← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

* ثالثا: رجوع الفقهاء في كثير من الأمور المثلية إلى القيمة حينما لا يحقق المثل العدالة، كما في حالة اقتراض الماء عند ندرته وفي حالة الحلي المصنوع من الذهب ولكن داخلته الصنعة وغير ذلك مما ذكرناه عند كلامنا على المثلي والقيمي. * رابعا: وحتى نختم هذا بختام المسك نرى أن النبي ﷺ ، أشار إلى أهمية القيمة، حيث قال: ((من أعتق عبدا بين اثنين فإن كان موسراً قوم عليه، ثم يعتق)) وفي رواية صحيحة أخرى: ((من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم العبد عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق)) وفي رواية لمسلم: ((من ماله قيمه عدل لا وكس ولا شطط)) (١) يقول العلامة ابن القيم: (ومعلوم أن المماثلة مطلوبة حسب الإمكان، ثم نقل عن جمهور العلماء قولهم: الدليل على اعتبار القيمة في إتلاف الحيوان دون المثل: أن النبي ﷺ ضمن معتق الشخص إذا كان موسرا بقيمته، ولم يضمنه نصيب شريكه بمثله فدل على أن الأصل هو القيمة في غير المكيل والموزون) (٢) . ثم إن قضية المثلي والقيمي ليست هي أيضا من المنصوص عليها بحيث لا يجوز مخالفتها، يقول الشوكاني: (إطلاقهم على الشيء الذي تساوت أجزاؤه أنه مثلي، وعلى ما اختلفت أجزاؤه أنه قيمي هو مجرد اصطلاح لهم، ثم وقوع القطع والبت منهم بأن المثلي يضمن بمثله، والقيمي بقيمته هو أيضا مجرد رأي عملوا عليه، وإلا فقد ثبت عن الشارع أنه يضمن المثلي بقيمته) .

стр. 6302

على أي معيار نعتمد في التقويم: سبق أن ذكرنا أننا لا نلجأ إلى القيمة عند وجود الغبن الفاحش، وفي حالة رجوعنا إلى القيمة لا بد أن نضع موازين دقيقة ومعايير معقولة للتقويم حتى يتبين لنا الفرق بين قيمتي العملة الورقية في الورقتين: وقت القبض، ووقت إرادة الرد، ولنا لمعرفة ذلك معياران: المعيار الأول: الاعتماد على السلع الأساسية مثل الحنطة والشعير واللحم والأرز بحيث نقوم المبلغ المطلوب من النقود الورقية عند إنشاء العقد كمن كان يشتري به من هذه السلع الأساسية، ثم نأتي عند الرد أو الوفاء بالالتزام إلى القدر الذي يشترى به الآن من هذه السلع، فحينئذ يتضح الفرق، وهذا ما يسمى بسلة السلع والبضائع، وهي معتبر في كثير من الدول الغربية يعرفون من خلالها التضخم ونسبته، ويعالجون على ضوئها آثار التضخم ولا سيما في الرواتب والأجور. ويشهد على هذا الاعتبار أن الرسول ﷺ جعل دية الإنسان – وهو أعلى ما في الوجود – الإبل، مع وجود النقدين – الدراهم والدنانير – في عصره. ولا يقال: إن السبب في ذلك هو أن الإبل كانت السلعة الغالبة لدى العرب. وذلك لأن الرسول ﷺ ، قومها عليهم بالذهب أو الفضة، كما ذكر العلماء أن الإبل قد عزت عندهم، ومع ذلك لم يجعل الذهب، أو الفضة أصلا في الدية، ومن هنا زادهما حسب قيمة الإبل، فقد روى أبو داود وغيره بسندهم عن عمرو وبن شعيب عن أبيه عن جده قال ((كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثماني مائة دينار، وثمانية آلاف درهم ... وكان ذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال: (ألا إن الإبل قد غلت) قال: ففرضها، على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا)) (١) . قال الخطابي: (وإنما قومها رسول الله ﷺ على أهل القرى لعزة الإبل عندهم فبلغت القيمة في زمانه من الذهب ثمانى مائة، ومن الورق ثمانية آلاف درهم فجرى الأمر كذلك إلى أن كان عمر، وعزت الإبل في زمانه، فبلغ بقيمتها من الذهب ألف دينار، ومن الورق اثنا عشر ألفا) (٢) .

стр. 6303

والواقع أن هناك روايات أخرى تدل على أن قيمة الإبل حتي في زمن النبي ﷺ لم تكن مستقرة استقرارا تاما، وإنما كانت تابعة لغلاء الإبل ورخصها، فقد روى أبو داود، والنسائي والترمذي بسندهم: ((أن رجلا من بني عدي قتل فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفا)) (١) كما روى الدارمى: ((أن رسول الله ﷺ فرض على أهل الذهب ألف دينار)) (٢) وروى النسائي: ((كان رسول الله ﷺ يقومها على أهل الإبل إذا غلت رفع قيمتها واذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان فبلغ قيمتها على عهد رسول الله ﷺ ، ما بين ٤٠٠ إلى ٨٠٠ دينار أو عدلها من الورق)) (٣) وروى البخاري بسنده في قصة شراء النبي ﷺ ناقة جابر قال ابن جريح عن عطاء وغيره وعن جابر: (أخذته بأربعة دنانير) ، وهذا يكون أوقية على حساب الدينار بعشرة دارهم (٤) . كل ما ذكرناه يدل بوضوح على أهمية اعتبار السلع الأساسية وجعلها معيارا يرجع إليها عند التقويم، ومن هذا المنطلق يمكن أن نضع سلة لهذه السلع ونقيس من خلالها قيمة النقود – كما ذكرنا – ولذلك نرى الأستاذ القرضاوي يثير تساؤلا حول ما إذا هبطت قيمة الذهب أيضا: فهل من سبيل إلى وضع معيار ثابت للغنى الشرعي؟ فيقول: (وهنا قد نجد من يتجه إلى تقدير نصاب النقود بالأنصبة الأخرى الثابتة بالنص، ثم ذكر عدة خيارات داخل السلع الأساسية مثل الإبل، والغنم والزروع والثمار، ثم رجح كون الإبل والغنم المعيار الثابت حيث أن لهما قيمة ذاتية لا ينازع فيها أحد) (٥) .

стр. 6304

المعيار الثاني: الاعتماد على الذهب واعتباره في حالة نشأة العقد الموجب للنقود الورقية، وفي حالة القيام بالرد، وأداء هذا الالتزام، بحيث ننظر إلى المبلغ المذكور في العقد كم كان يشترى به من الذهب، فعند هبوط سعر النقد الورقي الحاد، أو ارتفاعه يلاحظ في الرد وفي جميع الحقوق والالتزمات – قوته الشرائية بالنسبة للذهب، فمثلا لو كان المبلغ المتفق عليه عشرة آلاف ريال ويشترى به مائتا غرام من الذهب فالواجب عند الرد والوفاء بالالتزام المبلغ الذي يشترى به هذا القدر من الذهب، وذلك لأن الذهب في الغالب قيمته أكثر ثباتا واستقرارا، وأنه لم يصبه التذبذب والاضطراب مثل ما أصاب غيره حتى الفضة (١) ولذلك رجح مجمع البحوث الإسلامية: الاقتصار في التقويم بخصوص النصاب في عروض التجارة والنقود الورقية - على معيار الذهب فقط لتميزه بدرجة ملحوظة من الثبات (٢) ويشهد لاعتبار الذهب دون الفضة في التقويم أن الذهب لم يقوم بغيره، في حين أن الفضة قد قومت به في مسألة نصاب السرقة، يقول السيوطي: (الذهب والفضة قيم الأشياء إلا في باب السرقة، فإن الذهب أصل، والفضة عروض بالنسبة إليه نص عليه الشافعي في الأم، وقال: لا أعرف موضعا تنزل فيه الدراهم منزلة العروض إلا في السرقة) . ثم إذا حصل توافق وتراض بين الطرفين على القيمة، ففيها، وإلا فيرجع الأمر فيها إلى القضاء أو إلى التحكيم وتنطبق على هذه المسألة حينئذ جميع القواعد العامة في الدعوى والبينات والقضاء.

стр. 6305

الجمع بين المعيارين: ويمكن لقاضي الموضوع، أو المحكم أن يجمع بين المعيارين بأن يأخذ في اعتباره متوسط قيمة النقد بالنسبة للذهب والسلع الأساسية يوم إنشاء العقد. متى نلجأ إلى التقويم: لا شك أننا لا نلجأ إلى التقويم في كل الأحوال، ولا عند وجود التراضي بين الأطراف وإنما نلجأ إليه عند وجود الغبن الفاحش الذي يلحق بأحد العاقدين سواء كان في عقد القرض، أم البيع بالأجل، أم المهر، أو غير ذلك من العقود التي تتعلق بالذمة ويكون محلها نقدا آجلا ثم تتغير قيمته من خلال الفترتين – فترة الانشاء وفترة الرد والوفاء تغيرا فاحشا، ويشهد لذلك ما ذهب إليه جماعة من الفقهاء من اعتبار الغبن الفاحش حتى في البيوع التي مبناها على المساومة (١) كما ذكر بعض العلماء مثل الرهوني أن التغير الكثير لا بد من ملاحظته حتى في المثليات فيجعلها من القيميات، وكذلك قال الرافعي وغيره في مسائل كثيرة – كما سبق.

стр. 6306

معيار التغير الفاحش: قبل أن نذكر هذا المعيار نرى فقهاءنا الكرام قد وضعوا عدة معايير لمقدار الغبن الفاحش الذي يعطي الخيار في الفسخ عندما يقع في البيع ونحوه. يقول القاضي ابن العربي، والقرطبي وغيرهما: (استدل علماؤنا بقوله تعالى ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ (١) على أنه لا يجوز الغبن في المعاملة في الدنيا، لأن الله تعالى خصص التغابن بيوم القيامة ... وهذا الاختصاص يفيد أنه لا غبن في الدنيا فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث واختاره البغداديون ... ، وأن الغبن في الدنيا ممنوع بإجماع ... ، إذ هو من باب الخداع المحرم شرعا في كل ملة، لكن اليسير لا يمكن الاحتراز عنه لأحد، فمضى في البيوع ... ) . ثم إن العلماء قد ثار الخلاف بينهم في تحديد الغبن الفاحش، فمنهم من حدده بما زاد على قيمة الشيء بالثلث، وبعضهم بنصف العشر، وبعضهم بالسدس، وذهب جمهورهم إلى معيار مرن قائم على ما يعده عرف التجار غبنا، وهذا الأخير هو الذي رجحناه (٢) ونرجحه هنا أيضا في باب تقويم النقود الورقية، فما يعده التجار في عرفهم غبنا فهو غبن هنا أيضا، وإذا اختلفوا فالقاضي يحكم بما يرتاح إليه حسب الأدلة والظروف والملابسات التي تحيط بالقضية بعينها.

