقيق التنفيذ بإبرام عقد البيع كان به، وإلا كان هناك محل للمطالبة بجبر الضرر الواقع على أحد الطرفين المتواعدين والذي قد يكون المصرف الإسلامي أو من يتعامل معه.
وهذا هو مبرر القول بالإلزام في المواعدة، وذلك لأنه وكما جاء في الحديث النبوي- ((لا ضرر ولا ضرار))
فإذا طلب شخص من المصرف الإسلامي شراء آلة هي عبارة عن جزء متمم في مجموع الآلات المتوفرة في المصنع الخاص به ثم فرضنا أن هذا المتعامل قد عن له (لأي سبب كان) أن يعدل عن شراء الآلة التي طلب شراءها، فكيف يتحمل المصرف اٍلإسلامي الخسارة التي قد تكون كبيرة في مثل هذه الحال لأنه لا مصلحة لأحد في شراء هذه الآلة إلا الطالب لها؟.
وقد يكون الحال على النقيض من ذلك بأن يستغل المصرف الإسلامي حاجة الطالب للآلة فيمتنع عن الوفاء بما وعد مما يتسبب في إيقاع الضرر بصاحب الحاجة.
стр. 5750
وإن وقوع مثل هذه المحاذير أمر ممكن عمليًّا ولا يمكن التغاضي عن مصالح الناس بحجة أن الوعد في الإسلام ملزم ديانةً وليس ملزمًا قضاء مع أن أمر الله واضح بالوفاء بالعهود وكذلك وصف الرسول ﷺ للإخلاف في الوعد بأنه أحد آيات النفاق، فقد ورد في الحديث الصحيح المتفق عليه من رواية أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) .
وفي رواية أخرى عن عبد الله بن عمرو حيث جاء فيها ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر))
وإذا كان الوفاء بالوعد هو من مكارم الأخلاق , فماذا يمنع أن تكون هذه المكارم مؤيدة بالزواجر القانونية التي تمنع الإخلال بهذا البنيان المتكامل؟
ولعل أبلغ رد حول مسألة الإلزام بالوعد فيما يدخل أحد طرفي المواعدة في كلفة أو يعرضه للضرر فيما لو لم يتم تنفيذ المواعدة: هو ما نقله الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي عن تطور نظرة الفقه الحنفي في مسألة عقد الاستصناع.
فقد ولد هذا العقد في الأصل تحت مظلة الاعتراض عليه من الأساس باعتباره بيعًا لمعدوم ولكن أجيز التعامل به عند الحنفية استحسانًا نظرًا لتعامل الناس به وعموم الحاجة إليه.
ولكن اختلف شيوخ الفقه الحنفي في تكييف عقد الاستصناع من حيث اعتباره مواعدة أم مبايعة، كما اختلف النظر كذلك في مسألة الخيار للمستصنع إذا رأي الشيء المتفق على صنعه حيث بدأت المسألة بتقرير الخيار طالما أن المشتري قد اشترى ما لم ير، وهذا هو المفتى به عن قول أبي حنيفة ومحمد.
وذهب أبو يوسف إلى أنه لا خيار لأي من الصانع والمستصنع، أما الصانع، فلأنه بائع باع ما لم يره، وأما المستصنع فلأن الصانع أتلف ماله بتحويله من مادة خام إلى مادة مصنوعة، فلو ثبت الخيار للمستصنع لتضرر الصانع، لأن غيره لا يشتريه بمثله. (١)
стр. 5751
ويذكر الأستاذ الدكتور القرضاوي أن مجلة الأحكام العدلية عدلت عن قول أبي حنيفة ومحمد المفتى به في المذهب، والذي يجعل الخيار للمستصنع بعد إنجاز المصنوع رغم أنه مطابق للمواصفات المتفق عليها، وأخذت بقول أبي يوسف فيما يراه بعدم الخيار وإلزامه بأخذ المصنوع، وهذا ما نصت عليه المادة ٣٩٢ من مجلة الأحكام العدلية (١) .
وقد نقل الدكتور القرضاوي التقرير الذي قدمت له مجلة الأحكام العدلية بالنسبة لهذه المادة وهو التقرير الذي نرى الفائدة في نقله عنه كما أورده حيث جاء فيه ما يلي:
" وعند الإمام الأعظم (أبي حنيفة) أن المستصنع له الرجوع بعد عقد الاستصناع،وعند الإمام أبي يوسف – رحمه الله تعالى – أنه إذا وجد المصنوع موافقًا للصفات التي بينت وقت العقد فليس له الرجوع، والحال أنه في هذا الزمان قد اتخذت معامل كثيرة تصنع فيها المدافع والبواخر ونحوها بالمقاولة، وبذلك صار الاستصناع من الأمور الجارية العظيمة، فتخيير المستصنع في إمضاء العقد أو فسخه يترتب عليه الإخلال بمصالح جسيمة ... لزوم اختيار قول أبي يوسف – رحمه الله تعالى في هذا – مراعاة المصلحة الوقت، كما حرر في المادة الثانية والتسعين بعد الثلاثمائة من هذه المجلة (٢) .
ولعل في هذا النقل المتوسع فيه بعض الشيء دليلًا ينير الطريق أمام بصائر البعض ممن يصرون على موقف التشدد الذي قد تضيع معه حقوق الناس وتنعدم ظروف الاستقرار في المعاملات وما يؤدي إليه ذلك من خسائر تعود على المجتمع بأفدح الأضرار.
وإنه تبعًا لذلك، فإن على من يقول بعدم الإلزام في الوعد أن لا يسقط من اعتباره مبادئ الشريعة الإسلامية العادلة التي منعت الإضرار بالناس، بل إن الشريعة تمنع إضرار الإنسان بنفسه علاوة منع إضرار الإنسان بأخيه الإنسان.
فهل تسمح قواعد شريعة العدل والإحسان أن يأتي إنسان بالسلعة المطلوبة بناء على وصف محدد من الآمر طالب الشراء وكما يراه ويرغبه ثم يبادر هذا الآمر بالنكول والعدول لسبب أو بلا سبب لكي يقع المأمور في الضرر؟
стр. 5752
قد يقول قائل إن السوق موجود والسلعة تباع لغيره. وهذا صحيح في المثليات العامة ولكن ما هو الموقف في الطلبات المخصصة مثل آلة الأشعة للطبيب المختص أو محرك السيارة الخاصة لنوع ميعن أو إطارات طائرات البوينج؟
وكما قد يحدث الضرر للمأمور إذا قلنا بحق العدول للآمر، فإن الضرر قد يحدث لهذا الأخير إذا عدل المأمور عن بيع ما يكون الأمر قد طلب منه شراءه.
فلو أن مقاولا ملتزما بتوريد أجهزة مخبرية لمستشقى الجامعة مثلا، وجاء يطلب من المصرف الإسلامي شراء هذه الأجهزة على أساس المواعدة بالمبايعة مرابحة، ثم خطر للمصرف الإسلامي أن يعدل عن البيع استعمالًا لحقه المزعوم بعدم الإلزام، فإن المقاول يتعرض للتغريم ونزول سمعته بل ودرجته.
فأي ضرر أعظم من هذا الضرر؟ وهل يستطيع العالم المسلم وهو يتحسس حقيقة مصالح الناس التي جاءت الشريعة لحفظها أن يتجاهل هذه الأمور لكي يتمسك بمقولة أن الوفاء بالوعد هو من مكارم الأخلاق وأن تنفيذ الوعد ملزم ديانة وليس ملزمًا بالقضاء؟ ...
إن مكارم الأخلاق هي مرحلة متقدمة جدًا في الرقي الاجتماعي ولكن عندما تصل المسألة إلى انفتاح أبواب الضرر والإضرار فإن ولي الأمر يتدخل لحفظ مصالح الناس، ومن هنا وجد ميدان العقوبات التعزيزية مجاله الخصيب حيث يستطيع الراعي لشؤون الرعية أن يحدث للناس من الأقضية بقدر ما يحدثون من الفجور.
والرأي الذي نراه فيما يتعلق بمسألة المواعدة هو اختيار أحد المرتكزات التالية:
١- النظر إلى أن الأمر المطلوب ديانة يمكن أن يصبح ملزمًا قضاء إذا أمر ولي الأمر بذلك تحقيقا لمصلحة عامة يتعلق بها استقرار المعاملات وذلك على النحو الذي اتجه إليه التقنين الأردني في القانون المدني.
فلا يظن أن هناك مخالفة شرعية عندما يختار ولي الأمر الانتقال بالمسألة الواجبة الوفاء ديانة بالاتفاق ليجعلها واجبة الوفاء بالقضاء وذلك لأن أمر ولي الأمر واجب الطاعة ما لم يأمر بمعصية وليست هناك معصية في إكساء صفة الإلزام على المواعدة فيما هو جائز شرعا.
стр. 5753
٢- اعتبار الموازنة في الحقوق عند تقرير الاستمساك بمبدأ عدم الإلزام بحيث لا يترتب على ذلك الأمر إضرار بأحد الطرفين المتواعدين، فإذا لم يكن هناك إجبار على التنفيذ فإنه لا بد من النص الصريح بأن الناكل عن تنفيذ الوعد يكون ملزما بتعويض الضرر الذي يصيب الموعود من جراء هذا النكول وذلك باعتبار هذا الواعد الناكل مسببا في إحداث الضرر للموعود حين أمره بشراء شيء لم يكن ليشتريه لولا الوعد الذي أعطاه الأمر بشراء ذلك الشيء.
ولا بد من أن يشمل هذا الضرر رأس المال والربح الذي كان متفقا عليه بين المتواعدين بما في ذلك مصاريف الحفظ والتخزين والمتابعة وسائر الأضرار المباشرة.
فلو طلب شخص من المصرف الإسلامي مثلا شراء آلة نسيج وجاءت الآلة بحسب المواصفات المطلوبة تماما، ونكل الآمر عن شراء الآلة التي كان طلب من المصرف شراءها على أساس الوعد بالشراء مرابحة بمقدار ١٠ % من التكلفة، فإن المصرف الإسلامي يمكنه أن يعرض هذه الآلة للبيع.
- فإن كان الثمن الذي بيعت به معادلا لما كان متفقا عليه مع الآمر بما في ذلك الربح والمصاريف المدفوعة لإجراءات البيع، فلا يكون هناك ضرر على المصرف ولا مجال لمطالبة الآمر بالشراء بأي تعويض.
