ويقتضي بلوغ معرفة هذا الحكم أن نقطع إليه المراحل التي تتمثل في بيان المسائل التالية:
المسألة الأولى: هل الاسم التجاري ينطوي على حق يعطي صاحبه مزية الاختصاص؟
المسألة الثانية: هل يستتبع هذا الحق – على فرض وجوده – منفعة قيمية أو ثمرة مالية تنفصل عن الشخص صاحب الحق وتتمثل في عين مستقلة عنه، بحيث يصبح هذا الحق حقًا ماليًا متقررًا، لا حقًّا مجردًا؟
المسألة الثالثة: على اقتراض وجود هذه المنفعة المالية، هل يدخل هذا الحق بذلك في المملكات، بحيث تسري عليه أحكامها من حق التصرف بها والمعاوضة عنها؟
المسألة الرابعة: إذا ثبت دخول هذه المنفعة في حكم الممتلكات، فهل ثمة ما يمنع من بيعها أو شرائها، بحيث يسبب البطلان أو الحرمة، وما هو هذا السبب؟
стр. 6897
المسألة الأولى - هل الاسم التجاري ينطوي على حق شرعي؟
ونحن نعني الآن بالاسم التجاري الشعار الذي يتخذ اسمًا لنوع البضاعة. أما اسم الملح التجاري فنذكره فيما بعد.
ولعل أخصر وأجمع تعريف للحق ما ذكره الأستاذ الجليل مصطفى الزرقاء في كتابه المدخل الفقهي مستخلصًا من عدة تعاريف ذكرها الفقهاء، وهو:
" اختصاص حاجز شرعًا يسوغ صاحبه التصرف إلا لمانع " (١) .
إلا أن الأستاذ الزرقاء ساق هذا العريف وارتضاه للملك لا للحق. ونحن نرى أن تعريف الحق الذي هو أعم من الملك داخل فيه، وهو " اختصاص حاجز شرعًا " إذ الحق بمعناه العام ما أورث صاحبه الاختصاص، بقطع النظر عن تسويغه التصرف به والاعتياض عنه أو عدم تسويغه ذلك. فيشمل هذا التعريف العام حقوق الله وحقوق العباد والحقوق المعنوية والمالية والعقدية ... إلخ.
إذا علمنا هذا، فهل ينطبق تعريف الحق على العلاقة السارية ما بين التاجر والشعار الذي اتخذه عنوانًا على بضاعته. أي هل للتاجر أن يستأثر بهذه العلاقة من دون الناس، باسم الشرع وحكمه، بحيث لا يجوز شرعًا أن ينسب غيره هذا الشعار إلى بضاعته على نحو ما هو مقرر من نسبة حق التأليف إلى صاحبه؟
تتوقف معرفة الإجابة عن هذا السؤال على إدراك المغزى الذي يعبر عنه الشعار التجاري الدارج إن هذا الشعار أو الاسم لا يراد من إطلاقه أكثر من التعريف بالبضاعة التي انفرد صاحبها بصنعها أو ابتكارها، وإخراجها على الوجه المتميز الذي أتيح له وحده، اقتراضًا، أن يخرجها فيه. ولما كان من حق صاحب هذه الصنعة المتقنة أن يحيط صنعته بذاتية مستقلة تحجزها عن الضياع والالتباس، فقد كان أيسر سبيل إلى هذا الحجز والتمييز أن يَسِمَهَا بشعار خاص يكسبها الذاتية المستقلة بين السلع والبضائع الأخرى.
стр. 6898
ومن هنا يتبين أن العلاقة القائمة بين تلك الصنعة المتميزة واسمها الذي اختير لها، إنما هي في الحقيقة تحصين للعلاقة القائمة فعلًا بين تلك البضاعة والصانع أو التاجر الذي استقل بإبداعها أو بإخراجها بصفاتها المتميزة.
وهذه العلاقة في الحقيقة من نوع العلاقة التي بين المؤلف والأفكار العلمية التي استقل بإبداعها، على نحو ما سبق بيانه. فكما أن نسبة تلك الأفكار إلى صاحبها حق شرعي لا يجوز إنكاره ولا التطاول عليه، فكذلك ثمرة الجهد العضلي أو الصناعي حق شرعي لصاحبه لا يجوز إنكاره أو العدوان عليه. إلا أن المؤلفات العلمية تكون محصنة في العادة ضد أي انتحال، بكتابة أسماء مؤلفيها عليها. في حين أن البضائع المصنعة تنقطع نسبتها إلى المعمل الذي تم تصنيعها فيه، بمجرد طرحها في السوق فكان الشعار التجاري أو " الماركة " المسجلة عليها كالبديل عن ذكر اسم المؤلف وتسجيه على الكتاب.
ونظرًا إلى الاسم التجاري كان رمزًا لهذا الحق الذي يعود إلى صاحب الصنعة والإبداع، فقد اقتضى العرف التجاري أن يكون الشعار الذي يعتمده لبضاعته حقًا مكتسبًا له، لا مجال للازدواج أو التنافس فيه، لا مجرد تسمية وتعريف لذات السلعة من حيث هي عين مادي. وقد علمنا آنفًا أن الحق كما يتعلق بالأعيان المادية من سلع وغيرها، على وجه التملك والاختصاص، فهو يتعلق أيضًا بالجهد المعنوي والطاقة الإبداعية التي تتعلق بالأفكار أو الصناعات.
وتعود فائدة هذا الاختصاص إلى جهتين اثنتين:
الجهة الأولى: التاجر، وتتمثل الفائدة التي ينالها في مزيد من الإقبال إلى بضاعته ومن نتائج ذلك تحقق المزيد من أرباحه وفاعليته التجارية.
الجهة الثانية: المستفيد أو المستهلك، وتتمثل فائدته في تيسير الطريق أمامه إلى الوصول لما قد يبحث عنه من الجودة والإتقان. ولا شك أننا نقرض في هذا كله الصدق في مساعي التاجر وجهوده ودعوى سعيه إلى الإتقان.
وإذا كان هذا هو العرف التجاري السائد، فإن ذلك يكون بدوره مصدرًا لثبوت معنى الحق الشرعي الذي عرفه صاحب كشف الأسرار بأنه " موجود من كل وجه تتعلق به مصلحة خاصة عائدة لمن ينسب إليه " (١) ، وقد علمنا فيما مضى أن العرف مرجع أساسي في تثبيت الحقوق الشرعية.
وبناء على ذلك نقول: إن الاسم التجاري حق تتعلق به مصلحة خاصة عائدة لصاحب السلعة ومن ثم فهو يعطي صاحبه مزية الحصر والاختصاص.
стр. 6899
المسألة الثانية – هل ينطوي هذا الحق على منفعة قيمية أو ثمرة مالية؟ :
وبتعبير آخر: أيعد حق الاسم التجاري – بعد ثبوته – من الحقوق المالية المتقررة، أم من الحقوق المجردة غير المالية؟
ونقول في الجواب: لا ريب أن مصدر هذا الحق هو الجهد الذهني مضافًا إليه النشاط الحركي والعضلي، وهو شيء ثابت ومستقر في كيان صاحب الحق ذاته؛ غير أن لهذا الجهد الذهني ثمارًا تنفصل عنه لتستقر في سلعة أو بضاعة منفصلة عنه، بحيث يمكن استيفاؤها والانتفاع بها وتقديرها. وبذلك تصح هذه الثمار ذات كيان ووجود مستقل، وأثر ظاهر في المصلحة العامة. ومن ثم نشأت عنها قيمتها المالية التي أخضعتها لقانون التداول (١) .
وكما أن السلع والبضائع تعد بحد ذاتها أموالًا متقومة خاضعة للمعاوضة والتداول، فإن الأجهزة والأدوات التي تستخدم في إنتاجها تعد هي الأخرى أموالًا متقومة.
وإذا ثبت هذا، فلا فرق بين أن تكون هذه الأجهزة والأدوات وسائل وأسبابًا مادية، وأن تكون جهودًا وابتكارات ذهنية، أي فكما تكون الأجهزة المادية ملكًا لأصحابها فكذلك جهودهم الفكرية وطاقتهم الإبداعية، ينبغي أن تكون هي أيضًا ملكًا لأصحابها، على نحو ما مر بيانه في مسألة حق التأليف؛ ونظرًا إلى أن هذه الطاقات الإبداعية أمور معنوية بحد ذاتها، فقد اقتضت الضرورة إحرازها وحصرها عن طريق تحصينها في الاسم التجاري.
وهكذا يتضح أن حق الاسم التجاري كناية عن السياج الذي يحصر سائر الفوائد المالية والاعتبارية التي جاءت ثمرة المزايا التي استقل بها التاجر في بضاعته، عن طريق ما بذل من الجهد الفكري والنشاط الحركي، كي لا تتبدد أو تتحول إلى غيره.
أي أن الاسم التجاري عنوان على السر الذي تمتاز بها به بضاعة ما، إذ يعطيها ذلك مزيدًا من القيمة ويضمن مزيدًا من الإقبال عليها والرغبة فيها. فهو في الحقيقة كناية عن منفعة مالية متقومة، داخلة تحت سلطان المعاوضة وخاضعة لقانون الاختصاص.
стр. 6900
المسألة الثالثة: هل يدخل إذن هذا الحق في دائرة الممتلكات بحيث تسري عليه أحكامها؟
إذا كان تعريف الملك: " الاختصاص الذي يسوغ صاحبه حق التصرف إلا لمانع" كما سبق أن أوضحنا، فلا شك أنه ينطبق على حق الاسم التجاري.
فقد علمنا أنه اختصاص حاجز ... ثم علمنا أنه تعبير عن ثمرة جهد فكري ونشاط حركي، يتمثل في صنعة مبتكرة أو درجة ممتازة من الإتقان ثم علمنا أنها ثمرة مالية متقومة، هو وليها، وهو صاحب الاختصاص فيها ونظرًا إلى أنها منفصلة عن كيانه الإنساني متمثلة في قيمة متداولة، فله عليها سلطان التصرف عن طريق السلعة التي تلبس بها هذا الحق وتمثل فيها معنى الابتكار أو الإتقان وهذا هو تحليل معنى الملك وواقعه.