стр. 6307

زمن التقويم ومكانه: إذا كنا قد رجحنا اعتبار القيمة في النقود الورقية حينما يكون هناك فرق شاسع بين القوة الشرائية لها عند إنشاء العقد وثبوتها في ذمة المدين، وبين إرادة ردها، فأي وقت نعتبر؟ هل نعتبر قيمة النقد يوم إنشاء العقد؟ وهل نعتبر مكان العقد؟ أم مكان الرد؟ والذي نرجحه هو رعاية القيمة يوم إنشاء العقد وقبض المعقود عليه ومكانه، أي تقوم النقود الورقية يومئذ كم كانت تساوي من الذهب، أو كم يشتري بها من السلع الأساسية، ثم على أساسها يرجع الدين، أو يوفي بما التزم به من مهر، أو ثمن المبيع الآجل أو غير ذلك، فلو دفع رجل قبل عشر سنوات (أي في ١٩٧٧) لآخر مائة جنيه أو باع له أرضا بها، أو كان مهر زوجته مثل هذا المبلغ فالآن يقوم المبلغ المذكور على أساس عام (١٩٧٧) كم يشتري به من الذهب، أو من السلع على ضوء أحد المعيارين السابقين، أو متوسط ما يشترى به من الذهب والسلع الأساسية، فلو كان هذا المبلغ المذكور في وقته كان يشترى به بقرة مثلا، فجيب عليه أن يرد مبلغا يشترى به بقرة، أو كان يشترى به عشرون غراما من الذهب عيار (٢١) فيجب عليه أن يرد ما يشترى به هذا القدر – وهكذا – إلا إذا تراضيا بالمعروف. ويشهد لذلك أن جمهورا من العلماء ذهب إلى اعتبار القيمة في الفلوس، والنقود المغشوشة، حتى النقود الخالصة عند كسادها أو انقطاعها ذهبوا إلى أن المعتبر هو يوم إنشاء العقد والقبض، ومكانه، قال المرغيناني: (إذا اشترى سلعة وترك الناس التعامل بها ... قال أبو يوسف: عليه قيمتها يوم البيع، وقال محمد: قيمتها آخر ما تعامل الناس بها، ثم علل أبو يوسف ذلك بأن الضمان إنما تم بالبيع، وهو سببه فلابد إذن من اعتباره) (١) وقد رجح الكثيرون من الأحناف رأي أبي يوسف، قال المرغيناني: (وقول أبي يوسف أيسر) فعلق عليه ابن الهمام، والبابرتي فقالا: (لأن القيمة يوم القبض معلومة ظاهرة لا يختلف فيها بخلاف ضبط الانقطاع، فإنه عسر فكان قول أبي يوسف أيسر في ذلك) (٢) قال ابن عابدين: (وفي المنتقى إذا غلت الفلوس قبل القبض، أو رخصت ... ، قال أبو يوسف عليه قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع ويوم وقع القبض ... ، وعليه الفتوى، هكذا في الذخيرة والخلاصة.. فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات فيجب أن يعول عليه إفتاء وقضاء) (٣)

стр. 6308

وكذلك الأمر عند القائلين بالقيمة عند المالكية مثل ابن عتاب وابن دحون حيث أفتيا برعاية القيمة – في مسألة إلغاء السكة – يوم القرض (١) . بل إن كثيرا من العلماء ذهبوا إلى اعتبار القيمة يوم العقد، ونشأة سبب الضمان في مسائل كثيرة، فقد ذكر لنا ابن نجيم منها: المقبوض على رسوم الشراء ... فالاعتبار لقيمته يوم القبض، أو التلف ومنها المغصوب القيمي إذا هلك، فالمعتبر قيمته يوم غصبه اتفاقا، كذلك المغصوب المثلي إذا انقطع عند أبي يوسف، ومنها المقبوض بعقد فاسد تعتبر قيمته يوم القبض، لأنه به دخل في ضمانه، ومنها العبد المجني عليه تعتبر قيمته يوم الجناية، ومنها: ما لو أخذ من الأرز والعدس ونحوهما وقد كان دفع إليه دينارا مثلا لينفق عليه ثم اختصما بعد ذلك في قيمة المأخوذ ... قال في التيمية: تعتبر قيمة يوم الأخذ ... (٢) وقد صرح المالكية أن رد القيميات يكون برد قيمتها يوم العقد، قال خليل: (إن اختلف المتبايعان في جنس الثمن، أو مثمن، أو نوعه حلفا، وفسخ مطلقا ورد قيمتها في الفوات) قال الدردير: (وتعتبر القيمة يوم البيع، لا يوم الحكم، ولا يوم الفوات، وهذا إن كان مقوما ... ) وعلل الصاوي ذلك بقوله: (لأنه أول زمن تسلط المشتري على المبيع..) وذكروا أمثلة أخرى بهذا الخصوص (٣) وذكر السيوطي أمثلة كثيرة جدا روعيت فيها القيمة يوم القبض، منها مسألة ماء التيمم في موضع عز فيه الماء حيث تراعى قيمته في ذلك الموضع في تلك الحالة على الصحيح عند جمهور الأصحاب، كذلك الطعام والشراب حالة المخمصة، ومنها مسألة المبيع إذا تخالفا، وفسخ وكان تالفا يرجع إلى قيمته يوم القبض على رأي، لأنه مورد الفسخ، ويوم القبض، على رأي آخر، لأنه وقت دخول المبيع في ضمانه، وما يعرض بعد ذلك من زيادة، أو نقصان فهو ملكه، ومنها المستعار إذا تلف تعتبر قيمته يوم القبض على وجه، وكذلك المقبوض على جهة السوم، إذا تلف ... (٤)

стр. 6309

قال النووي في مسألة رد القيمة في القرض بالقيمة: (يرد القيمة يوم القبض إن قلنا يملك به ... ) (١) وقال السيوطي: (وإذا قلنا: أنه يرد في المعدوم القيمة، فالمعتبر قيمة يوم القبض إن قلنا يملك به، وكذا إن قلنا يملك به، وكذا إن قلنا يملك بالتصرف في وجه) (٢) . وقد نص الإمام أحمد في الدراهم المكسورة بعد كسادها على أنه يقومها: كم تساوي يوم أخذها (٣) قال صاحب المطالب: (ويجب على المقترض رد قيمة غير المكيل والموزون يوم القبض) . (٤) وقال ابن قدامة (تجب القيمة حين القرض، لأنها حينئذ ثبتت في ذمته) (٥) . وقد نص إمام الحرمين والغزالي وغيرهما من فقهاء المذهب الشافعي على أن العبرة في حالة تغير النقد هو النقد الذي كان سائدا يوم العقد، ولا نظر لنقد يوم الحلول، وكذلك الثمن المؤجل إذا حل (٦) وقال مالك: (لا بأس أن يضع الرجل عند الرجل درهما، ثم يأخذ منه بربع، أو ثلث، أو بكسر معلوم: سلعة فإذا لم يكن في ذلك سعر معلوم، وقال الرجل: آخذ منك بسعر كل يوم فهذا لا يحل لأنه ضرر يقل مرة، ويكثر مرة ولم يفترقا على بيع معلوم) (٧) وهذا الكلام يدل على اعتبار سعر معلوم عند بداية التصرف. وبعد هذا العرض والتأصيل يظهر لنا رجحان ما ذهبنا إليه وهو اعتبار القيمة يوم العقد والقبض، وهو أدنى إلى تحقيق العدالة وأقرب إلى القسط، وأيسر، وذلك لأن المقرض، أو البائع قد خرج المال من عهدته في ذلك الوقت، ودخل في ذمة المدين والمشتري، وحينئذ يكون له الحق في أن يشتري به شيئا آخر، ولذلك قال أحد الفلاحين المصريين بفطرته: (دفعت لك ثمن جاموسة فرجع إلى ما أشتري به مثلها، ويكفي أنك استفدت به كل هذا الوقت) قال ذلك عندما جاء.. إليه شخص من أقاربه وطلب منه دينا، فباع الفلاح جاموسته بمبلغ ودفعه إليه بالكامل، ثم بعد عشر سنوات جاء الرجل ورد عليه المبلغ الذي ما كان يشتري به الآن ربع جاموسة فأنطقته فطرته السليمة هذا القول (٨) .

стр. 6310

حل آخر: بالإضافة إلى هذا الحل الذي ذكرنا، فإنه يمكن للمتعاقد الذي ثبت له نقود في ذمة الآخر آجلا أن يشترط أن يكون الرد بما يساويه من أي نوع آخر. أو أية بضاعة، مثل أن يدفع أحمد مثلا عشرة آلاف جنيه قرضا لخالد، أو أن يبيع له أرضا بها، ثم يقدرونها بما يساويها من نقود أخرى ثابتة، أو سلع أساسية ليعرفوا القيمة الشرائية للدين حتى يرجعوا إليها عند التنازع فيأخذ الدائن حقه بدون بخس ولا شطط، أو أن يتفقا على تثبيت قيمة الدين عند التعاقد، وذلك بأن يتفقا على أن يكون المعول عليه عند الأداء هو القوة الشرائية الحالية للنقد الذي تم به العقد سواء كان قرضا، أو غيره، فإذا كانت قيمة النقد هي ٨٠٠ وحدة شرائية فعند السداد يدفع المدين نفس هذه القيمة بغض النظر عما إذا كان مبلغ الدين عن السداد له هذه القيمة أو أقل أو أكثر (١) . وهذا الشرط ليس فيه – حسب نظري – أي مخالفة للشريعة الغراء، وذلك لأنه ليس شرطا جر منفعة للدائن، بل هو يحقق العدالة للطرفين، وليس ممنوعا في حد ذاته، بل كل ما يقتضيه هو رد المثلي بالقيمة – إذا قلنا: إن نقودنا الورقية مثلية، وإذا قلنا أنها قيمية فيكون هذا الشرط من الشروط الموافقة لمقتضى العقد. وهذا الشرط مهما دققنا النظر فيه لن يتجاوز اشتراط ما يضمن رد حقه بدون شطط ولا وكس، فهو مثل من يشترط رد قرضه في بلد آخر ضمانا له من مخاطر الطريق وهو ما يسمى بالسفتجة، وهو جائز عند جمهور الفقهاء، يقول شيخ الإسلام: (والصحيح الجواز، لأن المقترض رأى النفع بأن خطر الطريق إلى نقل دراهم المقرض فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما ينفع الناس ويصلحهم، ويحتاجون إليه، وإنما ينهى عما يضرهم ويفسدهم ... ) (٢) والشرط الذي معنا ليس فيه غرر، ولا يؤدي إلى جهالة، ولا ربا، ولام منازعة بل يؤدي إلى أداء الحقوق كاملة إلى أصحابها في وقت أصبحت التقلبات الكبيرة سمة عصرنا فحينئذ يكون كل واحد يعرف ما له وما عليه، بالإضافة إلى أن الأصل في الشروط هو الإباحة عند جمهور الفقهاء (٣)

