ووجه قول أبي حنيفة هنا: أن استقراض المثلى إعارة كما أن إعارته قرض، ويجب في استقراض المثلى رد عينه معنى، والثمنية فضل فيه إذ القرض لا يختص به، وبالنظر إلى كونه عارية يجب رد عينه حقيقة، ولكمن لما كان قرضا، والانتفاع به إنما يكون بإتلاف عينه فإن رد عينه حقيقة، فيجب رد عينه معنى، وهو المثل، ويجعل بمعنى العين حقيقة؛ لأنه لو لم يجعل كذلك لزم مبادلة الشيء بجنسه نسيئة وهو لا يجوز.
وأما عند أبي يوسف ومحمد تجب القيمة.
ووجه قولهما: أنه لما بطل وصف الثمنية تعذر ردها كما قبض، فيجب رد قيمتها كما إذا استقرض مثليا فانقطع. واختلفا في وقت القيمة – كالسابق – عند أبي يوسف يوم القبض وعند محمد يوم الكساد (١) .
وجاء في الدرر (٢) : إذا استقرض أحد نقودا غالبة الثمن أو زيوفا عندما كانت واستهلكها ثم كسدت، ففي صورة تأديتها ثلاثة أقوال:
стр. 6162
القول الأول: قول الإمام الأعظم وهو لزوم مثلها كاسدا، وعدم لزوم قيمتها، ولا يعتبر الغلاء والرخص إذا كان في بلد واحد.
القول الثاني: قول الإمام أبي يوسف وهو لزوم قيمتها يوم القبض، وهذا القول أقرب للصواب في زماننا، وقد أفتى بعض مشايخنا بقول أبي يوسف.
القول الثالث: قول محمد وهو لزوم قيمتها في آخر يوم من رواجها والفتوى عليه.
وهذا كله في الكساد إذا كان عاما في كل البلاد، أما إذا كان في بعض البلاد دون بعض، فالمنصوص عليه عند الحنفية أنه لا يبطل البيع ويخير البائع، خلافا لأبي حنيفة وأبي يوسف فإنه يبطل.
قال ابن عابدين: والكساد أن تترك المعاملة في جميع البلاد، فلو في بعضها لا يبطل، لكنه تتعيب إذا لم ترج في بلدهم، فيتخير البائع إن شاء أخذه، وإن شاء أخذ قيمته (١) .
وقال ابن عابدين أيضا: وفي عيون المسائل عدم الرواج إنما يوجب الفساد إذا كان لا يروج في جميع البلدان؛ لأنه حينئذ يصير هالكا ويبقى المبيع بلا ثمن، فأما إذا كان لا يروج في هذه البلدة فقط، فلا يفسد البيع؛ لأنه لا يهلك، ولكنه تعيب وكان للبائع الخيار إن شاء قال: اعطني مثل الذي وقع عليه البيع، وإن شاء أخذ قيمة ذلك دنانير (٢) .
وقال البابرتي في العناية تعليقا على ما نقل في عيون المسائل: قالوا: وما ذكر في العيون يستقيم على قول محمد، وأما على قولهما – أبي حنيفة وأبي يوسف – فلا يستقيم – أي يبطل البيع – وينبغي أن يكتفى بالكساد في تلك البلدة بناء على اختلافهم في بيع الفلس بالفلسين (٣) .
стр. 6163
المذهب الثاني:
ذهب المالكية في المشهور والشافعية والليث بن سعد (١) : إلى أنه إذا كسد النقد لم يكن على المدين غير السكة التي قبضها يوم العقد، وحكى عن الشافعي وجه أن البائع بتخير بين إجازة البيع بالنقد القديم أو فسخه.
جاء في شرح الزرقاني على خليل: وإن بطلت فلوس ترتبت لشخص على آخر أي قطع التعامل بها بالكلية، فالمثل على من ترتبت في ذمته قبل قطع التعامل بها (٢) .
وفي حاشية الرهوني – كما سبقت الإشارة -: وإن بطلت فلوس فالمثل، هذا هو مذهب المدونة وعليه عول غير واحد، ولم يحكوا فيه خلافا، وصرح ابن رشد بأنه المنصوص – كما سبق – وذكر جماعة الخلاف، ورجحوا ما للمصنف (٣) .
وجاء في الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: إن بطلت فلوس أو دنانير أو دراهم ترتبت لشخص على غيره فقطع التعامل بها، ومن باب أولى إذا تغيرت بزيادة أو نقص، فيجب قضاء المثل على من ترتبت في ذمته قبل قطع التعامل بها أو تغيرها (٤) .
ولم يذكر خليل ولا الدردير والدسوقي في هذا خلافا، ولعلهما وافقا المصنف في إهمال خلاف المشهور واعتباره منصوصا عليه.
وجاء في منح الجليل: ومن ابتاع بنقد أو اقترضه، ثم بطل التعامل به، لم يكن عليه غيره (٥) .
وجاء في المعيار أن أبا الوليد الباجي كان يفتي أنه لا يلزمه إلا السكة الجارية حين العقد (٦) .
стр. 6164
وجاء عند الشافعية في المجموع: ولو باع بنقد معين أو مطلق، وحملناه على نقد البلد، فأبطل السكان المعاملة بذلك النقد لم يكن للبائع إلا ذلك النقد، هذا هو المذهب (١) .
وحكى البغدادي والرافعي وجها: أن البائع بخير: إن شاء أجاز البيع بذلك النقد وإن شاء فسخه (٢) .
وفي تحفة المحتاج: ويرد وجوبا المثل في المثلي، ولو نقدا أبطله السكان، لأنه أقرب إلى حقه.
قال الشرواتي: فشمل ذلك ما عمت به البلوى في زمننا في الديار المصرية من إقراض الفلوس الجدد ثم إبطالها وإخراج غيرها وإن لم تكن نقدا (٣) .
المذهب الثالث:
ذهب الحنابلة والمالكية في مقابل المشهور وأبو يوسف ومحمد بن الحسن إلى أن الفلوس إذا كسدت ترد القيمة.
واختلفوا في وقت تقدير القيمة، فذهب جمهور القائلين بهذا الرأي إلى أن الوقت يوم القبض، واشترط بعض المالكية أن يكون يوم القبض من النقد الرائج.
وقال محمد بن الحسن وبعض الحنابلة أنه وقت الكساد وترك المعاملة في آخر نَفاق الفلوس وفي قول عند الحنابلة وقت الخصومة.
стр. 6165
جاء في المغنى مع الشرح الكبير: إن كان القرض فلوسا أو مكسرة فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها، لأنه كالعيب فلا يلزمه قبولها، ويكون له قيمتها وقت القرض سواء كانت باقية أو استهلكها، نص عليها أحمد في الدراهم المكسرة. فقال: يقومها كم تساوي يوم أخذها، ثم يعطيه، وسواء نقصت قيمتها قليلا أو كثيرا، وذكر أبو بكر في التنبيه أنه يكون له قيمتها وقت فسدت وتركت المعاملة بها؛ لأنه كان يلزمه رد مثلها ما دامت نافقة، فإذا فسدت انتقل إلى قيمتها حينئذ كما لو عدم المثل. قال القاضي: هذا إذا اتفق الناس على تركها فأما إن تعاملوا بها مع تحريم السلطان لها لزمه أخذها (١) .
стр. 6166
وفي كشاف القناع: إن كان القرض فلوسا أو دراهم مكسورة فيحرمها أي يمنع الناس من المعاملة بها السلطان، أو نائبه، سواء اتفق الناس على ترك المعاملة بها أو لا؛ لأنه كالعيب فلا يلزمه قبولها، فللمقترض القيمة عن الفلوس والمكسرة في هذه الحال وقت القرض سواء كانت باقية أو استهلكها، وسواء نقصت قيمتها قليلا أو كثيرا، والمغشوشة إذا حرمها السلطان كذلك. وعلم منه: أن الفلوس إن لم يحرمها وجب رد مثلها، غلت أو رخصت، أو كسدت وتكون قيمة ذلك من غير جنسه إن جرى فيه ربا فضل، كما لو أقرضه دراهم مكسورة، فحرمها السلطان أعطى قيمتها ذهبا حذرا من ربا الفضل وعكسه بعكسه، فلو أقرضه دنانير مكسورة فحرمها السلطان أعطى قيمتها فضة (١) .
وجاء في الإنصاف: إن كان فلوسا أو مكسرة فيحرمها السلطان " الصحيح من المذهب أن له القيمة، سواء اتفق الناس على تركها أو لا، وعليه أكثر الأصحاب، وجزم به كثير منهم، وقدمه في المغنى والشرح وغيرهما، وقال القاضي: إن اتفق الناس على تركها فله القيمة، وإن تعاملوا بها مع تحريم السلطان لها، لزمه أحدها، وقيل: له القيمة وقت تحريمها، قاله أبو بكر في التنبيه، وقال في المستوعب: وهو الصحيح عندي، وقال في الفروع غيره: والخلاف فيما إذا كانت ثمنا، وقيل: له القيمة وقت الخصومة" (٢) .
стр. 6167
أما مقابل المشهور عند المالكية: فقد ذهب ابن عتاب وسعيد بن لب وعبد الحميد الصائغ، وعزى لأشهب، ونُقِل عن سحنون: بأن يرجع إلى القيمة، واختلفوا فقال ابن عتاب وسعيد بن لب وعبد الحميد الصائغ: يرجع إلى قيمة السكة المقطوعة من الذهب، ويأخذ صاحب الدين القيمة من الذهب. وبه كان يفتي ابن دحون، وفسر ابن الصائغ القيمة بأنها يوم دفعها إليه بهذه السكة الموجودة.
وقال سحنون: يرجع إلى قيمة السلعة يوم دفعها بالسكة الجديدة، ونقل عنه أنه يقضي بقيمة الفلوس، وقال أبو يونس وأبو حفص قيمتها يوم الحكم، وبه قال سحنون في صورة قرض – مخصوصة – كما سيأتي – وذهب ابن عبد البر بأنه يأخذ السكة الأخيرة الجارية حين القضاء. فجاء في أقوالهم: سئل ابن الحاج عمن عليه دراهم فقطعت تلك السكة.
فأجاب: أخبرني بعض أصحابنا أن ابن جابر فقيه إشبيليه قال: نزلت هذه المسائل بقرطبة أيام نظري فيها في الأحكام، ومحمد بن عتاب حي ومن معه من الفقهاء، فانقطعت سكة ابن جهور بدخول ابن عباد سكة أخرى، فأفتى الفقهاء أنه ليس لصاحب الدين إلا السكة القديمة وأفتى ابن عتاب بأن يرجع في ذلك إلى قيمة السكة المقطوعة من الذهب ويأخذ صاحب الدين القيمة من الذهب.
قال: وأرسل إلى ابن عتاب فنهضت إليه فذكر المسألة، وقال لي: الصواب فيها فتواي فاحكم بها، ولا تخالفها، أو نحو هذا الكلام.