وينبغي أن نعيد هنا إلى الذهن الفرق بين الحق في هذه المسألة وهو أمر معنوي نعبر عنه بالإتقان أو الابتكار وبين جوهر السلعة ذاتها التي هي مظهر لذلك الحق.
إننا إذ نقرر أن هذا الحق مالي متقرر، وأنه بذلك داخل في الممتلكات، فإنا لا نعني بالممتلكات هنا السلعة ذاتها، فإن امتلاك صاحبها لها أمر بدهي ليس محل بحث. وإنما نعني بالمملوك هنا هذه الصفحة المعنوية التي نسميها الابتكار أو الإتقان.
صحيح أن حق التصرف إنما ينصب على العين المادية،ولكن سبب ذلك أن المنفعة التي هي الأساس وهي مصدر التقوم والتمويل لا يمكن أن تقوم بنفسها ومن ثم فلا يمكن استيفاؤها، إلا عن طريق العين القائمة بها ومن هنا كان لا بد من حيازتها عند امتلاك منفعتها (١) .
فمن هنا، نقول: إن التاجر يملك العين بالحيازة أو الصنعة. ثم يملك المنفعة المالية الإضافية التي نتكلم عنها بما بذله من جهد الإتقان أو الابتكار. وكل منهما مستقل – في الاعتبار – عن الآخر.
стр. 6901
المسألة الرابعة – هل ثمة ما يمنع من شراء الاسم التجاري من صاحبه؟
وهذه المسألة هي لب هذا الموضوع الثاني ومحوره. وقبل أن نجيب عنها ينبغي أن نعود إلى تحرير المعنى المراد، فنقول:
لقد تبين مما قلناه في المسائل السابقة أن الاسم التجاري كناية عما يفترض اتصاف السلعة به من مزايا الجودة والإتقان التي قد لا توجد في أمثالها. وعلى هذا فالمراد بشراء الاسم التجاري شراء هذه المزايا مجسدة ومحددة في مظهر ذلك الشعار الدال عليه، بحيث تتحول هذه المزايا فتصبح من صفات بضاعة التاجر المشتري، ولولا هذا الهدف لما كان لهذا التبايع أي معني.
فهل يصح هذا العقد؟
هناك طريقتان يعرفهما التجار لعملية شراء الاسم التجاري.
الطريقة الأولى: تتم في الغالب بين شركة عربية وأخرى أجنبية، تشتري الأولى من الثانية الاسم التجاري لبضاعة ما. ويتضمن عقد الشراء هذا، تكفل الطرف البائع بتقديم خبراء ومهندسين في تصنيع البضاعة المعروفة بذلك الاسم والكشف عن مصدر المزايا التي فيها، حيث يقوم هؤلاء الخبراء بدور التدريب والإرشاد، لتصنيع البضاعة على مستوى الجودة والمزايا التي ارتبطت مع الزمن بذلك الشعار أو الاسم. كما يلتزم الطرف البائع الاستمرار في التدريبات والقيام بالتجارب العلمية، ريثما تترسخ لدى الطرف المشتري عوامل الإتقان ذاتها.
إن عملية الشراء في هذه الحالة، إنما تنصب في الحقيقة على نقل الخبرة وشرائها، وإنما يدخل الاسم الجاري في الصفقة تباعًا. فمن الطبيعي لمن يشتري خبرة في صناعة سلعة ما أن ينال معها أطرها ومظاهرها المادية، وفي مقدمتها شعارها العالمي المسجل. ولست أرى أي إشكال في مثل هذا العقد، فهو عقد سائغ صحيح، سواء صيغ صياغة بيع وشراء أو صياغة جعالة أو استئجار.
أما صيغة الشراء، فلما علمنا من أن حق التاجر في الاسم التجاري ظل لحقه في الخبرة المنفصلة عن ذاته وكيانه والمتجلية في العين المادية المتقومة، وهو حق مالي خاضع للتصرف به والاعتياض عنه، وإنما سبيل نقل هذا الحق واستيفائه نقل الخبرة بالتعليم والتدريب مقابل ثمن يتفق عليه، وإنما ينتقل الاسم التجاري تبعًا لانتقال الخبرة، نظرًا لما هو قائم بينهما من التلازم المستمر. ثم إن هذا الاسم التجاري، شأنه كشأن الكتاب، ليس إلا وعاء لتحصين تلك الخبرة وحصرها لمستحقها الجديد.
стр. 6902
وأما صيغة الاستئجار فالشأن فيه كأي عقد استئجار على التعليم من العلوم الدينية أو الدنيوية، بأجر معين. وإنما يملك المتعلم الصنعة التي تعلمها تحت سلطان هذا الاستئجار الشرعي.
أما نقل الاسم التجاري في هذه الحالة، فينبغي أن يكون خاضعًا للاتفاق الذي يتم بين الطرفين إذ الاستئجار عقد على منفعة لا على عين، والمنفعة هنا يمكن انفكاكها عن العين، إذ هي لا تعدو أن تكون تعليمًا أو تدريبًا على عمل. ولكن إذا تم الاتفاق على تنازل صاحب الحق عن الاسم التجاري للطرف الآخر، ضمن عقد الاستئجار أو ضمن اتفاق مستقل، فلا أرى ما يمنع من ذلك.
الطريقة الثانية: ما يجري عادة بين بعض التجار أو الشركات التجارية، من شراء الاسم التجارية للسلعة دون أي التزام من البائع بتقديم خبرة أو الكشف عن أسرار الصنعة. وإنما يكون هذا الشراء تنازل البائع عن الاسم الذي كان مسجلًا لسلعته والذي كان من حقه هو، بحيث يتمكن المشتري من جعله شعارًا لسلعته المشابهة، وتكون الفائدة المرجوة للمشتري من ذلك رواج سلعة تحت هذا الاسم، إذ كان الاسم التجاري الذي اشتراه ذا شهرة وثقة في الوسط التجاري أو لدى عامة الناس. فما حكم هذا العقد؟
من الثابت يقينًا أن هذا الشراء لا يتحقق له أي مضمون. ذلك لأن المزايا التي عرفت بها السلعة والتي هي المضمون المراد من الشعار الجاري، ستظل ثابتة للسلعة الأصلية ذاتها، وستظل وثيقة الارتباط بها، مهما انفصل عنها اسمها أو شعارها التجاري ليلتصق بسلعة أخرى مشابهة. إذ إن هذه المزايا إنما هي ثمرة جهود صاحبها ونشاطه الفكري أو الصناعي الممتاز، فهي متعلقة به من حيث الجهد، متجلية في صناعته من حيث الصورة والمظهر. وهيهات أن تنفك هذه العلاقة عنه وعنها مهما باع أو تصرف في رمزها التجاري.
كل ما يمكن أن يحدثه نقل هذا الرمز التجاري من تاجر إلى آخر، بعقد كهذا، هو التغرير والتدليس! ... أي إن هذا العقد منطو على غرر بالغ فيما يتعلق بالصلة بين المشتري والبائع، ومنطو على التدليس والخداع فيما يتعلق بالصلة ما بين المشتري وعامة الناس الذين سيتحولون إليه، بحثًا عن الجودة التي آل إليه شعارها.
والقاسم المشترك في التعريفات المتعددة والمتنوعة للغرر أنه كل عقد لا يوثق بحصول العوض فيه (١) وتعبير آخر: هو ما شك في حصول أحد عوضيه أو المقصود منه غالبًا (٢) ، وهو منطبق على موضوع بحثنا هذا بهذه الطريقة الثانية كما ترى.
والمعروف أن مرد الغرر إلى الجهالة بأحد طرفي العقد: الثمن أو المثمن. والجهالة تتفاوت في درجات كثيرة حصرها الإمام القرافي في سبع درجات. ومن المتفق عليه أن أفحشها وأخطرها ما يسمى بالغرر في الوجود والغرر في الحصول. وأشدهما الغرر في الوجود. ويمثلون له بالبعير الشارد الذي يشك في وجوده، ويليه الغرر في الحصول، ويمثلون له ببيع الطير في الهواء والسمك في الماء، أي في الماء غير المحصور في الأحواض ونحوها.
ولا نعلم خلافًا في بطلان العقد المنطوي على أي من هذين الغررين (٣) .
стр. 6903
ومن الثابت يقينًا أن شراء الاسم التجاري على هذه الطريقة الثانية، إن خلا من الغرر في الوجود فإنه لا يخلو من الغرر في الحصول. بل إن احتمال عدم الحصول هنا أقوى بكثير من احتمال الحصول. إذا من الواضح هنا لكل من المتعاقدين أن الذي سيناله المشتري هو الشعار والاسم المجرد. أما الجودة التي تكونت منها قيمة ذلك الشعار، فهي باقية في تضاعيف جهود البائع وخبرته، هذا إن استمر في إنتاج تلك السلعة، وهي منتهية وآيلة إلى زوال إن توقف صاحبها عن مواصلة العمل والانتاج. ومن ثم فإن الغرر هنا أقرب إلى الغرر الوجودي منه إلى الغرر الحصولي.
ولا وجه للقول بأن الحق المتعلق بالاسم التجاري، حق مستقل بذاته وأنه من الحقوق المجردة، كحق الشورى والوظيفة والمنصب والولاية، وأن العرف قد جرى بالتنازل عنه على عوض، فأصبح كالتنازل بعوض عن الوظائف والمناصب المستحقة، وهو شيء أجازه وسوغه كثير من الفقهاء، ومنهم متأخرو الأحناف (١) .
نقول: لا وجه لهذا القول، لأن الاسم التجاري لا وجود له، أو لا معنى لوجوده بمعزل عن الشهرة التي اكتسبتها السلعة المقرونة به. وإنما نالت السلعة الشهرة بالجودة والإتقان، فغدا شعارها من طول الاقتران بها بمثابة الظل الملازم لها والمعبر عنها. فهو إذن ليس حقًا مجردًا، بل هو حق مالي متقرر، ولكنه يتمثل في القيمة التي تقابل الجودة أو تقابل حق الابتكار.
ونحن هنا لا نسقط عن الاعتبار احتمال أن تكون الجودة وهمية نسجتها في الأذهان الدعاية المجردة ومن ثم تكون قيمتها أيضًا وهمية مجردة ... ولكنا لسنا مخولين هنا أن نبني الأحكام الفقهية على ظنون سيئة قائمة على احتمالات خفية من هذا القبيل. بل القاعدة الفقهية العامة تلزمنا ببناء الأحكام على الظواهر، مع إحالة البواطن إلى الله .
