الخاتمة
وفي ضوء ما سبق أختم هذه الدراسة بما يلي:
* أولًا: النقود مرجعها إلى العادة والاصطلاح وبينت هذا في كتاب النقود واستبدال العملات (ص ١٤٨-١٥٢) ولهذا كانت النقود الورقية نقدا قائما بذاته له ما للذهب والفضة من الأحكام وبهذا أفتى مجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي ومجمع الفقه المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي وغيرهما.
وهذا يعنى أن بيان السنة المطهرة في الدنانير والدراهم ينطبق على نقود عصرنا وكل عصر.
وخلاف أبي يوسف في الفلوس لا يجري على النقود الورقية لأنه لم يعد الفلوس نقودا شرعية أو نقودا بالخلقة كالذهب والفضة فلو طبق رأيه في الفلوس على نقود عصرنا لأصبحنا في عصر بلا نقود.
* ثانيا: النقود الورقية نقود إلزامية ولذلك لا نشعر بمشكلة الكساد والانقطاع وإن كانت هذه المشكلة يمكن أن تقع في القليل النادر كما حدث للمارك الألماني بعد الحرب العالمية وفي مثل هذه الحالة يمكن الأخذ برأي بعض الأئمة في النظر إلى قيمة الدين.
* ثالثاً: الموضوع فيه بيان السنة الشريفة وإجماع لم يرد من يخالفه من الصحابة أو التابعين أو الأئمة المجتهدين والاجتهاد يجب أن يكون في ضوء النص الإجماع.
* رابعاً: العقود المشروعة لا تشتمل على جهالة تفضي إلى الخلاف والنزاع ورد النقود الورقية بقيمتها تجعل المقرض لا يدري ماذا سيأخذ والمقترض بماذا سيطلب ولا يدري الاثنان المقياس الذي يلجآن إليه عند الخلاف في القول بالزيادة أو النقصان أو الثبات وتحديد مقدار الزيادة أو النقصان.
ولهذا وجدنا القوانين الوضعية مع سوئها وإباحتها الربا المحرم تنص على أن القرض يرد بمثله عددا دون نظر إلى القيمة.
стр. 6267
* خامسًا: ما استقر في الفقه الإسلامي من رد القرض بمثله لا بقيمته وهو ما تسير عليه القوانين الوضعية في البلاد الإسلامية وغيرها من بلدان العالم هو أيضًا ما أخذت به القوانين الدولية فالقروض الدولية ترد بمثلها عددا فكيف نطالب دولنا الإسلامية بترك هذه القوانين التي تتفق ولا تتعارض مع الفقه الإسلامي؟
* سادسًا: الذين دعوا إلى رد القرض بقيمته نظروا إلى الانخفاض فقط ولو أخذ بالقيمة لوجب النظر إلى الزيادة والنقصان معا.
وعلى سبيل المثال:
إذا اقترض أحد من أخيه في الدول النفطية التي تعد نقودها أساسا ثمنا للنفط ثم انخفض النفط إلى الربع فما حق المقرض؟ أهو الربع فقط؟
فإذا أقرضه أربعة آلاف وهي ثمن قدر معين من النفط فبعد الانخفاض يكون ثمن هذا القدر ألفا فقط، فهل من حق المقترض أن يقول للمقرض: ليس لك عندي إلا ألف أو مقدرا كذا من النفط قيمة الألف بسعر اليوم وقيمة أربعة آلاف وقت الاقتراض؟ وإذا تركنا النقط وجئنا لغيره:
مثلا كيس الذرة وصل إلى مائتي جنيه ثم انخفض إلى خمسة وعشرين فإذا اقترض مائتين ليشتري كيس الذرة فهل بعد الانخفاض يرد كيس الذرة أو خمسة وعشرين جنيها فقط؟
* سابعًا: ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بمستوى الأسعار بحث لموضوع كلى لا يتجزأ فإما أن يؤخذ به في جميع الحقوق والالتزامات وإما ألا يؤخذ به في الجميع أيضًا.
فمن الظلم أن يؤخذ به في الحقوق ويترك في الالتزامات أو العكس ومن الظلم أيضًا أن يؤخذ به في بعض الحقوق أو الالتزامات دون بعضها الآخر والأكثر ظلما أن يؤخذ به في حق أو التزام لأحد دون أحد وعلى سبيل المثال أقول: لو أخذنا بأن القرض يرد بقيمته لا بمثله وكان لمصرف ما قروض مقدارها خمسة ملايين ولديه حسابات جارية مقدارها عشرون مليونا والحساب الجاري عقد قرض شرعا وقانونا كما هو معلوم ووصل التضخم إلى ١٠ % وزادت قروض المقترضين بهذه النسبة فيجب أيضًا أن تزيد قروض المقرضين ١٠ % أي أن الحسابات الجارية يسجل لأصحابها هذه الزيادة أفتفكر المصارف في هذا؟ أم أنها تريد زيادة القرض الذي هو حقها دون القرض الذي تلزم به؟
стр. 6268
كما أن المصارف الإسلامية لا تأخذ ربحا عن عملها كمضارب إلا بعد عودة رأس المال كاملا فلو قلنا بالقيمة لا المثل فإن نسبة التضخم تضاف لرأس المال أولًا ثم يوزع الربح بعد هذا فهل ترى المصارف الإسلامية لو طبق هذا أنها ستأخذ أي ربح؟ أم أن كل ما تحققه من أرباح سيكون جزءا من التضخم؟
ثامنًا: زيادة التضخم تعنى انخفاض قيمة النقود ويلاحظ أن هذه الزيادة تفوق ما تحققه المصارف الإسلامية من أرباح وما تحدده البنوك الربوية من ربا.
فلو أن القرض يرد بقيمته فلا حاجة للاستثمار وللتعامل مع البنوك ويكفي أن تعطى الأموال مقترضا يحتفظ لنا بقيمة القرض ويتحمل زيادة التضخم التي تصل أحيانا إلى مئات في المائة.
تاسعًا: القرض عقد إرفاق له ثوابه وجزاؤه من الله وقد ينتهي بالتصدق ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فكيف اتجهت الأنظار إلى المقترض بالذات ليتحمل فروق التضخم ومساوئ النظام؟
عاشرا: من حق المقرض أن يمنح ما يرى أنه أكثر ثباتا وأقل عرضة للانخفاض من حقه أن يقرض ذهبا أو فضة أو عملة يرى أنها أكثر نفعا له. ولعل هذا يساعد على وجود مخرج له يحجم عن الإقراض خوفا من انخفاض قيمة النقود الورقية فكأنه يدخر ما يرى أنه أنفع له ولكن ليس من حقه بعد هذا أن يطالب بغير المثل إذا جاء الأمر على خلاف ما توقع، فماذا يفعل من انخفضت قيمة مدخراته في غير حالي الإقراض؟
стр. 6269
* حادي عشر: التضخم يعد من مساوئ النظام النقدي المعاصر، فهل المقترض هو الذي يتحمل هذه المساوئ؟
* أفلا يجب البحث عن أسباب التضخم وعلاجه، وعن عيوب النظام النقدي، ووسائل تجنبها؟
أفلا نبحث عن نظام نقدي إسلامي نقدمه للعالم كما قدمنا له مثلا البديل الإسلامي للبنوك الربوية؟
* ثاني عشر: في عصرنا ظهرت الدعوة إلى رد القيمة في القرض ولم نكد نسمع من يقول الالتزام بالقيمة في البيع الآجل الذي قد يمتد أكثر من عشرين سنة، تنخفض النقود خلالها إلى ما لا يمكن تصوره وقت البيع والمشتري يلتزم بالثمن المحدد عددا لا قيمة والبائع لا يطالب بأكثر من هذا، وليس من حقه إلا ما حدد عند عقد البيع.
فلو جاز النظر إلى القيمة لكان في مثل هذا البيع لا في القرض الذي يجب ألا يكون إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى.
* ثالث عشر: تغير قيمة النقود لا يظهر في القروض والديون فقط وإنما يظهر أيضًا في عقود أخرى فمؤجر العقار مثلا في معظم البلاد الإسلامية ليس من حقه إنهاء العقد واسترداد ما يملك إلا بموافقة المستأجر ولهذا يمتد العقد إلى عشرات السنين وقد تصبح قيمة الإيجار لا تزيد عن واحد أو اثنين في المائة من قيمة النقود عند بدء العقد.
فالنظر إلى تغيير قيمة النقود لا بد أن تكون شاملة عامة.
* رابع عشر: ومن الشمول والعموم أيضًا - وهو ضروري وهام جدا - أن ننظر إلى من يلتزم بالقيمة أو بالمثل.
فمثلا الأجير الخاص الذي يأخذ راتبا شهريا محددا عندما تنخفض قيمة النقود فهذا يعنى أن راتبه قد انخفض في الواقع العملي فإذا كان مقترضا ومدينا بثمن شراء ومستأجرا، فيكف نطالبه بالزيادة العددية التي تعوض نقص القيمة قبل أن نعوضه هو شخصيا عما أصابه من نقص في قيمة راتبه؟
وما تقوم به بعض البلاد من زيادة الراتب نظرا للغلاء بما يسمى " غلاء المعيشة " يتفق مع بيان السنة الشريفة من حيث المبدأ لكنه غالبا لا يحقق ما أراده الإسلام من تمام الكفاية.
هذا ما انتهيت إليه من دراستي للموضوع والله أعلم بالصواب وله الحمد في الأولى والآخرة والصلاة والسلام على رسوله المصطفي.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
الدكتور علي أحمد السالوس
стр. 6270
تغير العملة الورقية
إعداد
الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور
مستشار السيد وزير الأوقاف السوري لشئون العلماء
وأستاذ جامعي وعضو مجمع الفقه الإسلامي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله خاتم رسله وأنبيائه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد،
فلقد كتب في شأن تغير العملة الورقية فقهاء كثيرون من شتى المذاهب الإسلامية قدامى ومعاصرون.
فمن القدامى ﵃ وأرضاهم مَنْ أفرد هذا الموضوع برسالة أو برسالتين مثل:
١- الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في رسالته (قطع المجادلة عند تغيير المعاملة) مطبوع ضمن كتابه الحاوي للفتاوى.
٢- العلامة السيد الشريف محمد أمين بن عمر عابدين صاحب حاشية في المذهب الحنفي ومحرر المذهب برسالته (تنبيه الرقود على مسائل النقود) مطبوعة في مجموع رسائل ابن عابدين.
ومن القدامى من تكلم عنه في مصنفاتهم الكبيرة ضمن بحوث الفقه فمن هؤلاء ﵃ الأئمة الكبار: البهوتي في شرح منتهى الإيرادات وفي كشاف القناع، وابن حجر الهيثمي المكي في التحفة وهو أشبه، والخرشي في شرح مختصر خليل، والرملي في نهاية المحتاج، والرهوني في حاشيته على شرح الزرقاني لمختصر الخليل، والزرقاني في شرح مختصر خليل، والزيلعي في تبيين الحقائق، والإمام الشافعي في الأم، وعلماء الهند في الفتاوى الهندية وعليش في منح الجليل وابن قدامة في الشرح الكبير على المقنع وفي المغنى والكاساني في بدائع الصنائع والنووي في المجموع شرح المهذب ﵏ وأجزل مثوبتهم.
стр. 6271
ومن المعاصرين من تكلم في هذا البحث فمنهم العلامة الشيخ أحمد الزرقا في شرح القواعد الفقهية والدكتور نزيه حماد والشيخ محمد علي عبد الله والدكتور علي أحمد السالوس وصدرت في ذلك الصدد فتوى من المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة جزى الله الجميع كل خير.