стр. 6311

باب التراضي مفتوح: كل ما قلناه إذا كان هناك عناد من أحد الطرفين، أما عند سداد الدين أو الوفاء بالثمن، أو المهر، أو نحو ذلك تراضيا بالمعروف على الزيادة أو النقصان، فإن أحدا من الفقهاء لا يمنع ذلك، بل هذا ما دعا إليه الإسلام، وكان رسول الله ﷺ ، القدوة في ذلك، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما بسندهم:أن رجلا أتى النبي ﷺ يتقاضاه بعيرا، فقال: ((أعطوه)) فقالوا: لا نجد إلا سنا أفضل من سنه، فقال: ((أعطوه، فإن خياركم أحسنكم قضاء)) (١) . فعلى هذا إذا حل الأجل وجاء المدين ورأى أن المبلغ الذي يرده الآن لا يساوي شيئا بالنسبة لقيمة المبلغ الذي أخذه، وقدرته الشرائية، فطيب خاطر الدائن ونفسه بالزيادة في المقدار، أو بسلفة أخرى فقد فعل الحسن، طبق السنة، بل إنني أعتقد أنه لا تبرأ ذمته في حالات التغير الفاحش لقيمة العملة محل العقد إلا بإرضاء صاحب الحق، لأن مبنى الأموال وانتقالها في الإسلام على التراضي، وطيب النفس بنص القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) فكيف تطيب نفسه عندما يقع محتواه، صحيح أن مبنى القرض على التطوع والتبرع ولكنه تطوع وتبرع بالوقت الذي أشغله دون مقابل محتسبا أجره عند الله تعالى، أما أن ينقص ماليته فلا، ولذلك نرى الفقهاء يجيزون رد العين المستقرضة إلى المقرض ما دامت لم تتعيب بعيب ينقص من ماليته، إما إذا تعيبت فلا يصح ردها (٣) ، فكذلك الأمر هنا. فلا شك أن مسألة التراضي تحل كثيرا من مشاكل مجتمع قائم على العدل والإحسان والإيثار مثل المجتمع الإسلامي الذي يقوم على معيار دقيق وهو (أن تحب لأخيك كما تحب لنفسك، وتكره لأخيك ما تكره لنفسك) (٤) . فهل يرضى الإنسان أن يعود إليه دينه، أو يعطى لها مهرها، وقد أصبح لا قيمة له بعد أن كان ذا قيمة جيدة، فهل يرضى أحد أن تعود إليه ليراته اللبنانية، أو السورية، أو التركية الآن مع أنها حينما خرجت من يديه كانت لها قيمة وقدرة شرائية ممتازة؟ هذا السؤال موجه إلى كل مؤمن، وذلك لأن الإسلام لا يعتني بالجانب الظاهري القانوني فقط بل يعتني أيضاً بالجانب السلوكي، ولذلك فالعذاب ليس دنيويا فقط بل هو في الدنيا والآخرة، والأحكام لا تقتصر على الصحة والبطلان الظاهرين، بل هناك الحل والحرمة والذي يراقب الله تعالى يخاف من عذاب الله في الآخرة أكثر من العذاب الدنيوي.

стр. 6312

اعتراضات ودفعها: * الاعتراض الأول: إن هذا القول يؤدي إلى زيادة في بعض الأموال وهي ربا وهو حرام بنص القرآن؟ مثل أن يقرض شخص قبل عشر سنوات آلاف ليرة، فلو قدرنا بالقيمة يكون الرد يساوي مائة ألف ليرة، وهذا عين الربا. الجواب عن ذلك أن ذلك ليس زيادة ولا ربا لما يأتي: أولا: أن الربا هو الزيادة دون مقابل، والزيادة الموجودة هنا ليست في الواقع إلا زيادة من حيث الشكل والعدد وهذا ليس له أثر، فالزيادة التي وقعت عند التقويم هي ليست زيادة، وإنما المبلغ المذكور أخيرا هو قيمة المبلغ السابق، وبالتالي فالمبلغان متساويان من حيث الواقع والحقيقة والقيمة. ثانيا: أن الربا هو الزيادة المشروطة، وهنا لم يشترط الدائن مثلا أية زيادة، وإنما اشترط قيمة ماله الذي دفع، ولذلك قد تنقص في حالة ما إذا ارتفع سعر النقد الذي أقرضه – مثلا – وأصبحت قوته الشرائية أكثر من وقت العقد والقبض. ثالثا: أنه يمكن أن نشترط مثلا أن يكون الرد بغير العملة التي تم بها العقد في حالة الزيادة، فمثلا لو كان محل العقد ليرة لبنانية فليكن الرد عند الزيادة أو النقص بالريال، أو بالدولار، أو بالجنية، وهكذا ... فاستيفاء الدراهم بدلا من الدنانير، وبالعكس أمر معترف به عند الجمهور. ثم إن هذه المسألة ليست بدعا في الأمر، ولا هي من المسائل التي لا نجد فيها نصا لفقهائنا السابقين في أشباهها، بل نجد لها مثيلات كثيرة في فقهنا الإسلامي نذكر بعضها هنا:

стр. 6313

يقول الإمام الرافعي: فإذا أتلف حليا وزنه عشرة، وقيمته عشرون فقد نقل أصحابنا وجهين فيما يلزمه. أولها: أنه يضمن العين بوزنها من جنسها، والصنعة بقيمتها من غير جنسها سواء كان ذلك نقد البلد، أو لم يكن، لأننا لو ضمنا الكل بالجنس لقابلنا عشرة بعشرين وذلك ربا. وأصحهما عندهم: أنه يضمن الجميع بنقد البلد، وإن كان من جنسه (١) . ونجد أمثلة كثيرة في كل المذاهب الفقهية في باب ضمان المتلفات – كما سبق، ونجد كذلك في باب العقود عند مالك حيث أجاز أن يعطي الإنسان مثقالا وزيادة في مقابل دينار مضروب، وكذلك أجاز بدل الدينار الناقص بالوازن، أو بالدينارين، وروي مثل ذلك عن معاوية – ﵁ – يقول ابن رشد: (وأجمع الجمهور على أن مسكوكه، وتبره ومصوغه سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلا لعموم الأحاديث المتقدمة في ذلك إلا معاوية فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر، والمصوغ، لإمكان زيادة الصياغة، وإلا ما روي عن مالك أنه سئل عن الرجل يأتي دار الضرب بورقه فيعطيهم أجرة الضرب ويأخذ منهم دنانير ودراهم وزن ورقه، أو دراهمه، فقال: إذا كان ذلك لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك فأرجو أن لا يكون به بأس، وبه قال ابن القاسم من أصحابه ... ) (٢) . والمقصود بهذا النص أن الزيادة ما دام لها مقابل لا تعتبر ربا، لأن الربا هو: الفضل المستحق لأحد العاقدين في المعاوضة الخالي من عوض شرط فيه (٣) . رابعا: كل هذا إذا قلنا بمثلية النقود الورقية، أما إذا قلنا: إنها قيمية فلا شك أن الرد يكون فيها بالقيمة – كما سبق – وحينئذ لا يلاحظ العدد، بل القيمة، ولذلك لم يجوز الفقهاء بيع درهم بدرهمين، ولكنهم أجازوا بيع حيوان بحيوانين وأكثر، لأن الحيوان مما يختلف حسب أوصافه قيمة، فقد روى البخاري في صحيحه تعليقا – بصيغة الجزم – أن ابن عمر اشترى راحلة بأربعة أبقرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة، وقال ابن عباس: قد يكون البعير خيرا من بعيرين، واشترى رافع بن خديج بعيرا ببعيرين، فأعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر غدا رهوا إن شاء الله وقال ابن المسيب: لا ربا في الحيوان: البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين إلى أجل، وقال ابن سيرين: لا بأس ببعيرين (٤) وروى مالك روايات كثيرة في هذا الباب منها أن علي بن أبي طالب باع جملا له يدعى عصيفيرا بعشرين بعيرا إلى أجل (وعن ابن عمر أنه باع راحلة له بأربعة أبقرة) (٥) وكذلك قال: أمر النبي ﷺ عبد الله بن عمر أن يجهز جيشاً، فقال، ليس عندنا ظهر، فقال له النبي ﷺ : ((ابتع لي ظهرا إلى خروج المصدق)) وروي نحو عن زيادة بن أبي مريم (٦) قال ابن بطال: وهذا مذهب جمهور الفقهاء (٧) . وروي ذلك عن مجاهد وحماد وغيرهما (٨) ونحن لا نقصد بهذه النصوص أن يجوز بيع ريال قطري بريالين، فهذا لا يجوز، وإنما لمجرد بيان رعاية القيمة، والسبب في عدم جواز ريال قطري بريالين، وجواز بعير ببعيرين هو أن الريال لا يختلف جودة ورداءة في آن واحد ولذلك ففي حالة البيع النقدي وجدت زيادة بدون مقابل، أما البعير فهو مما يختلف جودة ورداءة ولذلك يتلاشى الفرق مع رعاية هذه الاعتبارات، ولذلك نحن نؤكد على أن النقود الورقية إن كان لها شبه بكثير من الأمور السابقة، لكن لها ميزة خاصة وتكييف خاص، وهو رعاية واقعها وقيمتها الحقيقة، ولذلك عند فقدها لا يظهر فرق، ولكن عندما يوجد فرق شاسع فلابد من رعايته والله أعلم..

стр. 6314

الاعتراض الثاني: أن القول برعاية القيمة يؤدي إلى تحطيم النقود كنقد وبالتالي تترتب عليه مشاكل لا عد لها ولا حصر. الجواب عن ذلك: أننا لا نسلم أن ذلك يؤدي إلى تحطيم النقود، وإنما يؤدي إلى أن يكون دورها محصورا بحيث لا تؤدي جميع وظائفها الأربع المعروفة، وهذا لا يضر، حيث اعترف كثير من الاقتصاديين أن نقودنا لا تؤدي هذه الوظائف جميعا، أو لا تؤديها على شكل مقبول، كما أنهم الآن وسعوا مفهوم النقد ليشمل أنواعا كثيرة لا يؤدي بعضها إلا وظيفة واحدة – كما سبق – مع أن ذلك لا يتعارض مع نقديتها، وسبق أن الفقهاء الذين قالوا بأن الفلوس ثمن ومع ذلك لم يثبتوا لها جميع الأحكام الخاصة بالذهب، أو الفضة. ومن جانب آخر أن ذلك إنما يحصل إذا لم توضع معايير دقيقة، لكننا ما دمنا نعترف بالنقود الورقية بأنها نقود وإن كانت لا تؤدي جميع الوظائف وتربط إما بمعيار الذهب أو معيار السلعة فإنه في الحقيقة لا تحدث أية مشكلة تذكر، بل هي تحقق العدالة، بالإضافة إلى أننا لا نلجأ إلى عملية التقويم دائما، فلا نلجأ إليه في جميع العقود التي يتم فيها قبض الثمن مباشرة، وكذلك لا نلجأ إلى التقويم في العقود التي يكون الثمن فيها مؤجلا إلا في حالة الغبن الفاحش، كما سبق.

