قال مسلم في (صحيحه: ٣/١٢١٦، ح ١٥٩٤) :
حدثني عمرو الناقد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد الجرير، عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عباس عن الصرف، فقال: أيدًا بيد؟ قلت: نعم قال: فلا بأس به. فأخبرت أبا سعيد فقلت: إني سألت ابن عباس عن الصرف، فقال: أيدًا بيد؟ قلت: نعم. قال: فلا بأس به. قال: أو قال ذلك؟ إنا سنكتب إليه فلا يفتكموه، قال: فو الله لقد جاء بعض فتيان رسول الله ﷺ بتمر فأنكره، فقال: كأن هذا ليس من تمر أرضنا، قال: كان في تمر أرضنا أو في تمرنا العام بعض الشيء فأخذت هذا وزدت بعض الزيادة، فقال: أضعفت أربيت لا تقربن هذا، إذا رابك من تمرك شيء فبعه ثم اشتر الذي تريد من التمر.
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الأعلى، أخبرنا داود، عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف، فلم يريا به بأسًا فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري، فسألته عن الصرف، فقال: ما زاد فهو ربا فأنكرت ذلك لقولهما، فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت عن رسول الله ﷺ ؛ جاء صاحب نخلة بصاع من تمر طيب، وكان تمر النبي ﷺ هذا اللون، وقال النبي ﷺ : ((أنى لك هذا؟)) قال: انطلقت بصاعين، فاشتريت به هذا الصاع فإن سعر هذا في السوق كذا وسعر هذا كذا - فقال رسول الله ﷺ : ((ويلك أربيت! إذا أردت هذا فبع تمرك بسلعة، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت)) .
قال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا أم الفضة بالفضة؟ قال: فأتيت ابن عمر بعد فنهاني ولم آت ابن عباس، قال: فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه بمكة فكرهه.
وبعد أن استعرض السنهوري حجج القائلين بحصر الربا المحرم في ربا الجاهلية أو ربا النسيئة، والداحضين لدعواهم هذه وقد أوردنا طائفة صالحة منها فيما نقلناه آنفًا عن السبكي من التكملة الثانية للمجموع، قال:
أما ما ينبغي أن يكون عليه موقف الفقه الإسلامي من الربا في العصر الحاضر فقد تباينت الآراء في ذلك، وتعارضت الاتجاهات وبحسبنا أن نسجل هنا اتجاهين عصريين متعارضين في الربا أحدهما يستبقيه واسعًا، كما هو في المذاهب الفقهية، والآخر يضيق فيه حتى يكاد يغلقه، ثم ننتقل بعد ذلك إلى ما نعتقد أن يكون هو الموقف المعقول للفقه الإسلامي من الربا في العصر، ونختم البحث لبيان الموقف الفعلى الذي وقفته من الربا التقنيات المدنية الغربية.
انعقد مؤتمر الفقه الإسلامي في باريس سنة ١٩٥١ م، وكان الربا من بين المسائل العامة التي تناولها بحث المؤتمر وقد ظهر أن هناك اتجاهين متعارضين في مسألة الربا في العصر الحاضر.
اتجاه يستبقيه كما هو في المذاهب الفقهية لا يميز بين ربا وربًا، فجميع أنواع الربا محرمة تحريمًا قطعيًّا، وقد مثل هذا الاتجاه الأستاذ محمد عبد الله دراز في المحاضرة التي ألقاها في المؤتمر ومثل الاتجاه الآخر - وهو الاتجاه الذي يذهب إلى أن الظروف الاقتصادية التي حرم فيها الربا قد تحولت عما كان عليه من قبل تحولًا جوهريًّا وأن حكم الربا في العصر الحاضر ينبغي أن يختلف عما كانت عليه في العصور السابقة - الأستاذ معروف الدواليبي في محاضرة أخرى ألقاها في المؤتمر.
стр. 6652
يروي الأستاذ دراز حديث الربا المعروف ويشير إلى أن المذاهب الفقهية اعتبرت الأصناف الستة الواردة في الحديث - أحسبه يقصد حديث أبي سعيد الخدري - أمثلة من قاعدة عامة تنطبق على سائر الموارد التي تقوم عليها الحياة والتي مردها في الرأي الراجح عند الفقهاء إلى نوعين: الأثمان والمطعومات.
ثم يقول: (ص ١٤، ١٥) من المحاضرة - والعهدة على السنهوري فالمحاضرة ليست بين أيدينا -:
ومهما يكن من أمر في شأن هذا اختلاف الفرعي فإن هذه القاعدة تقضي بتقسيم الأشياء التي يراد تبادلها إلى ثلاثة أضرب: الضرب الأول: أن يكون البدلان من نوع واحد كالذهب بالذهب، فهاهنا يخضع التبادل لشرطين اثنين التساوي في الكم والفورية في التبادل أعني عدم تأجيل شيء من البدلين. الضرب الثاني: أن يكونا من نوعين مختلفين من جنس واحد كالذهب بالفضة وكالقمح بالشعير فهذا يشترط شرطًا واحدًا وهو الفورية فلا يضر احتلاف الكم.
الضرب الثالث: أن يكون من جنسين مختلفين كالفضة والطعام، فلا يشترط في هذا شيء من القيدين المذكورين بل يكون التقايض فيهما حرًّا هكذا كلما كان البدلان من طبيعتين مختلفتين تمام الاختلاف بحيث لا توجد شبهة القصد إلى القرض بفائدة فإن الشريعة لا تضع أمام حرية التبادل حدًّا من الحدود، وهو تحري الصدق والأمانة فإذا ما أخذت طبيعة البدلين تتقارب بدون أن تتحد نرى عند الشرع شيئًا من الحذر المعقول المبني على احتمال أن يكون المتعاملان يقصدان إلى معاملات ربوية مع ترخيصه لهما بتفاوت البدلين في الكم يحظر عليهما تأجيل أحد العوضين سدًّا للطريق، أما فكرة القرض المحرم تحت ستار البيع، أما إذا اتحدت طبيعة البدلين - مع التفاوت في الأوصاف والقيم طبعًا وإلا لما كان هناك معنى التبادل - فإنه من السهل أن نفهم الحكمة التي من أجلها منع تأجيل البدل وذلك أن من شأن هذا التأجيل أن يحمل في طيه فكرة محظورة وإن يكون القصد هو القرض باسم البيع.
стр. 6653
ويذهب الأستاذ دراز إلى أن هناك دعائم قوية يقوم عليها تحريم الربا في جميع صوره، فهناك الدعامة الأخلاقية التي إذا جوزت الربح من طريق المعاملة (أي البيع) فإنها لا تجوزه من طريق المجاملة (أي القرض) وهناك الدعامة الاجتماعية وهذه تقضي بأن مجرد تقرير ربح مضمون لرب المال بدون أن يكون في مقابل ذلك ضمان ربح للمقترض هذا الوضع فيه محاباة للمال وإيثار له على العمل وهذه الوسيلة تزيد في توسيع المسافة وتعميق الهوة بين طبقات الشعب بتحويل مجرى الثروة وتوجيهها إلى جهة واحدة معينة بدلًا من أن تشجع المساواة في الفرص بين الجميع وأن تقارب بين مستوى الأمة حتى يكون أميل إلى التجانس وأقرب إلى الوحدة، وأن اللمحة البارزة في التشريع القرآني وكذلك في كل تشريع اجتماعي جدير بهذا الاسم هي الحيلولة دون هذه المحاباة لرأس المال على حساب الجمهور الكادح والسعي لتحقيق نوع من التجانس والمساواة بين أفراد الأمة إنها لكلمات قصيرة ولكنها ذات مدى بعيد تلك التي يرسم فيها القرآن دستور هذه السياسة حيث يقول: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الآية ٧ من سورة الحشر] (ص ٢٠) .
وهنالك أخيرًا الدعامة الاقتصادية فإنه بمجرد عقد القرض أصبح العمل ورأس المال في يد شخص واحد ولم يبق للمقرض علاقة ما بذلك المال، بل صار المقترض هو الذي يتولى تدبيره تحت مسؤوليته التامة لربحه أو لخسره حتى إن المال إذا هلك أو تلف فإنه يهلك أو يتلف على ملكه، فإذا أصررنا على إشراك المقرض في الربح الناشئ وجب علينا في الوقت نفسه أن نشركه في الخسارة النازلة إذ كل حق بقابله واجب أو كما تقول الحكمة النبوية: (الخراج بالضمان) (١) أما أن نجعل الميزان يتحرك من جانب واحد فذلك هو معاندة الطبيعة ... ومتى قبلنا اشتراك رب المال في الربح والخسر معًا، انتقلت المسألة من موضوع القرض إلى صورة معاملة أخرى وهي الشركة التضامنية الحقيقية بين رأس المال والعمل وهذه الشركة لم يغفلها القانون الإسلامي بل أساغها ونظمها تحت عنوان: المضاربة " أو " القراض " غير أنه لكي يقبل رب العمل - خطأ صوابه: رب المال - الخضوع لهذا النوع من التعامل يجب أن يكون لديه من الشجاعة الأدبية ما يواجه به المستقبل في كل احتمالاته وهذه فضيلة لا يملكها المرابون لأنهم يريدون ربحًا بغير مخاطرة وذلك ما يسمى تحريف قواعد الحياة ومحاولة تبديد نظمها هكذا إذا سرنا وفقًا للأصول والمبادئ الاقتصادية في أدق حدودها كانت لنا الخيرة بين نظامين اثنين لا ثالث لهما، فإما نظام يتضامن فيه رب المال والعامل في الربح والخسر، وإما نظام لا يشترك فيه معه في ربح ولا خسر ولا ثالث لهما إلا أن يكون تلفيقًا من الجور والمحاباة.
стр. 6654
ثم ينتقل الأستاذ دراز إلى المسألة العملية الهامة في محاضرته فيقول: وأما المسألة الثانية وهي حكم الربا في وقتنا هذا، فإنها ليست قضية مبدأ وإنما هي قضية تطبيق ... وهي فوق ذلك ليست فيما أرى من الشؤون التي يقضي فيها فرد أو بضعة أفراد بل ينبغي أن يتداعى لها طوائف من الخبراء في القانون والسياسة والاقتصاد من كل جانب وأن يدرسوها دراسة دقيقة مستفيضة من جميع نواحيها الحاضرة والمستقبلية وكل ما أريد أن أقول الآن يتلخص في جملتين أرجو أن يتخذا أساسًا للبحث في التفاصيل الأولى، هي أن الإسلام قد وضع إلى جانب كل قانون بل قانون قانونًا أعلى يقوم على الضرورة التي تبيح كل محظور ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الآية ١١٩ من سورة الأنعام] . الثانية هي أنه لأجل أن يكون تطبيق قانون الضرورة على مسألة ما تطبيقًا مشروعًا لا يكفي أن يكون المرء عالمًا بقواعد الشريعة، بل يجب أن يكون المرء عالمًا بقواعد الشريعة، بل يجب أن يكون له من الورع والتقوى ما يحجزه عن التوسع أو عن التسرع في تطبيق الرخصة على غير موضعها، بل يجب أن يبدأ باستنفاد كل الحلول الممكنة المشروعة في الإسلام، فإنه إن فعل ذلك عسى ألا يجد حاجة للترخص ولا للاستثناء، كما هو سنة الله في أهل العزائم من المؤمنين ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الآيتان ٢ و ٣ من سورة الطلاق] (ص ٢١، ٢٢) .
ويبدو أن الأستاذ دراز يقرر كمبدأ عام تحريم الربا في جميع صوره وأشكاله دون تدرج في مرتبة التحريم بأن يكون من صور الربا ما هو محرم تحريم المقاصد وما هو محرم تحريم الوسائل وإذا تكلم عن الضرورة التي تبيح الربا، فإنما هي الضرورة الملحة التي يكون من شأنها أن تبيح أكل الميتة والدم، وذلك في جميع صور الربا دون استثناء وليست الضرورة عنده هي مجرد الحاجة، بل إنه أوصى في آخر عبارته بالهوادة والتأني قبل القول بقيام الضرورة ويتطلب ممن يقول بذلك فوق العلم لقواعد الشريعة الإسلامية ورعًا وتقوى يحجزانه عن التوسع أو عن التسوغ في تطبيق الرخصة على غير موضعها كما يجب أن يبدأ باستنفاد كل الحلول الممكنة المشروعة في الإسلام فإنه إن فعل عسى ألا يجد حاجة للترخص والاستثناء.
على أننا نلاحظ أن الأستاذ دراز من جهة أخرى يسلم بأن هناك صورًا من الربا إنما حرمت سدًّا للذرائع، فتحريمها تحريم للوسائل لا للمقاصد فهو يقول (ص ١٥) : " ولذلك نجده (أي المشرع) مع ترخيصه لهما بتفاوت البدلين في الكم يحظر عليهما تأجيل أحد العوضين سدًّا للطريق أمام فكرة القرض المحرم تحت ستار البيع ".
стр. 6655
ثم يقول (ص ١٧) : " وواضح أن تسمية الربح المجتلب من طريق هذا التبادل الذي تنقصه الصراحة والأمانة باسم الربا إنما هي تسمية مجازية قصد منها إلى إبراز ما فيه من مخالفة قانون الأخلاق ومجافاة لقواعد الرحمة الإنسانية وذلك بتشبيه بالربا الحقيقي الذي هو مثل من السحت وأكل المال بالباطل" إذن هنالك ربا حقيقي هو مقل في السحت وأكل المال بالباطل وهنالك ربًا مجازي سمي ربا لإبراز ما فيه من مخالفة لقانون الأخلاق ومجافاة لقواعد الرحمة الإنسانية وذلك بتشبيه بالبربا الحقيقي أليس الربا الحقيقي والربا المجازي في لغة الأستاذ دراز هو الربا الجلي والربا الخفي في لغة ابن القيم، بل إننا نرى الأستاذ دراز يساير ابن القيم فيما ذهب إليه من جواز بيع المصوغات الذهبية بأكثر من وزنها ذهبا فهو يقول (ص ٦١) : " فإذا صح ما ذهبنا إليه في تفهم مقاصد الشريعة من هذا الحكم لم يبق حرج قط - كما أوضحه ابن القيم في " أعلام الموقعين " - في أن تباع المصوغات الذهبية بأكثر من وزنها ذهبًا أو المصوغات الفضية بأكثر من وزنها فضة ذلك لأن قيمة الصنعة قد قدرت هنا بمعيارها الواضح الذي لا يدع مجالا لتزييف تراضي المتابعين " فهل يميز الأستاذ دراز في الحكم بين الربا الحقيقة والربا المجازي كما ميز ابن القيم في الحكم بين الربا الجلي والربا الخفي وهل هو يقر ابن القيم على أن الربا الحقيقي لا يجوز إلا للضرورة الملحة وأما الربا المجازي فيجوز لمجرد الحاجة؟ وهل أباح الأستاذ دراز كما أباح ابن القيم أن تباع المصوغات الذهبية بأكثر من وزنها ذهبًا لقيام الحاجة دون أن تقوم الضرورة؟ لا نظن ذلك فإن الأستاذ دراز يعلل الأمر في المصوغات الذهبية بأن للصنعة قيمة يقابلها شيء من الثمن فهو لا يتكلم هنا لا عن الضرورة ولا عن الحاجة ثم إن تمييزه بين الربا الحقيقي والربا المجازي لا يريد من ورائه تمييزا في الحكم بل مجرد البيان والإيضاح وإلا فهو قد جمع بين صور الربا كلها في حكم واحد وهو التحريم القطعي ولم يجز الربا في أية صورة إلا للضرورة الملحة ثم هو يريد من الناس أن تترفق قبل القول بقيام هذه الضرورة.
