الثبات النسبي للقوة الشرائية للذهب:
هذه الظاهرة في النقود الورقية، وهي الهبوط المستمر لقوتها الشرائية، تختلف بها عن النقود الذهبية والفضية، فإن النقود الذهبية والفضية ذات ثبات نسبى من حيث قوتها الشرائية على مدار التاريخ. ونحن نجد في السنة النبوية المأثورة مواضع تعرف منها القوة الشرائية للنقد الذهبي في ذلك العهد، ونقارنه بالقوة الشرائية للذهب في عصرنا الحاضر، فلا نكاد نجد فرقا يذكر، ومن ذلك على سبيل التمثيل:
١ – حديث جابر بن عبد الله الأنصاري، وفيه ((أن النبي ﷺ اشترى منه جملا " بأوقية " وفي رواية أخرى " بأوقية ذهب)) وهناك روايات بتقديرات أخرى، (انظر جامع الأصول: ١ / ٥٠٧، كتاب البيوع / فصل في الشرط والاستثناء) .
ورجح بعضهم رواية " بأوقية ذهب " على غيرها، والأوقية كما في القاموس ولسان العرب: سبعة مثاقيل. ولما كان المثقال ٢٥ر٤ غراما فإن ثمن ذلك الجمل كان يساوى ما زنته (٣٠) ثلاثون غراما من الذهب وسعر الذهب اليوم (٢٧/٣/١٩٨٧ م) = ٣.٦٠٠ دينارا كويتيا للغرام فذلك (١٠٨) دينار كويتى، وهذا المبلغ الآن يكاد يساوى قيمة جمل.
٢ – وأيضًا في السنة في باب الديات، أن النبي ﷺ فرض على أهل الإبل الدية مائة ناقة، أو ألف مثقال من الذهب. مما يقرب أن معدل قيمة الناقة كانت عشرة مثاقيل من الذهب، أي ٤٢.٥ غرام من الذهب وتساوى الآن ١٥٣ دينارا كويتيا تقريبا وهي تشترى ناقة أو تكاد. (ويلاحظ أن العرب كانت ولا تزال تفضل الناقة على الجمل في الثمن، لما تأمله من نتاجها) .
٣ – وفي السنة أيضًا أن النبي ﷺ أعطى عروة البارقي دينارا (ذهبيا) ليشتري به شاة، فذهب فاشترى به شاتين، فباع واحدة منهما بدينار وأتى النبي ﷺ بشاة ودينار، فدعا له بالبركة في بيعه.
فهذا يدل على يدل أن معدل قيمة الشاة أيام النبوة كان ما بين نصف دينار، والدينار، (٤.٢٥ غرام من الذهب) ، يساوى الآن (١٥.٣) دينارا كويتيا تقريبا وهي تكاد تشتري شاة من شياه الحجاز، وهي أصغر من شياه الشام والعراق التي تساوى عندنا بالكويت اليوم ما قيمته ٣٠ دينارا كويتيا تقريبا.
٤ – وفي حديث أبي بكر ﵁ -في الزكاة، أن من وجبت عليه بنت لبون، فلم يجدها، ووجد بنت مخاض، فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما.
وهذا يدل على أن معدل قيمة الشاة الواحدة كانت في زمن النبوة عشرة دراهم، والدراهم العشرة كانت تساوى دينارا ذهبيا. فهذا يؤيد ما استفيد من حديث عروة البارقى المتقدم.
من هذا نستطيع أن نقول: إن القوة الشرائية للذهب في زمن النبي ﷺ كانت تساوى ١٠٠ % أو ١٢٠ % مما هي عليه الآن لا أكثر.
стр. 6197
الثبات النسبي للقوة الشرائية للفضة:
لم تكن الفضة فيما يظهر ثابتة كثبات الذهب من حيث القوة الشرائية. فقد تقدم أن حديث عروة البارقي، وحديث أبي بكر، يدلان على أن قيمة الشاة في زمن النبوة كانت عشرة دراهم. فإذا كان الدرهم الفضي يزن ٣ غرامات تقريبا فإن قيمة الشاة كانت ثلاثين غراما من الفضة، وهذا المبلغ يساوى اليوم فقط دينارين كويتيين، حيث أن سعر الفضة ٦٧٣ دينارا للكيلو غرام مما يدل على أن القوة الشرائية للفضة كانت في زمن النبوة أكبر بالنسبة إلى ما هي عليه الآن.
مدى سقوط القوة الشرائية للورق:
نبادر هنا لبيان مدى هبوط القوة الشرائية للعملات الورقية لتتم المقارنة مع ثبات القوة الشرائية للذهب والفضة.
فالمعروف أن العملات الورقية دخلت البلاد العربية والخلافة العثمانية في تركيا كعملات رسمية لها بعد الحرب العظمى الأولى بقليل، أي منذ ستين عاما تقريبا، وكان كل من الجنيه الفلسطيني والجنيه المصري والليرة التركية الورقية ـ كأمثلة للموضوع ـ يساوى كل منهما جنيها ذهبيا (٧ غرامات ذهبية صافية تقريبا) .
فلننظر إلى ما آل إليه الأمر الآن:
١ – الجنيه الذهبي يساوى الآن ٣٣ دينارا أردنيا (وهو الذي حل محل الجنيه الفلسطيني وكان يساويه في القيمة) .
٢ – الجنيه الذهبي يساوى الآن ١٩٠ جنيها مصريا.
٣ – الجنيه الذهبي يساوى الآن ٤٥٠٠٠ ليرة تركية ورقية.
ومعنى ذلك أن القوة الشرائية هبطت في مدى ستين عاما فقط للعملات الورقية الثلاث كما يلي:
стр. 6198
هبطت قيمة العملة الورقية الأردنية إلى جزء واحد من ٣٣ جزءا من قيمتها الأصلية، أي هبوط بمعدل نسبة ٥ % سنويا تقريبا.
وهبطت قيمة العملة الورقية المصرية إلى جزء واحد من ١٩٠ جزءا من قيمتها الأصلية، أي بمعدل نسبة ٨.٤ % سنويا تقريبا.
وهبطت قيمة العملة الورقية التركية إلى جزء واحد من ٤٥٠٠٠ جزءا من قيمتها الأصلية أي بمعدل نسبة ١٦.٤ % سنويا (١) . .
فقارن هذا بمدى استقرار سعر الذهب من عصر النبوة إلى الآن (أي في مدى ١٤٠٠ سنة) ، تجد أنه لم ينخفض أصلا، أو انخفض بنسبة ضئيلة جدا بمعدل لا يكاد يذكر. وهبطت الفضة إلى جزء واحد من سبعة أجزاء من قيمتها في المدة نفسها.
ولعل هذا ما دعا بعض فقهائنا إلى أن يقرر أن الذهب والفضة أثمان خلقة، أي أن لهما قيمة ذاتية، فقد خلقا ليكونا أثمانا، أي مقاييس متميزين بالثبات.
على أننا ندرك أن القوة الشرائية للذهب والفضة تهتز نسبيا في أزمات الكساد، أو حالات كثرة العرض أو قلته بالنسبة للسلع، أو كثرة العرض أو قلته بالنسبة للذهب والفضة أيضًا، وأنه لو لم يستعمل الورق كعملة في هذه العصور الأخيرة لضاق الذهب والفضة عن أن يتسعا للمعاملات، ولربما كانت قوتهما الشرائية زادت أضعافا مضاعفة.
وفي السنة النبوية ما يشير إلى أنه سيأتي في آخر الزمان وقت " يكثر فيه استخراج الذهب والفضة، حتى تهبط قيمته هبوطا حادا سريعا، بل قد يفقد قيمته نهائيا. وذلك ما رواه مسلم نشر عبد الباقي (٢ /١٨ كتاب الزكاة، ح ٦٢) ، والترمزي من حديث أبي هريرة ﵁ -أن النبي ﷺ قال: ((تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان (أي الأعمدة) من الذهب والفضة، فيجئ القاتل فيقول: في هذا قتلت. ويجئ القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي. ويجئ السارق فيقول: في هذا قطعت يدي. ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا))
стр. 6199
أحكام النقود الورقية
نتعرض لذلك في فصلين أحدهما خاص بالربا فيها، والثاني خاص بالزكاة.
الفصل الأول
الربوية في النقود الورقية
إن فكرة استعمال النقود من غير الذهب والفضة فكرة قديمة لا يبعد أن تكون قارنت استخدام الذهب والفضة لذلك، وربما تقدمت عليهما. فقد استعملت الفلوس من النحاس وغيره، واستعمل الودع والخرز لذلك.
أما فكرة استخدام الورق فلم تخرج إلى حيز التنفيذ فيما نعلم في تراثنا الإسلامي، ولكنها طرأت على بال فقهاء المسلمين، وأثبتت في كتبهم قديما، من ذلك قول الإمام مالك ﵁، كما في المدونة في باب الصرف (١) .: (لو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين، لكرهتها أن تباع بالذهب والورق (أي الفضة) نظرة) .
لكن لم يتوسع العلماء في بحث أحكام النقود الورقية إلا بعد دخولها في حيز التداول الفعلي.
وقد اختلف العلماء في تكييف الأوراق النقدية، وتطبيق الأحكام الشرعية عليها، على أقوال:
فقيل:
١ – هي ديون على الجهة المصدرة لها.
٢ – وقيل هي عملات مستقلة ذاتيا، تعامل كالعملات الذهبية والفضية، إلا أنها أجناس مستقلة من النقود، وتكون العلاقة بين كل جنس وجنس منها كعلاقة الذهب بالفضة.
٣ – وقيل هي عروض تكون للتجارة إن قصدت لها، كما هي عند الصيارفة، وقد تكون للتجارة، كمن يقتنيها ويدخرها لينفق على نفسه وأهله.
