المبحث الثاني
حقوق الملكية الصناعية (الابتكار والاسم التجاري)
تعريف حقوق الملكية الصناعية: هي حقوق استئثار صناعي، أي هي حقوق تخول صاحبها أن يستأثر قبل الكافة باستغلال ابتكار جديد أو استغلال علامة مميزة.
وتهدف حقوق الملكية الصناعية إلى الاتصال بالعملاء عن طريق استئثار المنتج باستغلال ابتكار جديد، أو تمييز منتجٍ له، أو متجره بعلامات مميزة.
وعلى هذا "فتشمل حقوق الملكية الصناعية براءات الاختراع والعلامات التجارية المميزة والرسوم والنماذج الصناعية" (١) .
فحقوق الملكية الصناعية نوعان رئيسيان:
حقوق الاختراع والابتكار؛ وحقوق العلامات التجارية والرسوم.
أولا – حق الاختراع والابتكار:
وهو الحق فيما يسمي "براءة الاختراع وهي من أقدم إسناد الملكية الصناعية" (٢) . وهي جهد ذهني أدى إلى إيجاد شيء أو نظرية لم يكن معروفًا. واصطلح على تسمية ذلك حقوق الملكية الفنية والأدبية، وهذه الحقوق تنشأ في البيئة العلمية والأدبية والفنية. وقد يمتد استغلال تلك الحقوق إلى البيئة التجارية.
وحقوق الملكية الصناعية التي تقوم على ابتكارات جديدة قد تتعلق بابتكار من حيث موضوع المنتجات. وهي براءة الاختراع، وقد تتعلق بابتكار جديد من حيث شكل المنتجات، وتلك هي الرسوم والنماذج الصناعية.
وعلى هذا فموضوع الحق في براءة الاختراع غير موضوع الحق في حق الرسوم، والنماذج الصناعية. فالحق في الأول: ينصب على ابتكار جديد من حيث الموضوع، فيستأثر صاحبه برخصة صناعية جديدة فيحتكر إنتاجًا صناعيًا جديدًا.
وأما في الثاني: فعنصر الابتكار يرد على الشكل الذي تصب فيه المنتجات كرقم أولون مبتكر في ثوب، أو زخرفة أو نماذج جديدة لتصميم سيارة وما إلى ذلك من المظاهر الخارجية.
стр. 6792
ثانيًا – العلامات التجارية والرسوم:
حق الملكية الصناعية والتجارية يتضمن حق المنتج في احتكار استعمال علامة تميز منتجاته، أو تميز متجره أو تميز بلد الإنتاج. فحق المنتج في احتكار علامة تميز منتجاته عن مثيلاتها هو الحق في العلامات التجارية والصناعية، وحق المنتج في احتكار علامة تميز المصنع أو المتجر هو الحق في الاسم التجاري.
أما الرسوم والنماذج الصناعية: فيقصد بها تلك اللمسات الفنية، والرسوم والألوان والشكل المنتج، والتي من شأنها أن تستجلب نظر واهتمام العملاء، وحرصهم بعد ذلك على هذا النوع من البضاعة.
وهي بهذه الصفة تجمع بين أمرين: النموذج الصناعي: وهي هذه الرسوم والنماذج أو القوالب الصناعية التي تتميز بها هذه البضاعة، والنموذج الفني وهي الناحية الجمالية والذوقية التي تحملها وتمثلها هذه الرسوم والأرقام وما إلى ذلك.
والرسوم والنماذج الصناعية ترتبط بمظهر المنتج الخارجي، ولا علاقة لها بموضوع المنتج. ومن هنا يتضح الفرق بين الابتكار والرسوم أو النماذج الصناعية. فالابتكار هو اكتشاف منتج جديد على غير سابق مثيل، بينما إخراج هذا المنتج بشكل وطابع وتصميم فني وجمالي هو النموذج الصناعي.
ولهذا فقد يكون الارتباط بين الابتكار أو الاختراع، وبين الرسوم والنماذج الصناعية وثيقًا لا يمكن فك الارتباط بينهما فيكون الحق في الرسوم والنماذج تابعًا لحق الاختراع لأنه الأصل.
وقد لا يكون بينهما مثل هذا الترابط، فيكون لكل منهما صفته وما يتبعها من حقوق (١) .
стр. 6793
التكييف القانوني لحقوق الملكية الصناعية:
جرى الفقه القانوني على تقسيم الحقوق المالية – كما سبقت الإشارة – إلى حقوق عينية وحقوق شخصية، والحق العيني أرادوا منه: سلطة مباشرة لشخص معين , والحق الشخصي: هو رابطة قانونية بين شخصين. أحدهما دائن والآخر مدين، ولقد اتجه الفقه بادئ الأمر إلى إدخال هذه الحقوق في دائرة الحقوق العينية، لما لمسوه من تشابه بين حق الملكية وحق الملكية الصناعية من حيث إن كلًّا منهما يعطي صاحبه سلطة احتكار واستغلال الشيء موضوع الحق (١) .
لكنهم رأوا فيما بعد ذلك أن هذا التشابه لا يكفي في إلحاق الحقوق الصناعية بالحق العيني، ذلك أن الحق العيني سلطة لصاحب الحق على شيء معين بذاته، أما حقوق الملكية الصناعية كبراءة الاختراع فيرد على شيء غير مادي له قيمة اقتصادية، أما ملكيته للآلة فهي حق ملكية على شيء مادي.
وهذا فارق جوهري بين طبيعة كل من الحقين، ومتى اختلف الموضوع بين أمرين لم يعد من اللائق الجمع بينهما في طبيعة واحدة. ومن جانب آخر ذهب فقهاء القانون إلى أن حقوق الملكية الصناعية تختلف عن الحقوق الشخصية: باعتبارها تمثل علاقة أو رابطة قانونية بين دائن ومدين بينما حقوق الملكية الصناعية تمثل سلطة استئثار باستغلال ابتكار جديد أو علامة مميزة.
ونظرًا لهذا الاختلاف بين حق الملكية الصناعية من حيث طبيعتها وبين الحقوق العينية والحقوق الشخصية ناسب إضافة قسم ثالث يمكن أن يندرج تحته حق الملكية الصناعية وحق الملكية الأدبية والفنية واصطلح على تسميته "حقوق الملكية المعنوية" – كما سبقت الإشارة-.
ولكن وجد أنه حتى هذه التسمية فيها قصور عن التعبير عن طبيعة هذه الحقوق من حيث إن حق الملكية يتضمن عناصر ثلاثة: هي الاستعمال والاستغلال والتصرف. وهذه لا تتوافر جميعها في حقوق الملكية الصناعية، فالحق في براءة الاختراع لا يتضمن عنصر الاستعمال لأنه غير مادي حتى يمكن استعماله لخاصة نفسه.
ومن ناحية ثانية وجد أن الحق في براءة الاختراع، والحق في الرسوم والنماذج الصناعية وحقوق الملكية الأدبية والفنية كلها حقوق مؤقتة.
ولذا رأى بعض القانونيين وضع اصطلاح آخر لهذ الحقوق سمي "الحقوق الخاصة بالإنتاج الذهني" باعتبار أن جوهر وموضوع هذه الحقوق هو الابتكار الذهني.
وقد رد هذا الرأي أيضًا لأنه لا يطابق الواقع في كل الحالات، فإن الابتكار ليس هو العنصر الجوهري في العلامات المميزة التي تكون محلًا للحق في العلامة التجارية أو الصناعية أو الاسم التجاري، بل إن جوهر الحق هنا إنما يدور حول مجرد "العلامة المميزة" للمتجر أو المنتجات.
ورأى آخرون أن حقوق الملكية الصناعية ما دامت استئثار صاحب الحق باستغلال حقه قبل العملاء والاتصال بهم، فهذا موضوع هذه الحقوق، ولذا أطلقوا على هذه الحقوق "حقوق الاتصال بالعملاء".
وقد رد هذا الرأي أيضًا في تكييف هذه الحقوق بأن "حقوق الاتصال بالعملاء" هو عنصر من عناصر المتجر، وأن هذا الاصطلاح يقتصر على حقوق الملكية الصناعية دون حقوق الملكية الأدبية والفنية فهو اصطلاح قاصر (٢) .
ويرى البعض أن التكييف القانوني الصحيح لهذه الحقوق هي: " أنها من قبيل: الحقوق التي ترد على أشياء غير مادية " (٣) . وقد أخذ على هذا الاتجاه أنه لم يعن ببيان الخصائص الأساسية لهذه الحقوق في المجال المالي لإظهار الفارق بينها وبين الحقوق العينية والشخصية.
وعلى هذا فالحقوق المعنوية مهما اختلف في طبيعتها إلا أن عناصرها التي لا خلاف في وجودها في هذه الحقوق ثلاثة يشير مجموعها إلى أن هذه الحقوق هي حقوق ملكية خاصة لأنها ترد على شيء غير مادي.
وهذه العناصر الثلاثة هي:
الأول: أنها ترد على شيء معنوي أو غير مادي.
والثاني: أن هذا الشيء يكون ثمرة لعمل صاحب الحق الذهني أو لنشاطه، فهو إما أن يكون نتاجًا ذهنيًا أو قيمة من القيم التجارية، والثالث: أنها تخول صاحبها احتكار واستغلال ذلك النتاج أو هذه القيمة سواء بالانتفاع أو بالتصرف (٤) .
стр. 6794
المبحث الثالث
حق المنفعة
يعتبر موضوع "المنفعة" موضوعًا وثيق الصلة بموضوع الاسم التجاري وما في حكمه، بل هو صلب الموضوع، ذلك أنه إذا ثبت أن الاسم التجاري منفعة، فسينطبق عليه أحكام "حق المنفعة" ومن هنا لزم معرفة المنفعة بتحرير معناها كحق وبيان أحوالها وأحكامها.
تعريف حق المنفعة:
حق المنفعة هو حق استغلال أشياء يملكها شخص آخر، كما يستغلها المالك نفسه، لكن بشرط المحافظة على كيانها، ويعرف أيضًا بأنه: الحق العيني في الانتفاع بشيء مملوك للغير، بشرط الاحتفاظ بذات الشيء لرده إلى صاحبه عند نهاية حق الانتفاع، الذي يجب أن ينتهي حتمًا بموت المنتفع (١) .
ويترتب على حق المنفعة أمور:
أولًا: أنه حق عيني، ولذلك عالجه القانون ضمن الحقوق المتفرعة عن حق الملكية، ويترتب على اعتباره حقًا عينيًا جواز الاحتجاج به على الناس كافة (٢) .
وثانيًا: أنه حق ينتهي بموت المنتفع، فإذا مات المنتفع يرجع حق الانتفاع إلى مالك الرقبة، فإن حدد حق المنفعة بأجل، انتهى حق المنفعة بانتهاء الأجل. فإن مات المنتفع قبل انقضاء الأجل فإن حق المنفعة ينتهي بالرغم من عدم انقضاء الأجل.
وثالثًا: أنه حق يقع على شيء غير قابل للاستهلاك؛ لأن الشيء محل الانتفاع يجب رده إلى المالك عند انتهاء حق الانتفاع.
стр. 6795
أسباب كسب حق المنفعة:
يكسب حق المنفعة بالعقد والوصية والتقادم. فالعقد يعتبر سببًا لكسب حق المنفعة. ويلزم تجديد مدة حق المنفعة في العقد، فإن لم تجدد عد مقررًا مدى حياة المنتفع، وهو ينتهي على كل حال بموت المنتفع حتى قبل انقضاء المدة المحددة له.
والوصية: ويكون كسب حق المنفعة بطريق الوصية، بأن يوصي مالك العين بالرقبة لشخص معين، فيبقى حق الانتفاع للورثة.