ويستند الأستاذ دراز في تقرير رأيه إلى الاعتبار الاقتصادي ويشير إلى ضرورة أن يتقاسم رأس المال والعمل الربح والخسارة كما هو في المضاربة أو القرض ولكن في نظام اقتصادي يقوم على رأس المال أي في نظام رأس مالي كالنظم القائمة في كثير من البلاد، يصح أن يكون لرأس المال أجرة مكفولة كأجرة الأعيان والأمر يتعلق بالنظام الاقتصادي القائم، فإذا أريد إيثار العمل على رأس المال وتوحيد طبقات الشعب دون محاباة لرأس المال على حساب الجمهور الكادح - كما يقول الأستاذ دراز في الاعتبار الاجتماعي الذي أخذ به - فإن هذا يقتضي في نظرنا تحرير النظام الاقتصادي القائم من نظام رأس مالي إلى نظام اشتراكي وللنظام الاشتراكي مبررات لا تقل عن مبررات النظام الرأس مالي.
стр. 6656
يذهب الأستاذ معروف الدواليبي في المحاضرة التي ألقاها في مؤتمر الفقه الإسلامي بباريس إلى أن الربا المحرم إنما يكون في القروض التي يقصد بها الاستهلاك لا إلى الإنتاج، ففي هذه المنطقة - منطقة الاستهلاك - يستغل المرابون حاجة المعوزين والفقراء ويرهقونهم بما يفرضون عليهم من ربا فاحش أما اليوم وقد تطورت النظم الاقتصادية وانتشرت الشركات وأصبحت القروض أكثرها قروض إنتاج لا قروض استهلاك، فإن من الواجب النظر فيما يقتضيه هذا التطور في الحضارة من تطور في الأحكام ويتضح ذلك بوجه خاص عندما تقترض الشركات الكبيرة والحكومات من جماهير وصغار المدخرين فإن الآية تنعكس والوضع ينقلب ويصبح المقترض - أي الشركات والحكومات - هو الجانب القوي المستغل ويصبح المقرض - أي صغار المدخرين - هو الجانب الضعيف الذي تجب له الحماية.
فيجب إذن أن يكون لقروض الإنتاج حكمها في الفقه الإسلامي ويجب أن يتمشى هذا الحكم مع طبيعة هذه القروض وهي طبيعة تغاير مغايرة تامة طبيعة قروض الاستهلاك ولا تعدو الحال أحد أمرين إما أن تقوم الدولة بالإقراض للمنتجين وإما أن تباح قروض الإنتاج بقيود وفائدة معقولة والحل الثاني هو الحل الصحيح، ويرى الأستاذ الدواليبي إمكان تخريجه على فكرة الضرورة وعلى فكرة تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة كما لو تذرع العدو بمسلم فلا مناص من قتل المسلم حتى يمكن الوصول إلى العدو.
ويؤخذ على هذا الرأي أمران:
١- يصعب كثيرا من الناحية العملية التمييز بين قروض الإنتاج وقروض الاستهلاك حتى تباح الفائدة المعقولة في الأولى وتحرم إطلاقا في الثانية قد يكون واضحا في بعض الحالات أن القروض قروض إنتاج يصح أن تباح فيها الفائدة المعقولة كما هو الأمر في القروض التي تعقدها الحكومات والشركات ولكن هنالك صورا أخرى من القروض أكثرها وقوعا القروض التي تعقدها الأفراد مع المصارف والمنظمات المالية هل هي قروض إنتاج تباح فيها الفائدة المعقولة أو هي قروض استهلاك لا تجوز فيها الفائدة أصلًا؟ وهل نستطيع التمييز في كل حالة على حدة فنبيح هنا ونحرم هناك؟ ظاهر أن هذا التمييز متعذر، فلا بد إذن من أحد أمرين ما أن تباح الفائدة المعقولة في جميع القروض وإما أن تحرم في جميعها، وإذا فرضنا جدلا أنه يمكن تمييز قروض الإنتاج فإن تخريج الفائدة المعقولة في هذه القروض على فكرة الضرورة لا يستقيم، فالضرورة بالمعنى الشرعي ليست قائمة وإنما هي الحاجة لا الضرورة وينبغي التمييز بين الأمرين.
стр. 6657
قلت: ثم إن هذه الشبهة الدواليبية أغفلت أمرين أحدهما أن قروض الإنتاج تؤدي آخر الأمر إلى قروض استهلاك؛ إذ السلع المنتجة إنما أنتجت لتستهلك فمصيرها آخر الأمر إلى الاستهلاك داخل الدولة أو خارجها ولو أبيحت الفائدة عليها كان المستهلك هو الذي يؤديها؛ لأنها تضاف إلى سعر التكلفة باعتبارها جزءا منها، ثم تضاف الأرباح إلى المجموع المستهلك إذن يؤدي هذه الفائدة وربحًا عليها للمقترض المنتج. أما الثاني فما سمي بقروض الإنتاج لا يختلف كثيرا عن ربا الجاهلية الذي لم يجادل أحد في تحريمه فمعظمه كان ديونًا يستدينها التجار من المدخرين على أن يردوها بفائدة عند عودتهم من الرحلة التجارية وقد لا يربح التاجر المستدين فيؤجل ويزيد تماما كما تفعل المصارف والمؤسسات المالية وبعض الدول أيضا بالمقترض المنتج إذا عجز عن الأداء في الأجل لكن الشبهة الدواليبية أغفلت ذلك لسنا ندري أعن غفلة أم عن عمد وسبق إصرار.
ثم قال السنهوري ﵀:
لا نشك في أن الواجب في كل العصور وفي جميع الحضارات أن يحرم الربا كمبدأ عام، وقد تضافر القرآن الكريم والحديث الشريف على تقرير تحريم الربا كأصل عام من أصول التشريع الإسلامي. والفقه الإسلامي يحرم الربا ويرمي من وراء تطبيقه إلى تحقيق أغراض سامية جليلة ثم نقل نصوصًا عن ابن القيم وابن رشد كنا نقلناها سابقًا.
ثم قال:
يتبين مما قدمناه من النصوص أن هناك أغراضا ثلاثة يقصد إلى تحقيقها من وراء تحريم الربا: (أولا) منع احتكار أقوات الناس، (ثانيا) منع التلاعب في العملة حتى لا تتقلب أسعارها وحتى لا تصبح هي ذاتها سلعة من السلع، (ثالثا) منع الغبن والاستغلال عند التعامل في الجنس الواحد؛ لأن التفاضل في الكم لا يمكن حسابه بدقة تواجه التفاضل في الكيف، فلا بد من وقوع الغبن على أحد المتبايعين، ومن ثم قال: النبي ﷺ لمن باع التمر صاعين بصاع ذلك من الربا ثم بيعوا تمرنا ثم اشتروا لنا من هذا (١) فأضبط معيار للتعادل ما بين مقدارين من جنس واحد هو النقود يباع أحد المقدارين بنقود ثم يشتري بالنقود المقدار الآخر، فإذا تعادل المقداران كمًّا وكيفًا فإن التبادل فيهما يكون من باب الصرف.
ويعلق على هذا بقوله: ويقول الأستاذ محمد عبد الله دراز في محاضرته المشار إليها (ص ١٧) في الأغراض المقصود تحقيقها من طريق تحريم الربا ما يأتي: " ولكي نلخص فكرتنا عن القواعد التي وضعها التشريع النبوي في باب التبادل والتقايض، نقول: إن هذه القواعد تهدف إلى غرض مزدوج فهي من إحدى الجهتين تريد أن تحمي النقود والأطعمة وهي أهم حاجات الجماعة وأعظم مقومات حياتها وذلك بمنع وسائل احتكارها أو إخفائها من الأسواق أو تعريضها للتقلبات الثمينة المفاجئة وهي من الجهة الأخرى تحرص على حماية الفقراء والأغرار من طرق الغبن والاستغلال التي يتبعها بعض التجار الجشعين.
стр. 6658
ثم يضيف السنهوري قائلا:
على أننا إذا استبقينا الحرمة كأصل عام للربا في جميع صوره فلا بد لنا مع ذلك من استبقاء التمييز بين ربا الجاهلية من جهة وكل من ربا النسيئة وربا الفضل من جهة أخرى فإن هذا التمييز من الوضوح والخطر بحيث لا وجه للمنازعة.
فربا الجاهلية محرم لذاته تحريم المقاصد وكل من ربا النسيئة وربا الفضل محرم لا لذاته، بل باعتباره ذريعة إلى ربا الجاهلية فهو محرم تحريم الوسائل لا تحريم المقاصد وذلك سدًّا للذرائع.
قلت: لكن إذا نظرنا بعمق إلى الحكم التي أشار إليها السنهوري نفسه ونقلها موجزة على تعليقة الأستاذ عبد الله دراز ﵀ نتبين أن هذا التمييز الذي أراد السنهوري أن يستبقيه لا حاجة إلى استبقائه، بل لا حاجة وله ولا وجود له في حقيقة الأمر والواقع، ذلك بأن ثبوت حكمة واحدة فضلا عن حكم متعددة في تشريع شريعة ما، أمرًا أو نهيا، يدل على أن تشريعها مقصود لذاته وليس وسيلة تسد بها ذريعة أو يتذرع بها إلى هدف أن ثبوت المناط ما لم يكن - إثباته وإثبات التوسل - ثبوت لكون التشريع تشريع مقاصد.
ثم قال السنهوري:
ولا نزال نستبقي النتيجة الهامة التي تترتب على هذا التمييز فربا الجاهلية لا تجيزه إلا ضرورة ملحة من شأنها أن تبيح أكل الميتة والدم، أما كل من ربا النسيئة وربا الفضل فيكفي لإجازته أن تقوم الحاجة إلى ذلك.
قلت: هذا إذا سلمنا بوجود التمييز، أما عند انتفائه، كما أوضحنا آنفا، فإن النتيجة التي أراد أن يصل إليها السنهوري تنتفي تلقائيًّا.
ثم قال السنهوري:
وقد يكون غريبا أننا لم نعالج في صور الربا حتى الآن الصورة المألوفة التي تتكرر كل يوم، وهي صورة القرض بفائدة، فإن جميع أنواع الربا التي عرضنا لها - لاسيما الربا الوارد في الحديث الشريف - إنما هو بيوع لا قروض، فهل القرض يدخل في البيوع الربوية؟
يبدو أن هذا السؤال غريب فإن القرض هو أول عقد ربوي في الشرائع الحديثة، ولكن الواقع أن القرض في الفقه الإسلامي ليس أصلا من العقود الربوية إذ البيع هو الأصل كما رأينا ويقاس على البيع الربوي القرض الذي يجر منفعة.
стр. 6659
قلت: ذلك لو صح أن ربا الجاهلية لم يكن كله أو جانب منه قائما على القرض وهذا غير صحيح، بل قد يكون القرض هو أغلب ما عرفه الجاهليون من أنواع الربا، كان التجار يقترضون من أرباب الأموال أثمانا أو سلعا وهم يستعدون لرحلة تجارية على أن يعيدوا ما اقترضوه إلى المقرض بفائدة معلومة، فمن عجز منهم طلب التأجيل والتزم بالزيادة، وهل قرض المصارف اليوم إلا هكذا سواء كان لمؤسسات الإنتاج أو للأفراد المستهلكين.
ثم قال:
وهذا بعض ما جاء في كتب الفقه الإسلامي من النصوص في القرض الذي يجر منفعة جاء في (البدائع: ٧/٣٩٥، ٣٩٦) : وأما الذي يرجع إلى نفس القرض فهو ألا يكون فيه جر منفعة، فإن كان لم يجز نحو ما إذا أقرض دراهم غلة على أن يرد عليه صحاحًا، أو أقرضه وشرط شرطًا له فيه منفعة لما روي ((عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن قرض جر منفعة)) (١) ولأن الزيادة المشروطة تشبه الربا لأنها فضل لا يقابله عوض، والتحرز من حقيقة الربا ومن شبهة الربا واجب هذا إذا كانت الزيادة مشروطة في القرض، فأما إذا كانت غير مشروطة فيه ولكن المستقرض أعطاه أجودهما فلا بأس بذلك؛ لأن الربا اسم لزيادة مشروطة في العقد ولم توجد، بل هذا من باب حسن القضاء، ولأنه أمر مندوب إليه قال النبي ﷺ : ((خيار الناس أحسنهم قضاء)) (٢) وقال النبي ﵊ عند قضاء دين لزمه للوازن: زن وأرجح (٣) ، وعلى هذا تخرج مسألة السفاتج التي يتعامل بها التجار ينتفع بها بإسقاط خطر الطريق فتشبه قرضا جر نفعًا، فإن قيل: أليس أنه روي عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه كان يستقرض بالمدينة على أن يرد بالكوفة، وهذا انتفاع بالقرض لإسقاط خطر الطريق فالجواب أن ذلك محمول على أن السفتجة لم تكن مشروطة في القرض مطلقًا ثم تكون السفتجة وذلك مما لا بأس به على ما بينا والله أعلم.
وجاء في (الفتاوي الهندية: ٣/٢٠٢، ٢٠٣) : وقال محمد ﵀ في كتاب الصرف أن أبا حنيفة ﵀ كان يكره كل قرض جر منفعة، قال الكرخي: هذا إذا كانت المنفعة مشروطة بأن يقرض غلة ليرد عليه صحاحًا أو ما أشبه ذلك، فإن لم تكن المنفعة مشروطة في العقد فأعطاه المستقرض أجود مما عليه فلا بأس به، كذلك إذا أقرض رجل دراهم أو دنانير ليشتري المستقرض من المقرض متاعا بثمن غال فهو مكروه، هذا إذا تقدم القرض على البيع، وأما إذا تقدم البيع على القرض وصورة ذلك رجل طلب من رجل أن يعامله بمائة دينار، فباع المطلوب منه المعاملة من الطالب ثوبا قيمته عشرون دينار بأربعين دينارا، ثم أقرض ستين دينار حتى صار للمقرض على المستقرض مائة دينار وحصل للمستقرض ثمانون دينارًا، فذاك الخصاف أن هذا جائز، وإذا جعل في بذل القرض لم يكن الرجحان مشروطًا به في القرض فلا بأس به، كذا في المحيط.
стр. 6660
قلت: حكاية هذه المعاملة بيع ثوب بضعف ثمنه لمستقرض لا تخرج من نطاق الحيل التي منعها المحققون وعقد لها ابن القيم في " أعلام الموقعين " فصولا طوالًا والصفقة عندنا ربا وهى حرام مرتين: الأولى لأنها ربا، والثانية صيغت بصيغة يراد بها الاحتيال على الله.
وجاء في الشرح الكبير للدردير (حاشية الدسوقي: ٣/٢٢٦، ٢٢٧) - والعهدة على السنهوري.
ولو جر منفعة كشروط قضاء عفن بسالم أو شرط دفع دقيق أو كعك ببلد غير بلد القرض ولو لحاج لما فيه من تخفيف مؤونة حمله ومفهومه الجواز مع عدم الشرط وهو كذلك ثم شبه في المنع قوله كسفتجة.. الكتاب الذي يرسله المقترض لوكيله ببلد ليدفع للمقرض نظير ما أخذه منه ببلده، ويحتمل أنه مثال لما جر منفعة، إلا أن يعم الخوف، أي يغلب سائر الطرق فلا حرمة، بل يندب للأمن على النفس أو المال، بل قد يجب.
قلت: هذا كلام مزيج من كلام الشارح وصاحب الأصل (خليل) وكان الأولى أن يفصل بين كلامهما، ولبيان المعنى بأوضح وتمييز كلام خليل من غيره ننقل من (الشرح الصغير للدردير: ٣/٢٩٥) ما يأتي واضعين كلام خليل بين قوسين جاء فيه: (وفسد) القرض (إن جر منفعة) للمقرض (كعين) أي ذات - ذهبا وفضة أو غيرهما - (كرهت إقامتها) عنده لأمر من الأمور، إما لثقل حملها في سفر أو خوف سوسها أو قدمها أو عفنها أو تغير ذاتها بقامتها عنده، فيسلفها ليأخذ بدلها في بلد آخر أو جديدًا أو سالمًا، فيحرم ويرد على صاحبه ما لم يفت، فالقيمة كما هو مقتضى الفساد (إلا لضرورة) ، فيجوز (كعموم الخوف) على المال في الطرق، فيجوز أن يسلفه لمن علم أنه يسلم معه، وكذلك إن قام دليل على نفع المقترض فقط كمجاعة أو كان بيع المسوس الآن أحظ للمسلف لغلائه ورخص الجديد في إبانه فيجوز.