ونحن نبحث كلا من هذه الأقوال بتوسع.
стр. 6200
القول الأول (أنها دين) :
ووجهه أنها في الأصل نائبة عن العين، بتعهد من الجهة المصدرة لها بدفع قيمتها، أو هي مستند بذلك الدين.
وقد كان هذا القول قويا، والقائلون به مطمئنين إليه، عندما كان التعهد بدفع قيمتها قائما. ووجهه أنها لا قيمة لها في ذاتها، لكن لما كان يقابلها مقدار محدد من الذهب أو الفضة مودع في خزانة الدولة المصدرة لها، فإن المتعامل بها إذا أخرجها من يده إلى يد أخرى يعتبر قد أحال بذلك الدين الذي له على الدولة شخصا آخر، فهي حوالة، سواء كان مشتريا منه أو مستأجرا أو مستوهبا، أو أخرجها من يده كصداق امرأة أو بأي صورة من الصور المشروعة.
وبناء على هذا القول أوجبوا الزكاة فيها كزكاة الدين.
لكن الذين قالوا بهذا القول اصطدموا بعقبات مهمة، وذلك بسبب القيود الشرعية على تداول الدين. فمن المعلوم أنه لا يجوز شرعا بيع الدين بالدين لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك.
ففي الحديث أنه ﷺ ((نهى عن بيع الكالئ بالكالئ)) .
فلذلك لا يجوز ـ على هذا القول ـ جعل النقود الورقية رأسمال سلم، أو ثمنا لعين موصوفة في الذمة، لو سلمت الثمن الورقي نقدا.
وأيضًا ـ بناء على هذا القول ـ لا تصلح المشاركة بالنقود الورقية، لأن الدين لا يكون رأسمال شركة.
وأيضًا يمنع ذلك صحة الصرف إذا صرفت ورقا نقديا بورق نقدي من جنس آخر.
وأيضًا يمنع اعتبارهما دينا من شراء الذهب والفضة بهما، لأن ثمن شرائهما لا يكون دينا، إذ لا بد من التقابض.
وأيضًا القائلون بعدم وجوب الزكاة على الدائن وجدوا في هذا القول مخرجا، بناء على القول بأن زكاة الدين هي على المدين، أو القول الآخر بأن الدين لا زكاة فيه على الدائن ولا على المدين.
إلا أنه مع ذلك كان لهذا القول وجه عندما كان لدى الحكومات استعداد لدفع القيمة الاسمية لتلك الأوراق بالذهب. أما الآن فلا وجه له، إذ ليس هناك استعداد لذلك مطلقا.
стр. 6201
القول الثاني (أنها عروض غير ربوية) :
فيجوز بيع بعضها ببعض متساوية أو متفاضلة، حالة أو مؤجلة، لا ضير في ذلك، بشرط قبض أحد العوضين في المجلس، وإذا كانت للتجارة فتجب فيها الزكاة، وإلا فلا. ولا تنطبق أحكام الصرف عند بيع ورق نقدي منها بورق نقدي آخر وعند بيعها بذهب أو فضة.
وقد استدلوا لهذا القول بأمور:
١ – أنها ليست بذهب ولا فضة، فلا تنطبق عليها النصوص الواردة بمنع المراباة في الذهب والفضة بل هي باقية من هذه الجهة على حكم الإباحة الأصلية وعلى هذا يجري مذهب الظاهرية.
وأيضًا بتتبع العلل الربوية التي ذهب إليها العلماء في تعليل حرمة الربا علم أنها غير موجودة في الورق النقدي، فيمتنع الإلحاق.
فإن الحنفية عللوا حرمة الربا في الذهب والفضة بكونهما (أثمانا خلقة) وهذا غير موجود في الورق النقدي لأن ثمنيته اصطلاحية، ولأن ثمنية الذهب والفضة لا تبطل بحال، بينما ثمنية الورق تبطل بالإبطال ممن يملكه.
والشافعية قالوا: العلة في الذهب والفضة جوهرية الثمن غالبا، فيختص بالذهب والفضة.
وعن أحمد روايتان: إحداهما: أن علة ربويتهما الوزن، والأخرى جوهرية الثمن، كقول الشافعي.
فعلى جميع هذه التعليلات لا يقاس الورق على الذهب والفضة، لأن الورق ليس بثمن خلقة بل بالاصطلاح، ولأنه لا يباع بالوزن.
٢ – قياس النقود الورقية على الفلوس المعدنية: فإن النقود الورقية ليست أقرب إلى الذهب والفضة من قربها إلى الفلوس. وقد كانت الفلوس موجودة على عهد النبوة كما تقدم، ولم يرد عن النبي ﷺ أنه جعل فيها ربا كما جعل في الأصناف الستة المعروفة. وكانت الفلوس موجودة طيلة العهود الإسلامية وكان قول كثير من علماء المسلمين فيها أنها لا يدخلها الربا، وذلك موجود في كتب فقهاء الإسلام، منتشر فيها بكثرة لا تخفى على المطلعين.
стр. 6202
ـ على أن هذا لا يعنى اتفاقهم على ذلك، فقد ذهب البعض إلى أنها ربوية.
فمما جاء في كلامهم أنها ليست ربوية:
(أ) ما نقله السيوطي في الحاوي (١/١٠٤) ، عن إبراهيم النخعي أنه قال: لا بأس بالسلف في الفلوس، وقال: أخرجه الشافعي في الأم والبيهقي دليلا على أنه لا ربا في الفلوس. وعن مجاهد: لا بأس بالفلس بالفلسين يدا بيد، وعن حماد مثله.
(ب) وفي فقه الحنفية:
ـ جاء في كنز الدقائق: يصح بيع الفلس بعينه بالفلسين بأعيانهما. وفي شرحه البحر الرائق لابن نجيم: إن ذلك صحيح عند أبي حنيفة وأبى يوسف. وقال محمد: لا يجوز.
وقالوا في فلسين بغير أعيانهما بفلس بعينه: إنه غير جائز (١) . وهذا يعنى أنها ربوية.
- ولكن في الفتاوى الهندية: إذا اشترى الرجل فلوسا بدراهم ونقد الثمن ولم تكن الفلوس عند البائع فالبيع جائز.
- وفي المبسوط: إن اشترى خاتم فضة أو ذهب بكذا فلسًا وليست عنده فهو جائز.
(ج) في فقه المالكية:
- جاء في المدونة في كتاب الزكاة ما نصه: (قال ابن القاسم: سألت مالكًا عن الفلوس تباع بالدراهم والدنانير نظرة) أي تأخيرًا (أو يباع الفلس بالفلسين. فقال مالك: إني أكره ذلك وما أراه مثل الذهب والورق) أي الفضة (في الكراهية) .
وفي باب الصرف من المدونة ما نصه: قال ابن القاسم في الفلوس: (إنها ليست عند مالك بمنزلة الدنانير والدراهم، وإنه قال في شرائها بالدنانير والدراهم: أكرهه ولا أراه حراما كتحريم الدراهم) . (انظر المدونة٤/١١٥) , (أقول: ولعله إنما كرهه لما فيها من شبهة الثمنية، ولم يحرمه لأن التحريم يعتمد الدليل الصحيح، ولا دليل) .
- وفي حاشية العدوى على شرح الخرشي: المشهور في الفلوس أنها لا يدخلها الربا.
стр. 6203
(د) وفي فقه الشافعية:
- جاء في منهاج الطالبين للإمام النووي وشرحه للمحلى ٢/١٧٠: (النقد بالنقد أي الذهب والفضة مضروبًا كان أو غير مضروب، كطعام بطعام، فإن بيع بجنسه اشترط المماثلة والحلول والتقابض قبل التفرق. ولا ربا في الفلوس الرائجة في الأصح، فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلا وإلى أجل) . ـ وفي روضة الطالبين للنووي (١٢/٣٨٧) (الصحيح أنه لا ربا في الفلوس ولو راجعت لانتفاء الثمنية الغلبة) .
ـ وفي شرح المنهج للشيخ زكريا الأنصاري (٤/٤٥، ٤٦) (إنما يحرم الربا في نقدين ذهب وفضة، ولو غير مضروبين، كحلي وتبر , بخلاف العروض، كفلوس وإن راجت) .
(هـ) في فقه الحنابلة:
ـ جاء في شرح منتهى الإرادات ما نصه (لا ربا في فلوس يتعامل بها عددا، ولو كانت نافقة، لخروجها عن الكيل والوزن وعدم النهي والإجماع) .
ـ جاء في شرح الإقناع (يجوز بيع فلس بفلسين عددا، ولو نافقة، لأنها ليست بمكيل ولا موزون، أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن مجاهد قال: لا بأس بالفلس بالفلسين يدا بيد. ثم ذكر عن نص أحمد رواية أخرى: أنه لا يباع فلس بفلسين، ولا سكين بسكينين) .
ـ وفي نيل المآرب بشرح دليل الطالب (لا يجري الربا فيما أخرجته الصناعة عن الوزن، كالثياب والسلاح والفلوس والأواني، غير الذهب والفضة) .
ـ وفي المغنى لابن قدامة (٤/٧، ط ٣) (إن الراجح جواز بيع الفلس بالفلسين، وهو قول الثوري وأبى حنيفة وأكثر أهل العلم، لأنه ليس بموزون ولا مكيل، إذ لا معنى لثبوت الحكم مع انتفاء العلة وعدم النص والإجماع) .
هذا وقد نص الإمام مالك على أنه لا يرى التحريم في بيع الأوراق النقدية بالذهب والفضة مع التأجيل كما تقدم نقله، وإنما مذهبه فيها كراهة ذلك. والكراهة داخلة في في حيز الجواز دون حيز التحريم.