стр. 6168
وسئل الأستاذ أبو سعيد بن لب عن رجل باع سلعة بالناقص المتقدم بالحلول، فتأخر الثمن إلى أن تحول الصرف. وكان ذلك على جهة فبأيهما يقضي له؟ وعن رجل آخر باع بالدراهم المفلسة فتأخر الثمن إلى أن تبدل فبأيهما يقضي له؟
فأجاب: لا يجب للبائع قِبَلَ المشتري إلا ما انعقد البيع في وقته لئلا يظلم المشتري بإلزامه ما لم يدخل عليه في عقده، فإن وجد المشتري ذلك قضاه إياه، وإن لم يوجد رجع إلى القيمة ذهبا لتعذره.
ومن باع بالدراهم المفلسة الوزانة فليس له غيرها، إلا أن يتطوع المشتري، بدفع وازنة غير مفلسة بعد المفلسة فضلا منه.
وكان أبو محمد بن دحون ﵀ يفتي بالقيمة يوم القرض ويقول: إنما أعطاها على العوض، فله العوض، أخبرني به الشيخ أبو عبد الله بن فرج عنه، وكان الفقيه أبو عمر بن عبد البر يفتي فيمن اكترى دارا أو حماما إما بدراهم موصوفة جارية بين الناس حين العقد، ثم غيرت دراهم تلك البلد إلى أفضل منها، أنه يلزم المكتري النقد الثاني الجاري حين القضاء، دون النقد الجاري حين العقد.
وقد نزل هنا ببلنسية حين غيرت دراهم السكة التي كان ضربها القيسي وبلغت ستة دنانير بمثقال، ونقلت إلى سكة أخرى كان صرفها ثلاثة دنانير للمثقال، فالتزم ابن عبد البر السكة الأخيرة، وكانت حجته في ذلك، أن السلطان منع من إجرائها وحرم التعامل بها، وهو خطأ من الفتوى.
وأفتى أبو الوليد الباجي أنه لا يلزمه إلا السكة الجارية حين العقد (١) .
وجاء في حاشية الرهوني قوله: يرجع في ذلك إلى قيمة السكة المقطوعة أي على تقدير ثبوت التعامل بها، ووقع نحوه في كتاب ابن سحنون وحكاه المازري عن شيخه عبد الحميد، وعزى لأشهب؛ لأنه دفع شيئا منتفعا به فلا يظلم بإعطاء ما لا ينتفع به، وقيل يرجع في ذلك إلى قيمة السلعة يوم دفعها بالسكة الجديدة، وقد يظهر ببادئ الرأي أن الشاذ أولى لظهور وجهه المتقدم، وليس كذلك بل المشهور هو الذي يظهر وجهه؛ لأن ذلك مصيبة نزلت كما قاله أبو الحسن (٢) .
стр. 6169
وقد علق الونشريسي على فتوى ابن عتاب وعللها تعليلا جيدا، وبين أوجه ظواهر النقل فقال: ومن المعلوم أن ابن عتاب إنما التفت في فتياه إلى وصف التعامل على كيفيته في وقته؛ لأن قيمة الشيء بمنزلته، فقد جعل الخسارة في قطع التعامل لاصقة بجهة المطلوب، وذلك عين ما قصدت في النازلة المذكورة عند بقاء السكة نفسها ورجوعها إلى أصلها الذي لم يزل معتبرا فيها، ولما أهمل غيره ذلك الوصف مع أنه مدخول عليه في أصل العقد رأي أنه غير مصيب في فتياه، وهذا وجه ثان من ظواهر النقل، ثم قال: ومثل قول ابن عتاب وقع في كتاب ابن سحنون في الفلوس إذا قطعت، ونحوه حكى المزري عن شيخه عبد الحميد، وأنه عدل عن غيره إليه، وقد أضافه ابن محرز إلى أشهب في كتاب ابن المواز، وهذا وجه ثالث من ظواهر النقل (١) .
وذكر الونشريسي المسألة في موضوع آخر وعلق عليها، وذكر التفريع والتخريج فقال: عن حفص العطار: من لك عليه دراهم فقطعت ولم توجد قيمتها من الذهب بما تساوي يوم الحكم لو وجدت.
وحكى ابن يونس عن بعض القرويين: إذا أقرضه دراهم فلم يجدها في الموضع الذي هو به الآن أصلا، فعليه قيمتها بموضع إقراضه إذا أقرضه إياها يوم الحكم لا يوم كان دفعها إليه.
وفي كتاب ابن سحنون: إذا أسقطت يتبعه بقيمة السلعة يوم قبضت؛ لأن الفلوس لا ثمن لها وفرع على هذا الأصل: من تسلف دراهم فلوسا أو نقرة بالبلاد المشرقية، ثم جاء مع المقرض إلى بلاد المغرب، فوقع الحكم بأنه يلزمه قيمتها في بلدها يوم الحكم كما قال ابن يونس وأبو حفص مع ظاهر المدونة في الرهون، وعلى القول الآخر الذي تلزمه قيمتها يوم فقدت وقطعت وتكون حينئذ قيمتها يوم خروجه من البلد الذي هي جارية فيه، إذ هو وقت فقدها وقطعها وعليه أيضا إذا حالت السكة أو الفلوس بعد الوصول في تلك البلاد والفتاوى فيها أيضا أنه يعطي قيمة الفلوس أو الدراهم المقطوعة في تلك البلاد يوم الحكم ذهبا (٢) .
стр. 6170
ويظهر مما سبق اضطراب النقل لمقابل المشهور، وقد جمع الرهوني أقوالهم وحصلها فقال: وحاصل ما ذكر: أنه يتعين أخذ السكة، إن كانت موجودة وهذا هو المشهور، والشاذ يقضي بقيمتها، قاله في كتاب ابن سحنون. ومثله لعبد الحميد الصائغ. قال ابن عبد السلام: لا أدري كيف يتصور القضاء بقيمتها مع وجودها إلا أن يريد بقيمتها يوم تعلقها في الذمة لا يوم حلول الأجل، وهو مع ذلك مشكل لأنه إلزام لمن هو في ذمته أكثر مما التزم، وأجاب الصائغ إذا فسدت السكة وباعه بثمن إلى أجل، وصارت غيرها، وصار الأمر إلى خلاف ما دخلا عليه، فعليه قيمتها يوم دفعها إليه بهذه السكة الموجودة الآن، وقد اضطرب فيها المتقدمون والمتأخرون والأولى ما ذكرت لك.
وفي كتاب ابن سحنون إذا سقطت يتبعه بقيمة السلعة يوم قبضت؛ لأن الفلوس لا ثمن لها ووجه ما في المدونة أنها جائحة نزلت به، وجزم أبو الحسن في كتاب الصرف بأن الشاذ الإتب٠اع بقيمة السلعة فقال ما نصه: وحكى عن ابن شاس أنه قال: إذا كانت الفلوس من بيع على المبتاع قيمة السلعة وهذا خلاف المشهور؛ لأن ذلك مصيبة نزلت به، والذي في الجواهر لابن شاس هو ما نصه: لو كان التعامل بالفلوس، ثم قطعت فهل يقضي فيه بالمثل، أو بالقيمة، المشهور المعروف من المذهب القضاء بالمثل، وإن فسدت إذا وجدت، وحكى بعض المتأخرين عن كتاب ابن سحنون القضاء بالقيمة، ورآه أبو إسحاق التونسي وغيره قياسا (١) .
ونقل النص على القيمة من قول أبي يوسف ومحمد: "إذا اشترى بالفلوس أو الزيوف سلعة ثم كسدت قال أبو حنيفة: يبطل العقد، وقال أبو يوسف ومحمد: لم يبطل وعليه قيمتها، لكن عند أبي يوسف قيمته يوم البيع، وعند محمد آخر ما تعامل الناس بها" (٢) ، وقد سبق تفصيل هذا الرأي.
стр. 6171
* * *
الحالة الثانية – الانقطاع ومذاهب الفقهاء فيه:
فسر ابن عابدين الانقطاع: بألا يوجد النقد في السوق، وإن وجد في يد الصيارفة والبيوت.
ثم نقل فقال " وقيل: إذا كان يوجد في أيدي الصيارفة فليس بمنقطع والأول أصح" (١) .
وقال الزرقاني والبناني في معرض بيان معنى الانقطاع: أنه الانعدام "جملة في بلد تعامل المتعاقدين وإنه وجدت – أي الفلوس – حين القبض في غيرها" (٢) . والفقهاء لم يلتزموا لفظ الانقطاع فحسب، بل قد يستخدمون ألفاظا أخرى، كما سيتضح من النقول عنهم.
وقد اتفق جمهور الفقهاء: الحنفية في قول أبي يوسف ومحمد وهو المفتي به والمالكية والشافعية والحنابلة على وجوب القيمة عند الانقطاع لكنهم اختلفوا في وقت تقديرها: فعند المالكية في المعتمد وقت الحكم والقول الثاني أبعد الأجلين من الاستحقاق والانقطاع.
وعند الشافعية وقت المطالبة، سواء يوم انقطاع إن كان حالا، أو يوم حلول الأجل.
وعند الحنابلة ومحمد بن الحسن وبه يفتي عند الحنفية أن القيمة آخر يوم قبل الانقطاع وعند أبي يوسف يوم التعامل.
стр. 6172
مذهب الحنفية:
ذهب أبو حنيفة – كما سبق – إلى أن الانقطاع يوجب فساد البيع، وخالفه أبو يوسف ومحمد بن الحسن.
قال ابن عابدين: " إن انقطعت بأن لا توجد في السوق، ولو وجدت في يد الصيارفة، أو في البيوت، فقيل: يفسد البيع، وقيل: تجب في آخر يوم الانقطاع، وهو المختار " (١) .
ونقل ابن عابدين عن كتاب المضمرات قوله: " فإن انقطع ذلك فعليه من الذهب والفضة قيمته في آخر يوم انقطع وهو المختار" (٢) .
وقال في تنبيه الرقود: "وإن انقطع بحيث لا يقدر عليها، فعليه قيمتها في آخر يوم انقطع من الذهب والفضة هو المختار " (٣) .
وقال أيضا: وإن انقطعت تلك الدراهم اليوم كان عليه قيمة الدراهم قبل الانقطاع عند محمد وعليه الفتوى: (٤) .
وقال أيضا: "وأما الكساد والانقطاع فالذي يظهر أن البيع لا يفسد إجماعا إذا سميا نوعا منه، وذلك لأنهم ذكروا في الدراهم التي غلب غشها ثلاثة أقوال: الأول: قول أبي حنيفة بالبطلان، والثاني: قول الصاحبين بعدمه، وهو قول الشافعي وأحمد لكن قال أبو يوسف: عليه قيمتها وقت البيع. وقال محمد: يوم الانقطاع. وفي الذخيرة الفتوى على قول أبي يوسف. وفي التتمة، والمختار، والحقائق. بقول محمد يفتي رفقا بالناس" (٥) .
وعلة قول أبي يوسف بوقت البيع؛ لأنه مضمون به، وعند محمد يوم الانقطاع؛ لأنه أوان الانتقال إلى القيمة (٦) .
стр. 6173
وقال المالكية في المعتمد:
القيمة يوم الحكم. وقول: وقت اجتماع الاستحقاق أي الحلول ويوم العدم فالعبرة بالمتأخر منهما، وهذا هو المشتهر عندهم.