стр. 6315

الاعتراض الثالث: لماذا لا نعتد بالرخص والغلاء في الذهب والفضة، والحنطة والشعير ونحوهما في الوقت الذي نعتد بهما في النقود الورقية؟ الجواب عن ذلك: أن القضية تتعلق بالمثلي والقيمي، حيث لا ينظر في المثلي إلى القيمة، وأما القيمي فيلاحظ فيه القيمة – كما سبق –. ونحن قلنا: إن النقود الورقية لا يمكن اعتبارها مثل الذهب والفضة في جميع الأحكام، ولا إلغاء نقديتها، وإنما الحل الوسط هو ما ذكرناه. ومن هنا فهي إما قيمية أو مثلية ولكنها عند وجود الفرق الشاسع يلاحظ فيها القيمة كالماء الذي أخذه الإنسان في الصحراء فلا يرجع له الماء، وإنما تجب عليه قيمته في ذلك المكان. وفي الختام هذا ما اطمأنت إليه نفسي، وأدى إليه اجتهادي المتواضع فإن كنت قد أصبت فمن الله، وإلا فعذري أنني بذلت ما في وسعي، ولم أرد به إلا وجه الله تعالى. ومع ذلك فما أقوله عرض لوجهة نظري، أرجة أن تنال من الباحثين الكرام النقد والتحليل للوصول إلى حل جذري أمام هذه المشكلة، وأن يتفضلوا بملاحظاتهم السديدة. وكلمة أخيرة أكررها أنه ليس هناك من محيص للخروج من هذه الأزمات الحادة إلا بالرجوع إلى النقدين الذاتيين، أو على الأقل ربط نقودنا الورقية بالغطاء الذهبي، وهذا ما يدعو إليه كثير من الاقتصاديين، بل بعض المؤتمرات – كما سبق –، فلا شك أن ربك النقد الورقي بالذهب إنما هو إعادة إلى أصله الذي تأصل عليه فإلى أن نعود إلى هذا النظام فلابد أن يلاحظ القيمة في نقودنا عندما تقتضيه الحاجة حتى نحقق العدالة " دون وكس ولا شطط ". والله الموفق وهو من وراء القصد، والهادي إلى سواء السبيل. الدكتور علي محيي الدين القره داغي

стр. 6316

تغيير قيمة العملة إعداد الشيخ محمد على التسخيري بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ توجد في هذا المجال بحوث متعددة – تذكر كمقدمة لهذه المسألة: منها: بحث حول تاريخ التبادل والدور الأصيل والطارئ للنقد. ومنها: تاريخ النقد وكيف تبدل إلى الأوراق النقدية. ومنها: التضخم النقدي وأسبابه وسبل تلافيه. وغير ذلك إلا أننا سوف نركز على خصوص ما ينفعنا مباشرة لمعرفة الحكم الشرعي في البين وهنا نقول: إن للمسألة فروضا ربما يتغير البحث بتغيرها. فتارة نفترض تغير القيمة بمستوى ضئيل وأخرى بمستوى فاحش وثالثة نفترض سقوطها تماما عن المالية. ومن جهة أخرى تارة يكون البحث عن موضوع القرض والوفاء به عند حدوث أنماط التغير المذكورة – ملاحظين عنصر التبرع الملحوظ فيه – وأخرى نبحث عن موضوع الوفاء بالثمن المؤجل أو المهر المؤجل وأمثالها. ثم إن البحث تارة يكون بنحو العناوين الأولية للأحكام وأخرى على سبيل العناوين الاستثنائية (الشاملة للعناوين الثانوية كالاضطرار والضرر والعناوين الولائية الحكومية القائمة على أساس المصلحة العامة التي يراها ولي الأمر) فإن هناك نوعا من الاختلاف بين الفرضين. وهناك بحث آخر مهم في البين وهو موضوع ضمان أولئك العاملين على تغير قيمة النقد من حكومة أو مؤسسة مالية أو غيرها. وربما حاول بعض الباحثين وضع فارق بين الحالات الفردية الجزئية والحالات الاجتماعية المهمة كمعاملة بين الدول تتناول قسطا اقتصاديا ضخما. وعلى هذا فيجب البحث عن هذه الفروض جميعا بما يتسنى والله الموفق للصواب. أما موضوع التغيير الضئيل في القيمة النقدية فهو أمر لا يأبه به العرف ولا يرى له أي تأثير في البين، وبالتالي فلا مجال للحديث عنه هنا فيجب رد المثل فيه. وأما عندما يكون التغير كبيرا أو فاحشا فإن الرأي السائد أن ذمة المدين مشغولة بمثل النقد (بلا فرق بين القرض، والثمن المؤجل، والمهر المؤجل) وما عليه إلا إرجاع المثل وهذا ما تؤكده النصوص وربما لا نجد رواية تدعو لرد القيمة ... ورد القيمة لا يتصور إلا في حالة ما إذا كانت الأوراق النقدية مجرد سندات على تملك قيمتها من الذهب والفضة وهو أمر قد فرغنا من بطلانه وأكدنا من قبل على أن هذه الأوراق وإن لم تكن تملك من قبل وبنفسها مالية تذكر وأنها اكتسبت اعتبارها المالي من المؤسسة أو الدولة التي أسندتها بمختلف أساليب الإسناد إلا أن المالية تنقل إليها عرفا حتى لتكاد تصبح في ذهن العرف ذات مالية قائمة بذاتها وعلى هذا الأساس لا يضمن البنك مالية الأوراق النقدية إذا تلفت فتلفها بالضبط يعني تلف ماليتها. وعلى هذا فالثابت في الذمة هو مثل هذه الأوراق المقترضة أو المجعولة ثمنا مؤجلا في عقد البيع، ولا يجب على المكلف إلا هذا المثل وهذا ما أكدته الآية الكريمة: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ والروايات الكثيرة، وإن لم تكن صريحة بذلك.

стр. 6317

نماذج من الروايات: ١- موثقة موسى بن بكر قال: قال لي أبو الحسن (ع) : " من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله فإن غلب عليه فليستدن على الله ورسول الله ﷺ ما يقوت به عياله فإن مات ولم يقضه كان على الإمام قضاؤه" (١) ٢- رواية إبراهيم بن محمد الأشعري في كنابه بإسناده عن أبي جعفر (ع) قال: " قبض علي (ع) وعليه دين ثمانمائة ألف درهم فباع الحسن (ع) ضيعة له بخمسمائة ألف فقضاها عنه، وباع ضيعة له بثلاثمائة ألف فقضاها عنه ... " (٢) . ٣- صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق (ع) : " إذا أقرضت الدراهم ثم أتاك بخير منها فلا بأس إذا لم يكن بينكما شرط (٣) ٤- صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: " سألت الإمام الصادق (ع) عن الرجل يقترض من الرجل الدراهم فيرد عليه المثقال، أو يستقرض المثقال فيرد عليه الدراهم فقال (ع) : إذا لم يكن شرط فلا بأس بذلك هو الفضل، إن أبي كان يستقرض الدراهم الفسولة فيدخل عليه الدراهم الجياد الجلال فيقول: يا بني ردها على الذي استقرضتها منه فأقول: يا أبي إن دراهمه كانت فسولة وهذا خير منها فيقول: يا بني إن هذا هو الفضل فأعطه إياها. (٤) ومن هذه الروايات يعلم أن الرد بأزيد بغض النظر عن تغير القيمة إن كانت لازما كان القرض ربا وإلا كان فضلا مستحسنا. وهنا رواية أخرى تصرح بعدم اشتغال الذمة بالمالية وهي: (صحيحة معاوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم من رجل وسقطت تلك الدراهم أو تغيرت ولا يباع بها شيء ألصاحب الدراهم الدراهم الأولى أو الجائزة التي تجوز بين الناس؟ فقال (ع) لصاحب الدراهم الدراهم الأولى) (٥) ومثلها رواية أخرى: عن محمد بن الحسن بإسناده، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن يونس قال: " كتبت إلى أبي الحسن الرضا (ع) أنه كان لي على رجل عشرة دراهم وأن السلطان أسقط تلك الدراهم وجاءت دراهم أعلى من تلك الدراهم الأولى ولها اليوم وضيعة فأي شيء لي عليه الأولى التي أسقطها السلطان أو الدراهم التي أجازها السلطان؟ فكتب لك الدراهم الأولى ".

стр. 6318

وهاتان الروايتان صريحتان في عدم استحقاقه ما عدا ما ثبت في الذمة حتى ولو سقطت تلك الدراهم الثابتة في الذمة عن التعامل. نعم هناك رواية أخرى عن يونس نفسه يقول فيها: " كتب إلى الرضا (ع) أن لي على رجل ثلاثة آلاف درهم وكانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الأيام، وليست تنفق اليوم فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها أو ما ينفق اليوم بين الناس؟ قال: فكتب إلي لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس كما أعطيته ما ينفق بين الناس" وهذا الاختلاف بين الروايتين حله الشيخ محمد بن الحسن الصفار بقوله: " والحديثان متفقان غير مختلفين فمتى كان له عليه دراهم بنقد معروف فليس له إلا ذلك النقد ومتى كان عليه دراهم بوزن معلوم بغير نقد معروف فإنما له الدراهم التي تجوز بين الناس " (١) وربما كان يقصد أن الدراهم تارة يتعامل بها كنقد مستقل معروف لدى الناس وحينئذ فالثابت في الذمة هو هذه الدراهم بأمثالها أما إذا لم تكن معروفة بين الناس وإنما كانوا يتعاملون بها بما تحملها من قيمة فإن الثابت هو قيمتها في الذمة ولذا يستطيع صاحب الدين أن يأخذ ما يعادلها من الدراهم الجديدة. ورأى بعض العلماء أن التعارض مستحكم ولكنه رجح الروايتين الأوليتين لتوافقهما مع القواعد والفتاوى – كما يبدو. وهذا الترجيح في محله. ويستدل لهذا الرأي أيضا بدليل الأولوية المستخرجة من مسألة في الغصب أو الجحود هي ما لو غصب أحد من آخر مالا أو جحده ثم وقع بيد المجحود أو المغصوب منه مال الآخر فإن الحكم هناك يقتصر على أخذ المال المغصوب أو المجحود لا أكثر. وحينئذ فالأولوية ثابتة في مثل مسألتنا نحن. ففي رواية عن ابن مسكان، عن أبي بكر الحضرمي قال: قلت له للإمام الصادق (ع) : رجل لي عليه دراهم فجحدني وحلف عليها أيجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقي؟ قال: فقال: نعم ولكن لهذا كلام، قلت: وما هو؟ قال: تقول: اللهم إني لم آخذه ظلما ولا خيانة وإنما أخذته مكان مالي الذي أخذ مني لم أزدد عليه شيئا (٢)

