قال النووي في (تهذيب الأسماء واللغات: ٣/١٦٤، ١٦٥) :
"شففت" قال أهل اللغة: الشف بفتح الشين ستر رقيق، قال الجوهري: قال أبو نصر: هو ستر أحمر رقيق من صوف يستشف ما وراءه. الشف بكسرها، الفضل والربح تقول منه شف يشف شفًا بكسرها في المضارع والمصدر، قال ابن السكيت: والشف أيضًا نقصان وهو من الأضداد وشف عليه ثوبه يشف شفوفًا وشففًا، أي رق حتى يرى ما خلفه، وثوب شف وشف، أي رقيق وشف جسمه يشف شفوفًا، أي نحل وأشففت بعض ولدي على بعض فضلتهم، والشفيف لذيع البرد.
وقال عياض في (مشارق الأنوار: ٢/٢٥٦) :
(شفف) قوله: ألا يشف فإنه يصف بفتح الياء مشدد، أي بيدي ما وراءه من الجسم ويظهره لرقته - قلت: يشير بذلك الأثر روي عن عمر ﵁ وهو قوله: لا تدرعوا نساءكم القباطي، فإنه إن لم يشف، فإنه يصف ولم أقف لهذا الأثر عن سند ولكن الدكتور محمد رواس قلعه جي فى كتابه "موسوعة فقه عمر"، وهو الثامن من موسوعات فقه السلف أحال به على (تاريخ المدينة المنورة: ٣/٧٧٣) والعهدة عليه - وقد استشهد به ابن منظور أيضًا في لسان العرب.
ثم قال عياض:
والشف الثوب الرقيق بفتح الشين وكسرها معًا وقوله: "ولا تشفوا بعضها على بعض"، بضم التاء، أي ولا تفضلوا ولا تزيدوا والشف بالكسر الزيادة والنقصان أيضًا وهو من الأضداد والشف بالفتح اسم الفعل من ذلك شف هذا على هذا، أي زاد وقوله: "إذا شرب اشتف" - يشير إلى حديث أم زرع- على رواية من رواه استقصى ولم يبق شيئًا.
وقال الفيروز آبادي في (القاموس المحيط: ٣/١٥٩، ١٦٠) :
(الشف) ويكسر: الثوب الرقيق جمعه شفوف وشف الثوب يشف شفوفًا وشفيفًا رق، فحكى ما تحته، والشف ويكسر الربح والفضل والنقصان ضد وشف يشف شفًا زاد ونقص وتحرك، وجسمه شفوفًا نحل، وشفه الهم هزله، وكأمير لذع البرد، ومطر فيه برد أو الريح الباردة كالشفشاف وشدة حر الشمس ضد، والقليل كالشفف محركة وثوب شفشاف لم يحكم عمله، والشفافة ككناسة بقية الماء في الإناء، والشفاشف شدة العطش، وغداة ذات شفان برد، وريح وأشففتهم فضلتهم، واشتف البعير الحزام كله ملأه واستوفاه وما في الإناء كله شربه كله كتشاف، وتشاففته ذهبت بشفه، أي بفضله، والشفشفة الارتعاد والاختلاط والنضح بالبول ونحوه، وتشويط السقيع نبت الأرض فيحرقة وذر الدواء على الجرح وتجفيف الحر والبرد والشيء، والشفشف بالفتح والكسر السخيف السيء الخلق ومن به رعدة واختلاط غيره وإشفاقًا على حرمه، واستشفه نظر ما وراءه.
стр. 6687
وقال ابن الأثير في (النهاية: ٢/٤٤٦، ٤٤٧) :
" شفف" فيه أنه نهى عن شف ما لم يضمن الشف الربح والزيادة وهو كقوله: نهى عن ربح ما لم يضمن وقد تقدم، ومنه الحديث "فمثله كمثل ما لا شف له"، ومنه حديث الربا " لا تشفوا أحدهما على الآخر"، أي لا تفضلوا، والشف النقصان أيضًا فهو من الأضداد ويقال: شف الدرهم يشف إذا زاد أو نقص، وأشفه غيره يشفه، ومنه الحديث "فشف الخلخالان نحوًا من دانق فقربه"، وفي حديث أنس ﵁ "أن النبي ﷺ خطب أصحابه يومًا وقد كادت الشمس تغرب ولم يبق منها إلا شف أي شيء قليل. الشف والشفا والشفافة بقية النهار، وفي حديث أم زرع "وإن شرب اشتف"، أي شرب جميع الإناء، والشفافة الفضلة التي تبقى في الإناء".
ثم قال: ومنه حديث رد السلام قال: إنه تشافها أي استقصاها، وهو تفاعل منه وفي حديث عمر لا تلبسوا نساءكم القباطي إلا يشف، فإنه يصف يقال: شف الثوب يشف شفوفًا إذا بدى ما وراءه ولم يستره، أي أن القباطي ثياب رقاق ضعيفة النسج، فإذا لبستها المرأة لصقت بأردافها فوصفتها فنهى عن لبسها وأحب أن يكسين اتحاد الغلاظ، ومنه حديث عائشة وعليها ثوب يكاد يشف، ومنه حديث كعب يؤمر برجلين إلى الجنة، ففتحت الأبواب ورفعت الشفوف هي جمع شف بالكسر والفتح، وهو ضرب من الستور يستشف ما وراءه وقيل: شتر أحمر رقيق الصوف، وفي حديث الطفيل: في ليلة ذات ظلمة وشفاف؛ والشفاف جمع شفيف وهو نوع من البرد ويقال: لا يكون إلا برد ريح مع نداوة ويقال له الشفان أيضًا.
وقد أفاض ابن منظور في معاني كلمة شفف ومشتقاتها والاستشهاد لكل معنى كعادته إفاضة استغرقت قرابة أربع صفحات في (لسان العرب: ٩/١٧٩ن ١٨٣) : وجل ما ساقه وتبسط فيه أوجزه غيره ممن نقلنا عنهم آنفًا.
ويتضح من كل هذا أن مدار كلمة " شفف " - كما ذكرنا آنفًا - التعبير عن الرقة والقلة سواء كانت في مجال الزيادة أو النقص أو غيرهما.
وفيما يتصل بالربا بالذات يوضحه إيضاحًا لا خفاء معه قول ابن الأثير الذي سقناه آنفا " ويقال: شف الدرهم إذا زاد أو نقص " فزيادة الدرهم أو نقصه لا تكون إلا قليلة في كل مرة، ذلك بأن قوله: شف الدرهم هو من تعابير رجال المال في الأسواق ومن على شاكلتهم ممن يعنون بأسعار العملة والشفاف زيادة كان أو نقصًا لا يكون إلا تدريجيًّا، وقد يسرع في التدرج ولكن لا يتجاوز في المرة الواحدة أو في المرحلة الواحدة من تدرجه الانتقال بالقليل من سعر إلى سعر وإلا كان انقلابًا في الأسعار مما لم يكن معروفًا يومئذ ولا هو بالمعتاد الآن.
стр. 6688
حاصل هذا كله أن النهي النبوي الشريف عن إشفاف بعض الدرهم أو الدينار ببعض وهو نهي صريح ونص دقيق حاسم في النهي - نهي تحريم لعدم وجود قرينة تصرفه إلى غير التحريم، بل ولأن القرائن كلها تحصره في التحريم - عن مطلق الزيادة ابتداء من البسيطة، لأن استعماله ﷺ عبارة " شفف " ومشتقاتها كان مقصودًا لذاته لتحريم الزيادة البسيطة، أما ما فوق البسيطة فهو محرم بالطبع نتيجة لتحريم البسيطة، إذ لا يعقل أن تباح الزيادة الكثيرة وتحضر البسيطة، فثبت أنه ﷺ نص في حديثه الذي رواه أبو سعيد - وهو وإن كان آحاديًّا يكاد يبلغ من استفاضته ولما يعضده من أحاديث في معناه لحديث عبادة وحديث أبي هريرة وحديث أبي بكرة وغيرها حد التواتر المعنوي الذي لا يوجب العمل فحسب، وإنما يوجب العلم أيضا - نهى عن كل زيادة مهما تكن ضئيلة وتوضيحًا لهذا المعنى استعمل كلمة " شف ".
وبما أنه لا سبيل إلى الغمز في هذا الحديث وفي أنه نص يجب اعتماده، وبما أن لفظه يمنع كل تأويل محتمل يخرج به عن دلالته اللغوية ولا توجد أية قرينة تسمح بالزعم بأنه تجوز به عن حقيقته اللغوية إلى معنى آخر، وبما أنه ورد في هذا الحديث وغيره ما يعضده من قوله ﷺ : ((فمن زاد أو ازداد)) ، وقوله: ((فمن زاد أو استزاد فقد أربى)) وفي هذا الحديث إطلاق الزيادة دون تحديدها بالكثرة أو القلة، فكان حديث: ((لا تشفوا بعضها ببعض)) بمثابة البيان لحديث فمن زاد، فإن تحريم الزيادة مهما تكن بسيطة وارد بالنص الذي إن حاول البعض أن ينزل به عن درجة القطع الموجب للعلم فلا سبيل له إلى محاولة النزول به عن درجة الظن الراجح الموجب للعمل وكل زعم أو تأويل محتمل يراد به التشكيك في دلالة النص أو التماس مخرج منه فهو رفض له، وقد يبلغ درجة الكفر به ولا أقل من أنه تجاوز له عن عمد وسبق إصرار.
وأما الشبهة الثالثة فهي تعلق بعضهم بكلمة " الرماء " في قول عمر: " فإني أخاف عليكم الرماء " وبكلمة: " إنى أخاف عليكم " أيضًا، فزعموا أن تحريم التفاضل وهذا الزعم أيضًا ناشئ عن قصور أو تقصير في فهم العبارة التي تعلقوا بها، وعبارة: إني أخاف عليكم الرماء " وردت من كلام ابن عمر وقد سقنا طرقها في فصل " من أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف " وفي طريق حديث أبي سعيد: " فإني أخاف عليكم الربا " والحديث عن أحمد والطبراني في الكبير ولفظه عند أحمد (المسند، بتحقيق أحمد شاكر، المجلد ٤، ٨/١٤١، ح ٥٨٨٥) :
حدثنا حسين بن محمد، حدثنا خلف، يعني ابن خليفة، عن أبي جناب، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرماء)) والرماء؛ هو الربا، فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجبية بالإبل؟ قال: ((لا بأس إن كان يدًا بيد)) .
стр. 6689
وإذا صرفنا النظر عن تضعيفهم لأبي جنب، وقد أشار إليه شاكر في تعليقه على الحديث وتعقبه وقال عنه الهيثمي في (مجمع الزوائد: ٤/١٠٥٩) : وفيه أبو جنب الكلبي وهو مدلس ثقة، فإن لفظ الحديث نفسه لا يستقيم متعلقًا لهم وذلك أولًا: لأن كلمة الرماء لا نعرفها من حديث رسول الله ﷺ إلا في هذا الحديث والمعروف من حديث ابن عمر في هذا الشأن - وقد سقناه بطرق عدة في فصل " من أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف " أن جملة " فإني أخاف عليكم الرماء " من كلامه هو وأنه لم يسمع حديث الربا مباشرة عن رسول الله ﷺ ، وإنما سمعه من حديث أبي سعيد وثانيا: حتى وإن ثبت أن حديث ابن عمر هذا كما رواه أحمد والطبراني سمعه مباشرة عن رسول الله ﷺ وفيه: ((فإني أخاف عليكم الرماء)) أو كما ورد في بعض الطرق فإني أخاف عليكم الربا، فإن النهي عن بيع الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين والصاع بالصاعين فهي عن أية معاملة فيها تفاضل أو تؤدي إلى تفاضل وكلمة " فإني أخاف "، لا تعني أنه سد للذريعة، وإنما تعني في فقهها أنه تبيان لا محيص عنه، وهو أن معاملة من هذا القبيل لا يمكن أن تتم بين عقلاء إلا بناء على اعتبار لنوع من المفاضلة بين السلعتين المتبادلتين وفي حالة الدراهم والدنانير، إما أن تكون المفاضلة في الوزن أو في الخلوص أو في مصدر السك، فالمفاضلة إذن ثابتة وأما في حالة الصاع بالصاعين وهي إما في التمر أو في البر أو في الشعير، فلا بد أن تكون لجودة أحدهما ورداءة الآخر أو لجدة أحدهما وقدم الآخر وإن كانا من نوع واحد جودة ورداءة، وفي جميع هذه الأحوال لو بيع كل شيء منها بثمن واشتري مقابله بالثمن لكان أحدهما أغلى من الآخر ما في ذلك شك، ولذلك حرمت هذه المعاملة أما التعبير بـ " فإني أخاف " فإنما هو لدرء احتمال ممكن الوقوع ولكنه نادر ذلك في حالة أن يكون أحد المتبايعين بحاجة إلى النوع الذي يشتريه بأكثر منه من جنسه سبب يخرج عن التفاضل النوعي، كأن يشتري تاجر مسافر إلى الشام عملة رومية بعملة فارسية ولحاجته إلى العملة الرومية يدفع ضعفها مقابلها من العملة الفارسية أو أن يشتري عملة مسكوكة بضعفها من جنسها موزونة لحاجته إلى المسكوكة، ومثل هذه الحالة يحتمل وقوعها في المكيلات لاعتباره مشاكل لهذا الذي تصورناه في النقد، وفي هذه الأحوال لا مجال لاعتبار التفاضل، ولكن جرأة الناس عليه والفهم لها مما قد يحوله إلى عادة حمل ابن عمر على التعبير بالخوف " فإني أخاف " أما كلمة الرماء ودلالتها على الربا فإنها من المترادفات التي تزخر بها اللغة العربية فلا سبيل إلى التعلق بها كما لو كانت عبارة تختلف عن عبارة الربا وإن قربت منها.
يتجلى مما سبق أن قول ابن عمر هذا أو روايته هذه لا متعلق فيها إلا لمن حرم الفقه في الدين لاعتبار أن تحريم ربا الفضل مناجزة، إنما هو سد للذريعة إلى الربا فهو تحريم من درجة أدنى يمكن التحلل منه إذا تعينت المصلحة أو الضرورة.
стр. 6690
وأما الشبهة الرابعة فهي حصرهم دلالة كلمة " درهم " وكلمة " دينار " على النقد المتعامل به مسكوكًا أو موزونًا من الذهب والفضة على التوالي.
ألبس عليهم ذلك أن التعامل الأغلب في العهد النبوي وما بعده من أيام الصحابة والتابعين وفترتي الازدهار الاقتصادي من العهدين الأموي والعباسي كان بالذهب والفضة، وما كان منه بالنحاس " الفلوس " كان نادرًا وزهيدًا لا يكون قيمة جديرة بالاعتبار في حياتهم المالية، فخيل إليهم أن كلمتي " درهم " و " دينار " تنحصر دلالتهما على ما كان من النقد ذهبًا أو فضة ولم يصب هذا اللبس متفقهة المقلدين من المشبوهين أو المشتبه عليهم في عصرنا فحسب، وإنما التقطوه من كلام عامة المفسرين والفقهاء الذين غلب عليهم اعتبار المتعارف من لغة التعامل في العصر الإسلامي الأول فاعتمدوه كما لو كان هو المعنى الوحيد لكلمتي " الدرهم: و " الدينار " وساقهم الوهم إلى تفسير الآيتين الكريمتين قوله تعالى في سورة آل عمران، الآية ٧٥: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ الآية وقوله تعالى في سورة يوسف، الآية ٢٠: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ بأن المقصود بكلمة " دينار " وكلمة " دراهم " العملة الذهبية والعملة الفضية ولو أنهم تأملوا قليلًا لاستبانوا أن المقصود بكلمة دينار في آية سورة آل عمران هو المقدار من الوزن وليس نوع العملة بدليل قوله تعالى في نفس الآية ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ فجاءت كلمة " دينار " تعبيرًا عن الحد الأدنى من الوزن مقابل كلمة " قنطار " المعبر عن الحد الأعلى، وليس المراد مقدارًا من الوزن معين في الحدين وإنما المراد بيان أنهم يخونون الأمانة سواء كانت كثيرًا أو قليلًا، أما في آية سورة يوسف فكلمة " دراهم " تعني عملة لكن ليست فضية بالضرورة، بل الظروف التاريخية ترجح أنها ليست فضية وتتبين هذه الظروف من قول محمد الطاهر بن عاشور في (التحرير والتنوير: ١٢/٢٠٥، ٢٠٦) .