стр. 6661
ثم قال السنهوري:
وجاء في (المهذب: ١/٣٠٤) - والعهدة عليه -:
ولا يجوز قرض جر منفعة مثل أن يقرضه على أن يبيعه داره على أن يرد عيه أجود منه أو أكثر منه أو على أن يكتب له بها - لعل صوابه: به - سفتجة يربح فيها خطر الطريق، والدليل عليه ما روى عمر وابن شعيب عن أبيه، عن جده ((أن النبي ﷺ نهى عن سلف وبيع)) (١)
стр. 6662
والسلف هو القرض في لغة أهل الحجاز، وروي عن أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس ﵃ نهوا عن قرض جر مففعة (١) ولأنه عقد إرفاق، فذا شرط فيه منفعة خرج من موضوعه، فإن " بدأ المستقرض " - لعل الصواب: بدا للمستقرض، وأن كانت المبادأة محتملة ها هنا أيضا - فزاده أورد عليه ما هو أجود منه أو كتب له سفتجه أو باع منه داره، جاز لما روي أبو رافع ﵁ قال: استلف رسول الله ﷺ من رجل بكرًا، فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملًا خيارا رباعيًّا فقال النبي ﷺ : ((اعطه، فإن خياركم أحسنكم قضاء)) . (٢) وروى جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان لي على رسول الله ﷺ حق فقضاني وزادني (٣) فإن عرف لرجل عادة أنه إذا استقرض زاد في القرض، ففي إقراضه وجهان أحدهما لا يجوز إقراضه إلا أن يشترط رد المثل، لن المتعارف كالمشروط ولو شرط الزيادة لم يجز، فكذلك إذا عرف بالعادة، والثاني أنه يجوز وهو المذهب؛ لأن الزيادة مندوب إليها، فلا يجوز أن يمنع ذلك صحة العقد.
وجاء في (المغنى: ٤/٣٦٠، ٣٦١) : وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بلا خلاف.. وقد نص أحمد على أن من شرط أن يكتب له بها سفتجة، لم يجز، ومعناه اشتراط القضاء في بلد آخر وروي عنه جوازها لكونها مصلحة لهما جميعًا، وقال عطاء: كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق فيأخذونها منه، فسئل عن ذلك ابن عباس فلم ير به بأسا (٤) .
стр. 6663
، وروي عن علي ﵁ أنه سئل عن مثل هذا فلم يرد به بأسًا (١) ، وممن لم ير به بأسا ابن سيرين والنخعي (٢) فإن أقرضه مطلقا من غير شرط فقضاه خيرًا منه جاز في القدر أو الصفة أو دونه برضاهما جاز.
قلت: لكن السنهوري - غفر الله له - لم ينقل عبارة المغني كاملة، ولعل النقطتين اللتين وضعهما بين فقرة وأخرى أراد بهما الإشارة إلى عملية " التلفيق " التي عمد إليها والعبارة كاملة (٤/٣٥٤، ٣٥٥) :
وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة " أم " - لعل صوابه: أو - هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا، وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة؛ ولأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه من موضعه ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة مثل أن يقرضه مكسرة ليعطيه صحاحًا أو " بقدًا " - لعل صوابه نقدًا - ليعطيه خيرا منه وإن شرط أن يعطيه إياه في بلد آخر، وكان لحمله مؤونة لم يجز، لأنه زيادة وإن لم يكن لحملة مؤونة جاز وحكاه ابن المنذر عن علي وابن عباس والحسن بن على وابن الزبير وابن سيرين وعبد الرحمن بن الأسود وأيوب السختياني والثوري وأحمد وإسحاق وكرهه الحسن البصري وميمون بن أبي شبيب وعبدة بن أبي لبابة ومالك والأوزاعي والشافعي؛ لأنه قد يكون في ذلك زيادة، وقد نص أحمد على أن من شرط أن يكتب له بها سفتجة لم يجز ومعناه اشتراط القضاء في بلد آخر، وروي عنه جوازها لكونها مصلحة لهما جميعا وقال عطاء: كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فيأخذها منه، فسئل عن ذلك ابن عباس فلم ير به بأسا، وروي عن علي ﵁ أنه سئل عن مثل هذا فلم ير به بأسا، وممن لم ير به بأسا ابن سيرين والنخعي، رواه كله سعيد. وذكر القاضي أن للوصي قرض مال اليتيم في بلد أخرى ليربح خطر الطريق، والصحيح جوازه لأنه مصلحة من غير ضرر بواحد منهما، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل بمشروعيتها؛ لأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معنى المنصوص فوجب إبقاءه على الإباحة ... إلخ.
стр. 6664
ثم قال السنهوري:
ويتعين مما قدمناه من النصوص أن القرض الذمي يتضمن فائدة ليس أصيلًا في العقود الربوية، بل هو يقاس عليها يجوز أولا أن يتضمن العقد فائدة غير مشروطة، فإذا رجح المستقرض في بدل القرض ولم يكن الرجحان مشروطًا فلا بأس به ويجوز ثانيا أن يستر القرض فائدة كمن يبيع الشيء غاليًا للمستقرض ثم يقرضه مبلغا من المال؛ إذ لا شك في أن الفرق بين الثمن الغالي والقيمة الحقيقية إنما هو فائدة القرض.
قلت: القول بهذا مرجوح عند من يمنع الحيلة ولا يراها وسيلة مشروعة بحال من الأحوال مثل ابن القيم ﵀ وهو الصحيح، بل الذي لا يجوز القول بغيره عند التحقيق، وقد ألمحنا آنفا إلى ما قاله ابن القيم في " أعلام الموقعين ".
ثم قال:
وأخيرا إذا تضمن العقد زيادة مشروطة ظاهرة - وهذه هي الفائدة بعينها - فإن هذا لا يجوز، ولكن لا؛ لأن الزيادة المشروطة ربا، بل لأنها تشبه الربا والتحرز عن حقيقة الربا وعن شبهة الربا واجب.
قلت: ومن أين للسنهوري هذه الدعوى، فالفائدة المشروطة ربا ما في ذلك شك ولعل دعواه هذه التي أراد أن ينسبها إلى الفقهاء الأول هي التي حملته على أن يحذف، وهو ينقل من المغني كلام ابن المنذر الذي جاء فيه " أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة " أم " هدية، فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا " انتهى كلام ابن قدامة نقلا عن ابن المنذر، ومن عجب أن يجرؤ السنهوري على نسبة دعوى إلى الفقهاء الذين نقل عنهم وهى مخالفة لإجماعهم ولا نعرف جرأة على الله وعلى شريعته أوضح من هذه لولا أننا نريد أن نقنع أنفسنا بحسن الظن في السنهوري فنحتمل له أنه لم يفهم كلام الفقهاء، مع أن ذلك يتأتى لو لم يحذف كلام ابن المنذر مما نقله عن المغني حذفا لا شك فيه أنه عن عمد وسبق إصرار، إذ هو لا يكتفي بدعواه هذه، إذ يمضي في تدعيمها.
فيقول:
وإذا كانت الفائدة في القرض لا تعتبر ربا حقيقيًّا، بل يقتصر الأمر على أن فيها شبهة ربا فلا مناص من القول بأن ربا القرض يلحق بربا النسيئة وبربا الفضل ويجمع بين كل هذه الأنواع من الربا أنها جميعها محرمة ولكن التحريم فيها تحريم للوسائل لا تحريم للمقاصد ومن ثم يرتفع التحريم إذا قامت الحاجة.
ثم يعلق على " مقولته " هذه يقول:
على أن الصورة التي يرسمها الفقهاء عادة للقرض في العصور السالفة تجعله أقرب إلى الصدقة فتغاير ما بين طبيعته في تلك العصور وطبيعته اليوم حيث هو في أكثر صوره وسيلة مألوفة من وسائل تزويد المنتج بعنصر ضروري من عناصر الإنتاج هو رأس المال - جاء في (المغني: ٤/٣٥٣) (ص ٣٤٧ في نسختنا) : والقرض مندوب إليه في حق المقرض مباح للمقترض لما روينا من الأحاديث ولما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ((من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)) . (١) .
стр. 6665
وعن أبي الدرداء أنه قال: لأن أقرض دينارين ثم يردان ثم أقرضهما أحب إلى من أن أتصدق بهما (١) ؛ لأن فيه تفريجا عن أخيه المسلم وقضاء لحاجته وعونا له فكان مندوبا إليه كالصدقة عليه.
قلت: وهذا زعم آخر من السنهوري تدحضه الوقائع فليس تيسير رأس المال للمنتج هو الجانب الغالب من القرض الممارس في العصر الحاضر، بل قد يكون الجانب الأغلب منه ما يغرى به المستهلك كالقرض العقاري لبناء المساكن والقرض لشراء السيارات والقرض لشراء الأثاث وما إلى ذلك، وأغلبه لا ييسر الحاجات فضلا عن الضرورات وإنما ييسر الكماليات، ثم إن التشريع الإسلامي يسر للمنتج العامل أسباب الحصول على رأس المال الذي يحتاج إليه في عمله الإنتاجي بما أباح له من أنواع الشركات، كالقراض والسلم وما شاكلهما، فليست الحاجة متعينة فضلا عن الضرورة لدى المنتج إلى ابتغاء قرض بفائدة ربوية محرمة اعتمادا على مقولة المصلحة التي ترجح المفسدة أو العرف الذي تؤول به بعد الأحكام.
ثم إن المصلحة والعرف وما شاكلهما من المصادر التشريعية المختلف فيها، إنما أصلت عند من يقول بها لتيسير الاجتهاد فيما لا نص فيه، أما ما فيه نص قطعي لا سبيل إلى تأويله تأويلًا سليمًا لا تمحل فيه ولا افتعال كآيات الربا في القرآن والأحاديث القولية والفعلية المبينة لها في السنة، فلا سبيل إلى تحكيم العرف أو المصلحة فيه اجتهادا أو تمحلًا للتأويل؛ إذ ليس للبشر أن يغيروا حكم الله إذا ورد بنص قطعي، وإن لجئوا إلى التمحل في التأويل فضلا عن أن يلجئوا إلى تأصيل قواعد، إنما وضعها من وضعها للاهتداء بها فيما لا نص فيه لكن السنهوري يمضي في تأكيد مقولاته هذه العجيبة فيقول:
стр. 6666
وقد آن أن نلخص ما وصلنا إليه من نتائج في هذا البحث:
١- الأصل في الربا التحريم، الربا في جميع صوره سواء كان ربا الجاهلية أو ربا النسيئة أو ربا الفضل أو ربا القرض، والاعتبارات التي تدعو إلى تحريمه هي التي قدمناها: وقاية الناس من احتكار أقواتهم وحمايتهم من التلاعب في أسعار العملة التي يستخدمونها ودفع الغبن والاستغلال عنهم.
٢- على أن هناك صورة من الربا هي أشنع هذه الصور وأشدها استغلالا للمعوز والفقير، وهي الصورة التي نزل به القرآن منذرا متوعدًا صورة الربا الذي تعودته العرب في الجاهلية فيأتي الدائن مدينه عند حلول أجل الدين ويقول: إما أن تقضي وإما أن تربي، والإرباء معناه أن يزيد الدين على المستحق في مقابل إطالة الأجل وهذا أشبه بما نسميه اليوم بالفوائد على الفوائد أو الربح المركب وصورته أن يتقاضى الدائن فوائد مستقلة على ما تجمد من الفوائد فيقول للمدين، إما أن تقضي رأس المال وما تجمد عليه من الفوائد، وإما أن تربي بأن تضم المتجمد من الفوائد إلى رأس المال فيصبح المجموع رأس مال جديد بما ينتج من الفوائد عن المدة التي أطيل فيها أجل الدين.
هذه الصورة من الربا في العصر الحاضر هي التي تقابل ربا الجاهلية، وهي محرمة تحريمًا قاطعًا لذاتها تحريم مقاصد لا تحريم وسائل فهي التي تجر الويل والخراب على المدين وتضاعف راس المال في سنوات قليلة فيأكل الدائن الربا أضعافا مضاعفة وهي الصور التي محقها الله تعالى في قرآنه الكريم، ومن ثم لا يجوز الربا في هذه الصورة أصلا، بل إن نظرية الضرورة ذاتها لا تتسع بهذا الجواز فإن الضرورة الملحة التي تلجئ كلًّا من المدين والدائن " على " - لعل صوابه: إلى - التعامل بالربا على هذا النحو - الضرورة التي يكون من شأنها أن تبيح الميتة والدم - لا يمكن تصورها وحتى إذا أمكن تصورها في حق المدين بأن كان في حاجة إلى المال لحفظ حياته، ولم يجد من يقرضه إياه إلا على هذا الشرط فإنه لا يمكن تصورها في حق الدائن، وإلا فما هذه الضرورة الملحقة التي تدفع الدائن إلى هذا الاستغلال إن لم يكن الطمع والجشع.
قلت: لقد أكثر المختبطون في مسألة الربا من الالتجاء إلى مسألة الاضطرار إلى أكل الميتة والدم وأكل لحم الخنزير وإنقاذًا للحياة والقياس عليها التجاء وقياسا لا مسوغ لهما ولا أساس فالذي يضطر لإنقاذ حياته إلى أكل إحدى المحرمات الثلاث يجوز له قبل أن يلجأ إليها أن يقاتل، وحتى أن يقتل من يكون لديه ما ينقذ به حياته فيمنعه منه وإن بالثمن العادي. فكيف تتصور الضرورة إذن بحيث تبيح الالتجاء إلى أخذ المال بالربا؟ ! واضح أن القياس فاسد من أساسه فعلة الإباحة للمحرمات الثلاث عند الاضطرار لا يمكن تطبيقها على أية حال يراد فيها استباحة أخذ المال بالربا.
стр. 6667
ثم قال السنهوري:
٣- أما الصور الأخرى من الربا - الفائدة البسيطة للقرض وربا النسيئة وربا الفضل - هذه أيضا محرمة، ولكن التحريم هنا تحريم الوسائل لا تحريم المقاصد بعض هذه الصور وهي الخاصة بالأصناف الستة وبفائدة القرض وردت بنصوص صريحة في الأحاديث الشريفة، وبعضها وهي الخاصة بالأصناف الأخرى التي ألحقها الفقهاء بالأصناف الستة كان من عمل الفقهاء وهي تقوم على صناعة فقهية لا شك في سلامتها وكلها وسائل لا مقاصد وقد حرمت سدًّا للذرائع، ومن ثم يكون الأصل فيها التحريم وتجوز استثناء إذا قامت الحاجة إليها، والحاجة هنا معناها كما يقول ابن القيم: مصلحة راجحة في صورة معينة من صور الربا تفوت إذا بقي التحريم على أصله، عند ذلك تجوز هذه الصورة استثناء من أصل التحريم وتجوز بقدر الحاجة القائمة فإذا ارتفعت الحاجة عاد التحريم.
قلت: ليت شعري ما الذي حفز السنهوري إلى تحميل كلام ابن القيم أكثر من معناه، " فكلمة المصلحة الراجحة " وردت في سياق دفاع ابن القيم على جواز بيع المصوغ من الذهب بالنقد من جنسه، وقد أطنب في ذلك في عدة صفحات من " أعلام الموقعين " ابتداء من (ص ١٤٠، من الجزء ٢) وساق له أدلة أجهد نفسه في ابتغائها وتجميعها وبنى فيه على أصله من أن ربا الفضل محرم تحريم وسائل وليس تحريم مقاصد، ومع ذلك فإن من يقرأ كلامه الطويل لا يجد فيه متعلقًا - وإن على أساس من التحمل - لما يريد مثل السنهوري أن يستند إليه في دعوى قياس ربا الفوائد البسيطة على بيع المصوغ استنادًا على دعوى المصلحة الراجحة، إلا أن يكون مثل هذا الاستناد يراد به مجرد التمويه على من لم يطلع على كلام ابن القيم من المقلدين و " الاستخفاء " أو التقنع فيما يهدفون إليه من مقولة إباحة عمليات المصارف التي تمارس في العصر الحاضر وهي محاولة ضالة قائمة على التضليل الذي لا ندري كيف يلقى أصحابه ربهم به يوم القيامة؟ ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [الآية ١٠٩ من سورة النساء] .