وبعد الاطلاع على ما كتبه القدامى والمحدثون رأيت - والله أعلم - رأيًا جديدا في هذا الصدد لعله يكون الصواب والأشبه، ولعله أقرب إلى روح الشريعة ومقاصدها العامة والخاصة وأجمل هذا الرأي فأقول والله المستعان:
الورق النقدي اليوم وإن كان أموالًا نافقة وله حكم المال من جميع الوجوه في الشريعة المطهرة غير أن الذهب هو التغطية الاقتصادية الوحيدة لدى أكثر الدول فإن لم تكن الوحيدة فهي التغطية الأساس والأصل، لذا من هذا الوجه فالورق النقدي نائب عن الذهب فنرجع قضايا تغير قيمة العملة الورقية كلها إلى الذهب فقط ونقول لكل من تعامل بهذه العملة الورقية مع الآخرين، أنت تقبض وتقبض ورقا نقديا ولكن حينما تكون هنالك مداينة فاحرص على أن تسعر هذا الورق النقدي بالذهب بسعر ذلك اليوم بما هو عليه في البورصة ويسجل كل من المتداينين ذلك السعر للذهب أساسا للتعامل، وعند انقضاء الأجل يرجع المدين للدائن ذهبا أو ورقًا نقديا بسعر الذهب في يوم انتهاء المداينة.
فلو أن رجلًا أقرض آخر إلى سنة (٤٠٠٠٠) أربعين ألف ليرة سورية يوم الخامس عشر من حزيران ١٩٨٧ في دمشق وكشفا عن سعر الذهب بالليرات السورية في ذلك اليوم فإذا بهذا المبلغ يساوى (١) كيلو غرامًا واحدًا فقط من الذهب، وبعد انتهاء السنة طالب الدائن المدين بالمال أي في ١٥ حزيران ١٩٨٨، فالعدل والإنصاف في الشريعة اللذين بنيت عليهما مصالح العباد ودار حولهما التكليف يقتضيان إما أن يرد المدين للدائن كيلو غرامًا واحدًا من الذهب أو قيمته بالليرات السورية يوم ١٥ حزيران ١٩٨٨ ولنفترض أن كيلو الذهب يساوى آنذاك (١٠٠٠٠٠) مائة ألف ليرة سورية وجب أن يرد هذا المبلغ أو الذهب الكيلو الواحد وهو مخير في ذلك لأنه لو رد إليه (٤٠٠٠٠) الأربعين ألفًا لكان قد رد إليه أقل من نصف كيلو من الذهب، هذا ظلم والظلم حرمه الله ورسوله وقس على ذلك.
هذا ما ظهر لي في هذه القضية بعد إعمال الفكر وترديد النظر والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.
стр. 6272
أحكام النقود الأوراق
في الفقه الإسلامي
(٣)
وجه الاستحسان وضوابطه
في ربط العملات متغيرة القيمة ـ بالقيمة
إعداد
الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور
عضو مجمع الفقه الإسلامي بجدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تصدير
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فلقد كنت كتبت بحثا في موضوع الأوراق النقدية وهل هي أثمان تجب فيها الزكاة كالذهب والفضة ويحرم فيها الربا؟ وقدمته إلى المجمع الموقر وصدر قرار المجمع بالإيجاب ولله الحمد.
ثم قدمت دراسة موجزة وعرضًا في الدورة الرابعة للمجمع كانت كل واحدة منهما دراسة أولية لموضوع تغير قيمة العملة لا أعدها فصل الخطاب ولا نهاية المطاف، وهذه الدراسة الثالثة اليوم أقدمها على كثير من الوجل في موضوع هو أخطر مواضيع الساعة وأعظمها أثرًا وأبعدها غورا، بل إنه هو بيت القصيد. ولعمري ما جاء مجمعنا الموقر واقعة من واقعات العصر في وزن هذه الواقعة.
أتقدم بهذا المشروع إلى مجمعنا العظيم اقتراحا قابلا للمناقشة والدراسة ليس هو الحق كما أنه ليس هو الباطل، بل هو مجرد اجتهاد في نازلة من النوازل قابل للصواب والخطأ، فإن كانت الأولى فمن توفيق الله تعالى وكان لي بذلك أجران وإن تكن الثانية فحسبي ذلك الأجر الواحد وأستغفر الله تعالى وأستعين وقد عزوت ما وسعني ذلك، وما لم أعز النقل فيه فمكانه جريدة المصادر في آخر البحث.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
مخطط البحث
يتكون البحث في هذه الرسالة من مدخل ومقاصد ثلاثة وخاتمة، ودونك التفصيل:
المدخل إلى البحث: تصور الموضوع بشكل أولى.
المقصد الأول: تغير قيمة النقد من الدراهم والدنانير فقط وأحكامه.
المقصد الثاني: تغير قيمة الفلوس وما يلحق بها في مذاهب الفقهاء القدامى والباحثين المعاصرين.
المقصد الثالث: ترجيح الربط بالقيمة في الفلوس والعملات المعاصرة استحسانا وضوابطه ووجهه.
خاتمة.
стр. 6273
مدخل إلى البحث
تصور الموضوع بشكل أولى
استقر قرار المجمع الموقر في جدة كما استقر قرار المجمع التابع للرابطة في مكة المكرمة على اعتبار الأوراق النقدية أموالا كالذهب والفضة لا خلاف في ذلك.
ولكن هذه الأموال تتغير بفعل من الدولة أحيانا وبدونه أحيانا أخرى وهو الأكثر كسادا وانقطاعا أحيانا. ورخصًا وغلاء أحيانًا أكثر وأغلب، وتجري القروض والمداينات بين الناس بها فماذا يلتزمون؟ عددها ومثلها أم قيمتها بالنسبة للذهب والفضة أو العملات الأخرى الثابتة نسبيا، وتكاد الآراء تتوجه إلى الأخذ بالقيمة استحسانا بالقياس إلخ في لولا الخوف من شبهة الربا لا سيما في القرض والديون، فاقتضى ذلك البحث عن الضوابط الكابحة اللاجمة للمضي في الاستحسان لغايته.
هذه هي اليوم مشكلة الساعة والسؤال عنها أضحى واقعة العصر. ويترتب على ذلك آثار كبيرة في الحقوق والواجبات، والفقه مقاطع الحقوق فما موقفه من هذه القضية الاقتصادية الخطيرة؟!
لقد تعرض الفقهاء القدامى رضوان الله عليهم لطرف من هذا الموضوع حسبما كان الوضع حينئذ عندهم، ولكن الأوضاع الاقتصادية التي كانت يومئذ لديهم تغيرت تغيرا جذريا كبيرا، وأصبح الموضوع اليوم لا يكتفي بما قاله فقهاؤنا القدامى ﵃، فهم أفتوا لعصرهم وأعرافهم، وعصرنا اليوم يحتاج إلى اجتهاد جماعي في هذا الموضوع ولا يسعه اجتهاد فرد مهما عظمت فقاهته، وإنما نستطيع الاستئناس بما كتب من قبل ودون. وبما يقوله علماء المسلمين اليوم وفقهاؤهم في سبيل دراسة هذه المسألة وتفنيدها ثم التوصل إلى الحكم الشرعي عن طريق الاجتهاد الجماعي حصرا وذلك بقرار مجمعي يكون فيصلا في هذا الشأن وقد يكون توقفا إذا وسعه ذلك، والله الموفق بمنه وكرمه.
стр. 6274
المقصد الأول
تغير قيمة النقد
من الدراهم والدنانير فقط وأحكامه بإيجاز
لعل هنالك إقرارا ضمنيا لدى الفقهاء بأن الدراهم والدنانير من الفضة في الأولى ومن الذهب في الثانية مستقرة في قيمتها وقوتها الشرائية نسبيا، ولو أن التغير في القيمة قد يطرأ عليهما بقدر يسير، والفقهاء متفقون على أنه إذا ترتب على التعامل بالدراهم والدنانير دين سببه القرض أو البيع ثم تغيرت قيمته وقت الأداء لسبب من الأسباب، وحل الأجل فلا يلزم غير ما اتفق عليه بين المتعاقدين. فيؤدى حينئذ بمثله قدرًا وصفة. سواء غلت قيمته أو رخصت، لأن الديون تؤدى بأمثالها لدى كافة الفقهاء.
ويجري هذا الحكم على الدراهم والدنانير الخالصة ومغلوبة الغش. وتكاد هذه القضية تكون من المتفق عليه لدى الباحثين القدامى والمعاصرين وحكى بعضهم فيها الإجماع.
(أ) مذهب الحنفية:
قال ابن عابدين: (إن الدراهم الخالصة أو المغلوبة الغش إذا غلت أو رخصت لا يفسد البيع قطعًا ولا يجب إلا رد المثل الذي وقع عليه العقد وبين نوعه كالذهب الفلاني أو الريال الفلاني) (١) ولا يجري هنا خلاف أبي يوسف لأنه محصور بالفلوس فقط.
(ب) مذهب المالكية:
قالوا إذا بطلت الدنانير أو الدراهم فالمشهور قضاء المثل على من ترتب في ذمته، وكذا إذا تغيرت من باب أولى (٢) ، وهنالك لبعض المالكية أنه إذا أبطلت تلك العملة واستبدل بها غيرها يرجع إلى قيمة العملة الملغاة من الذهب فيأخذ صاحب القيمة ذهبًا، لكن المشهور في المذهب هو الأول.
(ج) مذهب الشافعية:
وجوب رد المثل في القرض، وفي إبطال العملة ليس له غير ما تم العقد به نقص أو زاد أو عز، فإن فقد وليس له مثل، فقيمته على الراجح عندهم ووقتها يوم المطالبة (٣) .
(د) مذهب الحنابلة:
وجوب رد المثل في القرض، والقيمة عند الإعواز.
جاء في مجلة الأحكام الشرعية (المكيلات والموزونات يجب رد مثلها، فإن أعوز لزم رد قيمته يوم الإعواز) (٤) .
وقال مثله في المغني فلينظر.
стр. 6275
المقصد الثاني
تغير قيمة النقود الاصطلاحية
تغير قيمة الفلوس
وما يلحق بها في مذاهب الفقهاء
القدامى والباحثين المعاصرين بإيجاز
المبحث الأول
التغير في الفلوس وما يلحق بها
(أنواعه وأشكاله)
ما هي طبيعة الفلوس؟
هل الفلوس أثمان أو عروض؟ هل يدخلها الربا في المعاملات المالية أم لا؟
على ضوء الإجابة على هذه الأسئلة المهمة ينجلي الموقف ...
ودونك الجواب باختصار: اتفق أئمة المذاهب على أن الفلوس أثمان بالاصطلاح والعرف، ولا تتعلق بذواتها أحكام محدودة واختلف الفقهاء بعد ذلك اختلافًا كبيرًا يرجع إليه في محله، والذي ترجح هو أن الفلوس ليس لها طبيعة خاصة بها، وإنما طبيعتها اعتبارية لأنها مستمدة من حقيقة النقدين وطبيعتهما في بعض الصور والحالات، ومن طبيعة القروض وحقيقتها في بعض الصور والحالات الأخرى، يدل على ذلك أن المجتهدين اختلفت منازع نظرهم واجتهادهم فيها فاختلفت أحكام الفروع المستنبطة عندهم، ومرجع ذلك لدى التحقيق العلمي إلى طبيعتها الاعتبارية.
جاء في كلام العلامة ابن عابدين (أن الفلوس لها حكم العروض من وجه، وحكم الثمن من وجه) . اهـ. (انظر رد المحتار: ٤ / ١٨٤) .
وقد ترجح أن الأوراق النقدية نظيرة الفلوس في علة الثمنية فب علة تحريم الربا في النقدين وهي العلة المتعدية حيث قيس عليهما الفلوس، وكذلك تقاس الأوراق النقدية على النقدين من الدراهم والدنانير كما قيست الفلوس عليها وكذلك الكواغد والأنواط، فكل ما يجري على النقدين يجري على الفلوس وما يلحق بها من الأوراق النقدية.
وهذا ويلحق بالفلوس أيضًا الدراهم والدنانير غالبة الغش فلها قيمة الفلوس وتعامل معاملتها.