والتقطته سيارة من العرب الإسماعيليين كانوا سائرين في طريقهم إلى مصر وباعوه كرقيق في سوق عاصمة مصر السفلى التي كانت يؤمنذ في حكم أمة من الكنديين يعرفون بالعمالقة أو (الهكصوص) ، وذلك في زمن الملك (أبو قيس) أو (أبيبي) ويقرب أن يكون ذلك في حدود سنة تسع وعشرين وسبعمائة وألف قبل المسيح ﵇ فاشتراه (فوطيفار) رئيس شرطة فرعون الملقب في القرآن بالعزيز أو رئيس المدينة.
ثم قال:
وفي مدة حكمه - يعني يوسف - جلب أباه وأقاربه من البرية إلى أرض مصر، وتوفي بمصر في حدود سنة خمس وثلاثين وستمائة وألف قبل ميلاد عيسى ﵇ –.
وإنما اعتمدنا كلام ابن عاشور هذا؛ لأن من عادته ﵀ في مثل هذه الشئون الرجوع إلى العهد القديم أو العقد الجديد أو الأسفار الملحقة بهما وعدم اعتماد كلام الأخباريين وذلك ما يجعل ما يقرره فيها أوثق مما قرره غيره من جميع المفسرين بدون استثناء.
стр. 6691
ويعضد ما قاله ﵀ ما ضبطه ديورانت في قصه الحضارة. (المجلد ١، ٢/٦) ، من أن سيطرة الهكصوص على مصر كانت ما بين ١٨٠٠-١٦٠٠ قبل الميلاد ومن أن عهدهم كان عهد تدهور اقتصادي نقدي (انظر نفس المرجع، ص ٧٣ وما بعدها) ، فلم تكن نقودهم فضية خالصة أو ذهبًا خالصًا، وإنما كانت زيوفًا وفيها ما كان من نحاس وغيره، ولعل قوله في الآية: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ إشارة إلى أنهم لم يشتروه بعملة ذات بال، وأن الدراهم المعدودة هي في ذاتها ليست بذات قيمة، ولذلك جاء التعبير - والله أعلم بأسرار كتابه - ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ ولو كان الغرض من تبيان أن الثمن ليس مناسبًا هو قلة الدراهم التي بيع بها فحسب لأمكن الاقتصار على قوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ فكلمة " بخس " تعني أكثر من قلة الدراهم وباعتبار الظروف التي كانت سائدة في مصر يومئذ فرجح أنها تعني أن العملة التي بيع بها يوسف ﵇ ليست فضية، وأن كلمة " دراهم " في هذه الآية سيقت لدلالتها على غير النقد الفضي المزيف ما تعورف عليه حتى في اليونان نفسها أيام تدهورها الاقتصادي وهي صاحبة ابتكار عملة الدرهم من اعتبار الدرهم يعني العملة المتداولة أيا كانت مادتها، وليس بالضرورة العملة الفضية وما قلناه في الدرهم نقوله أيضًا في الدينار، فلم يكن الدينار أو الديناريوس عند الرومان خالصًا دائما العملة الذهبية الخالصة، فقد خضع لتقلبات العملة وتدهورها نتيجة لتدهورهم الاقتصادي حتى خلصت عملتهم إلى النحاس وعدم منها الذهب، ثم تدهور حجمها النحاسي تدهورًا مطردًا وإن لم تستمر تسميتها بالديناريوس، وإنما أخذت أسماء أخرى وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك في فصل " نشأة النقد وتطوره " كما سبقت فيه الإشارة إلى تدهور العملة عند غير الروم كفارس، بل والصين التي كانت المبتكرة الأولى للعملة الورقية لا كما وهم بعض متفقهة هذا العصر.
ولبيان أن العرب لم يتعارفوا على اعتبار الدرهم كلمة تعني العملة الفضية فحسب نورد ما قاله ابن منظور في (لسان العرب: ١٢/١٩٩) :
والدِّرهم والدَّرهم لغتان فارسي معرب ملحق ببناء كلامهم، ثم قال: ورجل مدرهم ولا فعل له كثير الدراهم حكاه أبو زيد ولم يقولوا: درهم، قال ابن جني: لكنه إذا وجد اسم مفعول فالفعل حاصل.
وواضح أن العرب لم يكونوا يتصورون تصورًا دقيقًا الماهية النقدية للدرهم أو لغيره من أن ابن منظور وهو الحريص على الإحاطة بكل ما عرف عن العرب في كل كلمة في معجمه لم ينقل عنهم إلا هذا القدر اليسير الذي لا يوضح بقدر ما يلبس.
стр. 6692
كما أن الفيروزأبادي لم يقل شيئا مذكورًا في قاموسه عن الدرهم والدينار على تحريه الدقة والتقصي ما استطاع بل إنه مثل ابن منظور التبس عليهما مصدر كلمة " الدينار " فزعما أنها كلمة فارسية وواضح أنهما زعما ذلك اعتمادًا على الرواية المنقولة إليهما وآية ذلك ما قالاه مما لا نرى عناء في نقله حول بنية كلمة " دينار " وطريقة تعريبها (انظر لسان العرب: ٤/٢٩٢) ، واشتقاقها وقد تواطأ الأخباريون العرب على القول بأن الدرهم والدينار من أصل فارسي وهو ما في " لسان العرب " و" القاموس المحيط " ويظهر أن هذا ناشئ من أن الفرس عرفوا العملتين معا عن طريق الإسكندر المقدوني أيام غزوه الأقطار الشرق وهيمنته على بعضها ولا مراء في أن الفرس عرفوا سك الدرهم والدينار وكانت أغلب مسكوكاته زيوفًا بيد أن العملتين لم تظهرًا في فارس إلا في عهد متأخر نسبيًّا كما أنه لا مراء في أن العملتين عرفهما العرب من الروم واليونان كما عرفوهما من الفرس ونرجح أن معرفتهم لهما من الروم واليونان أسبق من معرفتهم لهما من الفرس، كما نرجح أنهم عرفوا الزيوف في نفس الوقت الذي عرفوا فيه النقد الخالص أو بعد ذلك بقليل وهذا هو الذي يعنينا من هذا الاستطراد.
ويعضد ما ذهبنا إليه بحث قيم لجواد في كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: ٧/٤١٦- ٤١٩) ، عالج فيه تطور المالية والمال عند العرب وأطوار تعاملهم بالذهب والفضة وغيرهما نقتبس منه ما يلي:
والذهب والفضة هما مقياس الثراء عند الحضر، ويكون ذلك بحيازتهم سبائك من ذهب أو فضة أو مصوغات أو دنانير ودراهم.
ثم قال:
وكان الذهب والفضة مقياس الثراء عند الإنسان قبل أن تضرب النقود وتسك السكك بل بقي على ذلك حتى بعد ضرب النقود بسبب ندرة الدنانير وقلة الدراهم وتفضيل البعض الذهب على الدينار والفضة على الدرهم، لهذا نجد أهل الجاهلية يتعاملون بالذهب والفضة وزنا في تعيين الأسعار وفي شراء الحاجات وفي المهور مع وجود الدنانير والدراهم، بل بقي التعامل بهما في الإسلام أيضا.
стр. 6693
ثم قال:
ونظرًا لوجود أناس كانوا يتلاعبون في نوعية الذهب والفضة بغش المعدنين ومزج معادن خسيسة فيهما فقد ظهر أناس تخصصوا بفحص الذهب والفضة وبتعيين درجتهما من حيث الجودة والنقاوة وبتعيين سعر السبائك وما يباع منها وفقًا لذلك، ثم تخصص هؤلاء بدراسة النقود وتعيين درجة نقاوتها وتثبيت وزنها وذلك بوجود الغش فيها بالنسبة لذلك العهد فإذا اشتروا نقدًا أو باعوه أو صرفوه بنقد آخر فحصوه فحصًا دقيقًا وتأكدوا منه قبل الشراء أو التصرف لكي لا يكون مغشوشًا فصار هؤلاء هم صيارفة النقود وخبراء السكة في ذلك العهد، وقد كان الصيارفة يجلسون في باب (الهيكل) في القدس يبيعون ويشترون ويصرفون النقود وقد أشير إليهم في الإنجيل ووبخهم المسيح وقلب موائد صيرفتهم (أحال على إنجيل متى الإصحاح ٢١: الآية ١٢) ، وكانوا يصرفون الدنانير بالدراهم والدراهم بنقود نحاس والعملات الأجنبية بالعملة الرومانية الدارجة في فلسطين تمامًا كما يفعل صيارفة هذا اليوم في بلاد الشرق الأدنى.
ويظهر من الأناجيل أن أولئك الصيارفة كانوا يجلسون عند موائدهم التي يصرفون عليها النقود أما كبارهم أي الأغنياء منهم من أصحاب المال، فقد كانوا يتعاملون بالقروض يقرضون المال للمحتاج إليه في مقابل دفع فوائد عنها هي الربا وفي تشغيل أموالهم في مشاريع تعود عليهم بالأرباح.
وقد تاجر أهل الجاهلية في الصرف وهو بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة أو أحدهما بالآخر.
وبعد أن أشار إلى أقوال اللغويين في مصدر لفظ الصيرفي وما شاكله قال:
وقد جاءت لفظة الصرف والصيرفة في رأيي من الصرف أي الفضة فالصرف الفضة في لغة الجنوبيين.
ثم قال:
وذلك أنه كانوا يتعاملون بالفضة في الغالب كثرتها بالنسبة إلى الذهب حتى غلب اسمها على هذا التعامل، فقيل: الصرف والصيرفة والصراف وهو الذي يتعامل بالصرف فصارت كلمة " الصرف " التي تعني الفضة مرادفة للنقود، كما صارت لفظة " الفلوس " التي هي جمع " فلس " أصغر عملة من العمل وهي من النحاس مرادفة للنقود وهي العبرانية شبه لذلك فالنقود أي العملة هي في العبرانية الفضة وقد استعملها العبرانيون في معنى العملة؛ لأنهم كانوا يتعاملون بها في حياتهم اليومية، فكانت مشترياتهم وأجورهم ومعاملاتهم بالفضة وبالعملة المعمولة منها حتى صارت في معنى النقود.
ومن تعامل الصيارفة شراء الدنانير بالدراهم والدراهم بالدنانير أن يساوم رجل رجلًا على بيع دينار بدراهم فيتراوض الطرفان على ذلك ويتساوما حتى يتفقا على عدد ما يدفع من الدراهم وذلك لاختلاف نوع الدراهم وأوزانها وجودة فضيتها، ويكون العكس بأن يبيع شخص دراهم في مقابل دنانير وقد يتبايعون على بيع الذهب بالذهب مضروبًا كان أو غير مضروب، أو بيع الفضة بالفضة وكانوا يتلاعبون في تصريف النقود ويتحكمون في أسعار صرفها لاحتكارهم الصرافة في الأسواق ويربحون خاصة من تصريف العملة الأجنبية بالعملة الرائجة في السوق.
стр. 6694
وقد عرف الصراف بالحيلة والخداع والغش في الصرف، ولهذا السبب لعنوا في الأناجيل وقلب المسيح موائد صيرفتهم والصيرفي المحتال المتصرف في الأمور والمجرب لها كالصيرف.
ثم قال:
ومن مصطلحات الصيارفة المذكورة في كتب اللغة الشوقل يقال: شوقل الدينار إذا عايره وصححه ووزنه واستعملوا الشاقل أيضا في المعايير ويظهر من مراجعة كتب اللغة أن علماء اللغة لم يكونوا على علم واضح بأصل لفظة " شقل " فاكتفوا بقولهم: شقل الدينار ووزنه. وترد هذه اللفظة في " الأرمية " كذلك بمعنى الوزن أو وزن الدنانير والدراهم، وترد بهذا المعنى أيضا في العبرانية وقد أخذ هذا الوزن من الأوزان البابلية وقد كانت الأوزان البابلية أساسًا لجميع الأوزان التي استعملت في الشرق الأدنى، بل وفي أوروبا أيضا و" الشقل " هو جزء من ستين جزءًا من (المن) (Mann) فمن هذا الوزن ورد اصطلاح شقل وشوقل بمعنى وزن العملة بالميزان في لغات أهل الشرق الأدنى لأنهم كانوا يصححون العملة ويعايرونها بوزنها بالميزان لتظهر صحة وزنها فيتبين به الزائف منها من الصحيح.
وقد برع قوم من (الصيارفة) بتنقاد الدراهم أي بتمييز الدراهم وإخراج الزائف منها، وقد برع في ذلك نفر من أهل مكة؛ لأنهم تجار يتعاملون في الأسواق ويتعاطون الربا والصيرفة وتبديل العملة.
وكان اليهود من الصيارفة يتعاملون ببيع الذهب والفضة وتبديل النقود والربا (١) .
وإتمام للفائدة ننقل عن ابن منظور ما قاله في (لسان العرب: ٩/١٩٠، ١٩١) ، عن دلالة كلمة " الصرف " ومشتقاتها على الفضة وعلى أنماط التعامل بالنقدين:
والصرف فضل الدرهم والدينار على الدينار؛ لأن كل واحد منهما يصرف عن قيمة صاحبه والصرف بيع الذهب بالفضة وهو من ذلك؛ لأنه ينصرف به من جوهر إلى جوهر والتصريف في جميع البياعات إنفاق الدراهم والصراف والصيرف والصيرفي النقاد من المصارفة وهو من التصرف والجمع صيارف والهاء للنسبة.
стр. 6695
ثم قال:
ويقال: أصرفت الدراهم بالدنانير وبين الدرهمين صرف أي فضل لجودة فضة أحدهما ورجل صيرف متصرف في الأمور. ثم قال أبو الهيثم: الصيرف والصيرفي المحتال المتقلب في الأمور المجرب لها. ثم قال: والصرف التقلب والحيلة يقال: فلان يصرف ويتصرف ويصطرف لعياله أي يكتسب لهم وقولهم: لا يقبل الله صرفًا ولا عدلًا الصرف الحيلة ومنه التصرف في الأمور يقال: إنه يتصرف في الأمور وصرفت الرجل في أمري تصريفًا فتصرف فيه واصطرف في طلب الكسب ثم قال: والعدل الفداء ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ [الآية ٧٠ من سورة الأنعام] ، وقيل: الصرف المتطوع والعدل، وقيل: الصرف التوبة والعدل الفدية، وقيل: الصرف الوزن والعدل الكيل، وقيل: الصرف القيمة والعدل المثل وأصله في الفدية، يقال: لم يقبلوا منهم صرفًا ولا عدلًا أي لم يأخذوا منهم دية ولم يقتلوا بقتيلهم رجلًا واحدًا.
ثم قال: وفي حديث أبي إدريس الخولاني أنه قال: من طلب صرف الحديث يبتغي به إقبال وجوه الناس إليه أخذ من صرف الدراهم والصرف الفضل، ويقال: لهذا صرف على هذا أي فضل، قال ابن الأثير: أراد بصرف الحديث ما يتكلف الإنسان من الزيادة فيه على قدر الحاجة وإنما كره لما يدخله من الرياء والتصنع ولما يخالطه من الكذب والتزيد والحديث مرفوع من رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه سلم في سنن أبي داود (١) ، ويقال: فلان لا يحسن صرف الكلام أي فضل بعضه على بعض وهو من صرف الدراهم (ابن الأثير، النهاية: ٣/٢٤) ، وقيل: لمن يميز صيرف وصيرفي وصرف لأهله واصطرف كسب وطلب واحتال، عن اللحياني.
وتحرير كلمات " الدرهم " و " الدينار " و" الصرف " يصير بنا تلقائيًّا إلى لبس آخر أصاب متفقهة التقليد القدماء والتقطه منهم بعض متفقهة العصر من المشبوهين والمشتبه عليهم وهو يمثل الشبهة الخامسة التي تعلقوا بها بعضهم عن قصور وآخرون عن تقصير وهي عدم تحريم لدلالات كلمة " دين " وخلطهم نتيجة لذلك في الاستنباط منها.
стр. 6696
ومن الطريف الذي يعكس مدى ضلالة المقلدين وانحرافهم في الفهم وتعصبهم في التقليد أن بعضهم جبهته كلمة " عينا بعين " في حديث عبادة وابن عمر وغيرهما في الصرف - انظر فصل " من أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف " - فيما كان ينتصر لرأي إمامه في تعليل حرمة الربا في النقدين، فعز عليه أن يتقبلها بمعناها اللغوي المتعارف عليه في كثير من أبواب الفقه الإسلامي نفسه من إطلاق العين على الذهب والفضة فتأولها إلى أن المراد بها تعيين طريقة التقابض وهو صحة التقابض بالإشارة بالعين إشارة تدل على القبول بتبادلها المتصارفان وهو تأويل يكفي بنفسه للدلالة المضحكة المؤلمة على ما يدفع عليه التعصب المذهبي والإصرار على التقليد ومحاولة تسخير النصوص الشرعية لخدمتها من الغرائب والأعاجيب.