وأما التقادم: فيصلح أن يكون سببًا لكسب حق المنفعة لأنه في حكم الحيازة الواردة على حق المنفعة دون العين، فإذا كانت الحيازة منصبة على العين فإنها تكون في هذه الحالة سببًا لكسب ملكية العين بما فيها حق المنفعة (١)
حقوق المنتفع:
تتلخص حقوق المنتفع في الآتي:
١- حق الاستعمال: ويشمل حينئذ الشيء المنتفع به وتوابعه. كالأرض المنتفع بها مع حقوق الارتفاق.
٢- حق الاستغلال: وهو الحصول على ثمار الشيء وغلته مدة انتفاعه به.
٣- حق التصرف: فللمنتفع أن يتصرف في حقه بمقابل أو بدون مقابل، فله أن ينقل حقه إلى الغير بالبيع أو التنازل، وله أن يؤجر العين محل الانتفاع (٢)
стр. 6796
المبحث الرابع
المال والشيء
المال: هو الحق ذو القيمة سواء أكان عينيًا، أم شخصيًا، أم حقًا من حقوق الملكية الأدبية والفنية والصناعية.
والشيء هو محل الحق سواء أكان ماديًا، أم غير مادي (١) .
فالشيء محل الحق – والحال هذه – متنوع كالحقوق العينية الأصلية والتبعية، والحقوق الشخصية وحقوق الملكية الأدبية والفنية، والصناعية والتجارية.
وقد قسم القانونيون الأشياء إلى: أشياء قابلة للتعامل، وأشياء غير قابلة للتعامل. وهذا القسم الأخير، وإن سمي شيئًا إلا أنه لا تترتب عليه حقوق مالية. ويتنوع الشيء غير القابل للتعامل إلى نوعين:
الأول: الأشياء الخارجية عن التعامل بطبيعتها، وهي التي لا يستطيع أحد أن يستأثر بحيازتها، فيمكن أن ينتفع بها كل الناس، من غير أن يحول انتفاع بعضهم دون انتفاع بعضهم الآخر، كالهواء وماء البحر.
والثاني: الأشياء الخارجة عن التعامل بحكم القانون، وذلك إما لأغراض صحية، أو اجتماعية كالمنع من التعامل بالمحظور من الحشيش والأفيون، وإما لتعلق المنافع المشتركة لجميع الناس ببعض الأشياء، كالمنع من التعامل بالأموال العامة، كالطرق والحدائق (٢) .
стр. 6797
الفصل الرابع
الحق في الفقه الإسلامي
تمهيد:
هذا هو القسم الثاني في الموضوع، وهو الجانب الشرعي منه بعد أن اتضح موضوع الاسم التجاري وما في حكمه من جميع جوانبه القانونية حتى أصبح تكييفه ووزنه بميزان الشرع أمرًا صحيحًا علميًا لابتنائه على تصور قانوني شامل لموضوعه ما دام المطلوب بيان الحكم الشرعي لما عليه الاسم التجاري في القانون الوضعي.
المبحث الأول
تعريف الحق
تعريف الحق لغة: ذكر اللغويون للحق معاني كثيرة أخصها أنه: خلاف للباطل، والموجود الثابت، يقال: حققت الأمر أحقه إذا أوجبته أو جعلته ثابتًا أو تيقنته (١) .
وفي الاصطلاح: عرفه عبد العزيز البخاري بما لا يخرج عن المعنى اللغوي، فقال: "الموجود من كل وجه الذي لا ريب فيه في وجوده، ومنه السحر حق والعين حق أي موجود بأثره"، ثم قال: "وحق العبد ما يتعلق به مصلحة خاصة" (٢) .
وقال الدسوقي: "الحق جنس يتناول المال وغيره" (٣) .
وعرفه القاضي حسين بقوله: "الحق: اختصاص مظهر فيما يقصد له شرعًا" (٤) .
وعرفه الشيخ علي الخفيف بأنه: "ما ثبت لإنسان بمقتضى الشرع من أجل صالحه" (٥) .
وعرفه الشيخ مصطفى الزرقا بأنه: "اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفًا" (٦) . وهذه التعاريف تلتقي في بيان حقيقة الحق، غاية ما هنالك أن بعضها راعى موضوع الحق وأنه مصلحة، وبعضها راعى صاحب المصلحة من حيث اختصاصه وتصرفه بموضوع الحق.
والذي نراه في تعريفه أنه: "مصلحة شرعية تُخَوِّل صاحبها الاختصاص أو ترتيب التكليف". والرضى بهذا التعريف لما تضمنه لموضوع الحق وهو المصلحة، وما يترتب على ذلك من علاقة أو اختصاص لصاحب المصلحة فردًا كان أو جماعة تخوله سلطة ومنعًا للغير من الاعتداء على هذا الحق سواء أكان سلطة أو ولاية على شخص أو على شيء أو هي تكليف من الله على عباده أو فيما بين العباد أنفسهم.
стр. 6798
المبحث الثاني
أقسام الحقوق عند الأصوليين والفقهاء
قسم الأصوليون الحقوق بالنظر إلى مستحقها إلى أقسام:
أولها: حق الله، وهو: "ما يتعلق به النفع العام لجميع العالم، فلا يختص به واحد دون واحد"، وإضافته إلى الله تعالى لتعظيم خطره وشمول نفعه لا للملك والاختصاص لاستواء العالم فيه، ولا للنفع والضرر لتعاليه.
ثانيها: حق العبد: "ما يتعلق به مصلحة خاصة" كحرمة مال الغير، ولهذا ويباح ماله بإباحة المالك، ولا يباح الزنا بإباحة المرأة.
ثالثها: اجتماع الحقين، فقد يجتمع الحقان، وحق الله غالب، وقد يجتمعان وحق العبد هو الغالب (١) .
ويرى الإمام القرافي وغيره – وهو الصواب – أن حق العبد متضمن في حق الله، لأن الحقوق جميعًا مرجعها إلى الله ﵎، فيقول: "ما من حق للعبد إلا وفيه حق لله تعالى". فيوجد حق الله تعالى دون حق العبد، ولا يوجد حق العبد إلا وفيه حق الله (٢) . أي فبينهما عموم وخصوص مطلق. ثم بيَّن علامة التفريق بين الحقين، بقوله: "وإنما يعرف ذلك بصحة الإسقاط، فكل ما للعبد إسقاطه فهو الذي نعني به حق العبد (٣) .
وقال الشاطبي: "إنَّ كل حكم شرعي ليس بخال عن حق الله تعالى وهو جهة التعبد ... فإن جاء ما ظاهره أنه حق للعبد مجردًا، فليس كذلك بإطلاق، بل جاء على تغليب حق العبد في الأحكام الدنيوية" (٤) .
стр. 6799
وعلى هذا ينقسم الحق بالنظر إلى التكاليف الشرعية أقسامًا:
أولهما: ما كان حق الله تعالى فيه خالصًا كالإيمان.
وثانيهما: ما كان حق العبد فيه خالصًا كالديون.
وثالثها: ما اجتمع فيه الحقان، وحق الله غالب كحد القذف.
ورابعها: ما اجتمع فيه الحقان، وحق العبد غالب كالقصاص (١) .
ويقسم الفقهاء الحقوق باعتبار مضمونها: إلى حقوق مالية، وحقوق غير مالية. فالحقوق المالية: هي المتعلقة بالأموال ومنافعها، وهذه تشمل الحقوق الواردة على الأعيان والمنافع والديون.
والحق قد يكون حقًا ماليًا شخصيًا إذا كان حقًا شرعيًا لشخص على آخر، كحق المشتري في تسلم المبيع، وحق البائع في تسلم الثمن.
وقد يكون الحق ماليًا عينيًا إذا كان حقًا شرعيًا لشخص على شيء، "فإذا اغتصب شخص شيئًا من آخر، فإن حق المغصوب منه المتعلق بهذا الشيء حق عيني، أما حق المغصوب منه قِبَلَ الغاصب في أن يرد الشيء المغصوب، فهو حق شخصي" (٢) .
стр. 6800
والحقوق غير المالية: هي التي لا تعلق لها بالمال كحق ولي المقتول في القصاص والعفو. وهذا التقسيم مأخوذ من جملة تقسيمات الفقهاء للحقوق. وقد قسم ابن رجب: الحقوق إلى خمسة أنواع:
أحدها: حق ملك، كحق السيد في مال المكاتب.
والثاني: حق تملك، كحق الأب في مال والده.
والثالث: حق الانتفاع، كوضع الجار خشبه على جدار جاره إذا لم يضره به.
والرابع: حق الاختصاص: وهو عبارة عما يختص بالانتفاع به، كمرافق الأسواق المتسعة التي يجوز البيع والشراء فيها، كالدكاكين المباحة ونحوها، فالسابق إليها أحق بها.
والخامس: حق التعلق لاستيفاء الحق، كتعلق حق المرتهن بالرهن، وتعلق حق الغرماء بالتركة (١) .
وقال ابن قدامة: "الحقوق على ضربين: أحدهما: ما هو حق لآدمي، والثاني: ما هو حق لله تعالى.
فحق الآدمي ينقسم قسمين:
أحدهما: ما هو مال أو المقصود منه المال.
الثاني: ما ليس بمال ولا المقصود منه المال، وهو كل ما لا يثبت إلا بشاهدين، كالقصاص وحد القذف والنكاح والطلاق ...
والضرب الثاني: حقوق الله تعالى، وهي نوعان:
أحدهما: الحدود.
الثاني: الحقوق كدعوى الساعي الزكاة على رب المال، وأن الحول قد تم وكمل النصاب (٢) .
стр. 6801
ويقسم الفقهاء الحقوق إلى حق مجرد وحق غير مجرد أو متقرر، فالحق المجرد: ما كان غير متقرر في محله أي لم يقم بمحل ولم يتقرر في ذات، كحق الشفعة، فإنه نوع من الولاية أعطيت للشفيع في أن يتملك العقار بعد أن يتملكه المشتري، ومثله حق المرور بالنسبة للطريق ...
وغير المجرد: هو مالَهُ تعلق بمحله تعلق استقرار، بمعنى أن لتعلقه أثرًا أو حكمًا قائمًا يزول بالتنازل عنه، وذلك كحق القصاص، فإنه يتعلق برقبة القاتل ودمه، ومع قيامه يكون غير معصوم بالنسبة لولي القصاص، ولكن بالتنازل عنه يصير معصوم الدم (١) .
والحقوق المجردة عند الحنفية لا يجوز الاعتياض عنها، ولذا قالوا: لا يجوز الاعتياض عن الحقوق المجردة عن الملك كحق الشفعة، وقال في البدائع الحقوق المفردة لا تحتمل التمليك. ولا يجوز الصلح عنها، وأضاف ابن عابدين قوله، وكذا لا تضمن بالإتلاف. قال في شرح الزيادات للسرخسي: وإتلاف مجرد الحق لا يوجب الضمان، وعلل لذلك بأن الاعتياض عن مجرد الحق باطل إلا إذا فوت حقًا مؤكدًا. فإنه يلحق بتفويت حقيقة الملك في حق الضمان. وهذا القيد يقرب مذهب الحنفية هنا إلى رأي من قال بجواز الاعتياض دون تفصيل بين الحقوق.
وألحق الزيلعي وابن نجيم بعدم جواز الاعتياض عن حق الشفعة، الاعتياض عن الوظائف في الأوقاف واستثنى من قاعدة عدم جواز الاعتياض عن الحقوق المجردة حق القصاص، وملك النكاح، وحق الرق، فإنه يجوز الاعتياض عنها.
وتنازع الحنفية في عدم قبول الاعتياض عن الوظائف، نظرًا لاعتبار كثير منهم للعرف الخاص، وهذا منه، وعليه أفتوا بجواز النزول عن الوظائف بمال (٢) .
