* وذهب المالكية: إلى جواز الوصية بالمنفعة، فإذا أوصى لشخص معين بمنفعة شيء معين مدة معينة، كأن يوصي بخدمة عبده فلان، أو سكن داره المعينة بالإشارة أو الوصف، أو بركوب دابته الفلانية لزيد مدة سنة مثلًا، وحمل الثلث قيمة ذلك تعين تسليم الموصى به (١) . وقالوا أيضًا: إذا أوصى بخدمة عبد من عبيده لفلان ولم يحددها بزمن، بل حددها بحياة العبد أو أطلق، فإنه يخدمه طول حياته، وإن مات الموصى له فإن ورثته يرثونها بعده؛ لأن الموصي لما لم يحددها علم أنه أراد خدمته حياة العبد (٢) .
* وقال صالح الآبي: وإن أوصى لشخص بمنافع عبد معين، ولم يقيد بحياة الموصى له، فلوارثه خدمة العبد ما بقي حيًا، وإن حدد الموصي المنافع الموصي بها بزمن كشهر أو سنة، فالموصى له كالمستأجر في ملك المنفعة في تلك المدة، وجواز إجارته فيها لغيره، وانتقالها لوارثه إن مات قبل تمامها. فإن قتل العبد الموصى بخدمته عمدًا عدوانًا من عبد أو ذمي فللوارث للموصي القصاص أو القيمة (٣) .
стр. 6827
* وقال الشافعية: بصحة الوصية بمنافع نحو عبد ودار وغلة، ويملك الموصى له بالمنفعة، وكذا بالغلة إن قامت قرينة على أن المراد بها مطلق المنفعة، أو أطرد العرف بذلك فيما يظهر، وتوجيههم لهذا القول راجع إلى أن الوصية ليست إباحة عندهم ولا عارية للزومها بالقبول، ومن ثم جاز له أن يسافر بها عند الأمن، ويد يد أمانة (١) .
* وقال الحنابلة: إن أوصى بخدمة عبد صح، سواء وصى بذلك لمدة معلومة أو للأبد ويعتبر خروج المنفعة من ثلث المال، فإن لم تخرج من الثلث أجيز منها بقدر الثلث. فإن أريد تقويمها، فإن كانت الوصية مقيدة بمدة قوم الموصى بمنفعته مسلوب المنفعة تلك المدة، ثم يقوَّم بمنفعته في تلك المدة فينظر كم قيمتها.
وإن كانت الوصية مطلقة في الزمان كله فقد قيل: تقوَّم الرقبة بمنفعته جميعًا، ويعتبر خروجهما من الثلث، لأنه عبدًا لا منفعة له لا قيمة له غالبًا، وقيل: تقوَّم الرقبة على الورثة، والمنفعة على الموصى له (٢) . ويفهم من كلام الفقهاء في الوصية بالمنافع أنها على صور أو أنواع متعددة.
فإما أن تكون الوصية مقيدة بمدة محدَّدة، وإما أن تكون مؤبدة، وإما أن تكون مطلقة عن التقيد بمدة، ولكل حكمه مع اختلاف بين الفقهاء في هذه الصور، ينظر تفصيله في أبواب الوصية من كتب الفقه.
стр. 6828
ثانيًا – الإجارة:
عقد الإجارة هو عقد على منفعة كما يعرفه الفقهاء "عقد معاوضة على تمليك منفعة بعوض" (١) .
والمنفعة من أركان عقد الإجارة عند الجمهور، وهي محل الإجارة عند الحنفية والحنابلة (٢) . وعند المالكية والشافعية محل الإجارة منافع أعيان، أو منافع مضمونة في ذمة المؤجر (٣) .
واشترط الفقهاء لانعقاد الإجارة على المنفعة شروطًا:
أولًا: أن تقع الإجارة على المنفعة لا على العين.
ثانيًا: أن تكون المنفعة متقومة ومعلومة علمًا ينفي الجهالة.
ثالثًا: أن تكون المنفعة مباحة لا معصية ولا طاعة مطلوب أداؤها.
رابعًا: أن تكون المنفعة مقدورًا على استيفائها.
وأما تحديد المنفعة: فقد اعتبر جمهور الفقهاء العرف في تعيين ما تقع عليه الإجارة من منفعة وقد تتعين بتحديد مدة الإجارة أو تحديد العمل ذاته أو العمل والمدة معًا (٤) .
وتنفسخ الإجارة عند الفقهاء بانتهاء مدة الإجارة أو بهلاك العين المؤجرة أو بالإقالة. واختلفوا في انقضائها بموت أحد العاقدين، فذهب الجمهور إلى أن الإجارة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين؛ لأنها عقد لازم (٥) .
وذهب الحنفية إلى أن الإجارة تنفسخ "بموت أحد العاقدين لو عقدها لنفسه كما تنفسخ بموت أحد المستأجرين أو المؤجرين في حصته فقط (٦) .
وعند الشافعية: تنفسخ بموت المؤجر في إجارة الوقف، جاء في شرح المحلى على المنهاج: "ولا تنفسخ الإجارة بموت العاقدين أو أحدهما، ويخلف المستأجر وارثه في استيفاء المنفعة، ولا تنفسخ بموت مُتَوَلِّي الوقف إلا في صورة ما إذا آجر البطن الأول من الموقوف عليهم الوقف مدة، ومات قبل تمامها فالأصح انفساخها" (٧) .
стр. 6829
ثالثًا – العارية:
إذا كانت المنفعة بسبب العارية فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن العارية – إضافة إلى أنها لا تورث – لا يجوز للمستعير أن يؤجر المستعار للغير خلافًا للمالكية.
قال في الاختيار: "وللمستعير أن يعيرها إن لم يختلف باختلاف المستعملين، وليس له إجارتها، فإن آجرها فهلكت ضمن " (١) .
وقال السيوطي: لا يجوز للمستعير أن يؤجر للغير، بل يستوفي المنفعة بنفسه أو وكيله، فإن أعاره فللمالك أن يرجع عليه بأجر المثل (٢) . ثم قال: "كل من مالك المنفعة فله الإجارة والإعارة. ومن ملك الانتفاع فليس له الإجارة قطعًا، ولا الإعارة في الأصح " (٣) .
وعلق ابن نجيم على عبارة السيوطي، فقال: وهذا يتخرج على قول الكرخي من أن الإعارة إباحة المنافع لا تملكيها، ثم قال: والمذهب عندنا أنها تمليك المنافع بغير عوض، فهي كالإجارة تمليك المنافع. وإنما لا يملك المستعير الإجارة لأنه ملك المنفعة بغير عوض فلا يملك أن يملكه ما بعوض، ولأنه لو ملك الإجارة لملك أكثر مما ملك ... (٤) .
وقال ابن رجب: "المستعير لا يملك نقل حقه من الانتفاع " (٥) .
وعللوا لذلك بأن العارية إباحة انتفاع فلا تنتقل إلى الغير، وهي عقد غير لازم ينفسخ بموت أحد المتعاقدين، أو جنونه، أو إغمائه (٦) .
وقال المالكية: "يصح ويندب إعارة شخص رشيد مالك للمنفعة وإن كان مستعيرًا" (٧) .
وقال أيضًا: "يصح أن يعير مالك المنفعة (المستعير) عينًا لأجل استيفاء منفعتها، ومحل الصحة ما لم يمنعه المالك" (٨) .
رابعًا – الوقف:
إذا وقف شخص عينًا فإن الذي يُمَلَّكُ هو المنفعة ويكون ذلك بالاستغلال أو الاستعمال. وإن نص في الوقف على أحد الأمرين، فلا ينتفع إلا بما نص عليه نظرًا لشرط الواقف لأنه كنص الشارع.
والفقهاء مختلفون في ملك المنفعة والانتفاع.
فالمالكية قالوا في الوقف إذا كان على سكنى الدار: "وإذا وقف وقفًا على أن يُسْكَنَ أو على السكنى، ولم يزد على ذلك، فظاهر اللفظ يقتضي أن الواقف إنما يُمَلِّكُ الموقوف عليه الانتفاع بالسكن دون المنفعة، فليس له أن يؤجره غيره، ولا يُسِكنَه" (٩) .
وإن كانت الصيغة محتملة لتمليك الانتفاع أو تمليك المنفعة بأن قال: "ينتفع بالعين الموقوفة بجميع أنواع الانتفاع، فهذا تصريح بتمليك المنفعة، أو يحصل من القرائن ما يقوم مقام هذا التصريح ... فإنا نقضي بمقتضى تلك القرائن ... " (١٠) .
وذهب الشافعي وأحمد إلى أن المنتفع يملك في الوقف – كما في الوصية – المنفعة لا حق الانتفاع إلا إذا نص على أن المراد حق الانتفاع، أو دلت القرائن على ذلك" (١١) .
стр. 6830
المبحث الخامس
توريث المنفعة
مذهب الفقهاء:
تكلم الفقهاء عن حكم توريث المنفعة، يجوز أن تنتقل منفعة العين إلى ورثة المستفيد واتفق رأي جمهورهم في بعض الصور واختلف في بعضها الآخر، تبعًا لموضوعها، فإن المنفعة قد تكون عن إجارة أو وصية أو عارية وهذه أهم صورها.
فإن كانت المنفعة بعقد إجارة أو وصية: فقد ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز توريثها قياسًا على الأعيان؛ ولأن الإجارة لا تنفسخ "بموت العاقدين أو أحدهما للزومها كالبيع، فتبقى العين بعد موت المكرى عند المكتري أو وارثه ليستوفي منها المنفعة " (١) . فيحل الوارث محل المورث إلى أن تنتهي المدة المحددة. أو أن تنفسخ الإجارة لسبب آخر، والوصية بالمنفعة كذلك لا تنتهي بموت الموصى له، لأنها تمليك، فتنتقل إلى ورثة الموصي المدة الباقية (٢) .
أما الحنفية فعلى أصلهم في أن المنفعة ليست مالًا فإن المنفعة أو حق الانتفاع لا يورث لأنه لا بقاء للمنفعة عندهم، ونقلها من شخص إلى آخر يستلزم بقاءها، والمعدوم لا ينتقل فلا يملك. فتنتهي المنفعة بموت مالكها.
واستثنوا من توريث المنفعة حقوق الارتفاق لحق المرور والشرب والمسيل والتعلي. فإنها تورث عندهم. وعللوا ذلك: بأن حقوق الارتفاق حقوق مالية فيجري فيها الإرث كسائر الأموال (٣) .
стр. 6831
المبحث السادس
حقوق الارتفاق
حق الارتفاق: هو "حق مقرر على عقار لمنفعة عقار لشخص آخر" (١) ، "مالكه غير مالك العقار الأول" (٢) .
أو هو "حق الانتفاع العيني الثابت لعقار على عقار آخر بقطع النظر عن شخص المالك" (٣) . وذلك كحق المرور إلى أرض من طريق هو جزء من أرض مملوكة للغير، وكذا حق الشرب والمجرى والمسيل وحق التعلي. فهذه الحقوق تعتبر عند الجمهور مالًا، فيجوز بيعها، وهبتها، وتورث. وذلك على أصلهم في معنى الأموال.
وذهب الحنفية إلى أن هذه الحقوق ليست أموالًا فلا يجوز بيعها أو هبتها مستقلة عما هي تابعة له من أرض أو غيرها.
قال ابن عابدين: "حق التعلي ليس بمال؛ لأن المال عين يمكن إحرازها وإمساكها، ولا هو حق متعلق بالمال، بل هو حق متعلق بالهواء، وليس الهواء مالًا يباع، والمبيع لا بد أن يكون أحدهما" (٤) ، ومع أن الحنفية منعوا بيعها مستقلة إلا أنهم أجازوا بيعها تبعًا لما تتعلق به من أموال، كبيع الأرض مع ما عليها من حقوق مسيل أو شرب أو مرور.
قال الكاساني: "ولو باع الأرض مع الشرب جاز تبعًا للأرض، ويجوز أن يجعل الشيء تبعًا لغيره، وإن كان لا يجعله مقصودًا بنفسه" (٥) .
وقد اعتبر الحنفية هذه الحقوق مالية، وإن كانت ليست أموالًا في ذاتها، قال الكاساني: "الشرب ليس بعين مال بل هو حق مالي" (٦) . وعلى هذا فكل حق تعلق بمال يجوز بيعه أو هبته تبعًا لهذا المال.
стр. 6832
الفصل السابع
البيع
مبحث
في تعريف البيع وشروطه
تعريف البيع لغة:
مبادلة مال بمال، أو مطلق المبادلة، أي سواء كان في مال أو غيره (١) .
تعريف البيع اصطلاحًا:
عرفه الحنفية: بأنه مبادلة مال بمال، بالتراضي (٢) ، وعرفه منلا خسرو من الحنفية بأنه: مبادلة مال بمال بطريق الاكتساب أي التجارة، فخرج به المبادلة بطريق التبرع أو الهبة بشرط العوض، ولم يقل على سبيل التراضي، ليتناول بيع المكره، فإنه بيع منعقد وإن لم يلزم (٣) . وعرفه الموصلي بتعريف أجمع وأحق فقال: هو مبادلة المال المتقوم بالمال المتقوم تمليكًا وتملكًا، ثم قال: فإن وجد تمليك المال بالمنافع فهو إجارة أو نكاح (٤) .
وعرف المالكية بأنه: عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة، ذو مكايسة أحد عوضية غير ذهب ولا فضة معين غير العين فيه (٥) . فقوله: (على غير) ، أي على ذوات غير منافع. و (غير تمتع) ، أي انتفاع بلذة، فتخرج الإجارة والكراء والنكاح و (ذو مكايسة) وهي المغالبة وخرج بها هبة الثواب، وقوله: (أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة) خرج به الصرف والمراطلة فإنه ليس أحد العوضين فيهما غير ذهب ولا فضة بل العوضان ذهب أو فضة في المراطلة، أو أحدهما ذهب والآخر فضة في الصرف. وقوله: (معين غير العين فيه) خرج السلم، فإن غير العين فيه ليس معينًا، بل في الذمة، والمراد بالعين ما ليس في الذمة فيشمل الغائب، فبيع الغائب ليس سلمًا (٦) .