وجاء متفقهة هذا العصر - وأغلبهم لا يكلف نفسه مهمة الرجوع إلى فقه اللغة وهو يتأمل الكلمات في النصوص الشرعية - فلم يفكروا في أن كلمة " عينا بعين " لها دلالة إن خفيت على بعض المتفقهة المقلدين القدماء، فما كان ينبغي أن تخفى على ما ينتسب إلى الفقه من المعاصرين، وذلك بأنها تعني ماهية الشيء من بين ما تعنيه كلمة " عين " من معانيها المختلفة إذ هي كلمة مشتركة والذي يصرفها إلى معنى من معانيها القرينة بمختلف أنواعها وهي في الذهب والفضة وفي الحديث الشريف بالذات لها معنى خاصًّا مقصودًا لذاته كان النقدان في العصر النبوي لهما ماهية مزدوجة هي الذات والاعتبار أو بالأحرى المادة والوظيفة، ولذلك جاء في الحديث الشريف: " مثلًا بمثل وزنًا بوزن عينًا بعين "، فتعني المثلية الوحدة النوعية من حيث درجة الصفاء وشكل المادة بياضًا أو سوادًا أو حمرة أو صفرة وتعني كلمة " الوزن " التماثل في الوزن وعدم رجحان أحد الذهبين أو الفضتين عند المبادلة أما كلمة " العين " فتعني - والله ورسوله أعلم بأسرار التشريع - الطبيعة النقدية للمسكوك من الذهب أو الفضة من حظر بيع الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين وإن مناجزة، فالعينية في حديث عبادة وابن عمر وغيرهما نص صريح على تماثل القطع النقدية المسكوكة عند التبادل.
سيقولون: وما جدوى تبادل قطعتين متماثلتين من نقد واحد وجوابنا أن هذا النوع من التبادل يحدث - حسب ما نتصور - إذا كان تاجر مسافر إلى الشام مثلًا حيث ينحصر أو يفضل التعامل بالدينار البيزنطي ولديه دنانير غير بيزنطية فارسية أو يونانية مثلًا، فأراد أن يستبدلها بالبيزنطية وهنا تتعين العينية أكثر مما يتعين الوزن أو التماثل من حيث النقاوة والخلوص؛ لأن الطرفين يتعاملان في هذه الحال بالنقدين أو أحدهما اعتبارًا للوظيفة النقدية وليس اعتبارًا لمادة السكة المراد تبادلهما.
стр. 6697
وإذا أمكن التماس العذر للفقهاء الأقدمين، إذا لم يكونوا قد تصوروا انفصال الماهية أو الوظيفة النقدية عن ذات العملة أو مادتها؛ إذ كانت النقدية في الغالب لعهودهم مزدوجة لم ينفصل فيها النقد الاعتباري عن مادة العملة نتيجة تواضعهم على اعتبار النقد أساسًا هو المسبوك أو الموزون من الذهب أو الفضة فإنا لا نعرف عذرًا لمتفقهة المعاصرين إذا لم يتصوروا هذا الانفصال، وقد اختفى اعتبار مادة العملة في تقدير النقدية وحل محلها اعتبار الوظيفة النقدية وحدها وعدم تصورهم لهذا الواقع المعاش وهم يمارسون ساعة بعد أخرى هو الذي ألبس عليهم معنى كلمة " عينا بعين " في الحديث الشريف وما نراها إلا من اللفظ النبوي الشريف ومن إعجاز السنة النبوية فقد جرت على لسانه ﷺ ، وإن لم تكن دلالاتها واضحة في عهده لتقطع السبيل على من قد يحاولون ابتغاء الذرائع إلى تعطيل أحكام الشريعة في المعاملات المالية فهي تعبير عن استقلال الوظيفة النقدية عن مادة العملة بدليل أنها عطفت على الوزنية والمثلية وما كان عطفها مجرد تكرار بصيغ مترادفة وحاشا أن يكون كلام رسول الله ﵇ شيئا يشبه اللغو.
ولبيان أصالة معرفة العرب لدلالة كلمة عين على النقدين كما كانوا يتصورونهما في ذلك العهد نسوق ما قاله ابن منظور في (لسان العرب: ١٣/٣٠٥ن ٣٠٦) .
والعين الذهب عامة، قال سيبويه: وقالوا عليه مائة عينًا، ثم قال الأزهري: والعين الدينار، والعين في الميزان الميل هو أن ترجح إحدى كفتيه عن الأخرى وهي أنثى، قال: ما في الميزان عين، والعرب تقول: في هذا الميزان عين أي ميل قليل أو لم يكن مستويا، ويقول: هذا دينار عين إذا كان ميالًا أرجح بمقدار ما يميل به لسان الميزان قال الأزهري: وعين سبعة دنانير نصف دانق والعين عند العرب حقيقة الشيء، ويقال: جاء بالأمر من عين صافية أي من فصه وحقيقته وجاء بالحق بعينه أي خالصًا واضحًا وعين كل شيء خياره وعين المتاع والمال وعينته خياره وقد اعتانه وخرج في عينة ثيابه أي خيارها، قال الجوهري: وعينة المال خياره مثل العينة، وهذا ثوب عينة إذا كان حسنا في مرآة العين واعتان فلان الشيء إذا أخذ عينته وخياره والعينة خيار الشيء جمعها عين. قال الراجز:
فآعتان منها عينة فاختارها
حتى يشتري بعينه خيارها
стр. 6698
ثم قال: وعين الشيء نفسه وشخصه وأصله والجمع أعيان وعين كل شيء نفسه وحاضره وشاهده، وفي الحديث: أوه عين الربا أي ذاته ونفسه، ويقال: هو هو عينًا وهو هو بعينه، وهذه أعيان دراهمك ودراهمك بأعيانها.
ثم قال: ويقال: لا أقبل إلا درهمي بعينه.
وهذا الذي نقلنا عن ابن منظور يقطع كل سبيل على كل من يريدون أن يصلوا إلى هدفهم من تحليل بعض أنواع الربا اعتمادًا على أن النقد المتداول الآن في جميع الأقطار لم يعد ذهبًا ولا فضة، وإنما هو ورق أو ما يشبه الورق في كونه غير ذي قيمة لذاته، لحجة أن المنصوص على تحريم فيه هو الذهب والفضة، وأن النقد الورقي وما شاكله لا يشمله النص فهو خاضع للاجتهاد ولاعتبارت المصلحة المرسلة أو مقتضيات رفع الضرورة واجتناب الحرج؛ إذ إن كلمة " عينًا بعين " تعني شيئا غير الطبيعة الذاتية للمسكوكات من الذهب والفضة هو الطبيعة الوظيفية لها وهذه الطبيعة الوظيفية انتقلت منها إلى النقد المتداول في العصر الحاضر وحتى إلى ما كان متداولًا في عصور سالفة من أنواع الفلوس.
واعتبار كلمة " عينًا بعين: في الحديث الشريف نصًّا في تحريم الربا في النقود أيا كانت مادتها يقضي على رغم القائلين كون الذهب والفضة أثمانًا للمبيعات وقيمًا للمتلفات لا يصلح اعتباره علة لتحريم الربا فيهما؛ لأنها علة قاصرة لا تتجاوزهما إلى غيرهما ولذلك فعلة تحريم الربا فيهما هو كونهما من الموزونات.
ذلك بأن اعتبار العينية في الحديث الشريف تعني الطبيعة الوظيفية للنقد يجعل من هذه العلة في الجانب النقدي من الذهب والفضة على الأقل علة غير قاصرة، ويعضد ذلك أن مناط تحريم الربا في جميع الربويات هو منع الظلم؛ إذ جاء في آيات سورة البقرة: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ، وجاء في سورة النساء في معرض التنديد باليهود وبيان أسباب العقاب الذي أنزله الله بهم قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [الآيتان ١٦٠، و ١٦١] وفي هذه الآيات مضافا إليها تحريم أكل أموال الناس بالباطل في عدة آيات أخرى دليل على أن لتحريم الربا في الأشياء الربوية ما كان منها منصوصًا عليه، وما كان مقاسًا عليها مناطا جامعا منصوصا عليه نصًّا صريحًا، فهو أقوى من العلة المستنبطة استنباطًا ظنيًّا وهذا يعنى أن انطباق هذا المناط على كل معاملة في شيء من الأشياء يشبه في وظيفته أحد الأجناس الربوية المنصوص عليها ينهض دليلًا على شمول التحريم لها باعتبار أن الأشياء المنصوص عليها لا يعتبر النص عليها حصرًا خاصًّا بها دون غيرها وإنما كان النص عليها؛ لأنها يومئذ هي أساس الحياة العامة والخاصة للإنسان من حيث الاقتيات واقتناء ما يحتاج إليه من الأشياء غير المقتات بها وعلى هذا الاعتبار يتجلى أن تحريم الربا أريد به منع حرمان الناس من جميع أنواع الاستغلال الذي قد يسلطه بعضهم على بعض لما فيها جميعًا من المفسدة الشاملة الراجحة على كل مصلحة قد تتراءى للبعض خاصة كانت أو عامة معارضة لها.
стр. 6699
وهنا ينتهي بنا المسار إلى الشبهة السادسة التي تعلق بها تحليل الربا في هذا العصر وهي شبهة المصلحة العامة بزعمهم التي تضطر المسلمين إلى التعامل مع المؤسسات الربوية؛ لأن طبيعة التنمية التي تفتقر إليها الأمة الإسلامية تبرز ضرورة البحث عن المال اللازم لها كما تبرز أن المصلحة العامة للمسلمين استنادًا إلى هذا الضرورة تبيح ما حرمه الشرع من ربا الفضل إذا لم يتأت اعتبار النقد المتداول في العصر الحاضر قد انفصمت علائقه تقريبا مع الذهب والفضة خارجًا عن نطاق التحريم المنصوص عليه في القرآن الكريم والحديث الشريف؛ لأن النقد الورقي لم تعد له أية علاقة بالذهب والفضة.
وهذه الشبهة تتفرع إلى فرعين الأول مسألة الضرورة وتوسعهم فيها حتى شملت ما يعتبره الشرع من الحاجات بل وتجاوزتها إلى ما يعتبره من التحسينات والضرورة التي تبيح المحظورات هي تلك التي يكون بها الإنسان على شفا الهلاك والموت على أنهم اختلفوا في هذه هل ينحصر أثرها في إباحة الحد الأدنى مما ينجيه من الهلاك المحقق أن يتوسعوا شيئا فيرخص له فيما يؤمنه من الوقوع في هلاك مماثل إلى أن يتيسر له الأمن المطلق من الهلاك مثال ذلك المضطر إلى أكل الميتة أو لحم الخنزير لإنقاذ نفسه من الموت جوعًا، هل تنحصر إباحة الأكل له في الحد الأدنى ما ينقذه من الموت جوعًا أو يجوز له أن يشبع أو يجوز له أيضا أن يصحب معه أو يدخر ما يأمن به خطر الوقوع في مثل ذلك الجوع الذي أشرف به على الموت إلى أن يدرك مأمنه بأن يبلغ الأماكن المأهولة وما شاكل ذلك.
وجلي أنه لا سبيل إلى دعوى أن مثل هذه الضرورة هي التي تحمل على الالتجاء إلى الربا، فما من مؤسسة يمكن أن تقرض أحدًا على مثل هذه الحال من الفقر وليس له أي ضمان فضلًا عن أن له الحق في أن يقاتل وأن يقتل من يمنعه البلغة ليحصل على ما ينقذ حياته، وقد سبق أن ألمحنا إلى ذلك.
ثم إنه لا سبيل إلى الدعوى بأن حالة الضعف الاقتصادي التي تسم أغلب الشعوب الإسلامية يمكن اعتبارها هذا النوع من الضرورات إذ إنه ما من شعب من هذه الشعوب اكتفى بالحد الأدنى من أسباب المعيشة ولم يتطلع إلى ما فوق ذلك من ألوان الترف والبذخ والرفاهة، يمكن أن يفقد الوسيلة ليس إلى ضمان استمراره حيًّا فحسب بل إلى تحقيق نوع من النماء قد لا يكون سريعًا، بيد أنه يمكن أن يكون متصلًا مطردًا وآية ذلك أن الاتحاد السوفياتي استطاع أن يصبح قوة عظمى رغم حصار دام أكثر من جيل كامل أطبقه عليه خصوم نظامه فاضطر إلى الاعتماد على نفسه واستطاع أن يضمن لشعوبه الاكتفاء الذاتي، وإن كان مع حرمان بدأ شديد القسوة ثم أخذ ينفرج تدريجيًّا من وسائل الرفاه والنعيم.
ولو أن جميع الشعوب الإسلامية الفقيرة أخذت بمبدأ عدم الالتجاء إلى الغير والاعتماد على النفس والاستفادة من كل ما تيسر لها ذاتيًّا من إمكانات طبيعية وبشرية، ولاستطاعت أن تضمن لنفسها البقاء والنماء والنجاة من هذه الديون المتضخمة مع الأيام والناتجة عن التعامل مع الأمم الأخرى بالطرق الربوية.
стр. 6700
أما دعوى المصلحة العامة المتمثلة في وجوب لحاق الأمة الإسلامية بالأمم الأخرى في موكب الحضارة والقوة بإنها قائمة على مغالطة صحيح أن المسلمين مأمورون بأن يبذلوا غاية الجهد في أن لا يكونوا أضعف من غيرهم إن لم يكونوا أقوى وذلك حفظًا لهيبة الأمة الإسلامية وتشخيصًا لعزتها، بيد أن هذا الأمر ينحصر في إيجاب اعتمادها على إمكاناتها الذاتية أو ما تيسر لها من طرق مشروعة غير مفضية إلى مفسدة، ولا يتجاوز ذلك إلى تعطيل حكم شرعي مقطوع به مثل حكم الربا أو التحايل عليه والانحراف في ابتغاء التأويلات المتحملة له؛ لأنه ما من اعتبار - غير الضرورة في النطاق الذي أوضحناه آنفًا وما شاكله - يمكن أن يكون له أي تأثير على النصوص القطعية والظنية وما ورد فيها من أحكام وما جاءت به من تشريع.
على أن المصلحة التي يحاول البعض أن يتشبثوا بها لا تعدو أن تكون كأداة يمكن للمجتهد اللجوء إليها قاعدة ظنية، ومع أن الأيمة الأول لم يتفقوا على اعتماد هذه القاعدة فإن جمهورهم اعتمدها، وإن كان مالك ﵀ هو الذي أطلق عليها لفظ المصلحة المرسلة ولبيان حدودها والمجالات التي يمكن اللجوء فيها إليها والضوابط التي يجب اعتبارها عند اللجوء إليها ننقل عن الشاطبي ﵀ وهو أفقه الناس فيها - هذه الفقرات.
قال ﵀ في (الموافقات: ٢/٢٥) ، وما بعدها:
المصالح المبتوتة في هذه الدار ينظر فيها من جهتين من جهة مواقع الوجود ومن جهة تعلق الخطاب الشرعي.
فأما النظر الأول فإن المصالح الدنيوية - من حيث هي موجودة هنا - لا يتخلص كونها مصالح محضة وأعني بالمصالح ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان وتمام عيشه ونيله ما تقضيه أوصافه الشهوانية والعقلية على الإطلاق حتى يكون منعمًا على الإطلاق وهذا في مجرد الاعتياد لا يكون؛ لأن تلك المصالح مشوبة بتكاليف ومشاق قلت أو كثرت تقترن بها أو تسبقها أو تلحقها كالأكل والشرب واللبس والسكنى والركوب والنكاح وغير ذلك فإن هذه الأمور لا تنال إلا بكد وتعب.
كما أن المفاسد الدنيوية ليست مفاسد محضة من حيث مواقع الوجود إذ ما من مفسدة تفرض في العادة الجارية إلا ويقترن بها أو يسبقها أو يتبعها من الرفق واللطف ونيل اللذات كثيرًا.
ثم قال: فإذا كان كذلك، فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب، فإذا كان الغالب جهة المصلحة فهي المصلحة المفهومة عرفًا، وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عرفًا، ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبًا إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت المصلحة فمطلوب، ويقال فيه: إنه مصلحة وإذا غلبت جهة المفسدة فمهرب عنه، ويقال: إنه مفسدة - على ما جرت به العادات في مثله - فإن خرج من مقتضى العادات فله نسبة أخرى وقسمة غير هذه القسمة.
стр. 6701
ثم قال: وأما النظر الثاني فيها من حيث تعلق الخطاب شرعًا، فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد فهي المقصودة شرعًا.
ثم قال: وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد فرفعها هو المقصود شرعًا ولأجله وقع النهي ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان العادي في مثلها حسب ما يشهد له كل سليم فإن تبعتها مصلحة أو لذة، فليست هي المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل بل المقصود ما غلب في المحل وما سوى ذلك ملغى في مقتضى النهي، كما كانت جهة المفسدة ملغاة في جهة الأمر.