ونص من أتباعه على الجواز الشيخ عليش في فتاواه، على أن (الكاغد الذي فيه ختم السلطان ويتعامل له كالدراهم والدنانير لا زكاة في عينه إن كانت عند من احتكرها. لكن إن كانت عند من يريدها فيحمل محمل العروض) وواضح وجه ذلك عند المالكية كما تقدم إيضاحه.
ومقصوده بمن يديرها أي من يتجر بها، فيشتريها ويبيعها، وهم الصيارفة ومن يعمل مثل عملهم.
стр. 6204
القول الثالث (أنها عملة نقدية قائمة بذاتها) :
تعامل معاملة الذهب والفضة إلا أنها شيء آخر، ليست هي الذهب، وليست هي الفضة، وليست هي قائمة مقام الذهب ولا الفضة، بل هي أجناس أخرى بحسب الدول المصدرة لها، فالدنانير الكويتية جنس، والدنانير العراقية جنس ثان، والدولارات الأمريكية جنس ثالث وهكذا.
ودليل هذا القول دليل واحد وهو القياس على الذهب والفضة بجامع الثمنية.
وهذا القول هو السائد الآن في الأوساط الإسلامية الملتزمة بالشريعة، على ما فيه من الأضرار والأخطار، كما سيتبين في بقية هذا البحث. وقد درج عليه غالبية المسلمين الملتزمين في التعامل، فإنهم في الحقيقة لم يتعاملوا بالنقود الورقية كمستندات ديون، ولم يتحرجوا من إسلافها في السلع، ولا من صرف بعضها ببعض، ولكنهم تحرجوا من بيع الجنس الواحد منها بعضه ببعض مؤجلا أو متفاضلا، واعتبروا ذلك – إذا وقع – وتحرجوا من شراء الذهب أو الفضة أو بيعهما بالورق النقدي دون تقابض. وصدرت الفتاوى من كثير من المفتين بهذا القول، وصدرت قرارات من بعض المجامع الفقهية بموجبه.
стр. 6205
من أين نشأ القول بأن الأوراق النقدية أجناس ربوية:
الذي نراه أنه عندما كانت النقود الورقية مرتبطة بالذهب ارتباطا صحيحا، وكان التعهد قائما بصرف قيمتها لحاملها طبقا لما هو مكتوب فيها، قياما حقيقيا، وكانت تباع وتشترى طبقا لما فيها (أي: جنيه واحد ورقى بجنيه واحد ذهبي) فإن حكمها الشرعي في تلك الحال هو أن تعامل معاملة الذهب، ويجرى بينه وبينها الربا، ولا إشكال في ذلك. وعلى هذا درج التعامل أول ما صدرت النقود الورقية، واعتبرت بمثابة الذهب من كل وجه، فكان الإفتاء بذلك إفتاءً صحيحًا، والحكم بذلك العصر واقعا في محله.
ولكن الذي طرأ أن انفك الارتباط بين الورق وبين الذهب منذ أوائل الحرب العظمى الثانية أو قبل ذلك، وقد سار ذلك الانفكاك تدريجيا، وعلى مراحل كما بينته سابقا، إلى أن أصبح الانفكاك تاما ومعترفا به رسميا من جميع دول العالم، فصار الورق عملات مستقلة استقلالا كاملا عن الذهب وليس لها به أي ارتباط. ومع هذا الانفكاك الذي بيَّنْتُه استمر عامة المسلمين الملتزمين واستمر غالب الفقهاء، واستمرت المجامع الفقهية، على الطريقة السابقة من اعتبار الورق ربويًّا قياسًا على الذهب، على ما في ذلك من الخطورة العظيمة على اقتصاديات المسلمين كما سنبينه.
إن الأوضاع التي جدت على الورق النقدي في السنين الأخيرة تستدعي من علماء العصر وقفة مستبصرة حاسمة، لإعادة النظر في ذلك القياس الذي جرى عليه غالب الناس. فإن ذلك القياس منشؤه في نظري ذلك الارتباط الذي كان أولا، والذي بسببه قام الورق النقدي مقام الذهب فعلا، وكفل له ذلك الثبات، الذي هو شأن الأثمان الحقيقة. فلما تبدل الحال، وانفك الارتباط، كان على علماء الملة أن يعيدوا النظر في ذلك القياس منذ أمد. وها أنتم تجتمعون لتنظروا في ذلك، نسأل الله لكم السداد في النظر والقول والعمل.
стр. 6206
خطورة بقاء الوضع الراهن:
ليس في بقاء الوضع الراهن خطورة من حيث التعامل الفوري بالأوراق، كالبيع النقدي بها، وكصرف بعضها ببعض فورًا.
ولكن في حالة النسيئة وتأجيل الدفع، سواء أكان بيعا أم قرضا، أم إجارة أم شركة أم صداقا، يجيء الخطر، وهو في الحقيقة خطر على البائع والمقرض، وهو أشد في حال القرض عن حال البيع، فإن البائع قد ينظر إلى التأخير ونقص قيمة العملة، فيضيف على الثمن الآجل ما يرى أنه يغطى النقص، ولكن المقرض لا سبيل له إلى ذلك في ظل القول بربوية الورق النقدي. وتكون النتيجة، وخصوصا في ظل القروض الطويلة الأمد، أن لا يحصل المقرض إلا على جزء يسير مما أقرضه. ولنفرض أن دولة إسلامية أقرضت دولة أخرى إسلامية أو كافرة، مبلغ ١٠٠ مليون دينار ورقى، وأن الدولة المقرضة ملتزمة بالأحكام الشرعية، فإذا قدرنا نقص القوة الشرائية للعملة بمعدل ٦ % سنويًّا، فإن المقرض يخسر ٦ ملايين دينار في السنة الأولى، وبنسبة ٦ % من الباقي في السنة الثانية وهكذا ...، وتكون هذه الخسارة في الغالب من أموال المتمسكين بالإسلام يستفيد منها غير المتمسكين به.
стр. 6207
إن الشريعة الإسلامية إذ نصت على تحريم الربا فإنما كان الهدف منع الظلم، وهو أكل المقرض مال المقترض بغير حق، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: الآية ٢٧٩) .
ولم يكن الهدف إطعام مال المقرض للمقترض، فإن ذلك ظلم آخر، تتنزه عنه الشريعة كما تنزهت عن الظلم الأول. وستكون النتيجة: إما امتناع المسلمين عن الإقراض بالكلية، وإما الرضا بالخسائر المحققة، وإما التجاسر على أخذ الفوائد مع اعتقاد أنها محرمة، وإما الالتفاف على الأحكام الشرعية والتحايل عليها، وما أكثر حيل المرابين.
وفي الشركة أيضًا، وخاصة شركات المضاربة، يضر نقص القوة الشرائية بصاحب رأس المال، لأنه في الحقيقة لا يسترجع إلا جزءا من حقه عندما يسترجع رأس ماله من الأوراق النقدية بالعدد، وبهذه الطريقة حصل المضاربون على أجزاء كبيرة من أموال أصحاب رأس المال.
وفي الإجارة إذ جمدت كثير من الحكومات أجور العقارات، كانت نتيجة انهيار العملات أن أصبحت الأجور بعد المدة الطويلة أجورا لا قيمة لها، حتى إن الدار الكبيرة التي أُجِّرَ مثلها الآن ألف جنيه مثلا في العام لا يأخذ مالكها من مستأجرها إلا خمسين جنيها كما كان الحال عند مبتدأ عقد الإجارة قبل ثلاثين عاما. وبذلك أُطْعِم حق مالك الدار للمستأجر (فعاد المستأجر مالكا والمالك خارجا) . وكان لذلك أثره الكبير على تعطيل الحركة العمرانية والآفات الاقتصادية اللاحقة في بلدان كثيرة من العالم الإسلامي بسبب هذا الظلم الفادح، وتخوف المستثمرين من انهيار قوة العملات الورقية، وبالتالي انهيار الأجور المجمدة وما يتبع ذلك من الخسائر.
ولو أن أصحاب العقارات التي جمدت أجورها التي كان قد جرى التعاقد عليها أتيح لهم أن يحصلوا على ما يوازيها من حيث القوة الشرائية ـ على ما سيأتي بيانه ـ لكان في ذلك العدل والإنصاف ولما أدى الأمر إلى الأزمات التي نشاهدها في كثير من البلدان الإسلامية.
إن إلزام المسلمين أفرادا وجماعات وشعوبا بالامتناع عن الحصول على مقابل نقدي لنقص قيمة أموالهم تبعا لنقص القوة الشرائية للعملات النقدية لهو خسارة عظيمة تحيق بأموال المسلمين، وليس له مستند إلا التمسك بهذا القياس المهترئ للورق النقدي على الذهب والفضة.
стр. 6208
هذا القياس على إطلاقه هو في رأينا قياس باطل:
في رأيي أن قياس الورق النقدي على الذهب في إثبات حكم الربا فيهما قياس باطل. وبيان وجه البطلان يتبين واضحا إذا علمنا ما يبينه الاقتصاديون من أن الذهب فيه ثلاث خصائص تجعله ـ كما قال علماء الحنفية ثمنا خلقة ـ ويخالفه فيها الورق النقدي في اثنين منهما:
الأول: أنه مقياس للقيم فهو ثابت القيمة على مدار التاريخ، كما سبق بيانه، وأما الورق النقدي فلا يصلح مقياسا إلا في المبايعات الفورية.
الثاني: أن الذهب مخزن للقيم، لثبات قوته على مدار التاريخ، أما الورق فهو مخزن للقيم ولكنه مخزن مهترئ مخروق القاع، يتسرب مخزونه باستمرار.