стр. 6319

وهناك أحاديث مشابهة لهذا الحديث في المضمون إلا أن في الاستدلال بالأولوية هنا إشكالا. ثم إن هذا الحكم أمر إجماعي قد لا يعتد بمخالفة من خالف فيه، وقد يقال بلزوم الغرر إن قلنا بلزوم أداء القيمة ذلك أن أسئلة كثيرة تطرح في البين فإن الدين أو القرض قد تطول مدته وتتخذ القيمة في هذه المدة سيرا بيانيا متفاوتا يصل إلى القمة وينزل إلى الحضيض فهل نأخذ القيمة العليا أو الدنيا أو المتوسط بينهما أو القيمة يوم القبض أو يوم الأداء، وهكذا تتابع الأسئلة مما يحول كل المعاملات التي يتدخل فيها الأجل مهما كان قليلا إلى معاملات غررية!! وربما أمكن القول هنا أن مسألة غررية المعاملة ومجهوليتها مع هذا القرض – هي التي دفعت القوانين الوضعية للتركيز على لزوم إرجاع المثل في القرض دون القيمة وذلك رغم أنها لا تأبه للمسألة الربوية بل هي مرجحة عندهما كما يبدو من ملاحظة الموارد المختلفة. ولكن قد يجاب عن إشكال الغرر هذا فيقال: إننا إذا لاحظنا المسألة بالنسبة للعوض المؤجل فقد يقال: إن القبول بتأجيل العوض يعني القبول بالحرمان من الاستفادة من النقود خلال الأجل كما يعني القبول بطروء متغيرات القيمة عليها وخصوصا إذا تمت المعاملة في جو تطرأ فيه المتغيرات بسرعة. أما في عملية القرض فإنه وإن لم يكن الأمر بمستوى عمليات المعاوضة المؤجلة إذ يستدعي أن المقرض أقرض المبلغ وله الحق بالمطالبة بإرجاعه كما يقتضيه الشرع ولربما اقتضى الشرع إرجاع القيمة (فهي مورد البحث) . ومن هنا فالصحيح فيها تحديد مورد القرض أهو مثل هذه النقود الورقية أو قيمتها وما يعادلها من الذهب أو الدولار؟ ويتم التسديد على أساس من المتفق عليه (ولا مانع شرعي من ذلك وهو بالضبط ما نقترحه لعمل البنوك لكي تضمن سحب رؤوس الأموال من خلال ضمان قيمها) . أما عند إطلاق الإقراض فالمنصرف إليه هو إرجاع المثل كما يظهر وعلى أي حال مجال لادعاء الغرر إذن. ثم إننا نجد المسألة واضحة عندما تتغير العملة إلى الزيادة وحينئذ فليس هناك أحد يحكم بلزوم ملاحظة هذه الزيادة في القيمة. ويضرب الأستاذ الدكتور السالوس على هذا مثلا برجل اقترض مائتي جنيه ليشتري كيس ذرة ثم انخفض كيس الذرة إلى خمسة وعشرين جنيها فهل بعد الانخفاض يحق له أن يرد كيس ذرة أو خمسة وعشرين جنيها؟ وهذا الوضوح في جانب الزيادة يرفع الغموض في جانب النقيصة لوحدات الملاك في الجانبين.

стр. 6320

هذا كله بالعنوان الأولي؟ ثم إننا إذا لاحظنا الأضرار المترتبة على الحكم برد القيمة للنقود من قبيل الخلاف الذي سيحصل بشكل طبيعي حول ذلك. والتزلزل الذي سيصيب التعامل بالدين المؤجل من خلاله وخصوصا إذا لاحظنا المعاملات الدولية التي تتم بأرقام خيالية. وكذلك التزلزل الذي سيصيب عقود العمل والإيجار للعقارات والأعمال، وما يتركه ذلك من آثار على ودائع البنوك وهي قروض لا محالة معرضة لتفاوت القيمة، إذا لاحظنا ذلك وغيره وجدناه يوجه ضربة كبرى للاستقرار الاقتصادي النوعي، الأمر الذي يقطع معه المرء بأنه حكم ضرري منفي بقاعدة (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) وهو بذلك يكتسب هذا العنوان الثانوي حتى لو لم نقل به كعنوان أولي. كما أن هذه المفسدة الاجتماعية تشكل أساسا يصدر على ضوئه ولي الأمر الشرعي حكمه الموافق لرد المثل دون القيمة وذلك للحفاظ على النظام الاجتماعي فيدخل الموضوع تحت العنوان الولائي. هذا وربما حاول البعض التقليل من هذه الأضرار المتوقعة بطرح فكرة الصلح إذا انخفضت القيمة انخفاضا يتضرر منه أحد الطرفين إلا أن هذا الحل ليس بذي أثر بل يحمل تلك النتيجة السيئة ولو بشكل مخفف.

стр. 6321

فالذي ننتهي إليه هو أن الرد الواجب سواء كان في القرض أو الثمن المؤجل أو المهر المؤجل وما إلى ذلك، وما يستقر عليه التعامل هو النقود بأمثالها دون أي إلزام بالقيمة. اللهم إلا إذا كان الإقراض منذ البدء إقراضا للقيمة والمعادل للنقد من الذهب أو العملة الصعبة. هذا في حالة تغير العملة أما في حالة انعدام قيمتها وعدم قيام ما يحل محلها عرفا فالاحتياط يقتضي اللجوء للصلح في البين. ثم إنه لا يختلف الحال فيه بين الحالات الفردية والحالات الدولية فكلها تسير وفق منوال وقانون واحد وليس هناك ما يميز بينهما في هذا المجال. * * * أما موضوع الضمان من قبل من عمل على نقص القيمة الشرائية للنقود الورقية فهو موضوع مهم نرى من الضروري فعلا التعرض له بالتفضيل، ولكننا نشير إلى أن مسألة ضمان الدولة للقيم التالفة إذا كان ذلك بفعل متعمد منها من خلال إصدار عملة دونما غطاء يذكر وإغراق الأسواق بها لتوفير سيولة نقدية ترفع بها ما تعانيه من مصاعب مما يمكن أن يدعى فيه انطباق عادة (الإتلاف) : (من أتلف مال الغير فهو له ضامن) ، وموضوع الضمان فيها وإن كان نفس المال إلا أن العقلاء لا يرون خصوصية للعين وإنما ينصب التركيز على المالية.

стр. 6322

والحقيقة هي أن المتبع في الأمر هو الصدق العرفي لعملية الإتلاف ذلك أن هبوط القيمة تتصور له صور كثيرة. فقد يكون العامل فيه ما يتعارف في السوق مما تتركه قوانين العرض والطلب إذ عندما تقل سلعة ما ترتفع قيمتها، فإذا عمد مصنع أخر إلى إغراق السوق بمثل تلك السلعة فإن قيمتها ستهبط ولكن العرف لا يعد ذلك العمل إتلافا وإن كان أحيانا يطبق هنا قانون الأضرار الاجتماعي إذا فسرنا الضرر – كما يقول السيد الصدر – بسوء الحال الأمر الذي يحقق مصداقا لقاعدة لا ضرر إلا أنه على أي حال لا يعتبر العملية إتلافا تأتي معه قاعدة الضمان. وقد يكون العامل فيه صدور بعض القوانين الاجتماعية أو المالية أو الاقتصادية التي تترك أثرها بشكل بعيد وغير مباشر على قيمة السلع والظاهر هنا أيضا أن العرف لا يرى الإتلاف في أغلب هذه الحالات. ولكن إذا كان هبوط قيمة النقود وبفعل متعمد من الدولة ينزل بقيمة العملة مباشرة إلى النصف مثلا في قبال الذهب أو الدولار أو سلة العملات، أو بإصدار أوراق نقدية فائضة تترك آثارها على قيمة العملة فإن الظاهر أن العرف يرى العملية إتلافا بلا ريب وحينئذ تأتي قاعدة الضمان. وهنا يأتي بحث حول إمكان تصحيح مثل هذا العمل من قبل الحكومة دون أن تتحمل مسئولية الضمان. من قبيل ادعاء أن هذا العمل يتم برضى مجموع الشعب باعتباره رضي إجمالا بما تقوم به الحكومة المنتخبة وما تسنه من قوانين هذا مع افتراض صحة هذا المدعى أي مدعى تمثيلها للمجموع. وهذا أمر نقطع بعدم حصوله رغم الادعاء. أو من قبيل ما لو قلنا بأن ولي الأمر الشرعي يملك الولاية الكاملة على الأموال باعتباره أولى حتى من أصحابها فيها وباعتبارها إنما جعلها الله تعالى قِواما للحياة الاجتماعية فإذا رأى المصلحة الاجتماعية تقضي بالقيام بذلك العمل كان له الحق في ذلك. وربما يجعل المبرر لذلك حكم العقل بتقديم الأهم على المهم بتصوير أن حفظ النظام وسلامته هو من أهم الأمور فإذا تزاحم مع حفظ حق الملكية الفردية كان المقدم في البين هو الأول وولي الأمر الشرعي هو الذي يشخص موضوع التزاحم هذا وما يرفع به ذلك. وعلى أي حال فإن للموضوع مجالا آخر لا بد من دراسته بكل إمعان. ونشير هنا إلى أن العامل على هبوط القيمة إن كان مؤسسة مالية لا تمتلك صفة حكومية فإن سير البحث سيتبدل حتما. الشيخ محمد على التسخيري

стр. 6323

موقف الشريعة الإسلامية من ربط الحقوق والالتزامات المؤجلة بمستوى الأسعار إعداد عبد الله بن سليمان بن منيع القاضي بمحكمة التمييز بمكة المكرمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسوله الأمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فإن الأزمات الاقتصادية الناتجة عن المشاكل الاجتماعية والمشاكل السياسية، وما صاحب ذلك من انحسار في الموارد الطبيعية نتيجة الجفاف والقحط في بعض من أرض الله هذه الأزمات هزت الاقتصاد العالمي فتأثرت بذلك قيم الأثمان الورقية بانخفاض أثر على أحجام الثروات تضرر منه الكثير ممن لهم حقوق والتزامات على الآخرين، فسارع أولئك إلى علماء الاقتصاد والقانون يستنجدونهم في تقرير حقوقهم ورأب ما انصدع من التزامات الآخرين لهم، وذلك بالمطالبة بتعويضهم من قبل الملتزمين لهم بما نقص من حقوقهم نتيجة انخفاض قيم الأثمان الورقية في كثير من دول العالم، فجاءت المطالبة بربط الالتزامات بمستوى الأسعار، وعقدت الندوات والحلقات الدراسية بالاشتراك مع المعهد العالي للاقتصاد الإسلامي في إسلام أباد ومع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية وذلك في مدينة جدة لمدة ثلاثة أيام من ٢٧ شعبان عام ١٤٠٧هـ، وقد دعي للاشتراك في هذه الندوة مجموعة مختارة من علماء الشريعة والاقتصاد وقد تشرفت بالاشتراك في أعمالها. فقدم المنادون بربط الالتزامات بمستوى الأسعار حججهم على الأخذ بذلك وتقرير مشروعية المطالبة به وكان ملخص هذه الحجج ما يلي: ١- دين الإسلام العادل يقيم بالعدل والإنصاف، والتضخم ينتهك هذه القاعدة، حيث إنه يمكن للناس أن يربحوا على حساب الآخرين، ويمنح الدولة أن تتعدى على أموال الناس بدون إذنهم. كما يمكن هذا النظام الأقوياء من استغلال الضعفاء. وربط التغيرات بمستوى الأسعار يخفض – على الأقل جزئيًّا – إثارة هذه الممارسات الاستغلالية.