وعرفه الشافعية بما عرفه القيلوبي وهو أفضل تعاريفهم: "عقد معاوضة مالية تفيد ملك عين أو منفعة على التأبيد لا على وجه القربة". فخرج بقوله: (عقد) المعاطاة، وبـ (المعاوضة) نحو الهدية، وبـ (المالية) نحو النكاح، وبـ (إفادة ملك عين) الإجارة، و (بغير وجه القربة القرض) . والمراد بالمنفعة في هذا التعريف بيع نحو حق الممر، وأما التقييد بالتأبيد فلإخراج الإجارة (٧) .
وعرفه الحنابلة بأنه: "مبادلة عين مالية أو منفعة مباحة مطلقًا بأحدهما. أو بمال في الذمة للتملك على التأبيد غير ربا وقرض" (٨) .
فقولهم: (مبادلة عين مالية) مرادهم كل جسم أبيح نفعه واقتناؤه مطلقًا فخرج الخنزير والخمر والميتة النجسة ... وقولهم: (منفعة مباحة مطلقًا) ، أي لا تختص إباحتها بحال دون آخر، كممر دار أو بقعة تحفر بئرًا. وقولهم: (بأحدهما) أي عين مالية أو منفعة مباحة مطلقًا، نحو بيع كتاب بكتاب أو بممر في دار أو العكس.
وقولهم: (أو بمال في الذمة) ، أي مبادلة عين مالية أو منفعة مباحة مطلقًا بمال في الذمة من نقد وغيره. وقولهم: (للتملك) احتراز عن الإعارة. وقولهم (على التأبيد) أي بأن لم تقيد مبادلة المنفعة بمدة أو عمل فتخرج الإجارة (٩) .
стр. 6833
شروط البيع:
اشترط الفقهاء لصحة البيع شروطًا منها ما يتعلق بالصيغة، ومنها ما يتعلق بالمتعاقدين، ومنها ما يتعلق بالمعقود عليه ثمنًا كان أو مثمنًا. وهذا الأخير هو محل اهتمامنا ههنا.
فقد اتفق الفقهاء وفي الجملة على اعتبار الشروط التالية في المعقود عليه سواء كان ثمنًا أو مثمنًا: فاشترطوا:
١- أن يكون المبيع طاهرًا، فلا يصح بيع نجس لا يمكن تطهيره سواء كان مبيعًا أو ثمنًا ونص على ذلك المالكية والشافعية.
٢- وأن يكون المبيع مالًا منتفعًا به انتفاعًا شرعيًا. وما لا نفع فيه فليس بمال فلا يصح. فلا يصح بيع الحشرات التي لا نفع فيها، كما لا يصح بيع ما فيه منفعة محرمة كالخمر. واشترطوا في المبيع أن يكون مالًا متقومًا شرعًا، فلا ينعقد بيع الخمر ونحوه كما لا ينعقد بيع اليسير من المال، كحبة من حنطة؛ لأنها ليست مالًا متقومًا، وهذا الشرط متفق عليه.
٣- وأن يكون مملوكًا للبائع ملكًا تامًا وقت البيع، وهو شرط انعقاد عند الحنفية، ونص على هذا الشرط الحنفية والشافعية والحنابلة. واستثني من ذلك السلم.
٤- وأن يكون مقدورًا على تسليمه، وهو شرط انعقاد عند الحنفية، فلا يصح بيع السمك في الماء أو الطير في الهواء، كما لا ينعقد بيع المغصوب لعدم القدرة على تسليمه وهذا الشرط متفق عليه.
٥- وأن يكون المبيع معلومًا لكل من العاقدين علمًا يمنع المنازعة والخلاف وهو شرط صحة عند الحنفية، فلا يصح بيع مجهول جهالة تفضي إلى منازعة كبيع شاة من قطيع. وهذا الشرط متفق عليه.
وقد اشترط الحنفية شرطًا آخر وهو أن يكون المبيع مما يتعلق به الملك فلا ينعقد بيع العشب المباح ولو نبت في أرض مملوكة.
وفي هذه الشروط تفصيل ينظر في مظانه (١) .
стр. 6834
الفصل الثامن
المُلك
المبحث الأول
تعريف الملك
تعريف الملك في اللغة:
قال ابن سيدة: المَلْك والمُلْك والمِلْك احتواءُ الشيء والقدرة على الاستبداد به (١) والمالكية هي العلاقة بين المال والإنسان، بالنظر إلى الإنسان، والمملوكية هي العلاقة بينهما لكن بالنظر إلى المال.
تعريف الملك اصطلاحًا:
تعدد تعاريف الفقهاء له (٢) .
فعرفه ابن السبكي بقوله: هو حكم شرعي يقدر في عين أو منفعة، يقتضي تمكن من ينسب إليه من انتفاعه، والعوض عنه من حيث هو كذلك (٣) .
وعرفه القرافي بقوله: هو حكم شرعي يقدر في العين أو المنفعة، يقتضي تمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك، والعوض عنه من حيث هو كذلك (٤)
وعرفه قاسم بن عبد الله بن الشاط بقوله: هو تمكن الإنسان شرعًا بنفسه أو بنيابة من الانتفاع بالعين أو المنفعة، ومن أخذ العوض، وتمكنه من الانتفاع خاصة (٥) .
وعرفه صدر الشريعة بأنه: (اتصال شرعي بين الإنسان وبين شيء يكون مطلقًا لتصرفه فيه وحاجزًا عن تصرف الغير) (٦) .
وقال الغزي من الحنفية: (الملك عبارة عن المطلق الحاجز) (٧) .
وعرفه الكمال بن الهمام بقوله: (هو قدرة يثبتها الشرع ابتداءً على التصرف) (٨) .
وعرفه أكمل الدين البابرتي بأنه (القدرة على التصرف في المحل شرعًا) (٩) .
قال ابن نجيم: وينبغي أن يقال: إلا لمانع، وهذا القيد لازم، لأنه قد يكون الشخص مالكًا ولا قدرة له على التصرف، كالمحجور عليه. والمبيع المنقول مملوك للمشتري ولا قدرة له على بيعه قبل قبضه. وعرفه الحاوي القدسي بأنه: الاختصاص الحاجز، وأنه حكم الاستيلاء؛ لأنه به يثبت لا غير، إذ المملوك لا يملك كالمكسور لا ينكسر؛ لأن اجتماع الملكية في محل واحد محال فلا بد أن يكون المحل الذي ثبت الملك فيه خاليًا عن الملك، والخالي عن الملك هو المباح، والمثبت للملك في المال المباح الاستيلاء لا غير (١٠) .
وعرفه الزركشي بقوله: (هو القدرة على التصرفات التي لا تتعلق بها تبعة ولا غرامة دينار ولا آخرة. وقيل هو معنى مقدر في المحل يعتمد المكنة من التصرف على وجه ينفي التبعة والغرامة) (١١) .
وعرفه سعد الدين التفتازاني بقوله: (الملك: ما من شأنه أن يتصرف فيه بوصف الاختصاص) . (١٢) .
стр. 6835
وعرفه ابن تيمية بأنه (القدرة الشرعية على التصرف في الرقبة بمنزلة القدرة الحسية) (١) .
وقد جمع الأستاذ مصطفى الزرقا بين هذه التعارف بتعريف جامع مانع وهو المختار بقوله: الملك: هو اختصاص حاجز شرعًا يسوغ صاحبه التصرف إلا لمانع (٢) . وعرفه الشيخ محمد أبو زهرة بأنه: (اختصاص بالأشياء، الحاجز للغير عنها شرعًا الذي تكون القدرة على التصرف في الأشياء ابتداءً إلا لمانع يتعلق بأهلية الشخص) (٣) .
ومن تعاريف الفقهاء السابقة يتضح الفرق بين الملك والمال، فالملك أعم من المال بشموله للمال والمنفعة (٤) . حتى على تعريف الحنفية للملك، ولكن لا يلزم عندهم من كون المنفعة قسيمة للمال أن تكون مالًا. فقالوا: (إن المنفعة ملك لا مال) . وذلك راجع إلى كون المنفعة يمكن التصرف فيها بوصف الاختصاص فساغ أن تكون مملوكة، لكن لما لم يكن ادخارها لحين الحاجة فارقت المال، لأن من شأنه عندهم أن يدخر للانتفاع به وقت الحاجة.
أما الجمهور فلم يفرقوا هذه التفرقة، بل صرحوا كما في تعريف ابن السبكي والقرافي، بأن الملك يتناول العين والمنفعة. والتعريف المختار حينئذٍ يتناول الأعيان والمنافع والديون. فيكون الملك والحال هذه ليس أمرًا ماديًا له وجود في الخارج، بل هو حق يرد على الأعيان والمنافع والديون، أو هو علاقة تنشأ بين المالك والشيء المملوك فتكون العلاقة المالكية. ويترتب على هذه العلاقة أن يكتسب صاحب الملك حق التصرف ما لم يمنعه مانع من كونه ناقص الأهلية. أو كان المال مشتركًا أو مرهونًا أو غير ذلك، فالمنع هنا عن التصرف فحسب، وهذا لا ينافي الملكية لأنه منع عارض.
ويلاحظ عند التدقيق أن اختلاف تعاريف الفقهاء للملك يرجع إلى اختلافهم في جهة النظر إلى الملك باعتبارات مختلفة، فمنهم من ينظر إلى كون الملك أمرًا شرعيًا اعتبره الشارع ومنع من الاعتداء عليه. ومنهم من نظر إلى تعريف الملك باعتبار العلاقة والرابطة بين صاحب الملك والشيء أو المال المملوك.
ولعل أقرب هذه التعاريف إلى بيان حقيقة الملك وعناصره تعريف الإمام صدر الشريعة، لولا طوله فنختار عليه تعريف الأستاذ مصطفى الزرقا وهو أن الملك: (اختصاص حاجز شرعًا يسوغ صاحبه التصرف إلا لمانع) (٥) .
وتَوَصُّلًا إلى ما يساعد على تحديد ملكية الاسم التجاري ومعرفة طبيعته يحتاج إلى معرفة علاقة الملك بغيره فنتناول المفردات التالية:
الملك والمنفعة، والملك والاختصاص، والملك والإباحة.
стр. 6836
المبحث الثاني
الملك والمنفعة والاختصاص والإباحة
(أ) الملك والمنفعة:
العلاقة بين الملك والمنفعة علاقة من حيث المحل، وقد اصطلح الفقهاء على تقسيم الملكية من حيث المحل إلى ملكية تامة، وملكية ناقصة (١) .
والملكية التامة: هي ملكية العين والمنفعة، فيتمتع المالك حينئذٍ بجميع الحقوق والتصرفات التي يمكنه الشارع منها، فيتصرف في العين والمنفعة.
وفي مرشد الحيران: (الملك التام من شأنه أن يتصرف به المالك تصرفًا مطلقًا فيما يملكه، عينًا ومنفعة واستغلالًا، فينتفع بالعين المملوكة وبغلَّتها وثمارها ونتاجها، ويتصرف في عينها بجميع التصرفات الجائزة) (٢) .
والملكية الناقصة: هي ملكية المنفعة دون العين. أو العين دون المنفعة. وعلى هذا فالملكية التامة نوع واحد هو ملكية العين والمنفعة.
وأما الملكية الناقصة فهي على أنواع: ملكية العين فقط، أو المنفعة فقط، أو الدين. على البيان التالي:
أما ملك العين والمنفعة: فهذا هو الأصل في الممتلكات على جهة العموم فيما يملك بسببه كالبيع والهبة. قال ابن رجب في هذا النوع: هو (عامة الأملاك الواردة على الأعيان المملوكة بالأسباب المقتضية لها) (٣) .
وأما ملك العين: ويتحقق عند تملك الرقبة دون المنفعة، فتكون الرقبة مملوكة لشخص والعين لآخر. فلا يحق حينئذٍ لمالك العين أن يتصرف في المنفعة أو ينتفع بها، كما لا يجوز أن يتسبب في الإضرار بمالك المنفعة بتصرف في العين تصرفًا ضارًّا. ومثل له ابن رجب والسيوطي وغيرهما: (بالعبد الموصي بمنفعة أبدًا رقبته ملك للوارث) (٤) ، (أو بالوصية بالمنافع لواحد وبالرقبة لآخر) (٥) .
وأما ملك المنفعة: ويتحقق عند تملك الإنسان حق الانتفاع كاستئجار دار للسكنى، قال ابن رجب: (ملك المنفعة بدون عين له ضربان: أحدهما ملك مؤبد ويندرج تحته صور عدة، منها: الوصية بالمنافع كما سبق، وهذه الصور تشمل جميع أنواعها إلا منفعة البضع ففيه خلاف، ومنها الوقف) . والضرب الثاني ملك غير مؤبد ومن هذا النوع الإجارة ومنافع المبيع المستثناة في العقد مدة معلومة، ومنه ما هو غير موقت لكنه غير لازم كالعارية على وجه، وإقطاع الاستغلال.
стр. 6837
وأما ملك الانتفاع المجرد: فهو أن يملك الانتفاع دون المنفعة، وله صور منها: ملك المستعير، فإنه يملك الانتفاع لا المنفعة: ومنها المنتفع يملك جاره من وضع خشبة وممر في دار ونحو ... (١) .
وقال السيوطي: (كل من ملك المنفعة فله الإجارة والإعارة، ومن ملك الانتفاع فليس له الإجارة قطعًا، ولا الإعارة في الأصح) (٢) .