الثالث: أنه أداة للتبادل.
من أجل ذلك فإننا نرى أن الاستمساك بهذا القياس على علاته، استمساك لا معنى له لأن علة القياس بكمالها غير متوفرة.
стр. 6209
الحلول المقترحة:
المطروحة لحل هذه المشاكل الخطيرة حلان:
الحل الأول:
أن ينظر المؤتمر في ترك العمل بالقول الثالث المتقدم أول هذا البحث (وهو أن الأوراق النقدية أجناس ربوية قياسا على الذهب والفضة) لانتفاء علة القياس فيها، ويصار إلى القول الثاني، وهو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة والمالكية في الفلوس: أنها سلع تجارية لا مانع من التفاضل في تبادل المال منها بجنسه نقدا أو نساء، ولا مانع من تأجيره بنقد من جنسه أو من غير جنسه، أو بالذهب أو الفضة، ولا مانع من شراء الذهب بشيء منها نقدا أو نسيئة.
وهذا الحل لا يحل مشكلة القروض لأن القاعدة (أن كل قرض جر نفعا فهو ربا) إلا أنه يمكن التحول بدل القروض إلى البيع المؤجل، فبدل أن يستقرض نقودا ورقية إلى سنة يشتريها بما يشاء من العرض أو النقد. ولو بجنسه كما لو اشترى ألف دينار أردني إلى سنة بألف ومائتي دينار أردني.
والحل الثاني:
أن يبقى حكم ربويتها لما فيها من معنى الثمنية الذي به تشبه الذهب والفضة، ولكن لتصحيح علة القياس ينبغي أن يعدَّل نقص القوة الشرائية في المعاملات المؤجلة منها، بإضافة نسبة مئوية إلى الثمن الذي تأخر دفعه، أو إلى القرض، ليستكمل البائع، أو المقرض، أو المودع في المعاملات المصرفية، مقابل ما نقص من حقه.
وهذه النسبة تحدد بمعرفة أهل الاختصاص، وهي التي تسمى (نسبة التضخم) ويمكن أن تتولى الحكومات تحديدها، ويلتزم أصحاب الديون بالحساب على أساس ذلك التحديد.
أما الحل الأول فهو مقتضى ما ذهب إليه جمهور علماء المسلمين في الفلوس كما تقدم، والورق النقدي أقرب حكما إلى الفلوس منه إلى الذهب، بجامع أن كلا من الورق والفلوس قيمته اصطلاحية وليست ذاتية، وأن كلا منهما عرضة لتغير القيمة ونقصها،أو للكساد النهائي في حال إلغاء بعض الحكومات له.
стр. 6210
وقد تقدم بيان ذلك. وهذا الحل يقضى على جميع الإشكالات القائمة، ولا حرج فيه شرعا إذ قد تبين فساد العلة في قياس الورق على الذهب.
وأما الحل الثاني فهو أقرب إلى قبول الناس، وخاصة أنهم درجوا على اعتبار النقود الورقية أموالا ربوية، فإذا أقر مؤتمركم هذا الحل فإنه يجعل من السائغ للمقرضين والمتعاملين ببيوع النسيئة ونحوها من الدفوع المؤجلة أن يحصلوا على فروق تمثل نقص قيمة أموالهم.
هذا وإن الاقتصاديين الرأسماليين ينظرون إلى الفوائد على الديون المتأخر سدادها أنها تنحل إلى أربعة أجزاء:
الجزء الأول: تغطية نقص قيمة العملة.
والجزء الثاني: مصاريف تسجيل الدين ومتابعته.
والجزء الثالث: ربح على المال يمثل الربح الحقيقي للمقرض.
والجزء الرابع: مخاطر عدم السداد في بعض العمليات.
فأما الجزء الأول فهو الذي نقترح أن يصدر هذا المؤتمر قرارا بمشروعيته عملا بالعدل، ورفعا للظلم، وتصحيحا للأوضاع، ومحافظة على قيمة الأموال الإسلامية في حال المبادلات المؤجلة.
وأما الجزء الثاني فهو عدل أيضًا لأنه لتغطية تكلفة فعلية.
وأما الجزء الثالث والرابع فيبقيان على حكم الربا (على هذا الحل الثاني) .
стр. 6211
هذا الحل الثاني ليس جديدا:
قد تعرض فقهاؤنا لتغير قيمة العملة من خلال تغير قيمة الفلوس في أحوال الدفوع المؤجلة وكان اختلافهم فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
منع صور من المداينة بها، ومن جملة ذلك أن المالكية منعوا المضاربة بالعروض قالوا ومنها الفلوس. قال الدسوقي: لأنها مظنة الكساد (١) وكذلك الشافعية على القول المقدم عندهم منعوا القراض (المضاربة) على الفلوس، قالوا لأنها عروض (٢) . .
وعند الحنابلة (لا تصح الشركة ولا المضاربة إلا بالذهب أو الفضة المضروبين، فلا تصح بالفلوس ولو نافقة، قالوا: لأن الفلوس كالعروض بل هي عروض) (٣) . .
القول الثاني:
جواز فسخ عقد البيع أو عقد القرض بتغير قيمة الفلوس، وهذا مذهب أبي حنيفة كما يأتي في القول الثالث، لأنها نقود اصطلاحية، ونقص قيمتها قبل القبض تعيَّب للثمن يقتضي جواز الفسخ.
стр. 6212
القول الثالث:
أن آخذ الفلوس قرضا، أو المشتري بها، إذا تغيرت قيمتها أو كسدت قبل قبضها، يرد قيمتها يوم القبض بالذهب أو الفضة. فلو أخذ المقترض عشرة آلاف فلس، ثم أراد ردها، ينظر قيمتها بالذهب عند قبضها، فإن كانت تساوى عشرين دينارا ذهبيا يوم قبض القرض، فإنه يرد عشرين دينارا ذهبيا، وإن كانت العشرون دينارا تساوى١٥ ألف فلس يوم السداد جاز أن يرد ١٥ ألف فلس عند من لا يقول بأن الفلوس ربوية.
وهذا قول عند الشافعية (١) . . وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وعليه الفتوى عند الحنفية على ما ذكره ابن عابدين في حاشيته (٢) . . وألف ابن عابدين في هذا أيضًا رسالة سماها (تنبيه الرقود على مسائل النقود) نقل فيها أقوال الحنفية من الكتب المعتمدة عندهم وأثبت فيها أن هذا هو الراجح عندهم المفتى به رفقا بالناس (٣) . ومن جملة كلامه في ذلك، قال ما نصه:
(في جواهر الفتاوى قال الزاهدي: باع شيئا بنقد معلوم ثم كسد النقد في يد المشترى: يجب رده عليه، ثم يجب رد المبيع إن كان قائما، فإن كان خرج من ملكه أو استهلك يرد القيمة. ولو كان مكان البيع إجارة فإنه تبطل الإجارة ويجب على المستأجر أجر المثل. هذا كله قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يجب عليه قيمة النقد الذي وقع عليه العقد من النقد الآخر يوم التعامل. وقال محمد: يجب آخر ما انقطع من أيدي الناس. قال القاضي: الفتوى في المهر والقرض على قول أبي يوسف. وفيما سوى ذلك على قول أبي حنيفة) (٤) .
стр. 6213
وقال ابن عابدين: (نقلا عن الغزي: في المنتقى إذا غلت الفلوس قبل القبض رخصت قال أبو يوسف: قولي وقول أبي حنيفة في ذلك سواء: ليس له غيرها. ثم رجع أبو يوسف وقال: عليه قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع، ويوم وقع القبض. قال ابن عابدين: قوله (يوم البيع) ، أي في صورة البيع، وقوله (يوم القبض) ، أي في صورة القرض. قال: وفي البزازية معزيا إلى المنتقى: غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام أبي حنيفة، وأبى يوسف أولا: ليس عليه غيرها، وقال أبو يوسف ثانيا: عليه قيمتها من الدراهم (أي الفضة) يوم البيع ويوم القبض. وعليه الفتوى. وهكذا في الذخيرة والخلاصة بالعزو إلى المنتقى وقد نقله شيخنا في البحر وأقره. فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من (الكتب) المعتبرات فيجب أن يعول عليه إفتاءً وقضاءً لأن المفتي والقاضي عليهما الميل إلى الراجح) (١) . .
ثم قال ابن عابدين نقلا عن الغزي: وقد تتبعت كثيرا من المعتبرات من كتب مشايخنا المعتمدة فلم أر من جعل الفتوى على قول أبي حنيفة، بل قالوا: به كان يفتى القاضي الإمام. وأما قول القاضي أبي يوسف فقد جعلوا عليه الفتوى في كثير من المعتبرات فليكن المعول عليه. اهـ. كلام الغزي وابن عابدين (٢) .
стр. 6214
والخلاف المذكور عندهم جار أيضًا في الدراهم التي يغلب عليها الغش.
وهذا بخلاف الدراهم الفضية الخالصة، أو التي فيها غش مغلوب، فقال ابن عابدين: (فينبغي أنه لا خلاف في أنه لا يبطل البيع بكسادها ويجب على المشترى مثلها في الكساد والانقطاع والرخص والغلاء، لأنها ثمن خلقة. فترك المعاملة بها لا يبطل ثمنيتها،ولا يبطل تقومها) (١) .
ومثله في أحد قولي الحنابلة كما في نص الفروع ٤/٢٠٣ (إن رخصت الفلوس فللمقرض القيمة، كاختلاف المكان) وفي نظم المفردات أن ابن تيمية يرى أنه في حال رخص الفلوس فإن المقترض يرد القيمة. قال ومثله الديون، كالصداق وعوض الخلع وعوض الإعتاق والغصب والصلح عن القصاص. ونص النظم:
قال وجا في الدين نص مطلق
حرره الأثرم إذ يحقق
قال شارح المفردات: يعنى قال ابن تيمية إن الأصحاب ذكروا النص عن أحمد في القرض. قال وكذلك المنصوص عن أحمد في جميع الديون، قال الأثرم (سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل له على رجل دراهم مكسرة أو فلوس، قال: يكون له عليه بقيمتها من الذهب) (٢) . .