- وإن كان الثمن أعلى من ذلك فإن الزيادة تعود للآمر وذلك في مقابل الغرم الذي كان سيتحمله لو كان الثمن أدنى حيث يعود المصرف الإسلامي عليه بما يلحقه من ضرر مادي واقع فعلا.
وهذا هو الميزان العادل الذي توزن به الحقوق ويحال فيه بين الناس وبين أهواء الاشتهاء لأكل أموال الناس بالباطل.
стр. 5754
جـ- نقطة المخاطرة برأس المال:
أثار هذه النقطة الجديدة الأستاذ الدكتور عبد السلام العبادي في لقاء جمعنا فيه السفر بالطائرة من عمان إلى جدة يوم ٢٦ /٩ / ١٩٨٨ وقد كان الدكتور عبادي عضوا في لجنة الفتوى الأردنية التي ناقشت مشروع قانون البنك الإسلامي الأردني قبل أحد عشر عاما، كما أنه عايش تطبيق هذه المعاملة في الواقع الذي مارس البنك الإسلامي الأردني نشاطه في هذا المجال.
وقد بنى الأخ الدكتور العبادي نظرته على أساس أنه يرى أن حق المال في الربح مبنى على المخاطرة التي تتمثل في إمكان تغير الأسعار أو تلف البضاعة أو ظهور عيوب فيها إلى آخر ما هنالك من أسباب.
وبما أن بيع المرابحة للآمر بالشراء هو تعاقد مبني على المبايعة حقيقة وليس صورة، فإن هذه المبايعة يجب أن يكون محلها سلعًا تقبل طبيعتها أن تكون محلا للمخاطرة المحتملة. فلا يجوز مثلا شراء الأرض على أساس المرابحة للآمر بالشراء لأن الأرض لا تتعرض لخطر التلف أو الهلاك وهي ليست محلًا لإثبات العيوب الموجبة لرد المبيع مثلا.
وقد استدل الدكتور عبادي من هذا الطرح للمسألة أن بيع المرابحة للآمر بالشراء يجب أن يكون استعماله محددا بدائرة تتفق مع طبيعة السلعة التي تتوافق مع هذه الصيغة.
وهذه النظرة لها وجاهتها حيث إن لكل عقد دائرة اختصاص يصلح لها ويناسبها حيث لا يناسب العقد الآخر. فالإيجار هو مبادلة منفعة بمال مثلا في حين أن البيع مبادلة مال من جنس معين بمال من جنس آخر.
ولكن الذي أراه بعد توزين المسألة بصورة متأنية أن سبب المشروعية البيع الذي أحله الله ليس مبنيا على أساس الخطر المحتمل إنما أحل الله البيع – والله أعلم – لأن فيه تحويلا للمال وذلك على خلاف الربا الذي يحصر التداول بين الدائن والمدين.
стр. 5755
فالبيع يشتمل على شراء السلعة من الطرف الآخر والذي قد يكون وسيطا أو منتجا حيث يدور المال دورته في المجتمع.
ولو أننا سلمنا باشتراط توفر الخطر المحتمل لكان هناك إمكان اعتراض على كثير من العقود لفقدان الضابط في المعيار.
فإذا كانت الأرض لا تنقص ولا تستهلك وبالتالي فإنها لا تصلح للتعاقد على شرائها بالمربحة للآمر بالشراء حيث لا توجد مخاطرة برأس المال، فماذا يكون الموقف لو كان المبيع آلة كالسيارة مثلا حيث يتعهد البائع الأول بتحمل تبعة الهلاك إلى أن يتسلمها المشتري الأخير وكذلك مسؤولية رد السيارة لوجود العيب الخفي الذي قد يكتشفه المشتري الثاني؟..
فالواضح هنا أن البائع الأول الوسيط هو في موقع الضمان والأمان بحيث إنه لا يتحمل تبعة الهلاك إلى أن يتسلم السيارة المشتري الأخير ويوافق على شكلها ووصفها ونوعها، وكذلك فإنه لا يتحمل مسؤولية الرد للعيب وإن كان يتلقاه إلا أنه ينقله مباشرة إلى البائع الأصلي.
لذلك فإني الذي نراه – والله أعلم – أن العبرة في البيع الحلال هو تحول المال من صورة إلى صورة وذلك لأن راس المال النقدي هو أداة وساطة.
ولعل هذا هو ما يرشد إليه ذلك التوجيه الذي رد به الرسول ﷺ تصرف بلال ﵁ – حين أتاه بتمر خيبر وكله من الجنيب " النوع الجيد " فقال له ﷺ حين أعلمه بلال بأنه قد قايض صاعين من الجمع ((التمر غير الجيد)) بصاع من الجنيب، حيث قال رسول الله ﷺ – ((يا بلال إنه عين الربا، إذا أردت ذلك فبع الجمع بالدراهم واشتر بالدراهم جنيبًا.))
وهذا يدل – في نظر الباحث – أنه عندما كانت العلاقة ثنائية فإن التبادل قد ظل محصورًا بين من يملك التمر بأنواعه (من الجمع والجنيب) فكان توجيه النبي ﷺ إلى حقيقة التداول عن طريق توسيط النقود حيث يتحول التمر من الجمع إلى نقود وتتحول النقود إلى التمر الجنيب. فيستطيع من يملك النقود وليس لديه تمر أن يشتري بنقوده تمرا، كما يستطيع من يملك التمر ولا يجد النقود أن يبيع التمر بالنقود.
لذلك فإن مبنى البيع في نظرنا هو تحول المال من صورة إلى صورة أخرى لما في ذلك من منافع للمجتمع المتكافل حيث يريد الله للناس أن يسيروا في طريق الخير ليبتغوا من فضل الله، وهذا هو المقصود والله أعلم بالمراد.
стр. 5756
خاتمة البحث
يمكن القول في ختام هذه الجولة مع الأفكار المسترشدة بتراث الفقه الإسلامي العظيم أن نصل بالبحث إلى الاستنتاجات التالية:
١- إن صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء هي إحدى الصيغ المقبولة في التعامل الإسلامي وأن استنادها إلى رأي الإمام الشافعي يكفي – عند أهل العلم – لإعطاء هذه الصيغة الكساء الذي يدخلها في نطاق المعاملات الشرعية المعتبرة.
ويؤيد هذا الاتجاه ما هو متفق عليه في الجملة من ناحية أن الأصل في العقود هو الإباحة ما لم يرد دليل التحريم بسبب ثابت في كتاب الله أو سنة الرسول الكريم ﷺ أو القياس عليهما أو الإجماع على المنع بدليل يتفق عليه أهل العلم، أما فيما عدا ذلك من آراء فردية واجتهادات متأثرة بالأفكار الخاصة بأصحابها فإنها لا تلزم المسلمين للأخذ بها ولو كان صاحبها صادقا بالنسبة لما يراه بفهمه الذي قد يرشده إليه تفكيره. وكم أن المفكر المسلم حر في أن يفكر ضمن إطار الشريعة وحدودها كما يشاء، فإن المسلمين ليسوا ملزمين بالأخذ بما هو أضيق وأشد في حين أن هناك أراء تبسط الطريق لما هو أرحب وأوسع دون الخروج عن حدود ما نهى الله عنه.
٢- إن مسألة الإلزام في الوعد وكونها ملزمة ديانة أو ملزمة قضاء هي من المسائل الاجتهادية التي يحتمل فيها الاختلاف، وإن مراعاة استقرار التعامل ومنع الإضرار بالناس أو حتى منع الناس من الإضرار بأنفسهم – لو أرادوا ذلك – إنما هي من مبادئ الشريعة الإسلامية الخالدة وهي المبادئ التي أرادها الله لعباده لتكون طريقًا للهداية والفوز في الدنيا والآخرة.
وإذا كان هناك من يرى التمسك بالقول بعدم الإلزام في الوعد، فإن منهج العدل في الشرع الإسلامي يستلزم الأخذ بمبدأ التعويض عن الضرر الذي قد يصيب الطرف الذي يتعرض له.
стр. 5757
ولا يستطيع مسلم – يقدر شرع الله حق قدره ويستطيع أن يتلمس أصول الشريعة وقواعدها المبنية على العدل الذي يمنع الجور ويقر الرحمة التي تزيل مسببات الضرر والإضرار – أن يتجاهل منطق الشريعة استمساكا بمقولة رأي اجتهادي مبنى على أن الوفاء بالوعد ملزم ديانة وليس ملزما بالقضاء.
وإن ما نسأل به أصحاب هذا الرأي القائلين بعدم الإلزام في الوعد بالقضاء، لأن الوفاء بالوعد هو من مكارم الأخلاق وليس من مقاطع الحقوق فنقول لهم بأن مكارم الأخلاق هي مرحلة متقدمة من مراحل الرقي الاجتماعي وهو الصدق الذي وصلت به بعض الأمم إلى ما وصلت إليه من تقدم في الصناعة والتجارة والأعمال، وأنه لا يمنع في نظرنا أن تصبح مكارم الأخلاق مؤيدة بالزواجر التي تحض على الصدق وتعاقب على الكذب. وأنه عندما تصل الأمور إلى انفتاح أبواب الضرر والإضرار بمصالح الناس. فإن تدخل ولى الأمر لدرء الضرر يكون واجبا وليس مستحبًا فحسب ومن هنا وجد ميدان العقوبات التعزيرية مجاله الخصيب حيث يستطع الراعي لشؤون الرعية أن يحدث للناس من الأقضية بقدر ما يحدثون من الفجور.
لذلك فإن ما نراه بالنسبة إلى من يتمسكون إلى النهاية بالرأي القائل بعدم الإلزام بالوعود في العقود مبني على وجوب الأخذ بمبدأ التعويض عن الضرر الذي قد يحصل من جراء هذا النكول. فإذا كان النكول من طرف الآمر بالشراء فلم ينفذ ما وعد بشرائه مما أدى إلى أن يبيع المأمور بالشراء السلعة التي لم يكن ليشتريها لولا هذا الأمر المصحوب بالوعد من قبل الآمر، فإن على الناكل عن الوعد أن يتحمل هذا الإضرار الحاصل لأنه لا يهلك حق في الإسلام. وإذا صدر الإخلال بالوعد من قبل المأمور الذي جلب السلعة المطلوبة منه ثم امتنع عن بيعها للآمر بالشراء مما ترتب عليه قيام الآمر بشراء بدل عنها من السوق بسعر أعلى، فإن ذلك الضرر الذي يتحمله الآمر يجب جبره ويقع عبء ذلك على المأمور بالشراء.