وهذا يشير إلى أن ما كان عرفًا عامًا، أو كان عرفًا خاصًا يتضمن منفعة مشروعة فإنه يجوز الاعتياض عنه بالمال. ومن جنس ما استثنى حقوق الارتفاق كحق العلو والشرب والمسيل – كما سيأتي بيانه -.
стр. 6802
المبحث الثالث
الحق الشخصي والعيني في الفقه الإسلامي
تقسيم الفقهاء:
لم يقسم الفقهاء المسلمون الحقوق قسمة القانون الروماني والقوانين الغربية إلى حق شخصي وحق عيني، واستعاضوا عن ذلك بتقسيم آخر. ولذلك لا تظهر التفرقة بين الحق الشخصي والعيني في الفقه الإسلامي.
يقول الدكتور السنهوري: "إن التفرقة بينهما لا تظهر في الفقه الإسلامي، وإنما يتكلم الفقهاء عن التمييز بين الدَّين والعين، وهو غير التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني، فالدَّين ليس كل الحق الشخصي، بل هو صورة من صوره والعين تستغرق الحق العيني وبعضًا من الحق الشخصي هو الالتزام بالعين، ومن ثم فالدين أضيق من الحق الشخصي، والعين أوسع من الحق العيني.
ثم قال: ولا حاجة إطلاقًا للقول بأن الفقه الإسلامي يعرف التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني، بل يجب على النقيض من ذلك إبراز أن التمييز بين الدين والعين وهو التمييز الذي يعرفه الفقه الإسلامي هو غير التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني في الفقه الغربي المشتق من القانون الروماني فلكل فقه صناعته التي يتميز بها (١) .
ويقول الدكتور عبد الفتاح عبد الباقي: "إن الفقه الإسلامي لا يعرف تقسيم الحقوق المالية إلى حقوق عينية، وحقوق شخصية أو التزامات، أو هو على الأقل لا يعرف هذا التقسيم بالمفهوم والأبعاد التي يتضمنها هذا التقسيم عند المعاصرين من رجال القانون، وغني عن البيان أنه لا يوجد في ذلك أي تقليل من شأن الفقه الإسلامي، أو تفضيل للفقه الغربي عليه، فلكل نظام فنه وأساليب صناعته، وطرق صياغته" (٢) .
стр. 6803
وقال الأستاذ الزرقا: إن الفقهاء المسلمين لم يصوغوا نظرية ممهدة مستقلة للتمييز بين الحق الشخصي والحق العيني، وهذا راجع إلى اختلاف مبني الترتيب والصياغة بين الفقه الإسلامي، والفقه الأجنبي (١) .
ثم قال: "والواقع أنه فقهاءنا قد ميزوا بين الحقين في جميع المسائل التي يقتضي هذا التمييز فيها اختلاف الأحكام ... " (٢) .
وقال الشيخ علي الخفيف بعد تقسيم الحق عند القانونيين: "إن الفقه الإسلامي لا يتنكر لهذه القسمة، وإن لم يولِها عناية أوجبت الإشارة إليها منه ... وإذا كان الفقه الإسلامي لم يُشِرْ إلى هذه الأنواع ولم يعرض لهذه القسمة فإنه عرف هذه الأنواع بأسماء أخرى" (٣) .
ويقول الشيخ أبو سنة بعد ذكر أقسام الحقوق في القانون: "والشريعة لا تعارض في هذا الاصطلاح، لأنه مجرد تنظيم ما دام يفصل في كل حق بحكم الله. غير أن الأقسام التي ذكرها علماء الشريعة مبنية على اختلاف الخصائص والأحكام الشرعية لكل قسم، وهي وافية بالأغراض القضائية والديانية" (٤) .
وذكر الشيخ أبو سنة أن الفقه الإسلامي حين قسم الحقوق إلى حقوق متعلقة بالعين وحقوق ثابتة في الذمة اعتبرها حقوقًا مالية أحيانًا وغير مالية أحيانًا أخرى.
فالحق قد يكون ماليًا أو غير مالي، كحق الأب في الولاية على أولاده، وحق الأم في حضانة طفلها، فهما حقان غير ماليين وما متعلقان بالعين، وحق الله تعالى في وجوب الصلاة على المكلف حق غير مالي وهو ثابت في الذمة (٥) .
وعلى هذا يمكن القول: إن الفقه الإسلامي لم يجد حاجة إلى تقسيم الحقوق إلى حق شخصي وحق عيني، واستعاض عن هذا التقسيم بتقسيم الحقوق إلى حق متعلق بالعين، وهو المسمى الحق العيني، وحق متعلق بالذمة وهو المسمى بالدين، وإن كلام الفقهاء في العين والدين يختلف عن كلام القانونيين في الحق الشخصي والحق العيني. وإن مرادهم بالعين ما هو أوسع من مراد القانون من الحق العيني، "فهي تشمل الحق العيني وبعضًا من الحقوق الشخصية، وهي الالتزام بالعين، مثل الالتزام بتسليم عين معينة وحفظها، وهذا راجع إلى أن العين محلها كل حق ذات محددة، سواء أكان ذلك لتمليكها، أم تمليك منفعتها، أم تسليمها أم حفظها.
وأما الدين: فهو كل حق محله مبلغ من النقود أو جملة من الأشياء المثلية، فهو أضيق من مفهوم الحق الشخصي الذي هو رابطة بين شخصين تُخَوِّلُ أحدهما مطالبة الآخر بالقيام بعمل، أو الامتناع عن عمل، أو إعطاء شيء مثليًا كان أم غير مثلي، فالدين في الفقه الإسلامي صورة من صور الحق الشخصي (٦) .
стр. 6804
المبحث الرابع
الحقوق المعنوية
لم يكن القانون الوضعي يعرف الحقوق المعنوية – كما سبق البيان – وإنما هي حقوق من نتاج التطور الحضاري خصوصًا في المجال الثقافي والصناعي.
وقد رأينا كيف أن القانونيين قد اختلفوا في تحديد طبيعة الحقوق المعنوية. فقد اعتبرها البعض من الحقوق العينية اعتبار أن الحقوق العينية تشمل ما كان ماديًا أو معنويًا، واختلفوا بعد ذلك في اعتبار هذا الحق من حقوق الملكية فيسري عليه ما يسري على حق الملكية أم أن طبيعته تجعله حق ملكية خاصا.
وذهب بعضهم إلى أن الحقوق المعنوية حق عيني أصلي مستقل عن حق الملكية لما له من مواصفات وطبيعة تختلف عن طبيعة حق الملكية.
والفقه الإسلامي لم يعرف هذا النوع من الحقوق المسماة بـ"الحقوق المعنوية" و"الحقوق الأدبية والصناعية والتجارية" (١) .
إذا لم يكن له وقائع أحوال تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي في مسائله، أو أصل موضوعه. ولكن الفقه الإسلامي بأصوله وقواعده ومقاصده يستوعب هذا النوع من الحقوق.
وجهة استيعاب الفقه لهذه الحقوق المعنوية راجع إلى نظرة الفقه الإسلامي إلى معنى المال والحق والملك. فقد تبين أن المال شمل معظم الحقوق، وأن كل ما يجري فيه الملك فهو مال، والحقوق مما يجري فيها الملك فهي أموال باستثناء ما لا يقبل التبعيض، فهذه الحقوق المعنوية سواء أكانت حقوقًا أدبيةً أو فنيةً أو حقوقًا صناعيةً أو تجارية فإنها مال في مفهوم الفقهاء وخاصة المالكية الذين يرون أن المال: "كل ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك"، كما يرون أن الحقوق كلها أموال إذ الحق "جنس يتناول المال وغيره كالخيار والفقه والقصاص والولاء والولاية ... (٢) . فيشمل المال حينئذ الأعيان والمنافع والحقوق.
وليس في الفقه الإسلامي ما يمنع من اعتبار هذه الحقوق من الحقوق العينية، لأن "الحق العيني في الفقه الإسلامي لا يشترط فيه أن يكون محله عينًا مادية، بل يجوز أن يكون منفعة أو معنى، إذ المنظور في الحق العيني هو العلاقة المباشرة التي يقرها الشرع بين صاحب الحق ومحله، خلافًا لما استقر عليه الفقه الوضعي: من اشتراط كون محل الحق ماديًّا حتى يعتبر عينيًا، وبذلك يشمل الحق العيني في الشريعة الحقوق المالية وغير المالية" (٣) ، وجمهور الفقهاء يرون – كما سيأتي البيان – أن الملك علاقة اختصاص مقرة من الشارع تنشأ بين المالك ومحل الملك. ومحل الملك أعم من أن يكون ماديًا أو غير مادي، فيصح – والحال هذه – أن نعتبر الحقوق المعنوية مالًا، فيكون الحق المعنوي من مشتملات المال، فيصح أن يكون محلًا مادامت علاقة الاختصاص قائمة وهو منتفع به شرعًا إذ الانتفاع من كل شيء حسب طبيعته، والناس يعتبرون فيه القيمة. فقد تكاملت له عناصر الملك.
стр. 6805
ومن ناحية أخرى فإن "الاستئثار المقصود في الملك في الفقه الإسلامي، ليس معناه احتواء الشيء من قبل المالك، إنما معناه أن يختص به دون غيره، فلا يعترضه في التصرف فيه أحد ... والشريعة أيضًا لا تشترط التأبيد لتحقيق معنى الملك، بل إن طبيعة ملك المنفعة مثلًا تقتضي أن يكون مؤقتًا، كما في ملك منفعة العين المستأجرة" (١) .
وعدم اشتراط الشريعة التأبيد لتحقيق الملك، يجعل دخول الحقوق المعنوية وقبولها في إطار الشريعة وقواعدها ومقاصدها دخولًا طبيعيًا لا حرج فيه، بخلاف الحرج الواقع في القانون (٢) .
стр. 6806
الفصل الخامس
المال
إن الوقوف على معرفة المال وكذا المنفعة من وجهة الفقه الإسلامي يعتبر مدخلًا طبيعيًا وتمهيدًا علميًا سليمًا لترتيب الحكم الشرعي للاسم التجاري. فالمال والمنفعة لهما مفهوم وحقيقة شرعية وللفقهاء فيهما دراسات ومباحث استقر رأيهم فيها واتضح. لذا يرِدُ ههنا مدى انطباق معنى المال والمنفعة على الاسم التجاري. حتى يمكن إلحاق الحكم والآثار منهما إليه، أو لا يمكن. وقد عرفنا طبيعة المال والمنفعة في القانون، والمطلوب هنا الوقوف على معناهما في الفقه الإسلامي؛ لنتوصل به إلى معرفة مدى قرب أو بعد الاسم التجاري منهما تمهيدًا لإلحاق الوصف أو الحكم الشرعي به وهو مطلوب البحث.
مبحث
تعريف المال
اتفق الفقهاء على أن الأعيان أموال متى أمكن حيازتها، وتملكها، والانتفاع بها على وجه ما، كما اتفقوا على أن الحقوق المجردة وهي التي لا تدرج بالحس، ولا تعلق لها بالمال، كحق الحضانة والولايات والوظيفة ليست مالًا.
واختلفوا في الحقوق المتعلقة بالمال والمنافع.
تعريف المال لغة: هو "كل ما ملكته من جميع الأشياء" (١) . وهذا الإطلاق في اللغة يشمل كل ما يتملكه الإنسان، سواء أكان شيئًا ماديًا أم منفعة وينبغي أن يمل أيضًا الحق، وإن كان أمرًا معنويًا إلا أنه يملك سواءً أطلق على عين أو منفعة أو مباح.
تعريف المال اصطلاحًا: اتفق جمهور الفقهاء على مفهوم المال من حيث الجملة وإن اختلفت عباراتهم في تعريف وبيان حقيقته.