стр. 6668
ثم قال السنهوري:
٤- وتبدأ الحاجة أن تكون حاجة شخصية ذاتية تقوم بفرد بالذات، ففي بيع العرايا تقوم الحاجة ببيع المشتري فهو يبتاع بتمره الجاف ما على رؤوس النخل من الرطب إذا كان هو بالذات في حاجة إلى الرطب، وهذا ما ورد النص الصريح بجوازه وأجمعت الفقهاء على صحته ويقاس عليه بيع الدنانير والدراهم المسكوكة بأكثر من وزنها ذهبًا أو فضة إذا احتاج التاجر أو غير التاجر خوفا من فوات السوق أو من فوات الرفقة، أي أن الحاجة هنا أيضا شخصية ذاتية وهذا ما قال به مالك على النحو الذي بيناه فيما تقدم.
قلت: سبق أن نقلنا قول مالك هذا في فصل " الأحكام المترتبة على اضطراب النقد وتغييره واختلافه من آثار أيمة السنة ومجتهديها" ونقلنا ارتياب أيمة الفقه المالكي مثل ابن عبد البر في نسبة هذا القول إلى مالك وإنكاره عليه إن ثبت على أننا لا ننكره على مالك، لكن ليس قبولنا على الأساس الذي يريده السنهوري وهو إباحة، بيع الذهب أو الفضة أو أي نوع من النقد بجنسه ونوعه متفاضلا للحاجة، بل لأننا نعلل القول المنسوب إلى مالك ﵀ بأنه اعتبار الأجر الصناعة فهو أباح للمحتاج أن يدفع إلى الصائغ ذهبا غير مسكوك ويأخذ منه ذهبا مسكوكا بدل أن ينتظر سك ذهبه مخافة أن تفوته القافلة أو ما شكل ذلك، والقضية التي تبرز هنا هي هل يجوز دفع أجرة السك من نفس المادة التي يراد سكها، والجمهور حرم ذلك لحديث أبي سعيد وعبادة وغيرهم، ويفهم من كلام ابن القيم ومن نحا نحوه في اعتبار أجر الصناعة في المصوغ أنهم يقولون بجوازه وقد يكون لقولهم هذا وجه من الاعتبار لولا تضافر نصوص الحديث الصريحة بوجوب المراعاة الدقيقة للمثلية والعينية والوزن في النقدين، اللهم إلا إذا اعتبرنا ورود كلمة " مثل بمثل " مع " وزنًا بوزن وعينا بعين " يمكن أن تؤول المثلية فيها اعتبارًا للعطف الذي لا يعني التكرار بالمماثلة الشكلية، فيكون السك اعتبارًا لذلك مميزا للدينار أو الدرهم المسكوك عن غيره وتكون صنعة السك ملحوظة في المثلية، وهذا كل ما يمكن أن يتعلق به عند الأخذ برأي ابن القيم ومن نحا نحوه في مسألة بيع المصوغ بجنسه مع اعتبار أجرة الصنعة ونحن نكره ولا نحرمه.
ثم قال السنهوري:
ثم تنتهي الحاجة إلى تكون عامة شاملة لا تقوم بفرد بالذات دون غيره، بل تكون في طبيعة المعاملة نفسها فبيع المصوغ بأكثر من وزنه ذهبًا أو فضة دعت إليه حاجة العامة على أن تكون لصنعة الصياغة قيمة يقابلها شيء من الثمن، وإلا اندثرت هذه الصناعة مع قيام الحاجة إليها فما دامت هناك صياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها والناس في حاجة إليها، فالحاجة تقوم عامة شاملة إلى شراء المصوغ بأكثر من وزنه.
стр. 6669
قلت: هذه الحاجة ليست قائمة في الواقعة ذلك بأن التعامل في العهد النبوي كان قائمًا على ازدواجية النقد، فإذا قلنا بمنع شراء المصوغ بنوعه متفاضلا، فإننا لا نقول بمنع شرائه بنوع آخر من جنس النقد نفسه، بل يباح إجماعًا شراء مصوغ الذهب بالفضة وشراء مصوغ الفضة بالذهب متفاضلا وزنا وعددا وثمنا اعتبار للصناعة واختلاف النوع، وإن اتفق الجنس باعتبار النقدية هي الجنس وقد نقلنا عن أبي بكر وعمر من عملهما ما يدل على ذلك.
ثم قال السنهوري:
وفي نظام اقتصادي رأسمالي كالنظام القائم في الوقت الحاضر في كثير من البلاد - ويتميز بأن رؤوس الأموال تكون مملوكة للأفراد والهيئات والمصارف وليست مملوكة للدولة - تدعو الحاجة العامة الشاملة إلى حصول العامل على رأس المال حتى يستغله بعمله وقد أصبحت شركات المضاربة والقراض - قلت: وهما واحد - ونحوها غير كافية للحصول على رأس المال اللازم.
حقًّا أن شركات المساهمة وشركات التوصية تسمح في كثير من الأحوال بأن يستثمر صاحب رأس المال ماله في شراء أسهم هذه الشركات، فيشترك في الربح والخسارة ولكن القروض هي الوسيلة الأولى في النظام الاقتصادي الرأسمالي القائم للحصول على رؤوس الأموال، وحتى في الشركات المتقدم ذكرها توجد إلى جانب الأسهم - وهي حصص الشركاء الذين يساهمون في الربح والخسارة - السندات وهي القروض التي تقدم لهذه الشركات والمقترض هنا كما سبق القول هو الجانب القوي والمقرض هو الجانب الضعيف الذي تجب له الحماية فما دامت الحاجة قائمة للحصول على رؤوس الأموال من طريق القرض أو غيره، وما دام رأس المال ليس ملك الدولة، بل هو ملك الفرد ادخره بعمله وجهده فمن حقه أن لا يظلم فيه ولا يظلم ما دامت الحاجة قائمة، إلى كل ذلك فإن فائدة رأس المال في الحدود المذكورة تكون جائزة استنثاء من أصل التحريم.
نقول في الحدود المذكورة ونقصد بذلك: (أولا) ألا يجوز بحال مهما كانت الحاجة قائمة أن تتقاضى فوائد على متجمد الفوائد فهذه هو ربا الجاهلية الممقوت، (ثانيا) وحتى بالنسبة للفائدة البسيطة يجب أن يرسم لها " المشروع " - لعل صوابه: المشرع حدودا لا تتعداها من حيث سعرها ومن حيث طريقة تقاضيها ومن حيث مجموع ما يتقاضى منها، ومن وجوه أخرى كثيرة ينبغي على المشرع أن يتحراها وذلك حتى تقدر الحاجة بقدرها.
٥- وحتى بعد كل هذا، فإن الحاجة إلى الفائدة لا تقوم - كما قدمنا - إلا في نظام رأسمالي كالنظام القائم، فإذا تغير هذا النظام - ويبدو أنه في سبيله إلى التغير - وأصبح نظامًا اشتراكيًّا رؤوس الأموال فيه بيد الدولة لا بيد الأفراد، عند ذلك يعاد النظر في تقدير الحاجة فقد لا تقوم الحاجة في ظل النظام الاشتراكي فيعود الربا إلى أصله من التحريم.
قلت: هذه الفتوى الحذرة بادية التحرج من السنهوري قائمة على أساس لا يمكن التسليم به، ويظهر أن تسليم السنهوري به مرده إلى أن علاقته بالفقه ليست أصيلة كعلاقته بالتشريع الوضعي.
стр. 6670
ومدار الأساس الذي بنى عليه فتواه هذه المتحرجة هو:
١- التسليم بعدم جدوى نظام القراض، وما شاكله من النظم الإسلامية في مواجهة حاجات من يعمل في الإنتاج - تجارة أو صناعة أو فلاحة - إلى رأس المال الذي ييسر له ما يبتغيه.
وهذا التسليم خطأ؛ لأن ما تراءى له من عجز هذه الأنظمة عن تلبية تلك الحاجات ليس مرده إلى عجز ذاتي فيها، وإنما مرده إلى انصراف الناس عن التعامل بها إما للجهل بمناهجها جهلا أدى بهم إلى الشك في جدواها، وإما لانعدام الثقة بين صاحب المال والراغب في العمل انعداما نتج عن افتقار الطرفين إلى الأخلاق الإسلامية السليمة التي تهيمن على مواجد المسلمين وتصرفاتهم هيمنة تجعل منها قوة متكاملة بحيث تطمئن المواجد إلى التصرفات وتكفل التصرفات أسباب الطمأنينة للمواجد، فليس النقص إذن في أنظمة الاستثمار في الإسلام وإنما النقص في التكوين النفسي للمنتسبين إلى الإسلام وهذا النقص لا يسوغ ما يريد السنهوري وأمثاله تسويغه من تحليل ما حرم الله بحجة الحاجة.
٢- قضية الظرفية التي اعتمدها السنهوري إذ علل فتواه بقيام نظام رآه لا يستجيب لمقتضيات تطبيق الأنظمة الإسلامية، وهي قضية غير مسلمة له أيضا فمن حيث جوهرها لا يجوز استعمال الظرفية التي يضعها الإنسان اختيارا كوسيلة لوقف العمل بنص قرآني أو سني أو للتمحل في تأويله، ونقول التي يضعها الإنسان اختيارا تحرزًا من التي تحدث له اضطرارًا بقضاء وقدر مثل عام المجاعة (الرمادة) الذي أوقف فيه عمر قطع يد السارق، فهذه ليست من صنع البشر وإنما كانت قدرًا أحسن عمر تقدير ملابساتها ونتائجها فتبين أن موجبات القطع، بل مواصفات السرقة غير متوفرة فيما حدث يومئذ فهو في واقع الأمر لم يوقف العمل بنص قرآني، وإنما أحسن فهمه وتصرف طبقا لما وقر في نفسه أنه الحدود الضابطة لأحكام النص وغير المتوفرة فيما حدث يومئذ.
وليس كذلك قيام وضع صنعه البشر وليس للقدر القاهر أي دخل في إقامته؛ إذ إن البشر الذين صنعوه يستطيعون تغييره، وإذا قيل: أنه من صنع قوة حاكمة متسلطة لا سبيل إلى إجبارها على تغييره، قلنا: كذلك كان استبعاد الشعوب الإسلامية من صنع قوى قاهرة، ومع ذلك استطاعت الشعوب تغييره أو هي بسبيل النجاح في تغييره ومن الوسائل المتاحة للفرد المسلم لتغيير أي نظام مالي أو اقتصادي لا يقوم على الأسس الإسلامية أو لا يستجيب لمقتضياتها أن يمسك عن كل عمل لا تقوم عليه ضرورة الحفاظ على حياته، وما من أحد يستطيع أن يزعم أن الاقتراض بالفائدة مهما تكن بسيطة تدعو إليه ضرورة المحافظة على الحياة كما تدعو الضرورة من أشرف على الموت جوعًا إلى إنقاذ حياته بأكل الميتة ولحم الخنزير.
стр. 6671
سيقولون: إن الأمة الإسلامية بحاجة قد تبلغ درجة الضرورة الجماعية إلى النماء الاقتصادي لتدعيم كيانها والتحرر من استعباد القوى الأجنبية التي تتخذ من أسلحتها الهيمنة الاقتصادية المترتب عليها التقدم التقني والصناعي، وهذه شبهة حرية بأن تحرج الكثير من الأغرار لولا أن واقعا نعايشه الآن يدحضها دحضًا فادحًا.
فقد عاش الاتحاد السوفياتي قرابة نصف قرن شبه منعزل تماما عن المعسكر الرأسمالي الغربي وجل عقود هذه الفترة كان فيها يواجه حصارا اقتصاديًّا مطبقًا، ومع ذلك استطاع - لا إنه يحتفظ بوجوده فحسب - بل أن يصبح إحدى القوتين العظميين المسيطرتين على العالم سيقولون: إنه لا يزال متخلفًا تقنيًّا وما يزال مستوى المعيشة فيه متدنيًا جدًّا بالقياس إلى مستوى المعيشة في المعسكر الرأسمالي، بيد أن الذي يدحض هذا القول هو أن الإسلام لا يجعل ارتفاع مستوى المعيشة عنصرًا يجب اعتباره عند ضبط قواعده التشريعية، أما التخلف التقني نسبيًّا فما من شك في أنه لم يتخلف به على أن يكون قوة قاهرة، ويوم أصبح هذه القوة أخذ مالكو التقدم التقني يتحايلون مع أنفسهم وأنظمتهم لامداده بما ينقصه من بعض أطوار التقنية وحتى لو أنهم دأبوا على الحيلولة بينه وبين الحصول على تلك الأطوار فإنه ما من شك سيلتحق بهم وإن بعد فترة طويلة.
مهما يكن، فإن اعتبار الظرفية التي صنعها البشر مسوغًا لتحليل ما حرم الله اعتبار لا تبيحه قواعد التشريع الإسلامي.
على أن الأنظمة الاشتراكية التي يعلق عليها السنهوري آماله في إمكان إعادة النظر في فتواه هذه يوم تهيمن على الأمة الإسلامية ليست في مجموعها بالقابلة للتجاوب الكامل مع ضوابط ومقتضيات التشريع الإسلامي، ذلك بأن الإسلام يضع ضوابط دقيقة منيعة لتدخل الدولة في ملك الأفراد وقد بسطنا هذه الضوابط وما يتصل بها بسطًا نرجو أن يكون وافيًا في بحثنا " الإسلام وانتزاع الملك للمصلحة العامة " لا سيما في الفصول الأخيرة منه ولا سبيل إلى الزعم بأن الإسلام نظام اشتراكي، كما حاول مصطفى السباعي ومن على شاكلته - يغفر الله له - أن يقرر فأجهد نفسه ولم يأت بطائل، وكذلك لا سبيل إلى الزعم بأن الإسلام نظام رأسمالي إنما السبيل هو إلى القول - بتأكيد مطمئن - أن النظام الإسلامي نظام وسط وليس رأسماليًّا بحتًا ولا هو اشتراكي بحت وعلى المسلم في هذه الفترة من انبعاثه أن يكافح لإقرار هذا النظام كفاحه لتحرير الأرض وتحرير الفرد والمجتمع، أما أن يصانع هذا النظام أو ذاك من الأنظمة المنحرفة عن ضوابط الشريعة الإسلامية بحجة هيمنتها على الأوضاع العامة ومقاليد السلطة مصانعة يتذرع إليها بالتمحل في تأويل النصوص الشرعية أو بالجرأة على وقف العمل بها بحجة " الحاجة " أو الضرورة، فذلك انحراف عن طبيعة الشريعة الإسلامية وعن صريح نصوصها مثل قوله : ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الآيتان ١١٩ و ١٢٠ من سورة الأنعام] ، وقوله ﷻ : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الآيتان ١١٦ و ١١٧ من سورة النحل] .
стр. 6672
٣- على أن السنهوري أغفل في اعتباره - وهو يجترئ على الإفتاء بما أفتى به - الجانب الخلقي من تحريم الربا، كما أغفل الجانب العملي أيضا من تحريمه ومن تشريع الذين شرعوه، فالقول بإباحة الفائدة البسيطة للحاجة يقضي قضاء مبرمًا على الأساس الخلقي أو المناط الخلقي لتحريم الربا، وهو حمل القادر على مساعدة العاجز وهذا الأساس قد لا ينحصر في دائرة الندب وإنما يتعداه إلى دائرة الوجوب، وقد أوضحنا ذلك في بحثنا " الإسلام وانتزاع الملك للمصلحة العامة " في الفصل الذي بينا فيه معنى الكنز في قوله : ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الآية ٣٤ من سورة التوبة] . وكيف أن الإنفاق المراد في هذه الآية ليس بالضرورة الصدقة، بل قد يكون ترويج المال بحيث يستفيد منه المجتمع الإسلامي وعدم ادخاره إذا كان ادخاره ضارًّا بالمصلحة العامة للمسلمين.