وهكذا تتوازن الأمور في ظلال الشريعة التي أنزلها رب العباد هداية للناس ورحمة بهم عن التظالم والوقوع في الهوى والانحراف عن السبيل المستقيم.
ونسأل الله – – أن يزيد الباحثين المتفقهين في شريعته نورًا على نور لكي يبصرنا بالأحكام التي أنزلها الله خاتمة للأديان ومبنية على قواعد العدل والإحسان.
وآخر دعوانا – أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور سامي حسن حمود
стр. 5758
نظرة شمولية لطبيعة بيع
المرابحة للآمر بالشراء
إعداد
الدكتور عبد السلام داود العبادي
مدير عام مؤسسة إدارة تنمية أموال الأيتام
وعضو مجمع الفقه الإسلامي عن الأردن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن اقتدى به إلى يوم الدين.
أما بعد:
١- فهذه جملة من الملاحظات والأفكار حول طبيعة بيع المرابحة للآمر بالشراء أقدمها على أساس نظرة شمولية لهذه المعاملة، تهدف إلى شدها إلى محاورها الرئيسية وقواعدها الأساسية، ضمن المفاهيم العامة للاقتصاد الإسلامي، وفي إطار المنهج الذي اعتمدته الشريعة الإسلامية لاستثمار الأموال واكتساب الملكيات وتحقيق الأرباح ... وذلك في نقاط محددة، ودون دخول في التفصيلات والفروع ... وبخاصة أن هذا الموضع قد كتب فيه الكثير من البحوث والمؤلفات، وجرت مناقشته في الكثير من الندوات والمؤتمرات ... وما زال الخلاف فيه قائما ومحتدما.
٢- وقد كان لي حظ المشاركة في مناقشة هذا الموضوع أول مرة – بصفتي أحد أعضاء لجنة الفتوى في المملكة الأردنية الهاشمية – عندما عرض عليها مشروع قانون البنك الإسلامي الأردني سنة (١٣٩٧هـ – ١٩٧٧ م) حيث أوضح الأخ الدكتور سامي حمود -حفظه الله- مقرر اللجنة التحضيرية لمشروع القانون وجهة نظره التي ضمنها المشروع، والتي كان قد بينها تفصيلا في رسالته للدكتوراة بعنوان (تطوير الأعمال المصرفية بم يتفق والشريعة الإسلامية) .. وبعد حوار ومناقشة أقرت اللجنة هذه المعاملة، وصدر قانون البنك الإسلامي بعد أن أدخلت اللجنة بعض التعديلات المهمة على مشروعه.
ولكني لاحظت أن بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد أن اعتمد في قانون البنك الإسلامي وانتقل إلى الواقع التطبيقي، وأخذت به كثير من البنوك الإسلامية وقع في كثير من المحاذير، وذلك نتيجة الغفلة عن الطبيعة الأساسية لهذه المعاملة مما يتطلب العودة بها إلى جادة الصواب وتخليصها من سوء الفهم والتطبيق، لتظل أداة من أدوات الاستثمار المالي المشروعة في الإسلام، فلا تقع فيما هو محظور شرعا من الربا أو غيره.
وإني لأدعو الله أن ينفع بهذه الملاحظات والأفكار حول طبيعة بيع المرابحة للآمر بالشراء، وأن يكون في عرضها على مجلس مجمع الفقه الإسلامي مساهمة بناءة في استصدار قرار فقهي مجمعي حول هذه المعاملة، يرسخ دورها في مجال المعاملات المصرفية الإسلامية، ويحميها من كل مظاهر سوء الفهم والتطبيق.
стр. 5759
حقيقة بيع المرابحة للآمر بالشراء وشروطه
٣- كان واضحا في لجنة الفتوى في المملكة الأردنية الهاشمية عند إقرار بيع المرابحة للآمر بالشراء الأساسيات التالية فيه:
أ- أن السلعة المأمور بشرائها يجب أن تدخل في ملك البنك وضمانه ... وأن هذا هو أساس جواز أخذ البنك للربح، وأن العلاقة الحقوقية عند شراء البنك للسلعة المأمور بشرائها يجب أن تقوم بين البنك وبائع السلعة ولا يصح دخول العميل (للآمر بالشراء) بأي صورة من الصور محل البنك وإلا لماذا أمره بالشراء؟ ؟ وهذا يعني أن البنك في الشراء هو الذي يفتح الاعتمادات، وبوالص الشحن تكون باسمه، وهو الذي يؤمن على السلع في الحالات الملزمة لذلك، وكذلك عليه في الشراء الداخلي جميع الإجراءات والالتزامات المترتبة على المشترين.
ب- إن عقد شراء العميل من البنك يجب أن يكون بعد استقرار ملك البنك للسلعة. استقرارًا معقولًا بعرضه لاحتمالات الضمان، فهو لا يبيع حتى يملك السلعة ومن حق العميل أن يتأكد أنها مطابقة لمواصفات ما طلب، وإلا فله أن يردها على البنك وإذا هلكت السلعة أثناء وقوعها في ملك البنك تهلك عليه ولا علاقة للعميل بذلك.
جـ- إن وعد العميل بالشراء من البنك وإن كان ملزما لا يصح أن يحمله أي مسؤولية غير إكمال الشراء من البنك بعد أن يستقر ملك البنك للسلعة ... وإذا امتنع عن الشراء فللبنك إلزامه قضائيًا بذلك، ومطالبته بتعويض عما أصابه من أضرار فعلية.
د- وإن الثمن الذي يترتب في ذمة الآمر بالشراء بعد ذلك سواء أكان الاتفاق على دفعه نقدا أو مقسطا لا يجوز زيادته عند التأخر في الدفع وإنقاصه عند التبكير فيه إذا كان ذلك مشروطا، أو متفقا عليه فيما بعد، أو استقر عليه عرف الناس، لأن هذا يوقعنا في الربا، بل في ربا الجاهلية: (زدني أنظرك) و (ضع وتعجل) .
٤- وقد أكد هذا قرار المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي الذي عقد في دبي سنة ١٣٩٩هـ (١٩٧٩م) وقرار المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي الذي عقد في الكويت سنة ١٤٠٣هـ (١٩٨٣م) حيث ركزا على ضرورة أن يسبق بيع البنك للسلعة تملكه وحيازته لها وإنه في خلال ذلك يتحمل تبعة الهلاك قبل التسليم ويتحمل أيضا تبعة الرد بالعيب الخفي كما بينا أن الأخذ بإلزامية الوعد مقبول شرعا وهو أحفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعاملات وفيه مراعاة لمصلحة المصرف والعميل. وقد ترك المؤتمران لكل مصرف الخيار في الأخذ بالإلزام وعدمه.
стр. 5760
٥- والدكتور سامي حمود فيما قدم من بحوث حول هذه القضية يؤكد على ضرورة التفريق هنا بين التواعد والتبايع بحيث لا تتم المبايعة إلا بعد ثبوت التملك للبنك ليكون التمليك للآمر بالشراء صادرا عن تمليك ولكي يكون هناك مجال للقول بالضمان إذا تبين أن هناك تلفا أو عيبا خفيا أو غير ذلك من أسباب الضمان ولكنه لا يشترط التسليم والحيازة ويقول (وليس يهمنا التقيد بالشكل عند من يربطون التملك بالحيازة المادية لأن ذلك ليس شرطا من شرائط انعقاد العقود الشرعية حيث يكون التسليم أثرا من آثار الانعقاد وليس ركنا فيه. فقد يشتري الإنسان الشيء ويبقيه عند البائع كوديعة، حيث تنقلب يد البائع الأول من يد ملك إلى يد أمانة ... فإذا باع هذا الإنسان ما اشتراه بعد أن يصبح معينا إلى شخص آخر فإنه يبيع ما يملك ويقع عليه ضمانه حتى يتسلمه المشتري الأخير سليما خاليا من العيوب الموجبة لرد المبيع (١) .
وهذه قضية في غاية الأهمية لأنها تقودنا لأحد المحاور الأساسية في هذه العملية من حيث هل يمكن أن تكون بعض صورها مما لا يتصور الضمان فيها وأن الامتلاك لسلعة المأمور بشرائها امتلاك شكلى ومظهر صوري ليس إلا مرورا عابرا في الذمة؟ وعند ذلك نعود على أصل القضية بالنقض ... ولا خلاف في أن المشتري يستطيع أن يبقي المبيع في يد البائع كوديعة وعندها تنقلب يد البائع إلى يد أمانة، ولا خلاف بأن هذا المشتري بعد أن ملك ما اشترى يستطيع أن يبيعه كيفما يريد ضمن قواعد الشريعة ... ولكن موضوعنا ليس هذا إنما موضوعنا أن هذا المشتري الثاني هو الذي أمر بالشراء.. فهل مثل هذه الحالة تقلب حقيقة بيع المرابحة للآمر بالشراء من صورتها المقبولة شرعا إلى صورة تمويل ربوي سمي بغير اسمه.
стр. 5761
المحاذير العملية لهذه المعاملة:
٦- والواقع أن بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد أن أخذت المصارف الإسلامية في العمل به قد وقع في محاذير وإشكالات متعددة تتعارض مع ما اعتمد من قواعد لتخريجه والأخذ به.
وقد كان ذلك نتيجة لعدم وضوح الرؤية الفقهية السليمة لهذا العقد أو لوجود بعض العقبات القانونية والعملية التي صادفتها البنوك الإسلامية عند التطبيق وقد تمت معالجتها دون انتباه لأصل المعاملة وشروطها وأساسياتها.
وقد ساعد على ذلك أن كثيرا ممن يتصدون للعمل المصرفي الإسلامي من المصرفيين الفنيين الذين لا تتوافر لديهم المعرفة الفقهية المطلوبة.. ورغم الجهود الكبيرة التي بذلها المستشارون الشرعيون وهيئات الرقابة الشرعية في عدد من البنوك الإسلامية فإن بعض الصور قد ندت عن هذه القواعد ولم تلتزم بها بشكل تام ويعود ذلك إلى أسباب منها:
أ- نقل الصيغ العملية للتطبيق دون عرضها على المستشارين الشرعيين أو هيئات الرقابة الشرعية.
ب- حاجة بعض هذه القضايا إلى اجتهاد جماعى عميق حيث لا يصح أن تترك للاجتهاد الفردي العاجل.
جـ- النظر الجزئي لهذه القضايا وعدم الربط لها بالقواعد الأساسية التي قام عليها بيع المرابحة للآمر بالشراء في الأصل.