إذن، فإن بوسعنا أن ننتهي إلى شراء الاسم التجاري المتمثل فيما يسمى اليوم " الماركة المسجلة" بهذه الطريقة الثانية التي أوضحناها، عقد باطل، لا يوجد أي وجه لصحته، بسبب أنه مغرق في الغرر بأنواعه.
هذا إلى جانب أنه ذريعة جلية وغالبة إلى التلبيس والخداع في المعاوضات الجارية. فإن التاجر الواثق من جودة بضاعته أغني ما يكون عن أن يغطيها بشعار ينسج لها الشهرة من جهود غيره ولولا أن بضاعته يعوزها البرهان على الجودة والإتقان، لما سعى إلى القفز بها على صعيد الشهرة، اعتمادًا على مثل هذا الشعار.
والذرائع التي يغلب أن يتسبب عنا الضرر بالصالح العام أو المعارض لحكم شرعي ثابت، محل اتفاق من الفقهاء وعلماء الأصول على حرمتها ووجوب سدها (٢) .
стр. 6904
الاسم التجاري بمعنى اللقب المعلن على المحل التجاري:
بقي أن نتكلم على اللقب الذي يطلق على محل تجاري، أيجوز شراؤه، وهل يكون هو الآخر مناط حق لمالك المحل؟
ومن المعلوم أن عوامل شهرة متجر ما كثيرًا ما تتمركز في الاسم المعروف لمحله، بحيث يستقل هذا الاسم في كثير من الأحيان بجذب المستهلكين، ويحملهم على تقديم الثقة المطلقة بصاحبه.
ومما لا ريب فيه أن هذا الاسم يشكل بذلك حقًا ماليًا لصاحبه، فله أن يستأثر به من دون الناس لا من حيث إن التاجر سبق الآخرين في اختيار هذا الاسم، فكان له أولوية السبق إليه والاختصاص به، كما قد فهمه بعض الباحثين، ذلك لأنه لا تزاحم في اختيار اسم واحد لأكثر من مسمى. بل من الممكن أن يستوعب الاسم الواحد مسميات شتى، بخلاف السبق إلى الأماكن وإحراز الأموال المباحة، فإن التزاحم فيها قائم، والحل أن يستقر الحق للسابق.
وإنما تتكون علاقة الاختصاص بين اللقب التجاري للمحل وبين صاحبه، من الدلالة التي يحملها ذلك اللقب على ما يمتاز به ذلك المحل من خصائص ومزايا يفترض أنها قد لا توجد في غيره.
إذ من الواضح أن أي شهرة تجارية ينالها محل تجاري ما، إنما تنصب وتتمركز في اسم ذلك المحل ومن هنا تنشأ شرعية اختصاص الاسم به أو بصاحبه بتعبير أصح.
ومن ثم يدخل استلاب هذا الاسم في معنى الغصب والعدوان، ذلك لأن الاستلاب لم يكن في الحقيقة لاسم مجرد يحمل دلالة لغوية على معنى ... وإنما هو استلاب لرصيد شهرة يفترض أنها تكونت من مجموعة مزايا وصفات تجارية حميدة لصاحب المحل، وحملت في داخلها من جراء ذلك بذور نفع مادي لصاحب ذلك الرصيد. فهو في الحقيقة عدوان على الوعاء الذي حوى بذور نفع مادي مستمر لا على اسم من حيث هو اسم ذو دلالة لغوية مجردة.
وهذا يعني أن الحق الكامن في لقب المحل التجاري حق مالي متقرر، يتعلق بمنفعة مالية متقومة. والشأن فيه كالشأن في المنفعة المالية الثابتة في الاسم التجاري للبضاعة، طبقًا لما أوضحناه.
ولكن هل يصح شراء اللقب المعلن على المحل التجاري؟
يرد في الجواب عن هذا السؤال الكلام ذاته الذي قلناه في شراء الاسم التجاري للبضاعة فهو شراء لما لا سبيل للحصول عليه. ومن ثم فهو عقد يتضمن غررًا وجوديًا أو حصوليًا. وقد أوضحنا أن مثل هذا العقد باطل بالاتفاق. هذا عدا أنه يستلزم انتشار الغرر والتلبيس على عامة الناس من المتسهلكين، إذ يخدعهم العنوان قبل أن يفاجأوا بأنه عنوان قديم ولكن على بضاعة وصناعة أخرى حديثة.
стр. 6905
ولا بد أن نلفت النظر إلى أن موضوع البحث محصور فيما درج عليه عرف كثير من التجار المحدثين الذين لم تتحقق لهم شهرة كافية، من الإقدام على شراء أسماء ذائعة لمحال تجارية مشهورة، كي يغطوا أنفسهم تحتها؛ ومعنى هذا أن اللقب الذي يتم شراؤه يبقى كما هو دون أي تعديل أو تقييد أو بيان لصاحب المحل الجديد؛ ذلك لأن أي تعديل فيه يذهب بجدوى عملية الشراء كلها.
إن من الواضح أن شراء هذا اللقب على هذا النحو ينطوي على غرر وتدليس واضحين. ومن ثم فإن القواعد الفقهية تقتضي بطلان هذا العقد.
ولكن ينبغي أن يقال إن عملية الشراء هذه تصبح نافذة، فيما إذا أمكن أن تكون تعبيرًا عن عملية نقل للخبرة والمزايا التجارية إلى المحل الجديد أو الإدارة الجدية، إن العقد عندئذ يصبح نافذًا دون أن يكون ثمة ما يمنع من صحته، سواء كان التكييف الفقهي لذلك شراء للخبرة والمزايا الخاصة، أو استئجارًا على عملية تدريب وتعليم.
ويتحصل مما قلناه أن لقب المحل التجاري، عندما لا يكون أكثر من عنوان تقليدي على المحل للدلالة عليه، أي لم يتحول بعد إلى وعاء يحمل مزاياه وشهرته، فإنه لا يشكل عندئذ أي حق لصاحب المحل لا حقًا ماليًا متقررًا ولا حقًا شخصيًا مجردًا. وقد علمنا أن اختيار اسم ما لشيء، لا يجري فيه تزاحم ولا تنطبق عليه قاعدة؛ من سبق إلى مباح فهو أحق به.
وبناء على ذلك فإن لمن شاء أن يختار أي اسم رآه لمحل تجاري اسمًا لمحله هو أيضًا، أو اسمًا لأي شيء في حوزته، ما دام أنه لم يتحول إلى وعاء شهرة، ولم يصبح دالًا على مزايا وصفات معينة قد يختص بها ذلك المحل وحده.
ولكن الأمر يختلف عندما تتجسد شهرة المحل بسبب مزاياه التي اختص بها، في الاسم الذي عرف به. إذا يغدو أخذ هذا الاسم عندئذ مضارة واضحة لا يقرها العدل، ومن ثم لا يقرها الشرع.
وشراء هذا الاسم صحيح، إذا تحقق فيه شرط الإقباض، ولما كان محط العقد في حقيقته على مصدر الشهرة الذي هو الجودة والإتقان لا على مجرد لوحة كتب عليها اسم، فإن عملية الإقباض يجب أن تتجه إلى هذه الجودة وأسرارها، لا إلى عنوانها الكلامي المجرد.
فإن لم يتحقق هذا الإقباض فالعقد غرر وتلبيس، غرر بين المتبايعين، وتلبيس على الناس والمستهلكين، فهو لذلك عقد باطل.
والله تعالى أعلم بالصواب،والحمد لله رب العالمين.
الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
стр. 6906
بيع الأصل التجاري وحكمه
في الشريعة الإسلامية
إعداد
الشيخ مصطفى كمال التارزي
أستاذ بالجامعة الزيتونية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الأصل التجاري: هو مجموع أموال مادية ومعنوية تخصص لمزاولة مهنة تجارية (١) وهو المعروف عند رجال القانون في مصر بالمحل التجاري (٢) .
أما الملكية التجارية: فهي ما للتاجر من حق المحل التجاري (٣) وهي الاستقرار بالمحل التجاري بعد انتهاء المدة وحماية حقوق التاجر المادية والمعنوية التي تقررت له عليه.
فبعد أن كان حق الملكية مقتصرًا على الأشياء المادية امتد إلى الأشياء المعنوية واعتبر القانون الوضعي أن لكل إنسان حق التصرف في نتاج عمله وحمايته مهما كان نوع العمل وانبثق عن هذا المبدأ حق الملكية الأدبية لحماية الإنتاج الذهني وحق الملكية الفنية لحماية الإنتاج الفني وحق الملكية الصناعية لحماية الاهتراء وحق الملكية التجارية لحماية مجهود التاجر في تكوين الحرفاء والسمعة التجارية وترويج التجارة (٤) .
وفكرة الملكية التجارية والمحل التجاري بمفهوميهما الجديدين فكرة أقرتها القوانين الأوروبية في القرن التاسع عشر وتبنتها في هذا القرن بعض الدول الإسلامية في قوانينها التجارية، فقد أقرها التشريع التونسي مثلًا في أكتوبر ١٩٢٦م (٥) ، كما أقرها التشريع المصري سنة ١٩٤٠م (٦) .
стр. 6907
أنواع الملكية:
والملك في الفقه الإسلامي ينقسم حسب وروده على العين أو المنفعة إلى أنواع:
١- ملك عين ومنفعة: وهي الأملاك الواردة على الأعيان.
٢- ملك عين بدون منفعة: كالوصية بالرقبة لجهة وبالمنفعة لأخرى.
٣- ملك منفعة بدون عين: وهو على نوعين: ملك مؤبد كالوصية بالمنافع: وملك غير مؤبد ومنه الإجارة (١) .
كما ذكر الفقهاء أن من خصائص الملك: أن العين لا تقبل التوقيت أما ملكية المنفعة فالأصل فيها التوقيت ومثلوا لها بالإجارة والإعارة (٢) .