جاء في الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: إن عدمت الفلوس بالكلية في بلد المتعاقدين وإن وجدت في غيرها، فالقيمة واجبة على من ترتبت عليه ما تجدد أي يدفعها مما تجدد وظهر من المعاملة فيقال: ما قيمة العشرة دراهم التي عدمت بهذه الدراهم التي تجددت فيقال: ثمانية دراهم مثلا فيدفع المدين ثمانية من تلك الدراهم التي تجددت وإذا قيل: قيمتها اثنا عشر، دفع اثني عشر منها وهكذا.
وقال خليل: تعتبر القيمة وقت اجتماع الاستحقاق أي الحلول ويوم العدم، فالعبرة عنده بالمتأخر منهما، فإن كان العدم والاستحقاق حصلا في وقت واحد، فالأمر ظاهر. وإن تقدم أحدهما على الآخر فالعبرة بالمتأخر منهما، إذ لا يجتمعان إلا وقت المتأخر منهما، فإذا استحقت ثم عدمت اعتبرت القيمة يوم العدم، وإن عدمت ثم استحقت اعتبرت القيمة يوم الاستحقاق ولم يذكر خليل القول المعتمد.
وقال الدرديري: المعتمد أن القيمة تعتمد يوم الحكم، قال الدسوقي: أي اليوم الذي هو متأخر عن يوم العدم وعن يوم الاستحقاق. وانظر على هذا القول: إذا لم يقع تحاكم.
والظاهر أن طلبها بمنزلة التحاكم، وحينئذ تعتبر القيمة يوم طلبها ثم قال: إن قول المصنف: من أن القيمة تعتبر وقت اجتماع الاستحقاق والعدم. وكذا على المعتمد من أنها تعتبر يوم الحكم. ظاهره ولو حصلت مماطلة من المدين حتى عدمت تلك الفلوس. وبه قال بعضهم. وقال بعض: كل من القولين مقيد بما إذا لم يكن من المدين مطلب، وإلا كان لربها الأحظ من أخذ القيمة، أو مما آل إليه الأمر من السكة الجديدة الزائدة على القديمة. وهذا هو الأظهر، لظلم المدين بمطله فليس لربه إلا قيمته يوم امتناعه وتبين ظلمه (١) .
стр. 6174
وقول المالكية باعتبار يوم الحكم أولى عندي من غيره فهو أرفق بالناس وأحرى ألا يختلفوا بعده، وما كان قبل هذا اليوم فهو مظنة الخلاف.
وقال الخرشي: إن عدمت فالواجب على من ترتبت عليه قيمتها مما تجدد وظهر، وتعتبر قيمتها وقت أبعد الأجلين عند تخالف الوقتين من العدم والاستحقاق، فلو كان انقطاع التعامل بها أو تغيرها أول الشهر الفلاني. وإنما حل الأجل آخره. فالقيمة آخره. بالعكس بأن حل الأجل أوله وعدمت آخره فالقيمة يوم العدم ولو آخره أجلا ثانيا وقد عدمت عند الأجل الأول فالقيمة عند الأجل الأول؛ لأن التأخير الثاني إنما كان بالقيمة، وبعبارة ولو آخره بها بعد حلول أجلها، وقبل عدمها، ثم عدمت في أثناء أجل التأخير فإنه يلزمه قيمتها عند حلول أجل التأخير، كما يفيده كلام أبي الحسن الشاذلي، ويفهم منه أنه إذا تأخر عدمها عن الأجل الثاني أن قيمتها تعتبر يوم عدمها، ثم قال: وكلام المؤلف مقيد بما إذا لم يحصل من المدين مطل وإلا وجب عليه ما آل إليه، أي من المعاملة الجديدة لا القيمة لأنه ظالم (١) .
وهذا ترجيح من الخرشي للتقييد بالمطل – وقد خالف بذلك ظاهر كلام المصنف خليل والمدونة والوانوغي وكثيرا من المالكية.
وجاء في شرح الزرقاني عن انقطاع الفلوس: بأن القيمة واجبة على من ترتبت عليه مما تجدد وظهر، وتعتبر قيمتها وقت اجتماع الاستحقاق، أي الحلول والعدم معا، ولا يجتمعان إلا وقت المتأخر منهما، فأشبه وقت الإتلاف، فإذا استحقت ثم عدمت فالتقويم يوم العدم، وإن عدمت ثم استحقت فالقيمة يوم استحقت، كأقصى الأجلين في العدة.
ثم قال: وهذا كله على مختار المصنف خليل هنا تبعا لابن الحاجب تبعا للخمي وابن محرز، والذي اختاره ابن يونس وأبو حفص أن القيمة تعتبر يوم الحكم قال أبو الحسن الشاذلي وهو الصواب.
وقال البرزلي وهو ظاهر المدونة فكان على المصنف أن يذكر القولين، أو يقتصر عن الثاني ثم استشكل الزرقاني مسألة تقييد الموضوع بالمطل، وهو أمر مختلف فيه فقال فيه: وعليه فانظر إذا لم يقع تحاكم: هل يكون الحكم ما مشي عليه المصنف أو تعتبر قيمتها يوم حلولها إن كانت مؤجلة، ويوم طلبها إن كانت حالة، أو يقال: بمنزلة التحاكم، وظاهر كلام المصنف كالمدونة سواء مطله بها أم لا. وقيدها الوانوغري وأقره في التكميل بما إذا لم يكن من المدين مطل، وإلا وجب عليه لمطله ما آل إليه الأمر من السكة الجديدة الزائدة على القديمة كما هو ظاهر (٢) .
ونقل في فتح الجليل عن القرافي قوله: "ولو انقطع ذلك النقد حتى لا يوجد لكان له قيمته يوم انقطاعه إن كان حالا، وإلا فيوم يحل الأجل لعدم استحقاق المطالبة قبله" (٣) .
стр. 6175
وعند الشافعية:
جاء في تحفة المحتاج، ويرد وجوبا المثل في المثلي حيث لا استبدال، ولو نقدا أبطله السلطان فشمل الفلوس الجديد. وعللوا ذلك بأنه أقرب إلى حقه (١) .
وقال الرملي: إن فقد وله مثل وجب، وإلا فقيمته وقت المطالبة (٢) .
وفصل في المجموع بناء على حكم الاستبدال على الثمن وانقطاع المسلم فيه. فقال: لو باع بنقد قد انقطع من أيدي الناس فالعقد باطل؛ لعدم القدرة على التسليم، فإن كان لا يوجد في ذلك البلد، ويوجد في غيره، فإن كان الثمن حالا أو مؤجلا إلى أجل لا يمكن نقله فيه، فالعقد باطل أيضا، وإن كان مؤجلا إلى مدة يمكن نقله فيها صح البيع، ثم إن حل الأجل وقد أحضره فذاك، وإلا فينبني على أن الاستبدال على الثمن هل يجوز. إنا قلنا: لا، فهو كانقطاع المسلم فيه. وإن قلنا: نعم، استبدال ولا ينفسخ العقد على المذهب، وفيه وجه ضعيف: أنه ينفسخ. أما إذا كان يوجد في البلد ولكنه عزيز فإن جوزنا الاستبدال، صح العقد. فإن وجد فذاك وإلا فيستبدل، وإن لم نجوزه لم يصح. أما إذا كان النقد الذي جرى به التعامل موجودا ثم انقطع فإن جوزنا الاستبدال استبدل وإلا فهو كانقطاع المسلم فيه (٣) .
стр. 6176
وقد حاول ابن البلقيني والسيوطي تخريج مسألة تغير قيمة الفلوس حال انعدامها أو عزتها على مسألة إبل الدية فقال:
وظهر لي في ذلك أن هذه المسألة قريبة الشبه من مسألة إبل الدية، والمنقول في إبل الدية: أنها إذا فقدت، فإنه يجب قيمتها بالغة ما بلغت على الجديد. قال الرافعي: فَتُقَوَّمُ الإبل بغالب نقد البلد، وتراعى صفتها في التغليظ، فإن غلب نقدان في البلد تخير الجاني. وتقوم الإبل التي لو كانت موجودة وجب تسليمها. فإن كانت له إبل معيبة، وجبت قيمة الصحاح من ذلك الصنف، وإن لم يكن هناك إبل فيقوم من صنف أقرب البلاد إليهم، وحكى صاحب التهذيب وجهين: في أنه هل تعتبر قيمة مواضع الوجود، أو قيمة بلد الإعواز لو كانت الإبل موجودة فيها؟ والأشبه الثاني. ووقع في لفظ الشافعي: في أنه يعتبر قيمة يوم الوجوب، والمراد على ما يفهمه كلام الأصحاب، يوم وجوب التسليم، ألا تراهم قالوا: إن الدية المؤجلة على العاقلة تُقَوَّم كل نجم منها عند محله، وقال الروياني: إن وجبت الدية والإبل مفقودة فتعتبر قيمتها يوم الوجوب أما إذا وجبت وهي موجودة فلم يتفق الأداء حتى أعوزت. تجب قيمة يوم الإعواز؛ لأن الحق حينئذ تحول إلى القيمة. ثم بين وجه الشبه بين المسألتين، وتخريج المسألة فقال: فهذه تناظر مسألتنا؛ لأنه وجب عليه متقوم معلوم الوزن، وهو قنطار من الفلوس مثلا فلم يجده، فإن جرينا على ظاهر النص الذي نقله الرافعي، فلا يلزمه الحاكم إلا بقيمة يوم الإقرار. فينظر في سعر الذهب والفضة يوم الإقرار، ويحكم عليه القاضي بذلك، وإن قلنا: بما قاله الروياني، فتجب قيمتها يوم الإعواز فإن الأقارير كانت قبل العزة- انتهي ما أجاب به ابن البلقيني.
стр. 6177
ثم قال السيوطي عن ابن البلقيني: واعلم أنه نحا في جوابه إلى اعتبار قيمة الفلوس؛ وذلك لأنها عدمت فلم تحصل إلا بزيادة. والمثلى إذا عدم أو عزَّ فلم يحصل إلا بزيادة لم يجب تحصيله، كما صححه النووي في الغصب بل يرجع إلى قيمته، وإنما نبهت على هذا لئلا يظن أن الفلوس من المتقومات وإنما هي من المثليات في الأصح والذهب والفضة المضروبان مثليان بلا خلاف، إلا أن في المغشوش منهما وجها أنه متقوم (١) .
وقال السيوطي أيضا: إن عدمت الفلوس العتق فلم توجد أصلا، رُجِعَ إلى قدر قيمتها من الذهب والفضة، ويعتبر ذلك يوم المطالبة، فيأخذ الآن لو قدر انعدامها في كل عشرة أرطال دينارا.
ولو اقترض منها فلوسا عددا كستة وثلاثين، ثم أبطل السلطان المعاملة بها عددا، وجعلها وزنا كل رطل بستة وثلاثين، كما وقع في بعض السنين، فإن كان الذي قبضه معلوم القدر بالوزن رجع بقدره وزنا، ولا تعتبر زيادة قيمته ولا نقصها، وإن لم يكن وزنه معلوما، فهو قرض فاسد؛ لأن شرط القرض أن يكون المقرض معلوم القدر بالوزن، أو الكيل، وقرض المجهول فاسد، والعدد لا يعتبر به والمقبوض بالقرض الفاسد يضمن بالمثل، أو بالقيمة، وهنا قد تعذر الرجوع إلى المثل للجهل بقدره فيرجع إلى القيمة. وهل تعتبر قيمة ما أخذه يوم القبض أو يوم الصرف؟ الظاهر الأول فقد أخذ ما قيمته يوم قبضه ستة وثلاثون فيرد ما قيمته الآن كذلك. وهو رطل أو مثله من الفضة أو الذهب (٢) .