٧- هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ركزت كثير من البنوك الإسلامية على أسلوب بيع المرابحة للآمر بالشراء ولم تهتم بأساليب الاستثمار الأخرى كالمضاربة والمشاركة المتناقصة وذلك لسهولة هذا الأسلوب، ولأنه يلبي حاجات التمويل العاجل والذي عليه طلب متزايد، بالإضافة إلى أن البنوك في التطبيق ركنت لهذه الصيغة لأنها استطاعت أن تطبقها بطريقة تكاد تحميها من كل احتمالات التعرض لأي خسارة. وإن معظم إجراءات هذا الأسلوب كما طبق إجراءات مكتبية مربحة.
٨- وهكذا كادت هذه الصيغة – في عدد من المصارف- أن تنقلب إلى مجرد صيغة تمويل مالي يعود على البنك بما يسمى بالربح دون أن يقدم البنك غير المال، وبلا أي مخاطرة يمكن أن يتعرض لها البنك وفق الظروف والأحوال العادية ... إلا إذا افترضنا الزلازل والكوارث مما يدخل في الظروف القاهرة، ولا يجري حسابه عند تحديد الالتزامات في العقود ... وإذا أصبحنا أمام تمويل بدون مخاطرة وكان يسترد بزيادة فهذا الربا بعينه، فهو قرض بزيادة وإن أخذ صورة البيع.
стр. 5762
وأصبح الأمر مثل: أن يوكل شخص البنك بشراء السلعة له، ويطلب منه دفع ثمنها للبائع على أن يقوم هو بتسديد الثمن بزيادة على أقساط ... فهذا من الربا قولا واحدا، ولكن ما الفرق بينه وبين صورة بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا انقلب إلى مجرد تمويل بزيادة وبلا مخاطر.
إن أساس جواز معاملة بيع المرابحة للآمر بالشراء هو تعرض المصرف لاحتمالات الربح والخسارة فإذا أفرز التطبيق صورا نقطع معها بالربح في جميع الأحوال ولا تصور لأي مخاطرة انقلبت هذه المعاملة إلى تمويل ربوي لا يجوز مهما كانت التسميات وصور الإجراءات فالمصرف يعمل على تدبير السلع التي يحتاجها الناس الذين يأمرون بالشراء لكن يجب أن لا يقتصر دوره على التمويل دون مخاطرة.
مبررات استحقاق الربح في الإسلام:
٩- وهذا يعود بنا إلى أصل استحقاق الملك والكسب في الشريعة الإسلامية والقواعد الضابطة لذلك.. فالشريعة حددت وسائل التملك والكسب فأجازت وسائل ومنعت أخرى.. فهي في مجال العقود تمنع كل صور الربا ولا تجيز الربح إلا إذا كان نتيجة مشاركة بين رؤوس الأموال ومشاركة بين رأس المال والعمل أو مشاركة بين الأعمال. ولا تسمح لرأس المال أن يجني مزيدا من الزيادة دون أن يتعرض لاحتمالات الربح والخسارة وهي في المشاركة بين رأس المال والعمل إذا كان هنالك خسارة دون اعتداء أو تفريط من العامل فإنها تقع على صاحب المال ويكفي العامل خسارة جهده وعمله.. ومن قواعد الشريعة السمحة أن الغرم بالغنم وأن الخراج بالضمان.. مما هو محل دراسة مستقلة.
وعلى ضوء هذا إذا وجد في التطبيق صور تؤدي إلى أن صاحب المال يستحق في تعامله مع الآخرين دخلا دون أن يكون هنالك تعرض لاحتمالات الخسارة فهذه الصور ممنوعة بأصل القاعدة مهما كانت التسميات المستخدمة والشكليات الممارسة ومهما كانت الأحكام الجزئية لبعض تفصيلات هذه الصور التي قد تكون لها بصرف النظر عن كامل مكوناتها وجميع ملابساتها ... والقول بغير ذلك عدم انتباه لأساسيات الشريعة وروحها العامة في مجال استثمار الأموال وتحقيق الأرباح.
стр. 5763
طبائع السلعة وعلاقتها بهذه المعاملة:
١٠- وإذا اتجهنا إلى طبائع السلع فهذا يعني إخراج بعض السلع من الدخول في دائرة التعامل ببيع المرابحة للآمر بالشراء وهي السلع التي يكون دخولها في ملك البنك دخولا شكليا، وإنه لا يتصور أي ضمان أو مخاطرة عليه فيها.. وعندها يكون الاستثمار في هذا النوع من السلع بطرق استثمار أخرى تقررها الشريعة.
وعليه فإن من شروط بيع المرابحة للآمر بالشراء أن يكون محله سلعا تقبل طبيعتها المخاطرة المحتملة، فلا يجوز مثلا أن يكون محلها شراء قطعة أرض، لأن الأرض لا يتصور فيها تبعة هلاك يمكن أن تقع على البنك، كما لا يتصور فيها عيوبا خفية موجبة للرد.
وهذا النظر يحد في التطبيقات من دائرة انتشار بيع المرابحة للآمر بالشراء الذي طغى على صور الاستثمار الأخرى من مشاركة ومضاربة. وأدى ذلك إلى سلبيات كثيرة ... فلا يعني تقرير عقد من العقود أن كل شيء يصلح محلا له، فلا بد أن يكون المحل قابلا لحكم العقد أو منسجمًا مع طبيعته وهذا هو الميزان العملي للتفريق بين أنواع العقود، فليس كل شيء يقبل الإجارة، وما يقبل البيع قد لا يقبل الإجارة مثلًا.
١١- والواقع أننا في بيع المرابحة للآمر بالشراء لا نتحدث عن عقد البيع وطبيعته وأساس مشروعيته، إنما نتحدث عن معاملة مركبة لها شروطها الخاصة التي يجب أن تراعى في كل الأحوال ... وأي نظر فيها لعقد البيع وحده هو عدم انتباه لطبيعة هذه المعاملة المركبة فكيف إذا كان هذا النظر سوف يوقعنا في الربا الذي استحدثنا هذه الصور في التعامل من أجل الهروب منه نسأل الله العفو والعافية.
مشكلات التطبيق وحلول مقترحة:
١٢- ولا يعني هذا أن التطبيق العملي لهذه المعاملة المركبة لا يوجد مشكلات تحتاج إلى نظرة ومعالجة.. فهذا لا بد أن يقع.. ولكن يجب أن تواجه المشكلات بنظر لا يغفل عن أصل المسألة، وبحيث لا تنسف الحلول المقترحة الشروط الأصلية المقررة.
فإذا قيل مثلا إن العميل قد يغرر بالبنك ويدفع لشراء سلعة من جهة غير مأمونة قد تضيع حقوق البنك، فلنبحث في صيغة مناسبة لكفالة العميل للبائع أن لا يخل بالتزاماته تجاه البنك.
وإذا قيل إن الوعد الملزم قد يتفلت منه العميل وقد ينتهي الأمر بالبنك إلى المطالبة بما وقع عليه من أضرار فعلية قد يطول الحكم بها في القضاء فيمكن البحث في تبني صيغة بيع المخايرة بين البنك وبائع السلعة ويقوم البنك في فترة الخيار وبعد ملك السلعة وتسلمها بالبحث في علاقته مع الآمر بالشراء كما يمكن بحث أخذ العربون من الآمر بالشراء ضمن تكييف شرعي مقبول.
ولكن كل هذه الحلول وأي حلول أخرى يجب أن تبقى المسألة في إطارها الأول ولا تحول دخول البنك في هذه الصيغة إلى مجرد تمويل بدون مخاطر.
стр. 5764
أمور لا يجوز إدخالها في هذه المعاملة:
١٣- سأل البنك الإسلامي الأردني في ندوة البركة الخامسة التي عقدت في القاهرة مؤخرا سؤالا حول جواز أن يشتري البنك لمن يطلب منه من شركات الكهرباء الطاقة الكهربائية، من سلطة الكهرباء التي تنتجها علما أن الطاقة الكهربائية لا يتسلمها البنك ويجرى نقلها في أعمدة خاصة من موقع الإنتاج في محطات إنتاج الكهرباء إلى نقاط التوزيع التي تمتلكها شركات الكهرباء: فهل يتصور في مثل هذه الصورة ملكية البنك للطاقة الكهربائية ووقوعها في ضمانه؟ وإذا تصور مرورها في ذمته – أي مرور السلعة المشتراه كما عبر الأخ الدكتور سامي في بحثه – فكيف يمكن تصور تحمل البنك لتبعة الهلاك وتبعة الرد التي كانت من أسس القول بالجواز؟؟ إن البنك في هذه الصورة لا يقوم إلا بدفع المال ويسترد ماله بزيادة دون مخاطرة لذلك كان جوابي على هذا السؤال أن هذه من الصور غير الجائز التعامل معها وفق بيع المرابحة للآمر بالشراء لعدم توافر شروطه الأساسية وكذلك تمويل شراء البترول إذا كان ينقل من المنتج للآمر بالشراء بوساطة أنابيب ودون تدخل البنك ملكية وضمانا. ويقاس على ذلك كل سلعة مشابهة ... وليحاول الفقهاء بعد ذلك البحث عن صور مقبولة شرعا لكل هذه الأنواع من الاستثمار كما اقترح علينا الأخذ الدكتور سامي فكرة بيع المرابحة للآمر بالشراء.
١٤- ومثل ذلك ما تفعله بعض البنوك – الإسلامية – من توكيل للآمر بالشراء بمفاوضة البائع وتحرير الفواتير باسم البنك وتقديمها للبنك، وبعد أن يقوم البنك بدفع قيمتها للبائع دون أن يتسلم البضاعة ويتعرض لمخاطر ملكه وتسلمه، بل كل ما يحدث أن يحضر مندوبه للإشراف على تسلم البضاعة من البائع إلى الآمر بالشراء اكتفاء بصورة دخول البضاعة في ملك البنك بالإيجاب والقبول المتصور بين البنك والبائع.. فالبنك هنا لا يأخذ بضرورة تسلمه البضاعة ومن ثم نقل ملكيتها للآمر بالشراء.