فالحاصل من ذلك أن المصالح المعتبرة شرعًا والمفاسد المعتبرة شرعًا هي خالصة غير مشوبة بشيء، من المفاسد لا قليلًا ولا كثيرًا، وإن توهم أنها مشوبة فليست في الحقيقة الشرعية كذلك لأن المصلحة المغلوبة أو المفسدة المغلوبة، إنما المراد بها ما يجري في الاعتياد الكسبي من غير خروج إلى زيادة تقتضي التفات الشارع إليها على الجملة، وهذا المقدار - يعني الخارج الزائد عن حالة الاعتبار الكسبي - هو الذي قيل: إنه غير مقصود الشارع في شرعية اعتبار الأحكام.
ثم قال: إذا ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية وذلك على وجه لا يختل لها به نظام لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات؛ فإنها لو كانت موضوعة بحيث يمكن أن يختل نظامها أو تخل أحكامها لم يكن التشريع موضوعًا لها إذا ليس كونها مصالح إذ ذاك بأولى من كونها مفاسد لكن الشارع قصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق، فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديًّا وكليًّا وهذا في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال.
ثم قال: المصالح المجتلبة شرعًا والمفاسد المستدفعة، إنما تعبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية.
ثم قال: وإذا ثبت هذا تبنى عليه قواعد منها، أن لا يستمر إطلاق القول بأن الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع كما قرره الفخر الرازي إذ لا يكاد يوجد انتفاع حقيقي ولا ضرر حقيقي وإنما عامتها أن تكون إضافية.
стр. 6702
ثم قال: ومنها أن بعض الناس، قال: إن مصالح الدار الآخرة ومفاسدها لا تعرف إلا بالشرع، وأما الدنيوية فتعرف بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرة، قال: ومن أراد أن يعرف المناسبات في المصالح والمفاسد راجحها من مرجوحها فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشارع لم يرد به، ثم يبني عليه الأحكام فلا يكاد حكم منها يخرج من ذلك إلا التعبديات التي لم يوقف على مصالحها أو مفاسدها، هذا قوله وفيه بحسب ما تقدم نظر، أما أن ما يتعلق بالآخرة لا يعرف إلا بالشرع، فكما قال، وأما ما قال في الدنيوية فليس كما قال من كل وجه بل ذلك من بعض الوجوه دون بعض، وذلك لما جاء الشرع بعد زمان فترة تبين به ما كان عليه أهل الفترة من انحراف الأحوال عن الاستقامة وخروجهم عن مقتضى العدل في الأحكام، ولو كان الأمر على ما قال بإطلاق لم يحتج في الشرع إلا إلى بث المصالح في الدار الآخرة خاصة وذلك لم يكن إنما جاء بما يقيم أمر الدنيا وأمر الآخرة معًا، وإن كان قصده إقامة الدنيا للآخرة فليس بخارج عن كونه قاصدًا لإقامة مصالح الدنيا حتى يتأتى فيها سلوك طريق الآخرة.
ثم قال: مقاصد الشارع في بث المصالح في التشريع أن تكون مطلقة عامة لا تخص بباب دون باب ولا بمحل دون محل، ولا لمحل وفاق دون محل خلاف. وبالجملة الأمر في المصالح مطرد مطلقًا في كليات الشريعة وجزئياتها.
ثم قال: كما أنه إذا ثبت قاعدة كلية في الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات فلا ترفعها آحاد الجزئيات كذلك نقول: إذا ثبت في الشريعة قاعدة كلية في هذه الثلاثة أو في آحادها فلا بد من المحافظة عليها بالنسبة إلى ما يقوم به الكلي وذلك الجزئيات فالجزئيات مقصودة معتبرة في إقامة الكلي، ألا يتخلف الكلي فتتخلف مصلحته المقصودة بالتشريع.
ثم قال (نفس المرجع: ص ٣١٦٩) .
... يقول كثير من العلماء: إن النهي يقتضي الفساد بإطلاق، علمت مفسدة النهي أم لا، انتفى السبب الذي لأجله نهي عن العمل أو لا، وقوفًا مع نهي الناهي؛ لأنه حقه والانتهاء هو القصد الشرعي في النهي، فإذا لم يحصل فالعمل باطل بإطلاق فقد ثبت أن كل تكليف لا يخلو من التعبد وإذا لم يخل فهو مما يفتقر إلى نية كالطهارة وسائر العبادات.
إلا أن التكاليف التي فيها حق العبد منها ما يصح بدون نية وهي التي فهمنا من الشارع فيها تغليب جانب العبد كرد الودائع والمغصوب والنفقات الواجبة ومنها ما لا يصح إلا بنية وذلك ما فهمنا فيه تغليب حق الله، كالزكاة والذبائح والصيد.
وقد أبدع محمد سعيد رمضان البوطي، وأجاد كما لم يجد كثير من المعنيين بأسرار الشريعة الموفقين من السلف فضلًا عن المعاصرين في ضبط مجال المصلحة ومسوغات الالتجاء إليها في كتابه (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية: ص ٦١، ٦٢) ومن روائعه قوله:
... لا يجوز بناء حكم على مصلحة إذا كان في ذلك مخالفة نص كتاب أو سنة أو قياس تم الدليل على صحته أو إجماع إلا إجماعًا تأسس أمره على مصلحة دنيوية غير ثابتة، فيجوز أن يتغير حينئذ ذلك الإجماع بمثله إذا تغيرت المصلحة وقامت مصلحة غيرها مثل ذلك ما لو أجمع المسلمون في وقت ما على ضرورة قتل الأسرى أو استرقاقهم نظرًا تستدعي ذلك كالمعاملة بالمثل، ثم أجمعوا في وقت آخر على خلاف ذلك نظرًا لزوال الحالة السابقة، ومثاله أيضا ما لو أجمع المسلمون في عصر ما على عقد الصلح بينهم وبين الكافرين لمصلحة تستدعي ذلك، ثم رأى من بعدهم وأجمعوا على عدم الصلح لزوال تلك المصلحة غير أن مثل هذه الأحكام قائمة على أساس ما يعبر عنه بحق الإمامة.
стр. 6703
ثم حصر ضوابط المصلحة في خمسة ضوابط: ص:١١٨،٣٢١. فقال:
الضابط الأول: اندماجها في مقاصد الشارع، الضابط الثاني: عدم معارضتها للكتاب، الضابط الثالث: عدم معارضتها للسنة، الضابط الرابع: عدم معارضتها للقياس، الضابط الخامس: عدم تفويتها مصلحة أهم منها.
ثم انتهى إلى دحض إحدى شبه كثيرًا ما تعلق بها من يحاولون التحلل من أحكام الشريعة الإسلامية وهي شبهة (المشقة تجلب التيسير أو رفع الحرج عن العباد فيما شرع لهم) وهذه هي الشبهة السابعة التي تعلق بها دعاة إباحة الربا فقال - حفظه الله - ص ٢٧٦، ٢٧٧:
المشقة تجلب التيسير وهي إحدى القواعد الخمس المعروفة: " الأمور بمقاصدها "، " اليقين لا يزول بالشك "، " المشقة تجلب التيسير "، " الضرر يزال "، " العادة محكمة " التي قال الفقهاء: إن جميع مسائل الفقه راجع إليها ومصدرها في الاعتبار، قوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [الآية ١٨٥ من سورة البقرة] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الآية ٧٨ من سورة الحج] ، وقوله ﷺ : ((بعثت بالحنيفية السمحة)) (١) ، وأحاديث أخرى كثيرة وردت بهذا المعنى.
ومعناها أن المشقة التي قد يجدها المكلف في تنفيذ الحكم الشرعي سبب شرعي صحيح للتخفيف منه بوجه ما ولكن لا ينبغي أن نفهم هذه القاعدة على وجه يتناقض مع الضوابط التي ذكرناها للمصلحة المعتبرة فلا بد للتخفيف أن لا يكون مخالفا لكتاب ولا سنة ولا قياس صحيح ولا مصلحة راجحة، وبيان ذلك أن جملة المصالح الشرعية تنقسم إلى قسمين: إحداهما مصالح نص على حكمها الكتاب أو السنة كالعبادات والعقود والمعاملات، والثاني مصالح عرفت بالاجتهاد والقياس كتلك المصالح التي تجد بتطور الزمن والأحقاب.
стр. 6704
فالأول لم يقتصر نص الشارع فيه على العزائم فقط بل ما من حكم من أحكام العبادات والمعاملات إلا وشرع إلى جانبه سبل التيسير فيه.
ثم ساق أمثلة لما شرع الله من التيسير، فيما قد يكون فيه بعض المشقة على بعض الناس من العبادات وغيرها.
وفيما يتصل بالمعاملات، قال: وحرم الربا وشرع الترخيص فيما يشق الاحتزاز منه من ذلك كالعرايا وحرم عقود الغرر وأرخص فيما يعسر التخلص منه كالسلم والإجارة والبيع في الذمة وحرم أخذ مال الغير وأرخص للمضطر أخذ قدر ضرورته منه.
قلت: لكن يبدو أن الدكتور البوطي غفل كما غفل كثير غيره عن مدلول كلمة الحرج في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الآية ٧٨ من سورة الحج] ، وهي من الآيات التي استدل بها وكذلك في قوله تعالى في آيه الوضوء: [الآية ٦ من سورة المائدة] ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، وعن مدلول كلمة اليسر والعسر في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [الآية ١٨٥ من سورة البقرة] ، ومن عجب أن جمهرة المفسرين والأصوليين وقفوا عند ظاهر اللفظ من العسر واليسر والحرج في القرآن والحديث وقفة كثيرًا ما أحرجتهم فذهبوا يلتمسون المنافذ من حرجها، ولو أنهم تجاوزوا بتدبرهم لمعاني هذه الكلمات ظواهرها المتبادرة إلى الأفهام إلى ما يدل عليه السياق ويقتضيه المناط لما شعروا بالحاجة إلى منافذ من حرج موقفهم؛ لأنهم ما كانوا ليجدوا حرجًا.
ونبدأ بكلمتي اليسر والعسر، فما من شك ولا سبيل إلى المراء في أن في الصوم مشقة قل من لا يجد من الناس، وقد اعتبرها الشارع الحكيم الخبير فرخص للمريض والمسافر والمطيق.
- أى من تبلغ مشقة الصيام عليه حدًّا يتجاوز الاستطاعة المعتادة - أن يفرطوا على أن يعوض المريض والمسافر عن الأيام التي أفطرها بصيام مثلها عددًا بعد زوال علة الترخيص في الإفطار من المرض أو السفر وأن يعوض المطيق - إذ لا أمل في أن يستطيع الصوم يومًا ما؛ لأن إطاقته من الكبر وليس من المرض أو السفر - بإطعام مسكين عوضًا عن كل يوم يفطر فيه، وفي ما عدا هذه الحالات - والحيض والنفاس في حكمها - فاليسر الذي يريد الله بشرع الصيام - والله أعلم بأسرار كتابه - هو المناط من شرعه المتمثل فيما يعود به الصيام على الصائم من منافع مادية وروحية مثل آثاره في تقويم الصحة وفي تهذيب الأخلاق وفي صقل القلوب والأرواح فضلًا عما يستحقه الصائم في الآخرة من الأجر ورضوان الله، والعسر المرفوع بتشريع الصيام هو في حقيقته الحرمان من هذه العوائد التي يعود بها على الصائمين، فالآية الكريمة التي جاءت في آخر آيات فرض الصيام وقبل آية الندب إلى الدعاء وضعها الله في موضع يضبط سياقها بما قبلها وبما بعدها ما تنطوي عليه من بيان حكمة الله ولطفه بما شرعه وأوجبه على عباده المسلمين فهو بشريعته يريد بهم اليسر الذي يهيء لهم الخير في الدنيا والآخرة ولا يريد بهم العسر، وإن بدا لهم في شيء منه بعض المشقة؛ لأن ذلك الذي بدا لهم فحسبوه عسرًا إنما هو باعتبار ما ينتج عنه يسر؛ لأنه سبيل إلى اليسر ووسيلة للحصول عليه.
стр. 6705
أما الحرج الوارد ذكره في آيتي سورتي المائدة والحج، فقد جاء التباس معناه على جمهرة المفسرين والأصوليين والفقهاء من اعتبارهم كلمة "من" صلة زائدة أو ما إلى ذلك على حين أنها لما يسميه ابن هشام في (المغني: ص١٢٤) ، "التنصيص على العموم"، و"توكيد العموم"، وهما معنيان من معاني من فصل بينهما ابن هشام ولعل الفصل بينهما لا مسوغ له عند التأمل والتحرير فَـ "من" في هاتين الآيتين تنص مؤكدة على نفي عموم الحرج وما من شك ولا سبيل إلى المرء في أن إيجاب الوضوء على من يريد الصلاة وفي أن الصلاة نفسها بشعائرها وطقوسها، وفي أن الجهاد لما فيه من مخاطرة بالروح والمال فضلًا عما يلبسه من عنت ووهن لا يخلو من بعض المضايقة لمن لم يبلغ من الإيمان درجة الشعور بالابتهاج والسعادة عند أداء الشعائر الدينية وخاصة عند الصلاة التي هي الفرصة المهيأة للمؤمن لأن ينعم بمناجاة الله وهذه درجة قل من يبلغها من صفوة المؤمنين فضلًا عن عامتهم؛ ولذلك جاء تعليل فرض الوضوء بعد قوله : ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، صريحًا بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ، ثم طولب المؤمن ليس بعدم استشعار الحرج من الوضوء فحسب ولكن بإدراك ما فيه من النعمة والتعبير عنه بشكر الله، وذلك بقوله تعالى في آخر الآية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . أما في آية سورة الحج فكان سر نفي الحرج عن تشريع الصلاة والجهاد فيها أدق وأبعد عن الأفهام العادية إلا تلك التي رزقها الله من قوة الإيمان ما يهيئ استشراف ألطافه الخفية ولذلك جاء نفي الحرج فيها بأسلوب يختلف عنه في آية الوضوء؛ إذ الحرج باعتبار جانبه المادي قائم لا سبيل إلى ادعاء عدم قيامه لا سيما في الجهاد، بيد أن نفيه كان باعتباره مصدره ومآله فالصلاة والجهاد اللذين جاء بهما الإسلام استمرار لملة إبراهيم أبي العرب الذين نزل القرآن بلسانهم لحًّا وأبي المسلمين الذين أمروا بالإيمان به واتباعه روحًا والإنسان مطبوع على حب الاستمرار فيما كان عليه آباؤه وأسلافه، ثم إن هذا الحرج يؤهل المؤمنين لأمرين عظيمين يهون بالمقارنة بهما، الأول: أنهم به يكونون شهداء على الناس، ويكون الرسول عليهم شهيدًا، والثاني: أنه يؤهلهم لولاية الله ونصرته، ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ، وكل واحد من هذين الأمرين عند تدبره بإيمان وبصيرة يهون في سبيل الحصول عليه كل حرج فكيف بهما معًا.
يتبين فيما سبق أن فهم المشبوهين والمشتبه عليهم من متفقهة هذا العصر لمعنى رفع الحرج عن المسلمين فهم منحرف انحرافًا جوهريًّا عن دلالة نفي الحرج الذي جاء في القرآن الكريم وعن دلالة إرادة اليسر، ونفي إرادة العسر اللذين جاءا فيه أيضًا.
وإذا تبين بطلان فهمهم المنحرف هذا تبين بالضرورة بطلان كل ما بنوا على هذا الفهم المنحرف من مقدمات ونتائج يحاولون الوصول بها إلى تحليل ما حرم الله.
ولعلنا بما وقفنا عند شبههم هذه - وليست هي كل شبههم وإنما هي أبرزها في تقديرنا - قد خلصنا إلى إيضاح أن ما استهدفوه بادعائهم أن النقود الورقية وما شاكلها مما يتعامل به في العصر الحاضر محليًّا أو دوليًّا لا تنطبق عليها المواصفات الواجب توفرها لتطبيق شريعة الربا عليها وما فرعوا عن ذلك من التلبيس على العامة والأغرار حول اضطراب العملة ونتائجها على بعض الشعائر والأحكام التي جاء بها الإسلام بنصوص صريحة حاسمة من الكتاب والسنة قائم على غير أساس إلا التعلق العامد بالشبهات ليلبسوا على المسلمين أمر دينهم وهذا ما سنجلوه في الفصل التالي بحول الله وتوفيقه.