فاعتبروا "كل ما فيه نفع مالًا"، وما لا نفع فيه فليس بمال، فلا تجوز المعاوضة به" (٢) .
وعرفه المالكية كما قال الشاطبي بأنه: "ما يقع عليه الملك، ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه ((٣) ، ولذا اشترط المالكية في المبيع النفع وعبروا عنه "بالانتفاع" (٤) فاعتبروا من شروط المبيع "النفع".
وعرفه الشافعية – بما نسبة السيوطي للشافعي – في قوله: (لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه) (٥) .
стр. 6807
وعرفه الحنابلة في معرض كلامهم عن شروط المبيع فقالوا: (هو ما فيه منفعة مباحة لغير حاجة أو ضرورة) (١) . وعرفوه أيضًا بأنه: (ما يباح نفعه مطلقًا، أي في كل الأحوال، أو يباح اقتناؤه بلا حاجة) (٢) .
وعلى تعريفهم هذا يخرج ما لا نفع فيه أصلًا كالحشرات، وما فيه منفعة محرمة كالخمر، وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب، وما فيه منفعة مباحة للضرورة كالميتة (٣) .
أما الحنفية فوقع الخلاف في تعريف المال بينهم وبين الجمهور من جهة، وفيما بين المتقدمين منهم والمتأخرين من جهة ثانية، فعرف المتقدمون المال بما يفيد أنه (كل ما يمكن حيازته وإحرازه والانتفاع به في العادة) (٤) . فمدار كون الشيء مالًا إمكان حيازته والانتفاع به في حكم العادة، وإن لم يكن محرزًا ومنتفعًا به فعلًا. وما لا يمكن حيازته كالعفة والشجاعة والذكاء فلا يعد مالًا، وكذا ما لا ينتفع به في حكم العرف والعادة، كقطرة من ماء وحبة شعير، فإنه لا يعد مالًا وإن أحرز.
ومراد الحنفية بالانتفاع في العادة، أن الشارع يجيز الانتفاع في حال الاختيار، أما إذا كان الانتفاع بالشيء في حال الاضطرار فلا يدخل حينئذٍ في حكم المنتفع به في العادة.
فالخمر كانت حرامًا إلا أنها مال لجواز أن ينتفع بها بوجه ما حال الاختيار، فالخمر وكذا الخنزير مال متقوم في حق الذميين – على خلاف وتفصيل عند الفقهاء – لكن الميتة والدم المسفوح ليسا بمال، لأن الشارع لم يجوز الانتفاع بهما بحال حال الاختيار (٥) .
ويقول السرخسي: (المال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به ولكن باعتبار صفة التمول والإحراز) (٦) .
ويقول صاحب الدرر: (والمال ما يميل إليه الطبع ويجري فيه البذل والمنع) أو (هو موجود يميل إليه الطبع ... ) (٧) .
وقال ابن عابدين: (المال عين يمكن إحرازها وإمساكها) (٨) . وفي مجمع الأنهر: المال (عين يجري فيه التنافس والابتذال) (٩) .أي بذل العوض.
وعرفه سعد الدين التفتازاني بأنه: (ما يميل إليه الطبع ويدخر لوقت الحاجة، أو ما خلق لصالح الآدمي ويجري فيه الشح والضنة) (١٠) .
وقال الشيخ أبو زهرة: (أحسن تعريف في نظري ما نقله صاحب البحر عن الحاوي وهو أن المال اسم لغير الآدمي خلق لصالح الآدمي، وأمكن إحرازه والتصرف فيه على وجه الاختيار) (١١) .
وأما متأخروا الحنفية فقد عرفوا المال فقالوا: (يطلق المال على القيمة، وهي ما يدخل تحت تقويم مقوم من الدراهم والدنانير) (١٢) .
فشمل هذا التعريف الأعيان والمنافع والحقوق، فمناط المالية عندهم هو القيمة التي تقدر بالنقد، فكل ما له قيمة هو مال؛ لأن كل ما فيه قيمة هو منفعة، والناس لا يتعارفون على تقويم ما ليس فيه منفعة، إذ لا يجري التعامل فيها أصلًا.
стр. 6808
المالية والتقوُّم:
وقد بين ابن عابدين معنى المالية والتقوم، فقال: والمالية تثبت بتمويل الناس كافة أو بعضهم. والتقوم يثبت بها وبإباحة الانتفاع به شرعًا، فما يباح بلا تمول لا يكون مالًا، كحبة حنطة، وما يتمول بلا إباحة انتفاع لا يكون متقومًا كالخمر، وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما، كالدم، ثم قال: (وحاصله أن المال أعم من المتقوم؛ لأن المال ما يمكن ادخاره ولو غير مباح كالخمر، والمتقوم ما يمكن ادخاره مع الإباحة، فالخمر مال متقوم، فلذا فسد البيع بجعلها ثمنًا، وإنما لم ينعقد أصلًا بجعلها مبيعًا، لأن الثمن غير مقصود، بل وسيلة إلى المقصود، إذ الانتفاع بالأعيان لا بالأثمان ولهذا اشترط وجود المبيع دون الثمن. فبهذا الاعتبار صار الثمن من جملة الشروط بمنزلة آلات الصناع) (١) . وعرف سعد الدين التفتازاني التقوم فقال: (المتقوم ما يجب إبقاؤه بعينه أو بمثله أو بقيمته، ثم قال عن الخمر: والخمر واجب اجتنابها بالنص لعدم تقومها، لكنها تصلح للثمن، لأنها مال) (٢) . وهذا متسق مع تعريفه للمال السابق.
ونقل السيوطي أن للمتمول ضابطين:
أحدهما: أن كل ما يقدر له أثر في النفع فهو متمول، وكل ما لا يظهر له أثر في الانتفاع فهو لقلته خارج عما يتمول.
الثاني: أن المتمول هو الذي يعرض له قيمة عند غلاء الأسعار، والخارج عن التمول: هو الذي لا يعرض فيه ذلك
تعليق: الأشباه والنظائر، للسيوطي: ص ٣٢٦. ويقسم الفقهاء المال إلى أقسام عدة أهمها: أولًا: ينقسم بحسب الضمان وعدمه إلى: مال متقوم، ومال غير متقوم. فالمتقوم: ما يباح الانتفاع به في حال السعة والاختيار، وهو الذي له قيمة في نظر الشارع، ويشترط فيه أن يكون قد حيز بالفعل، كالدور والنقود المملوكة. وغير المتقوم: ما لا يباح الانتفاع به في حالة الاختيار، ولم يحز بالفعل، أو حيز ولكن حرم الشارع الانتفاع به. وهو بهذا يشمل مثل المعادن والسمك قبل حيازته كما يشمل ما حيز فعلًا وحرم الانتفاع به في حالة السعة والاختيار، كالخمر بالنسبة للمسلم، فإنه لا يجوز الانتفاع به إلا في حال الضرورة. أما بالنسبة لغير المسلم، فإنه يعتبر مالًا متقومًا عند الحنفية خلافًا للجمهور. ويترتب على هذا التقسيم أمور أهمها:
стр. 6809
١- أن المال المتقوم يضمن متلفه عند تعديه عليه. وغير المتقوم لا ضمان على متلفه، ولذا لو أتلف مسلم خمرًا لمسلم لم يضمن شيئًا؛ لأنه غير متقوم في حق المسلم. ولو أنه أتلفه لذمي ضمن له قيمته عند الحنفية، لأنه مال متقوم في حقه.
٢- المال المتقوم يصلح أن يكون محلًا لمعاوضة مالية كالبيع، والهبة وما إلى ذلك من التصرفات وغير المتقوم لا يصلح أن يكون مبيعًا، وإذا بيع كان العقد باطلًا، كما لا يصح أن يكون ثمنًا، وإذا جعل ثمنًا كان العقد فاسدًا عند الحنفية، وعلى ذلك لا يصح بيع الخمر من مسلم، ويصح من ذمي لمثله، ولا يصح بيع الأموال المباحة ولا هبتها ولا الوصية بها لعدم توقيمها.
ثانيًا: ينقسم المال باعتبار الثابت وعدمه إلى عقار ومنقول: فالعقار: هو كل ما لا يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر، وهو خاص بالأرض عند الحنفية سواء كانت الأرض مبنية أو مجردة عن البناء. وقال الإمام مالك: العقار هو ما لا يمكن نقله بدون أن تتغير صورته، فيدخل فيه عنده البناء والأشجار، وكلُّ ما وضع على الأرض على سبيل القرار كالآلات الرافعة المثبتة. والمنقول: هو ما يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر سواء تغيرت صورته بالنقل أو لا، وسواءً انتقل بنفسه أو بوساطة غيره، فيدخل فيه البناء والشجر لإمكان نقله بدون أن تتغير صورته.
ثالثًا: ينقسم المال من حيث التماثل وعدمه إلى مثلي وقيمي، وهو تقسيم للمنقول. فالمثلي: هو ما لا تتفاوت آحاده تفاوتًا يعتد به، وله نظير في المحال التجارية. ويشمل الأنواع التالية: المكيلات كالبر، والموزونات المتحدة في النوع، والعدديات التي تتقارب آحادها كالبيض والجوز ... والقيمي: هو ما تتفاوت آحاده تفاوتًا يعتد به، أو لا تتفاوت ولكن لا نظير له في المحال التجارية. ويشمل الأنواع الستة الآتية: وهي الحيوانات ولو كانت متحدة الجنس، والبناء، والأِشجار، وعروض التجارة المختلفة الجنس، والعدديات المتفاوتة تفاوتًا يعتد به كالبطيخ والمثليات التي لا نظير لها في المحال التجارية بأن انقطعت من الأسواق وتعذر الحصول عليها. يراجع تفصيل ذلك في أحكام المعاملات، للشيخ علي الخفيف: ص ٣٢؛ والمعاملات الشرعية، للشيخ أحمد إبراهيم: ص ٤ وما بعدها. الطبعة الثانية – لجنة التأليف والترجمة ١٣٦٣ هـ = ١٩٤٤م بمصر؛ والمعاملات في الشريعة الإسلامية، للشيخ أحمد أبو الفتوح: ١/٢٧؛ والشريعة الإسلامية، للدكتور بدران أبو العينين: ص ٢٨٧، نشر مؤسسة شباب الجامعة بمصر.
وفي مجلة الأحكام العدلية: المال المتقوم يستعمل في معنيين: الأول بمعنى ما يباح الانتفاع به، والثاني بمعنى المال المحرز، فالسمك في البحر غير متقوم، وإذا اصطيد صار متقومًا بالأحراز (١) .
ويفهم من كلام الفقهاء في المالية والتقوم، أنهما مترابطان ترابطًا قد ينفك من جهة بإطلاق. فكل ما هو متقوم فيه مالية، لكن ليس كل ما فيه مالية متقومًا، وذلك إذا لم يكن المال محترمًا شرعًا، فما لا يحترمه الشارع ويعتبره فلا قيمة له.
стр. 6810
المال والاسم التجاري:
وإذا علم هذا فإن الاسم التجاري عند التحقيق هو مال على مفهوم الجمهور ومتأخري الحنفية. فمن حيث اشتراط النفع في المال، فإن الاسم التجاري يتضمن نفعًا ومصلحته خاصة لمالكه – ومصلحة عامة لأفراد المجتمع. وهو وإن كان حقًا معنويًّا إلا أن فائدته الخاصة مادية، وكذا العامة أيضًا.
ومن جانب آخر فإن المالك يمكنه التصرف فيه ما دام مالًا ونفعًا، والحيازة لا يشترط لتحققها أن يكون محلها ماديًا. والاسم التجاري وإن لم يمكن استيفاؤه بذاته لأنه لا يدرك بالحس إلا أن أثره ومنفعته وقيمته يمكن إدراكها وإنما تستوفى المنافع بملك الأعيان.