ومن غريب ما يحدث هنا أن بعض الآمرين بالشراء هنا يتفقون مع بعض البائعين على زيادة قيم فواتيرهم ... فإذا دفعت لهم من البنك قاموا بإعطائها لهؤلاء الآمرين بالشراء ... بهدف الحصول على سيولة مالية لإنجاز أعمال أخرى وبخاصة في مجال دفع أجور متعهدي البناء، فمواد البناء وأجوره يحصل عليها بهذه الطريقة الموقعة في الربا.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
١٥ – هذه أهم الأفكار والملاحظات التي لدي حول هذا الموضوع أضعها بين يدي مجلس ومجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة تاركا للحوار والمناقشة التي أرجو أن أكون طرفا فيها – حيث أن ظروفا خاصة وارتباطات علمية أخرى أوجبت على آسفًا ألا أشارك إلا في جزء من هذه الدورة – داعيا الله العلي العظيم أن يوفق مجمعنا العتيد إلى القرار السليم في هذا الموضوع الشائك الخطير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور / عبد السلام العبادي
стр. 5765
بيع المرابحة للآمر بالشراء
في المصارف الإسلامية
إعداد
دكتور رفيق يونس المصري
مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي
جامعة الملك عبد العزيز – جدة
بيع المرابحة للآمر بالشراء
في المصارف الإسلامية
" يجب على الناس إحياء سنن رسول الله صلى الله عله وسلم، والاقتفاء لأمره، والاهتداء بهديه، في تسهيل ما سهل، وتغليظ ما غلظ، وعلى الله التوفيق والقبول".
أبو عبيد - الأموال ٥٩٤
قد يرى الرجل الرأي " ثم يتبين له الرشد في غيره، فيرجع إليه، وهذا من أخلاق العلماء قديما وحديثًا "
أبو عبيد – الأموال ٣٥٩
مقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وبعد، ففي هذه الورقة سأبحث باختصار في بيع المرابحة كما ورد في الفقه القديم، ثم بتفصيل أكبر في بيع المرابحة كما هو مطبق في المصارف الإسلامية الحديثة.
ولقد سبق لي أن طرقت هذا الموضوع في مناسبات مختلفة، منها مقالي بمجلة المسلم المعاصر عام ١٤٠٢هـ، ثم مقالي بمجلة الأمة القطرية عام ١٤٠٦ هـ.
ورأيت أن من المتعين علي أن أطرق الموضوع مرة أخرى، بالنظر لما استجد من وقائع، ومعلومات، ومراجع..
وألفت النظر منذ البداية إلى أنني استخدمت أحيانا عبارة " المرابحة المصرفية " للدلالة على بيع المرابحة للآمر بالشراء في المصارف الإسلامية، وذلك على سبيل الاختصار. وربما استخدمت أحيانا أخرى عبارة " المرابحة الملزمة " وأريد بها المرابحة إذا كانت المواعدة فيها ملزمة.
стр. 5766
والله أسأل أن يحمينا من الغرور والغل والحسد والتقعر والإعجاب بالرأي والاستخفاف بأهل العلم والتملق لأهل الباطل، وأن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا، ويمكننا من الحق قولا وعملا، بلا خوف من عقاب، ولا طمع في ثواب، إلا عقاب الله تعالى وثوابه. وقد نهينا عن أن نكون كلابس ثوبي زور في بيع فنبيع ما ليس عندنا أو في علم فنظهر ما لا نملك أو في خلق فنبدي بلساننا ومظاهرنا ما لا يوافق قلوبنا، فمن تخلق للناس بما ليس من شأنه شانه الله تعالى، كما قال عمر بن الخطاب ﵁.
بيع المرابحة.
البيع في الفقه الإسلامي بيعان: مساومة وأمانة. فأما المساومة فيتفق فيها المتبايعان على ثمن البيع، بغض النظر عن الثمن الأول الذي بذله البائع لشراء السلعة أو إنتاجها. وأما الأمانة فهي ثلاثة أنواع:
- مرابحة (= مشافة) : وهي البيع بمثل الثمن الأول مع ربح معلوم. والمشافة منا لشف وهو الزيادة، الربح.
- وضيعة (= محاطة) : وهي البيع بمثل الثمن الأول مع وضع (= حط) مبلغ معلوم.
- تولية: وهي البيع بمثل الثمن الأول بلا ربح ولا خسارة.
وفي البناية شرح الهداية ٦/٤٨٨ قوله: " قد صح ((أن النبي ﷺ لما أراد الهجرة ابتاع أبو بكر بعيرين. فقال له النبي ﷺ : ولني أحدهما. فقال: هو لك بغير شيء. فقال ﷺ : أما بغير ثمن فلا)) . ثم ذكر صاحب البناية أن هذا الحديث غريب، وأنه ورد في البخاري ومسند أحمد وفي طبقات ابن سعد، ولكن بدون ذكر لفظ التولية.
стр. 5767
هذا إذا تعلق البيع بالسلعة كلها، فإذا تعلق بجزء منها فهو " الإشراك "، أي البيع تولية بنسبة الجزء إلى الكل. فيصير المشتري شريك ملك للبائع، كل بحسب حصته من السلعة.
على أن الإشراك في نظري، لا ينحصر في التولية، بل يمكن أن يكون في المرابحة، فيبيعه مثلا نصف السلعة بنصف الثمن الأول وربح معلوم، أو يكون في الوضيعة، فيبيعه نصف السلعة بنصف الثمن الأول مع وضع مبلغ معلوم.
وجمهور الفقهاء على جواز المرابحة، ولكن روي عن بعض العلماء أنها باطلة (المحلى لابن حزم ٩/٦٢٥- ٦٢٦) ، وروي عن ابن عباس أنه نهى عنها، وفي بعض الكتب أنه كره بيع المشافة (مصنف ابن أبي شيبة ٧/٤٨ و٨/٤٢) . كما روي هذا النهي عن عكرمة وإسحاق، والكراهة عن الحسن ومسروق، والجواز عن ابن مسعود وابن المسيب وشريح وابن سيرين (مغني المحتاج ٢/٧٧) . وروي عن آخرين أن المساومة أفضل من المرابحة (المغني ٤/١٠٨، والخرشي على خليل ٥/١٧٢) .
وإني أميل إلى جوازها إذا كان الثمن الأول معلوما، والربح معلوما، ولم تكن هناك خيانة أو شبهة خيانة في بيان الثمن الأول. وهذا الربح يكون في مقابل خبرته وجهده ووقته ومخاطرته.
ولعل سبب كراهتها لدى ابن عباس أن البائع مرابحة يبيع السلعة بزيادة ربح مضمون، فيصير هذا الربح أشبه بالربا، لأنه دفع الثمن الأول مثلا ١٠٠، وقبض الثمن الثاني ١٢٠، والسلعة دخلت ثم خرجت. قد يؤيد هذا أن المشافة من الشف وهو الزيادة كما بينا سابقا. وفي أحاديث الربا ورد قوله ﷺ : ((لا تبيعوا الذهب بالذهب، إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض..)) (البخاري في البيوع، ومسلم في المساقاة وغيرهما) .
стр. 5768
ولكن هذا التأويل غير صحيح، لأن الذي اشترى السلعة لم يكن يعلم أنه سيبيعها مرابحة، فربما باعها تولية أو محاطة أو مساومة.. إلخ وربما تكون الصورة التي نهى عنها ابن عباس أو كرهها هي أن يشتري لك سلعة بالنقد ويبيعها إليه بالأجل، ويكون توسطه بشراء السلعة لا معنى له إلا أنه أقرضه المال بربا وقد ورد في بعض الكتب أن المرابحة ربا (مصنف ابن أبي شيبة ٦/٤٣٦، والمحلى ٩/١٤) ، أو " المرابحة بيع الأعاجم" (ده دوازده) (مصنف ابن أبي شيبة ٦/٤٣٤ و٧/٢٥٣) .
أما تفضيل المساومة على المرابحة لدى بعض الفقهاء، فسببه أن البائع مرابحة يأتمنه المشتري على الثمن الأول، وقد لا يخلو تحديد الثمن الأول من غلط أو تأويل أو هوى. فقد يضيف البائع إلى الثمن الأول ما ليس منه، كأن يشتري السلعة بأكثر من ثمنها، أو لا يبين الأجل ولا مقداره إذا اشتراها بثمن مؤجل، وللأجل حصة من الثمن، أو يدخل أجرة نقل أو إصلاح لنفسه أو لغيره، والحال أن هذا الغير متطوع لم يقبض منه شيئا، أو يحتسب مصاريف إصلاحها أو مداواتها (إذا كان المبيع حيوانا مثلا) ، أو يكتم أنه مضى زمن على شرائها وانتفاعه بها (إذا كان المبيع مسكنا مثلا أو آلة) .
لكن لا بأس بإضافة مصاريف الخياطة والصباغة والتطريز والقصر، ومصاريف النقل والتخزين، وسائر ما يزيد في قيمة المبيع، وجرى العرف بإضافته إلى الثمن. فإذا أشتبه بالمصروف: هل تجب إضافته أم لا؟ بين ذلك.. إلخ ما هو معروف في مظانه من كتب الفقه القديم على المذاهب المختلفة.
وتفصيل هذه المصاريف قليل الأهمية في بيع المرابحة المطبق في المصارف الإسلامية، لأن المصاريف كلها تدخل في الثمن الأول لدى هذه المصارف، ولا يقوم المصرف بإدخال أي إضافة على السلعة من تصنيع أو خياطة أو صبغ ... إلخ. لكن قد يكون من المهم معرفة ما إذا كان على المصرف تفصيلها، أو يكتفي بإجمالها دون تفصيل. وأميل إلى تفصيلها ولا سيما إذا طلبه المشتري، فهو أدعى للثقة وأنفى للتهمة وأبرأ للذمة.
وعندي أن بيان البائع للثمن الأول يمكن أن يكون مؤيدا بالفواتير والوثائق، وهذا أبعد عن الغلط وسوء الظن، ما لم تكن هذه الوثائق مزورة أو محورة.
стр. 5769
ويصح أن يكون الربح في صورة مبلغ مقطوع، أو في صورة نسبة من الثمن الأول، مئوية أو غيرها، لأن المال واحد. وما دام هذا البيع من بيوع الأمانة، فعلى البائع أن يكون أهلا لتحمل هذه الأمانة، ومحترزا من الخيانة أو شبهتها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال ٢٧) . وقد نص الفقهاء على أن السلعة إذا كان ثمنها في السوق أرخص، لسبب أو آخر كحوالة الأسواق (= تغير الأسعار) ، وجب على البائع إخبار المشتري به منعا للتغرير وإخفاء المعلومات عن المشتري وربما لم يوجبوا على المشتري إخبار البائع بثمن السوق إذا كان أغلى، لافتراض أن البائع يعلم ثمن سلعته في السوق، وهو راض بثمن العقد.