стр. 6706
(١٦)
الشريعة وتغيير العملة
في الفصول السابقة مر الكثير من الأحاديث والآثار المتصلة بما يترتب عن تغيير العملة من الأحكام، وقد كان حريًّا بنا أن نرى فيه الغناء كل الغناء، لولا أن تلك الأحكام كانت مبثوثة حيث قد يتعذر على القارئ المسرع" تحصيل" القواعد العامة المبتغاة منها ليستطيع تطبيقها، فيما يواجه من أحداث وأطوار، ثم إن متفقهة هذا العصر تواطئوا على الزعم بأن تغيير العملة من مستحدثات الطور الحضاري الذي نعايشه وغفلوا أو تجاهلوا، أن النقد منذ كان دأب يتعرض للتغير والاضطراب تمامًا كما يتعرض له الآن ولأسباب لا تختلف في جوهرها عن هذه التي تعرضه اليوم لما نشهد من التغير والاضطراب.
وما نزيد أن نتتبع أطوار الاضطراب والتغير التي عرفها النقد منذ كان بالتلخيص والإبراز بعد أن أوضحناها بشيء قد يكون مسرفًا من البسط وما يقرب من الاستقراء، بل إنما نريد أن نقف عند بعض معالم نرى الوقوف عندها ضروريًّا لاجتلاء الأحكام المبتغاة من بحث هذه المسألة في هذه الآوانة.
المعلم الأول هو أن ازدواجية النقد ازدواجية مضاعفة في العهد النبوي والعهود القليلة التالية له، لم تكن "عينية" صرفة أى خالية من الاعتبارية وبيان ذلك أن اعتبار الورق والفضة نقدين بذاتهما كان مصحوبًا بملاحظة القيمة أيضًا، بل إن الازدواجية بين الذهب والفضة ليست بالصورة التي تتبادر إلى الأفهام، فقد كانت الفضة أكثر شيوعًا في شبه الجزيرة العربية وخاصة في الحجاز في العهد النبوي، فكانت هي المعتمدة أساسًا في"النقدية" لكن يهمنا أن العرب ألفوا التعامل أيضًا بالنقد الذهبي، فقد أقر هذا العرف، بيد أنه عندما تبرز الحاجة إلى المقارنة كانت الفضة أساس التقويم.
وقد مضى من حديث رسول الله ﷺ ما يدل على ذلك، ومنها حديث عمرو بن شعيب حول تقويم رسول الله ﷺ نصاب الزكاة في الذهب على أساس نصابها في الفضة ونضيف إلى هذا وإلى غيره مما سبق أن سقناه في فصل " من أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف " حديث أبي بكر بن حزم، عن كتاب رسول الله ﷺ له حين بعثه إلى اليمن وهذه بعض طرقه ونقتبس منه ما يتصل بموضوعنا فهو حديث طويل.
стр. 6707
قال ابن زنجوية في (الأموال: ٣/٩٣٩، ح١٦٣٨) :
أخبرنا ابن أبي أويس حدثني أبي عن عبد الله ومحمد ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيهما، عن جدهما عن رسول الله ﷺ أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: ((فإذا بلغت قيمة مائتي درهم ففي قيمة كل أربعين درهمًا درهم حتى تبلغ أربعين دينارًا، فإذا بلغت أربعين دينارًا ففيها دينار)) .
وأخرجه ابن حزم في (المحلى: ٦/١٣) في معرض نقاشه للحنفية حول نصاب الزكاة، فقال:
... كما حدثنا حمام بن أحمد، قال: حدثنا عباس بن أصبغ، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، حدثنا الحكم بن موسى حدثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود الجزري، حدثنا الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم وهذه نسخته فذكر الكتاب وفيه: وفي كل خمسة أواق من الورق خمسة دراهم فما زاد ففي كل أربعين درهمًا درهم وفي كل أربعين دينارًا دينار.
حدثنا حمام، قال: حدثنا عباس بن أصبغ، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أصبغ حدثنا أبو عبد الله الكابلي ببغداد، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أبي عن عبد الله ومحمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيهما، عن جدها عن رسول الله ﷺ أنه كتب هذا الكتاب لعمرو بن حزم حين أمره على اليمن وفيه الزكاة: ((ليس فيها صدقة حتى تبلغ مائتى درهم ففيها خمسة دراهم وفي كل أربعين درهمًا درهم، وليس فيما دون الأربعين صدقة، فإذا بلغت الذهب قيمة مائتي درهم، ففي قيمة كل أربعين درهما درهم حتى تبلغ أربعون دينارًا، فإذا بلغت أربعين دينارًا ففيها دينار ... ))
ثم قال (ص٣٧) - ودائمًا في معرض نقاشه لخصومه وخاصة في مسألة التقويم -:
... وأيضًا فإننا قد أوجدناهم ما حدثناه حمام، قال: حدثنا عباس بن أصبغ، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن، أخبرنا أبو عبد الله الكابلي، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا أبي عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيهما، عن جدهما، عن رسول الله ﷺ أنه كتب هذا الكتاب لعمرو بن حزم حين أمره على اليمن وفيه الزكاة، فذكره وفيه: فإذا بلغت الذهب قيمة مائتي درهم ففي قيمة كل أربعين درهما درهم حتى تبلغ أربعين دينارًا وعلى هذا الأساس من اعتبار الفضة أساسًا لتقويم النقد والذهب تبعًا لها كان العمل في عهد الصحابة ليس فيما يتصل في الزكاة فحسب، بل في جميع المجالات ذات العلاقة بالمعاملات النقدية.
стр. 6708
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى عليه عمر من تحديد قيمة الدية لمن ليست له إبل، فقد حددها بادئ الأمر بثماني مئة دينار، ثم رفعها إلى ألف، ثم إلى ألف ومائتي دينار بناء على اعتبارين: أحدهما ارتفاع قيمة الذهب بالنسبة إلى الفضة، والثاني - وهذا أمر هام جدًا- اعتبار قيمة الإبل بالنسبة إلى الذهب والفضة فكان عمر بذلك السابق إلى إشراك غير النقدين في تحديد قيمتهما وهو ما يطلق عليه اليوم بـ "الطاقة الشرائية" المعتبرة مع غيرها في تحديد قيم العملات.
ثم إنه ﵁ لم يقف عند وضع الأساس لهذا المبدأ، وإنما أتبعه بوضع أساس مبدأ آخر وهو عدم إخضاع الأحكام الشرعية لاستمرار الاضطراب في قيمة العملة فعندما جعل قيمة مائة من الإبل في الدية ألفًا ومائتي دينار أو اثني عشر ألف درهم ومنع الزيادة عن ذلك في غير حالات "التغليط" علل هذا التحليل بالخوف من أن يرهق الناس في حالة الارتفاع الفاحش لأسعار الإبل فيكلفوا ما لا يطيقون وهذا أساس لأحكام كثيرة من أبرزها "التسعير" عند الضرورة واعتبار الاحتكام إلى الطاقة الشرائية في سعر العملة ليس مطلقًا وليست لها الهيمنة على تقديره، وإنما هي واحدة من المؤشرات التي يستدل بها عند التقدير.
ومع أن النقد كان في العهود الإسلامية الأولى يتمثل في الازدواجية بين العينية والاعتبار في العملة أي في أن الذهب والفضة في ذاتها قيم وأثمان وأن المسكوك منهما يضيف عند التثمين والتقييم إلى وضعهما الذاتي اعتبار السك يعني الاعتماد الرسمي للقطعة المسكوكة بأنها أداة معتمدة في التثمين والتقييم.
ومع أن الفلوس كانت موجودة في تلك العهود ولكن كرديف للذهب والفضة يتعامل بها في المعاملات الصغيرة التي لا تمثل قيمة مؤثرة في التمول، فإن المجتهدين الأول من التابعين وأئمة المذاهب كانت لهم اجتهادات تبرز في أحيان شتى مرحلة ابتدائية من تصور الاعتبارية في النقد من حيث إنها مؤثرة بذاتها في تكييف الأحكام الشرعية المتصلة بالمعاملات، فكانت اجتهاداتهم في مبادلة الفلس بالفلسين واعتبارها من الربا وتحرج بعضهم منها وإن لم يعتبرها كذلك بداية تطور في فقه النقود إن صح هذا التعبير، وكان اعتبارهم للعرف في تصور حقيقة النقدية مصدر هذه الاجتهادات وهو اعتبار لازم اجتهادات الفقهاء خلال العصور الستة الأولى للهجرة وتلقاه بعد ذلك المقلدة فالتزموا به في تفريعاتهم لاجتهادات أيمتهم، ولعل من أوضح ما يصور اعتبار العرف عندهم قول الباجي ﵀ في (المنتقى: ٢/٩٥) ، في معرض الاستدلال لأن النصاب في زكاة الذهب عشرون دينارًا-:
стр. 6709
ودليلنا من جهة المعنى أن المائتي درهم نصاب الورق ولا خلاف في ذلك، والدينار كان صرفه في وقت فرض الزكاة عشرة دراهم فوزان المئتي درهم عشرون مثقالًا فكان ذلك نصاب الذهب.
وأحسب قول الباجي هذا ملحوظًا فيه قول مالك ﵀ فيما روى عنه ابن القاسم وسبق أن نقلناه عن ابن رشد في فصل "أحكام تتصل بالفلوس عند أيمة المذاهب وأشهر مجتهديها" وحاصلة ما يلي:
ثم قال (نفس المرجع: ص٣٩٥، ٣٩٦) :
قلت - يعنى لعبد الرحمن بن القاسم -: أرأيت إن اشتريت فلوسًا بدراهم فافترقنا قبل أن يقبض كل واحد منا؟ قال: لا يصلح هذا في قول مالك وهذا فاسد، قال لي مالك في الفلوس: لا خير فيها نظرة بالذهب ولا بالورق ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكراهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة.
ولا يختلف هذا عما اعتبره أحمد من اصطلاح الناس وأثره في اعتبار النقد، مما سبق أن نقلناه في الفصل المذكور آنفًا عن ابن قدامة، وكذلك ما نقله السرخسي عن محمد بن الحسن وغيره من أصحاب أبي حنيفة من اعتبار العرف في التعيين عند العقد باعتبار ما عين في العقد نقدًا وإن كان تبرًا غير مسكوك.
ونتيجة للاعتراف بالعرف أو الاصطلاح أساسًا لإضفاء الصبغة الشرعية على النقد المتداول جاءت فتاويهم في الأحوال المترتبة عن ابطال العملة المتعاقد بها أو إرتفاع سعرها أو انخفاضه إذا كان العقد ينطوي على التأجيل في المعاملات التي يجوز فيها التأجيل، فقال بعضهم بالمثلية عند الانقطاع إذا وجد المثل وبالقيمة عند انعدامه، وقال آخرون بالقيمة في الحالتين، لأن المثل المتعاقد عليه لم يعد له وجود في الحقيقة وإن كان عينه موجودًا كالسكة من الفلوس النحاسية إذا أبطل التعامل بها أو تغير سعرها ارتفاعًا أو إنخفاضًا، على أنهم اختلفوا في حالة تغير السعر فاعتبر بعضهم القيمة عند التعاقد واعتبر آخرون القيمة عند الأداء، واعتبر فريق ثالث الفرق بين حالة المماطلة وحالة عدمها فألزم عند المماطلة القيمة يوم الأداء، وألزم عند عدم المماطلة القيمة عند التعاقد وكأن هذا الفريق أخذ بمبدأ تغليظ العقوبة في بعض الأحوال واعتبر المماطلة من تلك الأحوال.
وهذا التطور في تصور النقدية في العملة المسكوكة لا يختلف في جوهرة عن تصورنا في العصر الحاضر لها في العملة الورقية.
ومع أن الذهب لم يعد المؤشر الوحيد المعتبر في تعيين قيمة العملة الورقية المتداولة، فإنه لا يزال من بين المؤشرات المعتبرة على أن اعتباره أو عدم اعتباره ليس بذي بال في الحكم الشرعي الذي يعتمد العرف وما شاكله كاعتماد أولي الأمر مثلًا في تحديد الأحكام المتصلة بالمعاملات.
وتبرز أمامنا أحوال مختلفة يتعين بيان الحكم الشرعي في كل واحدة منها على أنها في جوهرها ليست بدعًا مما سبق أن عرفه الأولون من المجتهدين وفقهاء المذاهب.
стр. 6710
الحالة الأولى نصاب الزكاة، فكيف يتم تحديده بالعملة الورقية، بل هل العملة الورقية مما تجب فيه الزكاة؟ لقد حاول البعض التشكيك في وجوبها فيها إذ اعتبروا أن الزكاة إنما وجبت في الذهب والفضة لذاتهما فحسب، وهو اعتبار يضطرب بين القصور في الفهم والاشتباه في الوعي الدينى، ذلك بأن الزكاة في الذهب والفضة فرضت فيهما على حالين: حالة العينية وهي ما جاء التعبير في الحديث الشريف عنها بالموازين (الأواق) والحالة النقدية وهو ما جاء فيه التعبير عنها بالعدد (الدراهم) و (الدنانير) ، فلو أن رسول الله ﷺ لم يرد إبراز الملحظ النقدي لكان التعبير بـ "الأواق" كافيًا في الفضة على الأقل وعندئذ يمكن القول بأن " الدنانير" إنما أريد بها تعيين الوزن المقابل للأواق الفضية، لكن تحديده ﷺ لكلمة الدراهم وكلمة التقويم الواردة في حديث عمرو بن شعيب في كتابه لعمرو بن حزم عند تحديد نصاب الذهب في الزكاة كلاهما دليل صريح على أن اعتبار النقدية له كيان متميز في تشريع الزكاة عن اعتبار العينية في الذهب والفضة.
ينتج عن هذا تلقائيًا أن كل ما وجد فيه اعتبار النقدية تجب فيه الزكاة.
أما أساس تحديد النصاب في أية عملة غير ذهبية أو فضية فهو قيمتها من الذهب والفضة مجتمعين، فإذا تساوت بالقياس إليهما فتلك هي القيمة، وإذا اختلفت عند المقارنة مع كل واحد منهما فالراجح عندنا اعتبار القيمة بالنسبة إلى الذهب على أساس تحكيم الفرق في التقويم والعرف قد أسقط الفضة من التقويم لكن اعتبارها على أساس المقارنة بالفضة له وجاهته من حيث الأساس الذي اعتبره رسول الله ﷺ إذا أسقطنا أن الاعتبار النبوي لهذا الأساس قائم على ملاحظة العرف السائد يومئذ وملاحظته هو المرجح له عندنا على الدلالة اللفظية لنص الحديث.
أما الحالة الثانية فهي العقوبات المالية مثل الديات والقصاص، وفي هذه نرجح أن تحديدها يتم على أساس قيمة العملة المتداولة من كل من الذهب والإبل عند وقوع ما استحقت من أجله، ذلك بأن الأساس الذي وضعه رسول الله ﷺ للعقوبات الجنائية والجنحية كالديات والقصاص هو تحديدها بالإبل لكن انحسار دور الإبل في الحياة الاقتصادية المعاصرة وارتفاع سعرها، ثم تحديد عمر لما يقابل قيمتها من الذهب جعلنا نرجح تقويم العملة المتداولة في كل عصر إذا لم تكن من الذهب أو الفضة على أساس اعتبار قيمة الذهب والإبل معًا أى على أساس مزدوج وملحظنا في هذا هو أن العقوبة تقتضي الزجر وأن حقوق المستحق للتعويض يتعذر استيفاؤها استيفاء يطمأن إليه بدون تقويم العملة على الأساسين معًا.
стр. 6711
أما في حالة الجنايات غير البدنية كالسرقة والغضب فلا لبس ولا غموض، إذ الواجب رد المثل إن وجد والقيمة عند السرقة أو الغصب إن لم يوجد المثل كأن تكون العملة قد وقع تغييرها، أما في حالة انخفاضها أو ارتفاعها فلا تأثير للانخفاض والارتفاع، بل الواجب رد المثل.
وأما الحالة الثالثة وهي حالات المعاملات التعاقدية، فالراجح فيها عندنا ما ذهب إليه من فرق بين المماطلة وعدم المماطلة، ففي حالة الأداء عند الأجل المحدد يكون بالعملة المتعاقد عليها سواء ارتفعت أو انخفضت، فإن انقطعت فبقيمتها يوم التعاقد من العملة التي حلت محلها، أما في حالة المماطلة فبالعملة المتعاقد عليها إن وجدت عند الأداء سواء ارتفعت أو انخفضت قيمتها أما إن انقطعت فبقيمتها عند الأداء وليس عند التعاقد.
ذلك بأن الثابت في الذمة بالتعاقد هو العملة المعينة في العقد وأداؤها هو الواجب، لكن عند التفريط إلى أن انقطعت فتعيين العوض يعتبر العوض يوم الأداء لأن التفريط حمل المفرط ما ترتب عن التفريط من تبعات.