وانحصرت حالات التغير في ثلاث حالات:
١ – الحالة الأولى: الكساد.
٢ – الحالة الثانية: الانقطاع.
٣ – الحالة الثالثة: الرخص والغلاء.
стр. 6276
١ – الحالة الأولى: الكساد:
بأن توقف الجهة المصدرة للنقد التعامل فيه فتترك المعاملة به في كل الأقطار.
اختلفت فيه مذاهب الفقهاء إلى أقوال ثلاثة:
١ – فذهب المالكية في المشهور، والشافعية في المذهب والليث بن سعد إلى أنه إذا كسد النقد لم يكن على المدين غير السكة التي قبضها يوم العقد سواء كان الدين قرضًا أو ثمن مبيع أو غيره، وحكي عن الإمام الشافعي وجه هو أن البائع يتخير بين إجازة البيع بالنقد القديم أو فسخه.
٢ – وذهب الإمام أبو حنيفة فيما يظهر إلى أنه إذا كسدت الفلوس أو انقطعت فالبيع فاسد ويجب الفسخ ما دام ممكنًا، وهذا إن كان بيعًا، فإن كان دينًا فيجب رد مثله ولو كان كاسدًا لأنه هو الثابت في الذمة، وذهب الصاحبان إلى عدم البطلان، وعلل كل لرأيه.
٣ – وذهب الحنابلة والمالكية في مقابل المشهور والصاحبان من الحنفية إلى أن الفلوس إذا كسدت ترد القيمة.
واختلفوا في وقت تقدير القيمة:
- فذهب جمهور القائلين بهذا الرأي إلى أن الوقت يوم القبض أو يوم التعامل وهو كذلك للإمام أبي يوسف فيما يظهر.
- واشترط بعض المالكية أن يكون يوم القبض من النقد الرائج.
- وقال الإمام محمد بن الحسن من الحنفية وبعض الحنابلة إنه وقت الكساد (أي في آخر نَفَاقِهَا) وترك المعاملة في آخر نفاق الفلوس.
- وفي قول عند الحنابلة وقت الخصومة.
والذي يترجح من هذه الأقوال والله أعلم هو ما ذهب إليه الحنابلة ومقابل المشهور عند المالكية والصاحبين في وجوب القيمة ويرجع إلى أدلتهم في مظانها عند التوسع.
وأما عن وقت اعتبار القيمة فالذي ترجح أن القيمة المعتبرة هي القيمة وقت الكساد وترك المعاملة في آخر نفاق الفلوس من الأسواق، ورجح زميلنا الدكتور النشمي حفظه الله يوم الاستحقاق وهو بالرغم من أنه لا قائل به في الكساد قول وجيه.
وهناك حالة الكساد المحلي للنقد الاصطلاحي فالقول المعتمد عند الحنفية في صورة البيع لا يفسد والبائع بالخيار بين أن يطالبه بالنقد الذي وقع به البيع وبين أخذ قيمة ذلك النقد من عملة رائجة، وقيل عن الشيخين في المذهب الحنفي يجري في الكساد المحلي حكم الكساد العام وهو لم يرو عنهما بطريق معتمد.
стр. 6277
٢- الحالة الثانية: الانقطاع:
الانقطاع عند الفقهاء: (ترك التعامل بها في الأسواق العامة بين الناس) : انظر ابن عابدين من الحنفية والزرقاني والبناني من الجمهور. أو (بأن يفقد النقد من أيدي الناس لمن يريده) في عصرنا.
واتفق جمهور الفقهاء من أئمة المذاهب: المالكية والشافعية والحنابلة والصاحبان من الحنفية وهو المفتى به عند الحنفية على وجوب القيمة عند الانقطاع. وهنالك من قال: إن الانقطاع كالكساد يوجبان فساد البيع، وليس بشيء. ثم اختلفوا في وقت تقدير القيمة:
- فذهب المالكية في المعتمد عندهم إلى أنها وقت الحكم.
- والقول الثاني وهو المشهور عند المالكية: أبعد الأجلين من الاستحقاق والانقطاع؛ فالعبرة للمتأخر منهما، فإن كان الانقطاع أو الانعدام حصلا معًا فالأمر واضح، وإن تقدم أحدهما فالعبرة بالمتأخر. فإن استحقت ثم عدمت اعتبرت القيمة يوم العدم، وإن عدمت ثم استحقت اعتبرت القيمة يوم الاستحقاق.
- وذهب الشافعية إلى أنها وقت المطالبة، سواء يوم انقطاعه إن كان حالًا، أو يوم حلول الأجل.
- وذهب الحنابلة والإمام محمد بن الحسن وبه يفتى عند الحنفية، أنها آخر يوم قبيل الانقطاع وهو المعبر عنه بيوم الكساد، وذهب الإمام أبو يوسف إلى أنها يوم التعامل.
- وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الانقطاع مثل الكساد يوجب فساد البيع وخالفه صاحباه والمفتى به قول الإمام محمد من الصاحبين في المذهب. والراجح الذي يصار إليه هو قول الجمهور في أن الانقطاع يوجب القيمة، وفي تقديرها قول الحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية بأنه يوم الكساد لأنه هو اليوم الذي وجبت فيه القيمة على القول بها.
قلت: ولعل أظهر مثال على الانقطاع هو الليرة اللبنانية اليوم في عصرنا الحاضر حتى هجرها الناس من شدة رخصها وتعاملوا بدلًا منها بالدولار الأمريكي في لبنان بعامة وبيروت عاصمة لبنان بخاصة، حتى كاد يبطل التعامل بها عمليًا، وهو يوم كتابة هذه الكلمات.
стр. 6278
٣- الحالة الثالثة: الرخص والغلاء في مذاهب الفقهاء:
المطلب الأول – أقوال أئمة المذاهب الفقهية:
قد تهبط قيمة الفلوس أو الأوراق النقدية بالرخص بالنسبة إلى الذهب والفضة وهذا هو الغالب، وقد ترتفع قيمتها فتغلو، وقد يحدث ذلك بعد أن ثبت في ذمة المدين قيمة قرض أو ثمن مبيع بالأجل أو غير ذلك ويحل الأجل، فهل يؤدي ما التزم به باعتبار الرخص والغلاء أو لا اعتبار لهما؟
اختلفت الفقهاء في ذلك على أقوال ثلاثة في مذهبين لدى الفقهاء الأقدمين أصحاب المذاهب رضوان الله عليهم.
١- المذهب الأول، مذهب الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة، وهو قول الإمام أبي حنيفة وقول الإمام أبي يوسف أولًا ثم يظهر أنه رجع عنه إلى أن الواجب أداء ذات النقد الثابت في ذمة المدين، ولا اعتبار للرخص والغلاء، وللرهوني من المالكية وجه في وجوب المثل في الرخص والغلاء حيث ارتضاه رأيًا فقيده بما إذا لم يكثر الرخص والغلاء جدًّا فتجب القيمة حينئذ لا المثل.
٢- المذهب الثاني، مذهب الحنفية: فقد ذهب الإمام أبو يوسف وعليه الفتوى في المذهب إلى وجوب أداء القيمة في الرخص والغلاء، فإن كان ما في الذمة قرضًا، وجبت القيمة يوم القبض، وإن كان بيعًا فالقيمة يوم العقد، وحكى ابن عابدين رحمه الله تعالى الفتوى عليه.
هذا ووجه الرهوني من المالكية بتقييد الرخص والغلاء بما إذا لم يكثر الرخص والغلاء جدًا بحيث يصير القابض لها كالقابض لما لا كثير منفعة فيه فتجب القيمة حينئذ يجتمع مع الحنفية في هذه المسألة غير أنهم يطلقون هم ويقيد هو، فتحصل أن الرهوني مع المالكية في وجوب المثل فيما إذا كان الرخص والغلاء يسيرًا، فأما إذا فحش الرخص والغلاء فهو مع الحنفية في القول بالقيمة فتجب القيمة يوم القبض في القرض، ويوم العقد في البيع.
стр. 6279
المطلب الثاني – خلاصة أقوال المعاصرين وصبها في تيارات في هذه القضية الخطيرة وهي قضية ربط الحقوق والالتزامات بالقيمة الحقيقية في النقد الاصطلاحي:
هنالك ثلاث تيارات واضحة وضوحًا تاما للباحث المتتبع أجمل القول فيها بما يلي:
١- التيار المتشدد: وهو التيار الذي يعد ربط النقد الاصطلاحي بالقيمة الحقيقية في الحقوق والالتزامات – يعدها نوعًا من الربا الذي حرمه الإسلام، فإن لم يكن ربا حقيقة فهو من باب شبهة الربا، وادعى بعضهم الإجماع على ذلك ولم أره، وأما أدلتهم فتنظر في بحوثهم.
٢- التيار الوسط: وهم الذين نظروا إلى الموضوع نظرتين مثالية وواقعية: فتوسطوا في الحكم واعتدلوا أكثر من غيرهم، ولكنهم اختلفوا في توجيه هذا الاعتدال في الحكم، فمنهم من ذهب إلى الأخذ بقول الإمام أبي يوسف في القيمة وقيده بضابط هو وجه الشيخ الرهوني وهو ما إذا فحش التغير إلى الرخص بحيث صار القابض لهذه العملات كالقابض لما لا كثير منفعة فيه، وهذا هو المعيار الذي نصبه الشيخ الرهوني لفحش الرخص وكثرته، لكنه رجح وقت تقدير القيمة بالقرض يوم القبض، والبيع أخذ رأي سحنون من المالكية في الكساد بأن يرجح إلى قيمة السلعة يوم دفعها بالسكة الجديدة.
- ومنهم من ذهب إلى ربط الأجور بقائمة الأسعار في غير الديون، لكنه أخذ بقول الجمهور في الديون والقروض.
- ومن هؤلاء الباحثين من رجح أحد حلين: اعتبار الفلوس وما يلحق بها من الأوراق النقدية سلعًا تجارية في غير القرض أو إضافة نسبة مئوية إلى الثمن متأخر الدفع سماها (نسبة التضخم) مع الإبقاء على حكم ربويتها.
- ومن هؤلاء الباحثين من فرق بين الغلاء والرخص في الظروف العادية وبين ما إذا صدر قرار من الدولة بتخفيض عملتها.
ففي الواقعة الأولى، في حال الوفاء في الأجل المتفق عليه فلا داعي لبحث التغير للرضا من الطرفين بذلك.
وفي حالة عدم الوفاء فإن كان لعذر قهري فنظرة إلى ميسرة. وإن كان مطلًا وليًا من واحد فلا مانع من الحكم على المدين بتعويض الدائن.
وفي الواقعة الثانية، نقل الباحث نص كلام ابن عابدين من أنه يجب على المدين دفع النوع الذي وقع عليه العقد لو كان معينًا أو دفع أي نوع كان بالقيمة التي كانت وقت العقد إذا لم يعين المتبايعان نوعًا، والخيار فيه للبائع كما كان الخيار له وقت العقد، لكن لما كان هناك ضرر في هذا الحل للبائعين انتهي العمل إلى الصلح على الأوسط لدفع الضرر وهو الذي اختاره العلامة ابن عابدين ﵀.
стр. 6280
٣- التيار المجيز لربط الحقوق والالتزامات بالقيمة الحقيقية من الذهب والفضة: وهو قول الإمام أبي يوسف عليه رحمة الله.
وهو ما رجحه كثيرون من العلماء والباحثين من أعضاء المجمع الموقر ومن غيرهم في جميع صور الرخص والغلاء. وما يتبعه من التضخم والانكماش. . .
ففي هذا المبحث كلًّا لا يتجزأ اتخذ هؤلاء الزملاء موقفًا يتطابق مع مقاصد الشريعة العامة والخاصة، ويرتفع بالموضوع كله عن مزالق الضرر والضرار، وهو ربط جميع الحقوق والالتزامات في الشريعة بالقيمة الحقيقية بالنقود الاصطلاحية إلا وهي الذهب إن لم يتفق عليه من القيمة أو ما اتفق عليه بين المتعاقدين.