ومن حيث اشتراط القيمة، فإن الاسم التجاري قد تعارف الناس على أنه له قيمة يعتاض عنها بما يقابلها من نقد، فيمكن تقويمه كما تقوم الأعيان. ولو اعتدى عليه أجنبي بالتزييف والتقليد فإنه يعرض نفسه للمساءلة والضمان.
ومن جانب آخر إذا اعتبرنا الحقوق أموالًا – كما رأينا تصريح المالكية في ذلك – سواء أكانت مالية أم غير مالية فلا تردد في اعتبار الاسم التجاري مالًا، لأنه حق مالي متقرر كما سبق البيان، فيجري فيه الملك، وكل ما يجري فيه الملك هو مال ما لم يكن من الحقوق التي لا تقبل التجزيء كولاية النكاح والوظيفة وحق الحضانة وحق التطليق (١) .وسيأتي لذلك مزيد بيان عند الكلام على التكييف الشرعي للاسم التجاري.
стр. 6811
الفصل السادس
المنفعة
المبحث الأول
تعريف وأدلة اعتبارها مالًا أو عدم اعتبارها
تعريف المنفعة:
هي في اللغة اسم ما انتفع به، يقال: نفعه بكذا فانتفع به (١) .
وفي الاصطلاح: كل ما يقوم بالأعيان من أعراض، وما ينتج عنها من غلة كسكن الدار وأجرتها وثمرة البستان ولبن الدابة (٢) .
وملك المنفعة قد يكون بملك العين، وقد يكون ملك المنفعة دون العين، كالإجارة والإعارة والوصية بالمنفعة والوقف، وقد يكون الملك للانتفاع لا للمنفعة – على ما سيأتي بيانه عند الكلام على "الملك" ولقد انبنى على خلاف الفقهاء في معنى المال وتعريفه الخلاف في المنفعة من حيث: حقيقتها وما إذا كانت تندرج تحت مسمى المال، فتملك كما يملك المال، ويجري عليها ما يجري عليه من التصرفات. وإن الوقوف على حقيقة المنفعة والخلاف فيها بين الفقهاء، يخدم موضوع الاسم التجاري، بل هو صلب موضوعه، كما سيتبين:
ملك المنفعة وحق الانتفاع:
قد يظن أن ملك المنفعة وحق الانتفاع شيء واحد، وهما مختلفان. فجمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة يفرقون بينهما: قال القرافي: تمليك الانتفاع نريد به أن يباشر هو بنفسه فقط، وتمليك المنفعة هو أعم وأشمل، فيباشر بنفسه، ويُمكََّنُ غيره من الانتفاع بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالعارية.
ومثَّل لملك الانتفاع بسكن المدارس والرباط والمجالس في الجوامع والمساجد والأسواق ونحو ذلك، فله أن ينتفع بنفسه فقط، ولو حاول أن يؤاجر بيت المدرسة أو يسكن غيره، أو يعارض عليه بطريق من طرق المعاوضات امتنع ذلك.
ومثَّل لملك المنفعة بمن استأجر دارًا أو استعارها، فله أن يؤاجرها من غيره أو يسكنه بغير عوض، ويتصرف في هذه المنفعة تصرف الملاك في أملاكهم على جَرْي العادة على الوجه الذي ملكه، فهو تمليك مطلق في زمن خاص حسبما تناوله عقد الإجارة، أو شهدت به العادة في العارية. ثم قال: "ويكون تمليك هذه المنفعة كتمليك الرقاب" (٣) ، وبمثل هذه التفرقة قال العدوي المالكي:
"مالك الانتفاع ينتفع بنفسه، ولا يؤجَّر ولا يهب ولا يعير، ومالك المنفعة له تلك الثلاثة مع انتفاعه بنفسه" (٤) .
стр. 6812
ويفهم من كلام الفقهاء هذا التفرقة بين المنفعة والانتفاع من حيث المنشأ والمفهوم والآثار، وخلاصة ما قيل في الفرق بينهما وجهان:
الأول: أن سبب حق الانتفاع أعم من سبب ملك المنفعة، لأنه كما يثبت ببعض العقود كالإجارة والإعارة مثلًا، كذلك يثبت بالإباحة الأصلية كالانتفاع من الطرف العاقد والمساجد ومواقع النسك، ويثبت أيضًا بالإذن من مالك خاص، كما لو أباح شخص لآخر أكل طعام مملوك له، أو استعمال بعض ما يملك.
أما المنفعة فلا تملك إلا بأسباب خاصة، هي: الإجارة والإعارة والوصية بالمنفعة والوقف. وعلى ذلك، فكل من يملك المنفعة يسوغ له الانتفاع، ولا عكس، فليس كل من له الانتفاع يملك المنفعة، كما في الإباحة مثلًا.
الثاني: أن الانتفاع المحض حق ضعيف بالنسبة لملك المنفعة، لأن صاحب المنفعة يملكها ويتصرف فيها تصرف الملاك في الحدود الشرعية، بخلاف حق الانتفاع المجرد، لأن رخصته لا يتجاوز شخص المنتفع (١) .
وعلى هذا فإن ملك المنفعة أعم وأقوى من حق الانتفاع، فمن ملك شيئًا تصرف فيه لخاصته نفسه، أو تصرف فيه لغيره بأي صورة من صور التصرف، ومن له حق الانتفاع لا يحق له التصرف فيه لغيره.
أما الحنفية فلا تظهر لهم تفرقة بين المنفعة وحق الانتفاع.
стр. 6813
أدلة الجمهور في اعتبار المنفعة مالًا:
استدل الجمهور على مذهبهم في اعتبار المنفعة مالًا بأدلة:
الأول – أن المنافع كالأعيان:
قاس الجمهور المنافع على الأعيان بجامع أن كُلًّا منهما مال، فيجب الضمان كما في الغصب والإتلاف.
وبيان ذلك: "أن المال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به مما هو عندنا، والمنافع منا أو من غيرنا بهذه الصفة، وإنما تعرف مالية الشيء بالتمول، والناس يعتادون تمول المنفعة بالتجارة فيها، فإن أعظم الناس تجارة الباعة، ورأس مالهم المنفعة، ومنه يتبين أن المنافع في المالية مثل الأعيان" (١) .
وقال المالكية: "المنافع متمولة يعاوض عليها" (٢) ، " والقياس أن تجري المنافع والأعيان مجرى واحدًا" (٣) .
ومن جانب آخر فإن المنفعة تصلح أن تكون صداقًا، وهذا دليل اعتبارها مالًا؛ لأن صحة الصداق أن يكون المسمى مالًا. ويجوز أخذ العوض عنها في الإجارة، وكذا منافع الحر مال يضمن بالإتلاف إلا أنه إذا حبس حرًا مجرد الحبس لا يضمن منافعه، لأنه لم يوجد من الحابس إتلاف منافعه، ولا إثبات يده عليه، بل منافع المحبوس في يده (٤) .
ويتبين أيضًا مثلية المنافع للأعيان بجامع المالية في كل في العقد الفاسد لأن الضمان بالعقد الفاسد يتقدر بالمثل شرعًا كما بالإتلاف، وهذا بخلاف رائحة المسك، فإن من اشتم مسك غيره لا يضمن شيئًا؛ لأن الرائحة ليست بمنفعة، ولكنها بخار يفوح من العين كدخان الحطب، ولهذا لا يملك بعقد الإجارة، حتى لو استأجر مسكًا ليشمه لا يجوز، ولا يضمن بالعقد أيضًا صحيحًا كان أو فاسدًا (٥) .
стр. 6814
الثانى – أن المنفعة متقومة:
قال الجمهور: إن المنفعة متقومة، وكل متقوم فهو مضمون بقيمته، بل إن المنفعة تقوَّم بها الأعيان، "فيستحيل أن لا تكون متقومة بنفسها، ولأنها تملك بالعقد، ويضمن به صحيحًا كان العقد أو فاسدًا، وإنما يملك بالعقد ما هو متقوم، فيضمن بالإتلاف وإن لم يكن مالًا كالنفوس والأبضاع " (١) .
الثالث: أن الطبع يمثل إليها، ويسعى في ابتغائها وطلبها، وتنفق في سبيلها الأموال، ويقدم في سبيلها نفيس الأشياء ورخيصها.
وأن المصلحة في التحقيق تقوم بمنافع الأشياء لا بذواتها، فالذوات لا تصير أموالًا إلا بمنافعها، فلا تقدم إلا بمقدار ما فيها من منفعة، إذ كل شيء لا منفعة فيه لا يكون مالًا.
الرابع: أن العرف العام في الأسواق والمعاملات المالية يجعل المنافع غرضًا ماليًا ومتجرًا يتجر فيه.
الخامس: أن الشارع اعتبر المنافع أموالًا، لأنه أجاز أن تكون مهرًا في الزواج، ولا يكون مهرًا في الزواج إلا المال، قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ .
السادس: أن العقد قد ورد على المنافع فتكون مضمونة به حينئذ سواء أكان العقد صحيحًا أم فاسدًا، وضمانها دليل على أنها تكون مالًا بالعقد عليها. ولو لم تكن أموالًا في ذاتها ما قبلها العقد مالًا، لأن العقود لا تقلب حقائق الأشياء، بل تقرر خواصها (٢) .
стр. 6815
أدلة الحنفية:
وقد استدل الحنفية لمذهبهم بأدلة عديدة، سنذكر أهمها مع مناقشتنا لما يمكن أن يتوجه للدليل من إيراد:
أولًا – أن المنفعة ليست مالًا متقومًا:
قال الحنفية: إن المنفعة ليست بمال متقوم، لذا لا تضمن بالإتلاف كالخمر والميتة، وبيان ذلك: أن صفة المالية للشيء إنما تثبت بالتمول والتمول صيانة الشيء وادِّخاره لوقت الحاجة، والمنافع لا تبقى وقتين، ولكنها أعراض كما تخرج من حيز العدم إلى حيز الوجود تتلاشى، فلا يتصور فيها التمول، وعلل لذلك، بأن المتقوم لا يسبق الوجود فإن المعدوم لا يوصف بأنه متقوم، إذ المعدوم ليس بشيء.
وبعد الوجود التقوم لا يسبق الإحراز، والإحراز بعد الوجود لا يتحقق فيما لا يبقى وقتين، فكيف يكون متقومًا. وعلى هذا قالوا: "الإتلاف لا يتصور في المنفعة" (١) .
وقال صدر الشريعة: " لا تضمن المنافع بالمال المتقوم، لأنها غير متقومة، إذ لا تقوم بلا إحراز، ولا إحراز بلا بقاء، ولا بقاء للأعراض" (٢) .
وقد يرد على كلام السرخسي وصدر الشريعة: بأن المنفعة متمول، ودليل تمولها اعتياد الناس واعتبارهم لها في تجاراتهم ومعايشهم.
والمنفعة باقية ما بقيت العين، وتجددها مستمر لبقاء العين، وأيضًا فإن الإتلاف متصور في المنافع، وقد أقر بذلك الحنفية أنفسهم في قولهم: "إن إتلاف المنافع لا يضمن ما لم يكن بعقد أو شبهة عقد" (٣) . وعدم ضمانها عندهم لا لعدم تصورها وإنما لإهمالها، وكلامهم في فروع المسألة دليل على اعتبار وجودها.