واعتبر الفقهاء الإجارة من أسباب الملك الناقص، لأن المستأجر مالك لمنفعة العين الموجودة خلال مدة الإجارة فقط، ولهذا اقتضت القواعد العامة الضابطة للإجارة أن هذا العقد ينتهي بمجرد انتهاء المدة المشروطة بين المتعاقدين، وعلى المستأجر أن يتخلى عن العين المؤجرة لانقضاء حقه فيها ولا حق له في البقاء في المحل إلا بعقد جديد وهو نتيجة لحق المالك في العقار وتطبيق للشروط التي تضمنها عقد الإجارة.
ولكن ظروفًا خاصة وأسبابًا جديدة قد طرأت في بعض المجتمعات وبخاصة في المدن الكبرى استوجبت إدخال بعض التعديلات في القواعد العامة وإصدار أحكام جديدة مناسبة لها وأمكن بها ضمان حقوق الطرفين المؤجر والمستأجر.
أهم الأسباب الطارئة:
١- تزايد عدد السكان وبروز ظاهرة النزوح إلى المدن.
٢- توفير مواطن الشغل فيها أكثر من غيرها.
٣- تخلف حركة البناء فيها عن تلبية الطلب المتزايد على المحلات التجارية.
٤- اشتداد المنافسة في اقتناء المحلات.
٥- ارتفاع أسعار الكراء أضعافًا مضاعفة.
٦- بروز فكرة أصحاب اكتساح القوي للضعيف.
٧- تردد أصحاب الأملاك في التزاماتهم للمستأجرين بالمدد التي يرغبون فيها.
٨- خوف المستأجرين من ضياع حقوقهم أمام تكالب الراغبين في محلات تجاراتهم وتقديم عروض مشطة في ذلك (٣) .
الأصل التجاري:
زد على ذلك أن مفهوم الملكية الذي كان مقصورا على الأشياء المادية والذي امتد في هذا الزمان إلى الأشياء المعنوية وظهر به حق الملكية الصناعية والأدبية والفنية والتجارية قد اكتسب به المستأجر الذي كان لا يملك إلا حق الانتفاع بمقتضى عقد الإيجار حقا جديدا بموجب الملكية التجارية، وهو مسمى الأصل التجاري أو المحل التجاري أقرته القوانين التجارية المصرية وفتاوى شرعية كثيرة من جهات متعددة من العالم الإسلامي، وهذا الحق يمكنه من البقاء في متجره رغم إرادة المالك، بل مكنه كذلك من التصرف في هذا الحق وبيعه.
стр. 6908
عناصر الأصل التجاري:
الأصل التجاري يتكون من جملة عناصر مادية ومعنوية:
فالعناصر المادية هي:
١- البضائع: وهي المنقولات المعدة للبيع سواء كانت مصنوعة أو مواد أولية معدة للتصنيع.
٢- المعدات أو المهمات: وهي المنقولات التي تستعمل في استغلال المحل من الآلات التي تستعمل في صنع المنتجات وإصلاحها وسيارات النقل والمكاتب والمقاعد والخزائن والآلات الكاتبة.
أما العناصر المعنوية فهي:
١- الاتصال بالحرفاء: وهم مجموع الأشخاص الذين يعتادون التعامل مع التاجر ومستوى العملاء (الحرفاء) وعددهم وهو يمثل جانبًا كبيرًا من قيمته، إذ كثرة الحرفاء ناتجة غالبًا عن جهد يبذله المستأجر في حسن المعاملة، وتفهم حاجة الحرفاء.
٢- السمعة التجارية: اشتهار المحل بجودة منتجاته مما يسكبه شهرة بين الجمهور.
٣- الاسم التجاري / هذا الاسم الذي يستخدمه التاجر فردًا كان أو شركة في مزاولة تجارته لتمييز محله التجاري من نظائره فالأمر يقتضي إحاطته بضمانات تكفل حمايته ومنع الغير من استعماله منعًا من وقوع الالتباس الذي ينتج عنه تذليل الجمهور والإضرار بسمعة التاجر.
٤- العنوان الجاري: وهو رمز يختاره التاجر كشعر خارجي لتمييز المنتجات فيه تجارته.
٥- الحق في الإجارة: في الحالات التي يكون فيها التاجر مستأجرا للمحل الذي يزاول فيه تجارته.
٦- حق الملكية الصناعية: وهو ما يهم براءات الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية والعلامات التجارية والاسم التجاري.
٧- الرخص والإجازات: ما تصدره الإدارة العامة من حق استغلال مقهى أو مشروب أو تبغ: وتعد هذه الرخص والإجازات عنصرًا من عناصر المحل التجاري (١) .
وهذه هي جملة العناصر المكونة للأصل التجاري عادة ولكن العناصر الأساسية للمحل التجاري لا يتعين أن تكون جميعها، فالعنوان التجاري والاسم التجاري والحق في الإجارة والاتصال بالعملاء (الحرفاء) والسمعة التجارية قد تكفي لتكوين محل تجارى على أنه من النادر أن تجتمع هذه العناصر كلها في محل تجاري معين، فأهمية هذه العناصر تختلف باختلاف طبيعة الاستغلال فقد تعد الحقوق الفنية في مؤسسة نشر هي العنصر الهام في الأصل التجاري، كما يكون المهم في مشروع صناعي هي المهمات والآلات (٢) .
وأهم هذه العناصر في الاعتبار هي الحق في العملاء (الحرفاء) والسمعة التجارية، لأن المحل التجاري لا يمكن أن يكون قابلًا للحياة بدون اتصال بالعملاء أو سمعة تجارية.
وعلى كل فلا أستطيع أن أبين كل التفاصيل الواردة في هذا الموضوع إذ أفردت له تأليف متعددة تدرس في كليات الحقوق والتجارة من الجهة القانونية ولكن أردت أن أبرز الجوانب التي يتكون منها الأصل التجاري في العصر الحديث حتى يتضح للجميع ما هو المراد بالأصل التجاري الذي قصدنا أن نبين حكمه من الوجهة الفقهية الشرعية.
стр. 6909
الإجارة في الشريعة الإسلامية:
إن القاعدة العامة الضابطة للإجارة في الشريعة لا تحتلف عن مفهوم الإجارة العام الذي يقتضي بأن ينتهي العقد بانتهاء المدة المشروطة بين المتعاقدين، وعلى المستأجر أن يتخل عن العين المؤجرة لانقضاء حقه فيها ولا حق له في البقاء في المحل إلا بعقد جديد.
ولأجل ذلك فلا يجوز للمستأجر بعد انتهاء المدة أن يتصرف في العقار بأي وجه من الوجوه وما يأخذه من مال بعقد أو بغيره لا يحل له شرعًا.
أما ما يأخذه المستأجر مقابل تنازله عن اختصاصه بمنفعة العقار المؤجر لشخص آخر يحل محله قبل انتهاء المدة فهو جائز شرعًا؛ لأنه في حقيقته بيع للمدة الباقية من المنفعة المستحقة بعقد الإجارة وقد أجاز هذا البيع الشيخ عليش في فتواه حيث إنه قال:
الذي يدور عليه الجواب في ذلك أن الساكن الذي أخذ الخلو إن كان يملك منفعة الحانوت مدة فأسكنها غيره وأخذ على ذلك مالًا، فإن كان الآخذ بيده إجارة صحيحة من الناظر أو الوكيل بشروطها فهو سائغ له الأخذ على تلك المنفعة التي يملكها (١) ، والعين ليست مملوكة بالإجارة كالمبيع لأن المعقود عليه هو المنفعة وبه قال مالك وأبو حنيفة (٢) .
أما إذا أراد المستأجر الاستقرار بالمحل فله أمران؛ إما أن يجدد عقد الإجارة عند انتهاء المدة، وإما أن يدفع للمالك أو ناظر الوقف عوضًا معجلًا ويلتزم له بمقدار كراء سنوي أو شهري مقابل استمراره بالمحل ويتصرف بعد ذلك في منفعته بشتى وجوه التصرف من كراء وهبة وإعارة، ونحو ذلك فلا يبقى لصاحب الحانوت أو الدار من منفعتهما إلا بمقدار ذلك الكراء السنوي أو الشهري وما زاد على ذلك فهو ملك لدافع العوض فيكون المستأجر قد اشترى حق الاستمرار في المحل من المالك، وهو مسمى بيع الخلو عند من أجاز هذا النوع من البيع، ومن أنواع الخلو الذي يثبت فيه للمستأجر حق الاستمرار.
خلو المفتاح بتونس: وهو المعروف بمصر بخلو الحوانيت وهو عبارة عن أن يتسلم الإنسان من مالك أو ناظر وقف عقارًا على أن يدفع له مقدارًا من المال معجلًا، ويكون ما صرفه خلوا له ويلتزم به بقدر من الكراء سنوي أو شهري ويتصرف به بعد ذلك في منفعته بشتى وجوه التصرف من كراء وهبة وإعارة، لأنه أصبح شريكًا لصاحب الرقبة في المنفعة ويبقى لصاحب الحانوت الكراء السنوي أو الشهري، وما زاد فهو مالك لدافع العوض ويجري العرف باستحقاق المستأجر حق القرار أبدًا ولو لم ينص في العقد على المدة وهذا جاز به العرف في بعض البلدان الإسلامية كتونس ومصر والمغرب الأقصى.
стр. 6910
وهذا النوع من التعامل أقره متأخرو المالكية وأفتى به الشيخ ناصر الدين اللقاني على مانقله الشيخ عليش في فتاويه ونصها: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ﵃ أجمعين في خلوات الحوانيت التي صارت عرفًا بين الناس في هذه البلدة وغيرها، وبذل الناس في ذلك مالًا كثيرًا حتى وصل الحانوت في بعض الأسواق أربعمائة دينار ذهبًا، فهل إذا مات شخص وعليه دين ولم يخلف ما يفي بدينه يوفى ذلك من خلو حانوته؟ فأجاب: " نعم، إذا مات شخص وله وارث شرعي يستحق خلو حانوته عملًا بما عليه الناس. وإذا مات من لا وارث له يستحق ذلك بيت المال، وإذا مات شخص وعليه دين ولم يخلف ما يفي بدينه، فإنه يوفى من خلو حانوته والله سبحانه أعلم بذلك " (١) ، ولم تكن إباحة حق الخلو خاصة بالمذهب المالكي، فقد قال الحموي في شرح الأشباه والنظائر: " وقد اشتهرت نسبة مسألة الخلو إلى مذهب عالم المدينة مالك بن أنس والحال أنه ليس فيها نص عنه ولا عن أحد من أصحابه حتى قال البدر العراقي: إنه لم يقع في كلام الفقهاء التعرض لمسألة الخلو فيما أعلم، وإنما فيها فتيا للعلامة ناصر الدين اللقاني المالكي بناها على العرف وخرجها عليه وهو من أهل التخريج فيعتبر تخريجه وإن نوزع فيه وقد اشتهرت فتياه في المشارق والمغارب وتلقاها علماء عصر بالقبول وهبت عليها نسميات الصبا والقبول " (٢) .