أما الحنابلة فقد نصوا على حال الإعواز – كما سبق – جاء في كشاف القناع "وإذا كان المقرض ببلد المطالبة تحرم المعاملة به في سيرة السلطان، فالواجب على أصلنا القيمة، إذ لا فرق بين الكساد لاختلاف الزمان أو المكان، ثم قال: فإن أعوز المثل. قال في الحاشية: عوز الشيء عوزا من باب: عز فلم يوجد، وأعوزني المطلوب، مثل أعجزني لفظا ومعنى، لزم المقترض قيمته أي المثل يوم إعوازه؛ لأنها حينئذ ثبتت في الذمة، ويجب على المقترض رد قيمة ما سوى ذلك أي المكيل والموزون، لأنه لا مثل له، فضمن بقيمته كالغصب" (٣) .
стр. 6178
الحالة الثالثة – الرخص والغلاء ومذاهب الفقهاء فيه:
ومعنى أن الرخص والغلاء: أن الفلوس أو الأوراق النقدية، قد تهبط قيمتها بضعف قوتها الشرائية فترخص وهذا هو الغالب، وقد ترتفع قيمتها فتقوى قوتها الشرائية فيقال، غلت، وقد يحدث ذلك بعد أن ثبت في ذمة المدين قيمة قرض أو ثمن بيع بالأجل أو غير ذلك. وحل الأجل. فهل يؤدي ما التزم به باعتبار الرخص والغلاء، أما لا اعتبار لهما؟ وفي جميع الأحوال قد يحدث الرخص والغلاء بفعل الدولة أو بسبب العرض والطلب أو بغير ذلك.
اختلف الفقهاء في ذلك على مذهبين ووجه:
المذهب الأول:
ذهب جمهور الفقهاء: المالكية والشافعية والحنابلة وهو قول أبي حنيفة إلى أن الواجب أداء ذات النقد الثابت في ذمة المدين ولا اعتبار للرخص أو الغلاء.
فنص المالكية – كما سبق – على وجوب المثل في إبطال الفلوس، واعتبروا تغيرها كذلك من باب أولى، فقال خليل وشارحه الزرقاني: "وإن بطلت فلوس ترتبت لشخص على آخر أي قطع التعامل بها بالكلية، وأولى تغيرها بزيادة، أو نقص، مع بقاء عينها، فالمثل على من ترتبت في ذمته قبل قطع التعامل بها، أو التغير. ولو كانت حين العقد مائة بدرهم، ثم صارت ألفا به، كما في المدونة أي أو عكسه لأنها من المثليات (١) .
وقال الدسوقي: إذا بطلت فلوس ترتبت لشخص على غيره بقرض، أو بيع أو نكاح، أو كانت عنده وديعة وتصرف فيها، وكذا لو دفعها لمن يعمل بها قراضا، فالواجب المثل على من ترتبت في ذمته، ولو كانت الفلوس حين العقد مائة بدرهم، ثم صارت ألفا به" (٢) .
وقال في منح الجليل عن المدونة: "إن أقرضته دراهم فلوسا، وهو يومئذ مائة فلس بدرهم، ثم صارت مائتي فلس بدرهم، فإنما يرد إليكم مثل ما أخذ لا غير ذلك " (٣) .
стр. 6179
وفي المعيار: سئل سعيد بن لب عن رجل باع سلعة بالناقص المتقدم بالحلول فتأخر الثمن إلى أن تحول الصرف، وكان ذلك على جهة، فبأيهما يقضي له؟ وعن رجل آخر باع بالدراهم المفلسة فتأخر الثمن إلى أن تبدل فأيهما يقضي له؟.
فأجاب: لا يجب للبائع قبل المشتري إلا ما انعقد البيع في وقته لئلا يظلم المشتري بإلزامه ما لم يدخل عليه في عقده (١) .
وعند الشافعية يرد المثل أيضا. قال السيوطي في تعليقه على قول النووي في الروضة: " لو باع بنقد معين، أو مطلق، وحملناه على نقد البلد، فأبطل السلطان ذلك النقد ..." قال السيوطي تفريعا على قول النووي: إن باع برطل فلوسا فهذا ليس له إلا رطل زاد سعره أم نقص، سواء كان عند البيع وزنا فجعل عددا أو عكسه، فإن باع بألف فلوسا، أو فضة، أو ذهبا، ثم يتغير السعر فظاهر عبارة الروضة المذكورة أن ليس له ما يسمى ألفا عند البيع، ولا عبرة بما طرأ، ويحتمل أن له ما يسمى ألفا عند المطالبة. وتكون عبارة الروضة محمولة على الجنس لا على القدر، وهذا الاحتمال وإن كان أوجه من حيث المعنى إلا أنه لا يتأتى في صورة الإبطال؛ إذ لا قيمة حينئذ إلا عند العقد لا عند المطالبة ويرده أيضا التشبيه بمسألة الحنطة إذا رخصت (٢) .
وكذلك يرد المثل بناء على اعتبار الشافعية الفلوس من المثليات في الصحيح. فالقرض مثلا يرد بمثله مطلقا. سواء كان ذهبا أو فضة أو فلوسا، وسواء زادت قيمته أو نقصت قال ابن حجر: (ويرد وجوبا حيث لا استبدال المثل في المثلى، لأنه أقرب إلى حقه) (٣) .
стр. 6180
وأما أقوال الحنابلة في رد المثل فجاء في المغني:
"وأما رخص السعر فلا يمنع سواء كان قليلا أو كثيرا؛ لأنه لم يحدث فيها شيء إنما تغير السعر. فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت، وكذلك يخرج في المغشوشة إذا حرمها السلطان".
وجاء فيه أيضا: "أن المستقرض يرد المثل في المثليات سواء رخص سعره أو غلا" (١) .
وفي مطالب أولي النهى: "ويجب على مقترض رد مثل فلوس اقتراضها، ولم تحرم المعاملة بها، ورد مثل دراهم مكسرة أو مغشوشة غلت، أو رخصت" (٢) .
وفي مجلة الأحكام مادة ٧٥٠: "وإذا كان القرض فلوسا أو دراهم مكسرة، أو أوراقا نقدية، فغلت أو رخصت أو كسدت، ولم تحرم المعاملة بها وجب رد مثلها " (٣) .
المذهب الثاني:
مذهب الحنفية: وهو قول أبي يوسف وعليه العمل والفتوى وهو وجوب أداء القيمة في الرخص والغلاء، فإن كان ما في الذمة قرضا، فتجب القيمة يوم القبض، وإن كان بيعا فالقيمة يوم العقد. وأما أبو حنيفة فرأيه مع الجمهور، ويعلم مذهبه من بيان رأي أبي يوسف التالي تفصيله.
نقل ابن عابدين عن المنتقى قوله: "إذا غلت الفلوس قبل القبض، أو رخصت قال أبو يوسف: قولي وقول أبي حنيفة في ذلك سواء، وليس له غيرها ثم رجع أبو يوسف، وقال: عليه قيمتها من الدراهم، يوم وقع البيع أي في صورة البيع، ويوم وقع القرض، أي في صورة القبض. ثم قال ابن عابدين: وبه علم أن في الرخص والغلاء قولان، الأول: ليس له غيرها، والثاني: قيمتها يوم البيع وعليه الفتوى (٤) .
ونقل عن الولواجية في: رجل اشترى ثوبا بدراهم نقد البلدة فلم ينقدها حتى تغيرت، فهذا على وجهين: إن كانت تلك الدراهم لا تروج اليوم في السوق أصلا قد فسد البيع؛ لأنه هلك الثمن وإن كانت تروج لكن انتقص قيمتها لا يفسد لأنه لم يهلك وليس له إلا ذلك (٥) .
стр. 6181
وقال ابن عابدين في حاشيته نقلا عن التمرتاشي في رسالته " بذل المجهود في مسألة تغير النقود ".
"إذا غلت قيمة الفلوس أو انتقصت، فالبيع على حاله، ولا يتخير المشتري، ويطالب بالنقد بذلك العيار الذي كان وقت البيع كذا في فتح القدير، وفي البزازية عن المنتقى غلت الفلوس أو رخصت، فعند الإمام الأول – أبو حنيفة – والثاني – أبو يوسف – أولا – أي رأي أبي يوسف الأول – ليس عليه غيرها، وقال الثاني – أبو يوسف – ثانيا – أي قول أبي يوسف الثاني – عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض وعليه الفتوى وهكذا في الذخيرة والخلاصة عن المنتقى، ونقله في البحر وأقره. فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات، فيجب أن يعول عليه إفتاء، وقضاء، ولم أر من جعل الفتوى على قول الإمام، هذا خلاصة ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى في رسالته " بذل المجهود في مسألة تغير النقود " (١) .
ونقل عن البزازية: "استقرض منه دانق فلوس حال كونها عشرة بدانق، أو رخص وصار عشرين بدانق، يأخذ منه عدد ما أعطى، ولا يزيد ولا ينقص. قلت: هذا مبني على قول الإمام وهو قول أبي يوسف أولا، وقد علمت أن المفتى به قوله ثانيا، وجوب قيمتها يوم القرض، وهو دانق أي سدس درهم سواء صار الآن ستة فلوس بدانق أو عشرين بدانق تأمل " (٢) .
وقال في العقود الدرية: وإن رخصت أو غلت فقيل: ليس للبائع غيرها، فيجب على المشتري رد المثل، وقيل: تجب بقيمتها يوم البيع، أو يوم القرض في صورة القرض. ثم قال وعليه الفتوى، وهذا كله في الدراهم التي غلب غشها والفلوس (٣) .
стр. 6182
وقد جزم ابن عابدين بأن المفتي به قول أبي يوسف نقلا عن الغزي قال: وقد تتبعت كثيرا من المعتبرات من كتب مشايخنا المعتمدة، فلم أر من جعل الفتوى على قول أبي حنيفة ﵁، بل قالوا: به كان يفتي القاضي الإمام. وأما قول أبي يوسف فقد جعلوا الفتوى عليه في كثير من المعتبرات، فليكن المعول عليه. انتهي كلام الغزي رحمه الله تعالى (١) .
ثم قال نقلا عن شيخه سعيد الحلبي بإقرار قول أبي يوسف إفتاء وقضاء فقال: وقد نقله شيخنا في بحر وأقره فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات فيجب أن يعول عليه إفتاء وقضاء؛ لأن المفتي والقاضي واجب عليهما الميل إلى الراجح من مذهب إمامهما، ومقلدهما، ولا يجوز لهما الأخذ بمقابله؛ لأنه مرجوح بالنسبة إليه وفي فتاوى قاضي خان يلزمه المثل، وهكذا ذكر الإسيجابي قال: ولا ينظر (٢) .