وحجة هؤلاء أن البائع إنما بذل سلعته في مقابلة منتفع به لأخذ منتفع به، فلا يظلم بإعطائه ما لم ينتفع به هذا في البيع، وأما في القرض والديون فما ذنب الدائن إذا احتسب أمره عند الله تعالى فترك تثمير ماله في يده وأقرضه لإنسان مدة ونقص نقصانًا واضحًا فهل جزاؤه أن يرجع إليه عشر ماله أو أقل مكافأة له على أنه أقرض لوجه الله قرضًا حسنًا؟! إذا لبطل المعروف. وأقلع الناس عن الإقراض، وهلك من جراء ذلك الفقراء المحتاجون.
تذييل: في وقوع العقد على نقد غير معين النوع.
إذا وقع العقد على نقد غير معين النوع ولا قرينة تعينه كالريال مثلًا في عصرنا، والقروش في عصرهم فقد تكلم في هذا الموضوع فقيهان من الحنفية:
١- العلامة ابن عابدين: ذهب إلى أنه قبل صدور الأمر السلطاني بالرخص فيها فالمشتري بالخيار في دفع العملة المسماة أو ما يعادلها، وحكى الاتفاق على ذلك.
وأما بعد ورود الأمر السلطاني بالرخص فإما أن تكون العملات متساوية في قيمتها أو مختلفة:
- فإن كانت متساوية في الرخص وجب دفع ما يعادل تلك العملات بالسعر الذي كانت عليه وقت العقد.
- وإن كانت مختلفة فيلجأ إلى الصلح فيدفع الوسط.
٢- وذهب الشيخ عبد القادر الحسيني إلى أن من باع بالقروش قبل ورود الأمر السلطاني ثم قبل قبض الثمن ورد الأمر من الدولة بتراجع أسعار النقود، فعلى المشتري أن يدفع ما يعادل القرش بحساب العرف من أي نوع كان بالسعر الذي يروج به وقت القبض برضا البائع، وللبائع طلب المسمى في عقد البيع أو مثله.
والذي ترجح هو رأي ابن عابدين لكونه وافق مقصود الشارع من استقرار المعاملات ورفع الضرر وأرفق بالعاقدين كما هو ظاهر.
стр. 6281
المقصد الثالث
ترجيح الربط بالقيمة في الفلوس والعملات المعاصرة
(وجه الاستحسان وضوابطه)
الذي يترجح في هذه المسألة الخطيرة والواقعة الشائكة من واقعات العصر ونوازله هو قول الإمام أبي يوسف رحمه الله تعالى، وهو مجرد رأي لا أدعي فيه أنه فتيا ولا هو حكم الله في الواقعة، بل هذا متروك لمجمعنا الموقر ليبت فيه العلماء الأجلاء فيكون اجتهاد جماعة لا اجتهاد فرد، هو رأي أعرضه على المجمع بكامل هيئته للدرس، رحم الله الإمام أبا حنيفة حيث قال: (علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه. فمن جاءنا بأحسن منه كان أحق) وللمجمع الكريم كل الحق في قبول هذا الرأي مقرونًا بضوابطه أو رده أو التخير منه أو التوقف إن وجد في ذلك مصلحة عامة دينية. ولكن لهذا القول ضوابط يجب الوقوف عندها ولا اعتداد بها لجمًا لقول الإمام أبي يوسف وكبحًا لجماحه، وهذه الضوابط اثنان فيما أرى والله تعالى أعلم:
١- الضابط الأول:
أن يخرج التغير بالرخص أو بالغلاء اليسير الذي يتسامح به التجار عادة. والمعيار في التغير يسيرًا أو فاحشًا خبرة التجار، كما هو القول في الغبن في البيوع الموقوفة التي يضر فيها الغبن، فالراجح أنه قول التجار من أهل الخبرة والتخصص.
ولا يتجه هنا وجه الرهوني من المالكية ومن تبعه من العلماء الزملاء مع تقديري لمحاولة كبحهم جماح قول أبي يوسف، فإن وجه الشيخ الرهوني هنا ليس إلا إلحاقًا لهذه الواقعة – واقعة التغير – بواقعة الكساد. وتجب حينئذ القيمة عند الصاحبين من الحنفية وعند الحنابلة والمالكية في مقابل المشهور كما مر.
стр. 6282
فقول الشيخ الرهوني بوجوب المثل في الرخص والغلاء إذا لم يكثر الرخص والغلاء جدًا بحيث يصير القابض لها كالقابض لما لا كثير منفعة فيه، قول لا يأتينا بشيء جديد بل كان الشيخ الرهوني يفرق بين حالتين: حالة الرخص والغلاء اليسير في نظره وهو هنا مع الجمهور في وجوب المثل، وحالة الكساد وهو هنا مع الجمهور أيضًا في وجوب القيمة ولا أستطيع أن أعتد بوجه الرهوني ضابطًا لرأي أبي يوسف لئلا يمضي رأي أبي يوسف في كل رخص أو غلاء ولو يسيرًا كما أخذ بذلك بعض الزملاء في المجمع حفظهم الله.
وقولهم: (لئلا يمضي رأي أبي يوسف في كل رخص أو غلاء ولو يسيرًا فتضطرب المعاملات وتتزعزع ثقة الناس في التبادل بالفلوس ومثلها الأوراق النقدية، لأن الغبن اليسير أو الغلاء والرخص اليسير لا تخلو منه المعاملات) ، قول سديد، ولكن هل يصلح وجه الشيخ الرهوني ﵀ من المالكية ضابطًا لهذا الجموح المتوقع؟! اللهم لا بل هذا ذهاب منه لإلحاق الرخص بالكاسد وليس كلامنا في الكساد.
بل الضابط في اليسير والفاحش هو قول التجار أهل الخبرة، فما يرونه يسيرًا فهو يسير، وما يرونه تغيرًا فاحشًا كثيرًا فهو كثير. وهو معيار منضبط اعتبره الشرع دائمًا في الأمور الفنية البحتة.
ومعنى هذا أن التغير الفاحش شيء والكساد الذي عبر عنه الرهوني ﵀ شيء آخر.
ويظهر ذلك بالمثال الآتي من واقعات العصر (الليرة اللبنانية والليرة التركية) فالليرة اللبنانية أصابها رخص ألحقها بالكاسدة كما ذهب إليه الشيخ الرهوني فهي لم ترخص ولكن كسدت فوجبت القيمة لأنها وصلت من الكساد إلى حد أصبحت لا قيمة لها فانقطعت من التعامل أو كادت بينما الليرة التركية رخصت رخصًا فاحشًا ولكن لم تكسد ولم تنقطع من التعامل وكذلك مثيلاتها من الليرة السورية وغيرها فهذا هو المثال الصحيح للرخص الفاحش الذي لم يدخل تحت الكساد أو الانقطاع المتفق على أنه تجب فيهما القيمة عند أبي يوسف ﵀.
فتجب القيمة هنا أيضًا في هذه الأمثلة في هذا الترجيح، ولا تجب القيمة عند الشيخ الرهوني ومن تبعه بل يجب المثل. وهنا تحرير محل الخلاف.
وعلى هذا؛ فالتغير اليسير الذي يعده خبراء التجار يسيرًا يوجب رد المثل فقط لأنه لا يمكن خلو التعامل عنه بحال.
стр. 6283
٢- الضابط الثاني:
ربط النقد الاصطلاحي بالذهب أو بالفضة أو بعملة ثابتة نسبيًا كالدولار الأميركي والين الياباني، وذلك بأن ينص في العقد على هذا الضبط بالقيمة وتحدد هذه القيمة حتى ترد ذاتها عند الوفاء أو عند حلول أجل المداينة أو لتسليم الثمن في القرض في الصورة الأولى، وفي المداينة في الصورة الثانية، وفي العقود التعاملية كالبيع وغيره في الصورة الثالثة.
إن هذا الربط في العقد شفويًا كان أو كتابيًا يخرجنا في رد القيمة حالة الرخص أو الغلاء من شبهة الربا لأن التعامل انصرف في جوهره إلى القيمة لا إلى الأوراق النقدية الاصطلاحية المعرضة للرخص الشديد أو الغلاء، وحالة الرخص الشديد أكثر فكأن المتعاقدين تعاقدا على القيمة لا على بديلها من هذه الأوراق النقدية الخطيرة، والقيمة ثابتة نسبيًا فصار التعاقد على ثابت لا على متغير.
وصورة هذا الربط أن يلحظ الدائن والمدين أو المقرض والمستقرض أو البائع والمشتري في هذه الصور وأمثالها أن الثمن أو المال المستقرض هو القيمة من ذهب أو فضة أو دولار أو ين، أي قيمة هذا المبلغ لا صورته.
فإذا استقرضت منك خمسين ألف ليرة سورية وجب أن يلحظ في القرض عند التسليم أن هذه الليرات تساوي في هذا اليوم كيلو غرام واحدًا من الذهب، فصار هذا الكيلو الذهبي هو المبلغ المستقرض ضمنًا وحكمًا فوجب أداء ما يماثله من الليرات السورية عند حلول أجل القرض، فلو انخفضت الليرة السورية إلى أن صار ٧٠٠٠٠ سبعون ألف ليرة توازي كيلو غرام واحدًا من الذهب وجب رد السبعين ألفًا لا الخمسين لأن المال المستقرض حكمًا هو الكيلو غرام الذهبي، والورق النقدي الذي قبضه المستقرض ما هو إلا صورة له وبديل شكلي لمنع الدول التعامل بالذهب بحكم القانون ولكنه بقي جائزًا في حكم الشرع.
إن هذا اللحظ أو هذا الربط في العقد يبعد العقد عن شبهة الربا فضلًا عن حقيقة الربا، لأن المتعاقد عليه ثابت ينوب عنه في الصورة شيء متغير، فيرجع إلى الثابت لا إلى المتغير في الجوهر، وهو من مقصودات الشارع لأنه يحقق العدل ويبقي على المعروف.
стр. 6284
توجيه هذا الترجيح بضوابطه:
١- الفلوس وما يلحق بها أثمان باصطلاح الناس فإذا تغير اصطلاحهم فينبغي مراعاة هذا التغير بحيث لا يترتب على طرف ضرر، وإلا لم يعد للاصطلاح قيمة ولا فائدة.
٢- ثم إن الرخص والغلاء كالعيب اللاحق للفلوس فترتب عليه ظلم للدافع والرخص فيجبر بالقيمة ولا يبطل العقد كما لم يبطل في الكساد والانقطاع، وهو نظر أبي يوسف في أحوال التغير كلها في الكساد والانقطاع والرخص والغلاء.
٣- والقياس الجلي في الرخص والغلاء يقتضي رد المثل في الفلوس لأنها قيست على الدراهم والدنانير التي يجب فيها بالإتفاق رد المثل، بجامع الثمنية في الإلحاق وهي العلة المتعدية.
لكننا تركنا القياس الجلي إلى الاستحسان وهو القياس الخفي الذي يقتضي رد القيمة بدليل المصلحة والضرورة على رأي الحنفية.
والعلة الخفية التي بني عليها الاستحسان هنا أن اجتماع الفلوس مع الدراهم والدنانير في علة الثمنية لا يمنع من حيث آثار كل أن يختلفا في قيمة هذه الثمنية، فالدراهم والدنانير لا تبطل ثمنيتها بحال، وهي في الخلقة ثمن ورخصها اليسير جدًا لا قيمة له، فلا يترتب ضرر محقق للعاقدين حتى يجب رفعه.