ويقول الشيخ ابن عابدين: نقلًا من فتاوى العلامة عبد الرحمن العبادي " ولكن لا ينبغي أن يفتى باعتبار العرف مطلقًا خوفًا من أن ينفتح باب القياس عليه في كثير من المنكرات والبدع، نعم يفتى به فيما دعت إليه الحاجة وجرت به في المدد المديدة العادة وتعارفه الأعيان بلا نكير كالخلو المتعارف في الحوانيت، وهو أن يجعل الواقف أو المتولي أو المالك على الحانوت قدرًا معينًا يؤخذ من الساكن ويعطيه به تمسكًا شرعيًا، فلا يملك صاحب الحانوت بعد ذلك إخراج الساكن الذي ثبت له الخلو ولا إجارتها لغيره مالم يدفع له المبلغ المرقوم فيفتى بجواز ذلك قياسًا على بيع الوفاء الذي تعارفه المتأخرون احتيالًا عن الربا "، ثم قال: " في مجموع النوازل: اتفق مشايخنا في هذا الزمان على صحته بيعًا لاضطرار الناس إلى ذلك، ومن القواعد الكلية: إذا ضاق الأمر اتسع حكمه فيندرج تحتها أمثال ذلك مما دعت إليه الضرورة " (٣) .
وموضوع الأصل التجاري أو المحل الجاري الذي هو موضوع بحثنا وصدرت فيه قوانين وضعية ضبطت عناصره وحدوده ليس بالموضوع الجديد على المجتمعات الإسلامية لأنه موضوع بحث كذلك عند علماء الفقه بحثًا مستفيضًا بغير هذه المصطلحات الجديدة.
فالقانون الوضعي أمام رغبة مالك العقار الذي يطالب بحرية التصرف والانتفاع بعقاره حسب البنود التي وقع الاتفاق عليها في العقد الذي يوجب انتهاء تصرف المستأجر بانتهاء المدة وبموجب ذلك فلا حق له في البقاء في المحل في أي حال من الأحوال.
وبين رغبة المستأجر الذي استكملت عنده عناصر الأصل التجاري الأصلية المادية والمعنوية والذي يدعي أن إخراجه من المحل عند انتهاء المدة يلحق به ضررًا فادحًا لأن المحل الذي استأجره جهزه تجهيزًا يتناسب مع سمعته وطاقة استيعابه وهذا التجهيز لا يصلح لغير هذا المحل وأنه من ناحية أخرى أكسب المحل شيئًا جديدًا له قيمة تجارية معتبرة تفوت بفوات هذا المحل، وهي السمعة التجارية والاسم التجاري والملكية الصناعية والرخص والإجازات وأن خروجه يضيع عليه كل هذه الحقوق التي اكستبها بعد جهود وأتعاب ونفقات باهظة زيادة على ما يعتبره رجال القانون التجاري من أن استقرار التاجر في عمله ضمان لحلقات النمو التجاري في البلاد وأن إخراجه تفويت لهذه المصلحة العامة.
стр. 6911
وأمام هذا النزاع القديم بين الملكية العقارية والملكية التجارية حاول القانون الوضعي إيجاد حلول وسط تضمن التوازن وعدم الإجحاف بأي جانب حتى يتحقق التعايش والتكافل بين كل القطاعات، فقد مكن من جهة المستأجر من الاستقرار في المحل ضمانًا لبقاء الأصل التجاري واكتمال حقه في الملكية التجارية (١) .
ومكن المالك من جهة أخرى من عقاره بعد تعويض الخسائر كافة التي تنجر للمستأجر من إنهاء العقد وهو إخلاء العقار ويسمى هذا عندهم بغرامة الحرمان تفاديًا من إجبار المالك على قبول الإجارة المؤبدة رغم إرادته إذا تحقق الأصل التجاري للمستأجر لأن البقاء يتعارض مع حق الملكية العقارية الذي يفرض عليه قيدًا لا يتحمله.
وإذا امتنع المالك من دفع الغرامة مكن المستأجر من الاستمرار في المحل كما مكن من بيع الأصل التجاري.
والواقع أنه ليس في هذا القانون الوضعي الجديد شيء زائد عما هو معروف عند بعض فقهاء الشريعة الإسلامية سوى غرامة الحرمان، وإلا فإن مسألة استمرارية المستأجر في المحل بدون عوض وبدون إذن المالك بحثت بحثًا مستفيضًا في كتب الفقه وصدرت فيها فتاوى بالجواز من بعض العلماء.
واصطلح أهل المغرب على تسمية هذا النوع من العقود التي تثبت للمستأجر حق التبقية (الجلسة) وهي عقد كراء على شرك متعارف " والشرط هو التبقية وهي كراء الجلوس والإقامة بدكانه على الدوام والاستمرار ويوضح الشيح التماق (٢) المصلحة في إجازة الجلسة في كتابه إزالة الدلسة عن وجه الجلسة: بأن العقد في مصلحة الوقف حتى يعمر في وقت الرواج والكساد فيستفيد الواقف ويطمئن المكتري على نفسه ولا يتعرض للخروج إن غلا السوق وارتفعت الأكرية حتى أصبحت الحوانيت لا تعرف إلا بإضافتها إلى معمرها وتصير له يد فيها يقدم بها على غيره فإذا بدا له الخروج منها تخلى عنها لغيره وأخذ منه بدلًا على ذلك وليس لصاحب المحل إلا الكراء أو أجر المثل.
стр. 6912
أما أهل تونس فقد اصطلحوا على تسمية هذا النوع من العقود المؤبدة بالنصبة أو الراغلة أو العدة، ويذكر الشيخ محمد السنوسي في كتابه مطلع الدراري (١) سبب نشوء خلو النصبة أن " الأصل فيه أن الغرباء الوافدين على البلاد كانوا إذا اكترى أحدهم حانوتًا بغير عمارة وأنفق عليها ما يحتاجه من الخزائن وآلة الصناعة والموازين وأراد المالك أو ناظر الأوقاف إخراجه بعد انقضاء أمد الكراء شكا من خسارة ما استكمل به عمارة المحل، وحيث إن المالكين وناظري الأوقاف لم يجعلوا لحوانيتهم ما يلزم للصناعة المعد لها الحانوت مع كونهم أكروه لإقامة تلك الصنائع وتحمل المكترون وحدهم مصاريف ذلك وقع الحكم بأن المكتري إذا كان على تلك الصفة ووضع ما يلزم من العمارة بإذن المالك فلا يصح إخراجه إلا أن يقبل المالك تلك الموضوعات بدون خسارة وإلا فيبقى المكتري بكرائه متمتعًا بخلوه.
ولما عجز المالكون عن تعويض مصاريف الموضوعات اضطروا لإيفائهم فتصرف المكترون بأنفسهم وأكروا لغيرهم وباعوا مكانهم على أن لا يأخذ المالك إلا مقدار الكراء وما زاد عليه يبقى لمستأجر العمارة " (٢) .
وما قيل في النصبة يقال في الكدك وهو ما يزيده المستأجر في الحوانيت بماله سواء كان مثبتًا كالبناء أو غير مثبت كالرفوف وآلات الصناعة، ويقال كذلك في الكردار وهي الزيادة في المزارع كالسواقي والقناطر والمباني التي للزارع وحكم كل من الكدك والكردار أنهما مملوكان لصاحبهما أي المستأجر ويثبتان له حق القرار، فلا يجوز انتزاع العين المستأجرة منه وتأجيرها لغيره بعد انتهاء المدة ما دام يدفع أجر المثل، يقول الشيخ التماق في حكم الجلسة في كتابه المتقدم الذكر مصرحًا بإباحته وبأنه ليس في ذلك ما يقتضي المنع والتحريم إذا اعتبر بيع الجلسة من قبيل العرف المصطلح عليه بالمغرب " والأمر إذا اتخذه عرفًا وعادة أهل المروءات والجمهور من الناس لا ينبغي أن يكون حرامًا والعرف في الجلسة من هذا النوع سيما وقد أطبق على هذا العرف أهل العلم والدين من قضاة ومفتين ومدرسين وغيرهم وعلى هذا لم يبق إلا التسليم بجوازها وحليتها " (٣) .
стр. 6913
وقد اعتبر الشيخ الطاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة جواز إبقاء المستأجر من الضرورة العامة المؤقتة " وذلك أن يعرض الأضطرار للأمة أو طائفة عظيمة منها تستدعي الإقدام على الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي، من سلامة الأمة وإبقاء قوتها أو نحو ذلك.. ولا شك أن اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدر من اعتبار الضرورة الخاصة. وأنها تقتضي تغييرًا للأحكام الشرعية المقررة للأحوال التي طرأت عليها تلك الضرورة ".
ومن أمثلة هذه الرخصة الكراء المؤبد الذي جرت فتوى علماء الأندلس كابن سراج وابن منظور في أواخر القرن التاسع في أرض الوقف حين زهد الناس في كرائها للزرع لما تحتاجه الأرض من قوة الخدمة ووفرة المصاريف لطول تبويرها.
وزهدوا في كرائها للغرس والبناء لقصر المدة التي تكترى أرض الوقف لها ولإباية الباني أو الغارس أن يبني أو يغرس، ثم يقلع ما أحدثه في الأرض فأفتى ابن سراج وابن منظور بكرائها على التأبيد ورأيا أن التأبيد لا ضرر فيه لأنها باقية غير زائلة (١) .
ثم تبعهما على ذلك أهل مصر في القرن العاشر بفتوى ناصر الدين اللقاني في أحكام الوقف، وجرى العمل بذلك في المغرب في فاس وتونس في العقد المسمى في تونس بالنصبة والخلو وفي فاس بالجلسة والجزاء.