стр. 6183
الوجه، وهو رأي الشيخ الرهوني:
ذكر الشيخ الرهوني رأي المالكية في وجوب المثل في الرخص والغلاء، ووافق على هذا، وبين أنه لا خلاف في هذه المسألة، وإنما الخلاف في الكساد فقال: "ظاهر كلام غير واحد من أهل المذهب، وصريح آخرين منهم، أن الخلاف محله إذا قطع التعامل بالسكة القديمة جملة، وأما إذا تغيرت بزيادة أو نقص فلا".
ذكر حجة مقابل المشهور في وجوب القيمة وتعليلهم في الكساد بقصد رد هذه الحجة فقال: وقد يظهر ببادئ الرأي أن مقابل المشهور أولى لما علل به قائله من أن البائع إنما يدل سلعته في مقابلة منتفع به لأخذ منتفع به، فلا يظلم بإعطائه مالا ينتفع به، وليس كذلك بل المشهور هو الذي يظهر وجهه؛ لأن ذلك مصيبة نزلت به، ثم بين أن الإمام مالكا وأتباعه لم يلتفتوا إلى حجة المقابل في مراعاة ضرر البائع.
ومع تأييد الرهوني لحجة المشهور في المذهب، إلا أنه حين عرض لرأي المالكية في الرخص والغلاء، لاحت له حجة مقابل المشهور في الكساد، فقيد به رأي المذهب، قال: وينبغي أن يقيد – رأي المالكية في الرخص والغلاء – بما إذا لم يكثر ذلك جدا، حتى يصير القابض لها، كالقابض لما لا كبير منفعة فيه، لوجود العلة التي علل بها المخالف – في الكساد – من أن البائع إنما بذل سلعته في مقابلة منتفع به لأخذ منتفع به، فلا يظلم بإعطائه ما لا ينتفع به (١) .
стр. 6184
الرأي الراجح:
والذي يترجح – مع كثير من الوجل – في القول في بهذا الموضوع الخطير خصوصا وأن الحكم فيه شامل للحكم في الأوراق النقدية. هو قول الإمام أبي يوسف، ووجه الشيخ الرهوني، ورأي سحنون المنقول عنه في تقدير وقت القيمة في الكساد. فتجب القيمة في الرخص والغلاء، إذا كان كثيرا ووقت تقدير القيمة في القرض يوم القبض، وإن كان بيعا فنختار رأي سحنون في الكساد بأن يرجع إلى قيمة السلعة يوم دفعها بالسكة الجديدة.
توجيه أدلة الرأي الراجح:
إن قول أبي يوسف بإيجاب القيمة في الرخص والغلاء قول يسنده العديد من قواعد الشرع كما سنذكره بعد قليل، ولعل أبا يوسف اعتبر الرخص والغلاء عيبا لحق الفلوس، سواء في القرض أو البيع، فترتب عليه ظلم للدفاع مع الرخص فينبغي أن يجبر بالقيمة، ولا يقتضي إبطال العقد كما لم يبطل في الكساد والانقطاع. وقد لاحظ أبو يوسف ها هنا أن الفلوس أثمان باصطلاح الناس، فإذا تغير اصطلاحهم، أو تغير ما اصطلحوا عليه، فينبغي مراعاة هذا التغير بحيث لا يترتب على طرف ضرر وإلا لم يعد للاصطلاح فائدة أو معنى.
وهذا النظر عند أبي يوسف جرى عليه في أحوال التغير كلها في الكساد والانقطاع، وكذا ها هنا في الرخص والغلاء، وإن رأي محمد بن الحسن تبعا لرأيه في الكساد والانقطاع بناء على دليل أبي يوسف، ينبغي أن يكون موافقا لرأيه على اعتبار أنهما اتفقا في دليل الحكم.
стр. 6185
وأما الوجه الذي ذكره الرهوني، فهو رأي وجيه متجه وهو بمثابة ضابط لرأي أبي يوسف، لئلا يمضي رأيه في كل رخص أو غلاء ولو يسيرا، فتضطرب المعاملات وتتزعزع ثقة الناس في التبادل بالفلوس ومثلها الأوراق النقدية. ولأن الغبن اليسير أو الغلاء والرخص اليسير لا تخلو منه المعاملات، ولو تُقُيِّدَ به دخل على الناس العسرُ في معاملاتهم لكن التغيّر في القيمة إذا كان كثيرا فإنه يترتب عليه ظلم على أحد الطرفين في الرخص والغلاء.
ولأن الدافع أولا لم يدفع – في غير القرض وأشباهه إلا بقصد الانتفاع والربح، وهذا هو الأصل في المبايعات، ولذا احتج الرهوني بقوله: إن البائع إنما بذل سلعته في مقابلة منتفع به، لأخذ منتفع به، فلا يظلم بإعطائه ما لا ينتفع به. والظلم متحقق حتى في القبض، وهو عقد إرفاق، ولو لم تقدر القيمة عند التغير الكبير لتحرج الناس من عمل الخير لئلا يجلب لهم ضررا.
стр. 6186
وينبغي أن يكون تقدير الرخص والغلاء من ولي الأمر، لأنه الأقدر على معرفة المصلحة العامة وتقديرها، كما ينبغي أن تعتبر مسألة تغير قيمة النقود قضية عامة لا خاصة أما الحالات الفردية فإنها لا تدخل بخصوصها. هذا ما يترتب على قيد الرهوني.
وكذلك قول سحنون له وجاهته ها هنا: ذلك أن الدراهم والدنانير تستند في عيار قيمتها إلى ذاتيتها خلقة، فإذا رخصت أو غلت فإنما ترخص وتغلو بالنسبة لذاتها من الذهب والفضلة، لكن الفلوس ومثلها الأوراق النقدية لا تستند إلى عيار من الذهب والفضة حتى تقاس به في الرخص والغلاء وإنما هي مرتبطة إلى حد كبير بالسلع، فكلما ارتفعت قيمة السلع رخصت قيمتها وكلما انخفضت قيمة السلع غلت قيمتها، فلابد للفلوس من ارتباط والسلع تصلح معيارا، أما اصطلاح الناس فلا يصلح بداهة.
ويمكن أن يخرج على قول سحنون هذا: ربط تغير العملة بأسعار السلع لمعرفة نسبة انخفاض ورخص العملة أو ما يسمى بالتضخم. ولا نجد ما يمنع من تنظيم الدول نسب التضخم، وتحديها كل عام تكون قائمة الأسعار مقياسا لتقويم العملة. وهذا موضوع ينظر تفصيله عند الاقتصاديين، لكن المبدأ مقبول ابتداء، حتى تنجلي صورته العملية من كل وجه ويتبين عدم مصادمته لنص، أو قاعدة، أو مقصد شرعي.
وإن هذا الرأي يتأسس صحيحا على ما سبق تفصيله من طبيعة الفلوس في أنها ليست ثمنا خالصا، ولا عرضا خالصا، وإنما فيها شوب من هذا ومن هذا، فقد تكون ثمنا فتجري عليها أحكام الأثمان، وقد تكون في حكم العروض فتجري عليها أحكام العروض. فلتكن ها هنا كالعروض المعيبة فتؤخذ قيمتها عند الرخص والغلاء الكثير في القرض، لأنه لا بديل عن ذلك، وتؤخذ قيمة السلعة في البيوع لإمكان التقدير بها، وهي عرض محض لا شائبة فيه، فيكون التقدير على وفقها أكثر اطمئنانا.
وقد يقال هنا: كيف افترقت الفلوس عن حكم الدراهم والدنانير في أنه لا يجوز القيمة فيها بحال، وقد قستم الفلوس على الدراهم والدنانير بجامع علة الثمنية في كل.
فيقال: إن اجتماعهما في علة الثمنية لا يمنع من حيث آثار كل أن يختلفا في قيمة هذه الثمنية، فالدراهم والدنانير لا تبطل ثمنيتها بحال. وقد ترخص بنسبة يسيرة لأنها في الخلقة ثمن، ولذا لا يترتب ضرر محقق للعاقدين حتى يجب رفعه، بخلاف الفلوس ومثلها الأوراق النقدية فإنها قد تبطل ثمنيتها، وقد ترخص كثيرا، فينظر حينئذ إلى ما انبني عليها من آثار شغل الذمم. ومن جانب آخر، إذا رخصت ثمنية الفلوس ومثلها الأوراق النقدية، لم يرخص ما دلت عليه من مقدار شغل الذمم. فقد فارقت في هذا الحال مماثلة الدراهم والدنانير صورة برخص قيمتها، ولم تفارقه حقيقة في مقدار ما شغلت به الذمة، مما اصطلح عليه حين العقد وإن لم يقبل هذا في مفارقة الفلوس الدراهم والدنانير، فيمكن اعتبار المفارقة استحسانا للمصلحة أو الضرورة على رأي الحنفية؛ إذ القياس الجلي هنا يقتضي المثل في الفلوس، والقياس الخفي وهو الاستحسان يقتضي القيمة بدليل المصلحة والضرورة.
стр. 6187
تخريجات الرأي الراجح:
يمكن أن يتخرج الرأي المختار على عدة نظائر، وقواعد فقهية.
أما النظائر: فقد تكلم الفقهاء في بيع الفلوس إذا حصل تخالف وفسخ وهي تالفة فتجب القيمة، وتعتبر قيمتها يوم التلف على خلاف بينهم.
وتكلموا عن استعارة الفلوس، ففي تلفها قال بعضهم: بالقيمة يوم التلف.
وأيضا: لو أخذت الفلوس على جهة السوم، فتلفت ففيها القيمة يوم القبض، أو يوم التلف على خلاف بينهم.
أما القواعد التي يدخل فيها الموضوع وله فيها نوع تعلق فهي: قاعدة الضرورة – والضرر لا يزال بالضرر – والضرورة تقدر بقدرها – الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أم خاصة – وتصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة – والخراج بالضمان – الميسور لا يسقط بالمعسور – والمشقة تجلب التيسير – ورفع الحرج.