стр. 6324

٢- " لا ضرر ولا ضرار " و " الضرر يزال " هاتان قاعدتان أساسيتان من القواعد العدلية الإسلامية ويسبب التضخم الضرر في القدر الحقيقي للمبالغ المستلمة، لذا يعد ربط التغيرات بمستوى الأسعار التعويض عن هذا الضرر. ومن المعلوم، أن المدين أو الدائن ليسا مسئولين عن هذا الضرر في القدر الحقيقي لأن الأسباب التي تنجم عن التضخم هي وراء سلطاته. وربط التغيرات بمستوى الأسعار يصون كليهما من الضرر. ٣- وقال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ . (٦: ١٥٢) وقد كرر القرآن الكريم هذا الأمر في الآيات العديدة وامتد إلى كل أنواع المعاملات المالية وليس لوزن أو كيل فحسب. والمعلوم أن المبالغ والقروض لن تتسلم قدرها الحقيقي. وربط التغيرات بمستوى الأسعار يزال هذا الضرر وهذا وفقا للشريعة الإسلامية. ٤- كما أمرنا القرآن الكريم أن نوفي بعقودنا , قد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ . (٥: ١) دفع القرض يعتبر تعاقدًا بين الدائن والمدين. ولابد للمدين أن يدفع للدائن قدرًا حقيقيًّا وليس قدرًا نقيصًا، وربط التغيرات بمستوى الأسعار يمكن له إنجاز هذا الواجب. ٥- وأجاز الفقهاء الأحناف أخذ الفرق بين قيمة النقد والدين وهذا يجعل من إمكانية ربط تغيرات بمستوى الأسعار أن يحدد هذا الفرق. ٦- لا نجد أي نص (من القرآن الكريم أو السنة النبوية) يحرم أو على الأقل يكره هذا النظام. ٧- لا يمنع الحديث النبوي الشريف الذي جاء فيه " مثل بمثل " من المساواة في القدر الحقيقي للأشياء والنقود والقروض، وربط التغيرات بمستوى الأسعار يحقق هذا. ٨- يؤدي إلى إنكار هذا النظام منع القرض الحسن. ٩- يعاون هذا النظام على حصول القروض الأجنبية للبلدان الإسلامية المختلفة. ١٠- ربط التغيرات بمستوى الأسعار يشابه الإضافة التي يحصل عليها البائع الذي يبيع بالدين.

стр. 6325

١١- يحافظ هذا النظام على قيمة المهر المؤجل. ١٢- يسبب التضخم المشاكل المختلفة في معاملات القرض، نفترض أن البنك الإسلامي يساهم بـ ١٠ ملايين دولار لمساهمة في عقد القراض لمدة ١٠ سنوات مع المضارب على أساس ٥٠: ٥٠ إسهامًا في الربح الآن، خلال فترة التضخم، ينخفض قدر رأس المال بسرعة، إذ تبقى مدفوعات المضارب تقريبًا، كما كانت. على سبيل المثال، إن كان معدل التضخم ٢٠ % وبعد ٥ سنوات ينخفض القدر الحقيقي لرأس المال من ١٠ ملايين إلى ٥ ملايين، حتى الآن، يحصل المضارب على ٥٠ % من الربح. هذا ظلم على المضارب لأنه يحصل على السهم الأقل من الربح على الرغم من نشاطاته كما كانت. يمكن حل هذه المشكلة في صورتين، الصورة الأولى هي التعيين الجديد لأسهم الربح , الصورة الثانية هي إبقاء على رأس المال الحقيقي. ولا شك أن الصورة الأولى تسبب الجدال في أوساط العمليات الإنتاجية للمشروع وأما الصورة الثانية فيمكن حصولها بفضل ربط التغيرات بمستوى الأسعار. ١٣- يعتبر القرض الحسن في رأي الشريعة الإسلامية صدقة، لكن في أيام التضخم فإنه يصير صدقة مضاعفة وربما عبئًا ثقيلا على الشخص الكريم الذي يتقدم به، ولو يربط القرض الحسن التغيرات بمستوى الأسعار فحسن. ١٤- ربط التغيرات بمستوى الأسعار يعتبر أسهل الطرق لوجهة نظر الإدارة التي اختيرت لمعاملة قروض البنك تقدم حسب نظام الشركة في الأرباح والخسائر. كما أن هذا أسهل المناهج لإدارة البنوك بوجهة نظر إسلامية.

стр. 6326

١٥- كما يمكن هذا النظام المعادلة بين أقدار النقود المختلفة، وهكذا دواليك. ١٦- وفقًا لمؤيدي هذا النظام، أنه يقوي سوق الرأسمالية ويشجع الادخار كما نرى في الأمريكية اللاتينية. وزيادة المدخرات تعني زيادة في تراكم رأس المال الذي يسبب زيادة في النمو الاقتصادي. ١٧- هذا ونرى أيضًا بأن ربط التغيرات بمستوى الأسعار يلعب دورًا هامًا لتسهيل التعامل بالعملة الأجنبية في الأسواق، لأن أسس أسعار التبادل بين العملات لا تتعين إلا بطريق صلاحيتها لشراء البضائع المختلفة التضخم، وتلعب قوة الشراء لعملة ما دورًا عاما إذ تعادلها بالعملات الأخرى حيث إنها تقلل قوة الشراء للمستخدمين بها لولا تساوى هذا التحويلات في سعر التبادل بطريق مناسب فهي تؤثر في تجارة العملة أثرًا سيئًا وبمثل هذا الطريق تصبح العملة أثرًا سيئًا وبمثل هذا الطريق تصبح العملة هدف التخمين في رأي وكلاء العملات ويساعد ربط التغيرات بمستوى الأسعار لتسوية قدر العملة في إطار قوة شرائها، وبهذا الطريق نحن نتمتع بثقة الذين يستثمرون (خاصة من الخارج) . ١٨- ونضيف إلى هذا نحن نقدم الدليل بأن ربط التغيرات بمستوى الأسعار المنتخب في خلا فترة التضخم تعطي الحكومة الجهاز القوي الذي يؤثر على تخصيص النقود في المناطق المختلفة حسب ضرورات اقتصادية. وخلال فترة أعمال هذه الندوة تتابعت البحوث وجرت المناقشات والمداولات والتعليقات ثم انتهت الندوة إلى إصدار التوصيات التالية: اجتمع عدد من العلماء الشرعيين والاقتصاديين في حلقة علمية لدراسة موضوع ربط الحقوق والالتزامات بغير الأسعار نظمها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية بالتعاون مع المعهد العالمي للاقتصاد الإسلامي بإسلام أباد وذلك في الفترة من السبت ٢٧ شعبان (٢٥ نيسان) إلى الثلاثاء غرة رمضان المبارك عام ١٤٠٧ هـ (٢٨ نيسان ١٩٨٧ م) في مبنى البنك الإسلامي للتنمية في جدة، وذلك في جلسات صباحية ومسائية قدمت فيها أوراق بحث اقتصادية وشرعية في موضوع الندوة، ودارت حولها مناقشات مثمرة وتبودلت فيها الآراء المفيدة وقد تمخض عن ذلك ونتج عنه التوصيات التالية. وإذ يصدر العلماء الحاضرون توصياتهم ليودون قبل كل شيء أن يعبروا عن خالص شكرهم للمعهدين الداعيين إلى هذه الحلقة العلمية وتقديرهم للجهود المكثفة التي قام بها منظموها كما يعبرون عن امتنانهم للحفاوة الكريمة التي تلقوها من البنك الإسلامي للتنمية ورئيسه الدكتور أحمد محمد علي، ويؤكدون أن مثل هذه الحلقات والندوات تسهم إسهامًا عظيمًا في إثراء البحث والنظر العلميين في جوانب الاقتصاد الإسلامي المتعددة وتكوين الفهم المشترك بين علماء الشريعة والاقتصاد لكثير من القضايا المعاصرة مما يساعد في إيجاد التصور الشرعي المناسب لها.

стр. 6327

موقف الشريعة الإسلامية من ربط الحقوق والالتزامات المؤجلة بمستوى الأسعار الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه، وبعد: لا شك أن الالتزام بالحق – سواء كان التزاما بدين نقدي أم بمال عيني كديون السلم أم بعمل كعقود المقاولات والإجارات الخاصة أو المشتركة أم بتوثيق كعقود الكفالات والضمانات – أن الالتزام بالحق يعني تعلق ذلك الحق بذمة من التزم به سواء كان ذلك الملتزم شخصًا اعتباريًّا أو شخصًا طبيعيًا ولا شك أن الحق اللازم في الذمة قد تحدد بعقد الالتزام به قدره ونوعه وصفته وأجل الوفاء به إن كان له أجل وأن توثيق الالتزام به يعني عقدًا جرى التعهد بالالتزام به والوفاء بمقتضاه وبما نص عليه من شروط وقيود وتعهدات. وهذا يعني أن عقدًا جرى تعيين الالتزام بما فيه بمقدار معين وصفة معينة فإن مقتضى العقد يوجب أن هذا الحق لا يجوز أن يتغير بزيادة ولا نقصان إلا باتفاق طرفيه طبقًا للمقتضيات الشرعية إلا ما اقتضى إعطاؤه حكمًا شرعيًّا استثنائيًّا يتفق مع العدل ودفع الظلم وآثاره. وهذا هو الأصل في العقود طبقًا للنصوص الشرعية من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله محمد ﷺ . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ . (١) وقال تعالى ﴿ييَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ.... وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ... وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ.... فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ (٤)

стр. 6328

وفي المنتقى عن عمرو بن عوف أن النبي ﷺ قال ((المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حرامًا)) . قال الترمزي: هذا حديث صحيح. وفي كتاب عمر بن الخطاب ﵁ الذي كتبه إلى أبي موسى الأشعري: المسلمون عن شروطهم إلا شرطًا أحل حر أما أو حرم حلالا، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حراما أو حرم حلالا. ولا شك أن عقود الالتزام عقود تراض مشتملة على شروط اتفقت إرادتا طرفي العقد على الأخذ بها، وبما اشتملت عليه، من شروط وقيود وتعهدات فلا يجوز تغييرها بزيادة أو نقص من إرادة منفردة إلا بما يضر الطرف الآخر. بهذا يتضح أن الالتزام بالحق يعني ثباته نوعًا وقدرًا وصفة وأمدًا وأن محاولة التدخل في تغيير الالتزام بدون إرادة طرفيه يعني ترتيب مظالم على الذمم المختصة بهذا الالتزام. فالمنتفع بهذا التغيير ظالم والمتضرر به مظلوم ومحتوى الالتزام متغير إلى ما يمكن أن يعتبر من ضروب الربا أو من أكل المال بالباطل أو من القروض التي تجر نفعًا. توضيح ذلك أن الحق موضوع الالتزام إذا طرأ عليه من التقلبات الاقتصادية ما يعتبر جنسه مهيأ للزيادة أو النقص في وقت سداده مما يوجب الضرر لأحد طرفيه بذلك فإن هذا الضرر قد يكون أحد طرفي الالتزام سببًا في حصوله على الطرف الآخر كمماطلته في الوفاء بهذا الالتزام حتى تغيرت الأسعار وترتب عليها الضرر، وقد لا يكون لأحد طرفيه سبب في ذلك إلا أن هناك جائحة قضائية من الله، أو يكون الالتزام من طرف واحد لآخر كمن يغصب حقًّا لشخص طبيعي أو اعتباري فيتغير سعر مثل ذلك الحق بما يعتبر نقصًا على المغصوب في وقت تسليم ذلك الحق المغتصب.