ومنها فتوى علماء بخارى من الحنفية ببيع الوفاء في الكروم لحاجة غارسيها إلى النفقات عليها قبل إثمارها كل سنة فاحتاجوا إلى اقتراض ما ينفقونه عليها (٢) .
وإذا كانت المصلحة أو الضرورة أو الرخصة هي التي من أجلها مكن المستأجر من التمتع بحق التبقية في الماضي، ومن أجل ذلك صدرت فتاوى في تغليب العرف الخاص على العرف العام وحرمان المالك من التصرف في عقاره بموجب انتهاء مدة العقد، فإن هذه المصلحة أو الضرورة أو الرخصة تبدو أقوى وأظهر في هذا الزمان بعد أن أصبح المستأجر مقيدًا غالبًا في كل الخطوات التي يخطوها بإجراءات معينة كما هو ملزم بالتحصيل على رخصة أو رخص تمكنه من ترويج تجارته أو صنعته والرضوخ إلى إجراءات إدارية قد تكون معقدة وتتطلب مددًا متباينة يبذل في سبيلها جهدًا كبيرًا زيادة عما يبذله من مال لتجهيز المحل التجاري بطريقة فنية وإبرازه بمظهر جذاب يغري الحرفاء وتهيئة كل المعدات اللازمة لضمان تجارة رابحة.
وعلى كل فقوانين الملكية التجارية التونسية وإن استمدت بعض أحكامها من القوانين الوضعية الغربية، فإن جانبًا كبيرًا منها كان يتفق مع مبادئ الشريعة الإسلامية ومقاصدها وأصبحت الملكية التجارية بمفهومها العام تمثل عرفًا خاصًا في تونس وغيرها من البلاد الإسلامية التي وضعت قوانين تجارية ضبطت فيها أصول التعامل في الأصل التجاري، لا سيما وأن ما أثبتته القوانين الجاري بها العمل في تونس أو في بعض بلدان العالم الإسلامي من اعتبار الأصل التجاري موجبًا لاستمرارية التاجر في المحل لا يختلف في موضوعه أو نتيجته عما جرى به العمل في السابق بناء على فتاوى صادرة من علماء أجلاء، وما أقره بعض علماء الإسلام من تمكين المالك في هذه الصورة إذا لم يرض بالأجر المنصوص عليه في العقد هو ما أقره القانون الحديث من تمكين المالك من المطالبة بتعديل حق الكراء إلى أجر المثل، واشترط العلامة بدر الدين القرافي في رسالته الدرة المنيفة أن المستأجر لا يتمتع بحق الخلو إلا إذا كان مالكًا لمنفعة الحانوت مدة، وأما إذا لم يكن مالكًا للمنفعة بإجارة فلا عبرة بذلك الخلو (٣) ، وهذا من الشروط التي يقرها قانون الملكية التجارية في ثبوت الأصل التجاري.
стр. 6914
حكم الأصل التجاري:
وبناء على كل ما تقدم يمكن أن نقول إن ثبوت الأصل التجاري يمكن المستأجر من الاستقرار في المحل رغم إرادة المالك اعتبارًا للمصلحة أو الرخصة أو الضرورة.
مع العلم أن رأي فقهاء المسلمين في هذه القضية وأمثالها ليس متحدًا، فإذا تعرضنا في بحثنا هذا إلى من أجاز إبقاء المستأجر في المحل نظرًا لما ترتب له من حقوق في الزيادات المادية والمعنوية التي قام بها في المحل التجاري ...
فليس معنى ذلك أن القول بالجواز هو المشهور، بل هو تخريج لمعاملات المسلمين على ما جرى عليه العرف الخاص في بعض البلدان الإسلامية بفتاوى من علماء أجلاء من المغرب والمشرق.
المانعون للعمل بالأعراف الخاصة:
أما المانعون لهذا النوع من المعاملة، فإنهم يقررون بأنه لا حق للمستأجر في البقاء في المحل بعد انتهاء المدة إلا برضا المالك، بل إن منهم من يشجب الاستناد إلى الأعراف الخاصة التي تخالف القواعد الشرعية ويندد بأصحابها. والقائمين عليها، بل يعتبرها بعضهم من التحاكم إلى الطاغوت الذي أمرنا أن نكفر به (١) .
ويقررون أن أموال بدل الخلوات لا تحل لأصحابها، وأن أكلها حرام، إذ هو ناشئ عن الإضرار بالأوقاف وأصحاب العقارات.
وأن الذين يتعاملون بالأعراف الخاصة المخالفة لقواعد الشريعة الإسلامية ولما تعورف عند فقهاء المسلمين على اختلاف مذاهبهم هو خروج عن الجادة.
وأن الشيخ ميارة من علماء المغرب، لما سئل عن الجلسة المتعارفة في المغرب قال: " أما مسألة الجلسة فلم أقف على نص فيها ولا أظنه يوجد لأنها محض اصطلاح من المتأخرين ولأنها اشتملت على أمور مخالفة للشريعة الإسلامية ".
وبمثل هذا أجاب الشيخ عبد الواحد بن عاشر، إذ صرح بأن مسألة الجلسة التي حدثت لا أصل لها في الشرع.
وأشار الجلالي إلى أن الجلسة " أحدثها أهل الغصوبات من أنواع الجور وقد وقع التشكي بظلمها أيام حياة العلماء حفاظ المذهب، كالحميدي والسراج، ووقع الاهتمام بقطعها فلم الجور معينًا ولا ناصرًا من أهل الدولة، وتعصب أصحابها بذوي الجور والظلم، وبقي أمرها كذلك إلى أن قدم السلطان أحمد المنصور فرفع إليه أمرها فقطعها، واستبد أرباب الأصول بمنفعة رباعهم واضمحل ذلك الباطل وهكذا كان الحال عام ١٠١٣هـ ".
وعلى نفس الرأي عبر المسناوي فقد جاء في كلامه " وبالجملة فأمر الجلسة مما غص به الناس قديمًا وحديثًا لتحكم العوائد على القواعد وغلبة العامة على الخاصة مع الجهل منهم " (٢) .
وذكر الشيخ محمد السنوسي الحفيد أن محمد باي بتونس حاول إبطال العمل بالنصبات بعاصمة تونس استنادًا لكلام أبي الفداء الشيخ إسماعيل التميمي، فلم يتيسر ذلك له لما يطرأ على ذلك من ضرر كبير على مالكي النصبات، وهم جم غفير (٣) .
إن من أجازها من علماء الحنفية قاسها على من أجاز بيع الوفاء أو عدها من باب جواز تقليد آراء المذاهب تحقيقًا للرخصة والضرورة، وهم يقررون أن حكم الزيادة التي أحدثها المستأجر في المحل:
إن كانت برضا المالك مما لا يجوز قلعه فله الرجوع على المالك بما بذل من مال.
وإذا كانت الزيادة مما تنقل أو تحول فله أخذ ما أضافه أو مطالبة المالك بدفع قيمة ما أضاف والمالك مخير.
يقول الشيخ عليش في فتاويه (٤) : " فإن أذن المالك للساكن في وضع شيء من خشبه أو نحوه كان باقيًا على ملك الساكن وللمالك إخراجه ويأخذ قيمته أو شيئه بعد إخراجه ".
أما إذا كانت الزيادة التي قام بها المستأجر بلا إذن المالك فلا رجوع عليه بشيء ويخير صاحب العقار بين أن يدفع له ما زاد أو قيمته مقلوعًا، يقول الشيخ عليش: " أما العمارة بلا إذن المالك فلا يحاسب بها وله أخذ عين شيئه أو قيمته بعد قلعه " (٥) .
وبهذا يتبين أن لا حق للمستأجر في جميع الحالات من البقاء في المحل، ويرى بعض العلماء أن العمل بهذه الأحكام العرفية هو الذي شجع التجار على الاستقرار بالمحلات بعد انقضاء الأجل ولو لم تكن هناك ضرورة ملحة ونفر أصحاب رؤوس الأموال من التمادي في البناء.
ولو أخذت الدولة على عاتقها تكوين الأسواق أو شجعت رؤوس الأموال على بناء محلات تفي بحاجة التجار لانحل المشكل من الأساس.
والحل السريع في هذا الموضوع، هو أن يقع التعاقد على مدة يراها المستأجر كافية للتحصيل على الرخص اللازمة لجبر المصاريف الكافية لإعداد المحل التجاري مع ما يؤمله من أرباح بالتراضي مع المالك ولو طالت المدة، وإذا انتهى لأمد المتفق عليه استرجع المالك عقاره أو جدد الكراء.
стр. 6915
الأصل التجاري بين الجواز والمنع:
إن المانعين للعمل بالأعراف الخاصة إنما منعوها لأنها لا تقوم في الغالب على دعائم الدين ولاتستند إلى نصوص واضحة معترف بها بين عامة الفقهاء، بل تقوم على خرافات وأباطيل، وأن الإسلام لما جاء أقر كثيرًا من أعراف الجاهلية ورفض ما كان رجسًا من عمل الشيطان، وهذا القدر هو محل اتفاق بين علماء المسلمين. ويبدو أن رفض عدد كبير من العلماء للفتاوى التي جوزت بيع الخلو وأقرت المستأجر في مقر عمله بعد انقضاء مدة الإجارة هو تغافل عن قيمة هؤلاء العلماء الذين بلغ عددهم منهم مرتبة الاجتهاد وجميعهم يعلم أنه لا يجوز في مجال القضاء والفتيا اعتماد أعراف تخالف أصلًا من أصول الشريعة كما لا يجوز اعتماد عرف يبطل واجبًا أو يبيح حرامًا، ونسوا أن المفتي أو القاضي أو العالم كثيرًا ما يعتمد قواعد أخرى كالتي تقرر وأن الضروريات تبيح المحظورات وأن الضرورة تقدر بقدرها وإذا ضاق الأمر اتسع حكمه وأن العادة محكمة.
وقد تقدم لنا أثناء البحث أن الشيخ الطاهر بن عاشور وغيره ممن تقدم ذكرهم أجازوا أنواع الخلوات اعتمادًا على الضرورة أو الرخصة أو غير ذلك.