وأما ملك الدين: بأن يكون لشخص دين في ذمة آخر بسبب ما (كثمن مبيع على مشتريه، وبدل قرض على مقترضه، وقيمة مال متلف على من أتلفه ونحو ذلك، ولا يسمى دينًا إلا إذا كان المبلغ التزامًا في الذمة) (٣) ، وعلى هذا فالوديعة إذا كانت نقودًا مثلًا هي من قبيل ملك العين لأنها أمانة، ولو تصرف بها عُدَّ غاصبًا فيضمن؛ لأن مبلغ الوديعة أصبح دينًا في ذمته.
والجمهور على رأيهم في مضمون المال فيعتبرون الديون أموالًا لعدم اشتراطهم كون المال عينًا يمكن إحرازها – كما سبقت الإشارة – والحنفية كما هو أصل مذهبهم في مضمون المال لم يعتبروا الديون أموالًا حقيقة بحيث يتصور قبضها فقالوا: (الدين مال حكمًا لا حقيقةً، ولذا كانت البراءة منه تصح بلا قبول لعدم المالية الحقيقية) (٤) ، (فهم يعتبرون الدين مالًا حكمًا لا حقيقةً، لكونه معدومًا، وإنما جعل مالًا لحاجة الناس إليه في المعاملات، فهو ليس بشيء حقيقة، ولكنه وصف حكمي يلحق بالأموال باعتبار أنه يصير مالًا بالقبض) (٥) .
لكن الراجح عند جمهورهم كما هو اتفاق الفقهاء: على أن الديون محل للملك وخالف في ذلك بعض الحنفية، وقالوا: إنها لا تملك، لأنها وصف شرعي. وفي حاشية ابن عابدين: (والحق ما ذكروا من ملكه) . وكذلك في فتح القدير (٦) .
стр. 6838
أسباب الملك الناقص:
يثبت ملك المنفعة دون العين بأسباب متعددة:
١- الإجارة: فيملك المستأجر منفعة العين خلال مدة الإجارة، وله استيفاء المنفعة المقررة بنفسه. كما أن له أن ينقلها إلى غيره كأن يملكها لآخر بعوض أو بغير عوض بشرط ألا تختلف المنفعة باختلاف المستفيدين، فإن اختلفت احتاج إلى إذن المؤجر.
٢- الإعارة: مذهب الحنفية – عدا الكرخي – ومذهب المالكية – وهو وجه للحنابلة – أن الإعارة تفيد تمليك المنفعة؛ لأن المعير سلط المستعير على تحصيل المنافع، وصرفها إلى نفسه على وجه زالت يده عنها، والتسليط على هذا الوجه يكون تمليكًا لا إباحة، كما في الأعيان. وعرفت بأنها: تمليك المنفعة بلا عوض (١) . ومذهب الشافعية والحنابلة والكرخي من الحنفية: أنها تفيد إباحة المنفعة؛ وذلك لجواز العقد من غير أجل، ولو كان تمليك المنفعة لما جاز من غير أجل بالإجارة. والإعارة تصح بلفظ الإباحة أيضًا. والتمليك لا ينعقد بلفظ الإباحة وعرفت بأنها: إباحة الانتفاع بملك الغير (٢) .
٣- الوصية: تملك منافع الأعيان بالوصية، ويجوز للموصى له أن يستوفي المنفعة بنفسه، أو يملكها غيره إذا لم تكن الوصية مفيدة.
٤- الوقف: وتملك منافع الأعيان بالوقف لشخص أو مجموعة من الأشخاص، وتستوفي المنفعة بالنفس أو بالغير حسب شروط الواقف.
стр. 6839
(ب) الملك والاختصاص:
ينبغي التفرقة بين الملك والاختصاص كما فرق جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة.
* فالاختصاص عند الجمهور: هو حق التصرف الناقص، ويكون للمنافع. فالمالكية حصروا الاختصاص بالمنافع، كإقطاع الإمام أرضًا من موات والسبق إلى المباحات، ومقاعد الأسواق والمساجد وما إلى ذلك (١) .
* وقال الشافعية: (إن الملك يتعلق بالأعيان والمنافع، والاختصاص إنما يكون في المنافع، وقالوا: إن الاختصاص أوسع، ولهذا شواهد منها: أنه يثبت فيها لا يملك من النجاسات كالكلب، والزيت النجس، وجلد الميتة، ونحوه، ومنها: من قعد بنحو مسجد أو شارع، فإنه لا يزعج عنه) (٢)
* وذكر العز بن عبد السلام: أن (الاختصاص بالمنافع على أنواع وعد منها: الاختصاص بإحياء الموات بالتحجر والإقطاع، والاختصاص بالسبق إلى المباحات والاختصاص بالسبق إلى مقاعد الأسواق، والمساجد، والربط، والمدارس، ومواقع النسك) (٣) .
* قال الحنابلة: إن حق الاختصاص هو عبارة عما يختص مستحقه بالانتفاع به، ولا يملك أحد مزاحمته فيه، وهو غير قابل للشمول – أي شمول كل صور الانتفاع – والمعاوضات، ويدخل تحت ذلك صور – عدّوا منها: الكلب المباح اقتناؤه كالمعلم لمن يصطاد فيه، ومنها: الأدهان المتنجسة المنتفع بها بالإيقاد، وغيره على القول بالجواز، فأما نجسة العين كدهن الميتة، فالمنصوص أنه لا يجوز الانتفاع به، ومنها مرافق الأملاك كالطريق والأفنية، ومسيل الماء ونحوها، هل هي مملوكة، أو ثبت فيها حق الاختصاص؟ وفي المسألة وجهان:
أحدهما: ثبوت حق الاختصاص فيها من غير ملك.
والثاني: الملك، ومنها الإقطاع وهو ضربان، إقطاع إرفاق كإقطاع مقاعد السوق ورحاب المساجد، فهذه يجوز للإمام إقطاعها ولا يملكها المقطع، وإقطاع موات من الأرض لمن يحييها، ولا يملكه بل يصير أحق به (٤) .
стр. 6840
* وأما الحنفية: فإنهم يعبرون عن (الاختصاص) بـ (الحق) أو (الاستحقاق) لكن مفهومه واحد عندهم كما هو عند الجمهور، والاختلاف في الفروع. ولا مشاحة في الاصطلاح. يقول الكاساني: (لو حجر الأرض لا يملكها بالإجماع، لأن الموات يملك بالإحياء، ولكن صار أحق بها من غيره حتى لم يكن لغيره أن يزعجه. لأنه سبقت يده إليه، وإذا نزل بأرض مباحة أو رباط، صار أحق بها، ولم يكن لمن يجيء بعده أن يزعجه عنها) (١) .
وعلى هذا فيختلف الملك عن الاختصاص من حيث الموضوع ومن حيث ما يترتب على كل منهما من آثار.
فالملك موضوعه ومحله كل ما أجاز الشارع الانتفاع به، ويترتب عليه حق الملك التام وحرية التصرف الكاملة.
وأما الاختصاص فموضوعه ومحله المنافع أو المرافق العامة كالأسواق والطرق والأراضي الموات التي يقوم الشخص بتحديدها ووضع العلامات عليها، ومحله أيضًا ما حرمه الشارع ابتداء، وأجاز الانتفاع به في ظروف وحدود معينة كالانتفاع بجلد الميتة وكلب الصيد والحراسة – على خلاف بين الفقهاء في هذه الفروع.
٥- الملك والإباحة: عرف الجرجاني الإباحة بأنها: الإذن بإتيان الفعل كيف شاء الفاعل في حدود الإذن (٢) .
وعرفها الزركشي بأنها: تسليط من المالك على استهلاك عين أو منفعة ولا تمليك فيها (٣) . وعرفها الشيخ علي الخفيف بأنها: حق يُثْْبِتُ للإنسان أثرًا لإذنه بأن ينتفع (٤) .
والإباحة قد تكون خاصة بأن يأذن المالك بالانتفاع من العين سواء كان مالكًا للعين أو المنفعة. إما باستهلاكها، كأن يأذن له أن يأكل طعامه أو أن يأذن له بمنفعة العين، كأن يأذن له أن يستخدم دابته.
ويترتب على الإباحة جواز التصرف بالعين أو المنفعة في حدود الإذن، دون أن يتعدى الجواز إلى التصرف بالانتفاع إلى العين تصرفًا مشعرًا بالملكية كأن يبيع أو يهب أو يؤجر. ولا يجوز الانتفاع لغير المأذون له، كما لا يجوز له أن يَكِلَ أو ينيب آخر، بل ينتفع بنفسه.
وقد تكون الإباحة عامة وتكون حينئذٍ من الشارع إما للانتفاع كما في استخدام الطرق العامة والمصالح العامة. وإما للتمليك كإباحة الصيد وإحياء الموات.
وعلى هذا فإن الأثر المترتب على الإباحة يختلف فيما إذا كان الإذن من الشارع أو من العباد، فإذن الشارع يفيد الملك أو الاختصاص.
وإذن العباد فيه الخلاف بين الفقهاء، هل تناول المباح على ملك المبيح أو على ملك المباح له، وهل يرتفع الضمان مطلقًا. وخلافهم أيضًا في حكم المباح المستهلك، وفي المال المنثور على وجه الإباحة.
والذي نميل إليه أن الإباحة لا تفيد في ذاتها تمليكًا، وإنما هي طريق إليه، والذي يملك تمليك المباح صاحبه مالك العين أو المنفعة ومجرد الإذن له ليس تمليكًا. (ولكنه بانتفاعه واستيفائه ما أذن فيه يتملك ما استوفاه، فالضيف يتملك الطعام بوضعه في فيه، ومن نثرت عليهم النقود في الأفراح والمحافل – حسبما جرت العادة – يملكونها بالتقاطها) (٥) .
стр. 6841
الفصل التاسع
التكييف الشرعي للاسم التجاري
إن معرفة طبيعة الاسم التجاري هي أساس الحكم الشرعي ومبناه ومبرره وكلما تحددت صفة وطبيعة الموضوع أمكن إلحاق الحكم الشرعي المناسب له.
ولقد عرفت مفاصل الاسم التجاري – وما في حكمه – على وجه التفصيل، وجرى بحث الموضوع في الأطر التي تحكمه، أو التي يدخل هو مفرد في موضوعها، سواء في ذلك الجانب القانوني باعتباره المنظم للواقعة، أو الفقه الإسلامي باعتباره الجهة المطلوب منها الحكم الشرعي ليكون البديل المشروع في الواقعة محل البحث.
وسوف نوضح طبيعة الاسم التجاري في أمرين يئول إليهما غيرهما، وينبني الحكم الشرعي على وفقهما:
الأول: هو إثبات أن الاسم التجاري في مفهوم الفقه الإسلامي يعتبر حقًا.
والثاني: أنه يعتبر منفعة.
الأول: الاسم التجاري حق:
يفهم من تعريف الاسم التجاري – السابق – من أنه "الاسم الذي ارتضى التاجر التعامل بوساطته ليميز منشأته عن نظائرها"، أنه في حقيقته عبارة عن علاقة تنشأ بين هذا الاسم التجاري المتضمن لسلع معينة وبين الجمهور، جسد هذه العلاقة جهد التاجر واجتهاده في تمييز سلعته وتجويدها بحيث اكتسب الاسم التجاري سمعة وشهرة جعل الإقبال عليه كبيرًا وتعارف جمهور الناس أو جمهور منه على صلاحيته، وجودة ما يشير إليه هذا الاسم دون غيره.
ولا ريب أن صاحب الاسم التجاري لم يكتف بإطلاق اسم مجرد لسلعته أو بضائعه، وإنما ضمن هذا الاسم صفات ميزته عن غيره من الأسماء والسلع، ولا يتحقق ذلك إلا بنوع إتقان يعرف به، ويتفرد عما سواه، أو ينافس به غيره من الأسماء الجيدة السمعة، ولولا ذلك الإتقان ما كان لهذا الاسم مزية على غيره، ولكان اسمًا مجردًا لا قيمة له، فلا سمعة وشهرة حقيقية يخشى عليها حتى تطلب حمايتها. بل إن الاسم التجاري رديء السمعة يهبط بسعر السلعة عند إرادة بيعه وقد يكون ذلك سببًا في خسارة كبيرة. ولذلك يعمد راغب الشراء في اتخاذ اسم تجاري جديد، وفي هذا إشارة إلى أن الاسم التجاري طيب السمعة له قيمة ذاتية.
ومن جانب آخر فإن التاجر الذي نجح في إيجاد اسم تجاري له سمعة وشهرة قد بذل جهدًا ذهنيًا وأموالًا ووقتًا ليس بالقليل حتى بنى هذا الاسم، وأنزله منزلة مقبولة لدى الكافة أو جمهور الناس.
стр. 6842
ولا شك أن جهده هذا قد ساعده فيه استشاريون ومختصون ليضمن أحسن المواصفات لسلعه، وأفضل طرق ترويج هذه السلع وتسويقها، وهذا لا ريب كلفه أموالًا طائلة أخصها وأهمها ما بذله من دعاية لازمة لترويج الاسم التجاري.
وقد أصبحت الدعاية اليوم من مستلزمات العمل الناجح لتزاحم الأصناف المتماثلة والمتشابهة إلى حد كبير يكاد يصل حد التطابق في المواصفات.
فما لم يصاحب الاسم التجاري بيان وترغيب بأساليب متعددة، فإن السلع الجيدة تبور وتضيع قيمتها في غمرة الدعايات المؤازرة لأسماء تجارية أخرى مشابهة، أو قد تقل عنها جودة.
فالدعاية للاسم التجاري ضرورية لإيجاد السمعة والشهرة، ولحماية هذه السمعة بعد تحققها، ولذا فإن التاجر محتاج إلى الاستمرار في الدعاية والإعلان بين الفينة والأخرى كي يأمن استمرار اسمه التجاري في الأذهان حيًا ومرغوبًا، بعيدًا عن المنافسة التي قد تستبدل به غيره.