ونقل صاحب الإنصاف (٥/١٢٨) ما نقله صاحب المفردات ثم لم يعترض عليها. فالقول الثالث المفتى به عند الحنفية والذي روى عن أحمد وأفتى به ابن تيمية هو ما قلناه من تعويض المقرضين والبائعين بالأجل، أو من تأخر استردادهم لحقوقهم المقدرة بالنقود الورقية عن محله.
القول الرابع:
أن المقرض أو المشتري لا يدفع إلا المثل عددا إن رخصت الفلوس أو غلت وكذا لو كسدت. وهو قول المالكية (٣) . .
стр. 6215
الفصل الثاني
الزكاة في النقود الورقية
على القول بأن النقود الورقية ديون على الحكومات المصدرة لها واضح أن حكمها حكم الدين. والراجح في الدين أن فيه الزكاة، والزكاة على الدائن، أي مالك الورقة النقدية.
أما إن قلنا بأنها عروض، فمن المعلوم أن العروض لا زكاة فيها إلا إن كانت للتجارة، لما ورد في السنة من قول جابر ((أمرنا النبي ﷺ أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع)) .
وقد اختلف الفقهاء في الفلوس:
فمذهب الحنفية أن الفلوس إن كانت أثمانا رائجة أو سلعا للتجارة ففيها الزكاة. كذا في الشرنبلالية (ابن عابدين ٢/٣٢) . وفي الفتاوى الهندية: الفلوس إن كانت للتجارة وبلغت مائتين (أي بلغت قيمتها مائتي درهم) ففيها الزكاة. وفي الهندية أيضًا: ولو اشترى فلوسا للنفقة فلا زكاة فيها.
أما من عدا الحنفية فقد قال المالكية: كما في الشرح الكبير للدردير على مختصر خليل (١/٤٥٥) (أنه لا زكاة في الفلوس النحاس) قال (وهو المذهب) وفي الدسوقي (١/٤٩٩) يكون فيها الزكاة إن كانت للتجارة ومثله في البناني على الزرقاني (٢/١٤٠) وفي الدسوقي (١/٤٥٥) أنها إن كانت للتجارة ثم أقامت عند مالكها سنين ثم باعها بذهب أو فضة فليس فيها إلا زكاة سنة واحدة، كسائر عروض التجارة المحتكرة عند مالك.
ومذهب الشافعية كذلك أن الفلوس لا زكاة في قيمتها لكن تزكي إن كانت للتجارة (١) .
стр. 6216
ومذهب الحنابلة كذلك. ففي شرح المنتهي (١/٤٠١) (الفلوس ولو رائجة عروض) والعروض تجب الزكاة في قيمتها إذا بلغت نصابا إذا ملكت بنية التجارة مع الاستصحاب إلى تمام الحول. أما لو ملكها لا بنية التجارة ثم نواها لها فلا تصير لها.
ـ وفي كشاف القناع ما نصه: (الفلوس كعروض التجارة فيها زكاة القيمة كباقي العروض. ولا يجزئ إخراج زكاتها منها. قال المجد: وإن كانت الفلوس للنفقة فلا زكاة فيها كعروض القنية) (١) . .
فالأكثر عند جمهور الفقهاء أن الفلوس لا زكاة فيها لعينها وهو مذهب من عدا الحنفية، لكن إن اشتراها ناويا أنها للتجارة (أي للتقليب بالبيع والشراء بغرض الربح كما يفعل الصيرفي) ففيها الزكاة بالشروط التي بينت في باب زكاة عروض التجارة، من أنها لا بد أن تكون اشتريت بتلك النية، وحال عليها الحول دون أن يغير من نيته في بقائها للتجارة. بخلاف ما لو اشترى الفلوس للقنية أو النفقة.
فالمتبادر أنه يلزم من اعتبار النقود الورقية عروضا كالفلوس أنه لا زكاة فيها عند الأكثريين إلا إن كانت للتجارة كالأوراق التي يتجر بها الصيرفي، فأما إن كانت للاقتناء، أو كانت مدخرة للصرف منها وقت الحاجة كما يفعل أغلب الناس فلا زكاة فيها.
стр. 6217
ونحن نميل إلى الأخذ بمذهب الحنفية في إخراج زكاة الفلوس إن كانت أثمانا رائجة فنرى وجوب إخراج الزكاة من الأوراق النقدية على الرغم من القول بأنها ليست ربوية، وأنها ما دامت أثمانا رائجة ففيها الزكاة، فإن النقود الورقية أصبحت هي مخزن القيم في العصر الحاضر وعامة الناس يستعملونها كذلك فهي رءوس أموالهم وغالبها.
وأيضًا فإن الله تعالى يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠٣] .
ويقول: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [سورة المعارج: الآية (٢٤،٢٥) ] .
وفي السنة النبوية قوله ﷺ لمعاذ: ((أخبرهم أن الله افترض عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)) فتؤخذ الزكاة منها وإن لم تكن ربوية. ولا تلازم بين كونها غير ربوية وبين عدم أخذ الزكاة منها، فهي ـ كالإبل مثلا ـ ليست ربوية ومع هذا يؤخذ منها الزكاة. والله أعلم.
تنبيه:
الآراء التي تذكر في هذا البحث هي للطرح على مؤتمر المجمع للمناقشة والنظر. وليست للإفتاء بموجبها ولا للعمل بذلك ما لم يقرها المجمع.
الدكتور محمد سليمان الأشقر
стр. 6218
تغير قيمة العملة
إعداد
أ٠ د يوسف محمود قاسم
أستاذ ورئيس قسم الشريعة الإسلامية
كلية الحقوق – جامعة القاهرة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وتمسك ومسك بشرعه إلى يوم الدين.
اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا واجعلنا ممن اهتدى بك فهدى.
ثم إن " تغير قيمة العملة " موضوع خطير جدا والكتابة فيه تحتاج إلى حذر كبير فالموضوع حديث معاصر (١) ليس فيه بخصوصه نص من كتاب أو سنة ولا أثر عن صحابي بل ولا رواية عن تابعي أو قول لأحد الأئمة المجتهدين ﵃ أجمعين.
وهو أيضًا وثيق الصلة بالمعاملات المصرفية المعاصرة والتي ترتبط بحياة الناس في عقودهم وسائر معاملاتهم وما أكثر الشبهات التي تحوم حول كثير من المعاملات ذات الأثر الممتد أو بتعبير آخر حول عقود المدة أو بيوع الآجال.
وأخطر من ذلك كله أن الكتابة في هذا الموضوع قد تفتح بابا كبيرا للشر فقد يبدو للبعض أن تغير قيمة العملة أو ما نلمسه في الوقت الحاضر من انهيار لقيمة النقود ربما يدعوهم إلى التوقف كثيرا أمام تحريم الربا.
وهذا اخطر ما تتعرض له الأمة في دينها فالحق الذي لا مراء فيه أن الشريعة الإسلامية هي المتبوعة وليست التابعة.
وعلى ذلك فلا يصح لمسلم أن يقول فلنطور فقهنا حسب أحوالنا وإنما الإيمان الصادق يوجب علينا أن نغير أحوالنا وأعمالنا إلى ما يرضي الله تعالى بتطبيق شريعته الغراء (٢) نظرا لهذه المحاذير فإني أوجز القول في هذا الموضوع مركزا على أمرين هما: ثبات النقود، ولماذا تتغير قيمتها في العصر الحديث؟ والأثر الناتج عن تغير قيمة النقود.
стр. 6219
الفصل الأول
ثبات قيمة النقود وما يؤثر فيه
-
الأصل أن تكون النقود ثابتة القيمة بحكم وظيفتها وبحكم التاريخ والواقع ولكنا نشاهد في زماننا تغيرا في قيمة النقود بل انهيارا في هذه القيمة فما السبب في ذلك؟
الأصل ثبات قيمة النقود:
النقود هي التي تحكم معاملات الناس وتضبطها بحيث يأخذ كل ذي حق حقه فالعلاقة بين البائع والمشتري وبين المؤجر والمستأجر وكل علاقة بين متعاقدين إنما تحكمها القيمة النقدية لما يملكه كل طرف من أطراف هذه العلاقة.
ولذلك فقد استقرت البشرية من قديم الزمن على اتخاذ النقود من أنفس المعادن التي يمكن تداولها بين الناس حتى تظل قيمتها ثابتة لا تغيير إذ لا يعقل أن يكون المقياس أو الضابط للتعامل شيئا غير ثابت.