إذا وقع العقد على نقد غير معين النوع:
هذا الذي سبق بيانه إذا رخصت أو غلت الدراهم والدنانير والفلوس وكان عقد البيع أو القرض وقع على نوع معين منها، لكن إذا وقع العقد على نقد غير معين من مثل القروش، فالحكم يختلف وقد تكلم ابن عابدين عن هذا الموضوع فقال: أما إذا وقع العقد على القروش التي لا يتعين منها نوع خاص فلا يمكن القول برد المثل؛ لأن المثلية إنما تعلم حيث علم النوع، وقد علمت أن أنواع النقود متفاوتة في المالية، وكذا رخصها الذي ورد الأمر به متفاوت فبعضها أرخص من بعض، وإذا جعلنا الخيار للدفاع كما كان الخيار له قبل ورود الأمر يحصل للبائع ضرر شديد، فإن الدافع يختار ما رخصه أكثر، فإن ما كان من بعض أنواع النقود وقت البيع يساوي مائة قرش مثلا، صار بعد الأمر يساوي تسعين، ومنه ما يساوي خمسة وتسعين، فيختار المشتري ما يساوي تسعين ويحسبه عليه بمائة. كما كان وقت البيع، فيحصل بذلك ضرر بين للبائع، ولا يقال: إن الخيار وقت البيع كان للمشتري، فيبقى له الآن؛ لأنَّا نقول: قد كان الخيار له حيث لا ضرر فيه على البائع، فإنه وقت البيع لو دفع له من أي نوع كان لا يتضرر، ولو كان رخص الأنواع الآن متساويا بلا ضرر لجعلنا الخيار للمشتري، ليدفع على السعر الواقع وقت العقد من أي نوع كان، كما كنا نخيره قبل الرخص، ولكنه لما تفاوت الرخص، وصار المشتري يطلب الأنفع لنفسه، والأضر على البائع قلنا: لا خيار إذ لا ضرر وضرار في الإسلام. ولما لم أجد نقلا في خصوص مسألتنا هذه تكلمت مع شيخي الذي هو أعلم أهل عصره، وأفقهم، وأورعهم فيما أعلم، فجزم بعدم التخيير، وجنح إلى الإفتاء بالصلح في مثل هذه الحادثة حتى نجد نقلا في المسألة، لأنك قد علمت مما قدمناه أن المنصوص عليه، إنما هو الفلوس والدراهم الغالبة الغش، فينبغي أن ينظر في تلك النقود التي رخصت ويدفع من أوسطها نقصا لا الأقل ولا الأكثر، كيلا يتناهى الضرر على البائع أو على المشتري، وقد بلغني أن بعض المفتين في زماننا أفتى بأن تعطى السعر الدارج وقت الدفع. ولم ينظر إلى ما كان وقت العقد أصلا ولا يخفى أن فيه تخصيص الضرر بالمشتري. لا يقال ما ذكرته من أن الأولى الصلح في مثل هذه الحالة مخالف لما قدمته عن حاشية أبي السعود من لزوم ما كان وقت العقد بدون التخيير بالإجماع إذا كانت فضة خالصة أو غالبة لأنا نقول ذاك فيما إذا وقع العقد على نوع مخصوص كالريال مثلا.
стр. 6188
وهذا ظاهر كما قدمناه ولا كلام لنا فيه. وإنما الشبهة فيما تعارفه الناس من الشراء بالقروش ودفع غيرها بالقيمة فليس هنا شيء معين حتى تلزمه به سواء غلا أو رخص. ثم بين وجه من أفتى بخلاف رأيه وشيخه فقال: ووجه ما أفتى به بعض المفتين كما قدمناه آنفا: أن القروض في زماننا بيان لمقدار الثمن، لا لبيان نوعه ولا جنسه، فإذا باع شخص سلعة بمائة قرش مثلا، ودفع المشتري بعد الرخص ما صارت قيمته تسعين قرشا من الريال أو الذهب مثلا، لم يحصل للبائع ذلك المقدار الذي قدره ورضي به ثمنا لسلعته، لكن قد يقال: لما كان راضيا وقت العقد بأخذ غير القروش بالقيمة من أي نوع كان، صار كأن العقد وقع على الأنواع كلها، فإذا رخصت كان عليه أن يأخذ بذلك العيار الذي كان راضيا به، وإنما اخترنا الصلح لتفاوت رخصها، وقصد الإضرار كما قلنا، وفي الحديث لا ضرر ولا ضرار، ولو تساوى رخصها لما قلنا بلزوم العيار الذي كان وقت العقد، كأن صار مثلا ما كان قيمته مائة قرش من الريال يساوي تسعين، وكذا سائر الأنواع. أما إذا صار ما كان قيمته مائة من نوع يساوي تسعين، ومن نوع آخر خمسة وتسعين. ومن آخر ثمانية وتسعين، فإن ألزمنا البائع بأخذ ما يساوي التسعين بمائة فقد اختص الضرر به، وإن ألزمنا المشتري بدفع تسعين اختص الضرر به فينبغي وقوع الصلح على الأوسط (١) .
ويفهم من كلام ابن عابدين رأيه الخاص فيما إذا وقع العقد في البيع أو القرض على القروش غير المعينة، وبين أن الأمر المتفق عليه قبل صدور الأمر السلطاني بالرخص فيها أن المشتري بالخيار في دفع القروش المسماة والمتفق عليها، أو ما يعادلها كل قرش بأربعين مصرية أو من غيرها كالريال، بناء على أن العرف الشائع عندهم أن من اشترى بالقروش لا يجب عليه دفع عينها.
أما بعد ورود الأمر السلطاني بالرخص، فأما أن تكون العملات متساوية في قيمتها، أو مختلفة فإن كانت متساوية في الرخص فيجب حينئذ دفع ما يعادل تلك القروش بالسعر الذي كانت عليه وقت العقد.
وإن كانت مختلفة فيلجأ إلى الصلح، ولا يخير المشتري لئلا يلحق ضررا بالبائع فينبغي دفع الوسط من الأقل والأكثر توزيعا للضرر على البائع والمشتري.
стр. 6189
وقد أشار ابن عابدين إلى خلاف رأيه في هذا الموضوع ولم يرتض الفتوى فيه حين أشار بقوله: وقد بلغني أن بعض المفتين في زماننا أفتى بأن تعطى بالسعر الدارج وقت الدفع ولم ينظر إلى ما كان وقت العقد أصلا (١) .
ولعله يشير بذلك إلى فتوى الشيخ عبد القادر بن محمد الحسيني، وقد تكلم الشيخ الحسيني عن ذات المسألة في رسالة بعنوان " تراجع سعر النقود بالأمر السلطاني "، وتكلم عن موضوع هو أخص من عنوان الرسالة فقد خصصها لواقعة حال كثيرة الوقوع وهي فيما يقع من التعامل بالقروش ثم يرد الأمر السلطاني برخص القروش ماذا يلزم؟ فقال الحسيني في بداية رسالته: مسألة ما إذا باع بالقروش المتعارفة قبل ورود الأمر السلطاني، ولم يقبض الثمن حتى ورد الأمر، هل للبائع طلب المسمى من القروش أو ما يعدله القرش من النقود؟ هل يدفع بالسعر الذي يروج به بعد ورود الأمر أو بالسعر الذي كان يوم البيع قياسا على ما إذا باع بالدراهم ثم رخصت قبل القبض؟ هل هذا القياس في محله أو مع الفارق؟
стр. 6190
وقد أفتى بأن: (من باع بالقروش قبل ورود الأمر السلطاني، وقبل قبض الثمن، وورد الأمر بتراجع أسعار النقود، كالريال، وأنواع الذهب فعلى المشتري أن يدفع ما يعدل القرش بحساب العرف من أي نوع كان بالسعر الذي يروج به وقت القبض برضى البائع) . وللبائع طلب المسمى في عقد البيع، أو مثله، فإن كانت القروش المسكوكة موجودة بأربعين مصرية – كما كانت أولا – فله طلب ذلك، وإن لم تكن فتجري فيها أحكام الكساد والانقطاع والغلال والرخص ... أي على المذهب الحنفي كما فصلناه سابقا – ثم قال: فعلى كل حال: الواجب أما عين القروش أو القيمة المعروفة كل وقت يوم البيع والقبض وغيره، فإذا دفع من النقود كالريال، وأنواع الذهب، فإنه يدفع برضى البائع بالسعر الذي يروج به يوم القبض، ويعدل القرش المسمى في العقد. ثم قال: وليس المشتري مخيرا في دفع أي نوع شاء إلا فيما كان مستويا في الرواج والمالية والجنس واحد ... فإذا أراد المشتري دفع الريال بدل القروش بالسعر الرائج وأبى البائع لا يجبر البائع على القبض لاختلاف المالية، فكيف يجبر على قبضه بالسعر القديم، هذا لا قائل به، وليس للمشتري أيضا جبر البائع على أخذ الذهب مكان القروش ... فإذا كان لا يجبر على قبض الذهب، ولا على قبض غير المسمى مما اختلفت ماليته فكيف ينبغي القول في وجوب إعطاء النقود بالسعر القديم؟ فإن أورد مسألة رخص الفلوس فجوابه: أن مسألة الغلاء والرخص في المسمى في بالعقد، لا في غير النقود. ثم قال مقررا: فالظاهر من النقول – نصا ودلالة – أنه يفتي بدفع النقود على السعر الرائج بعد الأمر بحساب القرش بأربعين مصرية ثم قال: ومثل البيع الإجارة كما إذا أجر بمائة قرش. ولم يقبض الأجرة فإنه يرد له مثل ما يقبض ريالا أو ذهبنا لا يعتبر غلاؤه ورخصه (١) .
ويظهر من وجه الحكمين في المسألة أن رأي ابن عابدين أرجح في ميزان القواعد الشرعية، وأحرى بتحقيق مقصود الشارع في استقرار المعاملات، ورفع الضرر ما أمكن، فإن حجة الحسيني أنه ليس للمشتري الخيار حال اختلاف السعر الرائج لاختلاف المالية. هذا أمر مسلم بنى عليه رأيه في عدم إجبار البائع أن يقبض بالسعر القديم وكذا ليس للمشتري جبر البائع على أخذ الذهب مكان القروش، وهذا قياس أو استنتاج خاطئ لأن عدم جواز إجبار البائع بالسعر القديم إنما سببه اختلاف المالية، وهذا عين الدعوى إذ مع تساوي المالية لا نزاع، ولاختلاف المالية لم يجبر أحد منهما؛ لأن الضرر متحقق في التخير لأيهما، ولذا فتقرير الدفع بالسعر القديم أو الجديد كلاهما ضرر فاختيار أحدهما تحكم في تخصيص أحدهما بالضرر.
وحجة ابن عابدين أرفق بالعاقدين فلا تخصيص لأحدهما بالضرر بل يتوزع عليهما بالصلح فيدفع الوسط. وبدونه يحدث الضرر فإن جعل الخيار للدافع يجعل الضرر على البائع شديدا؛ لأن الدافع سيختار الأكثر رخصا. وفيه ضرر لا مبرر له وكون الخيار له في الأصل حيث تساوى في المالية أما مع اختلافها فيتحقق الضرر. والضرر مرفوع للحديث " لا ضرر ولا ضرار "
الدكتور عجيل جاسم النشمي
стр. 6191
مراجع البحث
١- الأعلام، للأستاذ خير الدين الزركلي – الطبعة الثالثة.
٢- إنباء الغمر بأبناء العمر، لشيخ الإسلام أحمد بن حجر العسقلاني – الطبعة الأولى – طبع مجلس دائرة المعارف العثمانية – ١٣٧٨ هـ – ١٩٦٧ م. الهند.
٣- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للعلامة علاء الدين علي بن سليمان المرادي – الطبعة الأولى مطبعة السنة المحمدية – ١٣٧٦ هـ – ١٩٥٦ م بمصر.
٤- بدائع الصنائع، للإمام علاء الدين مسعود بن الكاساني – الطبعة الأولى – مطبعة الجمالية ١٣٢٨ هـ – ١٩١٠ م بمصر.
٥- البيان والتحصيل، لابن رشد.
٦- تحفة المحتاج بشرح المنهاج، للإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي بحاشية العلامة عبد الرحمن الشرواني، والعلامة أحمد بن قاسم العبادي.
٧- جامع البيان عن تأويل أي القرآن، للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري – الطبعة الثانية مصطفى البابي الحلبي – ١٣٧٣ هـ – ١٩٤٥ م بمصر.
٨- تنبيه الرقود على مسائل النقود، للعلامة أحمد أمين، ابن عابدين – مجموعة الرسائل ٢ / ٥٦ – تصوير دار إحياء التراث العربي. بيروت.