стр. 6816
ثانيًا – أن المنفعة لا تماثل العين:
قال السرخسي: "لئن سلمنا أن المنفعة مال متقوم، فهو دون الأعيان في المالية، وضمان العدوان مقدر بالمثل بالنص. ألا ترى أن المال لا يضمن بالنسبة والدين لا يضمن بالعين؛ لأنه فوقه فكذلك المنفعة لا تضمن بالعين؟
ثم فصل دليله فقال: إن المنفعة عرض يقوم بالعين، والعين جوهر يقوم به العرض، ولا يخفى على أحد التفاوت بينهما، والمنافع لا تبقى وقتين والعين تبقى أوقاتًا وبين ما يبقى وما لا يبقى تفاوت عظيم، والعين لا تضمن بالمنفعة قط، ومن ضرورة كون الشيء مثلًا لغيره أن يكون ذلك الغير مثلًا له أيضًا، والمنفعة لا تضمن بالمنفعة عند الإتلاف، والمماثلة بين المنفعة والمنفعة أظهر من المماثلة بين العين والمنفعة. وبهذا فارق ضمان العقد فإنه غير مبنى على المماثلة باعتبار الأصل. بل على المراضاة وكيف ينبني على المماثلة والمقصود بالعقد طلب الربح (١) .
وقد يرد على السرخسي بأنه لا يلزم من كون المنفعة دون الأعيان وأنها ليست مثلًا لها، وأنها عرض من أن تكون مالًا ومتقومة، ثم إنَّ محل النزاع ليس في مماثلتها للأعيان أو عدمه، وإنما هو في ماليتها وتقومها.
وأيضًا لا يسلم للسرخسي أن المنافع دون الأعيان مطلقًا، إذ الأعيان تقوّم بالمنفعة، وإنما يتوصل بالأعيان إلى المنافع، فالمقصود منافع الأعيان لا ذاتها.
ثم أراد أن يرتب الظلم عند عدم إسقاط التفاوت بين العين والمنفعة.
ففال السرخسي في معرض الكلام على الغصب: "ضمان العقد مشروع وفي المشروع يعتبر الوسع والإمكان، ولهذا يجب الضمان باعتبار التراضي فاسدًا كان العقد أو جائزًا فيسقط اعتبار التفاوت الذي ليس فيوسعنا الاحتزار عنه في ضمان العقد. فأما الإتلاف فمحظور غير مشروع وضمانه مقدر بالمثل بالنص فلا يجوز إيجاب الزيادة على قدر المتلف بسبب الإتلاف (٢) .
ويتبادر إلى الذهن اعتراض على كلام السرخسي هذا، وقد ذكر السرخسي نفسه. فإن قيل يسقط اعتبار هذا التفاوت لدفع الظلم والزجر عن إتلاف منافع أموال الناس ولأن المتلف عليه مظلوم يسقط حقه إذا اعتبر هذا التفاوت، ومراعاة جانب المظلوم أولى من مراعاة جانب الظالم. مع أن هذا التفاوت بزيادة وصف لو لم نعتبره سقط به حق المتلف عن الصفة ولو اعتبرناه أسقطنا حق المتلف عليه عن أصل المالية وإذا لم يكن بد من إهدار أحدهما فإهدار الصفة أولى من إهدار الأصل (٣) .
стр. 6817
ثم رد السرخسي على هذا الإيراد – ولم يوفق في رأينا في هذا الرد – حين قال: قد أوجبنا للزجر التعزيز والحبس، فأما وجوب الضمان للجبران فيتقدر بالمثل على وجه لا يجوز الزيادة عليه. والظالم لا يظلم بل ينتصف منه مع قيام حرمة مال، ولو أوجبنا عليه زيادة على ما أتلف كان ذلك ظلمًا مضافًا إلى الشرع، لأن الموجب هو الشرع وذلك لا يجوز، وإذا لم يوجب الضمان لتعذُّر إيجاب المثل كان ذلك لضرورة ثابتة في حقنا وهو أنا لا نقدر على القضاء بالمثل وذلك مستقيم مع أن حق المظلوم لا يهدر بل يتأخر إلى الآخرة. ولو أوجبنا الزيادة صارت تلك الزيادة هدرًا في حق المتلف فيبطل حقه عنه أصلًا فكان ما قلناه من اعتبار المماثلة والكف عن القضاء بالضمان بدون اعتبار المماثلة أعدل من هذا الوجه (١) .
وقد يرد على كلام السرخسي: بأنه لا يكفي في تحقيق العدل الزجر والعزيز مادام الغاصب قد استفاد يقينًا بغير وجه حق من منفعة مملوكة للغير ويمكن تقديرها بمال، فيؤخذ منه بقدر ما أخذ، ثم إنَّ ما يؤخذ منه ليس انتهاكًا لحرمة ماله، إذ لم يؤخذ منه زيادة على ما أخذ، وليس في هذا ظلم على الغاصب، بل خلافه هو ظلم على المالك لا ينبغي نسبته إلى الشرع، وما دام القضاء بأجر المثل أو غيره، مقدورًا غير معسور فإنه لا يسقط حفظًا للحقوق.
стр. 6818
ثالثًا – أن المنفعة قبل كسبها معدومة والمعدوم ليس مالًا:
قال السرخسي: "إن الإتلاف لا يحل المعدوم، وبعد الوجود لا يبقى لحله فعل الإتلاف"، فكأنه يرى أن المنفعة معدومة غير موجودة فلا يمكن أن يوجد السبب، ولذا قال: "وإثبات الحكم بدون تحقيق السبب لا يجوز" (١) .
ولما كان الحنفية قد اشترطوا لجواز المنفعة أن تكون بعقد، وهذا في حد ذاته استشكال وجيه على رأيهم. قال السرخسي محاولًا رفع هذا الإشكال: "بالعقد يثبت للمنفعة حكم الإحراز والتقوم شرعًا، بخلاف القياس، وكان ذلك باعتبار إقامة العين المنتفع به مقام المنفعة لأجل الضرورة والحاجة، ولا تتحقق مثل هذه الحاجة في العدوان فتبقى الحقيقة معتبرة، وباعتبارها ينعدم التقوم والإتلاف " (٢) .
وقد يقال للحنفية أنكم قلتم بخلاف ذلك في الصداق واستئجار الولي، فاعتبرتموه ولا عدوان فيه.
وقد رد السرخسي هذا بقوله: "في الصداق واستئجار الولي إما يظهر حكم الإحراز والتقوم بالعقد للحاجة، والمال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به، ولكن باعتبار صفة التمول والإحراز " (٣) .
وقد يقال له: إننا لا نسلم أن المال معتبر بالتمويل والإحراز فحسب بل هو أعم ليشمل ما يمكن إحرازه كالمنفعة.
стр. 6819
المبحث الثاني
غصب المنفعة
مذهب الجمهور:
ذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة – تبعًا لرأيهم في اعتبار المنفعة مالًا – إلى أن غصب المنافع يوجب الضمان على الغاصب سواء استعمل المغصوب، أو منع استعماله، أو أتلفه أو أتلف المنفعة على تفصيل يظهر من استعراض مذاهبهم:
* ذهب المالكية: إلى أن الغاصب يضمن الشيء المغصوب بمجرد الاستيلاء.
قال عبد السميع الآبي: (وضمن الغاصب الشيء بمجرد الاستيلاء عليه وحوزه، ولو تلف بسماوي، أو جناية غيره) (١) .
وبناءً على هذا الضمان فإن منافع المغصوب المستعمل تكون ملكًا للمالك.
قال في الجواهر: " (وللمالك غلة مغصوب مستعمل من رقيق ودابة ودار وغيرها، سواء استعمله الغاصب أو أكراه على المشهور) (٢) .
فإن كان المستفيد من المنفعة غير الغاصب، فإن المالك مخير بأخذ قيمة المنفعة من أيهما شاء، قال في المواهب: (من غصب منفعة دار أو استأجر منه رجل تلك المنفعة، فلربها أخذ المنفعة من الغاصب أو من المستأجر، عالمًا كان أو جاهلًا، كما لو غصب طعامًا وباعه واستهلكه المشتري، فلرب الطعام أن يضمن من شاء منهما) .
لكن عند المالكية لو قصد الغاصب باستيلائه على الشيء استيفاء المنفعة لا تمَلُّكَ الذات، فتلف الذات المستوفى منها منفعتها فلا يضمن المعتدي وعلى ذلك "فمن سكن دارًا غاصبًا للسكن فانهدمت من غير فعله فلا يضمن إلا قيمة السكن، إلا أن تنهدم من فعله" (٣) .
* ومذهب الشافعية: ضمان منفعة الدار والعبد ونحوههما من كل منفعة يستأجر عليها بالتفويت بالاستعمال، والتفويت عندهم يكون بضياع المنفعة من غير انتفاع، كإغلاق الدار في يد عادية. لمن كان من أهل الضمان.
قالوا: إن غصب منفعة تستباح بالإجارة، فأقام في يده مدة لمثلها أجر ضمن الأجرة.
أما غصب منفعة البضع فإنها لا تضمن عندهم إلا بتفويت الوطء لا فواته.
فيضمن حينئذ بمهر المثل – على تفصيل في ذلك – وعلة عدم الضمان بالفوات هو انتفاء ثبوت اليد على البضع. ومثل هذا في الأصح من مذهبهم: منفعة بدن الحر فإنها لا تضمن إلا بالتفويت دون الفوات، تبعًا لقاعدة: أن الحر لا يدخل تحت اليد (٤) .
стр. 6820
* ومذهب الحنابلة: الغاصب أجرة المغصوب مدة بقائه بيده إذا كانت للشيء المغصوب منفعة تصح إجارتها، ويوجبون حينئذ أجرة المثل مدة مقامة في يده، سواء استوفى المنافع أو ترك
+ها تذهب.
فإن تلف المغصوب ضمنه الغاصب، أو من تلف بيده المثلي بمثله، فإن أعوز المثل فقيمة مثله يوم إعوازه (١) . "وما ليس بمال لا يغصب كغصب الحر، فلا يضمن بالغصب، وإنما يضمن بالإتلاف. فإن استعمل حرًا مكرهًا لزمه أجر مثله، وإن حبسه مدة لمثلها أجر ففي وجوب أجرها قولان، ولو منعه العمل من غير حبس لم يضمن منافعه" (٢) .
وقال المرداوي: "وإن كان للمغصوب أجرة فعلى الغاصب أجرة مثله مدة مقامة في يده، يعني إذا كانت تصح إجارته، ثم قال: منافع المقبوض بالعقد الفاسد كمنافع المغصوب تضمن بالفوات والتفويت" (٣) .
وأما عند الحنفية، فقالوا في ضمان منافع المغصوب: "ومنافع الغصب غير مضمونة استوفاها أو عطلها، أو استغل" وعللوا لذلك – بما سبقت الإشارة – بعدم ورود الغصب عليها، ولأن لا مماثلة بينها وبين الأعيان، وهي لا تبقى زمانين، ولأنها غير متقومة (٤) .
والمتأخرون فرقوا بين المعد للاستغلال ومال اليتيم والوقف وبين غيرها فأوجبوا الضمان فيها دون سواها.
وفيما يلي تفصيل رأيهم: قال السرخسي: لو غصب عبدًا أو دابة فآجره وأصاب من غلته، فالغلة للغاصب، لأن وجوبها بعقده؛ ولأن المنافع لا تتقوم إلا بالعقد، والعاقد هو الغاصب، فإذا هو الذي جعل منافع العبد بعقده مالًا فكان بدله له.
وقد يقال هنا: ولم لا يكون لصاحب العبد؟ فيجاب بأنه كان في ضمان غيره.
قال السرخسي: وفي هذا إشارة إلى قوله ﷺ : ((الخراج بالضمان)) (٥) .
فحين كان في ضمان الغاصب فهو الذي التزم تسليمه بالعقد دون المالك فكان الأجر له دون المالك، ويؤمر أن يتصدق بها لأنها حصلت له بكسب خبيث (٦) .