وبالنظر إلى ثبات قيمة الذهب والفضة فإن الناس قد اتخذوهما نقودًا من قديم الزمن وقد استقرت البشرية على ذلك القرون الطوال حتى أن كثيرا من الفقهاء يقولون: أن الذهب والفضة هما أثمان بحكم الخلقة. أي أن الله تعالى خلقهما ليكونا أثمانا وهذا هو الإمام الغزالى يقرر هذا المعنى فيقول ﵀:
(من نعم الله تعالى (١) خلق الدراهم والدنانير وهما حجران لا منفعة في أعيانهم ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث أن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته وقد يعجز عما يحتاج إليه ويملك ما يستغني عنه كمن يملك الزعفران مثلا وهو محتاج إلى جمل يركبه ومن يملك الجمل وربما يستغني عنه ويحتاج إلى الزعفران فلابد بينهما من معاوضة ولابد في مقدار العوض من تقدير إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران ولا مناسبة بين الجمل والزعفران حتى يقال يعطى منه مثله في الوزن أو الصورة وكذا من يشتري دارا بثياب أو دقيقا بحمار فهذه الأشياء لا تناسب فيها فلابد أي أن الجمل كم يسوى بالزعفران فتتعذر المعاملات جدا فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط بينها يحكم فيها بحكم عدل فيعرف من كل واحد رتبته ومنزلته حتى إذا تقررت المنازل وترتبت الرتب علم بعد ذلك المساوي من غير المساوي فخلق الله الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما فيقال: هذا الجمل يسوى مائه دينار وهذا القدر من الزعفران يسوى مائة فهما من حيث انهما متساويان بشيء واحد إذن متساويان وإنما أمكن التعديل (٢) بالنقدين إذ لا غرض في أعيانهما ولو كان في أعيانهما غرض ربما اقتضى خصوص ذلك الغرض في حق صاحب الغرض ترجيحا ولم يتقض في حق من لا غرض له فلا ينتظم الأمر.
стр. 6220
فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل ولحكمة أخرى وهي التوسل بهما إلى سائر الأشياء لأنهما عزيزان في أنفسهما ولا غرض في أعيانهما ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة فمن ملكهما فكأنه ملك كل شيء لا كمن ملك ثوبا فإنه لم يملك إلا الثوب فلو احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب المطعم في الثوب لأن غرضه في دابة مثلا. فاحتيج إلى شيء هو صورته كأنه ليس بشيء، وهو معناه كأنه كل الأشياء والشيء إنما تستوي نسبته إلى المختلفات إذا لم تكن له صورة خاصة يفيدها بخصوصها كالمرآة لا لون لها وتحكى كل لون فكذلك النقد لا غرض فيه وهو وسيلة إلى كل غرض وكالحرف لا معنى له في نفسه وتظهر به المعاني في غيره فهذه هي الحكمة الثانية) ولذلك فلا يتصور أن تثور أدنى مشكلة بل ولم تكن البشرية في معظم عصورها تعرف عما يسمى تغير قيمة النقود لأن النقود بذاتها ثابتة كما خلقها الله لذلك واتخذها الناس بحكم الخلقة هكذا.
стр. 6221
ظهور النقود الورقية:
وبمرور الزمن توسعت العلاقات التجارية وأخذت تتجاوز نطاق الأفراد إلى مجال المعاملات الدولية ذات الصفات التجارية الكبرى ونظرا لصعوبة نقل الذهب والفضة بكميات كبيرة من دولة إلى أخرى أو من مكان بعيد إلى آخر فكر التجار في إصدار أوراق تحمل تعهدا بالوفاء بالتزاماتهم النقدية مع المتعاملين معهم في الوقت الذي يؤيدون فكانت هذه الأوراق النقدية ضمانا ماليا لحقوق المتعاملين، فظهرت بذلك النقود الورقية وأصدرت البنوك أوراق البنكنوت تسهيلا للمعاملات بل أن النقود الورقية منذ منتصف القرن السابع عشر الميلادي أصبحت منافسا قويا للمسكوكات السلعية النقود المعدنية وإن بقى النوع الأخير من النقد متداولا في معظم البلدان حتى الحرب العالمية الأولى وبعد إعلان هذه الحرب سنة ١٩١٤فرضت معظم الدول السعر الإلزامي للنقود الورقية أخذة في سحب الذهب من التداول إما لاستعماله في شراء عتاد الحرب وإما للاحتفاظ به رصيدا للنظام النقدي لا يستعمل إلا لضرورة تثبيت قيمة النقد في الخارج وهكذا اختفى الذهب المسكوك من التداول النقدي منذ ذلك التاريخ (١)
وصارت الأوراق النقدية المصدرة من الدولة في صورة نقود وهي ليست في الواقع ذات قيمة في حد ذاتها لكن قيمتها في اعتماد الدولة لها فصارت ملزمة للناس بديلة عن الذهب والفضة فهي بمنزلتهما وتحل محلهما بحكم القوانين السارية في كل دولة (٢)
стр. 6222
وهذا الحكم الشرعي الذي لا يصح غيره إن شاء الله أما القول بأن النقود الورقية سندات ديون على الجهة التي أصدرتها للتعهد المسجل بقيمتها لحاملها عند الطلب فإنه قول مخالف للواقع لأن كثيرا من الدول ألغت هذا التعهد وحتى بالنسبة للدول التي لم تصدر قرارا بإلغائه لم يعد لهذا التعهد أدنى أثر من الناحية العملية فهو مجرد " نقش على ورق " وندعوا أصحاب هذا القول أن يتقدم أحدهم بورقية نقدية إلى الجهة صاحبة التعهد: بنك مركزي أو مؤسسة نقد مثلا " طالبا الوفاء بقيمتها ذهبا فإن وجد من يرد عليه فليخبرنا وإن وجد من يضحك عليه فلا يخبرنا وأما القول بأن النقود الورقية عرض من عروض التجارة فالرد عليه من وجهين: الأول أن عروض التجارة تقوم بالنقود الورقية فكيف إذن يقوم الشيء بنفسه؟ هذا غير متصور. الثاني: أنه يؤدي إلى نتائج في غاية الخطورة منها هدم القاعدة الشرعية في أحكام الربا ومنها هدم الركن الثالث من أركان الإسلام وهي فريضة الزكاة ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا يصح القول بأن النقود الورقية تأخذ حكم الفلوس لأننا نرى والله أعلم أن دور الفلوس بجانب الذهب والفضة كان دورا جانبيا إلى أبعد الحدود أما النقود الورقية فلم تظهر إلا لكي تحل محل الذهب والفضة فمحلها إذن الدور الرئيسي الفعال بل يكاد يكون هو الدور الوحيد في هذا الزمن فقد أصبحت كل دولة تعطى نقدها قوة إلزامية واحدة حتى أن النقود المعدنية المتداولة الآن والتي تتمثل في وحدات صغيرة من النقد تراها مقدرة قانونا بالقيمة الثابتة أصلا للنقود الورقية فقروش الجنيه المصري تابعة له ومرتبطة به وقروش الريال السعودي تابعة له ومرتبطة به وفلسات الدينار الكويتي تابعة له ومرتبطة به وهكذا القول في سنتات الدولار الأمريكي وغيره من العملات الأخرى وأخيرا هناك من قال: إن النقود الورقية بدل عن الذهب والفضة وللبدل حكم البدل منه مطلقا وهذا أقرب الأقوال إلى الصواب دون شك ولعل كلمة مطلقا هي الملحوظة الوحيدة على هذا القول إذ لا ريب أن النقود الذهبية ذهب وأن النقود الفضية فضة وأن النقود الورقية ورق " بفتح الراء " فالنقود الذهبية والفضية أثمان بحكم الخلقة كما سبق لنا البيان أما النقود الورقية فهي نقود بحكم القانون وقد أشار فضيلة الدكتور عبد الله بن سليمان بن مينع إلى هذا القول مبينا أن أصحابه بنوه على أن النقود الورقية إن كان له غطاء كامل من الذهب فلها حكم الذهب وإن كان غطاء كامل من الفضة فلها حكم الفضة وحيث إن الوقع خلاف ذلك وإن غالب الأوراق النقدية مجرد أوراق وثيقية قيمتها مستمدة من سن الدولة التعامل بها وتلقى الناس إياها بالقبول وإن القليل المغطى لا يلزم أن يغطى بالذهب والفضة بل قد يغطى بغيرهما من عقار أو أوراق مالية فقد ظهر لنا أن هذه النظرية تفتقر إلى ما يسندها من دنيا الواقع. يراجع في عرض هذه الأقوال ومناقشتها والرد عليها: فضيلة الدكتور عبد الله بن سليمان بن منيع: الورق النقدي: ص ٤٥ – ٨١ طبعة سنة ١٤٠٤ هـ. فقد جاء في المدونة الكبرى في باب التأخير في صرف الفلوس:
стр. 6223
قلت: أرايت إن اشتريت فلوسا بدراهم فافترقنا قبل أن نتقايض قال: لا يصلح هذا في قول مالك وهذا فاسد قال لي مالك في الفلوس لا خير فيها نظرة بالذهب ولا بالورق ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون له سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة (١) وجاء في مجموع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به بل الغرض أن يكون معيارا لما يتعاملون به والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها ولهذا كانت أثمانا والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت (٢) وقد سبق أن أشرنا إلى عبارات الغزالي وابن خلدون (٣) رحمهما الله تعالى ولذلك فلا نستغرب إذا وجدنا هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية تبحث هذا الموضوع وتؤكد أن الورق المتداول الآن يعتبر نقدا قائما بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة (٤) وقد استعرض مجمع الفقه الإسلامي هذا الموضوع واصدر القرار رقم (٦) بالدورة الخامسة المنعقدة في مقر رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة فيما بين ٨-١٦ ربيع الثاني ١٤٠٢هـ وقد جاء في هذا القرار.