ولا فرق في هذا بين أن يكون المتعاقدان من بلد أو منطقة يقع التعامل فيها بنقد معين واحد أو من بلدين أو منطقتين التعامل في كل واحدة منهما بنقد يختلف عن الذي يتعامل به في الأخرى ويتجلى ذلك في أحوال الاستيراد أو التصدير بين دولة وأخرى لكل واحدة منهما نقدها الخاص، وفي هذه الصورة لا يخلو إما أن يكون التعاقد منصوصًا فيه على نقد أحد البلدين دون معادلته بإحدى العملات المتداولة دوليًا في تحديد السعر وإن وقعت المعادلة لمجرد تيسير إجراءات الدفع وفي هذه الصورة يكون الأداء بقيمة نقد البلد المؤدى إليه ارتفع سعره أم انخفض بالمقارنة بالعملة المتفق على الأداء بها لأن تعيين عملة التعاقد هو المترتب في الذمة أما تعيين عملة الأداء فلمجرد تيسير الإجراءات.
وإما أن يكون التعاقد مبنيًا على أساس اعتبار العملتين معًا العملة المتداولة في البلد المستحق وعملة الأداء بحيث يعتبر "التعيين" في العقد شاملًا لهما معًا وينص على ذلك، ففي هذه الحال يكون الاعتبار لأعلاهما قيمة إذا تغيرت قيمتهما أو قيمة إحداهما قبل الأداء لأن التعاقد عندئذ يكون على أساس ما يسمى اليوم "سلة العملات" ويكون تعيين النقدين متعلقًا بالقيمة المتمثلة بهما وليس متعلقًا بقيمة إحداهما والقيمة المتمثلة بهما لا تتحقق عند تغير قيمة إحداهما إلا بأعلى القيمتين.
وهذه الحالة تشمل صورًا مختلفة كالبيوع على اختلاف أنواعه والقرض والقراض والسلم وما إلى ذلك من المعاملات المباحة شرعًا.
стр. 6712
أما الحالة الرابعة فهي أنواع "التحويلات" إذا تغيرت قيمة العملة المحولة ما بين يوم التحويل ويوم الاستلام على اعتبار أن أنواع التحويل جائزة شرعًا لأن ما كان يخشى من استفادة أحد الطرفين في السفتجة أو في الحوالة بتجنب أخطار الطريق وما شاكل ذلك لم يعد له وجود ولا اعتبار في وسائل التحويل الحديثة.
وفي هذه الحالة إن كان المبلغ المعين في التحويل محددًا بعملة معينة، كأن يكون التحويل بين بلدان دولة واحدة، فإن الأداء يكون بنفس العملة ارتفعت أو انخفضت ولا سبيل إلى الاشتباه بذلك، وإن كان التحويل بين دولتين مختلفتين بعملة دولية غير منصوص عليها في العقد، فإنه يتم طبقًا للعملة المنصوص عليها في العقد سواء ثبتت العملة المحول بها على حالها أم تغيرت ارتفاعًا أو انخفاضًا وإن كانت العملة المنصوص عليها في العقد مزدوجة إذا اعتبرت فيه العملتان معًا العملة المحلية والعملة الدولية وكان ذكرهما ليس لتعيين إحداهما ولكن لتعيين القيمة المتمثلة بهما، فإن على المدين الأداء بأعلى القيمتين بأن يحول الفارق إن انخفضت قيمة النقد المحول به. على أننا نرى للخروج من هذه الشبهات أن يتفق المتعاقدان إن كانا مسلمين معًا على اعتماد قيمة العملة المعينة في العقد إذا كانا من دولتين مختلفتين بما يماثلها من الذهب يوم التعاقد، ذلك بأننا نرى أن اعتبار الذهب والفضة أساسًا للنقد أمرًا أرشد إليه العمل النبوى كأسلم الأسس لاجتناب الحيف بين المتعاملين.
أما إذا كان أحد المتعاقدين غير مسلم ولم يقبل بالالتزام بالأساس الذهبي، فلا مناص من أن يتم التعاقد على أساس التراضي بين المتعاقدين.
مهما يكن من شيء فإن ما حاول البعض أن يتعلل به متذرعا بالحاجة إلى عدم غبن المقرض إذا انخفضت قيمة العملة التي أقرض بها من وجوب تحديد فائدة على القرض تجنبه هذا الغبن لا اعتبار له شرعا لأنه ربا بنص وليس بالاجتهاد كما أوضحنا في النص السابق ولا اعتبار عقلا لأن الغبن محتمل حتى مع إباحة هذا النوع من الربا، فقد يحدث انهيار اقتصادي ومالي يؤدى إلى انخفاض حاد في سعر النقد المعين في عقد الإقراض، بحيث يصبح المبلغ المقترض يوم أدائه مع الفوائد الربوية عليه أقل قيمة في الحقيقة منه يوم القرض بغير فوائد ربوية، فالغبن الذي يزعمون تجنبه بإباحة هذه الفوائد لا يؤمن اجتنابه بإباحتها ويقاس على دحضنا لهذه الشبهة ما يشاكلها من الشبهات الأخرى من تأثر أصحاب العقارات المؤجرة بانخفاض قيمة المبلغ المعين في الإيجار وما شاكل ذلك، وفي هذه الصورة بالذات نسائل من يتخذون منها شبهة فيما إذا ارتفعت قيمة العملة في الإيجار هل ينخفض مبلغ الإيجار تلقائيًّا لإنصاف المستأجر أم يتشبثون عندئذ بمبدأ "التعيين" المترتب في الذمة عند التعاقد.
على أن المخرج في رأينا من هذه المشاكل والشبهات التي يثيرها اضطراب العملات في هذا العصر اضطرابًا يكاد يفقد دلالتها القيمية هو في أن تجتمع الدول الإسلامية على عملة بينها تكون المؤشر المعتمد لعملاتها المحلية وتتخذ الذهب أساسًا لها ومعيارًا، وتبرم جميع التعاقدات بين كل واحدة منهما والأخرى أفرادًا ومؤسسات ودولًا على أساس هذه العملة المقترح إنشاؤها كما تكون المعيار الذي تحدد على أساسه أنصبة الزكاة وقيم العقوبات الجنائية، وما إلى ذلك مما يتصل بالنقد في مختلف المجالات الشرعية، ولعل ذلك لو حدث يكون أساسًا للتوحيد المالي ثم الاقتصادي ثم السياسي بينها، وهو المصير الذي لا مناص من أن تصير إليه لكن ربما تأخر تحقيقه لعدة أجيال.
стр. 6713
وإذا تعذر الأخذ بالذهب أساسًا لتقويم العملة الدولية الإسلامية لسبب قد يكون الرغبة في الاتساق مع ما يجري عليه العرف الدولي العام، فلا أقل من أن تنشئ الدولة الإسلامية فيما بينها نمطًا من " حقوق السحب الخاصة "، كما فعل صندوق النقد الدولي، وكما فعلت دول السوق الأوروبية المشتركة ويمكن لهذا الوحدة أن تعتمد مرجعًا لتحديد قيمتها ما يسمى "سلة العملات "، مكونة إما من مجموع عملاتها المحلية وإما من مجموع العملات الدولية المتعامل بها، باعتبارها عملات عالمية، لأن اعتماد هذا النوع من المرجع لتحديد القيمة يجنب الوحدة المقترح إنشاؤها اغلب عوامل الاهتزاز والاضطراب التي تتعرض لها العملات في الأسواق المالية نتيجة لتقلبات الأوضاع الاقتصادية المحلية والعالمية.
بقي أمر آخر لا سبيل إلى إغفاله وهو التعامل بين الدول الإسلامية والدول الأخرى، وقد يشتبه البعض في المعقبات التي تنتج فيه بسبب اضطراب قيم العملات وما يتسبب فيه من خسارة للدول الإسلامية أحيانًا إذا اضطرت إلى دفع ديونها أو المستحقات في ذمتها بعملة ارتفعت قيمتها ارتفاعًا فاحشًا عند الأداء عما كانت عليه عند التعاقد، وقد يتعلل البعض بهذا الاحتمال وبعكسه أيضًا بالدعوة إلى الأخذ بفتوى بعض المذاهب الإسلامية بإباحة الربا من غير المسلمين من أهل الحرب، وهي دعوة نتحرج من الأخذ بها، لأن تحديد أمر دار الحرب قد لا يكون ميسورًا في هذا العصر بالصورة التي يريدونها، فمن هو المحارب للمسلمين الذي ينطبق عليه اعتبار الحر؟ لقد شرع الإسلام احترام المواثقة إلى درجة أنه لم يوجب مناصرة الأقليات الإسلامية المقيمة في غير دار المسلمين ممن بيننا وبينهم ميثاق، قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الآية ٧٢ من سورة الأنفال] ، وواضح أن المواثقة لا تعني الاستسلام الذي يترتب عنه الدخول في الذمة والخضوع لأحكام خاصة لكن المواثقة تعني التعامل على أساس المماثلة (لا غالب ولا مغلوب) ، بل قد تعني حتى نوعًا من "المداراة" يضطر إليه المسلمون في حالة ضعفهم، كما شأننا الآن مع أغلب الدول غير الإسلامية ولو أننا أغفلنا "مبدأ" المواثقة لكان علينا أن نتحمل كثيرًا من التبعات من اعتبار جميع الدول غير الإسلامية وغير الداخلة في ذمة المسلمين دولا محاربة، وهذا لا يقول به عاقل على أن القول بإباحة الربا مع المحارب خارج دار الإسلام أعرض عنه جمهور الفقهاء المجتهدين وذلك هو الحق، لأن رسول الله ﷺ وضع ربا الجاهلية في حجة الوداع، وما من أحد يزعم بأن جميع العرب كانوا في وضعه له على أنه وضع ما بين العرب، وإنما وضع ربا الجاهلية عامة، ولم تكن معاملة العرب منحصرة فيما بينهم فقد كانت لهم معاملات مع الشام وهي يومئذ خاضعة للبيزنطيين، ومع فارس ولم تكن قد أسلمت ومع أثيوبيا (الحبشة) ، ولم يكن أهلها جميعًا مسلمين، ولا ثبت أن الأحكام الإسلامية كانت تطبق فيها وإن كان النجاشي قد أسلم على أنه ﵀ توفي قبل حجة الوداع، فالقول بإباحة الربا مع أهل الحرب خارج دار الإسلام قول لا ينبغى اعتماده إلا في حالات اضطرارية شاذة مثل أن تضطر دولة إسلامية إلى التعامل التجاري مع دولة غير إسلامية أنظمتها في التعامل لا مناص في أن تمر من خلال قنوات ربوية كما هو الوضع السائد الآن، وفي هذه الحال يتعين على الدولة الإسلامية أن تتحرى ما أمكنها التحري أن يكون ما تأخذ لا يربو عما تعطي، وبذلك تتجنب أخذ الربا بموازنتها بين الأخذ والعطاء.
стр. 6714
على أن من الصعب التمييز بين الدول الإسلامية وغير الإسلامية في الأوضاع الراهنة، إذا التزمنا بالضوابط الإسلامية لدار الإسلام عن دار الحرب، فليس دار الإسلام هي تلك التي يحكمها حاكم ينتسب إلى الإسلام، وإنما هي التي تحكم بالشريعة الإسلامية وتطبق فيها أحكامها - أو على الأقل - لا يجوز فيها بمناهضة أحكامها، وإن لم يلتزم بتطبيقها عمليًا، وقليل اليوم هذا النمط بين الدول المحسوبة على الإسلام، فالإسلام ليس هوية نسبية، بل هوية سلوك.
وهذه الأحكام التي قررناها في هذا الفصل لم نأت فيها ببدع من اجتهاد أو فتوى، وإنما سلكنا فيها مسلك من قبلنا من الفقهاء والمجتهدين، غاية عملنا أننا أبرزناها على أساس من التصور الواقعي العميق لحقيقة "النقدية" ولما يميزها وظيفيا عنها ماديًا أى ما يميز "النقدية عن الشيء أو العين المعين لأدائها، فسواء كان هذا الشيء أو العين ذا قيمة في ذاته، كالذهب والفضة أم ليست له قيمة كقصاصة الورق، فإن اعتماده عرفًا أو قانونًا لاداء الوظيفة النقدية (ثمنًا للأشياء وقيمة للمتلفات) ، يجعله الأداة التي تترتب عليها وتتعلق بها جميع الأحكام الشرعية المتصلة بالشئون المالية، سواء كان منها من المعاملات الصرفة وما كان مزاجًا من حقوق العبد وحقوق الله لما فيه من معنى التعبد، كالزكاة والكفارات وبعض العقوبات.
ولذلك دأبنا منذ بداية مراحل هذا البحث وفيها جميعًا نعبر بكلمة "تصور" عما نعرضه من مقولات الفقهاء المتصلة بالنقد اجتهادية كانت أم فتاوى، ونحسب أننا قد أوضحنا إيضاحًا كافيًا تأثير "التصور" في مقولاتهم تلك من حيث تباينه في مداركهم واعتباراتهم تباينًا لولاه لما وجدنا فيها هذا الاضطراب العجيب الذي قد يبدو لمن يعايش السلف وظروفهم المعاشية والحضارية موغلًا في الغرابة، ونعتقد أن هذا هو الذي حمل متفقهة المعاصرين من صادقين ومشبوهين ومؤهلين ومتقحمين على الظن، بل الجهر بأن "تغيير العملة"، وما يترتب عنه لم يكن معروفًا في القديم ولم ترد فيه اجتهادات أو آراء يمكن اعتمادها أو اعتبارها، ذلك بأنهم حسبوا أن كلام السلف عن "الزيوف" و"الفلوس" - وفيه ما فيه من الاضطراب حتى في كلام الواحد منهم أحيانًا - شيء يختلف عما يمكن أن يقال اليوم أو يحكم به في تغيير العملة وما يترتب عنه، وهو وهم منشؤه أنهم حسبوا أن زوال الذهب - مرجعًا للعملات في هذا العصر - أَحْدَثَ حَالَةً ليس لها شبيه في عصور السلف ولو أنهم تدبروا لادركوا أن تحديد مرجع لتقويم العملة لم يكن دقيقًا في العصر النبوي، فقد كان قائمًا يومئذ على اعتبار نمط من الازدواجية وكان مضطربًا بين اعتبار الفضة مرجعًا، واعتبار الذهب إلى جانبها وبين اعتبار الوزن معيارًا، واعتبار العدد إلى جانبه، ومع ذلك فقد ورد عن عمر ﵁ أنه فكر في أن يتخذ عملة من جلود الإبل، ولعل هذه الفكرة هي التي ألهمت مالكًا ﵀ مقولته - التي نقلناها في الفصل السابق حول اعتماد العملة ولو كانت من جلود الإبل، بل لعل كليهما كانا قد بلغه أن الصينين فكروا في اتخاذها من هذه الجلود قبل أن يتخذوها من الورق.
ويتجلى من هذا أن اتخاذ مرجع لتقويم العملة عمل اجتهادي أيضًا، وليس تابعًا لنص وإن كان اتخاذ رسول الله ﷺ الفضة ثم الذهب معًا مرجعًا للتقويم ينبغي اعتباره إرشادًا منه ﵊ لما يحسن بالأمة الإسلامية أن تفعله كما ألمحنا آنفًا، بل إن ما نلحظه من الإزدواجية في اعتبار مرجع قيمة النقد في العهد النبوي قد يكون إرشادًا للأمة الإسلامية إلى اعتماد مبدأ سلة العملات.
ولكن متفقهة العصر يتناولون النصوص التشريعية الإسلامية والمقولات الاجتهادية بعقول القانونيين وليس بمدارك الفقهاء وشتان بين من يقف عند ظواهر ألفاظ النصوص ومن يستشرف مواقع العلل ومكامن المناطات.
اللهم ألهم الجمع رشدهم وأمدنا بالتوفيق.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الآية ١٠٨ من سورة يوسف]
الشيخ محمد الحاج الناصر
стр. 6715
تغير قيمة العملة
إعداد
الشيخ محمد علي عبد الله
وكيل الجمهورية بمحكمة تاوا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الكريم، سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد، فمن المعروف لدى علماء الاقتصاد أن مسألة تغير قيمة العملة كانت ولا زالت من الأبحاث الحساسة التي تشمل حياة الإنسان اليومية، وعلاقاته الفردية أو الاجتماعية، ومع تطور هيكل الأسرة، ازدادت رغبة الفرد في اقتناء ما يعوزه من بضائع وماشية، المنعدمة الوجود لديه، فلجأ إلى فكرة تبادل بضاعة ببضاعة أخرى كالجلد إلى آخره، وقد مر التعامل بل التبادل بين الأفراد لفترات عديدة قبل أن يرتكز التبادل على المعادن الثمينة كالذهب والفضة كقوة شرائية لما لهاته المعادن من خصائص كعدم التغير عند الاستعمال.