وإباحة الفائدة البسيطة كما أراد السنهوري يبطل هذا المدلول من دلالة الآية الكريمة، ثم إن التجربة أثبتت أن ما يسميه السنهوري الفائدة البسيطة تتحول تدريجيًّا إلى كارثة ماحقة ولسنا بسبيل التأريخ لعمليات الربا وتطورها لكنا نشير فحسب إلى أن أسباب التضخم النقدي في كل من الصين واليونان والرومان، وكذلك أسباب نشأة النظام الطبقي مردها إلى شيوع العمليات الربوية التي كثيرا ما تبدأ بمثل ما يسميه السنهوري الفائدة الضعيفة، ثم تتطور حتى تصبح كارثة ماحقة ولعل ذلك بعض ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الآيات ١٣٠ و ١٣١ و ١٣٢ من سورة آل عمران] ، فقوله جلاله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ، لا يعني تكرار المعنى باشتقاقين لكلمة واحدة وإنما يعني - والله أعلم بسرائر كتابه ولطائف تشريعه - الإشارة إلى التدرج الطبيعي للعمليات الربوية بحيث قد تبدأ يسيرة بيد أنها لا تلبث أن تتضاعف ثم تتضاعف تلك الأضعاف وجلي فارق الدلالة الزمنية بين الصيغة المصدرية في (أضعافًا) وصيغة المفاعلة في (مضاعفة) واختلاف الصيغ في القرآن لا يجيء لمجرد النظم التعبيري، وإنما يجيء لدلالات مقصودة لذاتها لا يتأتى التعبير عنها بدونه وذلك من مظاهر الإعجاز في القرآن الكريم.
ويتراءى لنا أن من أسباب انزلاق السنهوري وغيره ممن تجرؤوا على الإفتاء بما حرم الله، بدعوى تعين الحاجة أو الضرورة، أنهم لم يستطيعوا إدراك سرائر التعبير القرآني ولا إدراك خفايا مناط التشريع، وأنى لمن عجز عن ذلك أن يستقيم له فهم أو اجتهاد في حكم من أحكام الله.
стр. 6673
ثم مضى السنهوري بناء على أساسه الذي ناقشناه آنفا، أن يحاول الاعتذار أو التسويغ لتشريعات الدول العربية المبيحة للربا في الإطار الذي حدده في فتواه، زاعما بأن تلك التشريعات لم يغب عنها الملحظ الذي التزمه في هذه الفتوى غافلًا عن أن الأوضاع التي هيأت للمشرعين العرب - والإسلام هو الغالب في جميع البلاد العربية - أن يكون إليهم أمر التشريع في بلدهم تقطع عنهم كل عذر إذا هم لم يعتبروا الوجود الإسلامي في بلادهم باعتباره دين الأغلبية الغالبة، فيلتزم بضوابطه التشريعية، إن صيرورة أمر التشريع إليهم تحملهم جميع التبعات المترتبة عن عدم الالتزام الدقيق بأحكام الشريعة الإسلامية ولا سبيل إلى التماس الأعذار لهم في ذلك بدعوى ضرورة الاتساق مع الأوضاع السائدة في البلاد غير الإسلامية التي تلجئهم الحاجة إلى التعامل معها؛ لأن اعتبار هذا الاتساق قد يكون له وجه في التشريعات المتعلقة الداخلية الراجع أمرها إلى ما هو من مشمولات السيادة البحتة.
على أن ما له علاقة بالتشريعات الخارجية نفسه يمكن تكييفه مع ضوابط التشريع الإسلامي، وذلك ما سنلمع إليه بعد قليل.
ثم إن العالم قد عرف نوعين من التشريع الوضعي العلماني في المجالين الاقتصادي والمالي مسافة الخلف بينهما أحيانا أوسع من مسافة الخلف بين الواحد منهما وبين ضوابط التشريع الإسلامي، ومع ذلك تعايشا وتعاملا بمنافرة أحيانا ذلك ما لا ننكره وبمسالمة أحيانا أخرى وفي كلتا الحالتين أمكن لهما التعايش والتعامل وهما النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي، فلماذا يجفل المشرع المسلم أو المشرع في البلاد الإسلامية من أن يكون صاحب نظام ثالث يفرض نفسه على النظامين الآخرين أن يتعايشا معه وخاصة فيما هو من شؤونه الداخلية ولا علاقة له بغيره، ولا يؤثر بأية حال من الأحوال في تعامله مع الآخرين؟ إلا أن يكون السبب هو مجرد التحرج من أن يقول الآخرون: إنه مسلم ملتزم ومن أن يعاملوه بالجفاء والمناوشة من أجل التزامه بالإسلام وأحكامه. أليس هذا في ذاته مخجل مخز لما يجسمه من الذلة والخضوع.
وكيف كان دعاة الاشتراكية والماركسية أجرأ في دعوتهم - وهم لا يرجون الله وقارًا إنما يرجونه لدنياهم فحسب - من المشرع المسلم أو المشرع للبلاد الإسلامية، فما من أحد ينكر ما أثبته التاريخ من أنهم واجهوا من سدنة النظم الرأسمالية أعنف مما يمكن أن يواجهوا وأقساه من جفاء وحصار ونذر متواصلة مختلفة اللهجات والأشكال، ورغم ذلك ثبتوا بصمود عجيب ليس في دعوتهم فحسب، بل في عملهم على التمكين لها وتركيزها وترسيخها نظامًا ثابت الدعائم ومنهاجا واضح المعالم وإجبار العالم كله على اعتبارها واحتسابها فيما يحتسب من النظم والمناهج وهو يرسم مساره ويعين مصيره ويكيف مسيرته.
стр. 6674
وقد وقفنا هذه الوقفة الطويلة مع السنهوري، فيما أحسن فيه وفيما أساء؛ لأن إحسانه أكثر من إساءته ولأن الموضوع يجديه بيان ما أحسن فيه، وما أساء جدوى لا غناء له عنها، ولأن ما أساء فيه كان فيه أفضل من غيره وأحسن عرضا وأوجه حجاجًا بل كان فيه الرائد أو من الرواد لغيره ممن يتبجحون اليوم بالنزوع إلى منزعه ذاك وكأنهم اكتشفوه باجتهادهم وما هم في الواقع غير مجرورين مجترين غاية أمرهم ترجيع ما سبقوا إليه في لهواتهم وادعاء تبعاته على أنهم لم يحسنوا حتى ترجيعه، بل تنزلوا به إلى مستوى من السذاجة والسماجة غير جدير بأي التفات أو اعتبار، ولما كان لا مناص من مناقشة هذا المنزع كانت مناقشة السنهوري هي التصرف السليم.
وقد وقف من هؤلاء " المرجعين " المجترين موقف الداحض الدامغ نفر من " الراجعين إلى الفقه السليم " إذ يعالجون ما يتصل بهذا الموضوع من قريب أو بعيد، ولعل من أجودهم حجاجًا وأجلاهم بصيرة عبد الله عبد الرحيم العبادي في أطروحته " موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة " (ص ١٣٠ - ١٣٢) وفيما يلى صفوة من كلامه الرشيد:
" إنه مما لا يغيب عن الأذهان أن الذين كانوا يستدينون أموالا نظير زيادة (ربا) تتراكم عليهم في كل عام أو في كل شهر في العهد الجاهلي، لم يكن الدافع إلى ذلك سوى الحاجة وقد تلجئه الضرورة ولم يكن سوى ذلك.
قلت: اقتبس هذا القول مما نقله السنهوري من كلام الدواليبي، ونقلناه عنه فيما مضى، ولسنا ندري كيف لم يقنع الدواليبي نفسه بهذه القاعدة التي أصلها بنفسه فنزع منزعه ذاك؟!.
ثم قال العبادي:
قال الإمام ابن تيمية - حرمه الله - نقله عن القواعد النورانية وأحال على: ص ١١٧، على عهدته:
إن ما يتعامل به (الربا) المحتاج وإلا فالموسر به لا يأخذ ألفا حالة بألف ومائتين مؤجلة إذا لم يكن له حاجة بتلك الألف وإنما يأخذ المال بمثله وزيادة إلى أجل من هو محتاج إليه فتقع تلك الزيادة ظلمًا للمحتاج.
وقال الإمام ابن القيم - وأحال على - (أعلام الموقعين: ٢/٥٤) ، - ص ١٣٥، من نسختنا وقد سبق أن نقلنا كلامه - بعد أن ذكر صفة الربا الجاهلي وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج.
стр. 6675
ومع ذلك فإن القرآن الكريم قد حرم الربا تحريما قاطعًا، وحذر نبي الإسلام من تعاطي الربا وسد أبوابه كلها، ولعن آكله ومؤكله وشاهدين وكاتبه، وقال: هم سواء (١) أما بالنسبة إلى المصارف اليوم فلا يمكن أن نتصور الحاجة أو الضرورة ذلك أن الموعد الذي يأخذ الفائدة على وديعته من المصرف ليس في حاجة إلى أن يأخذ على ماله فائدة ولا هناك ضرورة تلجئه إلى مثل ذلك لأنه يملك المال وكذلك لا نتصور الضرورة في المقترض من المصرف لكي يباح له ذلك؛ لأنه لا يقترض ما يسد به رمقه كالحالة التي تلجئه للاضطرار وإنما المقترض من المصرف يأخذ الآلاف بل الملايين وكذلك لا نتصور الحاجة والاضطرار من المصرف المعطي للربا؛ لأنه يملك الملايين.
إن ذلك كلام تافه لأنه لا يستند إلى وقاع ولا إلى دليل ولا عقل وإنما هو خروج عن دائرة الحق.
قلت: الراجح أن هذا الكلام رد من العبادي على السنهوري وهو رد دامغ بلا ريب.
ثم قال العبادي:
وقد أفتى المرحوم الشيخ شلتوت شيخ الجامع الأزهر الأسبق بأن أخذ الربا من المصارف يجوز للحاجة والضرورة وهذا نص كلامه - نقله من فتاوى شلتوت وأحال على صفحة ٢٥١، ٢٥٢ - على عهدته طبعًا:
لا شك في أن القرآن حرم على المؤمنين التعامل بالربا والربا حدد بالعرف الذي نزل فيه القرآن بالدين يكون لرجل على آخر فيطالبه به عند حلول أجله فيقول له الآخر: أخر دينك وأزيدك على مالك فيفعلان ذلك وهو الربا أضعافا مضاعفة فنهاهم الله عنه في الإسلام.
قلت: شبهة وقع فيها " المتفقهون " فضلوا وأضلوا، وبيانها أنه لا قرينة تصرف لفظ الربا في القرآن الكريم إلى هذا النوع وحده من المعاملات التي كانت يومئذ جارية بين الناس وورود الآثار بأن هذا النوع هو سبب نزول الآية لا ينهض وحدة قرينة التخصيص بجعل " ال " في لفظ الربا للعهد وليس للجنس وسنوضح ذلك بعد قليل.
стр. 6676
ثم استطرد قائلا عن شلتوت:
وأضاف أن هذا الصنيع لا يجري عادة إلا بين معدم غير واجد وموسر يستغل حاجة الناس غير مكترث بشيء من معاني الرحمة التي يبني مجتمعة عليها والتي لو عدمت في المجتمعات لأصبحت كغابات الحيوانات المفترسة وهذا النوع من التعامل لا تقبل إنسانية فاضلة الحكم بإباحته.
إلى أن قال: وقد صرح بذلك بعض الفقهاء، فقالوا: يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح إن كان للأفراد ضرورة أو حاجة تبيح لهم هذه المعاملة وكان تقديرها مما يرجع إليهم وحدهم وهم مؤمنون بصيرون بدينهم فإن للأمة أيضا ضرورة أو حاجة كثيرا ما تدعو للاقتراض بالربح فالمزارعون كما نعلم تشتد حاجتهم في زراعاتهم وإنتاجهم إلى ما يهيؤون به الأرض والزراعة والحكومة كما نعلم تشتد حاجاتها إلى مصالح الأمة العامة وإلى ما تعد به العدة ... والتجار تشتد حاجاتهم إلى ما يستوردون به البضائع ... ولا ريب أن الإسلام الذي يبني أحكامه على قاعدة اليسر ودفع الضرر ... يعطي الأمة في شخص هيآتها وأفرادها في قلة أن تقترض بالربح تحقيقا لتلك المصالح التي بها قوام الأمة وحفظ كيانها.
وبعد ذلك تناول الأرباح التي يعطيها صندوق التوفير فقال: والذي نراه تطبيقا للأحكام الشرعية والقواعد الفقهية السابقة أنه حلال ولا حرمة فيه.
قلت: بعض هذا الذي قاله شلتوت سبق أن رددناه على السنهوري ودمغنا ما جاء من كلامه، لكن دعوى شلتوت أن بعض الفقهاء، قالوا: يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح ... إلخ دعوى لا نعرف لها دليلًا فمن هم هؤلاء الفقهاء؟ ولماذا لم يذكرهم ولم يحل على مصادره عنهم إلا إن كان يقصد رشيد ومن نراه ممن يحتج بقوله بعد أن رضي لنفسه ولفتواه الاستظهار بحفني ناصف وهو لا يعدو أن يكون شاعرًا أديبًا ثم كيف يبيح شلتوت لنفسه تقليد غيره خاصة من كان في مستوى رشيد رضا، وهو الذي يبدو في مجموع مؤلفاته يأنس من نفسه أنه فوق درجة التقليد والمقلدين وله اجتهادات موفقة، إن الذي يبدو لنا هو أن هذه الفتوى كانت لها ظروف خاصة مؤقتة ألجأته إلى ما يشبه " التقية " التي يأخذ بها الشيعة وهي ليست الوحيدة من نوعها في فتاويه ولا نقصد فتاويه المطبوعة فله غيرها مما نشرته الصحف له في أواخر أيامه يغفر الله له، لقد كان عالمًا جليلًا لكن لعله كان ضعيفًا لا يستمسك الامتحان.
وآية ذلك ما يضيفه العبادي بعد أن أوجز فتواه تلك فيما سبق حيث يقول:
وقد ثبت أن الشيخ - رحمه الله تعالى - قد رجع عن هذه الفتوى عندما دخل غرفة العمليات الجراحية وأجريت له العملية ولم يقدر له الشفاء، وقال الشيخ نور الدين عتر - أحال على كتابة " المعاملات المصرفية وعلاجها في الإسلام " ص ٦٥ " تعليق " - لكن وقفت على سند يدل على رجوعه قبل ذلك بزمن أخبرني من يوثق به من أهل العلم - كان ينبغي أن يذكره لتكون الشهادة ثابتة الأركان إن كان من العدول، فالمسألة هنا من الخطر بحيث لا تنزل عن رتبة الشهادة إلى رتبة الرواية أو الخبر - أنه قال له ولبعض الزوار في البيت: لا تأخذوا بفتواي في الربا والتأمين. وذكر نحو هذين أيضا وإخراجه كتاب التفسير بعد الفتوى يدل على ذلك لما فيه من إبطال ما اشتمل عليه كتاب الفتوى في هذه المسألة.