ولا ريب أن هذا بذل مادي ضخم، موضوعه وسببه الاسم التجاري، أو بمعنى أصح موضوعه السمعة والشهرة التي يمثل الاسم التجاري وعاءها وعنوانها.
ولا يخفى أن الدعاية والإعلان لا تعني بالضرورة واقعًا حقيقيًا يمثل الاسم التجاري بالمواصفات التي تحملها عنه هذه الدعاية، فقد تكون دعاوى ليس لها في الواقع وجود، وهذا غش وتدليس لا ينفي المصلحة ولا يرفعها، ولكنه يشوب هذه المصلحة بنوع غش وخداع ينبغي كشفه، وحماية أصحاب المصالح المشروعة الجادين في أسمائهم التجارية منه، وحماية جمهور الناس من مثل هذه الدعايات الموهمة غير الواقع.
وعلى كل الأحوال فإن العرف الجاري والتجربة المتكررة بين الناس تجعل للاسم التجاري الذي يعبر عن واقع وحقيقة إذا صحبته دعاية كافية رجحانًا على الاسم التجاري الذي يعبر عن زيف وخداع، وإن ضخمت دعايته فالبقاء للأصلح في أسواق الناس.
فالاسم التجاري – والحال هذه – له واقع ملموس، كما أن له قيمة ذاتية مستقلة عن السلع التي يمثلها ويحتويها.
وإلى جانب ذلك فإن للاسم التجاري أيضًا أهدافًا وأغراضًا يحققها، أخصها وأهمها أنه يحفظ السلع من التقليد والتزييف، ويوجد ارتباطًا وصلة وانطباعًا معينًا بينه وبين الجمهور، هذا الارتباط الذي ينتج ما نسميه السمعة والشهرة التجارية.
ولا شك البتة أن هذه السمعة في حقيقتها وواقعها مصلحة فعلية بالنسبة للتاجر من جانب، ولعامة الناس المتعاملين من جانب آخر.
فأما مصلحة التاجر: فإنه قد بذل من جهده وفكره وأمواله الشيء الكثير في سبيل هذا الاسم ليضمن لبضائعه رواجًا وسمعة ونجاحًا، فمن مصلحته الخاصة أن يتحقق له ذلك، وبالتالي فمن مصلحته أو من حقه أن يحمي جهده وفكره وأمواله، أو بمعنى آخر أن تحفظ قيمة اسمه التجاري، فلا يتعرض للتقليد أو التزييف، كما تحفظ سمعته من التشويه.
والمصلحة ههنا هي عنوان الحق والدالة عليه، أو هي في الحقيقة الحق ذاته.
стр. 6843
وأما مصلحة العامة: فإن من مصلحة أفراد المجتمع عامة ومن حقهم أن يحصلوا على البضائع التي تحمل مواصفات جيدة يحتاجونها ويرغبون فيها. فمن حقهم – والحال هذه – أن يُحمى هذا الاسم التجاري المرغوب دفعًا للغش والتزييف، وهذا كله مرجعه عند التحقيق إلى مصلحة المجتمع ذاته، إذ من المصلحة الاجتماعية أن تخلو أسواق الناس من السلع الرديئة والمغشوشة، وتسوده السلع الجيدة، ويُمَكَّن أفراده من الحصول على البضائع ذات السمعة والشهرة التي تعبر حقيقة عن الجودة والصلاحية.
ومن هذه الناحية يجب على الدولة أن تقر هذا الواقع وتحميه، فهو يمثل مصلحة اجتماعية عامة، ولا يكون لها ذلك إلا بحماية مصلحة التاجر صاحب الاسم التجاري المقبول، فهو السبب الفعلي في وجود هذه المصلحة، وهو بالتالي المُمَكَّن شرعًا من التصرف، فهو في كل ذلك صاحب حق ولا شك.
فإذا كان هذا كله من شأن الاسم التجاري. فإنه لا ريب يعتبر في قواعد الشرع ومقاصده حقًا شرعيًا تجب حمايته، ومنع الاعتداء عليه، وترتيب الآثار الشرعية لصاحبه كاملة شأنه شأن الأعيان المملوكة.
وقد أثبتنا سابقًا أن الحقوق أموال وهي من هذا الجانب يجري فيها الملك والاختصاص ما دام محلها مالًا أو له تعلق بالمال وكان قابلًا للتجزيء.
فالاسم التجاري من هذا الوجه مال يجري فيه الاختصاص والملك.
стр. 6844
الثاني – الاسم التجاري منفعة:
تبين من تفصيل الموضوع سابقًا بما لا مجال للتردد فيه أن للاسم التجاري منفعة يشكل الاسم التجاري عنوانها ووعاءها، وتنسب المنافع حينئذ للاسم التجاري، وهذه المنافع أشبه بمنافع الأعيان ولكنها منافع إيجابية نامية، وقد تستمر في نموها وتوسيع رصيد عملائها، وقد يضمر ذلك تبعًا لعوامل خارجية وذاتية: من قوة الدعاية لها، وتطوير سلعتها، وإجادة تصنيعها وإتقانها، وتحسين الخدمات المقدمة، وما إلى ذلك.
فنمو منافع الاسم التجاري يعتمد على مدى الجهد الذهني المبتكر، والجهد المالي، والنشاط العملي المبذول. وكلما كانت الجهود المبذولة مركزة وفعالة كلما كان ثبات الاسم التجاري ورسوخه ونماؤه وانتشاره كبيرًا. ولذا فإن مجال التنافس فيه كبير في سبيل تقديم الأفضل في جانبي الإبداع الفكري والحضاري.
وهذا يشير إلى حقيقة أن الاسم التجاري إنما هو منفعة في مفهوم الفقه الإسلامي فيسري عليه ما يسري على منافع الأعيان سواء بسواء.
لكن مع ملاحظة أن منافع الأعيان محدودة ثابتة مرتبطة بأعيانها لا تستوفي دونها. في حين أن منافع الاسم التجاري منفصلة عن مصدرها وهو صاحب إنتاجها وإبداعها بدلالة تصور إمكان بيع الاسم التجاري منفردًا عما يمثله من بضائع، وقد يستخدم لترويج نوع آخر من السلع وينفصل عن صاحبه ومبدعه لينتقل إلى آخر ويرتبط به.
стр. 6845
ومن جانب آخر: فإن الاسم التجاري بما له من شهرة وسمعة لا يمثل في حقيقته المادة المصنعة أي لا يمثل محل الاتجار وعينه، فهذه المادة المصنعة هي بمثابة مصدر هذه الشهرة ومنبعها، ولا يبعد القول بأن الشهر والسمعة ثمرة هذه العين، وهي ثمرة غير محسوسة، أو بمعنى أصح منفعة غير محسوسة. وتأخذ هذه الثمرة قيمتها باعتبار مواصفات متميزة ومميزة لهذه العين عن غيرها.
وعلى هذا فإن الاسم التجاري صفة معنوية مستقلة نتجت عن عين هي مادة تجارية بذل التاجر في سبيل إتقانها وتسويقها جهده فكريًا وماديًا، فهي والحال هذه ثمرة منفصلة ومستقلة عن مصدرها استقلالًا ماديًا، وهي وإن كانت ثمرة ومنفعة، إلا أنها تختلف عن منافع الأعيان التابعة والمرتبطة بمثل العقارات والمنقولات، من حيث إنّ مصدر منافع الأعيان، هي ذات الأعيان فحسب، في حين أن مصدر منافع الاسم التجاري الجهد الذهني والمادي المبذول في هذه الأعيان.
ولما كان الاسم التجاري مصدره الجهد الذهني والمادي المنسوب لصاحبه، كان وجوده نسبيًا في السلع من النوع الواحد، وكان ذلك أدعى للتنافس والإبداع، مما يكسب الاسم التجاري المتميز شهرة وسمعة حقيقية. وهذا مما يحقق مقاصد الشارع في توفير الأصلح لمعايش الناس، وهذه مصلحة معتبرة شرعًا، فإذا تعارف الناس وتوافقوا على تفضيل اسم تجاري على آخر، كان هذا بمثابة مصلحة مستندها العرف.
ولما كانت المصلحة منفعة – كما قررنا سابقًا – والمنفعة مال متقوم على رأي جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة ومتأخري الحنفية، وهي كذلك أموال متقومة على رأي متقدمي الحنفية إذا ورد العقد عليها تحقيقًا لمصلحة الناس، فإذا كان ذلك كذلك فيمكن القول إن الاسم التجاري يعتبر مالًا في الفقه الإسلامي لا ريب.
وإذا كان الاسم التجاري منفعة ومالًا متقومًا صلح أن يكون محلًا للملك. لأن الناس تعارفوا على تموله وتقويمه واعتباره حتى جرى العرف بالاعتياض عنه بمقياس مدى ما فيه من منفعة متحصلة من استخدام مصدره.
فعين الاسم التجاري ليس مقصودًا لذاته بقدر ما هو مقصود من تحصيل منافعه كما قال العز بن عبد السلام: "إن المنافع هي المقصود الأظهر من جميع الأموال" (١) ، إذ لا يمكن أن تحاز المنافع إلا بطريق حيازة أعيانها، وما دام العرف قد جرى بين الناس بالاعتياض عن الاسم التجاري فهو – والحال هذه – يمثل قيمة مادية، لأن الناس لا يعتاضون ما لا قيمة له، وما له قيمة هو مال؛ لأنه كما قال الشافعي – وسبقت الإشارة إليه -: "لا يقع اسم مال إلا على ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه، وإن قلت، وما لا يطرحه الناس" (٢) ، فما يتموله الناس ولا يطرحونه فهذا منهم دليل على ماليته ومنفعته، ولذا رأينا قولهم: "إن مالا منفعة فيه ليس بمال فلا يقابل به" (٣) . فكل ما فيه منفعة فيه قيمة، وبقدر المنفعة تكون القيمة أي المالية، فالمنفعة مناط القيمة، سواء في ذلك الأعيان أو المنافع أو الأمور المعنوية.
стр. 6846
ومن جانب آخر فإن الجمهور كما رأينا يرى أن الملك علاقة معتبرة شرعًا بين المالك والمملوك وهذه العلاقة علاقة اختصاص، أو هو صفة شرعية يمنحها الشارع من يستحقها. والمال وصف شرعي كما قال الشاطبي: "المال ما يقع عليه الملك، ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه" (١) .
فالمال هاهنا وصف شرعي، أو اعتبار من الشارع بوجود هذه العلاقة، وما تستتبعه من حق التصرف ومنع الغير من الاعتداء عليه.
ويترتب على ذلك أن هذا الاعتبار الشرعي له دور في مالية الشيء، بل لولاه ما اعتبر الشيء مالًا، فكل ما يعتبره الشارع من هذا الوجه هو مال سواء أكان عينًا أم منفعة أم حقًا (٢) .
فمدار المالية على المنفعة عند فقهائنا لا على كون الشيء من الأعيان، قال البهوتي: "إن المال ما فيه منفعة مباحة " (٣) .
فقد يكون عينًا لا منفعة فيه فليس هو بمال حينئذ، وقد يكون غير عين تصحبه منفعة فيعتبر مالًا، إذا كانت المنفعة محترمة شرعًا، ومتقومة عرفًا، ويمكن إحرازها، ولا يحتم الفقهاء في تحقق ملك المنفعة ملك العين، وإنما يعتبرون إمكان الحيازة كافيًا في تحقق الملك.
فإذا جرى الملك في الأعيان أو المنافع اعتبر المحل مالًا: "فإن جريان الملك في الأعيان يستلزم ماليتها ما دام الانتفاع به مباحًا شرعًا. وجريان الملك في المنافع يستلزم ماليتها شرعًا أيضًا على الراجح في الفقه الإسلامي المقارن والمعاوضة أساسها الملك " (٤) ، وهي جارية عرفًا في الاسم التجاري وما في حكمه كالابتكار الذهني، وقد بين الشيخ علي الخفيف صفة المالية ومناطها، فقال: "ومن الفقهاء من صرح بأن (المالية) ليست إلا صفة للأشياء، بناء على تمول الناس، واتخاذهم إياها مالًا، ومحلًا لتعاملهم، ولذلك لا يكون إلا إذا دعتهم حاجتهم إلى ذلك، فمالت إليه طباعهم، وكان في الإمكان التسلط عليه، والاستئثار به، ومنعه من الناس، وليس يلزم لذلك أن يكون مادة مدخرة لوقت الحاجة، بل يكفي أن يكون الحصول عليها ميسورًا عند الحاجة إليها غير متعذر، وذلك متحقق في المنافع، فإذا ما تحقق ذلك فيها، عدت من الأموال، بناء على عرف الناس وتعاملهم" (٥) ، "فالمنفعة تعتبر أساسًا للقيمة والمالية، ولو كانت ترفيهية يسيرة الشأن، كما في تغريد بلبل أو تصويت ببغاء" (٦) .
وعلى هذا كله يمكن القول مع الاطمئنان: أن الاسم التجاري منفعة ومال من جانب وهو حق في ذات الوقت من جانب آخر، ولما كانت الحقوق أموالًا يجري فيها الاختصاص والملك ما دام محلها مالًا، أو له تعلق بالمال، ويقبل التجزيء، فإن الاسم التجاري من هذا الوجه مال ومنفعة وحق.
стр. 6847
التصرف بالاسم التجاري:
إن التصرف بالاسم التجاري – وما في حكمه – ينبني على الكلام في التكييف الفقهي الشرعي له، وقد استقر الرأي واطمأنت النفس تمامًا إلى القول بأن: الاسم التجاري حق ومنفعة ومال يجري فيه الملك ... وما دام ذلك كذلك فإن الأصل أن تسري فيه، وتجري عليه جميع التصرفات الجارية في الأعيان.