стр. 6329

هذه الحالات الثلاث للفقه الإسلامي نظر في ربط تغير الأسعار بالالتزام وسيأتي الحديث عن وجهة النظر في ذلك الربط. أما ما عدا الحالات الثلاث فمنذ زاول الإنسان نشاطه الاقتصادي فإنتاجه عرضة للزيادة والنقصان تزيد قيم السلع باختلال ميزان العرض على الطلب بالنقص وتنقص قيمها بعكس ذلك، ومن عوامل هذه التغيرات الاقتصادية تنشأ الأرباح والخسائر ويتحقق ما وصفه ﷺ من أن التجارة غارات المؤمنين. وبالاجتهاد في الأخذ بأسباب الأرباح وتجنب الخسائر تزداد الحركة الاقتصادية وبالتالي تتوفر وسائل أكثر لتحصيل العمل وتقليل البطالة وتوفير وسائل الحياة الأفضل. ولهذا نجد الإسلام يضيق دائرة التعامل بالأثمان على سبيل المصارفة المتمثلة في بيع وشراء لما في حركتها والتحرك بها من حبس الأثمان التي هي وسيلة التقويم والتقدير عن وظيفتها وجعلها سلعًا تباع وتشترى فينتج من ذلك التقليل من الحركة الاقتصادية المتمثلة في الإنتاج والتسويق والاستهلاك. كما أن الإسلام يحرم المكاسب المضمونة والمبيعات غير المملوكة وتعين قدر معين من المضاربة في التجارة أو المغارسة أو المخابرة كما أنه يحرم الاحتكار وتلقي الركبان ويقف من قضايا الغش والتدليس والغرر والجهالة والغبن مواقف حازمة كمواقفه الحكيمة في إنكار المكاسب عن طريق الرهان والقمار والميسر، ويدعو الإسلام إلى السعي في الأرض والضرب في الأسواق. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٣)

стр. 6330

فالإسلام يعتبر المخاطرة في التجارة عنصرًا ذا أثر فعال في إنعاش الحركة الاقتصادية لما تستلزمه من المخاطرة من الحيطة والحذر والحرص والتدبر والمراقبة المستمرة للتقلبات الاقتصادية وبالتالي الأخذ بنتائج ذلك من بيع وشراء وإنتاج وتسويق، فإذا قلنا بربط الحقوق المؤجلة بمستوى الأسعار ولم يكن لمن ترتبت عليه هذه الالتزامات سبب في تغير الأسعار فإن هذا يعني معالجة الضرر بضرر ودفع خسارة طرف من أطراف الالتزمات بظلم طرفه الملتزم فضلا عما في ذلك من تشجيع الاستثمارات البنكية والتقليل من عنصر المخاطرة في التجارة، وحينما يعلم طرفا الالتزام أن العبرة بقيمة الحق موضوع الالتزام هو سعر يوم سداده، وما يترتب على ذلك من الجهالة في مقدار الحق، وبالرغم من تقديره وقت الالتزام بقدر معين، فملتزم بمليون دولار مثلا لزيد من الناس بعد عام، يحل أجل السداد في وقت تكون القيمة الشرائية للدولار قد انخفضت بمقدار ٤٠ % في المائة مثلا، فربط الحق بسعر يوم سداده يعنى أم مليون الدولار تتحول إلى مليون وأربعمائة ألف دولار، فالملتزم بالحق يعرف أن التزامه بمليون دولار، ولكنه لا يعرف وقت سدادها ومقدار ما يسدده فقد يزيد مبلغ الالتزام وقد ينقص وهكذا في أموال عقود السلم ومضاربات البورصات وأجور العمال والالتزامات التوثيقية.

стр. 6331

وبهذا يتضح لنا أن الأخذ بمبدأ ربط الحقوق والالتزامات المؤجلة بمستوى الأسعار مصادم للمقتضيات الشرعية في الشريعة الإسلامية وللتوجيهات الإسلامية للاقتصاد الإسلامي الحر وللطمأنينة الموجبة للثقة في أن الحق الملتزم به هو الحق قدرًا ونوعًا وصفةً وأجلا، فلا يخشى صاحب الحق نقص حقه ولا يخشى الملتزم بعد تغيره عليه بزيادة. كما أن الأخذ بذلك موجب لظلم أحد طرفي العقد وأكل الظلم منهما مالا بدون حق فضلا عما في ذلك من الجهالة وتشجيع البنوك على مضاعفة نشاطاتها الربوية وتثبيط التجارة بما يسوق بضائعه عن ربحه أو خسارته بالرغم من معرفته مقدار قيمة شراء بضاعته ومقدار قيمة بيعها لأنه لا يعرف الزيادة المحتملة على ما التزم به طبقًا لربط هذا الالتزام بسعر يوم سداده فقد تأتي هذه الزيادة على ربح محسوس حققته صفقته التجارية. وقبل دخولي في نقاش القائلين بوجاهة ربط الحقوق والالتزامات المؤجلة بمستوى الأسعار أرغب في إبداء ما عندي في وجود حالات استثنائية توجب ربط الالتزام بمستوى الأسعار حتى تكتمل الصورة ويتضح الاتجاه ويتحرر موضوع النقاش. أولى هذه الحالات: ما إذا كان الالتزام بالحق حال الأداء وكان الملتزم مليئًا غنيًّا إلا أنه صار يماطل صاحب الحق حتى تغيرت الأسعار سواء انخفضت القيمة الشرائية للنقد موضوع الالتزام انخفض سعر العين المالية موضوعة الالتزام كديون السلم فمماطلة من عليه الحق لمن له الحق ظلم وعدوان موجبة لحل عرضه وعقوبته كما قال ﷺ : ((مطل الغني ظلم)) رواه الشيخان في صحيحهما، قال ﷺ ((لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)) . رواه أهل السنن. ومن العقوبة أن يربط الحق بسعر يوم سداده إذا كان فيه نقص على صاحبه فالزيادة على المماطل بأداء الحق عقوبة يستحقها بسبب ليه ومطله، وإعطاء صاحب الحق هذه الزيادة يعتبر من العدل والإنصاف لأن مماطلة خصمه أضرت به بمقدار هذه الزيادة.

стр. 6332

ولقد اختلف الفقهاء ﵏ في تقدير الحق المغتصب المماطل في أدائه بسعر يوم سداده، قال في منتهى الإرادات: ولا يضمن نقص سعر. اهـ (١) كما اختلفوا في تعيين العقوبة التي يستحقا فذهب جمهورهم إلى عدم الزيادة على الحق بشيء مطلقًا كما مر النقل من المنتهى وأن العقوبة المقصودة في الحديث: ((لي الواجد يحل عقوبته ... )) ما يوقعها ولي أو نائبه على المماطل بأداء الحق من عقوبة تعزيزية بحبس أو جلد أو بهما معًا. وذهب بعضهم إلى أن العقوبة هي تكليف المماطل بضمان ما خسره صاحب الحق في سبيل المطالبة بتحصيل حقه. قال شيخ الإسلام. ابن تيمية: " ومن مطل صاحب الحق حتى أحوجه إلى الشكاية فما غرمه بسبب ذلك فهو على الظالم المبطل إذا كان غرمه على الوجه المعتاد (٢) وذهب بعض المحققين من أهل العلم إلى القول بضمان نقص السعر قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: قال الأصحاب: وما نقص بسعر لم يضمن أقول: وفي هذا نظر فإن الصحيح أنه يضمن نقص السعر وكيف يغصب شيئًا ويساوي ألفًا وكان مالكه يستطيع بيعه بالألف ثم نقص السعر نقصًا فاحشًا فصار يساوي خمسمائة أنه لا يضمن النقص فيرده كما هو؟ اهـ (٣) . وهذا القول هو ما يقتضيه العدل الذي أمر الله به وهو في نفس الأمر عقوبة للظالم أقرها ﷺ بقوله: ((لي الواجد يحل عقوبته)) . ولا شك أن المماطل في حكم الغاصب بمماطلته أداء الحق الواجب عليه إلا أن تقدير الزيادة عليه يجب أن يراعى في تعيينها العدل، فلا يجوز دفع ظلم بظلم ولا ضرر بضرر، فمثلا زيد من الناس قد التزم لعمرو بمبلغ مائة ألف دولار مثلا يحل أجلها في غرة شهر محرم عام ١٤٠٧ هـ وكان سعر الدولار بالين الياباني وقت الالتزام مائتين وأربعين ينًّا وفي أول يوم من شهر المحرم عام ١٤٠٨هـ انخفض سعره إلى مائتين وعشرين ينًّا فطلب صاحب الحق حقه من الملتزم زيد فماطله إلى وقت انخفض سعر الدولار إلى مائة وخمسين ينًّا فما بين سعر الدولار وقت الالتزام بالحق وبين سعره وقت الاستعداد بالسداد نقص تسعون ينًّا في الدولار الواحد فإذا قلنا بضمان النقص للماطلة فإن الفرق بين سعره وقت الحلول ثم المماطلة وبين سعره وقت الاستعداد بالوفاء هو سبعون ينًّا فالعدل أن يقتصر الضمان على هذا المقدار سبعين ينًّا عن كل دولار.

стр. 6333

الحالة الثانية: أن لا يكون الملتزم بالحق سببًا في خسارة صاحب الحق بنقص حقه وإنما يرجع ذلك إلى أسباب قهرية لا دخل لأي من طرفي العقد بها، فهذه الحال إن كانت الخسارة على أحد أطراف العقد تزيد عن الثلث، فقد تقاس على قاعدة وضع الحوائج، وإن كان القائلون بها يرون قصرها على الثمار على أصولها، مما تم بيعها ولم تقبض فأصابتها جائحة سماوية قضت عليها أو على بعضها، إلا أن المسألة محل نظر في اجتماع القضيتين في حصول خسارة فاحشة ليس لأحد طرفي العقد سبب في حصولها وتنفرد إحداهما عن الأخرى بأن قضيتنا حق تم الالتزام به وجرى تعيين موجبة في غالب ماله. وعلى أي حال فهذه المسألة تحتاج إلى إفرادها ببحث تستقصى فيه مبررات الحكم فيها. الحالة الثالثة: إذا كان الالتزام بدين نقدي من عملة ورقية معينة ثم انخفضت قيمة هذه العملة الورقية انخفاضًا فاحشًا ولم يحل أجل سدادها وتمثل بالليرة اللبنانية ونضرب مثلا لهذه الحال: خالد من الناس التزم لمحمد بمائة ألف ليرة قيمة بضاعة جرى قبضها في مجلس العقد وتم الاتفاق على تأجيل دفعها إلى عام، وكانت قيمة الليرة وقت الالتزام تعادل ريالا سعوديًّا وبعد حلول أجل الدفع انخفضت قيمة الليرة حيث صارت قيمة مائة ليرة ثلاثة ريالات سعودية، فهل يسلم خالد لمحمد مائة ليرة لبنانية بغض النظر عن انخفاض قيمتها وفي هذا خسارة بالغة على محمد أم يلزم خالد بقيمتها وقت الالتزام لأن الليرة الآن في حكم السكة المنقطعة؟ يمكننا أن نرجع في حكم هذه المسألة إلى ما ذكره الفقهاء ﵏.