ومسألة تخلي المستأجر عن الخلو ببدل وثبوت حق البقاء له في العقار بدون إذن المالك لو صدرت فيها فتوى واحدة في عصر من العصور في بلد واحد من بلاد الإسلام، لقلنا: إنه يجوز لهؤلاء أن يقولوا إن هذه المسألة وليدة عرف خاص لا يعتد به في الفقه عامة. ولكن الواقع أن هذه المسألة انقلبت إلى حاجة اجتماعية عاشت أربعة قرون أو خمسة، وتناولها بالدرس عدد كبير من العلماء من جهات متعددة من العالم الإسلامي – غير الشيخ القاني الذي اعتمدت فتواه – ولقيت القبول من أهل الذكر أمثال الشيخ شهاب الدين القرافي والعلامة الشيخ الأجهوري، والشيخ سالم السنهوري، والشيخ عليش، والشيخ باش مفتي إسماعيل التميمي، والشيخ باش مفتي إبراهيم الرياحي، وشيخ الإسلام محمد بيرم الرابع، والشيخ باش مفتي الشاذلي بن صالح، والشيخ أحمد الغرقاوي المصري، والشيخ محمد المهدى الوزاني فلجميع هؤلاء وغيرهم فتاوى مدونة في كتب الفقه مع بيان طرق الاستنباط وهي كلها لاتبقي حجة للمانعين للعمل بالعرف الخاص ولاتدع لهم مجالًا لإنكار هذا النوع من الاجتهاد الذي حظى من العلماء بالقبول وتلقته الأمة الإسلامية بالتأييد والارتياح.
واعتقادي أنه لا يمكن أن ينظر إلى موضوع الأصل التجاري بمنظار ضيق على أنه لا يزيد على أن يكون عقد كراء عقار تجري عليه أحكام الإجارة العامة ككل عقار من العقارات بدون أن ينظر إلى ما يحيط بهذا العقد من اعتبارات خاصة لايصح أن يتغافل عنها أهل الإدراك والذكر، لأن المستأجر قد ينفق على بعض المحلات أكثر من قيمة المحل في تهيئة كمالات قد لانعطيها القيمة التي تستحقها، ولكنها على كل حال باهظة الثمن وهي التأثيث والزينة والتنسيق والأضواء ووسائل الدعاية ووسائل الراحة، وكل ذلك لجلب الحرفاء وكسب السمعة التجارية ومنافسة بقية التجار، ولا يؤمل عادة أن يكون للمحل مردود كامل إلا بعد مضي ست أو سبع سنوات.
فإخراج المكتري من المحل عند انتهاء مدة الكراء وهي سنتان في المحلات التجارية وهو لم يتحصل بعد على السمعة التي يعمل لتحقيقها، ولم يتمكن من إرجاع ريع المصاريف التي قام بها عادة، فإخراجه بدون اعتبار الأصل التجاري معناه إفلاسه وتحطيم كل ما شرع في بنائه وإفلاس المصارف التجارية التي تقوم وراء التجار.
وإذا لم تظهر المصلحة بصفة جلية في منح صاحب الجلسة أو النصبة أو الحانوت حق البقاء عند العلماء الرافضين العمل بالعرف الخاص، فهل يترددون في إعطاء صاحب الأصل التجاري هذا الحق الذي مكن منه مقابل الجهود الكبيرة التي بذلها للتحصيل على الرخص والمصاريف الباهظة التي أنفقها في تحقيق عناصر الأصل التجاري، والتي بدونها لا يستطيع أن يحقق المتجر المناسب، ولا التغلب على منافسيه، ولأن في منعه من التمتع بحق الأصل التجاري إضرارًا به، بل هو في عرف التجارة إلقاء به إلى التهلكة. مع أن الرافضين العمل بالعرف الخاص يعتبرون من القواعد الشرعية المعترف بها بين الجميع أن الضرر يزال؟.
ومن جانب آخر، فإن عقد الإجارة هذا وإن لم ينص فيه على التبقية فهي معتبرة لأنها مفهومة ضمنا من المتعاقدين استنادا للعرف السائد بين التجار والذي أقرته القوانين التجارية.
وفي اعتقادي أننا لو نتمكن من تمديد مدة العقد إلى أجل لا يتغير فيه المحل غالبًا ويتمكن فيه المستأجر من تعويض مصاريفه لكنا أقرب إلى التوفيق بين من يرفض ومن يجيز، لا سيما وأن تحديد مدة الإجازة مبينة على اجتهادات وأعراف والإمام مالك يجيز كراء المسيل إلى سنين كثيرة أو إلى الأبد..
وهذا رأي اتجه إليه رجال القانون في تونس أخيرًا وقدموا فيه لائحة قانون للمصادقة عليها.
стр. 6916
غرامة الحرمان:
لقد تقدم لنا أن قلنا أن القانون التجاري أثبت أن صاحب الأصل التجاري إذا كان مستأجرًا للعقار الذي أعده للتجارة يثبت له حق البقاء في المحل، وهذا الحكم يوافق ما ذهب إليه الفقهاء من حق إبقاء التاجر في المحل وتمكينه من بيع خلو النصبة والجلسة والحوانيت وغيرها اعتمادًا على العرف، وفي كل هذه الحالات لا أمل للمالك في التحصيل على عقاره إلا بالتراضي مع المستأجر فإذا لم يرض المستأجر لا يمكن المالك من عقاره.
ولكن القانون التجاري المعاصر أعطى جديدًا للمالك في استرجاع العقار رغم إرادة المستأجر، وذلك بعد أن يدفع المالك غرامة حرمان المستأجر عن حقوقه المادية والمعنوية التي يقدرها أهل الذكر في ميدان التجارة. وهذه الغرامة تمثل مجموع ما أنفقه التاجر على المحل وتعويض ما اكتسبه من حقوق الرخص والإجازات مع أن ضمان المالك للتاجر فيما زاده في المحل تقره القواعد الفقهية وتحديده موضوع اجتهادي.
ويمكن المالك بعد دفع الغرامة من أصله الذي كان محرومًا منه بدون توقف على رضا المستأجر، وفي نظري أن الغرامة بإعطاء هذا الحق الجديد للمال كانت أخف وطأة على المالك من أن يحرم من عقاره إلى الأبد.
стр. 6917
تطور الأصل التجاري:
اعتاد الناس في المعاملات التجارية على أن المستأجر هو الذي يثبت له حق الخلو وهو الذي يثبت له الأصل التجاري وهو الذي يتمسك بالمحل بموجب هذا الأصل ولا يبقى للمالك إلا أجرة الكراء ويعطى التاجر حق التصرف في منفعة العقار أو إجارته أو رهنه أو بيعه وغير ذلك ...
أما إذا كان التاجر مالكًا لمحله فيثبت له كذلك الأصل التجاري إذا توافرت عناصره، كما يملك بيع خلو عقاره المعد للتجارة، كما جرت العادة أن المالك يكتفي بإجارة المحل، والتاجر هو الذي يتمسك بهذه الحقوق، وأمام القوانين التي صدرت وضمنت بصفة واضحة حقوق التاجر التجأ المالك إلى بيع محله المعد للتجارة وهو المسمى في تونس (بالهبوط) (١) .
وقد عرف عند الفقهاء بأنه بيع جزء من المنفعة مجردًا وهو جائز: قال الشيخ عليش في فتاويه إن الخلو إذا صح في الوقف ففي الملك أولى لأن المالك يجعل في ملكه ما يشاء. (٢) .
ولقد عبر الفقهاء عن كل هذه البيوع بالخلو، أما رجال القانون فلا يطلقون الأصل التجاري إلا على ما توافرت عناصره.
كما التجأ بعض أصحاب العقارات إلى طريقة أخرى وهي مطالبة المستأجر بجعل توثقة مالية معتبرة تحت يد المالك تضاهي قيمة خلو هذا المحل ترجع إلى صاحبها عند تسليم المحل بانتهاء مدة العقد وهذه طريقة أخرى يتخلص بها المالك من تمسك التاجر بالمحل، أو من دفع غرامة الحرمان.
وهذا كله استمرار للصراع والتنازع بين المالك والمستأجر في ضمان أكثر ما يمكن من المنافع أو دفع أكثر ما يمكن من الأضرار.
والله أعلم.
الشيخ مصطفى كمال التارزي
стр. 6918
الأصل التجاري
إعداد
الدكتور – محمود شمام
الرئيس الشرفي لمحكمة التعقيب
الأستاذ المحاضر بالجامعة الزيتونية
عضو المجلس الإسلامي الأعلى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحابه والتابعين.
الأصل التجاري
في الدورة الرابعة للمجمع الفقهي الإسلامي صدر القرار رقم ٧ في شأن الاسم التجاري، والترخيص بتأجيل النظر فيه إلى الدورة الخامسة.
وجاء في المذكرة الموجهة إلينا من الأمانة العامة الإشارة إلى إدراج هذا الموضوع تحت عنوان عام يشمل الحقوق كافة مع إمكانية التركيز على فقرة بعينها من مشمولات العنوان العام.
وتبعا لذلك ونظرا لما درجت عليه غالب البلاد الإسلامية والعربية في شأن محلات التجارة بها من نظام خاص بطرح مشكلة التصرف في المحلات المستأجرة وحقوق التبقية بها رغم إرادة المالك ورغم العقد والشروط.
واستجابة للرغبة الملحة في كشف الغطاء عن هذا الموضوع وإجلاء أثره وبيان فروعه فقد خصصت دراستي هذه المختصرة لجانب واضح مستقل يشمله العنوان العام وهو فرع من فروعه، وفي شرحه وإيضاحه وبيان حقيقته إمكان لتصور صحيح، ثم للحكم طبق أصول ديننا الحنيف ومقاصد شريعتنا الإسلامية السمحة.
متى ظهرت فكرة الملكية التجارية؟
تتفق كل القوانين المدنية على أن الإيجار لأي محل ينتهي بمجرد انتهاء مدته الاتفاقية المعينة في العقد من طرفيه.
يقول الفصل ٧٩١ من المدونة التونسية: " ينتهي الكراء بمجرد انتهاء مدته المشروطة بين المتعاقدين وبدون احتياج إلى تنبيه من أحدهما على الأخر ".
وهذه القاعدة هي نتيجة حتمية لاحترام حق الملكية واحترام حرية التعاقد، فالمالك حر في كراء عقاره لمن شاء وبأي ثمن أراد ولأية مدة يوافق عليها وتنال رضاه وهو حر في استرجاع محله عند انتهاء المدة المتفق عليها وهو حر في استعماله لفائدته الخاصة أو بإيجاره للغير وهو غير مكلف وغير مطالب برعاية مصالح المستأجر الخارج وما قد يلحقه من ضرر وخسارة بسبب تركه للمكري وخروجه منه.