стр. 6821
وينبني على عدم اعتبار المنافع أموالًا عند الحنفية أنه ليس على الغاصب في سكنى الدار وركوب الدابة أجر. وعللوا لذلك:
بأن الغاصب كان ضامنًا، ومعنى هذا أن ضمان العين باعتبار صفة المالية والتقوم، والمالية والتقوم في العين باعتبار منافعه، ولهذا تختلف قيمة العين باختلاف منفعته، فإذا اعتبرت المنفعة لإيجاب ضمان العين لا يمكن اعتبارها لإيجاب ضمانها مقصودًا. وقد قاس الحنفية ههنا المنفعة على الكسب، وينطبق على الكسب عندهم حكم حديث ((الخراج بالضمان)) فكذلك المنفعة.
لكن هذا مما لا يقول به أبو حنفية وأبو يوسف، "فإن الساكن غير ضامن للدار عندهما" (١) .
ولا يخفى أن صدر الاحتجاج والتعليل الذي ذكره السرخسي يمكن أن يكون حجة على مسلك الحنفية في المنفعة لا لهم، ولعل ذلك دعا السرخسي للقول: " والأصح بناء هذه المسألة على الأصل المتقدم ويعني به قوله: إن المنافع زوائد تحدث في العين شيئًا فشيئًا، وزوائد المغصوب لا يكون مضمونًا على الغاصب، فكذلك المنفعة" (٢) .
وأما اعتبار العلة في الخراج، هي الضمان وهو فهم الإمام أبي حنيفة من الحديث لذا قال: "إن الغاصب لا يضمن منافع المغصوب".
فقد ناقش السيوطي هذا الاحتجاج: فقال: ((إن النبي ﷺ قضى بذلك في ضمان الملك، وجعل الخراج لمن هو مالكه إذا تلف تلف على ملكه، وهو المشتري، والغاصب لا يملك المغصوب)) (٣) .
وقال السيوطي أيضًا: "بأن الخراج، هو المنافع، جعلها لمن عليه الضمان، ولا خلاف أن الغاصب لا يملك المغصوب. بل إذا أتلفها فالخلاف في ضمانها عليه، فلا يتناول موضوع الخلاف" (٤) .
وعلل الكاساني لعدم الضمان في غصب العبد أو الدابة بأنه "لم يوجد تفويت يد المالك عن المنافع؛ لأنها أعراض تحدث شيئًا فشيئًا على حسب حدوث الزمان، فالمنفعة الحادثة على يد الغاصب لم تكن موجودة في يد المالك فلم يوجد تفويت يد المالك عنها، فلم يوجد الغصب " (٥) .
ولكن يشكل على رأي الحنفية هذا ما ينبغي أن يتخرج على أصلهم، فيما إذا غصب دارًا أو عقارًا فانهدم شيء من البناء، فإنه لا ضمان عليه؛ لأن الغصب لا يتم إلا بالنقل والتحويل، فإن كان مما لا ينقل كالدور والعقار لم يصح غصبه، ولم يضمن، استدلالًا: بأن غير المنقول مختص بالمنع دون التصرف، فصار كحبس الإنسان عن ملكه، لا يكون موجبًا لغصب ماله، ولأن المسروق لا يكون مسروقًا إلا بالنقل عن الحرز فكذا المغصوب (٦) . جاء في الدُّرِ وشرحه قوله: "والغصب إنما يتحقق فيما ينتقل، فلو أخذ عقارًا وهلك في يده بآفة سماوية لم يضمن" (٧) .
стр. 6822
وقد اختلف رأي الحنفية في ذلك، قال السرخسي: لا ضمان عليه في قول أبي حنيفة، وأبى يوسف الآخر، وعند محمد وفي قول أبي يوسف الأول يضمن، وهو قول الشافعي، أما الشافعي فقد سار على أصله في تحديد الغصب بأنه إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه، وهذا يوجد في العقار كما يوجد في المنقول، وأما محمد فقد سار على أصله في حد الغصب: أنه إزالة يد المالك عن ماله، والفعل في المال ليس بشرط، وقد وجد تفويت يد المالك عن العقار، لأن ذلك عبارة عن إخراج المال من أن يكون منتفعًا به في حق المالك، أو إعجاز المالك عن الانتفاع به، وهذا كما يوجد في المنقول يوجد في العقار، فيتحقق الغصب ... وأما أبو حنيفة وأبو يوسف فسارا على أصلهما: أن الغصب إزالة يد المالك عن ماله بفعل في المال، ولو يوجد في العقار.
والدليل على أن هذا شرط تحقيق الغصب الاستدلال بضمان الغصب، فإن أَخْذَ الضمان من الغاصب تفويت يده عنه بفعل في الضمان، فيستدعي وجود مثله منه في المغصوب، ليكون اعتداء بالمثل وعلى أنهما إن سلَّما تحقق الغصب في العقار، فالأصل في الغصب أن لا يكون سببًا لوجوب الضمان، لأن أخذ الضمان من الغاصب ماله عليه (١) .
لكن العقار يضمن عندهم في الأصح في حالات ثلاث في البيع والتسليم والحجور. قال في الدر المختار وشرحه: "والأصح أن العقار يضمن بالبيع والتسليم وكذلك بالحجور إذا كان العقار وديعة" (٢) .
واستثنى الحنفية من قاعدتهم في الغصب ثلاثة أمور؛ فقالوا بوجوب الضمان فيها ويكون بأجر المثل، وهذا اختيار المتأخرين منهم وهذه الثلاثة هي:
أولًا: إذا كان المغصوب وقفًا للسكن أو للاستغلال أو لغيرهما كالمسجد.
ثانيًا: إذا كان المغصوب مال يتيم.
قال في البزازية: "والفتوى في غصب دور الوقف وعقاره على الضمان كما في منافعه، وكذا اليتيم، والإمام ظهير الدين أفتى بأجر المثل في الوقف لا في اليتيم، ومن المشايخ من قال: إذا كان ضمانُ النقصان خيرًا لليتيم من أجر المثل يلزم على الغاصب، وإلا أجرَ المثل" (٣) .
وقال ابن عابدين في شأن اليتيم: "لا تردد في مال اليتيم، لأن منافعه تضمن بالغصب" (٤) .
ثالثًا: "إذا كان البناء معدًا للاستغلال بأن بناه صاحبه لذلك أو اشتراه لذلك. ويشترط عندهم علم المستعمل بكونه معدًا حتى يجب الأجر، وأن لا يكون المستعمل مشهورًا بالغصب " (٥) .
стр. 6823
مبنى الخلاف بين الجمهور والحنفية:
إن مبنى الخلاف في غصب المنفعة يرجع عند التحقيق إلى الخلاف في مفهوم المنفعة. وفي مفهوم الغصب، والثاني هو الذي يعنينا بيانه ههنا.
* فالجمهور يرون أن الغصب هو: "الاستيلاء على حق الغير عدوانًا"، وكما قال الماوردي: هو منع الإنسان من ملكه والتصرف فيه بغير استحقاق فيكمل الغصب بالمنع والتصرف، فإن منع ولم يتصرف كان تعديًّا، وتعلق به ضمان، لأنه تعدٍّ على المالك دون الملك، وإن تصرف ولم يمنع كان تعديًّا، وتعلق به ضمان، لأنه تعد على الملك دون المالك، فإذا جمع بين المنع والتصرف تم الغصب، ولزم الضمان سواء نقل المغصوب عن محله أم لا (١) .
* وعند الحنفية هو: "أخذ مال متقوم محتوم من يد مالكه بلا إذنه لا خفية" (٢) . فلا يتم الغصب عند أبي حنيفة إلا بالنقل والتحويل – كما سبقت الإشارة – فإن كان مما لا ينتقل كالدور والعقار لم يصح غصبه، ولم يضمن، وكذا المنفعة ليست مالًا متقومًا حتى يمكن نقلها.
ويفهم من قيد الحنفية في تعريف الغصب في قولهم: "من يد مالكه بلا إذنه". "أن إزالة يد المالك معتبرة في الغصب، وتبعًا لتعريف الشافعية إزالة يد العدوان".
"وعلى هذا فإن ثمرة الخلاف تظهر في زوائد المغصوب كولد المغصوبة وثمرة البستان فإنها ليست بمضمونة عند الحنفية لعدم إزالة اليد، وعند الشافعية مضمونة لإثبات اليد، فالمعتبر في الغصب عند الحنفية إزالة اليد المحقة وإثبات اليد المبطلة، وعند الشافعية المعتبر إثبات اليد المبطلة" (٣) .
وعلى هذا فإن مفهوم الغصب أعم وأشمل عند الجمهور عنه عند الحنفية، ومقتضى تعريف الجمهور شموله"سائر الحقوق والاختصاصات" (٤) ، والمنفعة عند الجمهور مال لا يجوز الاعتداء عليه فبغصبها يتقرر الضمان.
стр. 6824
المبحث الثالث
المال والمنفعة
الجمهور والحنفية: يعلم من تعاريف الجمهور السابقة للمال أنه يشمل الأعيان والمنافع والحقوق، والمالكية اعتبروا كل ما يمكن أن يجري فيه الملك مالًا يستوي في ذلك الأعيان والمنافع والحقوق التي تقبل التجزيء – كما سبق الإشارة -.
والشافعية والحنابلة يوافقون في هذا الشمول، ويوافقونهم جملة فيما ينبني عليه من فروع.
وإنما اعتبر الجمهور المنافع أعيانًا، لأنهم لم يشترطوا في المال أن يكون محازًا بذاته بل يكفي إمكان حيازته، وحيازة المنافع إنما يكون بحيازة أصولها، إذ الأعيان مقصودة لمنافعها.
وأما الحنفية فيعلم من تعاريفهم للمال أن المنفعة ليست مالًا؛ لأنهم اشترطوا في المال أن يكون موجودًا ممكن الادخار، فتخرج المنفعة حينئذ من مسمى المال فهي ملك لا مال كما صرح ابن عابدين نقلًا عن صاحب التلويح، قال: "والتحقيق أن المنفعة ملك لا مال؛ لأن الملك ما من شأنه أن يُتصرف فيه بوصف الاختصاص، والمال ما من شأنه أن يُدخر للانتفاع وقت الحاجة" (١) .
стр. 6825
المبحث الرابع
أسباب ملك والمنفعة
يستفاد ملك المنفعة بأسباب أربعة: الوصية والإجارة والإعارة والوقف.
أولًا – الوصية:
اتفق الفقهاء الأربعة على جواز الوصية بالمنافع، وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة والظاهرية ببطلان الوصية بالمنافع.
قال ابن رشد: "اختلفوا في المنافع، فقال جمهور فقهاء الأمصار: ذلك جائز ". وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأهل الظاهر: الوصية بالمنافع باطلة، ثم ذكر مبنى الخلاف في أن عمدة الجمهور: أن المنافع في معنى الأمول، وإن لم تكن مالًا عند الحنفية إلا أنه يجوز تمليك المنفعة في حال الحياة بطريق الإجارة والإعارة فيكون جائزًا الوصية بها.
وعمدة الطائفة الثانية: أن المنافع منتقلة إلى ملك الوارث؛ لأن الميت لا ملك له فلا تصح له وصية بما يوجد في ملك غيره، فالمنافع معدومة ولا تصح الوصية بمعدوم، وإلى هذا القول ذهب أبو عمر بن عبد البر " (١) .
مذاهب الفقهاء:
ذهب الحنفية إلى جواز الوصية بالمنفعة، وتنتهي بموت الموصى له، ثم تنتقل إلى ورثة الموصي، وقد بنى الحنفية رأيهم في المنفعة ههنا على أصلهم من أن ملك المنفعة ثبت مؤقتًا لا مطلقًا، وعليه فصلوا: فإن كانت الوصية مؤقتة إلى مدة تنتهي بانتهاء المدة، ويعود ملك المنفعة إلى الموصى له بالرقبة إن كان قد أوصى بالرقبة إلى إنسان آخر، وإن لم يكن قد أوصى بالرقبة إلى آخر يعود إلى ورثة الموصى.