стр. 6677
قلت: بحث شلتوت ﵀ وغفر له (في تفسيره: ص ٤٧، ١٦٠) موضوع الربا بدقة وشمول وبيان بحثا لا أعرف له مثيلا لدى نظرائه ممن اضطربت مواقفهم من أمر الربا وبعد أن استعرض تاريخ الربا عند العرب وأقوال الفقهاء في ربا الفضل ومناط التشريع خلقيًّا واقتصاديًّا في تحريم الربا، قال:
تحت عنوان: (شبهات " العصريين " في استباحة الربا) :
يرى بعض الناس، أن الربا أصبح في عصرنا الحاضر معاملة عامة وأساسا من أسس الاقتصاد فإن المصارف المالية والشركات المختلفة التي لا غنى للأمة عنها تعتمد عليه في سائر معاملاتها وليس من الرأي ولا من مصلحة الأمة أن نشير عليها بهدم ذلك كله وأن تنفرد من بين الأمم بمعاملة خالية من الربا وأن نترك البيوت المالية الأجنبية تفيد من ثمرات هذا التعامل المالي دوننا وقد ارتبطت الدول والأمم بعضها ببعض، فلم يعد من الممكن أن تستقل أمة بنوع من المعاملة لا تعرفه غيرها وأن أساليب الإصلاح والعمران تستدعي رصد الأموال وتجميعها من الأفراد لتستغل فيما ينفع الأمة وتستدعي في كثير من الأحيان أن تقترض الحكومات من غيرها أو من الشعوب أموالا تضمنها بسندات ذات ربح مقدر فتمتص بذلك الأموال المدخرة المعطلة وتحولها إلى منافع ومصالح ترقى بها الأمة وتسعد.
يقولون هذا ويرون أن تحريم الإسلام للربا عائق عن بلوغ الأمة شأن أهل المدينة الحديثة مفض بها إلى الضعف المادي فالضعف الأدبي فالاستعمار
ومن الناس من يقول: إن اقتراض المحتاج قدرا من المال بفائدة ربوية " قانونية " - أحسبه يشير إلى السنهوري يمكنه من سد حاجته ويدرأ عنه الإفلاس والضياع، فلا يعقل أن يكون هذا ضررا أو فسادا وإنما هو نفع وصلاح ونحن نجد من المعاملات التي أباحتها الشريعة الإسلامية ما يعتمد على دفع الأقل عاجلا للحصول على الأكثر آجلا كالسلم فحيث أجاز الشرع معاملة السلم فيجر معاملة الربا فإن المعنى واحد.
وهذا موضوع قد أثير كثيرًا، وأشغل الأفكار منذ أنشبت المدنية الحديثة أظفارها في أعناق المسلمين - قلت: ما أبلغ هذا التعبير وأدق دلالته - وعمل أهل التشكيك في صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان عملهم المتواصل في الفتنة وزلزلة القلوب عن دين الله والقضية في الحقيقة ليست قضية الربا أو غيره من المعاملات المالية وإنما هي قضية الشريعة الإسلامية كلها وقد انصرف عنها أهلها وتعلقوا بأهداب غيرها من قوانين الأمم الغالبة المسيطرة عليهم ومن شأن المغلوب أن يولع بتقليد الغالب ويرى أكثر ما يفعله خيرا وصلاحًا ويزين له الشيطان أن نجاحه إنما يرجع إلى عدم تمسكه بما يتمسك به هو من القواعد والأصول والآداب والتقاليد.
لو كان للإسلام دولة وقوة لكان تشريعه هو المتبع، ولكان للأمم والشعوب من الوسائل الاقتصادية العملية ما يغنيهم عن الربا وغير الربا مما حرمه الإسلام، وإن للكسب لموارد طبيعية هي الأساس والفطرة، كالزراعة والصناعة والتجارة والشركات المساهمة والتعاونية ولا يستطيع أحد أن يقول: إن الشعوب لا تستطيع أن تقيم مدنيتها على أساس التعاون والتراحم ومساعدة الفقير والمحتاج وإقراضه قرضا حسنا على نظام يكفل لأصحاب الحقوق حقوقهم ولا يؤدي إلى إثقال كواهل المدينين واستلاب أموالهم بالباطل.
стр. 6678
إن هذه النظم الاقتصادية التي يتشدقون بها، ويأخذون على الإسلام عدم مجاراته لها قد صارت الآن في موضع الشك والتزلزل عند أهليها والمتعاملين بها، وأصبح العالم يميل إلى نظام اشتراكي يحول بين أن يوجد في الشعب طائفة قليلة العدد مستحوذة على المال منتفعة بما يدره عليها من الربح والجاه والنفوذ وطائفة هي الكثرة العاملة الناصبة لا هم لها إلا أن تكدح لهؤلاء وتجد في تنمية ثرواتهم ثم لا ينالها من هذا الكدح والنصب إلا أدنى القوت وأحط الملابس والمساكن وما الربا إلا الاعتراف بحق أصحاب الأموال في الامتياز على العاملين فهو مناقض لروح التيقظ مصادم لها، فإذا كان أهل هذه النظم قد بدءوا يفقدون إيمانهم بها بل فقدوا هذا الإيمان فعلا وأخذوا يلتمسون سبيلا آخر تستقيم به الحياة السعيدة للأمم أفلا يجدر بنا معشر المسلمين أن نخفف من حماستنا لها ومن ثقتنا بها؟
أترى لو كانت الجمهورية العربية المتحدة - جمهورية مصر العربية الآن - مثلا قادرة على أن تعمل بالتشريع الإسلامي فتلزم جميع ساكنيها بمنع الربا وتضع لهم أسلوبًا من التعامل يتفق ودينها أكان ذلك يضرها أو يعطل مرافق إصلاحها؟.
إننا لا نتردد في الإجابة عن هذا السؤال بالنفي، ولسنا في ذلك متجاهلين للحقائق ولا جاهلين سنن الاجتماع فإن الأمم تألف ما يوضع لها من النظم وتطمئن إليه وإذا عرف أفرادها أنه لا سبيل إلى نوع من التعامل لتحريمه التمسوا غيره ووطنوا أنفسهم على الاكتفاء بما أبيح لهم.
بهذا يتبين أن ما يزعمه الزاعمون من عدم إمكان التخلص من الربا ووجوب مجاراة الأمم في التعامل به ليس صحيحًا وأنه يمكنه تدبير الأمر على نحو يتفق مع ما تبيحه الشريعة لو أراد الناس ذلك مخلصين.
أما ما اعترضوا به من إباحة السلم فإن السلم بيع فيه ثمن ومثمن، وليس النقد هو كل شيء فيه وليس المشتري فيه دائما كاسبا فقد ترخص السلعة عند حلول الأجل وقد تغلو فالمخاطرة التي تكون في التجارة موجودة فيه على أن الربح في السلم ليس من شأنه أن يكون أضعافًا مضاعفة كالربح في النسيئة، وإذا فرضنا أن المشتري غبن صاحبه في صفقة السلم استغلالا لحاجته فإن الشريعة تحرم هذا وبعض المذاهب يجعل الغبن الظاهر من مفسدات العقد أيا كان.
وبقى علينا أن ننبه في هذا الشأن لأمر خطير، هو أن بعض الباحثين المولعين بتصحيح التصرفات الحديثة وتخريجها على أساس فقهي إسلامي ليعرفوا بالتجديد وعمق التفكير يحاولون أن يجدوا تخريجها للمعاملات الربوية التي يقع التعامل بها في المصارف أو صناديق التوفير أو السندات الحكومية أو نحوها ويلتمسون السبيل إلى ذلك، فمنهم من يزعم أن القرآن إنما حرم الربا الفاحش بدليل قوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ، فهذا قيد في التحريم لا بد أن يكون له فائدة وإلا كان الإتيان به عبثا تعالى الله عن ذلك وما فائدته في زعمهم إلا أن يؤخذ في مفهومه وهو إباحة ما لم يكن أضعافا مضاعفة من الربا.
وهذا قول باطل فإن الله أتى بقوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ، توبيخًا لهم على ما كانوا يفعلون وإبرازًا لفعلهم السيء وتشهيرا به، وقد جاء مثل هذا الأسلوب في قوله تعالى ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الآية ٣٣ منه سورة النور] ، فليس الغرض أن يحرم عليهم إكراه الفتيات على البغاء في حالة إرادتهن التحصن وأن يبيحه لهم إذا لم يردن التحصن ولكنه يبشع ما يفعلونه ويشهر به ويقول لهم: لقد بلغ بكم الأمر أنكم تكرهون فتياتكم على البغاء وهن يردن التحصن وهذا أفظع ما يصل إليه مولى مع مولاه، فكذلك الأمر في آية الربا يقول الله لهم: لقد بلغ بكم الأمر في استحلال أكل الربا إنكم تأكلونه أضعافًا مضاعفة فلا تفعلوا ذلك. وقد جاء النهي في غير هذه المواضع مطلقا صريحا ووعد الله بمحق الربا قل أو كثر، ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه كما جاء في الآثار وآذن من لم يدعه بحرب الله وحرب رسوله واعتبره من الظلم الممقوت وكل ذلك ذكر فيه الربا على الإطلاق دون تقييد بقليل أو بكثير.
стр. 6679
ومنهم من يميل إلى اعتباره ضرورة من الضرورات بالنسبة للأمة، ويقول: ما دام صلاح الأمة في الناحية الاقتصادية متوقفًا على أن نتعامل بالربا وإلا اضطربت أحوالها بين الأمم فقد دخلت بذلك في قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات ".:
وهذا أيضا مغالطة فقد بينا أن صلاح الأمة لا يتوقف على هذا التعامل وأن الأمر فيه إنما هو وهم من الأوهام وضعف أمام النظم التي يسير عليها الغالبون الأقوياء.
وخلاصة القول أن كل محاولة يراد بها إباحة ما حرم الله أو تبرير ارتكابه بأي نوع من أنواع التبرير بدافع المجاراة للأوضاع الحديثة أو الغربية والانخلاع عن الشخصية الإسلامية، إنما هي جرأة على الله وقول عليه بغير علم وضعف في الدين وتزلزل في اليقين وقد سمعنا من يدعو إلى البغاء العلني ويجيزه ويطالب بالعودة إليه ويرى أنه إنقاذ من شر أعظم يصيب الأمة من انتشار البغاء السري وبمثل هذا يتحلل المسلمون من أحكام دينهم حكمًا بعد حكم حتى لا يبقى لديهم ما يحفظ شخصيتهم الإسلامية نعوذ بالله من الخذلان ونسأله العصمة من الفتن.
قلت: قائل هذا القول هو نفس قائل ما ورد في الفتاوى فإن لم تكن ظروف خاصة حملته على ابتغاء " التقية " حيث قال مقولته في الفتاوى، فإنها زلة مجتهد على شاكلة مقولة ابن عباس ﵄ في ربا الفضل والأعمال بخواتيمها ويرحم الله شلتوت لقد حاج فدحض الباطل ودمغه وأخزى أهله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [الآية ١١٤ من سورة هود] .
وقد نقل هذا الذي نقلناه عن شلتوت من تفسيره نور الدين عتر بشيء من تصرفه في كتابه القيم (المعاملات المصرفية والربوية وعلاجها في الإسلام) وتعقبه بقوله: ص ٧١:
بقيت شبهة لم يتعرض لها مقال الشيخ شلتوت؛ لأنها حدثت بعد كتابته وهي شبهة من يزعم إباحة الربا مع المصرف المتأمم فهذه الشبهة أغرب وأعجب مما سبق لأن صاحبها قد عكس القول وقلب الأمر على غير وجهه، فكأنما الدولة في نظرهم غير مسؤولة عن سد ثغرات المجتمع ولا يفترض عليها الرفق بالأمة ورعايتها وإنما وظيفتها جمع الأموال فقط.
والذى نفهمه في أن حاجة المجتمع للإقراض ثغرة يجب على الدولة أن تساهم - خطأ صوابه: أن تسهم - في سدها يدلنا على ذلك الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الآية ٦ من سورة الأحزاب] ، فأيما مؤمن مات فترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ومن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني فأنا مولاه)) .
فالرسول ﷺ التزم سداد دين المسلمين والأداء عنهم وذلك تقرير منه لمسؤولية الحاكم عن سد هذا الثغر من ثغور المجتمع الإسلامي فإن كان بعض الناس قد ينازعن فيما فهمنا واستلهمنا من هذا الحديث ويدعي أن التصرف من النبي ﷺ تطوع شخصي ليس من باب مسؤولية الحاكم؟ فالجواب أن أقوال النبي ﷺ وأفعاله تشريع باتفاق الحكماء ما لم ينهض الدليل الجازم على تصرف ما بأنه من باب الخصوصية له صلى الله عليه سلم وليس هاهنا دليل أبدًا، بل إن الدليل يثبت أن هذا التشريع عام للأمة بحيث جاء الخلفاء الراشدون وتبعوا هذه الخطة وأصبح من المقرر إثبات مسؤولية الدولة عن سد ثغرات المجتمع.
стр. 6680
(١٥)
دحض شبه تعلقوا بها
الذين يحاولون - عن دخل في الفهم أو في الدين - بألوان مختلفة من التعلات والمزاعم والتمويهات تحليل الربا المصرفي، وما شاكله من أوضاع المعاملات المالية في هذا العصر يتعلقون بشبهات بعضها نقلنا دحضها في الفصل السابق وبعضها لم نقف على دحض دقيق حاسم لها على النهج الذي نؤثره، فارتأينا أن نتتبعها قبل أن ننتهي إلى الغاية من هذا البحث.
وأول هذه الشبهات زعمهم بأن الربا المحرم تحريمًا قطعيًّا هو ربا الجاهلية، أو الذي سموه كذلك تبعًا لظاهر عبارات جمهرة من الفقهاء.
وتلك ضلة انزلقوا فيها، ذلك بأن ألفاظ الشرع العزيز لا يمكن تخصيصها أو تقييدها إلا بقرينة أو دليل إن لم يكن في مستواها من القطع أو الظن، فلا أقل من أن يكون في مستوى أقره المحدثون والأصوليون باعتباره مقبولًا بكيان أو مخصص أو مقيد للفظ المراد بيانه أو تخصيصه أو تقييده، ولا نعرف - وما نظن - أن أحدًا يعرف قرينة أو دليلًا لتخصيص الربا الوارد في القرآن الكريم بما سموه ربا الجاهلية كما لو أنه يختلف جوهريًّا عن الربا الذي يريدون تحليله من معاملات العصر الحاضر.
ذلك بأن الربا الذي ورد تحريمه في آيات سورة البقرة، وسورة آل عمران، وورد التمهيد له في آية سورة الروم - وإن بلفظ منكر فيها - كان في آيات التحريم الصريحة في سورتي البقرة وآل عمران معرفًا بأل ولم يرد قبل هذه الآيات في السورتين، ولا ورد بعدها ما يمكن اعتباره قرينة على أن "ال" التعريفية للعهد الذكري، أو الذهني. وما ورد في الأخبار من أن سبب نزول آيات البقرة ربا ثقيف مثلًا لا ينهض دليلًا على تقييد لفظ الربا فيها أو في سورة آل عمران بنوع معين من أنواع الربا ولا على تخصيصه بذلك الذي قيل: إنه سبب نزول آيات سورة البقرة وبربا أهل مكة الذي قيل: إنه سبب نزول آية آل عمران، فمن المسلم به - ولا سبيل فيه إلى جدل أو مراء - أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومن المسلم به أيضًا أن رتبة الظن في أخبار أسباب النزول لا تبلغ في أغلبها رتبته في الأحاديث المبينة أو المفصلة لما ورد في الكتاب العزيز من آيات الأحكام، بل إن كثيرًا من أخبار أسباب النزول يتعارض بعضها مع بعض، فقد يدعى لنزول آية واحدة أكثر من سبب، فلا سبيل إذن إلى اعتبار هذه الأخبار من حيث قوة الاستدلال بها في مستوى الآيات أو الأحاديث المتعلقة بأحكام الربا، ولم يزعم أحد أن "أل" التعريفية في الربا ليست لاستغراق الجنس.
وفي ما يلي نصان في تحديد معنى كلمة الربا الأول تنقله عن ابن منظور الذي اعتمد فيه على كل من الزجاج والجوهري وثلاثتهم أيمة في اللغة ليس لأحد أن يغمز في إمامتهم.