٩- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، للإمام محمد بن عرفة الدسوقي – طبع دار إحياء الكتب العربية بمصر.
١٠- حاشية محمد بن أحمد الرهوني على شرح عبد الباقي الزرقاني، لمتن خليل – الطبعة الأولى – المطبعة الأميرية بولاق – ١٣٠٦هـ بمصر.
١١- الحاوي للفتاوى، للإمام جلال الدين السيوطي – نشر دار الفكر. بيروت.
١٢- خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، للعلامة محمد أمين المحبي – طبع مكتبة خياط – بيروت.
١٣- درر الحكام في شرح غرر الأحكام، للعلامة منلا خسرو وبهامشه حاشية العلامة الشرنبلالي.
стр. 6192
١٤- الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي – نشر محمد أمين دمج. بيروت
١٥- رد المحتار على الدر المختار، للعلامة محمد أمين المعروف بابن عابدين – طبع الأميرية ١٣٢٣ هـ بمصر.
١٦- روضة الطالبين، للإمام ابن زكريا يحيى بن شرف النووي – طبع المكتب الإسلامي بيروت.
١٧- شرح الزرقاني على خليل بحاشية البناني – نشر دار النشر ١٣٩٨ هـ – ١٩٧٨ م بمصر.
١٨- شرح فتح القدير، للعلامة كمال الدين محمد بن أحمد المعروف بابن الهمام مع تكملة نتائج الأفكار، للعلامة شمس الدين أحمد المعروف بقاضي زاده على الهداية شرح بداية المبتدي، للعلامة برهان الدين علي بن أبي بكر المرغياناني وبهامشه شرح العناية على الهداية، للبابرتي – المطبعة الأميرية ١٣١٦هـ بمصر.
١٩- شرح منح الجليل على مختصر العلامة خليل، للشيخ محمد عليش وبهامشه حاشيته المسماة تسهيل منح الجليل – تصوير دار صادر. بيورت.
٢٠- العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، للعلامة محمد أمين المعروف بابن عابدين – نشر دار المعرفة. بيروت.
٢١- عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعلامة محمد شمس الحق آبادي مع شرح الحافظ ابن قيم الجوزية.
٢٢- فتاوى ابن رشد، للإمام أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد – تحقيق الدكتور المختار التليلي – الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ – ١٩٨٧ – دار الغرب الإسلامي. بيروت.
٢٣- فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن يتمية – الطبعة الأولى – مطابع الرياض ١٣٨٣ هـ. السعودية.
٢٤- الفتاوى الهندية، للإمام فخر الدين الفرغاني بهامشه فتاوى قاضيخان – طبع بولاق ١٤٠٠ هـ – ١٩٨٠ بمصر.
٢٥- فتوح البلدان، للإمام أبي الحسن البلاذري – طبع دار الكتب العلمية ١٣٩٨ هـ – ١٩٧٨. بيروت.
٢٦- الفقه على المذاهب الأربعة، للشيخ عبد الرحمن الجزيري – الطبعة السادسة بمصر.
стр. 6193
النقود وتقلب قيمة العملة
إعداد
د. محمد سليمان الأشقر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
النقود هي ما اتخذه الناس وسيطا للتبادل، ومخزنا للقيم، ومقياسا للأسعار. وكان الذهب والفضة رأس النقود منذ حقب متطاولة في التاريخ لما تميز به هذان المعدنان من ثبات القيمة وعدم التعرض للتآكل وعدم التأثر بالمؤثرات الجوية ونحوها.
وقد خصهما النبي ﷺ من بين سائر المعادن بأحكام منهما:
١ – أنه حرم استعمالهما كآنية للشرب أو الطعام، وفي ذلك توفير لهما لاستخدامهما أثمانا.
٢ – أنه حرم استعمال الذهب كحلى للتزين، وفي ذلك توفير لثمنيته كذلك. واستثنى النساء لحاجة المرأة للتزين.
٣ – أنه أوجب الزكاة في أعيانهما إذا بلغا نصابا. واعتبر الشرع من لم يخرج الزكاة منهما كانزا يستحق العذاب بهما يوم القيامة. وفي إيجاب الزكاة فيهما تحريك لثمنيتهما، حتى يتداولا في الاستعمال تحصيلا للربح، وإلا أكلتهما الزكاة مع السنين.
٤ – وأنه حرم المراباة فيهما تبعا للنص القرآني، والربا فيهما هو بيع الذهب نسيئة في العوضين أو في أحدهما، أو بزيادة أحد العوضين ولو مع الحلول، وكذلك الفضة بالفضة، وحرم بيع الذهب بالفضة نسيئة كذلك. وحرم الإقراض بزيادة على الأصل في الذهب والفضة (وسائر الأموال) .
ولم يرد عن النبي ﷺ نص صريح خاص يدل على إيجاب الزكاة في (الفلوس) ، وهي ما اتخذ ثمنا من سائر المعادن، ولا نص كذلك يمنع التفاضل أو النساء في بيعها، ولا أوجب فيها الزكاة، مع أن في السنة النبوية والسيرة النبوية مواضع تدل على أن الفلوس كانت مستعملة في عهده ﷺ .
من ذلك قوله ﷺ لأصحابه: ((أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال ليس ذلك المفلس، بل المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام، ويأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)) .
ومن ذلك قوله أيضًا ((أيما رجل وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه)) .
إلى غير ذلك من الأحاديث التي تذكر الإفلاس.
ولفظ الإفلاس بالاتفاق مشتق من (الفلس) ، وذلك لأن الرجل إذا كثر دينه رجع ماله إلى الفلوس بعد أن كان يتعامل بالدرهم والدنانير.
وفي حديث أبي ذر عن الإمام أحمد (٥/١٥٦، ١٥٨) ، أنه أمر جارية أن تشتري له " فلوسا ". ويأتي النقل عن مجاهد والنخعى في الفلوس. وقال السيوطى في الحاوى (١/١٠٤) : التعامل بالفلوس قديم. ثم استدل على وجودها عند العرب بآثار.
стр. 6194
النقود الورقية:
تعامل الناس في العصور المتأخرة بالنقود الورقية، وقد مرت النقود الورقية بأطوار:
الطور الأول: كان يكتب في العملة الورقية من الدولة المصدرة لها تعهد بأنها تدفع لحامل الورقة مقدار ما يذكر فيها من العملة الذهبية. وكان التعهد قائما، فكانت قيمتها مرتبطة بالذهب ارتباطا كاملا. ولذلك حافظت على قيمتها من الذهب. وكان الجنيه الإنكليزي الورقي، أو الجنيه المصري، أو العراقي، أو الفلسطيني، يساوى جنيها ذهبيا، بل ربما زادت قيمة الجنيه الورقي على قيمة الجنيه الذهبي، ولعل مرجع ذلك سهولة التعامل بالورق.
ومثل ذلك النقود الورقية التي ظهرت تحمل تعهدا بدفع عملة فضية، كإيصالات الحجاج التي أصدرت الحكومة السعودية عام ١٣٧٠ هـ تقريبا أو بعدها بقليل.
الطور الثاني: وكان مبدأ ذلك في تقديرى منذ الحرب العظمى الثانية ١٩٣٨ م حينما أخذت بعض الدول تصدر عملة ورقية ليس لها غطاء ذهبى، وكان ذلك بسبب ضرورات الحرب واعتبر ذلك أولا كدين على الحكومات لشعوبها ولحملة الأوراق النقدية.
وفي هذا الدور استمرت الدول في كتابة التعهد على أوراقها النقدية، ولكنها لم تلتزم بأداء ما في الورقة من العملة الذهبية أو الفضية، فبدأ سعر الورقة النقدية في الهبوط بالنسبة لما كتب فيها.
الطور الثالث: اعتبرت فيه الورقة النقدية عملة قائمة بذاتها.
وصدرت الأوراق النقدية خالية من التعهد بشيء، وبذلك أصبحت لا ضابط لها من حيث القيمة.
ولمّا لم تكن لها قيمة ذاتية لأنها مجرد أوراق لا قيمة لها في ذاتها لكثرة الورق، ولأن الحكومات، وخاصة في أزماتها الاقتصادية، أو تبعًا لسياسات اقتصادية معينة، بدأت تصدر الأوراق النقدية، وتغرق بها الأسواق، لذا فإن قيمة الورق النقدي بالنسبة إلى الذهب والفضة، وبالنسبة لسائر السلع، بدأت في التدهور والسقوط.
стр. 6195
ولست أقول: (تقلب سعر العملة الورقية) ، كما هو العنوان المقترح من قبل المجمع، لهذا البحث، بل حقيقة ما يحصل هو التدهور والسقوط المستمر، وليس (التقلب) ، لأن (التقلب) أن ينقص ثم يزيد ينقص وهكذا. أما حقيقة ما يقع في سعر النقد الورقي فهو النزول المستمر إلى الأسفل، وما يشاهد من ازدياد قيمة العملة بالنسبة للسلع، وذلك عند رخص الأسعار في بعض الفترات، فهو ازدياد محدود بنسب تافهة في فترات قليلة. لكن الاتجاه العام هو الهبوط المستمر إلى أسفل
ويرجع ذلك غالبا إلى إصدار الحكومات المعنية لأوراق جديدة لسداد ما عليها من الالتزامات لشعوبها، وذلك الإصدار في الأصل ينبغي من جهة اقتصادية أن يكون بالقدر الكافي لبقاء مستوى الأسعار ثابتا، ولكن إذا وقعت الحكومة في أزمات اقتصادية فإنها تصدر الأوراق النقدية، ويكون ذلك عبارة عن ضرائب غير مباشرة يضار بسببها حاملو الأوراق النقدية عينا، أو الذين لهم ديون أو ودائع نقدية ولا يضار بسببها من كانت أمواله أصولا من عقارات أو غيرها، أو عروضا، بل ترتفع قيم تلك الأصول ارتفاعا مقابلا لانخفاض قيمة العملة الورقية.
وربما كان لبعض الدول سياسات معينة ترى بموجبها أن من مصلحتها خفض قيمة العملة مؤقتا أو باستمرار (١) .
стр. 6196
الثبات النسبي للقوة الشرائية للذهب:
هذه الظاهرة في النقود الورقية، وهي الهبوط المستمر لقوتها الشرائية، تختلف بها عن النقود الذهبية والفضية، فإن النقود الذهبية والفضية ذات ثبات نسبى من حيث قوتها الشرائية على مدار التاريخ. ونحن نجد في السنة النبوية المأثورة مواضع تعرف منها القوة الشرائية للنقد الذهبي في ذلك العهد، ونقارنه بالقوة الشرائية للذهب في عصرنا الحاضر، فلا نكاد نجد فرقا يذكر، ومن ذلك على سبيل التمثيل:
١ – حديث جابر بن عبد الله الأنصاري، وفيه ((أن النبي ﷺ اشترى منه جملا " بأوقية " وفي رواية أخرى " بأوقية ذهب)) وهناك روايات بتقديرات أخرى، (انظر جامع الأصول: ١ / ٥٠٧، كتاب البيوع / فصل في الشرط والاستثناء) .