стр. 6334

فقد ذكر الشيخ عبد الله أبا بطين ﵀ عن الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀ بعد أن ذكر أن الدائن يرجع على مدينه بقيمة ما عليه من دين نقدي إذا أبطل السلطان التعامل به أما إذا زادت قيمته أو نقصت فليس له إلا ما في ذمة مدينه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال الأثرم:" سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل له على رجل دراهم مكسرة فسقطت المكسرة أو الفلوس قال: يكون عليه قيمتها من الذهب. " وقد نص في القرض على أن الدراهم المكسرة إذا منع التعامل بها فالواجب القيمة فيخرج من سائر المتلفات، وكذلك في الغصب والقرض فإنه معلوم أنه ليس المراد عيب الشيء المعين فإنه ليس هو المستحق، وإنما المراد عين النوع، والأنواع لا يعقل عيبها إلا بنقصان قيمتها فإذا أقرضته أو غصبته طعامًا فنقصت قيمته فهو نقص النوع فلا يجبر على أخذه ناقصًا فيرجع إلى القيمة وهذا هو العدل فإن المالين يتماثلان إذا تساوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل فعيب الدين إفلاس المدين وعيب العين المعينة خروجها عن الكمال بالنقص. اهـ (١) وقال ابن مفلح في الفروع: " وقيل إن رخصت فله القيمة كالمكان" (٢) . وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: " قوله وكذلك المغشوشة وعندهم أنها مثلية فيكفي ردها لكن فيما إذا وجد نقصًا فإنه يلزمه المثل عندهم، وعلى أصل الشيخ الظاهر أنه يلزمه القيمة ثم هذا في القرض، ونص عليه أحمد واختار الشيخ أن هذا يجري في سائر الديون – قال الشيخ – وهذا هو الذي ينبغي لما على كل من النقص. اهـ (٣) ٢.

стр. 6335

وقال الرهوني: ظاهر كلام غير واحد من أهل المذهب وصريح كلام آخرين يفهم أن الخلاف السابق محل إذا قطع التعامل بالسكة القديمة جملة. أما إذا تغيرت بزيادة أو نقص فلا. وممن صرح بذلك أبو سعيد بن لب، قلت: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر جدًّا حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه لوجود العلة التي علل بها المخالف. اهـ. (١) . وقال الشوكاني في كتابه نيل الأوطار: فائدة: قال في البحر: مسألة الإمام يحيى لو باع بنقد ثم حرم السلطان التعامل به قبل قبضه فوجهان يلزم ذلك النقد إذا عقد عليه. الثاني يلزم قيمته إذا صار لكساده كالعرض. انتهى. قال في المنار: وكذلك ولو صار كذلك يعني النقد لعارض آخر وكثيرًا ما وقع هذا في زماننا لإفساد الضربة لإهمال الولاة النظر في المصالح، والأظهر أن اللازم القيمة لما ذكره المصنف. اهـ (٢) قوله: وكذلك لو صار لعارض آخر يفهم منه أن النقص الفاحش أو الزيادة الفاحشة موجبة للأخذ بالقيمة قياسًا على منع السلطان التعامل بالسكة موضوعة الالتزام.

стр. 6336

بقي علينا أن نعرف ما مقدار الفحش في الزيادة أو النقص. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تحديد ما يوجب اعتبار الجائحة ما نصه: ... فلا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها في أشهر الروايتين ... والثانية أن الجائحة الثالث فما زاد كقول مالك لأنه لا بد من تلف بعض الثمر في العادة فيحتاج إلى تقدير الجائحة فتقدر بالثلث كما قدرت به الوصية والنذر ومواضع في الجراح وغير ذلك لأن النبي ﷺ قال ((الثلث والثلث كثير)) . اهـ (١) . وخلاصة القول في هذه المسألة أن جمهور أهل العلم ذهبوا إلى وجوب قيمة عملة جرى الالتزام بها ثم أبطل السلطان التعامل بها قبل قبضها وأن جمهورهم ذهبوا إلى عدم اعتبار نقص العملة أو زيادتها وأن من التزم لآخر بنقد جرى فيه النقص أو الزيادة أنه لا يلزم غير مثله، وأن بعضهم ذهب إلى اعتبار النقص والزيادة كاعتبار منع السلطان التعامل بها في وجوب القيمة فيها، وبعضهم توسط فاعتبر النقص الفاحش والزيادة الفاحشة موجبة لأخذ القيمة ثم اختلفوا في تقدير الفحش في الزيادة والنقص فقال بعضهم إن ذلك يرجع إلى العرف والعادة وبعضهم قال إن ذلك مقدار بالثلث فما فوقه.

стр. 6337

وما جرى استعرضه في الحالات الثلاث وما في أحكامها من أقوال لأهل العلم تدور بين الاعتبار وعدمه يعطي تصورًا واضحًا إلى أن القول بربط الحقوق والالتزامات الآجلة بالأسعار موضع تحفظ بالغ في الشريعة الإسلامية. فحتى إذا ظهرت المبررات للأخذ به فإن هناك من يرفضه أخذًا بمبدأ الالتزام والاحتفاظ بقدره ونوعه وأمده طالما أن لموضوع الالتزام قيمة معتبرة وإن نقصت عن قيمتها الحقيقية وقت الالتزام. وبعد هذا يمكن أن ننتقل إلى نقاش مبررات القول بربط الحقوق الآجلة بالأسعار فنقول وبالله التوفيق وعليه الاعتماد: * أولى هذه المبررات: القول بأن الإسلام دين العدل والإنصاف، والتضخم الاقتصادي يأتي على هذه القاعدة حيث إن التضخم سبب في تكدس الثروات بأيدي قلة من الناس وتبقى الكثرة الكاثرة وهم يعانون قلة ذات اليد، وربط الالتزامات الآجلة بمؤشرات الأسعار يحقق العدل ويقضي على التضخم. والإجابة على هذا هو التسليم بأن الإسلام دين العدل والإنصاف وأنه ضد التضخم وتجمع الثروات في أيدي قلة من الناس قال تعالى في تبرير الإنفاق على المحتاجين دون الأغنياء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (١) وهو يهدف من تشريعاته الصائبة إلى إشاعة المال بطرق مشروعة ومختلفة وتفتيت الثروات وإعادة توزيعها على أكبر عدد ممكن. فهو يحض على الإنفاق في سبيل الله، وسبل الله غير محصورة في جهة معينة فكل طريق من طرق الخير يعتبر سبيلا لله. ويجب في الأموال حقوقًا معينة كالزكوات وحقوقًا غير معينة كالنفقات الواجبة، وفي الأثر عن رسول الله ﷺ أن في المال حقًّا سوى الزكاة.

стр. 6338

والإسلام حينما يحارب التضخم الاقتصادي فهو يحاربه بتحريمه جملة من المعاملات التجارية كبيوع الغرر والغبن والجهالة والاسترسال وبيع ما لا يملك أو لم يقبض وبيوع الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النسيئة وينهى عن تلقي الركبان وعن الاحتكار كما أنه ينهى عن التسعير ما لم توجد له أسباب تضبطه عن الظلم وينهى عن التصرف في سكة المسلمين بما يعود عليهم بالضرر فقد نهى ﷺ أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس، ومما يعود على المجتمعات والدول بالتضخم المتاجرة بالأثمان – العملات النقدية – اتجه كثير من علماء الإسلام ومحققيهم إلى التحذير من ذلك فقد قال الإمام الغزالي في كتابه الإحياء ما نصه: من نعم الله تعالى خلف الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا وهما حجران لا منفعة في أعيانهما – إلى أن قال – فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي ويكون حاكمين بين الأموال بالعدل ولحكمة أخرى ... هي التوسل بهما إلى سائر الأشياء – إلى أن قال – فهذه هي الحكمة الثانية وفيهما أيضًا حكم يطول ذكرها، فكل من عمل فيهما عملا لا يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود للحكم فقد كفر بنعمة الله تعالى فيهما فإن من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم لسببه وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر النعمة وظلم لأنهما خلقا لغيرهما لا لأنفسهما إذا لا غرض في عينهما فإذا اتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودًا على خلاف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم. اهـ (١)

стр. 6339

ويقول ابن القيم ﵀ في كتابه أعلام الموقعين ما نصه: فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن لنعتبر به المبيعات بل الجميع سلع – ثم ذكر أسباب فساد المعاملات ومنها اتخاذ الأثمان سلعًا فقال: " كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم – إلى أن قال – فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل تقتصد للتوصل بها إلى السلع فإذا صارت في أنفسها سلعًا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات. اهـ (١) وجاءت المقتضيات الشرعية بتضييق دائرة التعامل بالأثمان متاجرة ومصارفة فحرمت الزيادة في الجنس الواحد وضرورة التقابض في مجلس العقد سواء اتفق الجنس أو اختلف. ولا يخفى أن في المتاجرة في النقود جملة سلبيات منها انصراف رجال الأعمال عن الإسهام في المشروعات التنموية وتجميد مدخراتهم النقدية في البنوك للمتاجرة بها فينتج عن ذلك ظهور بطالة سببها انكماش السوق الصناعية بانكماش الإنفاق عليها للمتاجرة بالنقد نفسه وصرفه عن وظيفته الأساسية: تقويم السلع وواسطة التبادل.

стр. 6340

وبهذا يتضح موقف الإسلام من التضخم وأسباب التضخم , وأنه يحارب التضخم بتشريعات في الأخذ بها حماية للمجتمع من التضخم وصيانة للأسواق التجارية عن التضخم وليس من تشريعاته تغيير الالتزامات الآجلة بنقص أو بزيادة وذلك بربطها بمؤشرات الأسعار إذ لا شك أن في هذا أثرًا عكسيًّا في اعتباره أحد عوامل الكساد الاقتصادي فإن من يلتزم بحق ففي حال الأخذ بربط الالتزام بمؤشرات الأسعار فإنه لا يدري عن ميزان التزامه ولا عن مردود حركته الاقتصادية فقد يخطط لمشروع تنموي يظهر له من مخططه توفر الثقة لديه في نجاح مشروعه إلا أن الأخذ بربط الالتزام بالأسعار قد يأتي على ما يراه ربحًا محققًا في مشروعه وهذا في حد ذاته عامل قوي في إحجامه عن القيام بذلك المشروع الذي يرى ربحه محققًا فيه إلا أنه غير مطمئن إلى تغير التزامه بما يأتي على ذلك الربح. وأما وجه اعتباره عاملا من عوامل التضخم فإن التضخم معناه ظهور سوق نقدي لا يتناسب حجمه العام مع المثمنات المتاحة من سلع وخدمات، وتغير الالتزامات الآجلة وربطها بسعر أجل سدادها وفي ظروف تقلبات اقتصادية لا تحكمها قواعد واضحة ولا تصورات جلية يعطي المزيد من مضاعفة الالتزامات وبالتالي تتيح المجال لهروب النقد إلى ما فيه ضمان نمائه وهذا يعني ظهور فئات تتكدس في أيديها الثروات وقد تكون البنوك أوضح مثال لهذه الفئات يستوي في ذلك ما تملكه أو تستودع إياه للحفظ – أو الاستثمار. وبهذا يتضح أن ربط الالتزامات الآجلة بمؤشرات الأسعار يعتبر من عوامل التضخم المالي والانكماش الاقتصادي لا أنه عامل من عوامل محاربة التضخم.
следующие страницы →