وفي عهد رسول الله ﷺ ، كانت النقود الرائجة هي الذهب والفضة، حيث لم ينافسهما أي معدن آخر، وبالتالي كانت الدنانير الذهبية والدراهم الفضية معيارًا اتخذه خاتم النبيين والمرسلين لتنظيم تعامل المسلمين في حياتهم الاقتصادية فقد أوجب رسول الله ﷺ بأن يتم التبادل والصرف بدون ربا، وأن يكون التعامل بغير زيادة أو نقصان في الاشتغال بالذهب أو دينارًا بدينار أو فضة بفضة أو تبادل درهم، وذلك مما ورد عن الإمام مسلم، عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب وزنًا بوزن، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)) (١) . والجدير بالملاحظة في مثل هذا التبادل المسموح به أن شرط التماثل بغير زيادة يسقط إذا تم بيع الذهب أو الدينار بالفضة أو الدرهم أو العكس، وهذا يعني أنه يحرم التفاضل في الجنس الواحد من النقدين بجنسه سواء كانت الزيادة من جنسه أو من الجنس الآخر أو من غير ذلك، كأن يقع بيع ذهب بذهب أكثر منه، أو بذهب مثله ويزيد بينهما فضة، أو بذهب مثله ويزيد بينهما عرضًا وطعامًا، ويعتبر هذا حراما.
стр. 6716
ومن الشروط المفروضة في الصرف الإسلامي أن يتم قبض الثمن في المجلس قبل الافتراق فلا يباع غائب بحاضر ولا يتأخر القبض كما جاء في الحديث الشريف عن عبادة، عن الرسول ﷺ قال: ((سواء بسواء يدًا بيد ... )) ، أي يجب أن يتم البيع والشراء في مكان واحد، ويتم الأخذ والعطاء في نفس المكان إلا أننا نشاهد في بعض الأحيان أن البيع قد يتم بين المتعاقدين ويتحصل المشتري على البضائع، إلا أنه قد يتفق الطرفان على أن يقع تسليم الثمن في الأسبوع الثاني أو بعد شهر، وهو ما يسمى بالبيع المؤجل من حيث تسديد ثمن البيع، والمشكل الذي قد يتطرق إلى الأذهان هو كيف يكون التسديد لذلك الثمن المتفق عليه بين المتبايعين في صورة انخفاض أو ارتفاع قيمة الدنانير الذهبية، ويا ترى كيف يكون موقف البائع يوم قبض الثمن في صورة تغير سعر الصرف يوم الأداء. فهل يطالب المشتري بدفع قيمة البضاعة يوم ثبوت الدين أو يوم الأداء؟ فقد عرضت هاته المشكلة على الرسول ﵊ فأرشدنا كعادته لما هو صلاح الأمة، فعن ابن عمر قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع الدراهم وآخذ الدنانير، فقال لا بأس أن تأخذ: سعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء، فالنبي ﷺ يعتبر في هذه الحالة بأن الديون تؤدى بمثلها ولو بقيمتها، أي عملا بسعر الصرف يوم الأداء لا يوم الثبوت لذلك الدين. إذا فالعبرة بالسوق وبتغير القدرة الشرائية للمواطن، فتطبيقًا لسنة سيد المرسلين إذا باع زيد لصالح بمبلغ خمسين دينار، واتفق الطرفان على أن يقع تسديد هذا المبلغ مثلًا " وفقًا للطاقة الشرائية للطرف المشتري " بعد شهر مثلًا، علمًا بأن المبلغ المتفق عليه يوم البيع كانت قيمته عشرة أو أحد عشرة غرامات من الذهب إلا أنه في يوم الدفع أصبح المبلغ المذكور لا يمكنه من الاقتتاء سواء سبعة أو ثمانية غرامات ذهب، وذلك جراء انخفاض قيمة تلك الدنانير يوم السوق، إلا أنه عملًا بالسنة الشريفة يجب اعتبار أن أصل الدين يؤدى بمثله لا بقيمته، أي أداء سعر الصرف يوم الأداء لا يوم ثبوت الدين.
стр. 6717
هذا ما كان جاريًا في عهد الرسول وفيما بعده في عهد الصحابة ﵃، إلا أننا نلاحظ مع مرور الزمن أن الأوراق النقدية قد حلت محل الدنانير الذهبية والدراهم الفضية، وببروز الفلوس شاع الغش والتزييف مما أدى ببعض الفقهاء إلى اعتبار القيمة في مثل هاته الحالة، أي أداء القروض حسب قيمتها. إلا أننا نلاحظ خلال القرون التالية وإلى عصرنا الحاضر خاصة عندما بدأت الدول الصناعية تسعى جاهدة لفرض كيانها الاقتصادي والعسكري على الدول النامية بانتشالها للثروات الاقتصادية للدول النامية، مما أدى إلى تضييق مواردها الإنمائية وإلى كساد اقتصادها الداخلي، وذلك بأن سعت الدول الكبرى إلى تقسيم العالم إلى مناطق مالية كل منطقة تابعة من حيث قوة شرائها إلى إحدى الدول الكبرى كمنطقة الفرنك التابع للفرنك الفرنسي، أو منطقة الدولار لتبعيتها لأمريكا.. إلى آخره. زيادة على ذلك، قامت هاته الدول الكبرى بتتبع سياسة ما يسمى بفرق تسد بإشعال الفتن في هاته الدول التابعة حتى تصدها عن استغلال الثروات الباطنية حتى أصبحت اليوم تعتبر كأسواق للشراء فقط للبيع تقتني موارد الدول الكبرى بأسعار تفوق طاقتهم الشرائية بدون أن تتمكن من ناحيتها من رواج منشآتها الاقتصادية، مما أدى بها إلى الوقوع في التضخم المالي المعروف بزيادة مقدار النقود السائلة وانخفاض القيمة الشرائية للأفراد بسبب تأثير هذه الزيادة على ارتفاع الأسعار، ولمقاومة التضخم عمدت بعض الدول النامية بإصدار قائمة الأسعار للرفع من قيمة الأجور قياسًا بارتفاع تلك الأسعار.
وقد تطرق بعض الاقتصاديين إلى فكرة ربط القرض بقائمة الأسعار، وهذا لا يخلو حسب رأيي من مخاطر، كما نلاحظ قبل اختتام كلمتنا عن تغير قيمة العملة أن هنالك من الاختصاصيين في علم الاقتصاد من يطالب برد القرض بقيمته اعتبارًا لانخفاض الأسعار، وهذا أيضًا لا يخلو من مجازفة وعلينا بالتمسك بالسنة الحنيفة وتجنب الأخذ بما يرد إلينا من الدول الربوية، الذي زين لهم الشيطان أعمالهم، ولنخشَ ذلك اليوم الموعود الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، وعلى الله التوفيق.
الشيخ محمد علي عبد الله
стр. 6718
تغير قيمة العملة والأحكام
المتعلقة فيها في فقه الشريعة الإسلامية
إعداد
الشيخ محمد عبده عمر
عضو مجمع الفقه الإسلامي
نائب المدير العام للشئون الدينية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فبل الدخول في لب الموضوع، يجدر بنا أن نشير على بعض أبعاد الموضوع المطروح للبحث والدارسة، وبالتالي بناء الأحكام الشرعية عليه من قبل مجمعنا الموقر، لربما كانت تلك الأبعاد أو بعضها يلتبس أمرها، خاصة وأن المتتبع لمسائل الخلاف النظري في المذاهب الفقهية يجد الكثير من المسائل الفقهية، بل ومن أحكام القضايا والنوازل المستجدة يظهر الخلاف فيها بعد استنباط الحكم الشرعي لها بين الفقهاء.
ويكون مرجع خلافهم في الغالب الأعم ليس لخفيِّ مسالك الاجتهاد وطرقه وضوابطه الموصلة على استنباط الحكم الشرعي عند المجتهد، ولا إلى النص الشرعي، سواء أكان قطعي أم ظني الثبوت والدلالة ولا إلى قواعد القياس الأصولي أو الفقهي ... إلخ. بل إن مرجع ذلك الخلاف غالبًا ما يكون نتيجة لعدم رؤية أبعاد النازلة أو الحادثة الفرضية أو المستجدة، وعدم استيعاب علاقة تلك النازلة أو القضية بالنصوص الشرعية على اختلاف مراتبها فضلًا عن علل النصوص التي ربط الشارع بها الأحكام الشرعية وجودًا أو عدمًا.
إن عدم وضوح التصور الصحيح لهذه القضية أو تلك في ذهن المجتهد يعكس نفسه في ذهن المجتهد على حكم تلك النازلة أو القضية الذي سوغ الاجتهاد من أجلها فضلًا عن المؤثرات الذهنية والنفسية الأخرى، والتي لا تعود إلى ذاتية النصوص الشرعية ولا إلى الأصول التابعة لها ولا إلى مسالك الاجتهاد وطرقه المتفق عليها بين جمهرة علماء الإسلام لمن اضطر الخلافات على روح الشريعة الإسلامية، إذ ليس لتلك الخلافات من مرجع سوى المؤثرات الذهنية المسبقة وقصور الرؤية العقلية الاجتهادية عن استيعاب أسباب النازلة ومسبباتها ونتائج أبعادها بالحكم الشرعي الاجتهادي صحة وفسادًا. ومن هنا وضع بعض فقهائنا قاعدتهم المشهورة " الحكم على الشيء فرع عن تصوره " ومعلوم بأن معنى التصور الذي تعنيه القاعدة الفقهية الآنفة الذكر ليس مجرد التصور الذهني لهذه القضية أو تلك، بل إنها تعني التصور العلمي الذي يضبط الذهن والفكر عن أي خطأ في النظر الموضوعية للقضية أو النازلة المطروحة أمام حكم الله وشريعته الخالدة التي لها في كل فعل من أفعال العباد حكم من حل وحرمة وصحة وفساد وإباحة وكراهية إلخ.
стр. 6719
فما من فعل من أفعال المكلفين إلا وشريعة الإسلام الخالدة توصف ذلك الفعل وتحكمه من وجوب وحرمة وندب وكراهة وإباحة.
فالتصور المقصود هنا بطبيعة الملكة الفقيهة لعلمائنا ﵃ ليس مجرد التصور العقلي والنفسي ولكنه التصور الذي يعصم الذهن عن الخطأ في التفكير عند استنباط الأحكام الشرعية من أصولها. لأن التصور في اللغة: تفعل من الصورة فكأن صورة القضية أو النازلة قد انطبعت في ذهن المجتهد لكي يدرك المجتهد المتصور لها معناها الحقيقي، لأن معنى الإدراك: وصول نفس المجتهد وعقليته إلى معنى القضية المطروحة بتمامها. ومن هنا كان اجتهاد الفقيهة في القضايا والنوازل المستجدة لا يكفي فيها معرفة الحكم الشرعي من دليله، بل لا بد من تشخيص صورة تلك القضية أو النازلة في ذهن المجتهد وسبر أغوارها والإحاطة بشمولية البواعث والأسباب التي أدت إلى ظهورها، وبالتالي موازنة نتائج الحكم الشرعي بعين مقاصد الشريعة صحة وفسادًا وترجيح درء المفاسد على جلب المصالح عند التعارض، ومن هنا أيضًا ما أحوجنا على ضوء هذه القاعدة الفقهية الشهيرة إلى النظرة الموضوعية المجردة لكافة القضايا والنوازل المستجدة أمام مجمعنا الموقر، وإلى التأصيل العلمي الدقيق لتلك المسائل المستجدة والبعد عن التفريعات الجزئية على غرار الاجتهاد الفردي المذهبي وتلفيق الأحكام إيمانًا منا جميعًا بأن رسالة المجمع ليست فقط في مجال النظر في القضايا المطروحة والبحث عن حلول شرعية لها فحسب، بل إن رسالته في هذا المجال هو العمل على إخراج ثروة فقهية للأمة الإسلامية مؤصلة تبرز من خلالها صلاحية الإسلام وعظمة الشريعة الإسلامية ومعينها الخالد الذي لا ينصب إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وإن من أخطر المشكلات التي تحتاج إلى النظرة الشمولية والاستيعاب الأمثل والنظرة الموضوعية وعدم تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه الموضوعية، والتي كانت محل عناية جهابذة علماء الإسلام في كافة ظروف الأمة الإسلامية وتحقيق مصالحها من ينابيع دينها الإسلامي الحنيف من أخطر هذه المشكلات التي تعتمل اليوم في حياة أمتنا الإسلامية منطقة الفراغ في التشريع الاقتصادي وتبريد الواقع المؤلم التي تعيشه الأمة الإسلامية، واتخاذ بعض من يدعون حرصهم على الشريعة موقفًا معينًا بصورة مسبقة تجاه النصوص الشرعية أو الأصول التشريعية الأخرى التابعة لها منطلقين من خداع الواقع التطبيقي متجاهلين نظرة الإسلام الاقتصادية في الإطار العام للاقتصاد الإسلامي وحكمة التشريع الإسلامي ونظرته إلى العدالة الاجتماعية بصورة شمولية لا تقبل التجزئة ولا التزوير.
стр. 6720
وما القضية المطروحة أمام مجمعنا اليوم إلا جزءًا لا يتجزأ عن فراغ التشريع الإسلامي في الحياة الاقتصادية للأمة الإسلامية. وبالتالي عدم استغلاليتها في صنع القرار أو التشريع الاقتصادي العادل والنابع من عقيدتها وإسلامها. ومن هنا نعتقد بأن النظرة الموضوعية والشمولية للقضية المطروحة، وبالتالي الوصول إلى الحكم الشرعي المجمعي لا يمكن أن يكون بمعزل عن الأسباب والمسببات والبواعث الظاهرة والمبطنة التي أدت إلى بروز هذه المشكلة بصورتها الحادة في عالمنا الإسلامي بدون استثناء. إن بحث تغير قيمة العملة والأحكام المتعلقة بها في الشريعة الإسلامية مسألة عالمية في عالمنا المعاصر، ومناط الحكم الشرعي فيها يقترض من وجه نظرنا كما تقدمت الإشارة إليه وضعها في صورتها المتكاملة والواضحة، والإلمام الدقيق بكل أبعادها وأسبابها ومسبباتها كقضية إسلامية عالمية عميقة الجذور ومتشعبة الجوانب لا يقتصر تأثيرها على شعب أو مجتمع بمعزل عما يدور في عالم البشرية اليوم نظرًا لترابط المجتمعات والشعوب التي لم يسد فيها ميزان العدالة الدولية حيث عمل الاستعمار ولا زال يعمل على نهب خيرات الشعوب، وعلى زرع الفتن بينها حتى لا تتفرغ لاستثمار ما أودعه الله في خزائن الأرض وأعماق البحار، كما عمل من جانب آخر على رفع ثمن السلع الاستهلاكية، وطلب قيمتها بالعملات الصعبة، والتي من خلالها يتم تحكمها على القيمة المالية للاقتصاد العالمي من خلال بنوكها ومصارفها العالمية، والذي يديرها اليوم كثير من يهود العالم والصهيونية العالمية بعد أن تمكنوا منذ قرون من جمع العملة النقدية، أي الذهب والفضة. وبالتالي فرضها على كافة شعوب العالم بما فيها شعوب أمتنا الإسلامية، وجعلها مقياسًا للقوة الشعوب الاقتصادية، والتي لا تملك منها الشعوب الفقيرة والنامية إلا نسبة ضئيلة لا تفي بجعل عملتها الورقية ولا حتى بقوة اقتصادها بأن تقف على قدم المساواة فضلًا عن ميزان العدالة في تقويم السلع المصدرة والمستوردة في القيمة المالية الحقيقة لما تصدره هذه الشعوب، حتى لا تملك الرصيد الذهبي الكافي لما تستورده، إضافة إلى هذا وذاك العمل على امتصاص العملة الصعبة إذا ما قدر لها الدخول بكميات ضئيلة إلى هذه الشعوب الفقيرة، منها على سبيل المثال بخس أثمان منتوجاتها، والتحايل عليها من عدم الحصول على العملة الذهبية بخلق الفتن ببن شعوبها، ومحاولة زعزعة الأمن في شئونها الداخلية، وبالتالي تصدير الأسلحة إلى هذه الشعوب التي قد لا تكون بحاجتها، وبالتالي أيضًا المقايضة غير المتكافئة. إن هذه العوامل والأسباب المؤثرة تأثيرًا مباشرًا على قيمة العملة في شعوبنا الإسلامية محليًا وعالميًا يجب أن تدرس بعناية وأن يؤخذ كل سبب يمت إلى تغير قيمة العملة بعين الاعتبار عند النظر في تأصيل الحكم الاجتهادي ذات الصبغة الإسلامية العالمية، وليس حكمًا اجتهاديًا بمعزل عما يعتمل في عالم الأمة الإسلامية ومن حولها وهذا ما قصدت الإشارة إليه في هذه المقدمة.