ورجح بعضهم رواية " بأوقية ذهب " على غيرها، والأوقية كما في القاموس ولسان العرب: سبعة مثاقيل. ولما كان المثقال ٢٥ر٤ غراما فإن ثمن ذلك الجمل كان يساوى ما زنته (٣٠) ثلاثون غراما من الذهب وسعر الذهب اليوم (٢٧/٣/١٩٨٧ م) = ٣.٦٠٠ دينارا كويتيا للغرام فذلك (١٠٨) دينار كويتى، وهذا المبلغ الآن يكاد يساوى قيمة جمل.
٢ – وأيضًا في السنة في باب الديات، أن النبي ﷺ فرض على أهل الإبل الدية مائة ناقة، أو ألف مثقال من الذهب. مما يقرب أن معدل قيمة الناقة كانت عشرة مثاقيل من الذهب، أي ٤٢.٥ غرام من الذهب وتساوى الآن ١٥٣ دينارا كويتيا تقريبا وهي تشترى ناقة أو تكاد. (ويلاحظ أن العرب كانت ولا تزال تفضل الناقة على الجمل في الثمن، لما تأمله من نتاجها) .
٣ – وفي السنة أيضًا أن النبي ﷺ أعطى عروة البارقي دينارا (ذهبيا) ليشتري به شاة، فذهب فاشترى به شاتين، فباع واحدة منهما بدينار وأتى النبي ﷺ بشاة ودينار، فدعا له بالبركة في بيعه.
فهذا يدل على يدل أن معدل قيمة الشاة أيام النبوة كان ما بين نصف دينار، والدينار، (٤.٢٥ غرام من الذهب) ، يساوى الآن (١٥.٣) دينارا كويتيا تقريبا وهي تكاد تشتري شاة من شياه الحجاز، وهي أصغر من شياه الشام والعراق التي تساوى عندنا بالكويت اليوم ما قيمته ٣٠ دينارا كويتيا تقريبا.
٤ – وفي حديث أبي بكر ﵁ -في الزكاة، أن من وجبت عليه بنت لبون، فلم يجدها، ووجد بنت مخاض، فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما.
وهذا يدل على أن معدل قيمة الشاة الواحدة كانت في زمن النبوة عشرة دراهم، والدراهم العشرة كانت تساوى دينارا ذهبيا. فهذا يؤيد ما استفيد من حديث عروة البارقى المتقدم.
من هذا نستطيع أن نقول: إن القوة الشرائية للذهب في زمن النبي ﷺ كانت تساوى ١٠٠ % أو ١٢٠ % مما هي عليه الآن لا أكثر.
стр. 6197
الثبات النسبي للقوة الشرائية للفضة:
لم تكن الفضة فيما يظهر ثابتة كثبات الذهب من حيث القوة الشرائية. فقد تقدم أن حديث عروة البارقي، وحديث أبي بكر، يدلان على أن قيمة الشاة في زمن النبوة كانت عشرة دراهم. فإذا كان الدرهم الفضي يزن ٣ غرامات تقريبا فإن قيمة الشاة كانت ثلاثين غراما من الفضة، وهذا المبلغ يساوى اليوم فقط دينارين كويتيين، حيث أن سعر الفضة ٦٧٣ دينارا للكيلو غرام مما يدل على أن القوة الشرائية للفضة كانت في زمن النبوة أكبر بالنسبة إلى ما هي عليه الآن.
مدى سقوط القوة الشرائية للورق:
نبادر هنا لبيان مدى هبوط القوة الشرائية للعملات الورقية لتتم المقارنة مع ثبات القوة الشرائية للذهب والفضة.
فالمعروف أن العملات الورقية دخلت البلاد العربية والخلافة العثمانية في تركيا كعملات رسمية لها بعد الحرب العظمى الأولى بقليل، أي منذ ستين عاما تقريبا، وكان كل من الجنيه الفلسطيني والجنيه المصري والليرة التركية الورقية ـ كأمثلة للموضوع ـ يساوى كل منهما جنيها ذهبيا (٧ غرامات ذهبية صافية تقريبا) .
فلننظر إلى ما آل إليه الأمر الآن:
١ – الجنيه الذهبي يساوى الآن ٣٣ دينارا أردنيا (وهو الذي حل محل الجنيه الفلسطيني وكان يساويه في القيمة) .
٢ – الجنيه الذهبي يساوى الآن ١٩٠ جنيها مصريا.
٣ – الجنيه الذهبي يساوى الآن ٤٥٠٠٠ ليرة تركية ورقية.
ومعنى ذلك أن القوة الشرائية هبطت في مدى ستين عاما فقط للعملات الورقية الثلاث كما يلي:
стр. 6198
هبطت قيمة العملة الورقية الأردنية إلى جزء واحد من ٣٣ جزءا من قيمتها الأصلية، أي هبوط بمعدل نسبة ٥ % سنويا تقريبا.
وهبطت قيمة العملة الورقية المصرية إلى جزء واحد من ١٩٠ جزءا من قيمتها الأصلية، أي بمعدل نسبة ٨.٤ % سنويا تقريبا.
وهبطت قيمة العملة الورقية التركية إلى جزء واحد من ٤٥٠٠٠ جزءا من قيمتها الأصلية أي بمعدل نسبة ١٦.٤ % سنويا (١) . .
فقارن هذا بمدى استقرار سعر الذهب من عصر النبوة إلى الآن (أي في مدى ١٤٠٠ سنة) ، تجد أنه لم ينخفض أصلا، أو انخفض بنسبة ضئيلة جدا بمعدل لا يكاد يذكر. وهبطت الفضة إلى جزء واحد من سبعة أجزاء من قيمتها في المدة نفسها.
ولعل هذا ما دعا بعض فقهائنا إلى أن يقرر أن الذهب والفضة أثمان خلقة، أي أن لهما قيمة ذاتية، فقد خلقا ليكونا أثمانا، أي مقاييس متميزين بالثبات.
على أننا ندرك أن القوة الشرائية للذهب والفضة تهتز نسبيا في أزمات الكساد، أو حالات كثرة العرض أو قلته بالنسبة للسلع، أو كثرة العرض أو قلته بالنسبة للذهب والفضة أيضًا، وأنه لو لم يستعمل الورق كعملة في هذه العصور الأخيرة لضاق الذهب والفضة عن أن يتسعا للمعاملات، ولربما كانت قوتهما الشرائية زادت أضعافا مضاعفة.
وفي السنة النبوية ما يشير إلى أنه سيأتي في آخر الزمان وقت " يكثر فيه استخراج الذهب والفضة، حتى تهبط قيمته هبوطا حادا سريعا، بل قد يفقد قيمته نهائيا. وذلك ما رواه مسلم نشر عبد الباقي (٢ /١٨ كتاب الزكاة، ح ٦٢) ، والترمزي من حديث أبي هريرة ﵁ -أن النبي ﷺ قال: ((تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان (أي الأعمدة) من الذهب والفضة، فيجئ القاتل فيقول: في هذا قتلت. ويجئ القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي. ويجئ السارق فيقول: في هذا قطعت يدي. ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا))
стр. 6199
أحكام النقود الورقية
نتعرض لذلك في فصلين أحدهما خاص بالربا فيها، والثاني خاص بالزكاة.
الفصل الأول
الربوية في النقود الورقية
إن فكرة استعمال النقود من غير الذهب والفضة فكرة قديمة لا يبعد أن تكون قارنت استخدام الذهب والفضة لذلك، وربما تقدمت عليهما. فقد استعملت الفلوس من النحاس وغيره، واستعمل الودع والخرز لذلك.
أما فكرة استخدام الورق فلم تخرج إلى حيز التنفيذ فيما نعلم في تراثنا الإسلامي، ولكنها طرأت على بال فقهاء المسلمين، وأثبتت في كتبهم قديما، من ذلك قول الإمام مالك ﵁، كما في المدونة في باب الصرف (١) .: (لو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين، لكرهتها أن تباع بالذهب والورق (أي الفضة) نظرة) .
لكن لم يتوسع العلماء في بحث أحكام النقود الورقية إلا بعد دخولها في حيز التداول الفعلي.
وقد اختلف العلماء في تكييف الأوراق النقدية، وتطبيق الأحكام الشرعية عليها، على أقوال:
فقيل:
١ – هي ديون على الجهة المصدرة لها.
٢ – وقيل هي عملات مستقلة ذاتيا، تعامل كالعملات الذهبية والفضية، إلا أنها أجناس مستقلة من النقود، وتكون العلاقة بين كل جنس وجنس منها كعلاقة الذهب بالفضة.
٣ – وقيل هي عروض تكون للتجارة إن قصدت لها، كما هي عند الصيارفة، وقد تكون للتجارة، كمن يقتنيها ويدخرها لينفق على نفسه وأهله.
ونحن نبحث كلا من هذه الأقوال بتوسع.
стр. 6200
القول الأول (أنها دين) :
ووجهه أنها في الأصل نائبة عن العين، بتعهد من الجهة المصدرة لها بدفع قيمتها، أو هي مستند بذلك الدين.
وقد كان هذا القول قويا، والقائلون به مطمئنين إليه، عندما كان التعهد بدفع قيمتها قائما. ووجهه أنها لا قيمة لها في ذاتها، لكن لما كان يقابلها مقدار محدد من الذهب أو الفضة مودع في خزانة الدولة المصدرة لها، فإن المتعامل بها إذا أخرجها من يده إلى يد أخرى يعتبر قد أحال بذلك الدين الذي له على الدولة شخصا آخر، فهي حوالة، سواء كان مشتريا منه أو مستأجرا أو مستوهبا، أو أخرجها من يده كصداق امرأة أو بأي صورة من الصور المشروعة.
وبناء على هذا القول أوجبوا الزكاة فيها كزكاة الدين.
لكن الذين قالوا بهذا القول اصطدموا بعقبات مهمة، وذلك بسبب القيود الشرعية على تداول الدين. فمن المعلوم أنه لا يجوز شرعا بيع الدين بالدين لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك.
ففي الحديث أنه ﷺ ((نهى عن بيع الكالئ بالكالئ)) .
فلذلك لا يجوز ـ على هذا القول ـ جعل النقود الورقية رأسمال سلم، أو ثمنا لعين موصوفة في الذمة، لو سلمت الثمن الورقي نقدا.
وأيضًا ـ بناء على هذا القول ـ لا تصلح المشاركة بالنقود الورقية، لأن الدين لا يكون رأسمال شركة.
وأيضًا يمنع ذلك صحة الصرف إذا صرفت ورقا نقديا بورق نقدي من جنس آخر.
وأيضًا يمنع اعتبارهما دينا من شراء الذهب والفضة بهما، لأن ثمن شرائهما لا يكون دينا، إذ لا بد من التقابض.
وأيضًا القائلون بعدم وجوب الزكاة على الدائن وجدوا في هذا القول مخرجا، بناء على القول بأن زكاة الدين هي على المدين، أو القول الآخر بأن الدين لا زكاة فيه على الدائن ولا على المدين.
إلا أنه مع ذلك كان لهذا القول وجه عندما كان لدى الحكومات استعداد لدفع القيمة الاسمية لتلك الأوراق بالذهب. أما الآن فلا وجه له، إذ ليس هناك استعداد لذلك مطلقا.