بخلاف الفلوس والأوراق النقدية فقد تبطل ثمنيتها وقد ترخص كثيرًا، فينظر حينئذ إلى ما انبنى عليها من آثار شغل الذمم، فقد فارقت في هذا الحال مماثلة الدراهم والدنانير صورة برخص قيمتها، ولم تفارقه حقيقة في مقدار ما شغلت فيه الذمة مما اصطلح عليه حين العقد وإن لم يقبل هذا في مفارقة الفلوس والدراهم والدنانير، فيمكن اعتبار المفارقة استحسانًا للمصلحة أو للضرورة على رأي الحنفية، ويتخرج هذا الرأي على عنصر نظائر فقهية؛ فقال الفقهاء في بيع الفلوس: إذا حصل تخالف وفسخ وهي تالفة فتجب القيمة وكذلك استعارة الفلوس وتلفها قال بعضهم بالقيمة يوم التلف، ولو أخذت الفلوس على جهة السوم فتلفت ففيها القيمة.
وكذلك قاعدة: (الحاجة تنزَّل منزلة الضرورة) و (دفع الضرر ورفع الحرج) و (الضرورات تبيح المحظورات وتقدر بقدرها) قواعد يمكن التخريج عليها هنا في هذا المضمار.
والله تعالى أعلم.
стр. 6285
خاتمة
تبين لنا من هذه الجولة العجلي أن قاعدة دفع الضرر ورفع الحرج والتيسير على الناس وقاعدة الضرورة والحاجة، والأخذ بروح النصوص يجعلنا نقف هذا الموقف من توجيه القول بالاستحسان في صورة القياس الخفي مع ضوابط تلجم المضي في القياس الخفي هذا إلى ما لا يراد منه، وذلك كله لتحقيق العدل الذي بنيت عليه مقاطع الحقوق، وما أحسن كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:
(الشريعة عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل) .
محمد عبد اللطيف صالح الفرفور
أبرز مصادر البحث
١- رد المحتار على الدر المختار، العلامة ابن عابدين، ط الأميرية، ١٣٣٣هـ.
٢- مجموع رسائل ابن عابدين. جزءان في مجلد، للعلامة ابن عابدين، ط إستانبول.
٣- العقود الدرية في تهذيب الفتاوى الحامدية، العلامة ابن عابدين.
٤- حاشية الرهوني في فقه المالكية، العلامة الرهوني محمد فتحا.
٥- المجموع شرح المذهب، العلامة ابن قدامة المقدسي، ط سجل العرب.
٦- مجلة الأحكام الشرعية في فقه الحنابلة.
٧- فتح القدير شرح الهداية، العلامة ابن الهمام، ط الأميرية.
٨- الدرر شرح الغرر بحاشية الشرنبلالي، العلامة منلا خسرو.
٩- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، العلامة الكاساني.
١٠- شرح الخرشي على خليل بحاشية العدوي، العلامة الخرشي.
١١- مجموعة فتاوى العلامة ابن تيمية، العلامة ابن تيمية.
١٢- حاشية الدسوق على الشرح الكبير للدردير، العلامة الدسوقي محمد بن عرفة.
١٣- الفتاوى الهندية، مجموعة من علماء الهند.
١٤- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، للعلامة الرملي.
١٥- المبسوط شرح الكافي للحاكم الشهيد، للإمام السرخسي.
١٦- ابن عابدين وأثره في الفقه، الفرفور (محمد عبد اللطيف) .
١٧- الأوراق النقدية وتغير العملة، إعداد الدكتور عجيل جاسم النشمي.
стр. 6286
تذبذب قيمة النقود الورقية
وأثره على الحقوق والالتزامات
على ضوء قواعد الفقه الإسلامي
إعداد
الدكتور على محيى الدين القره داغى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله ومن والاه
وبعد:
تصاحب العملات الورقية منذ ظهورها اضطرابات عديدة، وتهزها التقلبات الكثيرة والتذبذب من قيمتها الشرائية ولقد نالت قسطا كبيرا من التدهور والانهيار في بعض الأحايين، بل تكاد تفقد بعضها معياريتها للسلع، ومخزونيتها للقيم مما ترتبت على ذلك آثار خطيرة على مستوى الحقوق والالتزامات، وهضم كبير لحقوق الناس، ولا سيما لأولئك الذين أعطوا مبالغ معينة لفترة زمنية طويلة، فيعاد إليه المبلغ فكأنه قد اقتطع منه نصفه، أو ثلثاه نتيجة للتضخم الذي تعانى منه معظم الدول، فلو تصورنا أن أحدا اقرض آخر مبلغ مائة ألف ليرة لبنانية في سنة ١٩٧٠، والمدين الآن يريد أن يوفي بدينه، ترى كم يرجع؟ هل يرجع المبلغ المذكور بالليرة اللبنانية؟ فلو قلنا نعم لوقع على الدائن ظلم كبير حيث كان المبلغ الذي دفعه في وقته يساوى حوالي خمسين ألف دولار والآن يساوى حوالي ثلاثمائة دولار، فكان المبلغ في وقته يشتري به بيتا ومطبعة والآن لا يكفي لتكاليف دعوة بضعة أشخاص وعلى عكس ذلك لو أخذ شخص الآن مائة ألف ليرة لبنانية التي تساوى حوالي ثلاثمائة دولار ثم بعد عشر سنوات يريد أن يرجعها وقد صعدت قيمة الليرة صعودا كبيرا ترى كم يرجع؟ والمسألة لا تخص الليرة اللبنانية، بل هي عامة في أكثر النقود مثل الليرة التركية، والسورية، بل حتى الجنية المصري والدينار العراقي، والجنيه السوداني وغيرها..
فالمسالة لم تعد تطاق لما يترتب عليها من نتائج خطيرة، ولذلك قمت بإثارتها على مستوى كلية الشريعة بجامعة قطر في ندوة علمية في ١٥/١٠/١٩٨٧ وأثنى أغلب الحاضرين بمن فيهم فضيلة الأستاذ الدكتور / يوسف القرضاوي، والأستاذ الدكتور جمال الدين عطية - على النتائج التي توصلت إليها (١) والتي نلخصها هنا حتى نعرضها على المهتمين بالفقه والاقتصاد الإسلامي لإثرائها بالمناقشة والنقد والتحليل.
стр. 6287
سنتكلم في الخلاصة عن تعريف النقود بإيجاز، وعن نبذة تاريخية لها ثم عن بعض أحكام النقود المعدنية من الذهب والفضة وعن الفلوس ثم إن هذا الموضوع في الواقع يرتبط بقاعدة المثلي والقيمي في الفقه الإسلامي ولذلك نرى من الضروري أن نتحرى هذا الجانب ونوضح المعايير التي تتحكم فيها لنرى هل تدخل نقودنا الورقية في المثليات، وهي هي مثل الذهب والفضة في جميع الأحكام؟
وقبل أن ندخل في الموضوع أحب أن أشير إلى عدة مبادئ أساسية يجب على كل باحث مراعاتها وهي:
١- أن ما ورد فيه النص من الكتاب والسنة الخالي من المعارض لا يجوز الاجتهاد بخلافه وإن كان ذلك لا يمنع من جواز الاجتهاد فيه.
من هنا فالنقود الورقية حديثة العهد لا مطمع في وجود نص فيها، ولا قول للفقهاء السابقين ومن هنا تخضع للقواعد العامة التي تتحكم فيها العدالة وما يحقق المصلحة لجميع الأطراف.
٢- رعاية المقاصد والمبادئ الأساسية والقواعد العامة الكلية للشريعة مقدمة على رعاية الجزئيات والفروع ولا سيما إذا كانت اجتهادية، ومن هذه المبادئ التي تتحكم في موضوعنا مبدأ العدل وعدم الظلم الذي جاء لأجله الإسلام: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (والأصل في العقود جميعها هو العدل فإنه بعثت به الرسل وأنزلت الكتب والشارع نهى عن الربا لما فيه من الظلم وعن الميسر لما فيه من الظلم) (١) فإذا كان القرآن الكريم قد قرر بخصوص المرابين ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ فكيف يرضى أن يظلم الدائن ويقتطع حقه في وقت يدعو فيه الرسول الكريم ﷺ إلى الإحسان إليه ويقرر ((إن خياركم أحسنكم قضاء)) (٢) .
ومن هذه المبادئ قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) ومبدأ رعاية المصلحة ودرء المفسدة ورعاية أن الاجتهادات الدينية على المصلحة تتغير بتغير مبناها كما أوضح ذلك ابن القيم في كتابه القيم (أعلام الموقعين) .
стр. 6288
التعريف بالنقد:
عرف فقهاؤنا الكرام النقد من خلال ذكر وظائفه الأساسية فقالوا: (إنها أثمان المبيعات وقيم المتلفات والديات ووسيط بين السلع وحاكم عليها وإنه من ملكه فكأنما ملك كل شيئ وهو التوسل من خلاله إلى سائر الأشياء وإن نسبته إلى سائر الأموال نسبة واحدة وإنه بمثابة المرآة التي يرى من خلالها الأشياء) (١) وقد شرح ذلك الإمام الغزالي شرحا وافيا (٢) كما تناوله شيخ الإسلام فقال:
(فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارًا للأموال يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال ولا يقصد الانتفاع بعينها) (٣) .
وقد عرفه علماء الاقتصاد الحديث بما يقرب مما ذكرناه فقالوا: (هو ما يستخدم وسيطًا للتبادل ومقياسا للقيم ومخزونا للثروة ومعيارا للمدفوعات الآجلة من الديون) .
ومن الجدير بالتنبيه عليه هو أن هذه الوظائف الأربع مجتمعة ليست بمثابة الأركان التي لو تخلفت واحدة منها في نقد ما لفقد نقديته ولذلك نرى كثيرا من أنواع النقود في الاقتصاد الحديث مثل النقود السلعية والنقود المصرفية بل والنقود البلاستيكية مع أنها لا تتوفر فيها جميع العناصر السابقة يطلق عليها اسم النقود.
стр. 6289
نبذة تاريخية عن النقود:
لم يكن الإنسان في مجتمعه البدائي بحاجة كبيرة إلى وسيط للتداول إذا كان يكتفي ذاتيا بما وفر الله له من خيرات الأرض ثم لما تكونت المجتمعات احتاج إلى المقايضة ثم إلى استخدام النقود ولما جاء الإسلام كان النقد السائد هو الدنانير الذهبية والدراهم الفضية اللتين كانتا سائدتين في الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية ثم قام عمر ﵁ بضرب دراهم على نفس الكسروية وكتب على بعضها " الحمد لله " وعلى بعضها " لا اله إلا الله " وكذلك قام عثمان بضرب دراهم ثم معاوية وابن الزبير لما استقر الأمر لعبد الملك وضع السكة الإسلامية وأمر الناس أن يضربوا عليها نقودهم وقد استقر الأمر على أن وزن الدينار هو مثقال من الذهب أي ٤٠.٢٥ غرامات والدرهم كل عشر منه يساوى سبعة مثاقيل ثم ظلت الخلافة الإسلامية تحافظ على النقود ولا تفرط فيها إلا في حالات يعم فيها الاضطراب وبتتبعنا لأحوال الحضارة الإسلامية نجد أنها لم تشهد أزمات تضخم حادة مثل ما حدث في عالمنا المعاصر نتيجة التزامها بالنقود الذهبية أو الفضية ولكنها قد شهدت بعض اضطرابات نتيجة سيادة الفلوس والغش في المعاملات كما ذكر ذلك العلامة المقريزي والحافظ المناوي وغيرهما (١)
стр. 6290
ظهور النقود النقدية:
ساعد على ظهورها (١) عدم الاستقرار والاضطراب اللذان سادا أوروبا مما حدا بالأغنياء أن يودعوا نقودهم الذهبية عند التجار الصيارفة الأمناء القادرين على حفظ الأموال في خزائنهم الحديدية الذين كانوا يعطون بدورهم سندات إيصال فتكونت على أثر ذلك فئة من التجار الصيارفة اعتنوا بالصيرفة فقط وحفظ الأمانات واخذ الفوائد عليها واصبحوا وسطاء في تبادل النقود بحيث إذا أراد رجال الأعمال الذين يتعاملون معهم إبرام عملية تبادل معينة أو تسديد ما عليه من ديون إلى الغير كان عليه أن يقدم إلى الصراف الذي يتعامل معه ما يحمله من إيصالات، ويسترجع منه سبائكه ثم يرسلها إلى دار سك النقود حيث يتم تحويلها إلى عملات ذهبية يستخدمها التاجر في عمليات الثراء وتسديد الديون (٢) .