لكن لما كان موضوع الاسم التجاري والحكم الشرعي فيه مستجدًا، احتاج توثيق الحكم فيه إلى أمرين: تأصيله وتكييفه أو بيان طبيعته من جهة، وإثبات إمكان تطبيق هذا التأصيل على فروع المسألة من جهة أخرى، فإذا التقيا وتضافرا تأكد الاطمئنان في سلامة الحكم في أصل المسألة. ومن هنا كانت الحاجة إلى بيان مدى قبول الاسم التجاري لإجراء التصرفات عليه. بعد أن عرفنا تكييفه أمرًا ملحًا.
فبناء على التكييف السابق نستطيع القول: إن جمهور الفقهاء على جواز بيع الاسم التجاري، وإجراء التصرفات عليه بمثل ما تجري على الأعيان سواء بسواء مع ملاحظة أمرين:
الأول: اختلاف طبيعة الأعيان عن المنافع والحقوق.
الثاني: أن يكون الاسم التجاري يعبر عن واقع حقيقي لا صوري، خاليًا عن الكذب والتزييف.
وبيان ذلك يتضح في جانبين أساسين يجمعان شتات الموضوع ويسوغان القول بجواز إجراء التصرفات على الاسم التجاري.
وهذا الجانبان هما: كون الاسم التجاري حقًا، وكونه مالًا.
стр. 6848
الجانب الأول - الاسم التجاري حق:
فقد أثبتنا فيما سبق أن الاسم التجاري في حقيقته مصلحة وحق، وقد رأينا اتجاه جمهور الفقهاء إلى اعتبار العلاقة الاختصاصية المباشرة بين التاجر والاسم التجاري بحيث يكون مسئولًا مسئولية كاملة عن هذا الاسم التجاري تجاه الآخرين، وفي ذات الوقت يمتنع على الآخرين الاعتداء على هذا الاسم، حتى يكون الاعتداء عليه اعتداء على حق مالي متقرر ما دام الاسم التجاري يمثل منفعة ذات قيمة في عرف الناس، والعلاقة إذا كانت على هذا الوجه تكون في فقه الشرع علاقة حق عيني، فيكون الاسم التجاري حقًا عينيًا وماليًا إذ الحقوق أموال كما نص عليه المالكية سواء أكانت مالية أو غير مالية (١) مع استثناء الحقوق التي لا تقبل التجزيء – كما سبق التنويه -.
الجانب الثاني - الاسم التجاري مال:
إن الاسم التجاري مال لما فيه من منفعة كبرى، هي أهم منافع المتجر، بل إن المتجر دون هذا الاسم والشهرة والسمعة التي تجلب الجمهور لا معنى له، ولا قيمة تجارية حقيقية فيه.
ولقد ثبتت هذه المنفعة وتأكدت من تعارف الناس والتجار منهم على سبيل الخصوص على اعتبار القيمة والمنفعة في هذا الاسم التجاري، فقبلوا التعارض فيه. والمعاوضة أساس الملك، والملك مال عند المالكية، ونظرًا لما فيه من قيمة فهو مال عند الشافعية والحنابلة – كما سبق بيانه -.
وبالنظر إلى كل من هذين الجانبين سواء كانا مجتمعين أو منفردين تصلح كلها أن تكون محلًا للملك فيجري فيها – في خصوص الاسم التجاري – جريانه في غيرها من الأعيان، فالملك يتحقق دون نظر إلى كون محله عينًا أو منفعة أو أمرًا معنويًا ما دام بالإمكان حيازته واستيفاؤه أو الاختصاص به إذ الاختصاص يقوم مقام الحيازة فيما لا تقبل طبيعته الحيازة المادية كالديون. وإذا كان ذلك كذلك فإن الاسم التجاري يجري فيه الملك والاختصاص فيجوز التصرف فيه بالبيع والهبة والوصية وما إلى ذلك. كما يجري فيه الإرث ويلزم، كما يلزم ضمانه عند التلف، وفي الجملة يجزي فيه ما يجزي في الأعيان، إذ حاله من حالها فحكمه حكمها. مع مراعاة طبيعة كل منهما.
هذا هو الحكم في أصل الموضوع، أما فروعه وتطبيقاته فينبغي أن يراعى فيها ما يشترط لصحة التصرف فيها من شروط.
فيراعى في بيع الاسم التجاري أن لا يترتب على هذا البيع غرر من شأنه إبطال العقد وإفساده فبيع الاسم التجاري يلزمه بيع مضمونه فيما يدل عليه من جودة وإتقان ومواصفات للسلع المشمولة في وعائه. فإن انفصلت الجودة والإتقان عن ذات الاسم التجاري كان ذلك تدليسًا وغشًا لا يوقعه من توهم الجودة، ولما يوقعه من تغرير وتدليس للناس في إقبالهم على ذات السلع بناء على معهودهم في هذا الاسم التجاري الذي يستوعبها. فإن البيع في هذه الحال عقد باطل لما فيه من غرر في المثمن وهو الاسم التجاري.
أما إذا انتقل الاسم التجاري مع ما يدل عليه من جودة بضائعه وثبات صفاته المعهودة لدى المتعاملين معه، فإن تغير صاحب الاسم التجاري لا يغير من الأمر شيئًا فقد انفصل الاسم بمزاياه وشهرته إلى غيره، فلا يترتب على هذا تدليس أو تغرير. يستوي في ذلك أن يكون محل البيع الاسم التجاري وما يستوعبه من سلع وملحقاتها، أو بيع الاسم التجاري منفردًا مع اشتراط أن ينشئ المشتري مضمونًا جديدًا من السلع لهذا الاسم بذات المواصفات والجودة المعهودة من ذي قبل. فإن لم يكن ذلك فيجب أن يعلن التاجر أو الجهة المسئولة للناس كافة: أن الاسم التجاري المعهود لم يعد يمثل ما كان داخلًا في مشتملاته ووعائه، وأن المشتملات قد تغيرت من حيث المواصفات والأنواع. فإن فعل ذلك ارتفع اللبس والغرر.
стр. 6849
شبهة وردها:
قد يقال: إنه ما دام الاسم التجاري كما تقرر هو حق عيني مالي متقرر، فينبغي ليصح أن يُمَكَّن صاحبه من سلطات الملك الثلاث وهي: الاستعمال والاستغلال والتصرف.
ولا شك أن الاسم التجاري لا يمكن لصاحبه من أن يستعمله استعمالًا شخصيًا، فإذا تخلف عنصر من عناصر سلطة الملك، فلا يصح اعتباره محلًا للملك.
فيرد على هذا: بأن "الملك في جوهره علاقة اختصاصية، أو حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة كما يقول الإمام القرافي في فروقه، والإمام السيوطي في نظائره، ذلك هو مناط الملك، وأما السلطات فآثار الملك لا عينه، والشأن في الملك أن تكون له هذه الآثار، لكن ثبوت هذه الآثار جميعها ليس مناطًا لثبوت الملك نفسه، فالملك يثبت بإحداها ما دام قد تحقق مناطه وهو الاختصاص. ألا ترى إلى حق المرور، هو حق متقرر لمنفعة عقار على عقار آخر، يثبت لصاحبه سلطة الاستعمال فقط دون الاستغلال؟ والموقوف عليهم للسكنى يثبت لهم حق الاستعمال كذلك دون الاستغلال؟ وهذا لا ينفي أن يكون لهم حق في ملك المنفعة على هذا الوجه " (١) .
"فلا أثر إذن لتخلف ثمرة من ثمرات الملك على ثبوت معنى الملك نفسه، فإذا كان الشأن في الملك أن تثبت سلطاته الثلاث جميعًا، لكن ذلك ليس من مستلزماته" (٢) ، وعلى هذا فلا ريب أن الاسم التجاري يثبت فيه حق الملك فيما له من سمعة وشهرة وقيمة وإن تخلف أحد سلطات الملك فيه ما دام تخلفها راجعًا إلى طبيعتها، وهذا لا يهدم الملك ولا ينقصه.
الدكتور عجيل جاسم النشمي
стр. 6850
المراجع
مُرتبة على حروف المعجم
١- الإباحة عند الأصوليين والفقهاء، للدكتور محمد سلام مدكور – الطبعة الثانية – المطبعة العالمية – ١٩٦٥م بمصر.
٢- الاختيار لتعليل المختار، للإمام عبد الله الموصلي – الطبعة الثالثة – ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥م بمصر.
٣- أحكام المعاملات الشرعية، للشيخ علي الخفيف – الطبعة الثانية ١٣٦٣ هـ - ١٩٤٤م بمصر.
٤- الأشباه والنظائر في قواعد فروع الشافعية، للإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي – الطبعة الأخيرة – مطبعة مصطفى الحلبي ١٣٧٨ هـ - ١٩٥٩م بمصر.
٥- الأشباه والنظائر لابن نجيم
٦- الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، للإمام شرف الدين المقدسي – المطبعة المصرية بالأزهر.
٧- الأموال ونظرية العقد، للدكتور محمد موسى – الطبعة الأولى ١٣٧٢ هـ - ١٩٩٠م.
٨- الإنصاف في الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، للعلامة علاء الدين علي بن سليمان المرداوي – الطبعة الأولى – مطبعة السنة المحمدية ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٦م.
٩- البحر الرائق شرح كنز الدقائق، للإمام زين الدين بن نجيم – الطبعة الثانية بمصر.
١٠- بدائع الصنائع، للإمام علاء الدين زين الدين بن مسعود الكاساني – مطبعة الجمالية ١٣٢٨ هـ ١٩١٠م بمصر.
١١- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، للإمام محمد بن أحمد بن رشد القرطبي – الطبعة الثانية – مطبعة مصطفى الحلبي ١٣٧٠ هـ - ١٩٥١م بمصر.
١٢- البهجة شرح التحفة، للإمام أبي الحسن علي بن عبد السلام التسولي – الطبعة الثانية – مطبعة مصطفى الحلبي ١٣٧٠ هـ - ١٩٥١م بمصر.
١٣- بين الشريعة والقانون الروماني، للدكتور صوفي أبو طالب – طبع مكتبة نهضة مصر.
١٤- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للحافظ المباركفوري – الطبعة الثانية، دار الاتحاد العربي للطباعة ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٥م بمصر.
стр. 6851
١٥-تحفة المحتاج بشرح المنهاج، للإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي بحاشية الشيخ عبد الحميد الشرواني والشيخ أحمد بن قاسم العبادي – طبع بولاق بمصر.
١٦- التشريع الصناعي، للدكتور محمد حسني عباس – دار النهضة العربية ١٩٦٧ م بمصر.
١٧- التعريفات، للإمام الشريف علي بن محمد محمد الجرحاني – الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣م بيروت.
١٨- التلويح على التوضيح شرح التنقيح، للإمام صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود، والشرح للإمام سعد الدين التفتازاني.
١٩- جواهر الإكليل شرح مختصر الإمام خليل، للشيخ صالح عبد السميع الآبي – الطبعة الثانية – مصطفى الحلبي ١٣٦٦ هـ -١٩٤٧م بمصر.
٢٠- حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، للعلامة محمد أمين الشهير بابن عابدين – الطبعة الخامسة – مصطفى الحلبي ١٣٨٦ هـ -١٩٦٦م بمصر.
٢١- حاشية العلامة محمد عرفة الدسوقي على الشرح الكبير، للإمام أحمد الدردير – طبع دار إحياء الكتب العربية بمصر.
٢٢- حاشية العدوي على شرح عبد الباقي الزرقاني لمتن خليل – الطبعة الأولى – المطبعة الأميرية بولاق ١٣٠٦ بمصر.
٢٣- حاشية الإمامين شهاب الدين القليوبي وعميرة على منهاج الطالبين، للإمام محيي الدين النووي بشرح العلامة جلال الدين المحَلَّي – طبع دار إحياء الكتب العربية بمصر.
٢٤- حق الابتكار في الفقه الإسلامي المقارن، للدكتور فتحي الدريني، طبع مؤسسة الرسالة – الطبعة الثالثة ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م بيروت.
٢٥- حق الملكية، للدكتور عبد المنعم فرج الصده – الطبعة الثالثة – مطبعة مصطفى الحلبي ١٩٦٧م بمصر.
٢٦- درر الحكام شرح غرر الأحكام، للعلامة منلا خسرو وبهامشه حاشية العلامة الشرنبلالي.
٢٧- رد المحتار على الدر المختار، للعلامة محمد أمين المعروف بابن عابدين طبع الأميرية ١٣٢٣ هـ بمصر.
٢٨- شرح فتح القدير، للإمام كمال الدين بن الهمام على الهداية، للمرغناني – المطبعة التجارية بمصر.
стр. 6852
٢٩- شرح المنار وحواشيه من علم الأصول، للإمام عبد العزيز بن ملك على متن المنار، للإمام عبد الله حافظ الدين النسفي وعليه حاشيتا الإمامين عزمي زاده وابن الحلبي – طبع دار سعادة ١٣١٥ هـ استانبول.
٣٠- شرح منتهى الإرادات، للإمام منصور بن يونس البهوتي – نشر عالم الفكر.
٣١- الشريعة الإسلامية تاريخها ونظرية الملكية والعقود، للدكتور بدران أبو العينين بدران – نشر مؤسسة شباب الجامعة بمصر.
٣٢- عون المعبود شرح سنن أبي داود، للحافظ ابن قيم الجوزية – الطبعة الثانية ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٩ م المدينة المنورة.
٣٣- الفتاوى البزازية، للإمام محمد بن محمد البزاز بهامش الفتاوى الهندية – الطبعة الثانية الأميرية ١٣١٠ هـ بمصر.
٣٤- فتاوى شيخ الإمام أحمد بن تيمية – الطبعة الأولى – مطابع الرياض ١٣٨٣ هـ الرياض.