стр. 6224
أولا: إنه بناء على أن الأصل في النقد هو الذهب والفضة وبناء على أن علة جريان الربا فيهما هو مطلق الثمنية في اصح الأقوال عند فقهاء الشريعة وبما أن الثمنية لا تقتصر عند الفقهاء على الذهب والفضة وإن كان معدنهما هو الأصل وبما أن العملة الورقية قد أصبحت ثمنا وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها وبها تقوّم الأشياء في هذا العصر لاختفاء التعامل بالذهب والفضة وتطمئن النفوس بتمولها وادخارها ويحصل الوفاء والإبراء العام بها رغم أن قيمتها ليست في ذاتها وإنما في أمر خارج عنها وهو حصول الثقة بها باعتبارها وسطا في التداول وذلك هو سر مناطها بالثمنية وحيث إن التحقيق في علة جريان الربا في الذهب والفضة هو مطلق الثمنية وهي متحققة في العملة الورقية ولذلك كله فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي يقرر أن العملة الورقية نقد قائم بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضة فتجب الزكاة فيها ويجري الربا عليها بنوعيه فضلا ونساءً كما يجري ذلك في النقدين من الذهب والفضة تماما باعتبار الثمنية في العملة الورقية قياسا عليهما وبذلك تأخذ العملة الورقية أحكام النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة فيها (١)
стр. 6225
ما يؤثر في ثبات القيمة:
عندما ظهرت أوراق البنكنوت ذات التعهد عند الطلب لم تكن هنالك مشكلة حول قيمة العملة لأن هذه الأوراق توجب على البنك الذي أصدرها تعهدا بأن يدفع عند الطلب القيمة الذهبية التي تمثلها تلك الورقة فهي إذن تحل محل الذهب في سهولة نقلها وقيمة الذهب محفوظة لكن عندما فصلت كثير من الدول بين غطائها من الذهب وبين أوراقها النقدية وأخذت البنوك المركزية أو مؤسسات النقد تصدر أوراقها النقدية خالية من التعهد عند الطلب صارت الورقة النقدية مجردة من غطائها الذهبي ولا تستمد قوتها إلا من قوة الدولة التي أصدرتها ولذلك فإنه إذا ما اهتز اقتصاد دولة ما فإن عملتها تهتز تبعا لذلك ولما كانت الحروب ذات اثر سيئ جدا على الاقتصاد فإنه بقيام الحرب العالمية الثانية بذات القوة الشرائية للنقود تتناقص شيا فشيئا إلى أن أصبحت في كثر من الدول النامية متدنية غاية التدني بل هي في الواقع متدهور أو منهارة.
стр. 6226
أسباب تدهور قيمة النقود في العصر الحالي:
يعبر الاقتصاديون المعاصرون عن انخفاض القوة الشرائية للنقود بتعبير التضخم وهو في صورته الغالبة: (ارتفاع متواصل في الأسعار إنما يتولد عن زيادة حجم تيار الإنفاق النقدي بنسبة أكبر من الزيادة في عرض السلع والخدمات) (١) وبنظرة موضوعية إلى واقع الدول المسماة بالنامية نجدها غرقى إلى أذنيها في براثن التضخم وذلك للأسباب الآتية:
١-التعامل الربوي (٢) الذي هو عبارة عن زيادة في النقود بدون عمل مثمر فالنقود في ظل النظام الربوي تلد نقودا بغض النظر عن الإنتاج وهذه الزيادة في حجم النقود هي بذاتها زيادة في تيار الإنفاق النقدي تفوق كثيرا الزيادة في عرض السلع والخدمات (٣)
٢- قلة الإنتاج وضعف الاقتصاد وكلا التعبيرين يغنى عن الآخر فإذا تواكل الناس وقصروا في أعمالهم أدى ذلك لا محالة إلى انهيار اقتصادي في هذا الإقليم الذي يقيم فيه هؤلاء الناس وحيث لا إنتاج فلا تقدم في الاقتصاد فيزيد الإنفاق النقدي من غير مقابل في الخدمات فترتفع الأسعار وتتناقص القوة الشرائية للنقود، وواقع الدول النامية يؤكد ارتباط كل من السببين بالآخر فالدول ضعيفة الإنتاج تغطى احتياجاتها بالقروض الربوية هكذا تتضاعف عوامل التضخم من الوجهين المذكورين.
٣- أضف إلى ذلك وفي كل عام تقريبا عند النظر في الموازنة العامة تجد الدولة النامية نفسها في مأزق لا مخلص لها منه إلا بأن تطبع ملايين وربما مليارات من النقود الورقية بدون غطاء ذهبي هي تحدث زيادة رهيبة في حجم الإنفاق النقدي دون أي مقابل في السلع والخدمات فقط لمجرد أن تخفف الدولة من بعض مواقفها الحرجة بجانب التزاماتها المدينة التي تفوق كل حد.
وهكذا صح ما قلنا أولا من أن القوة الشرائية للنقود في كثير من الدول وعلى الأخص الدول النامية لم تنخفض فقط ولكنها تدنت غاية التدني بل وتدهورت إلى أبعد الحدود.
стр. 6227
الفصل الثاني
أثر تغير قيمة العملة
تبدو الأهمية العملية لأثر تغير العملة في العقود الآجلة وأظهر هذه العقود بالنسبة لتلك الأهمية القرض والبيع الذي تأجل دفع ثمنه.
والمرجع الوحيد الذي أمكننا الاطلاع عليه في هذا الموضوع: هو رسالة العلامة ابن عابدين الفقيه الحنفي المعروف حيث كتب ﵀ رسالة أسماها: " تنبيه الرقود على مسائل النقود " (١) وقد جمع في هذه الرسالة ما وصل إليه من كلام الأئمة رضوان الله عليهم.
وقد بدا كلامه عن البيع المؤجل وتعرض من خلاله إلى أثر تغير العملة في حالة الاستقراض أيضًا.
ثم ختم رسالته ببحث الأوامر السلطانية التي تصدر بتغيير قيمة بعض العملات.
وفي هذا الفصل نحاول بحث أثر تغير العملة في الظروف العادية ثم نتكلم عن التغير بناء على قرار تصدره الدولة وذلك في مبحثين على التوالي:
المبحث الأول
أثر تغير العملة في الظروف العادية
مقصودنا بالظروف العادية تلك الظروف التي تتغير فيها قيمة العملة دون صدور قرار رسمي من الدولة في هذا الشأن.
فهو إذن تغير تلقائي حسب قوة العملة مرتبط باقتصاد الدولة ومدى ما تملك من ثروات وهذه الحالة هي التي بدأ ابن عابدين كلامه عنها في رسالته المشار إليها وهو لم يتكلم عن تغير قيمة النقود عموما وإنما تكلم عن الفلوس والدراهم الغالبة الغش.
فإذا أبرم عقد البيع بنقد بلد من هذه الفلوس أو هذه الدراهم ولم يدفع الثمن حتى بطل التعامل بهذه الفلوس وأصبحت غير رائجة في هذا البلد فإن البيع يفسد لأن الثمن قد هلك أما إذا كانت الفلوس رائجة لكن انتقصت فيمتها فإن البيع لا يفسد لأن الثمن لم يهلك والحكم عند أبي حنيفة أن المشتري يدفع الثمن المتفق عليه وعند أبي يوسف أنه يدفع قيمته يوم القبض وكذلك الحال عند الانقطاع (٢)
стр. 6228
ثم لخص ابن عابدين حكم انقطاع الفلوس ورخصها وغلائها في العبارة الآتية حيث يقول (واعلم أن في الانقطاع قولين: فساد البيع كما في صورة الكساد. والثاني أنه يجب قيمة المنقطع في آخر يوم انقطع وهو المختار وكذا في الرخص والغلاء قولان: الأول / ليس له غيرها والثاني: له قيمتها يوم البيع وعليه الفتوى) (١) فيجب أن يعول عليه إفتاءً وقضاءً لأن المفتي والقاضي واجب عليهما الميل إلى الراجح من مذهب إمامهما ومقلدهما ولا يجوز لهما الأخذ بمقابله لأنه مرجوح بالنسبة إليه (٢) .
وقد أكد ابن عابدين أن الخلاف المشار إليه لا يجري في الذهب والفضة وهو في هذا ينقل عن علماء الحنفية قولهم: (وإياك أن تفهم أن خلاف أبي يوسف جار حتى في الذهب والفضة كالشريفي والبندقي والمحمدي والريال فإنه لا يلزم لمن وجب له نوع منها سواه بالإجماع وهذا كالريال الفرنجي والذهب العتيق في زماننا فإذا تبايعا بنوع منهما ثم غلا أو رخص بأن باع ثوبا بعشرين ريالا أو استقرض ذلك يجب رده بعينه غلا أو رخص (٣) .
ومن هذا يظهر لنا الفارق الكبير بين الذهب والفضة من ناحية وبين الفلوس والدراهم المغشوشة (أو الغالبة الغش) من ناحية أخرى ذلك أن الذهب والفضة أثمان بحكم الخلقة فلا مجال للتغير بشأنهما (٤) وهذا بخلاف الفلوس ونحوها فإنها ليست كذلك وعلى حد عبارة ابن عابدين ﵀: (لأن الفلوس والدراهم الغالبة الغش أثمان بالاصطلاح لا بالخلقة فإذا انتفى الاصطلاح انتفت المالية) (٥) .
стр. 6229
تغير قيمة العملة:
لم يكن في عهد ابن عابدين عملة ورقية كما هو معروف ولا شك أن العملة الورقية تتغير قيمتها بالانخفاض غالبًا وكثيرًا ما تتدهور هذه القيمة إلى أبعد الحدود كما سبق أن بينا.
ونحاول هنا أن نبحث عن حكم تغير العملة الورقية في الظروف العادية كما هو موضوع المبحث. وإذا ما أردنا تطبيق هذه القواعد على تغير العملة الورقية فإننا نفصل القول على النحو الآتي:
أولا: بالنسبة لعدم رواج العملة أو انقطاعها: فهذا غير وارد بالمرة في هذا العصر (١) إذا لا بد في كل دولة من عملة نقدية معتمدة فيها يلتزم رعاياها بالتعامل بها.