قال ابن منظور في (لسان العرب: ١٤/٣٠٤، ٣٠٥) :
ربا الشيء يربو ربوًا ورباءً زاد ونمى وأربيته نميته، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [الآية ٢٧٦ من سورة البقرة] ، ومنه أخذ الربا الحرام. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الآية ٣٩ من سورة الروم] . قال أبو إسحاق - يعني الزجاج - يعني به دفع الإنسان الشيء ليعوض ما هو أكثر منه، وذلك في أكثر التفسير ليس بحرام، لكن لا ثواب لمن زاد على ما أخذ، قال: والربا ربوان: الحرام كل قرض يؤخذ به أكثر منه أو يجر منفعة، فحرام، والذي ليس بحرام أن يهبه الإنسان يستدعي به ما هو أكثر أو يهدي الهدية ليهدي له ما أكثر.
стр. 6681
ثم قال:
والأصل فيه الزيادة، من ربا المال إذا زاد وارتفع، والاسم الربا مقصور، وهو في الشرع الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع.
ثم قال:
وأربى عن الخمسين ونحوها زاد، وفي حديث الأنصار يوم أحد: لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لنربين عليهم في التمثيل، أي لنزيدنه ولا نضاعفن. الجوهري الربا في البيع، وقد أربى الرجل. وفي الحديث: من أجبى فقد أربى. وفي حديث الصدقة: وتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل.
وربا السويق ونحوه يربو صب عليه الماء فانتفخ، وقوله في صفة الأرض: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الآية ٥ من سورة الحج] . قيل: معناه عظمت وانتفضت، وقرأ فربأت فمن قرأ وربت فهو ربا يربو إذا زاد على أي الجهات زاد ومن قرأ وربأت بالهمزة فمعناه ارتفعت.
وساب فلان فلانًا فأربى عليه في السباب إذا زاد عليه.
أما الثاني فننقله عن إمام اللغة في العصر الحاضر بلا منازع ولا مثيل: محمد الطاهر بن عاشور ﵀ وما من أحد يستطيع أن يشتبه في ضلاعته في العربية لغة وأدوات.
قال في (التحرير والتنوير: ٣/٧٩، ٨١) :
والربا اسم على وزن فعل بكسر الفاء وفتح العين لعلهم خففوه من الرباء - بالمد - فصيروه اسم مصدر لفعل ربا الشيء يربو ربوًا - بكسر الباء على القياس كما في الصحاح، وبضم الراء والباء كعلوا - ورباء بكسر الراء وبالمد مثل الرماء إذا زاد، قال تعالى: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الآية ٣٩ من سورة الروم] وقال: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الآية ٥ من سورة الحج] ، ولكونه من ذوات الواو وثني ربوان.
ثم قال:
والربا يقع على وجهين، أحدهما: السلف بزيادة على ما يعطيه المسلف. والثاني: بزيادة إلى أجل يعني، فإذا لم يوف المستسلف أداء عند الأجل كان عليه أن يزيد زيادة يتفقان عليها عند حلول كل أجل.
ثم إن الحديث الذي تعلقوا به في دعواهم أن الربا المحرم تحريمًا قطعيًّا هو ما سموه ربا الجاهلية، وهو حديث وضع رسول الله ﷺ لربا الجاهلية كله، ومنه ربا عمه العباس ﵁ في خطبته المشهورة في حجة الوداع لا دليل لهم فيه لسببين، الأول: ما جاء في لفظ الحديث على اختلاف طرقه - وسنورد طائفة منها بعد قليل - من التعبير بكلمة "كل" فيما جاء في بعض طرقه ((ألا وإن كل ربا في الجاهلية ... )) الحديث.
ولا يغمز في هذا ما جاء في رواية مسلم من قوله:" وربا الجاهلية " "الحديث عار عن لفظة "كل" لأن الإسلام في عهده ﷺ قد قضى على جميع المعاملات الربوية بين المسلمين إن لم يكن منذ نزلت آية سورة الروم، فمنذ نزلت آية سورة آل عمران وزيادة كلمة "كل" زيادة من ثقة وهي مقبولة بلا مراء.
стр. 6682
أما الثاني فهو أن ربا العباس الذي نسبه رسول الله ﷺ إليه وإلى بني هاشم عامة كانت نتيجة إقراض ولم يكن نتيجة مبايعة، وآية ذلك ما قاله جواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: ٧/٤٤٠، ٤٤١) :
وكان العباس بن عبد المطلب من أثرياء قريش كانت له ثروة واسعة من نقود ومن ذهب وفضة وقد استغل ماله بالتجارة وإقراضه بالربا قيل عنه: إنه كان ذا مال كثير متفرق في قومه كان يقرضهم ويسلفهم ويشاركهم في تجارتهم.
ثم قال: وكانت أم العباس غنية على ما يظهر، ذكر أنه ضاع وهو صغير نذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فوجدته فكست البيت الحرير، فهي أول من كساه كذلك، وكان له مال في الطائف، فإذا كان الموسم جيء إليه بالزبيب ينتبذه للحجاج، فقد كان المتولي لأمر السقاية بمكة، وذكر أنه كان يملك (مكوكًا) (١) مصوغًا من فضة مموهًا بالذهب يشرب به.
فالعباس إذن كان أشهر بالإقراض منه بغيره من عمليات الاستثمار وتاريخ أهل مكة التجاري لا يسجل للعباس تنقلات كثيرة على حين يسجل له تاريخ أصحاب المال من أهل مكة أنماطًا من الحياة المترفة التي لا تتأتى إلا مع الاستقرار.
ولا سبيل إلى الاشتباه بأن العباس كان يقرض أموالًا بدون فائدة فإذا عجز المقترض عن الأداء أجل له وزاد؛ لأن عملية الاقراض هي من الأسس الرئيسية لديه لاستثمار أمواله بل لعلها كانت أنشط في تصرفاته من التجارة التي كان يسهم فيها بالاشتراك في القوافل ببضائعه وأمواله وليس بنفسه في أغلب الأحوال كذلك كان يفعل غيره من أغنياء مكة مثل عبد الله بن جدعان.
بل إن أصل مال العباس - على ما يظهر- ليست تجارة، وإنما هو مال واسع كان لوالدته، فهو إذن قد نشأ في بيت دعة ورفاء، ولم يكن بحاجة إلى أن يعنت نفسه بالأسفار لتنمية ثروته، ومثل هذا النوع من الرجال يكون أميل إلى معاملات القرض التي هي أقل خطرًا باعتبار اختيار المقترضين منه إلى الأعمال التجارية، التي كثيرًا ما تكون عرضة للضياع، ليس فحسب لما يعتريها من الخسارة ولكن أيضًا لما يعترضها من سطو الصعاليك وقطاع الطرق.
стр. 6683
وأكبر الظن - والله ورسوله أعلم بأسرار التشريع - أن هذا أحد السببين اللذين من أجلهما وضع رسول الله ﷺ في حجة الوداع ربا العباس مع رأس ماله على حين وضع ربا غيره بإلغاء الفوائد مع الإبقاء على رؤوس الأموال، أما السبب الثاني فهو أن العباس كان مسلمًا يسر إسلامه إلى أن التحق برسول الله ﷺ في المدينة قبيل فتح مكة، ومع أن رسول الله ﷺ لم يقبل دعواه الإسلام حين أسر في بدر، فألزمه بفداء نفسه اعتمادًا على ظاهر أمره، فإنه اعتبر دعواه الإسلام ملزمة له ولذلك عامله على أساس هذا الاعتبار فوضع عن المقترضين منه جميع ما يدينون له به من فائدة ورأس مال لشبهة أن يكون رأس المال نفسه من الفوائد الربوية التي أخذها في فترة إسلامه وهو بمكة أو عقابًا له على أساس تغليظ العقاب لاستمراره على التعامل بالربا مع إقراره بالإسلام.
ومهما يكن فليس في حديث حجة الوداع ما يدل من قريب أو بعيد على أن ربا الجاهلية، وخاصة ربا العباس الذي وضعه رسول الله ﷺ عندئذ يختلف كله - إن ثبت أن بعضه يختلف - عن أنماط الربا التي يريد هؤلاء المشبوهون أو المشتبهون تحليلها وفيما يلي بعض طرق هذا الحديث.
قال أحمد (المسند: ٥/٧٢، ٧٣) :
حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة. أخبرنا على بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه قال: كنت آخذ بزمام ناقة رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس فقال: ((أيها الناس، أتدرون في أي شهر أنتم وفي أي يوم أنتم؟)) قالوا: في يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام، وقال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه)) ثم قال: ((اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه، ألا وإن كل دم ومال ومؤثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة، وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعًا في بني ليث، فقتلته هذيل ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع وأن الله قضى أن أول ربا وضع ربا العباس بن عبد المطلب لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ... )) الحديث.
قال مسلم في (الصحيح: ٢/٨٨٩، ح١٢١٨) :
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعًا عن حاتم، قال أبو بكر: حدثنا حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت: أنا محمد بن علي بن الحسين، فأهوى بيده على رأسي فنزع زري الأعلى، ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحبًا بكل يا ابن أخي سل عما شئت (١) فسألته وهو أعمى وحضر وقت الصلاة، فقام في نساجه متلحفًا بها كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليه من صغرها ورداؤه إلى جنبه على المشجب، فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ .
стр. 6684
وساق حديث جابر عن حجة الوداع بطوله وفيه:
فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث- كان مسترضعًا في بني أسد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله ... الحديث.
وقال الطبري في (تاريخ الرسل والملوك: ٣/١٥٠) :
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح قال - أي في معرض حديث حجة الوداع -: ثم مضى رسول الله ﷺ على حجه، فأرى الناس مناسكهم وأعلمهم سنن حجهم، وخطب خطبته التي بين للناس فيها ما بين فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلنى لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وحرمة شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وإن كل ربا موضوع ولكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله. ثم ساق الحديث بطوله.
وقال الترمذي في (الجامع الصحيح: ٥/٢٧٩، ح٣٠٨٧) :
حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن شبيب، عن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، حدثنا أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال: أي يوم أحرم عليكم، أي يوم أحرم، أي يوم أحرم؟ قال: فقال الناس: يوم الحج الأكبر يا رسول الله قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا يجنى جان إلا على نفسه، ولا يجني والد على ولده ولا ولد على والده، ألا إن المسلم أخو المسلم فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحل من نفسه، ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، غير ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله ... الحديث.
وتعقبه الترمذي بقوله: هذا حديث حسن صحيح.
وقال أبو داود في (السنن: ٢/١٨٢، ح١٩٠٥) :
حدثنا محمد بن عبد الله النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار وسفيان بن عبد الرحمن الدمشقيان، وربما زاد بعضهم على بعض الكلمة والشيء، قالوا: حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، وساق شبه حديث مسلم الذي اقتبسنا منه آنفا يزيد عليه وينقص، وفيه فخطب الناس فقال: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أضعه دماؤنا دم- قال عثمان: دم ابن ربيعة، وقال سليمان: دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقال بعض هؤلاء: كان مسترضعًا في سعد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله ... الحديث.
стр. 6685
وقال ابن ماجه في (السنن: ٢/١٠٢٢، ١٠٢٧، ح٣٠٧٤) :
حدثنا هشام بن عمار، حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله وساق حديث حجة الوداع بقوله وفيه:
إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، ودماء الجاهلية موضوع، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث (كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل) ، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله ... الحديث.
وقال الدرامي في: (السنن: ٢/٢٤٦) :
حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه، قال: كنت بزمام ناقة رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق أذود الناس عنه، فقال: ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع، ألا وإن الله قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون.
أم الشبهة الثانية فهي زعمهم بأنه لا يوجد نص يحرم الزيادة البسيطة فهي زعمهم؛ إذ إنه لا يوجد اجتهاد أساسه القياس أو المصلحة المرسلة.
ومرد هذا الزعم إلى أنهم قصروا عن إدراك فقه كلمات رسول الله ﷺ أو كلمات الصحابة الذين رووا عنه - إن قال قائلهم: إنه لا دليل على أن الرواية كانت باللفظ فقد تكون بالمعنى - أو قصروا في تفهمها واستقصاء مقاصدها ومعانيها وهذا ما يستوضحه بالحجة الدامغة التي لا تبقي لهم عذرًا ولا تعلة.
ففي حديث أبي سعيد الخدري الذي أوردنا طائفة صالحة من طرقه في فصل "أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف" وردت عبارة "ولا تشفوا بعضها على بعض" أو "ولا يشف بعضها على بعض" وما شاكل ذلك ومهما اختلفت الصيغة، فإن كلمة "شف" أو "أشف" وردت في هذا الحديث الشريف الذي رواه كل من عبد الرازق ومالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن حبان والطبري وابن الجارود والطحاوي من طريق نافع وبعضهم عنه، عن ابن عمر، عن أبي سعيد مباشرة - وهذا لا تغاير فيه، فقد صحب نافع أباه إلى أبي سعيد حين سمع الحديث منه كما جاء في بعض طرقه في الفصل المذكور آنفًا - وهو عند جلهم بأكثر من سند واحد.
بل إن عمر يستعمل نفس العبارة في خطاب له عن الربا فيما أخرج الشافعي والطبري والطحاوي عن طريق نافع، عن ابن عمر، وجلي أن عمر كان في هذا الخطاب وهو يحذر من الربا متعمدًا أن يستعمل لفظ رسول الله ﷺ وإن لم يرفعه وذلك على سبيل الاقتباس وأحسبه اكتفى عن رفعه بأن الصحابة الذين كانوا يستمعون إليه - رضوان الله عليهم جميعًا - بلغهم مباشرة أو بواسطة عن رسول الله ﷺ ، فرأى في اقتباسه تذكيرًا لهم به دون حاجة إلى الرفع أو الإسناد وهم يومئذ أعظم ثقة ببعضهم بعضًا من أن يحتاجوا إلى التصريح بالرفع، لا سيما إذا كان الراوي أو المقتبس أمير المؤمنين عمر.
والتعبير النبوي الشريف واقتباس عمر له بمادة "شف"، ومضارعها ثلاثيًّا أو رباعيًّا كان عن فقه دقيق لمعناها وقصد إليه بالذات، وهو من روائع البلاغة النبوية وآية ذلك ما ننقله الآن عن رجال اللغة من فقهاء وغيرهم مما يتصل بمعاني هذه الكلمة، وهي على تعددها لا تخرج من مدار واحد، وهو القلة والرقة وما إليهما.
стр. 6686
قال النووي في (تهذيب الأسماء واللغات: ٣/١٦٤، ١٦٥) :
"شففت" قال أهل اللغة: الشف بفتح الشين ستر رقيق، قال الجوهري: قال أبو نصر: هو ستر أحمر رقيق من صوف يستشف ما وراءه. الشف بكسرها، الفضل والربح تقول منه شف يشف شفًا بكسرها في المضارع والمصدر، قال ابن السكيت: والشف أيضًا نقصان وهو من الأضداد وشف عليه ثوبه يشف شفوفًا وشففًا، أي رق حتى يرى ما خلفه، وثوب شف وشف، أي رقيق وشف جسمه يشف شفوفًا، أي نحل وأشففت بعض ولدي على بعض فضلتهم، والشفيف لذيع البرد.
وقال عياض في (مشارق الأنوار: ٢/٢٥٦) :
(شفف) قوله: ألا يشف فإنه يصف بفتح الياء مشدد، أي بيدي ما وراءه من الجسم ويظهره لرقته - قلت: يشير بذلك الأثر روي عن عمر ﵁ وهو قوله: لا تدرعوا نساءكم القباطي، فإنه إن لم يشف، فإنه يصف ولم أقف لهذا الأثر عن سند ولكن الدكتور محمد رواس قلعه جي فى كتابه "موسوعة فقه عمر"، وهو الثامن من موسوعات فقه السلف أحال به على (تاريخ المدينة المنورة: ٣/٧٧٣) والعهدة عليه - وقد استشهد به ابن منظور أيضًا في لسان العرب.