٣٥- الفروق، للإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي – مطبعة إحياء الكتب العربية – الطبعة الأولى ١٣٤٦ هـ بمصر.
٣٦- الفقه على المذاهب الأربعة، للشيخ عبد الرحمن الجزيري – الطبعة السادس بمصر.
٣٧- الفواكه الدواني، للشيخ أحمد غنيم النفراوي شرح رسالة أبي محمد القيرواني – الطبعة الثالثة – مصطفى الحلبي ١٣٧٤ هـ - ١٩٥٥ م بمصر.
٣٨- القانون التجاري، للدكتور علي حسن يونس.
٣٩- القانون التجاري، للدكتور محمد حسني عباس – دار النهضة العربية ١٩٦٦م مصر.
٤٠- قواعد الأحكام، للإمام العز بن عبد السلام.
٤١- القواعد في الفقه الإسلامي، للإمام عبد الرحمن بن رجب الحنبلي – الطبعة الأولى ١٣٩٢ هـ ١٩٧٣م بمصر.
٤٢- كشف الأسرار عن أصول البزدوي، للإمام عبد العزيز البخاري.
٤٣- لسان العرب، لابن منظور.
٤٤- مبادئ القانون التجاري، للدكتور مصطفى كمال طه – الطبعة الأولى – دار المعارف ١٩٦٢م بمصر.
٤٥- المبسوط للإمام شمس الدين السرخسي – الطبعة الأولى – مطبعة السعادة بمصر.
٤٦- مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر – الطبعة الأميرية بمصر.
٤٧- المجموع شرح المهذب، لأبي زكريا النووي – مطبعة الإمام بمصر.
٤٨- مجلة الأحكام العدلية – الطبعة الخامسة ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م.
٤٩- محاضرات في الحقوق العينية الأصلية، للدكتور سعيد عبد الكريم مبارك – دار الطباعة الحديثة ١٩٧٠م البصرة.
٥٠- المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي، للشيخ مصطفى أحمد الزرقا – الطبعة الثالثة – مطبعة الجامعة ١٣٧٧ هـ - ١٩٥٨م دمشق.
٥١- مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان، للعلامة محمد قدري باشا – الطبعة الأولى ١٣٣٨ هـ بمصر.
٥٢- مصادر الالتزام في قانون التجارة الكويتي مقارنًا بالفقه الإسلامي والمجلة، للدكتور عبد الفتاح عبد الباقي.
٥٣- مصادر الحق في الفقه الإسلامي، للدكتور عبد الرزاق السنهوري – مطبعة دار المعارف ١٩٦٧م بمصر.
٥٤- المصباح المنير، للعلامة الرافعي.
٥٥- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، للعلامة مصطفى السيوطي الرحيباني – منشورات المكتب الإسلامي – بيروت.
٥٦- المعاملات الشرعية، للشيخ أحمد أبو الفتوح.
٥٧- المعاملات الشرعية، للشيخ أحمد إبراهيم – الطبعة الثانية – لجنة التأليف والترجمة ١٣٦٣ هـ - ١٩٤٤ بمصر.
٥٨- مغني المحتاج، للإمام الخطيب الشربيني على متن منهاج الطالبين، للإمام محيي الدين حيي بن شرف النووي – مطبعة الاستقامة ١٣٧٤ هـ - ١٩٥٥ م بمصر.
٥٩- المغني، لابن قدامة المقدسي – طبع سجل العرب ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩م وطبع المنار ١٣٤٧ هـ بمصر.
стр. 6853
٦٠- الملكية في الشريعة الإسلامية، للدكتور عبد السلام داود العبادي – طبع وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الطبعة الأولى ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤م الأردن.
٦١- الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية، للشيخ محمد أبو زهرة – دار الفكر العربي بمصر.
٦٢- المنثور في القواعد، للإمام بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي – تحقيق د. تيسير فائق- الطبعة الأولى – مطبعة الفليج ١٤٠٢ هـ ١٩٨٢م الكويت.
٦٣- الموجز في شرح قانون التجارة الكويتي، للدكتور عبد العزيز العكيلي – الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ -١٩٧٨ م الكويت.
٦٤- الموافقات في أصول الأحكام، للإمام أبي إسحاق إبراهيم اللخمي الشاطبي – مطبعة المدني – الطبعة الثانية ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥م بمصر.
٦٥- الموسوعة الفقهية – مطبعة الموسوعة الفقهية – دولة الكويت.
٦٦- الميراث والوصية، للشيخ محمد زكريا البرديسي – طبع الدار القومية للطباعة والنشر ١٣٨٣ هـ - ١٩٦٤ م بمصر.
٦٧- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، للإمام محمد بن أبي العباس الرملي – نشر المكتب الإسلامية بمصر.
٦٨- نيل المآرب بشرح دليل الطالب، للشيخ عبد القادر بن عمر الشيباني، تحقيق الدكتور محمد الأشقر – الطبعة الأولى نشر مكتبة الفلاح ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م الكويت.
٦٩- الوجيز في الملكية الصناعية والتجارية، للدكتور صلاح الدين الناهي – الطبعة الأولى – دار الفرقان ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٤م الأردن.
٧٠-الوسيط في شرح القانون المدني للدكتور عبد الرزاق السنهوري – الطبعة الثانية دار النهضة العربية ١٩٦٤م بمصر.
стр. 6854
بيع الحقوق المجردة
إعداد
الشيخ محمد تقي العثماني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين ورحمة العالمين، وعلى آله وأصحابه الذين رفعوا معالم الدين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فقد ظهرت اليوم أنواع من الحقوق الشخصية التي ليست أعيانًا في نفسها، ولكن شاع تداولها في الأسواق عن طريق البيع، وقد أقرت القوانين الوضعية بجواز بعضها، ومنعت من تداول بعضها، ولكن الأسواق مكتثة بمثل هذه المعاملات. وهي على سبيل المثال: خلو الدور والحوانيت، وحق استعمال اسم تجاري مخصوص أو علامة تجارية خاصة (Trade Mark) أو الترخيص التجاري (License) وما يسمى في اللغة المعاصرة: حقوق الملكية الذهنية، أو الأدبية والفنية (Intellectual Property) مثل حق التأليف والنشر، وحق الابتكار، وحق الرسام في لوحاته المبتكرة.
وجميع هذه الحقوق تعتبر في العرف التجاري المعاصر مملوكة تجري عليها أحكام الأموال والأملاك الشخصية، فإنها تباع وتشترى، وتؤجر وتوهب وتورث، شأن الأعيان والأموال المادية سواء بسواء.
فالمسألة المطروحة أمامنا: هل يجوز في الشريعة الإسلامية أن تعتبر هذه الحقوق أموالًا يصح بيعها وشراؤها، أو الاعتياض عنها بصورة من الصور المشروعة، أم لا يجوز ذلك؟
ولم تكن المسألة في عهد الفقهاء القدامى بهذا الشكل الواسع، فمن الطبيعي أن لا يوجد في كتبهم جواب خاص عن جزئياتها الموجودة في عصرنا، غير أنهم تحدثوا عن كثير من الحقوق ومسألة الاعتياض عنها حسب ما كان موجودًا أو متصورًا في عصرهم، فمنهم من منع الاعتياض عن الحقوق المجردة، ومنهم من أجاز بعض الأنواع منها. ولو استقصينا ما كتبه الفقهاء في هذا الباب لوجدنا أن أنواع الحقوق كثيرة، وعبارات الفقهاء فيها مختلفة، ولم أظفر بعد بكلمة جامعة تشمل جميع أنواع الحقوق، ويوضح الضابط الذي يمكن أن تبنى عليه المسائل في الموضوع، فنحتاج أن نستخرج الضوابط في هذا الباب من دلائل القرآن والسنة، والجزئيات المبعثرة في كتب الفقه التي يمكن أن تصير نظائر لما نحن بصدده، ونسأل الله تعالى أن يسدد خطانا ويشرح صدورنا بما فيه حق وصواب حسب ما يرضاه ، وهو الموفق والمعين.
стр. 6855
والذي يتحصل من استقراء الحقوق التي تحدث الفقهاء عن الاعتياض عنها، أنها تنقسم إلى نوعين:
١- الحقوق الشرعية، وهي التي ثبتت من قبل الشارع، ولا مدخل في ثبوتها للقياس.
٢- الحقوق العرفية، وهي التي ثبتت بحكم العرف، وأقره الشرع. ثم كل واحد من هذين النوعين ينقسم إلى قسمين:
الأول: الحقوق التي شرعت لدفع الضرر عن أصحابها.
الثاني: الحقوق التي شرعت أصالة.
والحقوق الثابتة أصالة تنقسم إلى أقسام:
١- الحقوق التي هي عبارة عن منافع مؤبدة في ذوات الأشياء، مثل حق المرور وحق الشرب، وحق التسييل وغيره.
٢- الحقوق التي تثبت بسبق يد الرجل إلى شيء مباح، وتسمى حق الأسبقية أو حق الاختصاص.
٣- الحقوق التي هي عبارة عن حق إحداث عقد مع آخر أو إبقائه، مثل حق استئجار الأرض، أو الدار، أو الحانوت، أو حق البقاء في وظيفة من وظائف الوقف.
ثم إن الاعتياض عن الحقوق يمكن بطريقين:
الأول: الاعتياض عن طريق البيع،وحقيقته نقل ما كان يملكه البائع إلى المشتري بجميع مقتضيات النقل.
الثاني: الاعتياض عن طريق الصلح والتنازل، وحقيقته أن التنازل يسقط حقه، ولكن لا ينتقل الحق إلى المنزول له بمجرد نزوله، ولكن يزول مزاحمة النازل بمقابلة المنزول له.
وقد ذكر الإمام القرافي ﵀ الفرق بين الطريقين، حيث قال:
" اعلم أن الحقوق والأملاك ينقسم التصرف فيها إلى نقل وإسقاط، فالنقل ينقسم إلى ما هو بعوض في الأعيان، كالبيع والقرض ... وإلى ما هو بغير عوض كالهدايا والوصايا ... فإن ذلك كله نقل ملك في أعيان بغير عوض.
وأما الإسقاط فهو إما بعوض كالخلع، والعفو على مال ... فجميع هذه الصور يسقط فيها الثابت، ولا ينتقل إلى الباذل ما كان يملكه المبذول له من العصمة وبيع العبد ونحوهما " (١) .
فنريد أولًا أن مذكر هذه الأنواع من الحقوق التي ذكرها الفقهاء في كتبهم، ونتكلم على كل منها على حدة، بذكر ما قال فيه الفقهاء رحمهم الله تعالى، فنستخلص من كلامهم ما يدلنا على الحكم الشرعي في هذه الحقوق التي شاع تداولها بين الناس، والتي نريد أن نعرف حكم الاعتياض عنها والله هو الموفق والمعين.
стр. 6856
الحقوق الشرعية:
والذي نقصد باصطلاح " الحقوق الشرعية " أنها حقوق ثبتت من قبل الشارع، ولا مدخل فيها للقياس، بمعنى أنها لم تثبت لأصحابها إلا بنص جلي أو خفي من قبل الشارع، ولولا ذلك النص ما ثبتت. مثل حق الشفعة، وحق الولاء، وحق الوراثة، وحق النسب، وحق القصاص، وحق التمتع بالزوجة، وحق الطلاق، وحق الحضانة والولاية، وحق المرأة في قسم زوجها لها.
وإن هذه الحقوق على قسمين:
الأول: حقوق ليست ثابتة أصالة، وإنما أثبتها الشارع لدفع الضرر عن أصحابها ونستطيع أن نسميها " الحقوق الضرورية ".
الثاني: حقوق ثبتت لأصحابها أصالة، لا على وجه دفع الضرر، ونستطيع أن نسميها: " الحقوق الأصلية ".
الحقوق الضرورية:
فأما القسم الأول من هذه الحقوق وهي الحقوق الضرورية، فمثاله حق الشفعة، فإنه ليس حقا ثابتًا بالأصالة، لأن الأصل أن المتبايعين إذا عقدا بيعًا عن تراض منهما، فلا حق للثالث أن يتدخل بينهما، ولكن الشريعة إنما أثبتت حق الشفعة للشريك والخليط والجار لدفع الضرر عنهم. وكذلك حق المرأة في قسم زوجها لها، إنما شرع لدفع الضرر عنها، وإلا فالزوج له الخيار في أن يتمتع بزوجته ويبيت عندها متى شاء. ويدخل فيه حق الحضانة، وولاية اليتيم، وخيار المخيرة.
وحكم هذا النوع من الحقوق أنه لا يجوز الاعتياض عنها، لا عن طريق البيع، ولا عن طريق الصلح والتنازل بمال.
والدليل عليه عقلا: أن الحق لم يكن ثابتًا لصاحبه أصالة، وإنما ثبت له لدفع الضرر عنه، فإن رضي بإعطائه لغيره، أو تنازل عنه لآخر، ظهر أنه لا ضرر له عند عدمه، فيرجع الأمر إلى الأصل، وهو عدم ثبوت الحق له، فلا يجوز له أن يطالب على ذلك بعوض، كالشفعة إذا تنازل عنها الشفيع، ظهر أنه لا ضرر له في البيع الذي كان سببًا لثبوت حقه فانتفى حقه في نقض ذلك البيع، ولا يجوز إذن أن يأخذ على ذلك مالًا.
وكذلك حق القسم للمرأة كان لدفع الضرر عنها، فلما تنازلت عنه ظهر أنها لا تتضرر بترك القسم، فلا يجوز لها أخذ العوض على هذا التنازل. ومثله المرأة المخيرة من قبل زوجها بقوله " اختاري " لها الخيار في فسخ نكاحها منه دفعًا للضرر عنها، فلو قالت: أختار زوجي وأبطل هذا الخيار بمال يعطيني، ظهر أنه لا ضرر لها في بقائها مع زوجها، فلا تستحق أخذ العوض على ذلك. وكذلك زوجة العنين لها أن تفسخ نكاحها من زوجها العنين لدفع الضررعن نفسها فإن رضيت البقاء معه بمال، ظهر أنها لا تتضرر ببقاء النكاح، فلا يجوز أخذ العوض.