ثم خطت الصيرفة خطوة أخرى نحو التيسير في التبادل وذلك بإعطاء المزيد من الثقة إلى الإيصال، بحيث إذا وقع على ظهره صاحبه وأعطاه لآخر أصبح خاصا بحامله ومن هنا أعطى بدل السبيكة الذهبية نفسها، ويجري به النقود ويتداول مع بقاء السبيكة عند الصراف. تلك هي بداية المخاض لورقة البنكنوت التي مهدت الطريق لولادة الأوراق النقدية، وهيأت الرأي العام لتقبلها، أدرك التجار فوائدها في تسهيل عمليات الدفع، فتطورت إلى إصدار فئات محدودة مثل عشرة جنيهات وخمسين جنيهًا ومائة جنيه ...
ثم انتقلت هذه الفكرة إلى الحكومات وتبنتها وأعطتها الثقة وأفادت منها حيث احتفظت هي بالسبائك، وأصدرت في مقابلها الأوراق النقدية المطلوبة، وبذلك درجت الحكومات على طبع أوراق النقد بشرط توفر غطاء كاف من السبائك ثم أختفي الصيارفة من الصورة وحل نظام الشيكات المصرفية محل إيصالات الصيارفة تكونت البنوك الحديثة وقامت بإصدار النقود الورقية بكل أشكالها المتعددة، ثم خفف العطاء ليصل إلى ٥٠ % فقط، ووجدت عدة أنظمة منها ما يعتمد على نظام النقد الواحد أو على غيره إلى أن تكون في عام ١٩٤٥ م صندوق النقد الدولي وأصبحت معظم الأنظمة النقدية الحديثة تعتمد على النقد الورقية والمصرفية كوسيلة للدفع، وذلك بسبب المشاكل الاقتصادية وعدم قدرة الدول على توفير الغطاء الكافي ومن هنا فإن حجم المعروض من النقد لا يتوقف بتاتا على إمكانية الحصول على المعادن النقدية وإنما يتوقف على قرارات السلطات النقدية من البنك المركزي ووزارة المالية ومع ذلك فإن هناك بلا شك عوامل كثيرة لها تأثيرها الفعال على النقود الورقية وعلى رأسها نوعية الاقتصاد القائم درجة نموه وما حققه من تقدم أو ما يعانيه من تخلف اقتصادي اجتماعي وسياسي وما يصيب الدولة من مشاكل وحروب وغيرها (٣) .
стр. 6291
قاعدة المثلي والقيمي في الفقه الإسلامي وعلاقتها بالنقد:
وضع فقهاؤنا الكرام قاعدة عامة تتحكم في مسائل كثيرة وتضبط بها جزئيات لا تكاد تحصر في أبواب الحج والقرض والبيوع، والغصب، والضمانات، والجنايات، وغيرها ... حيث ترد المثليات بالمثل دون ملاحظة القيمة، في حين يرد ما هو قيمي بالقيمة - كقاعدة عامة -.
والموضوع الذي نحن بصدد بحثه له علاقة وثيقة بهذه القاعدة، وذلك لأننا إذا استطعنا أن نوضح المعايير الدقيقة للقيمي والمثلي نستطيع حينئذ من خلالها الوصول إلى الحكم على نقودنا الورقية بالمثلية أو القيمية.
فالمثلى نسبة إلى المثل، وهو لغة الشبه، والقيمي نسبة إلى القيمة وهي لغة ثمن الشيء بالتقويم (١) وقد ورد لفظ " مثل " ومشتقاته اكثر من مائة وخمسين مرة في القرآن الكريم منها قوله تعالى: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (٢) أي من حيث الخلقة والماهية والجنس، والنوع ولكنه ثار خلاف بين المفسرين في تفسير " مثل " في قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٣) حيث فسره بعضهم بشبهه في الخلقة الظاهرة ويكون مثله في المعنى (٤) في حين فسره آخرون وعلى رأسهم الحنفية بالقيمة وجعلوها هي المعيار في عملية التقويم ودافع أبو بكر الجصاص عن هذا المعنى دفاعا كبيرا وأورد أدلة كثيرة لدعمه ودحض حجة المخالف.
стр. 6292
وفي اصطلاح الفقهاء اختلفت وجهات نظرهم في المثلية والقيمية حسب المراد بها في الأبواب المختلفة، ففي باب الحج تعتبر البقرة مثلا للناقة، وكذلك النعامة مثلا للناقة والبقرة، حيث إذا قتلها المحرم تجب إحداها مع أن الحيوانات جميعها ليست من المثليات في باب القرض عند من يقول باستقراضها (الجمهور) ونرى أن المثلية لا تتحقق في باب البيع حتى في جنس واحد ونوع واحد من الحيوانات إلا مع التماثل في الذكورة، أو الأنوثة، ويسمونه فوات الوصف المرغوب فيه، أو الجنس المرغوب (١) وغير ذلك من التفصيلات (٢) ولكن أكثر الاتجاهات تسير نحو تعريف المثلى بما هو مقدر بكيل أو وزن فعلى ضوء ذلك فالمكيلات والموزونات هما المثليات وغيرهما قيميات في حين أضاف بعضهم إليهما المعدودات التي لا تفاوتَ بيِّنًا بين أفرادها (٣) .
ولو أستعرضنا ما ذكره فقهاؤنا الكرام في هذه الأبواب المختلفة لوصلنا إلى أن المعيار الذي اختاروه هو ما يحقق العدالة يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عند كلامه عن عوض المثل: " وهو أمر لا بد منه في العدل الذي به تتم المصلحة الدنيا والآخرة فهو ركن من أركان الشريعة ومداره على القياس والاعتبار للشيء بمثله وهو نفس العدل وهو معنى القسط الذي أرسل الله له الرسل (٤) ...." ولذلك نرى فقهاؤنا يحكمون على شيء بأنه يرد بالقيمة مع أنه على ضوء القاعدة العامة من المثليات مثل الذهب الذي دخلته الصنعة حيث يصبح من القيميات والماء الذي أتلفه شخص في وقت عَزة حيث يلاحظ فيه القيمة وغيرها كثير جدا (٥) .
стр. 6293
هل نقودنا الورقية مثل الدراهم الفضية والدنانير الذهبية في كل الأحكام؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه عند بحث أحكام النقود ولاشك أن الجواب عنه بالسلب أو بالإيجاب أو بالتفصيل يكون هو الأساس في أي حل يراد.
فقد ذهب العلماء الذين عاصروا مولد النقود الورقية إلى أنها ليست مثل النقود المعدنية على الإطلاق ولذلك قال بعضهم بعدم وجوب الزكاة فيها ثم حينما اتضح الأمر بعض الشيء أفتى الكثيرون بوجوب الزكاة فيها (١) . ولو دققنا النظر في هذا الخلاف لوجدنا خلاف عصر وأوان لا خلاف حجة وبرهان، لذلك لم يعد للتكييف السابق باعتبارها سندات ديوان أي مبرر بعد ما صارت أثمانا بالعرف ونالت ثقة الناس، ولكنها مع ذلك لا يمكن القول بأن النقود الورقية أصبحت مثل النقود الذهبية في جميع الأحكام وذلك لأن كثيرا من الفقهاء لم يعطوا جميع أحكامها للنقود المغشوشة على الرغم من رواجها وكذلك لم يعاملوا الفلوس معاملة الذهب والفضة حتى وإن راجت (٢) .
وكذلك الأمر في نقودنا الورقية حيث تختلف النقود الذهبية والفضية فيما يأتي:
١- أن الدنانير والدراهم نقدان ذاتيان ضامنان للقيمة في حد ذاتهما في حين أن العملة الورقية نقد حسب العرف والاصطلاح.
٢- أهما لا ينسأ مع نقديتهما باعتبار أن الزيادة في وزنهما زيادة في قيمتهما وقد أثار إلى ذلك الحديث الصحيح " وزنا بوزن " ولا يلاحظ ذلك في النقود الورقية.
٣- أنهما لو ألغيت نقديتهما بقيت مثيلتهما وقيمتهما في حين أن العملات الورقية لو ألغيت لما بقيت فيها أي فائدة.
٤- لا خلاف بين علمائنا المعاصرين في أن نقودنا الورقية تقوم بالذهب أو الفضة أو غيرهما لمعرفة نصاب الزكاة فيها , في حين أن نصاب الدراهم والدنانير ثابت ولا يحتاج منه إلى تقدير بآخر بل يقوم بهما غيرهما (٣) .
٥- أن المعاصرين جميعا متفقون على أن نقد كل بلد جنس بذاته ولذلك يجري فيه التفاضل فيها لو بيع بنقد بلد آخر وما ذلك إلا لرعاية القيمة في حين أن الدراهم والدنانير لا يلاحظ فيهما البنك الذي أصدرها.
٦- أن النقود الورقية كانت مغطاة في أساسها بالذهب ولا يزال الاقتصاد الخاص بالدولة التي تصدرها له علاقة بقوتها وضعفها ولا يؤخذ هذا في الدراهم والدنانير.
٧- حينما ألغى الفقهاء رعاية القيمة في المثليات مثل الذهب والفضة والحنطة والشعير نظروا إلى أنها تحقق الغرض المقصود سواء رخص سعرها أم غلا، أما النقود الورقية فقيمتها في قوتها الشرائية.
٨- أن الاقتصاديين يكادون يتفقون على أن مشكلة التضخم التي يعانى منها ولدت في أحضان النقود الورقية ولم يحصل مثلها عند سيادة النقود المعدنية النفيسة.
стр. 6294
الترجيح:
ولذلك فالراجح هو القول بنقدية هذه الأوراق المالية وبالتالي وجوب الزكاة فيها باعتبار قيمتها وكونها صالحة للثمنية والحقوق والالتزامات وعدم جواز الربا فيها لا نقدا ولا نسيئة، ولكن مع ملاحظة أنها لا تؤدي جميع الوظائف المطلوبة وبالتالي ملاحظة قيمتها عندما تحدث فجوة كبيرة بين قيمة النقد في وقت القبض وقيمته عند التسليم وهذا في نظري هو الرأي الذي يحقق العدل الذي أشار إليه النبي ﷺ ((قيمة عدل لا وكس ولا شطط)) (١) وهذا هو الواقع الذي تعيشه نقودنا الورقية حيث يعترف كثير من الاقتصاديين بأنها لا تؤدى اليوم جميع وظائفها (٢) .
وفي رأيي أن نظام النقود اليوم نظام خاص لا يمكن إجراء جميع الأحكام الخاصة بالنقود المعدنية – الذهب والفضة وحتى الفلوس عليها فهو نظام خاص جديد لا بد أن نتعامل معه على ضوء واقعه ونشأته وتطوره وعطائه وما جرى عليه ولذلك فما المانع من أن نقره كوسيط للتبادل التجاري ولكنه مع ذلك يلاحظ فيه قيمته ونربطه أما بالذهب أو بسلة السلع بعد أن فقد النقد الورقي كثيرا من وظائفه حتى في الدول الغربية حيث لم يعد مثل السابق مقياسا للقيم حتى في الغرب الذي نشأ فيه ولا مخزونا للثروة حيث تخزن في الغالب بالذهب أو بالعقار أو بنحوها فقيمة نقودنا الحالية في قدرتها الشرائية فإذا فقدتها أو اهتزت فما الفائدة في شكلها أو ما كتب عليها؟ فهي لا تؤكل ولا تلبس ولا يتحلى بها وإنما ليشتري بها السلع ولذلك فالتساوي والتماثل والتفاضل والتعامل والزكاة باعتبار قيمتها ولذلك فما دام سعر الريال الواحد - مثلا - في وقت واحد لدولة واحدة لا يتصور فيه الزيادة فلا يحتاج إلى رعاية القيمة وكذلك الأمر في وقتين لم تتغير فيهما قيمته بشكل يؤدي إلى الغبن الفاحش فعلا لا تصورا وتخمينا وحتى تكون أبعاد هذا الذي اخترناه واضحة المعالم، فلابد أن نذكر التأصيل الفقهي له والمعيار الذي نعتمد عليه عند التقويم ومتى نلجأ إليه؟ وزمن التقويم ومكانه.