وإن كانت مطلقة تثبت إلى وقت موت الموصى له بالمنفعة، ثم ينتقل إلى الموصى له بالرقبة إن كان هنا موصى له بالرقبة، وإن لم يكن ينتقل إلى ورثة الموصي.
جاء في الدر وحاشيته: "صحت الوصية بخدمة عبده وسكنى داره مدة معلومة وأبدًا، ويكون محبوسًا على ملك الميت في حق المنفعة. كما في الوقف حيث يستوفى منافع الوقف على حكم ملك الواقف، فإن خرجت رقبة العبد والدار في الوصية بالخدمة والسكنى، سلمت إلى الموصى له، وإلا تقسم الدار أثلاثًا (٢) .
ثم قال: "وبموت الموصى له في حياة الموصي بطلت الوصية، وبعد موته يعود خدمة العبد وسكنى الدار إلى ورثة الموصي بحكم الملك، ولا يعود إلى ورثة الموصى له" (٣) .
стр. 6826
* وذهب المالكية: إلى جواز الوصية بالمنفعة، فإذا أوصى لشخص معين بمنفعة شيء معين مدة معينة، كأن يوصي بخدمة عبده فلان، أو سكن داره المعينة بالإشارة أو الوصف، أو بركوب دابته الفلانية لزيد مدة سنة مثلًا، وحمل الثلث قيمة ذلك تعين تسليم الموصى به (١) . وقالوا أيضًا: إذا أوصى بخدمة عبد من عبيده لفلان ولم يحددها بزمن، بل حددها بحياة العبد أو أطلق، فإنه يخدمه طول حياته، وإن مات الموصى له فإن ورثته يرثونها بعده؛ لأن الموصي لما لم يحددها علم أنه أراد خدمته حياة العبد (٢) .
* وقال صالح الآبي: وإن أوصى لشخص بمنافع عبد معين، ولم يقيد بحياة الموصى له، فلوارثه خدمة العبد ما بقي حيًا، وإن حدد الموصي المنافع الموصي بها بزمن كشهر أو سنة، فالموصى له كالمستأجر في ملك المنفعة في تلك المدة، وجواز إجارته فيها لغيره، وانتقالها لوارثه إن مات قبل تمامها. فإن قتل العبد الموصى بخدمته عمدًا عدوانًا من عبد أو ذمي فللوارث للموصي القصاص أو القيمة (٣) .
стр. 6827
* وقال الشافعية: بصحة الوصية بمنافع نحو عبد ودار وغلة، ويملك الموصى له بالمنفعة، وكذا بالغلة إن قامت قرينة على أن المراد بها مطلق المنفعة، أو أطرد العرف بذلك فيما يظهر، وتوجيههم لهذا القول راجع إلى أن الوصية ليست إباحة عندهم ولا عارية للزومها بالقبول، ومن ثم جاز له أن يسافر بها عند الأمن، ويد يد أمانة (١) .
* وقال الحنابلة: إن أوصى بخدمة عبد صح، سواء وصى بذلك لمدة معلومة أو للأبد ويعتبر خروج المنفعة من ثلث المال، فإن لم تخرج من الثلث أجيز منها بقدر الثلث. فإن أريد تقويمها، فإن كانت الوصية مقيدة بمدة قوم الموصى بمنفعته مسلوب المنفعة تلك المدة، ثم يقوَّم بمنفعته في تلك المدة فينظر كم قيمتها.
وإن كانت الوصية مطلقة في الزمان كله فقد قيل: تقوَّم الرقبة بمنفعته جميعًا، ويعتبر خروجهما من الثلث، لأنه عبدًا لا منفعة له لا قيمة له غالبًا، وقيل: تقوَّم الرقبة على الورثة، والمنفعة على الموصى له (٢) . ويفهم من كلام الفقهاء في الوصية بالمنافع أنها على صور أو أنواع متعددة.
فإما أن تكون الوصية مقيدة بمدة محدَّدة، وإما أن تكون مؤبدة، وإما أن تكون مطلقة عن التقيد بمدة، ولكل حكمه مع اختلاف بين الفقهاء في هذه الصور، ينظر تفصيله في أبواب الوصية من كتب الفقه.
стр. 6828
ثانيًا – الإجارة:
عقد الإجارة هو عقد على منفعة كما يعرفه الفقهاء "عقد معاوضة على تمليك منفعة بعوض" (١) .
والمنفعة من أركان عقد الإجارة عند الجمهور، وهي محل الإجارة عند الحنفية والحنابلة (٢) . وعند المالكية والشافعية محل الإجارة منافع أعيان، أو منافع مضمونة في ذمة المؤجر (٣) .
واشترط الفقهاء لانعقاد الإجارة على المنفعة شروطًا:
أولًا: أن تقع الإجارة على المنفعة لا على العين.
ثانيًا: أن تكون المنفعة متقومة ومعلومة علمًا ينفي الجهالة.
ثالثًا: أن تكون المنفعة مباحة لا معصية ولا طاعة مطلوب أداؤها.
رابعًا: أن تكون المنفعة مقدورًا على استيفائها.
وأما تحديد المنفعة: فقد اعتبر جمهور الفقهاء العرف في تعيين ما تقع عليه الإجارة من منفعة وقد تتعين بتحديد مدة الإجارة أو تحديد العمل ذاته أو العمل والمدة معًا (٤) .
وتنفسخ الإجارة عند الفقهاء بانتهاء مدة الإجارة أو بهلاك العين المؤجرة أو بالإقالة. واختلفوا في انقضائها بموت أحد العاقدين، فذهب الجمهور إلى أن الإجارة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين؛ لأنها عقد لازم (٥) .
وذهب الحنفية إلى أن الإجارة تنفسخ "بموت أحد العاقدين لو عقدها لنفسه كما تنفسخ بموت أحد المستأجرين أو المؤجرين في حصته فقط (٦) .
وعند الشافعية: تنفسخ بموت المؤجر في إجارة الوقف، جاء في شرح المحلى على المنهاج: "ولا تنفسخ الإجارة بموت العاقدين أو أحدهما، ويخلف المستأجر وارثه في استيفاء المنفعة، ولا تنفسخ بموت مُتَوَلِّي الوقف إلا في صورة ما إذا آجر البطن الأول من الموقوف عليهم الوقف مدة، ومات قبل تمامها فالأصح انفساخها" (٧) .
стр. 6829
ثالثًا – العارية:
إذا كانت المنفعة بسبب العارية فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن العارية – إضافة إلى أنها لا تورث – لا يجوز للمستعير أن يؤجر المستعار للغير خلافًا للمالكية.
قال في الاختيار: "وللمستعير أن يعيرها إن لم يختلف باختلاف المستعملين، وليس له إجارتها، فإن آجرها فهلكت ضمن " (١) .
وقال السيوطي: لا يجوز للمستعير أن يؤجر للغير، بل يستوفي المنفعة بنفسه أو وكيله، فإن أعاره فللمالك أن يرجع عليه بأجر المثل (٢) . ثم قال: "كل من مالك المنفعة فله الإجارة والإعارة. ومن ملك الانتفاع فليس له الإجارة قطعًا، ولا الإعارة في الأصح " (٣) .
وعلق ابن نجيم على عبارة السيوطي، فقال: وهذا يتخرج على قول الكرخي من أن الإعارة إباحة المنافع لا تملكيها، ثم قال: والمذهب عندنا أنها تمليك المنافع بغير عوض، فهي كالإجارة تمليك المنافع. وإنما لا يملك المستعير الإجارة لأنه ملك المنفعة بغير عوض فلا يملك أن يملكه ما بعوض، ولأنه لو ملك الإجارة لملك أكثر مما ملك ... (٤) .
وقال ابن رجب: "المستعير لا يملك نقل حقه من الانتفاع " (٥) .
وعللوا لذلك بأن العارية إباحة انتفاع فلا تنتقل إلى الغير، وهي عقد غير لازم ينفسخ بموت أحد المتعاقدين، أو جنونه، أو إغمائه (٦) .
وقال المالكية: "يصح ويندب إعارة شخص رشيد مالك للمنفعة وإن كان مستعيرًا" (٧) .
وقال أيضًا: "يصح أن يعير مالك المنفعة (المستعير) عينًا لأجل استيفاء منفعتها، ومحل الصحة ما لم يمنعه المالك" (٨) .
رابعًا – الوقف:
إذا وقف شخص عينًا فإن الذي يُمَلَّكُ هو المنفعة ويكون ذلك بالاستغلال أو الاستعمال. وإن نص في الوقف على أحد الأمرين، فلا ينتفع إلا بما نص عليه نظرًا لشرط الواقف لأنه كنص الشارع.
والفقهاء مختلفون في ملك المنفعة والانتفاع.
فالمالكية قالوا في الوقف إذا كان على سكنى الدار: "وإذا وقف وقفًا على أن يُسْكَنَ أو على السكنى، ولم يزد على ذلك، فظاهر اللفظ يقتضي أن الواقف إنما يُمَلِّكُ الموقوف عليه الانتفاع بالسكن دون المنفعة، فليس له أن يؤجره غيره، ولا يُسِكنَه" (٩) .
وإن كانت الصيغة محتملة لتمليك الانتفاع أو تمليك المنفعة بأن قال: "ينتفع بالعين الموقوفة بجميع أنواع الانتفاع، فهذا تصريح بتمليك المنفعة، أو يحصل من القرائن ما يقوم مقام هذا التصريح ... فإنا نقضي بمقتضى تلك القرائن ... " (١٠) .
وذهب الشافعي وأحمد إلى أن المنتفع يملك في الوقف – كما في الوصية – المنفعة لا حق الانتفاع إلا إذا نص على أن المراد حق الانتفاع، أو دلت القرائن على ذلك" (١١) .
стр. 6830
المبحث الخامس
توريث المنفعة
مذهب الفقهاء:
تكلم الفقهاء عن حكم توريث المنفعة، يجوز أن تنتقل منفعة العين إلى ورثة المستفيد واتفق رأي جمهورهم في بعض الصور واختلف في بعضها الآخر، تبعًا لموضوعها، فإن المنفعة قد تكون عن إجارة أو وصية أو عارية وهذه أهم صورها.
فإن كانت المنفعة بعقد إجارة أو وصية: فقد ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز توريثها قياسًا على الأعيان؛ ولأن الإجارة لا تنفسخ "بموت العاقدين أو أحدهما للزومها كالبيع، فتبقى العين بعد موت المكرى عند المكتري أو وارثه ليستوفي منها المنفعة " (١) . فيحل الوارث محل المورث إلى أن تنتهي المدة المحددة. أو أن تنفسخ الإجارة لسبب آخر، والوصية بالمنفعة كذلك لا تنتهي بموت الموصى له، لأنها تمليك، فتنتقل إلى ورثة الموصي المدة الباقية (٢) .
أما الحنفية فعلى أصلهم في أن المنفعة ليست مالًا فإن المنفعة أو حق الانتفاع لا يورث لأنه لا بقاء للمنفعة عندهم، ونقلها من شخص إلى آخر يستلزم بقاءها، والمعدوم لا ينتقل فلا يملك. فتنتهي المنفعة بموت مالكها.
واستثنوا من توريث المنفعة حقوق الارتفاق لحق المرور والشرب والمسيل والتعلي. فإنها تورث عندهم. وعللوا ذلك: بأن حقوق الارتفاق حقوق مالية فيجري فيها الإرث كسائر الأموال (٣) .