стр. 6857
الحقوق الأصلية:
وأما النوع الثاني من الحقوق الشرعية، فهي الحقوق التي ثبتت لأصحابها أصالة، لا على وجه دفع الضرر فقط، ومثل حق القصاص، وحق تمتع الزوج بزوجته بقاء نكاحها معه، وحق الإرث، وما إلى ذلك.
وحكم هذا النوع من الحقوق أنه لا يجوز الاعتياض عنها بطريق البيع، بأن ينتقل به الحق إلى المشتري، فيستحق به ما كان يستحقه البائع، فلا يجوز لولي قتيل أن يبيع حق الاقتصاص إلى رجل آخر، بأن يستحق ذلك الرجل استيفاء القصاص بدله، وكذلك لا يجوز لرجل أن يبيع حق تمتعه بالزوجة إلى غيره ليتمتع هو بها، ولا يجوز لوارث أن يبيع حق إرثه إلى رجل آخر، بحيث يرث هو عوضًا عن الوارث الحقيقي. لأن هذه لحقوق إنما أثبتها الشارع لرجل مخصوص بصفة مخصوصة، مهما تنتفِ هذه الصفة تنعدم الحقوق، فحق القصاص إنما أثبته الشارع لولي المقتول بصفة كونه وليًا له، فإذا انتفت الولاية انتفى الحق.
وبعبارة أخرى، إن هذه الحقوق لا تقبل الانتقال من واحد إلى آخر شرعًا، فلا تباع ولا توهب، ولا تورث، ووراثة حق القصاص ليس وراثة حقيقة، وإنما هو حق يثبت للوارث أصالة عند عدم الولي الأقرب، لا من حيث إنه ينتقل من الولي الأقرب إلى وارثه.
فبما أن الشريعة لا تأذن بنقل هذه الحقوق من واحد إلى آخر، فلا يجوز الاعتياض عنها بطريق البيع والمبادلة، ومأخذ هذا الحكم حديث ابن عمر ﵄: ((أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وهبته)) (١) .
ولكن هذه الحقوق يجوز الاعتياض عنها بطريق الصلح والتنازل بمال، بمعنى أن المستحق في هذه الحقوق يمسك عن استعمال حقه بمال يطالب به من يتضرر باستعمال ذلك الحق. مثل ولي القتيل إذا استحق القصاص، فإنه يباح له أن يصالح القاتل على مال، وإن هذا المال بدل لإمساك صاحب الحق عن استيفاء حقه، وإنما يبذله القاتل دفعًا لضرر الموت عن نفسه، وهذا جائز بنص القرآن والسنة وبإجماع أهل العلم.
وكذلك الزوج له الحق في أن يتمتع بزوجته ببقاء نكاحها معه، ولكنه يمسك عن استعمال هذا الحق بمال تفتدي به المرأة، وهو الخلع والطلاق على مال، وذلك جائز بنص القرآن، وعلى ذلك انعقد الإجماع.
وإن هذا الفرق بين الحقوق الضرورية والحقوق الأصلية قد ذكره البيري من الفقهاء الحنفية في شرحه على الأشباه والنظائر (٢) وحكاه ابن عابدين ﵀ ولخصه بقوله:
" وحاصله أن ثبوت حق الشفعة للشفيع، وحق القسم للزوجة، وكذلك حق الخيار في النكاح للمخيرة إنما هو لدفع الضرر عن الشفيع والمرأة، وما ثبت لذلك لا يصح الصلح عنه، لأن صاحب الحق لما رضي علم أنه لا يتضرر بذلك، فلا يستحق شيئًا. أما حق الموصى له بالخدمة، فليس كذلك، بل ثبت له على وجه البر والصلة، فيكون ثابتًا له أصالة، فيصح الصلح عنه إذا نزل عنه لغيره، ومثله ما مر عن الأشباه من حق القصاص والنكاح والرق، حيث صح الاعتياض عنه، لأنه ثابت لصاحبه أصالة، لا على وجه دفع الضرر عن صاحبه " (٣) .
ولكن جواز هذا الاعتياض على وجه الصلح إنما يجوز إذا كان هناك حق ثابت قائم كما في حق القصاص وحق بقاء النكاح والرق. أما إذا كان حقا متوقعًا في المستقبل، غير ثابت في الحال، فإن ذلك لا يجوز الاعتياض عنه، لا عن طريق البيع، ولا عن طريق الصلح. وذلك مثل حق الوراثة في حياة المورث، لا يجوز التنازل عنه بمال، لأن حق الوراثة في حياة المورث ليس حقًا ثابتًا، بل هو حق متوقع يحتمل الثبوت وعدمه، وإنما يتقرر بموت المورث، وكذلك حق الولاء في حياة المولي حق غير متقرر، وإنما يتأكد بموته فلا يصح التنازل عنه.
وأما بعد موت المورث أو الولي، فإن ذلك الحق ينتقل إلى ملك مادي في تركته، فيصح بيعه أو التنازل عنه بطريق التخارج بشروطه المعروفة.
стр. 6858
الحقوق العرفية:
والنوع الثاني من الحقوق نستطيع أن نسميها بالحقوق العرفية. ونقصد بذلك الحقوق المشروعة التي ثبتت لأصحابها بحكم العرف والعادة، وإنها حقوق مشروعة من حيث إن الشريعة الإسلامية أقرتها عن طريق إقرارها للعرف والتعامل، ولكن مأخذها الأصيل هو العرف دون الشرع، وذلك مثل حق المرور في الطريق وحق الشرب، وحق التسييل وما إلى ذلك.
وإن هذه الحقوق العرفية تنقسم إلى أقسام:
١- حق الانتفاع بذوات الأشياء:
وإن هذا القسم من الحقوق عبارة عن الاستفادة بالمنافع المتعلقة بذوات الأعيان المادية، فإن كان هذا الانتفاع لمدة معلومة فإن الاعتياض عنه مشروع بطريق الإجارة، وتجري عليها أحكامها، مثل الانتفاع بسكنى الدار لمدة معينة، يجوز للمالك الاعتياض عنه بأن يؤجرها لشخص لمدة معلومة بأجرة معلومة.
وأما إذا كان المالك ينقل هذه المنفعة إلى آخر على سبيل التأبيد، فإنه بيع لتلك المنفعة، وذكره الفقهاء الحنفية باسم بيع الحقوق المجردة أيضًا. وقد اختلفت أنظار الفقهاء في جواز هذا البيع، فمنهم من أجازه مطلقًا، ومنهم من منعه مطلقًا، ومنهم من أجازه في بعض الحقوق، ومنعه فبعضها، ونريد أولًا أن نذكر الصور التي ذكرها الفقهاء لهذا القسم من الحقوق، واحدة بعد أخرى، مع ما قال فيها الفقهاء، ثم نصل إلى القول الفصل في الباب إن شاء الله تعالى، والله هو الموفق للصواب.
والصور التي ذكرها الفقهاء من هذا القسم هي: حق المرور، حق التعلي، حق التسييل، حق الشرب، حق وضع الخشب على الجدار، وحق فتح الباب. فالمشهور عند الحنفية أن هذه الحقوق حقوق مجردة لا يجوز بيعها، والمعروف في كتب الأئمة الثلاثة جواز الاعتياض عن أكثر هذه الحقوق.
وعمدة الخلاف في هذا الباب تعريف البيع، فمن عرف البيع بمبادلة المال بالمال وخص المال بالأعيان، منع بيع الحقوق المجردة، لأنها ليست أعيانًا، ومن عمم تعريف البيع بما يشمل المنافع أجاز بيعها.
فأما الشافعية فتعريف البيع عندهم شامل لبيع المنفعة على سبيل التأبيد، فقد عرفه ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى بقوله:
عقد يتضمن مقابلة مال بمال بشرطه الآتي لاستفادة ملك عين أو منفعة مؤبدة ".
وقال الشرواني تحته:
" قوله (مؤبدة) كحق الممر إذا عقد عليه بلفظ البيع " (١) .
وقال الشربيني الخطيب ﵀:
" وحدَّه بعضهم بأنه عقد معاوضة مالية يفيد ملك عين أو منفعة على التأبيد، فدخل بيع حق الممر ونحوه، وخرجت الإجارة بقيد التأقيت فإنها ليست بيعًا " (٢) .
وقال ابن القاسم الغزي في شرحه على متن أبي شجاع:
" فأحسن ما قيل في تعريفه أنه تمليك عين مالية بمعاوضة بإذن شرعي، أو تمليك منفعة مباحة على التأبيد بثمن مالي ... ودخل في منفعة تمليك حق البناء ".
وقال الباجوري تحته:
" قوله ودخل في منفعة إلخ، إنما قال: دخل إلخ، لأن المنفعة تشتمل حق الممر، ووضع الأخشاب على الجدار ... ولابد من تقدير مضاف في كلامه بأن يقال: ودخل في تمليك منفعة، ليناسب قوله (تمليك حق البناء) . وصورة ذلك أن يقول له: بعتك حق البناء على هذا السطح مثلًا بكذا، والمراد بالحق الاستحقاق " (٣) .
ولخصه الشاطري في الياقوت بقوله:
" البيع لغةً: مقابلة شيء بشيء، وشرعًا: عقد معاوضة مالية تفيد ملك عين، أو منفعة على التأبيد، كما في بيع حق الممر، ووضع الأخشاب على الجدار، وحق البناء على السطح " (٤) .
стр. 6859
فظهر بهذه النصوص الفقهية أن المنفعة المباحة المؤبدة مال عند الشافعية يجوز بيعه وشراؤه، وكذلك الأمر عند الحنابلة فتعريف البيع عندهم على ما ذكره البهوتي، أنه:
" مبادلة عين مالية ... أو منفعة مباحة مطلقًا، بأن لا تختص إباحتها بحال دون آخر كممر دار أو بقعة تحفر بئرًا، بأحدهما، أي عين مالية أو منفعة مباحة مطلقًا ... فيشمل نحو بيع كتاب بكتاب أو بممر دار، أو بيع نحو ممر في دار بكتاب، أو ممر في دار أخرى " (١) .
وقال المرداوي ﵀ في الإنصاف بعد ما ذكر عدة تعريفات للبيع، واعترض على أكثرها:
" وقال في الوجيز: هو عبارة عن تمليك عين مالية، أو منفعة مباحة على التأبيد بعوض مالي ". ويرد عليه أيضًا: الربا والقرض، وبالجملة: قل أن يسلم حد. قلت: لو قيل: " هو مبادلة عين أو منفعة مباحة مطلقًا، بأحدهما كذلك على التأبيد فيهما، بغير ربا ولا قرض "، لسلم (٢) .
وجاء في كشاف القناع للبهوتي:
(ويصح أن يشتري ممرًا في ملك غيره دارًا كان أو غيرها وأن يشتري موضعًا في حائط يفتحه بابًا وأن يشتري بقعة في أرض يحفرها بئرًا، بشرط كون ذلك معلومًا، لأن ذلك نفع مقصود، فجاز بيعه كالدور ويصح أيضًا أن يشتري علو بيت يبني عليه بنيانًا موصوفًا، أو ليضع عليه خشبًا موصوفًا، لأنه ملك البائع، فجاز بيعه كالأرض، معنى " موصوفًا " أي معلومًا ... وكذا لو كان البيت الذي اشترى علوه غير مبني إذا وصف العلو والسفل ليكون معلومًا، وإنما صح لأنه ملك للبائع، فكان له الاعتياض عنه ويصح فعل ذلك أي ما ذكر من اتخاذ ممر في ملك غيره، أو موضوع في حائطه يفتحه بابًا، أو بقعة في أرضه يحفرها بئرًا، أو علو بيت يبني عليه بنيانًا، أو يضع عليه خشبًا معلومين صلحًا أبدًا أي مؤبدًا، وهو في معنى البيع ... ومتى زال البنيان أو الخشب (فله إعادته) لأنه استحق إبقاءه بعوض (سواء زال لسقوطه) أي سقوط البنيان أو الخشب (أو) زال (لسقوط الحائط) الذي استأجره لذلك أو زال لغير ذلك كهدمه إياه ... وله أي لرب البيت الصلح على زواله أي إزالة العلو عن بيته أو الصلح بعد انهدامه على عدم عوده سواء كان ما صالحه به مثل العوض الذي صولح به على وضعه أو أقل أو أكثر، لأن هذا عوض عن المنفعة المستحقة له، فيصح بما اتفقا عليه) (٣) .
стр. 6860
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى:
" ولا يجوز أن يبني دكانًا، ولا يخرج روشنًا ولا ساباطًا على درب غير نافذ إلا بإذن أهله ... وإن صالح أهل الدرب من ذلك على عوض معلوم جاز. وقال القاضي وأصحاب الشافعي: لايجوز، لأنه بيع للهواء دون القرار، ولنا أنه يبني فيه بإذنهم، فجاز، كما لو أذنوا له بغير عوض، ولأنه ملك لهم، فجاز لهم أخذ عوضه كالقرار.
إذا ثبت هذا، فإنما يجوز بشرط كون ما يخرجه معلوم المقدار في الخروج والعلو. وهكذا الحكم فيما إذا أخرجه إلى ملك إنسان معين لا يجوز بغير إذنه، ويجوز بإذنه بعوض وبغيره إذا كان معلوم المقدار " (١) .