стр. 6295
التأصيل الفقهي:
لا شك أن مسالة النقود الورقية لم تكن موجودة في عصر النبي ﷺ ولا في عصر الصحابة والفقهاء والمجتهدين وإنما ظهرت - كما سبق - في حدود القرنين الأخيرين ومن هنا فلا نطمع أن نحصل على نص خاص يعالج هذه المسالة بخصوصها ولكن لما كان الإسلام دينا خالدا شاملا لكل الأزمنه والأمكنة فإنه تضمن من المبادئ والقواعد العامة ما يمكن استنباط حكم كل قضية مهما كانت جديدة على ضوئها اذن فالقضية تحل من خلال المبادئ والمقاصد العامة للشريعة وبالإضافة إلى ذلك فإننا نرى بعض مسائل جزئية دقيقة أثارها فقهاؤنا الكرام تصلح لأن تكون أرضا صالحة للانطلاق منها إلى حل مسألتنا هذه ومن هنا فنحن نذكر بإيجاز بعض القواعد العامة والمبادئ الكلية , وبعض المسائل الجزئية ذات العلاقة بموضوعنا:
أولاً: المبادئ العامة القاضية بشكل قاطع بتحقيق العدالة ورفع الظلم حيث أنزل الله تعالى الكتب والشرائع لتحقيق ذلك.... قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (١) .
ولذلك يرشد القرآن الكريم إلى أن المرابي حينما يتوب يأخذ رأس ماله لا يظلم ولا يظلم إذن فكيف يسمح بأن ترجع إلى الدائن نقوده بعد أن فقدت جزءا كبيرا من قيمتها ولذلك قال الرسول ﷺ ((خير الناس أحسنهم قضاء)) (٢)
ومن المبادئ العامة الكلية قول النبي ﷺ ((لا ضرر ولا ضرار)) (٣) . حيث جعلها النبي ﷺ من القطعيات التي تزاحمت عليها أدلة الشرع من الكتاب والسنة (٤) .
стр. 6296
ومن هذا المنطق فلا يمكن أن تكون الجزئيات مخالفة للقواعد العامة ولا القطعيات مناقضة للأصول العامة المقررة فعلى ضوء ذلك فلا يمكن أن نقول في نقودنا الورقية قولا يخالف هذه المبادئ يؤدي إلى الظلم والضرر بأصحاب الحقوق في وجهة نظرنا أن القول برد المثل في نقودنا الورقية يؤدي في كثير من الأحوال إلى الظلم بأصحاب الحقوق فمن دفع قبل خمسة عشر عاما مبلغ ١٠٠ ألف ليرة مثلا ثم لو رجعها المدين إلى الدائن بالمثل لأصاب الدائن خسارة كبيرة وضرر كبير لا يمكن أن يتفق مع هذه المبادئ السابقة.
* ثانيا: بعض المسائل الفقهية التي ذكرها فقهاؤنا السابقون بخصوص الفلوس والدراهم والدنانير المغشوشة حيث ذهب الفقهاء إلى رعاية القيمة على أساس الذهب الخالص ورواجها في السوق وملاحظة الرخص أو الغلاء حيث ذهب أبو يوسف ومحمد في بعض الحالات وبعض فقهاء المالكية وبعض الحنابلة إلى رعاية القيمة يقول ابن عابدين (قال في الولواجية: رجل اشترى ثوبا بدراهم نقد البلدة فلم ينقدها حتى تغيرت فهذا على وجهين إن كانت تلك الدراهم لا تروج اليوم في السوق أصلا فسد البيع لأنه هلك الثمن وإن كانت تروج لكن انتقصت قيمتها لا يفسد ولانه لم يهلك وليس له إلا ذلك وإن انقطع بحيث لا يقدر عليها فعليه قيمتها ... ) ثم قال (يجب رد مثله) هذا كله قول أبي حنيفة
стр. 6297
ووقال أبو يوسف: تجب قيمة النقد الذي وقع عليه العقد من النقد الآخر يوم التعامل وقال محمد يجب آخر ما انقطع من أيدى الناس قال القاضى الفتوى في المهر والقرض على قول أبي يوسف وفيما سوى ذلك على قول أبي حنيفة انتهي – قال التمرتاشي اعلم أنه إذا اشترى بالدراهم التي غلب غشها أو بالفلوس وكان كل منها نافعا حتى جاز البيع لقيام الاصطلاح على الثمنية، ولعدم الحاجة إلى الإشارة لالتحاقها بالثمن ولم يسلمها المشتري للبائع ثم كسدت بطل البيع والانقطاع عن أيدي الناس كالكساد حكم الدراهم كذلك فإذا اشترى بالدراهم ثم كسدت أو انقطعت بطل البيع ويجب على المشتري رد المبيع إن كان قائما مثله إن كان هالكا وكان مثليا وإلا فقيمته وإن لم يكن مقبوضا فلا حكم لهذا البيع أصلا وهذا عند الإمام الأعظم وقالا لا يبطل البيع، لأن المتعذر إنما هو التسليم بعد الكساد، وذلك لا يوجب الفساد، لاحتمال الزوال بالرواج كما لو اشترى شيئا بالرطبة، ثم انقطع وإذا لم يبطل وتعذر تسليمه وجبت قيمته، لكن عند أبي يوسف يوم البيع، وعند محمد يوم الكساد وهو آخر ما تعامل الناس بها، وفي الذخيرة: الفتوى على قول أبي يوسف ... (١) وذكر ابن عابدين أن الظاهر من كلامهم هو أن هذا الخلاف في الفلوس، والدراهم التي غلب غشها، غير أن بعض الحنفية عمموه في المغشوشة وغيرها (٢) ثم ذكر ابن عابدين مسألة وقعت في عصره رجح القول فيها بناء على العدالة، لا على الشكل والتقليد فقال: (أعلم أنه تردد في زماننا ورود الأمر السلطاني بتغيير سعر بعض النقود الرائحة بالنقص، واختلف الإفتاء فيه، والذي استقر عليه الحال الآن دفع النوع الذي وقع عليه العقد لو كان معينا كما لو اشترى بمائة ريال أفرنجي، أو مائة ذهب عتيق، أو دفع أي نوع كان بالقيمة التي كانت وقت العقد إذا لم يعين المتبايعان نوعا والخيار فيه للدافع كما كان الخيار له وقت العقد، ولكن الأول ظاهر سواء كان بيعا أو قرضا بناء على ما قدمناه وأما الثاني فقد حصل بسبب ضرر ظاهر للبائعين فإن ما ورد الأمر برفضه متفاوت..) ثم قال: (وقد كنت تكلمت مع شيخي فجزم بعدم تخيير المشتري في مثل هذا لما علمت من الضرر، وإنما يفتي بالصلح..) ثم بين بأن القضية تدور مع علتها قائلا: (فإنه وإن كان الخيار للمشتري في دفع ما يشاء وقت العقد وإن امتنع البائع لكنه إنما ساغ ذلك لعدم تفاوت الأنواع، فإذا امتنع عما أراد المشتري يظهر تعنته أما في هذه الصورة فلا، لأنه ظهر أنه يمتنع عن قصد إضراره....)
فعدم النظر له بالكلية مخالف لما أمر به من اختيار للأنفع له، فالصلح حينئذ أحوط، والمسألة غير منصوص عليها بخصوصها.
فينبغي أن ينظر في تلك النقود التي رخصت ويدفع من أوسطها نقصا، لا الأقل، ولا الأكثر، كيلا يتناهى الضرر على البائع أو على المشتري (٣) .
وهذا ما نحن نؤكد عليه هنا أنه ما دامت النقود الورقية غير منصوص عليها فلابد إذن من رعاية ما يحقق العدالة، ويرفع الحيف والضرر والضرار دون النظر إلى الشكل.
стр. 6298
وقد أعطى العلامة الكاساني أهمية خاصة للقيمة حتى جعلها معيارا وأصلا فقال: (ألا ترى أنه لا يعرف الجيد، والوسط والرديء إلا باعتبار القيمة، فكانت القيمة هي المعرِّفة بهذه الصفات فكانت أصلا في الوجوب، فكانت أصلا في التسليم ... ) (١) .
وفي المذهب المالكي نجد أن القاضي ابن عتاب، وابن دحون وغيرهما يقولون برعاية القيمة في بعض المسائل، حيث ورد في المعيار المعرب: (سئل ابن الحاج عمن عليه دراهم فقطعت تلك السكة؟ أجاب ... وأفتى ابن عتاب بأن يرجع في ذلك من قيمة السكة المقطعوعة من الذهب، ويأخذ صاحب الدين القيمة ومن الذهب ... ، وكان أبو محمد بن دحون ﵀ يفتي بالقيمة يوم القرض، ويقول إنما أعطاها على العوض فله العوض..) (٢) .
وقيد الرهوني رد المثل بالمثل إذا لم يكن تغير السعر كبيرا، فقال: (وينبغي أن يفيد ذلك بما إذا لم يكثر جدا حتى يصير القابض بها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه، لوجود العلة التي علل بها المخالف، حيث إن الدائن قد دفع شيئا منتفعا به لأخذ منتفع به، فلا يظلم بإعطائه ما لا ينتفع به) (٣) .
وقد راعى المالكية – كقاعدة عامة – القيمة في كثير من المسائل وأولها عناية فائقة حيث ذهبوا إلى أن عشرين دينارا من الذهب تجب فيها الزكاة حتى ولو كان فيها نقص من حيث الوزن ما دامت مثل الكاملة في الرواج، وعلل ذلك العلامة الدسوقي بقوله: (لا يخفى أن القيمة تابعة للجودة والرداءة فالالتفات لأحدهما التفات إلى الآخر) (٤) خلافا للشافعية في رعاية الوزن (٥) .
стр. 6299
والقاعدة العامة لدى الشافعية وغيرهم أن المثلي إذا عدم، أو عز فلم يحصل إلا بزيادة لا يجب تحصيله كما صححه النووي، بل يرجع إلى القيمة (١) .
والحنابلة يقولون بوجوب القيمة في حالة إلغاء السلطان الفلوس، أو الدراهم المكسرة، ولكن هل تجب القيمة عند الغلاء أو الرخص؟ المنصوص عن أحد وأصحابه هو عدم اعتبارها، وقد بين ابن قدامة السبب في هذه التفرقة بين الحالتين فقال معللا لوجود القيمة في حالة الكساد ودون حالة تغير القيمة: (إن تحريم السلطان لها منع إنفاقها، وأبطل ماليتها فأشبه كسرها، أو تلف أجزائها، وأما رخص السعر فلا يمنع ردها سواء كان كثيرا أو قليلا، لأنه لم يحدث فيها شيء إنما تغير السعر فأشبه الحنطة إذا رخصت، أو غلت) (٢) .
ولو دققنا النظر في التعليل الذي ذكره ابن قدامه لوجدناه قائما على ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الاعتماد على أن الكساد عيب ولكن الرخص الفاحش ليس بعيب ولو رجعنا إلى تعريف ابن قدامة نفسه للعيوب لدخل فيه الرخص الفاحش، حيث عرفها بأنها: النقائص الموجبة لنقص المالية، ثم ذكر عدة تطبيقات محللا فيها، (ولنا أن ذلك ينقص قيمته وماليته) .
فعلى ضوء ذلك كان الأجدى رعاية القيمة أيضا في النقود الاصطلاحية لأن القيمة عنصر أساسي.