стр. 6721
لقد أصبحت المشكلة الاقتصادية في عصرنا الراهن من الخطورة أنها تمس حياة الأفراد والجماعات والدول، وعلى وجه العموم ما ينتج عن ذلك من التضخم وتدهور القيمة الشرائية حيث تضعف القوة الشرائية النقدية، وبنفس الوقت ترتفع قيمة السلع الاستهلاكية والمنافع والخدمات التي تبذل عوضًا عنها حيث تقيم تلك العملة النقدية التي رخصت قيمتها في المجمع والتي لا تقف عند حدود المجتمع الذي أصدرها كعملة رسمية له. بل إن سياسة الاقتصاد العالمي تفرض نفسها على هذه الدولة أو تلك خفض قيمة عملتها النقدية بما يتناسب مع وضعها الاقتصادي، وبالتالي مع رصيدها الذهبي لتلك العملة هبوطًا أو صعودًا والتي تتحكم به صهيونية رأس المال العالمي.
ولقد حاولت تلك الدول الفقيرة اتباع سياسة اقتصادية معينة للحفاظ على قيمة عملتها النقدية فاتخذت إجراءات معينة منها منع خروج عملتها خارج حدود سيادتها الوطنية إلا بصورة شرعية وضمن قوانين اقتصادية محددة وشرعت قوانين اقتصادية خاصة بالعملة الأجنبية التي تدخل أراضيها سواء كانت تلك العملة ذهبًا أو فضة أو عملة ورقية أو معدنية أو من أي شكل من أشكال العملة الأجنبية، فمنعت تلك القوانين التعامل بتلك العملة الأجنبية داخل حدود سيادتها واعتبرت تلك القوانين جزءًا لا يتجزأ من النظام العام ومن السياسة الاقتصادية الحكيمة التي لا يجوز مخالفتها أو الإخلال بها لما ذلك من تأثير سلبي أو إيجابي على الوضع الاقتصادية لهذا النظام أو ذاك هذا ما يعتمل في عالم السياسة الاقتصادية الدولية في عالم اليوم. وخشية الإطالة في هذا المجال واختصارا للموضوع فإنني أحيل كل من يتفضل بالاطلاع على هذا البحث إلى الاطلاع على مقدمة بحثي المقدم إلى مجمع الفقه الإسلامي الموقر في دوره الثالثة المنعقدة في ١١ أكتوبر ١٩٨٦ بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، والتي أطلت فيها نفس القلم وعلى وجه الخصوص المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي وخاصة دول العالم الثالث التي لم تتخلص بعد برغم نضال بعضها الجسور من سيطرة النفوذ الاقتصادي، بل واستغلالها لاقتصاد وخيرات أغلب دول العالم الثالث تحت أقنعة وأساليب متنوعة وعديدة، وبعضها بالأسلوب الابتزازي المكشوف وخاصة من قبل الدول الرأسمالية وفي مقدمتها الصهيونية العالمية التي تمتلك أغلب احتياط الذهب في عالمنا المعاصر، وعالجت فيها بعض ما يعتمل اليوم من وضع اقتصادي مترد للدول النامية من وجهة نظر الشريعة الإسلامية لنظام اقتصادي يساعد المجتمع الدولي بوجه عام، والعالم الإسلامي بوجه خاص على اجتثاث النظام الاقتصادي الاستغلالي في عالم اليوم ويضع الأسس العادلة لنظام اقتصادي عالمي خالٍ من الاستغلال والابتزاز الذي قد يؤدي في الأخير إلى الإضرار بالسيادة الوطنية كما هو الحال الذي وصل إليه عالمنا العربي والإسلامي.
стр. 6722
هذا فيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية للدول، والتي لا يمكن بحث السياسة الاقتصادية للأفراد بمعزل عن السياسة الاقتصادية الدولية في مجال المعاملات الفردية، وبالتالي لا يمكن أن تظهر هذه القضية من وجهة نظر الشريعة الإسلامية في مجال المعاملات الفردية بعيدًا عن أسبابها ومسبباتها الدولية والتي أصبحت تؤثر تأثيرًا مباشرًا على تصرفات الأفراد، وبالتالي أيضًا، فإن الحكم الاجتهادي المعجمي لا يمكن أن يحيط بوجهة النظر الفقهية في الشريعة الإسلامية دون التصور العلمي الصحيح الذي يعصم الذهن عن الخطأ في التفكير عند النظر إلى مقاصد الشرعية وأسرارها الإلهية الحكمية، وهذا ما عنيت به هذه المقدمة من التصور الشمولي وعدم جريد النص الشرعي أو الأصول الاجتهادية التابعة للنصوص من ظروفه وشروطه وتعليل مقاصد الشارع الحكيم.
بعد هذه المقدمة: نجد من الضروري في المسألة المطروحة الإشارة إلى العلة الشرعية التي قصدها الشارع عند تشريعه أحكام العملة من النقدين الذهب والفضة وإلى أسباب اختلاف الفقهاء في تلك العلة لما لمعرفة تلك العلة وأسباب الاختلاف في تحقيق مناطها من أهمية خاصة على تأصيل النظرة الفقهية الاجتهادية وعلى وجه الخصوص محل النظر في الحكم الشرعي الاجتهادي.
فقد روى الإمام مسلم – ﵁ – في صحيحه: أن رسول الله ﷺ قال: ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر وبالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد،فإذا اختلت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدًا)) وفي بعض الروايات: ((فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء)) لقد بحث جمهور الأصوليين عن العلة الشرعية التي هي مناط أحكام الشارع حيث ذهب البعض منهم وهم الأحناف على أن العلة الشرعية التي هي مناط أحكام الشارع في النقدين الذهب والفضة هي: الوزن: أي أن تحريم الشارع للتفاضل إنما هي علة الوزن: أي كون الذهب والفضة من الموزونات، وبالتالي فإن تحقيق مناط العلة في الوزن عند الأحناف يلحق بها كافة الأشياء التي توزن كل ما يوزن يعطى نفس الحكم بجامع العلة بين الأصل والفرع. مثل النحاس والحديد والرصاص ... إلخ.
كما ذهب الإمام الشافعي والإمام مالك ورواية عن الإمام أحمد – ﵃ – إلى أن علة تحريم التفاضل بين الذهب بجنسه والفضة بجنسها: إنما هي الثمنية، أي كون هذين الصنفين أثمانا للأشياء بمعني أن أثمان الأشياء تقوم بهما، ولأنهما أيضًا أثمان بالخلقة.
стр. 6723
تحرير محل الخلاف
في مناط العلة الشرعية في النقدين الذهب والفضة
لسنا بحاجة إلى الحديث عن العلة في الأصناف الأربعة الأخرى التي تناولها الحديث المذكور التزامًا للموضوعية وخشية التطويل. ولكننا بالمقابل نرى ضرورة تحرير محل الخلاف في تحقيق المناط في علة تحريم التفاضل بين النقدين الذهب والفضة بجنسيهما لما لهذا التحقيق من فائدة في إعطاء المسألة المطروحة حقها في النظرة الأصولية، ولما في تحقيق المناط من إظهار خصوصيات التعامل بين الناس، ولما في عدم فهم تلك الخصوصيات من خطورة الوقوع في الربا، ونذكر هنا وجهة نظر الأصوليين في تحقيق مناط العلة ونعقب بذكر المختار من طرقهم ونعترض على ما يتطرق الاعتراض إليه أن تحقيق المناط الأصولي ليس من مسالك العلة باتفاق الأصوليين، بل هو دليل تثبت به الأحكام الشرعية، وبالتالي فلا خلاف بين جمهور الأصوليين في وجوب العمل به على اختلاف مذاهبهم الفقهية، إذ لا يمكن التكليف إلا به في الأحكام الاجتهادية وتحقيق المناط وإلحاق الفرع بها في الحكم الاجتهادي إنما يكون بعد الاتفاق على تحقيق تلك العلة في الأصل.
ومما لا شك فيه بأن النصوص الشرعية في الكتاب والسنة متلقيان بالقبول والتسليم وكذا الإجماع لكونه ملحقا بهما: أي بالكتاب والسنة. أما القياس وهو الأصل الرابع من الأصول الشرعية، فإنه مستند في حقيقته إلى الأصل الثالث: أي الإجماع وبالتالي ـ، فإن حكمه يعتمد على أصل متفق عليه وهو الإجماع.
وأما الاستدلال وهو الذي يتوصل إليه المجتهد باجتهاده فليس له أصل في الأصول الثلاثة يشهد له وليس يدل لعينه دلالة أدلة العقول على مدلولاتها، وبالتالي، فإن انتفاء الدليل على العمل بالاستدلال دليل انتفاء العمل به.
وهذا المنطق الأصولي هو الذي حرر عقول المجتهدين من التقليد والالتزام بما توصل إليه المجتهد باجتهاده عن طريق الاستدلال لكون استدلال المجتهد لا دليل عليه يدل على الالتزام به عند من له ملكة الاجتهاد والاستدلال للوصول إلى الحكم الفقهي الاجتهادي. ومن هنا اتسعت نظرة المجتهدين فجالت وصالت واعتصرت العقول في أدلة الشريعة الإسلامية المطهرة وأنتجت تلك الثروات العلمية العظيمة التي زخرت بها مكتبات العالم ودور العلم ولا زالت تلك الينابيع تفيض من معينها الصافي العذب الذي لا ينصب ولا شك بأن هناك نصوصًا شرعية حصرت معانيها الأصول وضبطتها النصوص فهي منحصرة ومنضبطة بضبط الشارع لها.وهناك نصوص لم تحصر معانيها تلك الأصول، وبالتالي لا يمكن أن تضبطها نصوص الشرع، وبالتالي يتسع الأمر للاجتهاد واتباع وجوه الرأي واختلاف تلك النظرة الاجتهادية تبعًا لاختلاف الزمان والمكان.
стр. 6724
وهذا منطلق وجهة نظر الإمام الشافعي – ﵁ – حيث توصل إلى أن العلة في تحريم التفاضل في النقدين الذهب والفضة بجنسيهما إنما هو مطلق الثمنية. وهي وإن كانت علة قاصرة لا تتعدى محل النص ولا تتعدى معلولها لكونها محل الحكم أو وصفًا لا زمًا له.
على الرغم من مناقشة الأحناف للإمام الشافعي أصوليًا في إثبات العلة القاصرة وتحديد وظيفتها وعلاقتها بالمسألة المطروحة؛ حيث احتج الأحناف للإمام الشافعي بأن علة الثمنية في النقدين: الذهب والفضة علة قاصرة لا تتعدى معلولها، أي نص الشارع: على الذهب والفضة. وبالتالي فما قيمة هذه العلة القاصرة ما دام الحكم قد أخذ من النص مع أن العلة في نظر الأحناف. إنما هي لإلحاق شيء بشيء، والعلة القاصرة على مذهب الإمام الشافعي ليس فيها إلحاق شيء بشيء ورد الشافعية على الأحناف بأن العلة القاصرة لها فائدتان: أحدهما نعلم من خلال العلة القاصرة بأن النقدين أي: الذهب والفضة لا يقاس عليها غيرهما، وبالتالي لا نطمع أن نقيس عليهما شيئًا آخر من أنواع النقود، والثانية أنه قد يحدث شيء يشترك مع هذه الأشياء بجامع العلة في الأصل فيلحق بها.
وهنا نجد سلامة تحقيق مناط العلة الشرعية عند الإمام الشافعي وهذا الترجيح في نظرنا ينسجم مع القرار الذي توصل إليه المجمع في دورته الثالثة بعمان بشأن أحكام النقود وتغير قيمة العملة حيث جاء فيه: (فقد قرر المجمع أنها نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامها) .
فقد قال الإمام الشافعي – ﵁ – انطلاقًا من أن العلة في الذهب والفضة هي الثمنية قال: في ٣ / ٣٣ من كتاب الأم، ما نصه: (ومن سلف فلوسًا أو دراهم أو باع بها ثم أبطلها السلطان فليس له إلا مثل فلوسه أو دراهمه التي سلف أو باع بها) .
وقال أيضًا: (وإن أبطلت السلطة المصدرة لهذه العملة التعامل بها فإنه لا يلزم المدين سواها وفاء بالعقد إذ هي المعقود عليها دون غيرها) ، وهو القول المشهور من مذهب المالكية ﵃ أجمعين.
стр. 6725
وقال أيضًا: (وحتى لو زادت الجهة المصدرة لهذه العملة أو أنقصته فلا يلزم المدين إلا ما جرى عليه العقد، فإذا ما تغيرت قيمة النقد غلاء أو رخصًا بعد ثبوته في ذمة المدين سواء أكان قرضًا أو دينًا أو مهرًا أو ثمن مبيع أو غيره، فليس يجب في ذلك إلا ما جرى عليه العقد، لأنه هو الذي جرى عليه التعاقد لا غيره) ، وهذا هو القول المشهور للأحناف والمالكية، وهو أيضًا قول الإمام الشافعي والحنابلة كما نقله عنهم صاحب كتاب (بدائع الصنائع ٧ / ٣٢٤٥) .
فقد قالوا جميعًا ﵃ (إنما يجب على المدين أداؤه إنما هو نفس النقد المحدد في العقد والثابت دينًا في الذمة دون زيادة أو نقصان وليس للدائن سواه) .
وقال ابن قدامة في المغني: (وأما رخص السعر فلا يمنع ردها سواء أكان كثيرًا مثل إن كانت عشرة دوانق فصارت عشرين دانقا أو قليلا، لأنه لم يحدث فيها شيء وإنما تغير السعر فأشبه الحنطة إذا رخصت) .
وكلام الإمام الشافعي ومن وافقه من الأئمة ﵃ هذا إنما هو في الديون والمهور والعقود التجارية وغيرها التي لا ارتباط لها عند وجوبها بالقوة الشرائية للنقد، أما الديون التي روعي في تحديدها قوة النقد الشرائية وقت الوجوب، ثم طرأ التضخم المالي وانخفضت تلك القوة الشرائية، فإنها تتغير بحسب نسبة التضخم الحادث كما في دين النفقة إذا أقدره وفرضه على من تجب عليه بالنظر إلى أسعار الأشياء التي يحتاجها مستحق النفقة وقت التقدير من قبل جهات الاختصاص كالمحاكم وغيرها، ثم ارتفعت أسعار هذه الحاجيات في السوق ففي هذه الحالة يحكم بتغير الدين تبعًا لتغير الوضع المالي للنفقة، لأن القاعدة التي يبني عليها تقدير النفقة، إنما هو تحقيق الكفاية للمنفق عليه، وهذا المبلغ المقرر بعد طروء التضخم أصبح غير كافٍ للوفاء بالغرض المناط به، فلهذا يتغير الدين تبعًا لتغير مناطه ويزاد مقداره وفقًا لنسبة التضخم الحادث.
إن المجتهد في مسألتنا هذه من وجهة نظري عندما ينظر إلى العقود وما اشتملت عليه من معاملات بما في ذلك القروض والديون الثابتة في الذمة وكذا عقود التجارة والمهور إلى غير ذلك لا يجد مجالًا للاجتهاد إذا كان ما اشتمل عليه أي عقد من العقود عملة محددة مسماة سواء غلت أو رخصت عند حلول وقت الأداء، فلا يلزم شرعًا من عليه الأداء أن يؤدي غير ما اشتمل عليه ذلك العقد وهذا هو ما تعورف عليه بني سلف الأمة وخلفها، لأن تضخم العملة وانكماشها بعد وجوبها في الذمة تجاه السلع والمنافع والخدمات التي تبذل عوضًا عنه لا دخل فيه ولا حيلة لمن وجب ذلك في ذمته.
إن المجتهد أول ما ينظر في معاملات الناس وتصرفاتهم إلى صيغ تلك العقود وما تشتمل عليه تلك الصيغ من صحة أو بطلان انطلاقًا من قاعدة العقود في الشريعة الإسلامية من أن كل عقد ملزم للمتعاقدين عند توفر شروط العقد الصحيح وانتفاء موانعه. وهذه القاعدة هي ما عبر عنها في القانون المدني الوضعي: العقد شريعة المتعاقدين، مع احتفاظ القاعدة الشرعية بتوافر الشروط وانتفاء الموانع. فالمجتهد عندما ينظر في نزاع المتعاقدين، بفتوى أو بحكم قضائي ملزم لا ينظر إلى زيادة سعر العملة في السوق أو نقصانها وإنما ينظر أول ما ينظر إلى صفة العقد وصيغته وما اشتمل عليه، فإذا وجد صفة العقد وصيغته سليمة من العيوب المبطلة أو المفسدة شرعًا، فإنه ولا شك يفتي أو يحكم على المتعاقدين الوفاء بما التزما به طالما كان التزامهما صحيحًا شرعيًّا، فإذا كانت صيغة العقد تنص على مبلغ مائة دينار يمني أو كويتي على فلان من الناس لآخر وتوافرت شروط ذلك العقد وانتفت موانعه.