وقال أيضًا:
" ولا يجوز أن يفتح في حائط المشترك طاقًا ولا بابًا إلا بإذن شريكه، لأن ذلك انتفاع بملك غيره، وتصرف فيه بما يضر به، ولا يجوز أن يغرز فيه وتدًا، ولا يحدث عليه حائطًا، ولا يستره، ولا يتصرف فيه نوع تصرف، لأنه تصرف في الحائط بما يضر به، فلم يجز كنقضه، ولا يجوز له فعل شيء من ذلك في حائط جاره بطريق الأولى، لأنه إذا لم يجز فيما فيه حق، ففيما لا حق له فيه أولى، وإن صالحه عن ذلك بعوض جاز" (٢) .
وقال أيضًا:
" ولا يجوز أن يحفر في الطريق النافذة بئرًا لنفسه، سواء جعلها لماء المطر أو ليستخرج منها ما ينتفع به ولا غير ذلك ... ولو صالح أهل الدرب عن ذلك بعوض جاز. (٣) .
стр. 6861
وأما المالكية، فالتعريف المشهور للبيع عندهم، ماينسب إلى ابن عرفة، وهو مايلي: " عقد معاوضة على غير منافع، ولا متعة لذة " (١) .
فتخرج الإجارة والكراء لكونهما عقدًا على منافع، ويخرج النكاح لأنه عقد على متعة لذة، وظاهر هذا التعريف أن البيع يقتصر عندهم على الأعيان المادية، ولا يقع على المنافع والحقوق.
ولكن يوجد عندهم – على الرغم من ذلك – جواز بعض البيوع التي ترجع إلى بيع الحقوق والمنافع، فيجوز عندهم بيع حق التعلي، وحق غرز الخشب على الجدار. يقول الدردير ﵀ في شرحه الكبير.
" (وجاز) بيع (هواء) بالمد، أي فضاء، (فوق هواء) بأن يقول شخص لصاحب أرض: بعني عشرة أذرع مثلًا ما تبينه بأرضك (إن وصف البناء) الأسفل والأعلى لفظًا أو عادة، لخروج من الجهالة والغرر، ويملك الأعلى جميع الهواء الذي فوق بناء الأسفل، ولكن ليس له أن يبني ما دخل عليه إلا برضا الأسفل ... (و) جاز عقد على (غرز جذع) أي جنسيه فيشمل المتعدد (في حائط) لآخر بيعًا أو إجارة. وخرق موضوع الجذع على المشتري أو المكتري " (٢) .
وقال الحطاب بعد ذكر هذه المسألة:
" ولا يجوز لمبتاع الهواء بيع ما على سقفه إلا بإذن البائع لأن الثقل على حائطه ... ويفهم منه أنه ملك ما فوق بنائه من الهواء، إلا أنه لا يتصرف فيه لحق البائع في الثقل " (٣) .
وزاد المواق ﵀:
" يجوز في قول مالك شراء طريق في دار رجل، وموضع جذوع من حائط يحملها عليه إذا وصفها " (٤) .
стр. 6862
ويظهر من مدونة الإمام مالك أنه يجوز عندهم بيع الشرب أيضًا، وجاء في المدونة الكبرى: " قلت: فإن بعت حظي. بعت شرب يوم، أيجوز هذا أم لا؟ قال: مالك: هو جائز. قلت: فإن بعت حظي بعت أصله من الشرب، وإنما لي فيه يوم من اثني عشر يومًا، أيجوز في قول مالك؟ قال: نعم، قلت: فإن لم أبع أصله، ولكن جعلت أبيع منه السقي، إذا جاء يومي بعت ما صار لي من الماء ممن يسقى به، أيجوز هذا في قول مالك، قال: نعم " (١) .
فالظاهر من هذه النصوص أن المالكية يجوز عندهم بيع هذه الحقوق، ولا يمكن أن تحمل هذه النصوص على بيع الأعيان التي تتعلق بها هذه الحقوق، لأن بيع الحظ من الشرب قد أفرد في هذه المسألة عن بيع الماء، وحكم بجواز كل منهما على حدة، وبيع الحظ من الشرب ليس إلا حقًا مجردًا. ولأن بيع الهواء بمجرده لا يجوز عندهم، إلا إذا كان لغرض البناء، لما جاء في المدونة الكبرى:
" قلت: أرأيت إن باع عشرة أذرع من فوق عشرة أذرع من هواء هو له، أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: لا يجوز هذا عندي، ولم أسمع من مالك فيه شيئًا، إلا أن يشترط له بناء يبنيه؛ لأن يبني هذا فوقه، فلا بأس بذلك " (٢) .
ثم إن الزرقاني ﵀ ذكر بيع المنفعة من جملة أقسام البيوع، حيث قال:
" البيوع جمع بيع، وجمع لاختلاف أنواعه، كبيع العين، وبيع الدين، وبيع المنفعة " (٣) .
فالذي يظهر من مجموع هذه النصوص أن المنافع التي أخرجها ابن عرفة من تعريف البيع، هي المنافع المؤقتة التي يقع عليها عقد الإجارة أو الكراء. أما المنافع المؤبدة فيجوز بيعها عند المالكية أيضًا، والله سبحانه أعلم.
стр. 6863
مذهب الحنفية:
وأما الحنفية، فتعريف البيع المشهور عندهم: " مبادلة المال بالمال " (١) . وعرفه بعض العلماء بقولهم: " مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب " (٢) ، ولكن المراد من الشيء المرغوب عندهم هو المال، فإن الكاساني الذي عرف البيع بهذا، ذكر في موضع آخر أن البيع مبادلة المال بالمال (٣) . وكذلك صاحب الدر المختار قد صرح في شرح ملتقى الأبحر أن المراد من الشيء المرغوب هو المال.
وأما تعريف المال، فقد اضطربت فيه عبارات القوم، فقال ابن عابدين:
" المراد بالمال ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة، والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم، والتقوم يثبت بها، وبإباحة الانتفاع به شرعًا " (٤) .
وحكى بعد ذلك عن الحاوي القدسي:
" المال اسم لغير الآدمي خلق لمصالح الآدمي، وأمكن إحرازه والتصرف فيه على وجه الاختيار " (٥) .
وليس في أحد من هذين التعريفيين ما يقصر المال على الأعيان، ويخرج الحقوق أو المنافع المؤبدة من تعريفه صراحة ولكن عرفه علاء الدين الحصكفي ﵀، صاحب الدر المختار، في شرحه على ملتقى الأبحر بما يقصره على الأعيان، فقال:
" والمراد بالمال عين يجري فيه التنافس والابتذال " (٦) .
وإن هذا التصريح في تعريف المال بكونه من الأعيان، وإن كان لا يوجد عند غيره بهذا الوضوح، ولكن الذي يستنبط من كلام الفقهاء المتأخرين من الحنفية وتعريفاتهم أنه ملحوظ عندهم في تعريف المال. ولذا فإن الأستاذ مصطفى الزرقاء انتقد هذه التعريفات، واستبدل بها تعريفًا آخر، وهو:
" المال: هو كل عين ذات قيمة مادية بين الناس " (٧) .
ومقتضى هذين التعريفين أن المال مقصور على الأعيان المادية، فلا يشمل المنافع والحقوق المجردة، ولذلك صرح الفقهاء الحنفية بعدم جواز بيع المنافع والحقوق المجردة، وقد صرحوا بأن بيع حق التعلي لا يجوز. قال الكاساني:
" سفل وعلو بين رجلين انهدما، فباع صاحب العلو علوه لم يجز، لأن الهواء ليس بمال " (٨) .
وقال صاحب الهداية:
"لأن حق التعلي ليس بمال، لأن المال ما يمكن إحرازه" (٩) .
وكذلك حق التسييل، قد صرح فقهاء الحنفية بعدم جوازه، ولم أر أحدًا منهم حكم بجواز حق التعلي، وحق التسييل (١٠) .
ولكن أجاز بعضهم بيع حق المرور وحق الشرب، ولنبين ما ذكره الحنفية في هذا الصدد.
стр. 6864
بيع حق المرور عند الحنفية:
للحنفية في بيع حق المرور روايتان: إحداهما رواية الزيادات، وهي عدم جواز، والأخرى رواية كتاب القسمة، وهي الجواز. قال صاحب الهداية:
" (وبيع الطريق وهبته جائز، وبيع مسيل الماء وهبته باطل) والمسألة تحتمل وجهتين: بيع رقبة الطريق والمسيل، وبيع حق المرور والتسييل، فإن كان الأول فوجه الفرق بين المسألتين أن الطريق معلوم، لأن له طولًا وعرضًا معلومًا وأما المسيل فمجهول، لأنه لا يدرى قدر ما يشغله من الماء. وإن كان الثاني، ففي بيع حق المرور روايتان، ووجه الفرق على إحداهما بينه وبين حق المسيل أن حق المرور معلوم، لتعلقه بمحل معلوم، وهو الطريق. أما المسيل على السطح فهو نظير حق التعلي، وعلى الأرض مجهولة لجهالة محله، ووجه الفرق بين حق المرور وحق التعلي على إحدى الروايتين أن حق التعلي يتعلق بعين، وهو البناء، فأشبه المنافع. أما حق المرور يتعلق بعين تبقى، وهو الأرض، فأشبه الأعيان " (١) .
واعترض ابن همام على هذا الفرق بأن البيع كما يرد على عين تبقى، ربما يرد على عين لا تبقى، فلا يظهر الفرق بين الأعيان الباقية وغير الباقية. وبيَّن وجهًا آخر للفرق، وهو:
" أن حق المرور حق يتعلق برقبة الأرض، وهي مال هو عين، فما يتعلق به يكون له حكم العين. أما حق التعلي فحق يتعلق بالهواء، وهو ليس بعين مال " (٢) .
ثم ذكر أن الفقيه أبا الليث صحح رواية الزيادات، وهي عدم الجواز لأن بيع الحقوق المجردة لا يجوز. لكن ذكر في الدر المختار أن رواية الجواز أخذ بها عامة المشايخ. وقال ابن عابدين تحته:
" قوله: وبه أخذ عامة المشايخ "، قال السائحاني: " وهو الصحيح وعليه الفتوى، (مضمرات) . والفرق بينه وبين حق التعلي حيث لا يجوز، هو أن حق المرور حق يتعلق برقبة الأرض، وهي مال هو عين، فما يتعلق به له حكم العين، أما حق التعلي فمتعلق بالهواء، وهو ليس بعين مال " (٣) .
وبه يظهر أن المختار عند المتأخرين من الحنفية جواز بيع حق المرور، لكونه حقًّا يتعلق بالعين فأخذ حكم العين في جواز البيع. وكان ينبغي على هذا الأصل أن يجوز بيع حق التسييل على الأرض أيضًا، لكونه حقًا يتعلق بعين، وهي الأرض، غير أنهم منعوه لجهالة محل التسييل، لا لكونه حقًا مجردًا، كما يظهر من تعليل صاحب الهداية، ومقتضى هذا التعليل أن يجوز هذا البيع أيضًا إذا ارتفعت الجهالة بتعيين محل التسييل بأن لا يتجاوز الماء ذلك المحل.
стр. 6865
بيع حق الشرب:
واختلفت أقوال الفقهاء في بيع حق الشرب أيضًا، فظاهر الرواية في مذهب الأحناف أنه لا يجوز بيع الشرب، ثم جوزه كثير من المشايخ بناء على العرف والمذكور في رد المحتار وغيره أن الفتوى على عدم الجواز، ولكن الذي يظهر بالنظر الدقيق أن الذين منعوا من جواز هذا البيع، مع جريان العرف بذلك، إنما منعوه للغرر والجهالة، لا لكونه ليس مالًا يقول الإمام السرخسي رحمه الله تعالى:
" بيع الشرب فاسد، فإنه من حقوق المبيع بمنزلة الأوصاف، فلا يفرد بالبيع ثم هو مجهول في نفسه غير مقدور التسليم، لأن البائع لا يدري أيجري الماء أم لا؟ وليس في وسعه إجراؤه. قال " وكان شيخنا الإمام يحكي عن أستاذه أنه كان يفتي بجواز بيع الشرب بدون الأرض، ويقول: فيه عرف ظاهر في ديارنا بنَسَف، فإنهم يبيعون الماء " فللعرف الظاهر كان يفتي بجوازه، ولكن العرف إنما يعتبر فيما لا نص بخلافه، والنهي عن بيع الغرر نص بخلاف هذا العرف، فلا يعتبر " (١) .
فعلل السرخسي ﵀ عدم الجواز بأمرين: أنه من حقوق المبيع، فلا يفرد بالبيع، والثاني: أن فيه غررًا وجهالة. ولما استدل المجوزون بالعرف الظاهر عارضه بالأمر الثاني فحسب، وذكر أن العرف لا يصلح أن يجوز به الغرر المنهي عنه بالنص، ولم يقل إن العرف لا يصلح أن يجوز به بيع الحقوق. وقد صرح بذلك ابن همام ﵀ حيث قال:
" ثم بتقدير أنه حظ من الماء فهو مجهول المقدار، فلا يجوز بيعه، وهذا وجه منع مشايخ بخارى بيعه مفردًا " (٢) .
وعبارة البابرتي أصرح، حيث يقول:
" وإنما لم يجز بيع الشرب وحده في ظاهر الرواية للجهالة، لا باعتبار أنه ليس بمال " (٣) .
ثم إن السرخسي ﵀ ذكر هذه المسألة مرة أخرى في كتاب المزارعة بأبسط مما ههنا، وذكر في الأخير قول المشايخ المتأخرين الذين أجازوا بيع الشرب للعرف، ولم ينتقد قولهم بشيء، فقال:
" وبعض المتأخرين من مشايخنا ﵏ أفتى أن يبيع الشرب وإن لم يكن معه أرض للعادة الظاهرة فيه في بعض البلدان، وهذه عادة معروفة بنسف، قالوا: المأجور الاستصناع للتعامل وإن كان القياس يأباه، فكذلك بيع الشرب بدون الأرض " (٤) .