والدافع إلى هذا النوع من البيوع هو أن المشتري قد يكون جاهلا بالسلع وأثمانها، يخشى الغبن في المساومة، أو ليس لديه الوقت الكافي للتحري والتجول على الباعة والمماكسة. هذا إذا كانت المرابحة حالّة، أما إذا كانت مؤجلة، فيستفيد المشتري أيضا من الأجل، ولكن هذا الأجل ليس للمرابحة علامة مميزة لها عن المساومة، فبيع المساومة يمكن أيضا أن يكون مؤجلا.
ومن أراد مرجعا حديثا في موضوع المرابحة أمكنه الرجوع إلى كتاب الدكتور عبد الحميد البعلي " فقه المرابحة في التطبيق الاقتصادي المعاصر "، أو كتاب الدكتور أحمد علي عبد الله " المرابحة أصولها وأحكامها وتطبيقاتها في المصارف الإسلامية " (رسالة دكتوراة) .
بيع المرابحة للآمر بالشراء كما في المصارف الإسلامية
تلك هي بإيجاز المرابحة في الفقه المأثور. أما المرابحة المطبقة اليوم في المصارف الإسلامية، والمسماة بـ" بيع المرابحة للآمر بالشراء" أو لـ" الواعد بالشراء "، فهي أن يتقدم الراغب في شراء سلعة إلى المصرف، لأنه لا يملك المال الكافي لسداد ثمنها نقدا، ولأن البائع لا يبيعها له إلى أجل، أما لعدم مزاولته للبيوع المؤجلة، أو لعدم معرفته بالمشتري، أو لحاجته إلى المال النقدي، فيشتريها المصرف بثمن نقدي ويبيعها إلى عميله بثمن مؤجل أعلى. ويتم ذلك على مرحلتين.
مرحلة المواعدة على المرابحة، ثم مرحلة إبرام المرابحة. وهذه المواعدة ملزمة للطرفين (المصرف، والعميل) في بعض المصارف الإسلامية، وغير ملزمة للعميل في بعض المصارف الأخرى. فإذا اشترى المصرف السلعة كان العميل بالخيار، إن شاء اشترى وإن شاء ترك. ويفهم من هذا أن المصرف لا يلتزم بشراء السلعة، ولكنه إذا اشتراها التزم ببيعها إلى العميل إذا اختار العميل شراءها. ولكن المصرف يحرص على شراء السلعة حفاظا على سمعته.
стр. 5770
ويبدو أن بعض المصارف الإسلامية تفضل أن تكون السلعة، موضوع المرابحة، من السلع المعمرة، كي لا تنتقل ملكيتها إلى العميل إلا بعد سداد الأقساط جميعا، وهذا على الطريقة المعروفة في القوانين الوضعية بـ" الإجارة السائرة للبيع" أو " الآيلة للبيع". والتي سميت في المصارف الإسلامية " بـ الإيجار المنتهي بالتمليك " (السنهوري في الوسيط ٤/١٧٠، والقرنشاوي ص٤) . وفي بعض المصارف جرى التعبير عن هذا بأن البضاعة ومستنداتها ترهن رهنا تأمينيا لصالح المصرف إلى حين استيفائه كامل الثمن، ويكون للمصرف حق امتياز البائع، وله أن يطلب فوقها رهونات أو ضمانات إضافية (أحمد علي عبد الله ص٢٦٨) . كما تفضل هذه المصارف أحيانا التعامل بالسلع المستوردة لأنها سلع منمطة ومواصفاتها محددة، ودرجة المخاطرة فيها درجة منخفضة، ونسبة تحكم المصرف في تدفقها أعلى، وتصريفها أسهل إذا ما قورنت بالسلع المحلية (القرنشاوي ص٤) .
على أن المرابحة المصرفية يمكن تطبيقها في شراء الأموال المثلية أو الأموال القيمية كما في شراء المنقولات والعقارات.
أهمية بيع المرابحة في المصارف الإسلامية
تطبق المرابحة في المصارف الإسلامية في عمليات الشراء الداخلية (مرابحات داخلية) وفي عمليات الاستيراد من الخارج (مرابحات خارجية) . وهذه المرابحات آخذة في التوسع والامتداد إذا ما قورنت بالمشاركات والمضاربات (= عمليات القراض) .
وإليك مثالا عن أهمية عمليات المرابحة بالنسبة لمجموع عمليات التمويل:
المصرف النسبة السنة المصدر
البنك الإسلامي الاردني ٨٠ % ١٩٨٦ م موسى شحادة ص١٣
البنك الإسلامي في بنغلادش ٦٥ % ١٩٨٤م أوصاف أحمد ص٨
مؤسسة فيصل المالية في تركيا ٩٤ % ١٩٨٦ م شوقي شحاتة ص٨
البنك الإسلامي لغرب السودان ٥٤ % ١٩٨٤ أوصاف أحمد ص٨
بنك التضامن الإسلامي في السودان ٦١ % ١٩٨٤م نفسه
بنك قطر الإسلامي ٩٨ % ١٩٨٤م نفسه
وفي هذا البنك الأخير، بلغت عقود المرابحة ٦٦٥ عقدا من أصل ٦٦٧ عقدا، والفرق عقدان فقط هما من عقود المشاركة.
стр. 5771
ويذكر الأستاذ موسى شحادة المدير العام للبنك الإسلامي الأردني أن سبب " توجيه أغلب استثماراته إلى المرابحة، بدل توجيهها إلى المساهمات والمشاركات لسرعة تسييلها، ووضوح التدفق النقدي، ووضوح العائد" (موسى شحادة ص ٢٢) . ويقصد بسرعة التسييل سرعة التنضيض بلغة الفقه الإسلامي، أي تحويل الديون إلى نقود؛ ويقصد بوضوح التدفق النقدي إمكان جدولة الثمن المؤجل في المرابحة على أقساط معلومة وبآجال معلومة، كما يقصد بوضوح العائد إمكان حصول المصرف على عائد معلوم المقدار، في صورة نسبة من الثمن الأول، أي نسبة من رأس المال، رأس المال العملية، أي بدون مخاطرة كما هو الحال في المضاربة أو الشركة.
ويقول الدكتور شوقي إسماعيل شحاتة إنه " بظهور البنوك الإسلامية، تعاظم دور بيع المرابحة للآمر بالشراء، وخصوصا بثمن مؤجل، بضوابطه الشرعية. وتأكدت أهميته وجدواه الاقتصادية وملاءمته علما وعملا لطبيعة العمليات التمويلية والعمليات الإيرادية التي تجريها البنوك الإسلامية بعيدا عن القروض ونظام الفائدة الربوية " (شحاتة ص٩) ويقصد الدكتور شحاتة بملاءمة المرابحة لطبيعة العمليات التمويلية ملاءمتها لطبيعة العمل المصرفي التقليدي القائم على أساس العمل المضمون واجتناب المخاطرة. كما يقصد بملاءمة المرابحة للعمليات الايرادية بعيدا عن القروض والفائدة الربوية أن المصارف من طريق المرابحة استطاعت أن تحقق لنفسها إيرادات شبيهة بالفائدة من حيث الضمان، ولكنها مشروعة في نظره.
غير أن الدكتور شحاتة لم يبين لنا كيف تأكدت أهمية المرابحة وجدواها الاقتصادية. لكن هناك بحوثا أخرى تكفلت بخلاف رأيه، كبحث الدكتور حاتم القرنشاوي بعنوان " الجوانب الاجتماعية والاقتصادية لتطبيق عقد المرابحة ".
يقول الدكتور القرنشاوي إن " التطبيق السليم لعمليات المرابحة يتطلب، خلافا لما قد يسود لدى بعض العاملين بالبنوك الإسلامية، درجة عالية من المعرفة بظروف السوق، وتطور الطلب على السلع المختلفة فيه، وجهازا فنيا قادرا على تحليل المناخ العام للسوق، واتجاهات السياسة الاقتصادية في الأجل القصير والطويل، وشبكة مصادر المعلومات لتأمين ما يكفي من بيانات عن المصادر البديلة للسلع ومواصفاتها وأسعارها، فضلا عن الاستعلامات المطلوبة عن العملاء طالبي التمويل. وتوافر ذلك يعني إمكانية قيام البنك بدوره المفترض كتاجر، وليس كممول فحسب " (القرنشاوي ص ٧) .
وواضح أن الدكتور شحاتة يصدر رؤية غير الرؤية التي يصدر عنها الدكتور القرنشاوي. فالدكتور شحاتة يصدر عن سهولة التطبيق وإمكان القيام بالعمل المصرفي الإسلامي غير بعيد عن العمل المصرفي غير الإسلامي، بل وفق فلسفته في السيولة والربحية والضمانة، حتى أن الفرق بين العملين لا يعدو أن يكون خلافا في الشكل والصورة فحسب.
стр. 5772
أما الدكتور القرنشاوي فقد أراد للمصرف الإسلامي أن يقوم بدور أصيل ومتميز في الإتجاهين الشرعي والتنموي معا. فالعملية تتلاشى منها المآخذ الشرعية كلما كانت أكثر جدية، بحيث يكون المصرف مؤهلا فعلا للقيام بعمليات البيع الحقيقية، على أنه تاجر سلع، لا على أنه ممول فحسب، ومن جهة أخرى فإن اتجاه المصارف في عملياتها إلى المرابحة، وإلى المرابحة على السلع المعمرة المستوردة قد أدى إلى إهمال عمليات الاستثمار الإنتاجي الأجل، وإلى " ترسيخ قيمة الربح السريع، وتجنب المخاطرة، وهو ما قد يتعارض مع قيم إسلامية أخرى " " القرنشاوي ص٢ و٨".
مناقشة بيع المرابحة للآمر بالشراء من حيث صحة التسمية:
هذه التسمية هي من تركيب الدكتور سامي حمود (انظر رسالته تطوير الأعمال المصرفية، ط ٢، ص٤٣٠) . ولا يفهم من رسالته أنه قد اختار قطعا إلزام الطرفين بمواعدتهما، وإن كان في ثنايا كلامه ما قد يدل على ميله للإلزام، الذي توضح واستقر فيما كتبه بعد ذلك، ولا سيما من حيث استخدامه لفظ " الآمر بالشراء، بدل " الواعد" بالشراء.