ثم قال عياض:
والشف الثوب الرقيق بفتح الشين وكسرها معًا وقوله: "ولا تشفوا بعضها على بعض"، بضم التاء، أي ولا تفضلوا ولا تزيدوا والشف بالكسر الزيادة والنقصان أيضًا وهو من الأضداد والشف بالفتح اسم الفعل من ذلك شف هذا على هذا، أي زاد وقوله: "إذا شرب اشتف" - يشير إلى حديث أم زرع- على رواية من رواه استقصى ولم يبق شيئًا.
وقال الفيروز آبادي في (القاموس المحيط: ٣/١٥٩، ١٦٠) :
(الشف) ويكسر: الثوب الرقيق جمعه شفوف وشف الثوب يشف شفوفًا وشفيفًا رق، فحكى ما تحته، والشف ويكسر الربح والفضل والنقصان ضد وشف يشف شفًا زاد ونقص وتحرك، وجسمه شفوفًا نحل، وشفه الهم هزله، وكأمير لذع البرد، ومطر فيه برد أو الريح الباردة كالشفشاف وشدة حر الشمس ضد، والقليل كالشفف محركة وثوب شفشاف لم يحكم عمله، والشفافة ككناسة بقية الماء في الإناء، والشفاشف شدة العطش، وغداة ذات شفان برد، وريح وأشففتهم فضلتهم، واشتف البعير الحزام كله ملأه واستوفاه وما في الإناء كله شربه كله كتشاف، وتشاففته ذهبت بشفه، أي بفضله، والشفشفة الارتعاد والاختلاط والنضح بالبول ونحوه، وتشويط السقيع نبت الأرض فيحرقة وذر الدواء على الجرح وتجفيف الحر والبرد والشيء، والشفشف بالفتح والكسر السخيف السيء الخلق ومن به رعدة واختلاط غيره وإشفاقًا على حرمه، واستشفه نظر ما وراءه.
стр. 6687
وقال ابن الأثير في (النهاية: ٢/٤٤٦، ٤٤٧) :
" شفف" فيه أنه نهى عن شف ما لم يضمن الشف الربح والزيادة وهو كقوله: نهى عن ربح ما لم يضمن وقد تقدم، ومنه الحديث "فمثله كمثل ما لا شف له"، ومنه حديث الربا " لا تشفوا أحدهما على الآخر"، أي لا تفضلوا، والشف النقصان أيضًا فهو من الأضداد ويقال: شف الدرهم يشف إذا زاد أو نقص، وأشفه غيره يشفه، ومنه الحديث "فشف الخلخالان نحوًا من دانق فقربه"، وفي حديث أنس ﵁ "أن النبي ﷺ خطب أصحابه يومًا وقد كادت الشمس تغرب ولم يبق منها إلا شف أي شيء قليل. الشف والشفا والشفافة بقية النهار، وفي حديث أم زرع "وإن شرب اشتف"، أي شرب جميع الإناء، والشفافة الفضلة التي تبقى في الإناء".
ثم قال: ومنه حديث رد السلام قال: إنه تشافها أي استقصاها، وهو تفاعل منه وفي حديث عمر لا تلبسوا نساءكم القباطي إلا يشف، فإنه يصف يقال: شف الثوب يشف شفوفًا إذا بدى ما وراءه ولم يستره، أي أن القباطي ثياب رقاق ضعيفة النسج، فإذا لبستها المرأة لصقت بأردافها فوصفتها فنهى عن لبسها وأحب أن يكسين اتحاد الغلاظ، ومنه حديث عائشة وعليها ثوب يكاد يشف، ومنه حديث كعب يؤمر برجلين إلى الجنة، ففتحت الأبواب ورفعت الشفوف هي جمع شف بالكسر والفتح، وهو ضرب من الستور يستشف ما وراءه وقيل: شتر أحمر رقيق الصوف، وفي حديث الطفيل: في ليلة ذات ظلمة وشفاف؛ والشفاف جمع شفيف وهو نوع من البرد ويقال: لا يكون إلا برد ريح مع نداوة ويقال له الشفان أيضًا.
وقد أفاض ابن منظور في معاني كلمة شفف ومشتقاتها والاستشهاد لكل معنى كعادته إفاضة استغرقت قرابة أربع صفحات في (لسان العرب: ٩/١٧٩ن ١٨٣) : وجل ما ساقه وتبسط فيه أوجزه غيره ممن نقلنا عنهم آنفًا.
ويتضح من كل هذا أن مدار كلمة " شفف " - كما ذكرنا آنفًا - التعبير عن الرقة والقلة سواء كانت في مجال الزيادة أو النقص أو غيرهما.
وفيما يتصل بالربا بالذات يوضحه إيضاحًا لا خفاء معه قول ابن الأثير الذي سقناه آنفا " ويقال: شف الدرهم إذا زاد أو نقص " فزيادة الدرهم أو نقصه لا تكون إلا قليلة في كل مرة، ذلك بأن قوله: شف الدرهم هو من تعابير رجال المال في الأسواق ومن على شاكلتهم ممن يعنون بأسعار العملة والشفاف زيادة كان أو نقصًا لا يكون إلا تدريجيًّا، وقد يسرع في التدرج ولكن لا يتجاوز في المرة الواحدة أو في المرحلة الواحدة من تدرجه الانتقال بالقليل من سعر إلى سعر وإلا كان انقلابًا في الأسعار مما لم يكن معروفًا يومئذ ولا هو بالمعتاد الآن.
стр. 6688
حاصل هذا كله أن النهي النبوي الشريف عن إشفاف بعض الدرهم أو الدينار ببعض وهو نهي صريح ونص دقيق حاسم في النهي - نهي تحريم لعدم وجود قرينة تصرفه إلى غير التحريم، بل ولأن القرائن كلها تحصره في التحريم - عن مطلق الزيادة ابتداء من البسيطة، لأن استعماله ﷺ عبارة " شفف " ومشتقاتها كان مقصودًا لذاته لتحريم الزيادة البسيطة، أما ما فوق البسيطة فهو محرم بالطبع نتيجة لتحريم البسيطة، إذ لا يعقل أن تباح الزيادة الكثيرة وتحضر البسيطة، فثبت أنه ﷺ نص في حديثه الذي رواه أبو سعيد - وهو وإن كان آحاديًّا يكاد يبلغ من استفاضته ولما يعضده من أحاديث في معناه لحديث عبادة وحديث أبي هريرة وحديث أبي بكرة وغيرها حد التواتر المعنوي الذي لا يوجب العمل فحسب، وإنما يوجب العلم أيضا - نهى عن كل زيادة مهما تكن ضئيلة وتوضيحًا لهذا المعنى استعمل كلمة " شف ".
وبما أنه لا سبيل إلى الغمز في هذا الحديث وفي أنه نص يجب اعتماده، وبما أن لفظه يمنع كل تأويل محتمل يخرج به عن دلالته اللغوية ولا توجد أية قرينة تسمح بالزعم بأنه تجوز به عن حقيقته اللغوية إلى معنى آخر، وبما أنه ورد في هذا الحديث وغيره ما يعضده من قوله ﷺ : ((فمن زاد أو ازداد)) ، وقوله: ((فمن زاد أو استزاد فقد أربى)) وفي هذا الحديث إطلاق الزيادة دون تحديدها بالكثرة أو القلة، فكان حديث: ((لا تشفوا بعضها ببعض)) بمثابة البيان لحديث فمن زاد، فإن تحريم الزيادة مهما تكن بسيطة وارد بالنص الذي إن حاول البعض أن ينزل به عن درجة القطع الموجب للعلم فلا سبيل له إلى محاولة النزول به عن درجة الظن الراجح الموجب للعمل وكل زعم أو تأويل محتمل يراد به التشكيك في دلالة النص أو التماس مخرج منه فهو رفض له، وقد يبلغ درجة الكفر به ولا أقل من أنه تجاوز له عن عمد وسبق إصرار.
وأما الشبهة الثالثة فهي تعلق بعضهم بكلمة " الرماء " في قول عمر: " فإني أخاف عليكم الرماء " وبكلمة: " إنى أخاف عليكم " أيضًا، فزعموا أن تحريم التفاضل وهذا الزعم أيضًا ناشئ عن قصور أو تقصير في فهم العبارة التي تعلقوا بها، وعبارة: إني أخاف عليكم الرماء " وردت من كلام ابن عمر وقد سقنا طرقها في فصل " من أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف " وفي طريق حديث أبي سعيد: " فإني أخاف عليكم الربا " والحديث عن أحمد والطبراني في الكبير ولفظه عند أحمد (المسند، بتحقيق أحمد شاكر، المجلد ٤، ٨/١٤١، ح ٥٨٨٥) :
حدثنا حسين بن محمد، حدثنا خلف، يعني ابن خليفة، عن أبي جناب، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرماء)) والرماء؛ هو الربا، فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجبية بالإبل؟ قال: ((لا بأس إن كان يدًا بيد)) .
стр. 6689
وإذا صرفنا النظر عن تضعيفهم لأبي جنب، وقد أشار إليه شاكر في تعليقه على الحديث وتعقبه وقال عنه الهيثمي في (مجمع الزوائد: ٤/١٠٥٩) : وفيه أبو جنب الكلبي وهو مدلس ثقة، فإن لفظ الحديث نفسه لا يستقيم متعلقًا لهم وذلك أولًا: لأن كلمة الرماء لا نعرفها من حديث رسول الله ﷺ إلا في هذا الحديث والمعروف من حديث ابن عمر في هذا الشأن - وقد سقناه بطرق عدة في فصل " من أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف " أن جملة " فإني أخاف عليكم الرماء " من كلامه هو وأنه لم يسمع حديث الربا مباشرة عن رسول الله ﷺ ، وإنما سمعه من حديث أبي سعيد وثانيا: حتى وإن ثبت أن حديث ابن عمر هذا كما رواه أحمد والطبراني سمعه مباشرة عن رسول الله ﷺ وفيه: ((فإني أخاف عليكم الرماء)) أو كما ورد في بعض الطرق فإني أخاف عليكم الربا، فإن النهي عن بيع الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين والصاع بالصاعين فهي عن أية معاملة فيها تفاضل أو تؤدي إلى تفاضل وكلمة " فإني أخاف "، لا تعني أنه سد للذريعة، وإنما تعني في فقهها أنه تبيان لا محيص عنه، وهو أن معاملة من هذا القبيل لا يمكن أن تتم بين عقلاء إلا بناء على اعتبار لنوع من المفاضلة بين السلعتين المتبادلتين وفي حالة الدراهم والدنانير، إما أن تكون المفاضلة في الوزن أو في الخلوص أو في مصدر السك، فالمفاضلة إذن ثابتة وأما في حالة الصاع بالصاعين وهي إما في التمر أو في البر أو في الشعير، فلا بد أن تكون لجودة أحدهما ورداءة الآخر أو لجدة أحدهما وقدم الآخر وإن كانا من نوع واحد جودة ورداءة، وفي جميع هذه الأحوال لو بيع كل شيء منها بثمن واشتري مقابله بالثمن لكان أحدهما أغلى من الآخر ما في ذلك شك، ولذلك حرمت هذه المعاملة أما التعبير بـ " فإني أخاف " فإنما هو لدرء احتمال ممكن الوقوع ولكنه نادر ذلك في حالة أن يكون أحد المتبايعين بحاجة إلى النوع الذي يشتريه بأكثر منه من جنسه سبب يخرج عن التفاضل النوعي، كأن يشتري تاجر مسافر إلى الشام عملة رومية بعملة فارسية ولحاجته إلى العملة الرومية يدفع ضعفها مقابلها من العملة الفارسية أو أن يشتري عملة مسكوكة بضعفها من جنسها موزونة لحاجته إلى المسكوكة، ومثل هذه الحالة يحتمل وقوعها في المكيلات لاعتباره مشاكل لهذا الذي تصورناه في النقد، وفي هذه الأحوال لا مجال لاعتبار التفاضل، ولكن جرأة الناس عليه والفهم لها مما قد يحوله إلى عادة حمل ابن عمر على التعبير بالخوف " فإني أخاف " أما كلمة الرماء ودلالتها على الربا فإنها من المترادفات التي تزخر بها اللغة العربية فلا سبيل إلى التعلق بها كما لو كانت عبارة تختلف عن عبارة الربا وإن قربت منها.
يتجلى مما سبق أن قول ابن عمر هذا أو روايته هذه لا متعلق فيها إلا لمن حرم الفقه في الدين لاعتبار أن تحريم ربا الفضل مناجزة، إنما هو سد للذريعة إلى الربا فهو تحريم من درجة أدنى يمكن التحلل منه إذا تعينت المصلحة أو الضرورة.
стр. 6690
وأما الشبهة الرابعة فهي حصرهم دلالة كلمة " درهم " وكلمة " دينار " على النقد المتعامل به مسكوكًا أو موزونًا من الذهب والفضة على التوالي.
ألبس عليهم ذلك أن التعامل الأغلب في العهد النبوي وما بعده من أيام الصحابة والتابعين وفترتي الازدهار الاقتصادي من العهدين الأموي والعباسي كان بالذهب والفضة، وما كان منه بالنحاس " الفلوس " كان نادرًا وزهيدًا لا يكون قيمة جديرة بالاعتبار في حياتهم المالية، فخيل إليهم أن كلمتي " درهم " و " دينار " تنحصر دلالتهما على ما كان من النقد ذهبًا أو فضة ولم يصب هذا اللبس متفقهة المقلدين من المشبوهين أو المشتبه عليهم في عصرنا فحسب، وإنما التقطوه من كلام عامة المفسرين والفقهاء الذين غلب عليهم اعتبار المتعارف من لغة التعامل في العصر الإسلامي الأول فاعتمدوه كما لو كان هو المعنى الوحيد لكلمتي " الدرهم: و " الدينار " وساقهم الوهم إلى تفسير الآيتين الكريمتين قوله تعالى في سورة آل عمران، الآية ٧٥: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ الآية وقوله تعالى في سورة يوسف، الآية ٢٠: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ بأن المقصود بكلمة " دينار " وكلمة " دراهم " العملة الذهبية والعملة الفضية ولو أنهم تأملوا قليلًا لاستبانوا أن المقصود بكلمة دينار في آية سورة آل عمران هو المقدار من الوزن وليس نوع العملة بدليل قوله تعالى في نفس الآية ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ فجاءت كلمة " دينار " تعبيرًا عن الحد الأدنى من الوزن مقابل كلمة " قنطار " المعبر عن الحد الأعلى، وليس المراد مقدارًا من الوزن معين في الحدين وإنما المراد بيان أنهم يخونون الأمانة سواء كانت كثيرًا أو قليلًا، أما في آية سورة يوسف فكلمة " دراهم " تعني عملة لكن ليست فضية بالضرورة، بل الظروف التاريخية ترجح أنها ليست فضية وتتبين هذه الظروف من قول محمد الطاهر بن عاشور في (التحرير والتنوير: ١٢/٢٠٥، ٢٠٦) .
والتقطته سيارة من العرب الإسماعيليين كانوا سائرين في طريقهم إلى مصر وباعوه كرقيق في سوق عاصمة مصر السفلى التي كانت يؤمنذ في حكم أمة من الكنديين يعرفون بالعمالقة أو (الهكصوص) ، وذلك في زمن الملك (أبو قيس) أو (أبيبي) ويقرب أن يكون ذلك في حدود سنة تسع وعشرين وسبعمائة وألف قبل المسيح ﵇ فاشتراه (فوطيفار) رئيس شرطة فرعون الملقب في القرآن بالعزيز أو رئيس المدينة.
ثم قال:
وفي مدة حكمه - يعني يوسف - جلب أباه وأقاربه من البرية إلى أرض مصر، وتوفي بمصر في حدود سنة خمس وثلاثين وستمائة وألف قبل ميلاد عيسى ﵇ –.
وإنما اعتمدنا كلام ابن عاشور هذا؛ لأن من عادته ﵀ في مثل هذه الشئون الرجوع إلى العهد القديم أو العقد الجديد أو الأسفار الملحقة بهما وعدم اعتماد كلام الأخباريين وذلك ما يجعل ما يقرره فيها أوثق مما قرره غيره من جميع المفسرين بدون استثناء.