وحتى في الظروف الخاصة لبعض الدول التي تجد فيها الدولة نفسها في حاجة إلى إلغاء ورقة نقدية معينة فإنه توجد بالضرورة أوراق نقدية أخرى يتعامل بها الناس أو تصدر الدولة ورقة نقدية أخرى بديلة وكذلك عندما يرى البنك المركزي أو مؤسس النقد أن ورقة نقدية تكاد تختفي من أيدي الناس أما لاستهلاكها أو لاختفائها فإن البنك أو المؤسسة تسارع بإصدار مزيد من هذه الورقة تبعًا لحاجة التعامل التي تقدرها.
ثانيا: أما بالنسبة لتغير قيمة الورقة النقدية فهذا ما تعاني منه المجتمعات المعاصرة وعلى الأخص في الدول النامية.
وما نقله ابن عابدين ﵀ عن أئمة الحنفية من أن في رخص الفلوس قولين: ليس له غيرهما. أولهما قيمتها من الذهب عند العقد وعليه الفتوى هذان القولان هما في الفلوس أو الدراهم الغالبة التي ولا تزال عبارة ابن عابدين أمامنا حيث قال: (وإياك أن تفهم أن خلاف أبي يوسف يجرى في الذهب والفضة)
وقد يقال: أنك قد انتهيت في الفصل السابق إلى أن النقود لورقية تحل بالضرورة محل الذهب والفضة وتأخذ نفس الحكم وعليه فلا يجوز الأخذ بمذهب أبي يوسف في انخفاض العملة الورقية لأنها بديلة عن الذهب والفضة.
والذي يظهر لي - والله أعلم - أن النقود الورقية وإن كانت بديلا عن الذهب والفضة، ولكن ليس ذلك على إطلاقه.
وإذا كان الحنفية يقولون إن الذهب والفضة أثمان بحكم الخلقة والفلوس أثمان بالاصطلاح فإننا نقول إن النقود الورقية أثمان بحكم القانون الملزم فهي إذن تأخذ حكم الذهب والفضة في الثمنية وسائر الالتزامات الشرعية ولكن نظرا لأنها ليست كذلك بحكم الخلقة فإن ذلك يدعونا إلى الاستعانة بالله تعالى والتفكير مليا لعله سبحانه يوفقنا إلى الحكم الشرعي الذي يرضيه.
وبناء على ما تقدم وأخذا في الاحتياط فإنى أرى - والله أعلم - التفرقة بين حالتين:
стр. 6230
الحالة الأولى – الوفاء في الموعد المتفق عليه:
إذا أبرم عقد بيع بثمن مؤجل (١) وحدد الطرفان موعدا لدفع الثمن أو إذا اقترض شخص من آخر مبلغا معينا وتحدد للوفاء به موعد معين ثم قام المدين (بالثمن أو بالقرض) بوفاء ما عليه في الموعد المحدد فإنني أرى - والله أعلم - أنه لا ينبغي أن تثار مشكلة تغير قيمة العملة في هذه الحالة لأن الوفاء تم حسب الاتفاق فانتهى الالتزام.
ولا يقال إن المدة قد تكون طويلة وانخفاض العملة في هذه الحالة قد يكون ضارا بالدائن لأننا نقول: أن الدائن نفسه هو الذي حدد الموعد (٢) ورضي الطرفان بذلك سلفا ومعروف لدى الناس في هذا الزمان الارتفاع الجنوني في الأسعار الذي هو في حقيقته تغير قيمة العملة فالدائن يعرف ذلك تماما وإذن فلا داعي لأن تثير مشاكل حيث لا إشكال.
стр. 6231
الحالة الثانية – عدم الوفاء في الموعد المحدد:
أما إذا تخلف المدين عن الوفاء في الميعاد المحدد فإن ذلك يستدعي أن نفرق بين صورتين:
(أ) إذا كان عدم الوفاء تعذرا قهريا فإن الحكم هنا واضح بنص القرآن الكريم حيث يقول الله سبحانه ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) .
فالدائن مأمور بأنظار المدين المعسر إلى حين اليسار بل ومدعو إلى التنازل عن أصل الدين صدقة لوجه الله تعالى لقوله جل شأنه ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
стр. 6232
(ب) أما إذا كان المدين قادرا على الوفاء ولكنه يماطل فهو ظالم بنص الحديث الصحيح وهو قوله ﷺ : ((مطل الغنى ظلم)) (١) وهو مسئول عن هذا الظلم في الدنيا والآخرة ولاشك أن مسئوليته في الآخرة موكولة إلى الله تعالى وحده. وأما المسئولية الدنيوية فقد بينها النبي ﷺ بقوله: ((لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته)) (٢) . والمراد من ((ليّ الواجد)) التواؤه ومماطلته بالرغم من أنه يجد ما يسدد به ويدفع منه لصاحبه فهذا الموقف منه يحل عرضه وعقوبته وقد فسر البخاري ﵀ العرض بأن يقول: أنه مطلني، أو لم يعطني حقي أو أكل مالي إلى غير ذلك بمعنى أن يذكر الظلم الذي وقع منه والتعنت في الوفاء والطرق الملتوية التي سلكها أو حاول سلوكها معه في خصوص ما عليه من دين إذ المظلوم لا يجوز أن يذكر ظالمه إلا بالنوع الذي ظلمه دون غيره (٣) .
وأما عن عقوبته فالمراد منها أن القاضي له أن يعزره لامتناعه عن الوفاء مع قدرته عليه وهذا التعزير قد يصل إلى حبسه (٤) .
وعلى ذلك فأرجو ألا يكون هنالك مانع من الحكم عليه بتعويض الدائن عن الأضرار التي لحقت به وعلى الأخص في هذه الصورة التي معنا حيث تسبب المدين المماطل في إلحاق الضرر بالدائن حيث انخفضت قيمة العملة وانتقص دون شك حق الدائن.
стр. 6233
المبحث الثاني
تغير قيمة العملة بقرار من الدولة
وهذه الحالة أيضًا تناولها ابن عابدين رحمه الله تعالى فقال: (ثم اعلم أنه تعدد في زماننا ورود الأمر السلطاني بتغيير سعر بعض النقود الرائجة بالنقص واختلف الإفتاء فيه والذي استقر عليه الحال الآن (١) : دفع النوع الذي وقع عليه العقد لو كان معينا كما إذا اشترى سلعة بمائة ريال أفرنجي أو مائة ذهب عتيق) (٢) .
(أو دفع أي نوع كان بالقيمة التي كانت وقت العقد إذا لم يعين المتبايعان نوعا والخيار فيه للدافع كما كان الخيار له وقت العقد) (٣) .
وهو ﵀ يفرق في هذا النص بين أمرين:
الأمر الأول: إذا اتفق الطرفان المتبايعان أو المقرض والمقترض على الوفاء بعملة معينة فإنه يجب دفع النوع الذي وقع عليه العقد.
فلو كان الثمن مائة جنيه مصري أو ثلاثمائة ريال سعودي فإنه يجب الالتزام بما اتفق عليه الطرفان بغض النظر عما صدر من أوامر أو قرارات بتخفيض قيمة الجنيه أو الريال.
الأمر الثاني: إذا لم يحدد المتعاقدان عملة معينة فإن الخيار هنا للدافع (المشتري أو المقترض) حيث يجوز له الوفاء بأي عملة شاء.
والواقع الآن (٤) أن هذه الحالة التي تكلم عنها ابن عابدين لا وجود لها في زماننا – أوائل القرن الخامس عشر الهجري –.وإذا كان ابن عابدين قد تلكم عنها فما ذلك إلا إنها سائدة ومنتشرة في عهده ﵀ (٥) .
فقد كان الاتفاق يتم على بيع سلعة بمائة جنيه مثلا دون بيان نوع هذا الجنيه هل هو شريفي أو محمدي أو بندقي (٦)
стр. 6234
.. وقد يصدر بعد إبرام عقد البيع (هذا – المؤجل الثمن) أمر سلطانى بخفض نوع معين قرشين ونوع آخر ثلاثة قروش ونوع ثالث خمسة قروش.
وفي هذه الحالة يلجأ الدافع إلى السداد بالنوع الذي انخفض خمسة قروش مبالغة في الإضرار.
والذي انتهى إليه العمل في عهد ابن عابدين بالنسبة لهذه الحالة هو الصلح على الأوسط.
ولذلك فقد - ساق بعد العبارة التي نقلناها عنه فيما تقدم قوله: (ولكن الأول (١) ظاهر سواء كان بيعا أو قرضا بناء على ما قدمنا، وأما الثاني (٢) فقد حصل بسببه ضرر ظاهر للبائعين فإن ما ورد الأمر برخصه متفاوت فبعض الأنواع جعله أرخص من بعض فيختار المشتري ما هو أكثر رخصا وأضر للبائع فقد ينقص نوع من النقود قرشا ونوع آخر قرشين فلا يدفع إلا ما نقص قرشين ... وهذا مما لا شك في عدم جوازه (٣) .
стр. 6235
ثم بين ابن عابدين السبب الذي من أجله اختار الحل الوسط فقال: (وإنما اخترنا الصلح لتفاوت رخصها وقصد الإضرار كما قلنا وفي الحديث: ((لا ضرر ولا ضرار)) . ولو تساوى رخصها لما قلنا إلا بلزوم العيار الذي كان وقت العقد كأن صار ما قيمته مائة قرش من الريال يساوى تسعين وكذا سائر الأنواع. أما إذا صار ما قيمته مائة من نوع يساوي تسعين، ومن نوع آخر خمسة وتسعين، ومن آخر ثمانية وتسعين فإن ألزمنا البائع بأخذ ما يساوي التسعين بمائة فقد اختص الضرر به وإن ألزمنا المشتري بدفعه بتسعين اختص الضرر به فينبغي الصلح على الأوسط) (١) .