فإذا كان المذهب بعدم الإلزام فالتسمية تبدو غير موفقة، لأن لفظ " الآمر يفيد أن العميل ملتزم بأمره، والمصرف ملتزم بتنفيذ أمر العميل (انظر مقالي في مجلة المسلم المعاصر ص١٨٤) ، فكأنه وكيل مأجور ولا يحسن أن يكون المصرف أجيرا، لأنه يصير أجيرا ومقرضا معا إذ يقرض العميل ثمن الشراء ويتقاضى منه أجرا على وكالته، فتجتمع في العملية شبهة البيع مقرونًا بالسلف، وقد ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع وسلف.))
ولهذا السبب عدل بعض العلماء عن لفظ " الآمر بالشراء " إلى لفظ " الواعد بالشراء "، وبهذا يعبر الاسم عن مرحلتي العملية: مرحلة الوعد، ومرحلة البيع، وذلك بغض النظر بعد ذلك عن المذهب المختار في الوعد، هل هو الإلزام أو عدم الإلزام؟
ويمكن تسمية العملية أيضا " مواعدة على المرابحة"، فهي مواعدة أولا ثم مرابحة، فإن كانت المواعدة غير ملزمة فكل منهما بالخيار.... إلخ.
стр. 5773
مزايا المرابحة المصرفية
المرابحة المصرفية في نظر أنصارها مواتية للعمل المصرفي، لا سيما بالمقارنة مع المشاركة والمضاربة (= القراض) ، فالمصرف يدفع فيها رأس مال معينا، ويتقاضى عليه ربحا معلوما، ويستطيع دعم تمويله بضمان، ويمكنه أن يتخفف قدر الإمكان من أعباء قبض السلعة، فلا يحفظ من القبض إلا على الحد الأدني الذي يبقي على المصرف وساطته المالية وتجارته المالية غير السلعية. فإذا مول عملية ما عرف مسبقا أقساط السداد، وتاريخ سداد كل قسط، وأرباحه من العملية.
وهناك علميات لا يستطيع المصرف تمويلها عن طريق الشركة أو المضاربة، مثل تمويل شراء الفرد سيارة لاستعماله الشخصي، أو أثاثا لمسكنه، حيث لا تجارة ولا ربح يمكن الإشتراك فيه؛ ومثل شراء الحكومة أنابيب لنقل المياه، حيث لا يمكن مشاركة القطاع الخاص للقطاع العام في ملكية الأصل أو إدارته وإيراداته؛ ومثل حال التجار الذين لا يريدون شركاء، بل يؤثرون الدائنين على الشركاء من أجل الحصول على المال (حمود: تطبيقات ص٨) .
ولكن أنصار المرابحة في هذه العمليات التمويلية انطلقوا من أن كل عملية مصرفية تقوم بها المصارف الربوية، يجب أن تقوم بها المصارف الإسلامية، فلم يبينوا ولم يناقشوا مدى أهمية تمويل شراء سيارات للاستعمال الشخصي عن طريق القرض، كما أنهم لم يعملوا أذهانهم لاستكشاف أساليب أصيلة، أو أساليب ملائمة لهذه العمليات أكثر من الديون، مثل فرض ضرائب، أو دين عام بدون فائدة على الأغنياء أو على المصارف، أو الاعتماد على التمويل الذاتي من طريق الادخار والاحتياطي. فالدينُ هَمٌّ بالليلِ ذلٌّ بالنهارِ، ألا ترى إلى هذه البلدان " النامية " المثقلة بالديون، المرهقة بها، حتى لو أعفيت من فوائدها؟
стр. 5774
التفريق بين المرابحة القديمة والمرابحة المصرفية الحديثة
١- السلعة في المرابحة القديمة تكون موجودة حاضرة لدى البائع مرابحة، وغير موجودة ولا حاضرة لديه في المرابحة المصرفية.
٢- المرابحة القديمة تنعقد مرة واحدة في مجلس العقد، أما المرابحة المصرفية ففيها مرحلتان: مرحلة المواعدة، ومرحلة المعاقدة.
٣- المواعدة في المرابحة المصرفية قد تكوين ملزمة، مع أن الثمن لا يزال مجهولا، إذ لم يشتر المصرف السلعة بعد، ولم يعرف كلفتها (= ثمنها الأول) أما الثمن في المرابحة القديمة فمعلوم في المجلس.
٤- في المرابحة القديمة يكون البائع مرابحة قد اشترى السلعة لنفسه بلا ريب، سواء للانتفاع بها، أو للاتجار بها، وقد يمضى وقت بين شرائها وإعادة بيعها. أما في المرابحة المصرفية فلا يشتري المصرف السلعة إلا بناء على طلب العميل ووعده بشراء السلعة، فهو يشتريها لا لكي ينتفع بها، بل ليعيد بيعها بمجرد حصوله عليها.
٥- المرابحة القديمة قد تكون مرابحة حالَّة أو مؤجلة، أما المرابحة المصرفية فالغالب أنها مؤجلة، فالمصرف يشتري السلعة بثمن نقدي، ليعيد بيعها بثمن مؤجل.
٦- المرابحة القديمة إذا كانت حالَّة فربح البائع فيها كله ربح نقدي لقاء جهده ووقته ومخاطرته، أما المرابحة المصرفية المؤجلة فربح المصرف فيها كله ربح ناشئ عن التأجيل، أي ربح في مقابل الأجل. ولو أراد المصرف الحصول أيضا على ربح نقدي لارتفعت كلفة التمويل، بما قد يؤدي إلى إحجام العميل عن التعامل معه. وغالبا ما لا يعترف العميل للمصرف إلا بدوره التمويلي في العملية. أما الدور التجاري فهو ما ينهض به العميل، وتدخل المصرف في هذا الدور ليس إلا من باب تحلة العمل.
٧- المرابحة القديمة فيها خلاف بين الفقهاء حول ما يجب أن يدخل في الثمن الأول أو لا يدخل، من مصاريف وأجور وسواها. أما المرابحة المصرفية فالأمر فيها ههنا سهل، إذ كل التكاليف تدخل في الثمن الأول، وما قد يقال بعدم إدخاله في الثمن، كمصاريف التأمين مثلا، يمكن إدخاله في الربح.
стр. 5775
٨- في المرابحة القديمة قد يكون البائع مرابحة أدخل على السلعة قيمة مضافة من إصلاح أو تصنيع أو مداواة أو خياطة أو صباغة. أما في المرابحة المصرفية فالمصرف لا يدخل على السلعة أية إضافة، فهو تاجر يشتري السلعة ليعيد بيعها فورًا كما هي.
٩- في المرابحة القديمة قد تكون السلعة قابلة للزيادة والنماء، كأن تكون حيوانا يسمن ويكبر ويلد، أو شجرًا يثمر. أما المرابحة المصرفية فتجري على سلع غير قابلة للنماء، لأن المصرف لا يتحمل مثل هذه المسؤوليات في التكاثر والعلف والنماء.
ولذلك كان جديرًا بمن بحث المرابحة المصرفية أن لا يعرض للمرابحة القديمة إلا في حدود صلتها بالمرابحة المصرفية، فتفصيل ما يضاف وما لا يضاف إلى الثمن الأول، والتعرض للسلع الحيوانية أو النباتية القابلة للنماء ... كل هذا وأمثاله لا قيمة له في المرابحة المصرفية الحديثة، ولا حاجة للإطالة به. أما ما أشار إليه المالكية من وجوب تفصيل عناصر الثمن الأول أو الاكتفاء بالإجمال فمناقشته مهمة ومفيدة، والله أعلم.
زيادة الثمن المؤجل على المعجل في المرابحة
إذا اشترى البائع مرابحة السلعة بثمن معجل، وكانت المرابحة معجلة، أي بثمن معجل، فههنا لا مشكلة. لكن قد يحدث أحيانا أن يكون البائع مرابحة قد اشترى السلعة بثمن مؤجل، فإن باعها مرابحة للأجل نفسه (ثلاثة أشهر مثلا إذا كان الأجل الأول ثلاثة أشهر) فلا مشكلة أيضا. أما إذا اشتراها بثمن مؤجل ثم باعها بثمن مؤجل إلى أجل أقل، فلا بد للبائع مرابحة من بيان هذا للمشتري، لأن للزمن حصة من الثمن عند جمهور الفقهاء، والأثمان تختلف باختلاف الأزمان (= الآجال) . قارن البعلي ص٦٩- ٧٠ و١٩٣-١٩٤، وأحمد علي عبد الله ص ٧٢ – ٧٤ و٨٥ – ٩٢ و١٢٦- ١٢٨.
стр. 5776
وزيادة الثمن للأجل جائزة، وليست ربا محرما كما وهم بعض الناس، وقد دافعت عن ذلك نقلا وعقلا في غير هذا الموضع " انظر مقالي بمجلة الأمة: القول الفصل في بيع الأجل ص ٥٤: وكتابي: الربا والحسم الزمني ص ٣٣) .
ولكن زيادة الثمن للأجل قد تصير حراما إذا اتخذت ذريعة للربا الحرام. فالبائع قد يبيع بثمن مؤجل مقداره مائة، ثم يخصم هذا الثمن (الممثل بورقة تجارية: سفتجة أو سند إذنى) لدى مصرف، فيحصل مثلا على تسعين في الحال. فالبيع بثمن مؤجل أعلى من المعجل جائز، ولكن قيام البائع بخصم الثمن المؤجل لدى المصرف حرام، لأن من شأنه أن المصرف يقرض البائع تسعين حالّة في مقابل مائة مؤجلة، وهذا ربا قرض أو ربا نسيئة محرم.
وقد تصير الزيادة في الثمن المؤجل على المعجل موضوعا لبعض الحيل الربوية، فيبيعه بثمن مؤجل ويشتري منه ما باعه بثمن معجل، أو يبيعه بثمن مؤجل إلى أجل معلوم، ويشتري منه ما باعه بثمن مؤجل إلى أجل معلوم أدنى من الأجل الأول، فهذا ينقل البيوع من بيوع أجل جائزة إلى بيوع آجال غير جائزة (بيوع عينة) . فلا بد إذن من التفريق بين بيوع الأجل وبيوع الآجال، وهذه العبارة الأخيرة استخدمها بعض الفقهاء (المالكية وغيرهم) للتعبير عن الحيل الربوية.