* الأمر الثاني: الاعتماد على القياس على الحنطة إذا رخصت وهذا في نظرنا قياس مع الفارق، وذلك لأن قيمة الحنطة في ذاتها لو رخصت لما اختلف الأمر من حيث قيمتها الغذائية، وكذلك النقود الذهبية والفضية حيث لو رخصت لما أثرت في كونها سلعة لها قيمة ذاتية، أما النقود الورقية فقيمتها في قدرتها الشرائية فلو اهتزت اهتزازا كبيرا فلابد من مراعاتها.
стр. 6300
* الأمر الثالث: القياس على كسر النقد، أو تلف بعض أجزائه، وهذا القياس لصالحنا حيث إن التضخم الذي أصاب معظم النقود فسره الباحثون الاقتصاديون بقطع العملة إلى نصفين أو أكثر، يبقى جزء منها في جيب الدولة، وجزؤها الآخر عند المستهلك، وذلك لأن الدولة تصدر من النقود الورقية أكثر مما لديها من وسائل نمو الاقتصاد والثروة.
فعلى ضوء ذلك فالرخص الفاحش في النقود الورقية هو بمثابة الكسر وتلف بعض أجزاء النقود المعدنية، لأن العبرة بالقيمة والقدرة الشرائية وهي قد اهتزت.
هذا وقد نقل صاحب الدرر السنية عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: (بأن اختلاف الأسعار مانع من التماثل، وقاس مسألة تغير النقود على كسادها، بناء على أن كون الكساد عيبا يكمن في كونه نقصا في القيمة، لأنه ليس عيبا في ذات النقد من حيث النقص في عينه، حيث إن القدر لم يتغير، وإنما هو باعتبار أن الكساد يترتب عليه نقصان في القيمة لا غير) ، ثم عقب صاحب الدرر على ذلك بقوله: (إن كثيرا من الأصحاب تابعوا الشيخ تقي الدين – أي ابن تيمية – في الحاق سائر الديون بالقرض، وأما رخص الأسعار فكلام الشيخ صريح في أنه رد القيمة أيضا ووهو الأقوى) (١) .
وهذا الرأي الذي اختاره شيخ الإسلام في عصره للنوازل الواقعية فيه جدير بالقبول، وحري بالترجيح في المسألة التي نحن بصدد بحثها، فعلى ضوء هذا الرأي، والآراء التي سبقته لأبي يوسف، وبعض علماء المالكية نكون قد وجدنا أرضية ثابتة، ومنطلقا جيدا للرأي الذي نرجحه وهو رعاية القيمة في نقودنا الورقية عند التغير الفاحش.
стр. 6301
* ثالثا: رجوع الفقهاء في كثير من الأمور المثلية إلى القيمة حينما لا يحقق المثل العدالة، كما في حالة اقتراض الماء عند ندرته وفي حالة الحلي المصنوع من الذهب ولكن داخلته الصنعة وغير ذلك مما ذكرناه عند كلامنا على المثلي والقيمي.
* رابعا: وحتى نختم هذا بختام المسك نرى أن النبي ﷺ ، أشار إلى أهمية القيمة، حيث قال: ((من أعتق عبدا بين اثنين فإن كان موسراً قوم عليه، ثم يعتق)) وفي رواية صحيحة أخرى: ((من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم العبد عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق)) وفي رواية لمسلم: ((من ماله قيمه عدل لا وكس ولا شطط)) (١)
يقول العلامة ابن القيم: (ومعلوم أن المماثلة مطلوبة حسب الإمكان، ثم نقل عن جمهور العلماء قولهم: الدليل على اعتبار القيمة في إتلاف الحيوان دون المثل: أن النبي ﷺ ضمن معتق الشخص إذا كان موسرا بقيمته، ولم يضمنه نصيب شريكه بمثله فدل على أن الأصل هو القيمة في غير المكيل والموزون) (٢) .
ثم إن قضية المثلي والقيمي ليست هي أيضا من المنصوص عليها بحيث لا يجوز مخالفتها، يقول الشوكاني: (إطلاقهم على الشيء الذي تساوت أجزاؤه أنه مثلي، وعلى ما اختلفت أجزاؤه أنه قيمي هو مجرد اصطلاح لهم، ثم وقوع القطع والبت منهم بأن المثلي يضمن بمثله، والقيمي بقيمته هو أيضا مجرد رأي عملوا عليه، وإلا فقد ثبت عن الشارع أنه يضمن المثلي بقيمته) .
стр. 6302
على أي معيار نعتمد في التقويم:
سبق أن ذكرنا أننا لا نلجأ إلى القيمة عند وجود الغبن الفاحش، وفي حالة رجوعنا إلى القيمة لا بد أن نضع موازين دقيقة ومعايير معقولة للتقويم حتى يتبين لنا الفرق بين قيمتي العملة الورقية في الورقتين: وقت القبض، ووقت إرادة الرد، ولنا لمعرفة ذلك معياران:
المعيار الأول: الاعتماد على السلع الأساسية مثل الحنطة والشعير واللحم والأرز بحيث نقوم المبلغ المطلوب من النقود الورقية عند إنشاء العقد كمن كان يشتري به من هذه السلع الأساسية، ثم نأتي عند الرد أو الوفاء بالالتزام إلى القدر الذي يشترى به الآن من هذه السلع، فحينئذ يتضح الفرق، وهذا ما يسمى بسلة السلع والبضائع، وهي معتبر في كثير من الدول الغربية يعرفون من خلالها التضخم ونسبته، ويعالجون على ضوئها آثار التضخم ولا سيما في الرواتب والأجور.
ويشهد على هذا الاعتبار أن الرسول ﷺ جعل دية الإنسان – وهو أعلى ما في الوجود – الإبل، مع وجود النقدين – الدراهم والدنانير – في عصره.
ولا يقال: إن السبب في ذلك هو أن الإبل كانت السلعة الغالبة لدى العرب. وذلك لأن الرسول ﷺ ، قومها عليهم بالذهب أو الفضة، كما ذكر العلماء أن الإبل قد عزت عندهم، ومع ذلك لم يجعل الذهب، أو الفضة أصلا في الدية، ومن هنا زادهما حسب قيمة الإبل، فقد روى أبو داود وغيره بسندهم عن عمرو وبن شعيب عن أبيه عن جده قال ((كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثماني مائة دينار، وثمانية آلاف درهم ... وكان ذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال: (ألا إن الإبل قد غلت) قال: ففرضها، على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا)) (١) . قال الخطابي: (وإنما قومها رسول الله ﷺ على أهل القرى لعزة الإبل عندهم فبلغت القيمة في زمانه من الذهب ثمانى مائة، ومن الورق ثمانية آلاف درهم فجرى الأمر كذلك إلى أن كان عمر، وعزت الإبل في زمانه، فبلغ بقيمتها من الذهب ألف دينار، ومن الورق اثنا عشر ألفا) (٢) .
стр. 6303
والواقع أن هناك روايات أخرى تدل على أن قيمة الإبل حتي في زمن النبي ﷺ لم تكن مستقرة استقرارا تاما، وإنما كانت تابعة لغلاء الإبل ورخصها، فقد روى أبو داود، والنسائي والترمذي بسندهم: ((أن رجلا من بني عدي قتل فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفا)) (١) كما روى الدارمى: ((أن رسول الله ﷺ فرض على أهل الذهب ألف دينار)) (٢) وروى النسائي: ((كان رسول الله ﷺ يقومها على أهل الإبل إذا غلت رفع قيمتها واذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان فبلغ قيمتها على عهد رسول الله ﷺ ، ما بين ٤٠٠ إلى ٨٠٠ دينار أو عدلها من الورق)) (٣) وروى البخاري بسنده في قصة شراء النبي ﷺ ناقة جابر قال ابن جريح عن عطاء وغيره وعن جابر: (أخذته بأربعة دنانير) ، وهذا يكون أوقية على حساب الدينار بعشرة دارهم (٤) .
كل ما ذكرناه يدل بوضوح على أهمية اعتبار السلع الأساسية وجعلها معيارا يرجع إليها عند التقويم، ومن هذا المنطلق يمكن أن نضع سلة لهذه السلع ونقيس من خلالها قيمة النقود – كما ذكرنا – ولذلك نرى الأستاذ القرضاوي يثير تساؤلا حول ما إذا هبطت قيمة الذهب أيضا: فهل من سبيل إلى وضع معيار ثابت للغنى الشرعي؟ فيقول: (وهنا قد نجد من يتجه إلى تقدير نصاب النقود بالأنصبة الأخرى الثابتة بالنص، ثم ذكر عدة خيارات داخل السلع الأساسية مثل الإبل، والغنم والزروع والثمار، ثم رجح كون الإبل والغنم المعيار الثابت حيث أن لهما قيمة ذاتية لا ينازع فيها أحد) (٥) .
стр. 6304
المعيار الثاني: الاعتماد على الذهب واعتباره في حالة نشأة العقد الموجب للنقود الورقية، وفي حالة القيام بالرد، وأداء هذا الالتزام، بحيث ننظر إلى المبلغ المذكور في العقد كم كان يشترى به من الذهب، فعند هبوط سعر النقد الورقي الحاد، أو ارتفاعه يلاحظ في الرد وفي جميع الحقوق والالتزمات – قوته الشرائية بالنسبة للذهب، فمثلا لو كان المبلغ المتفق عليه عشرة آلاف ريال ويشترى به مائتا غرام من الذهب فالواجب عند الرد والوفاء بالالتزام المبلغ الذي يشترى به هذا القدر من الذهب، وذلك لأن الذهب في الغالب قيمته أكثر ثباتا واستقرارا، وأنه لم يصبه التذبذب والاضطراب مثل ما أصاب غيره حتى الفضة (١) ولذلك رجح مجمع البحوث الإسلامية: الاقتصار في التقويم بخصوص النصاب في عروض التجارة والنقود الورقية - على معيار الذهب فقط لتميزه بدرجة ملحوظة من الثبات (٢) ويشهد لاعتبار الذهب دون الفضة في التقويم أن الذهب لم يقوم بغيره، في حين أن الفضة قد قومت به في مسألة نصاب السرقة، يقول السيوطي: (الذهب والفضة قيم الأشياء إلا في باب السرقة، فإن الذهب أصل، والفضة عروض بالنسبة إليه نص عليه الشافعي في الأم، وقال: لا أعرف موضعا تنزل فيه الدراهم منزلة العروض إلا في السرقة) .
ثم إذا حصل توافق وتراض بين الطرفين على القيمة، ففيها، وإلا فيرجع الأمر فيها إلى القضاء أو إلى التحكيم وتنطبق على هذه المسألة حينئذ جميع القواعد العامة في الدعوى والبينات والقضاء.
стр. 6305
الجمع بين المعيارين:
ويمكن لقاضي الموضوع، أو المحكم أن يجمع بين المعيارين بأن يأخذ في اعتباره متوسط قيمة النقد بالنسبة للذهب والسلع الأساسية يوم إنشاء العقد.
متى نلجأ إلى التقويم:
لا شك أننا لا نلجأ إلى التقويم في كل الأحوال، ولا عند وجود التراضي بين الأطراف وإنما نلجأ إليه عند وجود الغبن الفاحش الذي يلحق بأحد العاقدين سواء كان في عقد القرض، أم البيع بالأجل، أم المهر، أو غير ذلك من العقود التي تتعلق بالذمة ويكون محلها نقدا آجلا ثم تتغير قيمته من خلال الفترتين – فترة الانشاء وفترة الرد والوفاء تغيرا فاحشا، ويشهد لذلك ما ذهب إليه جماعة من الفقهاء من اعتبار الغبن الفاحش حتى في البيوع التي مبناها على المساومة (١) كما ذكر بعض العلماء مثل الرهوني أن التغير الكثير لا بد من ملاحظته حتى في المثليات فيجعلها من القيميات، وكذلك قال الرافعي وغيره في مسائل كثيرة – كما سبق.