ومن هذا الباب حديث عائشة مع زيد بن أرقم، إذ بيع العبد بثمن نقدي مقداره ٦٠٠ دينار، ومؤجل مقداره ٨٠٠دينار (الأم ٣/٦٨، والمحلى ٩/٦٠، وبداية المجتهد ٢/١٣٩) . والخلاف بين العلماء في هذا الحديث ليس خلافا في زيادة الثمن المؤجل على المعجل، بل هو خلاف فيما وراء ذلك، حول بيع العبد بـ ٨٠٠ دينار مؤجلة وإعادة شرائه بـ٦٠٠ دينار معجلة.
وقد ميزت فيما كتبت سابقًا بين جواز البيع بثمن مؤجل أعلى من المعجل، وبين عدم جواز اتخاذ هذا الجواز سبيلًا إلى العينة أو بيوع الآجال، فحسبه بعض القراء من باب التناقض (أبو غدة ص٢١) .
стр. 5777
اختلاف صور المرابحة المصرفية من مصرف إسلامي إلى آخر
لا يمكن القول إن المصارف الإسلامية تستوي جميعا في موقفها من بيع المرابحة، بحيث تتفق على صورة أو صور موحدة منه. فهناك مصارف تطبق الإلزام بالمواعدة على كل من المصرف والعميل، فيلتزم المصرف بشراء السلعة وبيعها إلى العميل، كما يلتزم العميل بشراء السلعة من المصرف. وثمة مصارف أخرى تطبق الإلزام بالوعد على المصرف فقط، دون العميل. فإذا اشترى المصرف السلعة التزم ببيعها إلى العميل إذا رغب العميل في ذلك. وربما لا توجد مصارف تطبق عدم الإلزام، أي الخيار، بالنسبة لكل من المصرف والعميل، إلا أنه يمكن القول بأن المصارف التي تلزم نفسها دون العميل ليست بعيدة عن الخيار للطرفين، لأن المصرف غير ملزم بشراء السلعة، إنما يلزم فقط ببيعها إذا اشتراها.
وهناك مصارف تطبق الإلزام في المرابحات الخارجية، والخيار في المرابحات الداخلية (أبو غدة ص٦ و ١٤) .
وهناك مصارف تحدد الثمن الأول والربح منذ المواعدة (حمود: تطبيقات ص١٤) . ومصارف تحدد الربح عند المواعدة، ولكنها لا تحدد الثمن الأول إلا بعد شراء السلعة.
وهناك مصارف تشتري السلعة لنفسها أولا، وربما تودعها في مخازن لها، قبل بيعها، وهناك مصارف أخرى لا تشتري السلعة إلا بناء على طلب العميل، ولحسابه.
وربما أخذت المرابحة، في بعض الأحيان، صورة " اتفاق مسبق بين البنك وبعض الموردين على تصريف سلعهم "، فإذا اتجه العميل إلى المورد أرسله المورد إلى البنك لكي يصدر له أمر توريد، ويوكله في عمليات المرابحة (محمد عبد الحليم عمر ص ١٥) .
وقد تكون المرابحة بأن يمنح المصرف النقود للآمر بالشراء ليشتري السلعة بنفسه، ثم يبيعها لنفسه (حمود: تطبيقات ص١٥) .
وربما جرت المرابحة بأن يشتري المصرف سلعة ما من عميله بثمن نقدي، ثم يبيعها إليه بثمن مؤجل أعلى. وقد لا يكون مهما حضور السلعة أو غيابها في مجلس العقد، بل قد لا يكون مهما أن يكون وجودها حقيقيا أو موهوما، لأنها دخلت في المجلس لتخرج في المجلس نفسه (محمد فهيم خان ص٣) .
لقد أغرق بعض الفقهاء في الحيل، وزادها بعض " المنفذين " إغراقا، وجعلوا العملية أشبه باللعبة منها بالجد. وربما لهذا السبب يعتبر البنك المركزي المصري عملية المرابحة عملية قرض (شلبي ص٢٧) .
стр. 5778
هل المرابحة المصرفية عملية مستحدثة؟
زعم بعض الكاتبين أن المرابحة المصرفية عملية مستحدثة، إما لعدم اطلاعه على أقوال الفقهاء في هذا الباب، وإما لأنه أراد الذهاب فيها إلى مذهب آخر لا يوافق فيه مذاهبهم. وسنبين في هذه الدراسة أن شراء شيء بثمن نقدي وبيعه بثمن مؤجل ليس أمرا جديدا على الفقه الإسلامي، كما سنبين أن المواعدة في هذه العملية إذا كانت ملزمة لم يجزها أي مذهب من المذاهب الفقهية الأربعة. وهذا دليل على أن العملية ليست مستحدثة.
ويبدو أيضًا أن العثمانيين قد لجأوا أيضا إلى المرابحة وأصدروا قانونًا سمى " قانون المرابحة العثماني في المسائل المدنية" (ذكره السنهوري في مصادر الحق٣/٢٤٨، وانظر أيضا نظام المرابحة في الجزء الثاني من مجموعة القوانين ليوسف صادر، ص ٢٦٢- ٢٦٣. وننقل نصه لعدم تيسر الرجوع إليه) :
نظام المرابحة
المادة ١- اعتبارا من تاريخ نشر هذا النظام تعين تسعة في المائة فائدة سنوية حدا أعظم لكل أنواع المداينات العادية والتجارية (١) .
المادة ٢- إن مقاولات الفائدة التي عقدت على حساب ١٢ في المائة قبل تاريخ نشر هذا النظام هي مرعية ومعتبرة إلى يوم إعلان هذا النظام.
المادة ٣- إذا تبين وقوع مقاولة على فائدة زائدة عن حدها النظامي، إما صراحة في السند بين الدائن والمديون، أو بثبوت ضمها إلى رأس المال، فيصير تنزيل مقدار الفائدة السنوية إلى تسعة في المائة.
المادة ٤- فائدة الديون مهما مر عليها من السنين، فلا يجب أن تتجاوز مقدار رأس المال، وجميع الحكام ممنوعون من الحكم بالفائدة التي تتجاوز رأس المال.
المادة ٥- إن إجراء الفائدة المركبة في الاقتراضات غير جائز إلا:
أولا – إذا لم يصر تسليم دفعات من طرف المديون في ظرف ثلاث سنوات على حساب المبلغ المستقرض.
ثانيا – إذا حصل اتفاق بين الدائن والمديون على ضم فائدة الثلاث السنوات التي صار إجراء تمشية حساب الفائض بها إلى أصل المال، فيمكن حينئذ تمشية فائدة مركبة لأجل ثلاث سنين فقط. وإن معاملات الفائض المركب الناشئ عن الحساب الجاري بين التجار توفيقا لأحكام قانون التجارة هي مستثناة.
стр. 5779
المادة ٦- إنه ما دامت معاملة الإقراض والاستقراض جارية بين الدائن والمدين، فسواء أريد نقل (لعله خطأ صوابه: قفل) الحساب أو تجديد سند الدين، فإن دعوى تنزيل الفائدة إلى الحد النظامي هي مسموعة، أما إذا صار أداء الدين وصار قطع المعاملات بين الدائن والمديون فإن دعوى استرداد الفائض الفاحش تكون غير مسموعة.
المادة ٧- إن نظام المرابحة المؤرخ في ١٦ أيلول سنة ١٢٨٠هـ (لعل صواب هذه السنة ١٨٨٠م) هو مفسوخ اعتبارا من تاريخ نشر هذا النظام.
المادة ٨- أن نظارة العدلية مكلفة بتنفيذ أحكام هذا النظام.
في ٩ رجب سنة ١٣٠٤ هـ
وفي ٢٢ مارس سنة ١٣٠٣ م (لعل الصواب ١٨٨٦م)
ومن هذا النظام نستنتج ما يلي:
١- أنه في أيام العثمانين قد صدر نظام مرابحة مؤرخ في ١٦ أيلول (سبتمبر) ١٨٨٠م، نسخه هذا النظام الجديد المؤرخ في ٢٢ آذار (مارس) ١٨٨٦م.
٢- الفائدة، والفائض (انظر المادة ٥و٦) ، والمرابحة في لغة هذا النظام أو القانون هي بمعنى واحد.
٣- المقصود بالمرابحة هو الزيادة في المداينة في مقابل الزمن.
٤- وقد تدخل القانون العثماني لوضع حد أعلى (سقف) لهذه المرابحة لا يجوز تجاوزه، كان ١٢ % قبل صدور هذا النظام، وصار في ظله ٩ %، وهذا المعدل لا يزال يعتبر في بعض القوانين العربية أعلى معدل فائدة مسموح به قانونا، وهو معدل فوائد التأخير في السداد الذي يكون أعلى من معدل الفوائد التعويضية.
٥- لا يجوز أن تتجاوز الفوائد مقدار أصل المال مهما كان أجل الدين. ومن شأن هذا بالطبع أن لا يتم الإقراض إلا لآجال قصيرة.
стр. 5780
٦- حدد القانون الحالات التي يجوز فيها اللجوء إلى الفائدة المركبة (= الفائض المركب)
وهذه الحالات هي:
أ – إذا تأخر المدين في دفع أحد الأقساط لمدة بلغت ثلاث سنوات، أو لم يسدد أي قسط خلال هذه المدة، لا نتيجة تأخير، بل نتيجة اتفاق.
ب – واتفق الطرفان (الدائن والمدين) على سريان هذه الفائدة المركبة لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات. ويلحظ أن القانون استخدم لفظ " التمشية " بمعنى اللفظ المستخدم اليوم وهو " سريان " أو " تحقيق سريان ".
جـ – الحسابات الجارية بين التجار.
٧- لا تسمع دعوى تنزيل الفائدة إلى الحد النظامي إذا تم سداد الدين، وصفي الحساب بين الطرفين، ولم يبق منه شيء.
هذا ويلاحظ أن مجلة الأحكام العدلية، وهي القانون المدني العثماني، قد سكتت عن أي نص فيها يحرم الربا. وسادت أيام العثمانيين حيل فقهية كثيرة للتغلب على حرمة الربا، من هذه الحيل ما أطلق عليه بيع المعاملة، وهو أن يبيعه المقرض شيئا بأكثر من ثمنه، أو يبيعه المقترض شيئا بأقل من ثمنه، تمكينا للمقرض من وصوله إلى منفعة القرض (انظر حاشية ابن عابدين، فصل في القرض، مطلب كل قرض جر نفعا حرام، ج٥ ص١٦٦، وانظر التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري، لصالح أحمد العلي بيروت، دار الطليعة، ط ٢، ١٩٦٩م ص٢٩٠) .