ثم إنه حر في تجديد الإيجار لهذا المكتري الخارج وإعادة التعاقد معه بمعين جديد ومدة أخرى معينة ومحددة ينتهي الإيجار بانتهائها.
كل ذلك لأن حرية الملكية الفردية وواجب الوفاء بالعقود واحترام الشروط من المبادئ الأساسية والأخلاقية التي يجب احترامها والوقوف عند حدودها.
стр. 6919
ونظرا لتفاقم الأزمة المتعلقة بالمحلات وتبلور حق الملكية التجارية لحماية مجهود التاجر الذي استأجر محلا وأعطاه من ماله وعرق جبينه ومجهوده الشيء الكثير فأنشأ به أشياء مادية كالأثاث والمواعين والموازين والثلاجات والمقاعد وكون به أمورا معنوية كالدعاية والإشهار وجلب الحرفاء وترسيخ اللون التجاري المميز والسمعة الطيبة الحسنة.
وما كونه التاجر هكذا وصرفه من أموال ومجهودات لا يمكن هدره والقضاء عليه بمجرد انتهاء مدة الإيجار الاتفاقي وإصرار المالك على التمسك بحقه كاملا اعتمادا على أنما يتفق عليه الطرفان يقوم مقام القانون بينهما ويجب الوفاء به وتنفيذه.
ولزم حينئذ حماية للتاجر وحفظا لما كونه إصدار قانون يحميه ويقيه ويحفظ عليه حقوقه بأن يخول له حق البقاء بالمحل والتصرف فيه مقابل كراء مناسب اتفاقي أو معين من طرف القاضي خاصة، وإن غالب التجار لا يملكون المحلات التي يمارسون بها تجارتهم، بل يستأجرونها من مالكيها ويضعون بها بضاعتهم ولوازم عملهم التجاري، والتاجر يفضل أن يضم رأس ماله في شراء البضائع وإعداد محل تجارية إعدادا لائقا على أن يشتري العقار بما يملك من مال.
وقد عرف التاريخ القديم كثيرا من الشعوب اشتهرت بالتجارة بحرية وبرية فكانوا وسطاء بين الشرق والغرب لنقل البضائع والاتجار فيها.
ومن بين هذه الشعوب الفينيقيون واليونانيون والقرطاجنيون وأهل رودس والإسكندرية ومرسيليا.
وقد تأثرت القوانين بذلك كما فعل حمورابي في القانون المعروف باسمه والذي وضعه سنة ٢٠٨٣ قبل الميلاد.
وأما الرومان فلم يكترثوا بأمور التجارة لأنهم ينظرون إليها نظرة احتقار، ومع ذلك فقد توجد عندهم بعض القوانين المتعلقة بالتجارة بأنواعها كافة على نطاق واسع وقد اتصلوا بالأمم المجاورة وتكونت عندهم أعراف تجارية خاصة كانت بمثابة القانون.
يقول الأستاذ رزق الله أنطاكي في كتابة " الحقوق التجارية البرية ".
" والتجارة لم تتقدم تقدما محسوسا إلا مع الحروب الصليبية التي أفادت في توسيع وتوحيد العلاقات التجارية بين الشرق والغرب خاصة بين سكان المدن الإيطالية كالبندقية وجنوه وفلورانس والبلاد العربية، فنشأت عن هذه العلاقات قواعد اعتبرت سنة لمحترفي التجارة ودخلت فيما بعد في تشريع معظم الدول.
ومما تجدر ملاحظته شبه احتكار الأعمال التجارية في القرون الوسطى من قبل اليهود لاعتبارات شتي أهمها محاربة تعاليم الكنيسة المسيحية لهذه الأعمال لما تضمنته من فكرة الربح الزائد الشبيه بالربا وحرمان اليهود من تملك غير المنقول ومن تسلم الوظائف العامة ".
(انتهى) .
стр. 6920
والبلاد التونسية مارست في أوائل القرن الثاني عشر الهجري نوعا من هذا التصرف الجبري المعبر عنه بوجوب تجديد الكراء أو حتى التبقية في محلات التجارة وذلك من خلال ما عرف بخلو النصبة التي يتحدث عنها ويصفها العالم الفقيه الشيخ محمد السنوسي الحفيد قائلا (١) .
" وأما خلو النصبة فهو ملك الخلو بوضع الآلة والموازين والطواحين مما تم به عمارة الربع وتبقى به يد المكتري بالكراء الدائم.
والأصل فيه أن غرباء الوافدين على البلاد كانوا إذا اكترى أحدهم حانوتا بغير عمارة وأنفق عليه ما يحتاجه من الخزائن وآلة الصناعة والموازين وأراد المالك أو ناظر الوقف إخراجه بعد انقضاء أمد الكراء تشكي من خسارة ما استكمل به عمارة المحل، حيث إن المالكين وناظري الأوقاف لم يجعلوا لحوانيتهم ما يلزم للصناعة المعد لها الحانوت مع كونهم أكروه لإقامة تلك الصنائع وتحمل المكترون مصاريف ذلك، ووقع الحكم بأن المكتري إذا كان على تلك الصفة ووضع ما يلزم للعمارة بإذن المالك فلا يصح إخراجه إلا أن يقبل المالك بتلك الموضوعات بدون خسارة وإلا فيبقى المكتري بكرائه متمتعا بخلوه، وبما يجحف بالمالكين من تعويض مصاريف الموضوعات اضطروا لإبقائهم فتصرف المكترون بأنفسهم وأكروا لغيرهم وباعوا مكانهم على أن لا يأخذ المالك إلا مقدار الكراء وما زاد عليه يبقى لصاحب العمارة.
وتسمى هذه العمارة في مثل حوانيت العطارين بتونس - نصبة – وفي مثل حوانيت السوقة من باعة الزيت والخبز والصابون – راغلة – وفي مثل الطواحين – عدة -.
وبتطاول الأعصار وارتفاع الأسعار جرى عمل البلاد على ذلك وتقررت به أملاك لها بال في سائر أنحاء البلاد حيث تعتبر فيها التبقية.
стр. 6921
وقد كان بعض الحكام التونسيين من ذوى الفتوى أراد إلزام المتملكين بالنصبة أن يؤدوا كراء المثل بعد تغير الأعصار وارتفاع الأسعار ومس الدولة من ذلك نصب بشغب المتملكين للنصبة ملكا دخلوا عليه وعلى بقائه على حالته، ودفعوا فيه أموالا على نسبة ذلك. وافضى الحال إلى أخذ المسألة بطريق سياسي ودخلت للمجالس العدلية مدة انتصابها بتونس وصدر حكم المجلس الأكبر بإبقاء المالكين على ما ملكوا نظرا لكونهم في الحالة الراهنة اشتروا النصبة بمال لا يدفع مثله في مثلها لو كانت خارج المحل وغاية ما بقى للمالكين الأصليين هو أن بعضهم ينتظرون خروج النصبة من الحانوت حتى ينتهزوا فرصة طلب رفع اليد عن خالص ملكهم ".انتهى.
وقد عالج المقنن التونسي هذه الحالة وتعرض لها منذ قرن بالمادة ٩٩١ من المدونة المدنية فقال:
" النصبة حق الاستقرار بدكان ونحوه مما هو معد لصناعة أو تجارة يلتزم المكتري بأن تؤدي للمالك في مقابلته كراء معينا لا يتغير ويستقر هذا الحق للمكتري بإدخال الألة ومواعين خدمته للمحل ويدوم ما دامت تلك الأدوات والمواعين ".
لكن لشدة هذا الحق وقسوته فقد جعله القانون قاصرا على العقود السابقة والإيجارات المتقدمة عنه وحذفه وأبطله فيما يعقد بعدها فقال في المادة ٩٩٤.
" الفصول السابقة لا تنطبق إلا على النصب المتقدم تاريخها على عام ١٢٨٠هـ/١٨٦٣م ".
ومن هنا يمكن أن نقول أن خلو النصبة هي عين الأصل التجاري الذي مارسته فيما بعد البلاد الأوروبية وضبطته بقوانينها وعنها أخذنا ما وضعناه من قوانين حاليا في هذا الموضوع.
وذلك لأن شذاذا من طائفة معروفة بالتجارة نزحت إلى تكلم البلاد الأوروبية والأمريكية وعمرت محلات تجارتها بالمواعين والآلات والدعايات وهي لا تملك العقارات، وإنما تصرفت فيها على وجه الكراء فسعت إلى وضع قوانين تحمي أعمالها وتكون لها حقوقا تقف في وجه المالكين من سكان البلاد وتحد من تصرفهم المطلق في منافع أملاكهم.
وحينئذ فالمشكل الذي يطرح نفسه للنقد والفحص والدرس ثم الحل هو أن ما عبر عنه بخلو النصبة قديما – وجرى به العمل مدة ما بتونس وبعد حذفه وإلغائه رجع العمل به تحت عنوان الأصل التجاري – هل هو حلال يستقيم أمره ويتماشى مع قواعد الشرع العزيز ومقاصده السامية؟
وهل يمكن للمستأجر الذي التزم بأن يبارح المحل في تاريخ معين أن يتمسك اعتمادا على القانون بحق التجديد والتمديد الوجوبي ويبقى بالمكري رغم إرادة المالك الذي عاقده وعاهده واتفق معه على شروط التزم كل منهما بالوفاء بها والوقوف عند حدها.
مع العلم بأن القوانين الوضعية المعمول بها في غالب البلاد تلغي كل شرط مخالف وتمكن صاحب الأصل التجاري من حق البقاء والتبقية بالمكرى وتخضع الطرفين المتعاقدين إلى العمل بما جاء به وحدده القانون في هذا الشأن عوضا عما اتفقا عليه والتزما به من شروط وآجال.
ومن الأفضل حينئذ إعطاء بسطة وجيزة تشرح الموضوع كما نسقه ووضعه المقننون حتى نتصوره تصورا واضحا ثم نحكم عليه بعد ذلك، والحكم على الشيء فرع عن تصوره.
стр. 6922
ما هو الأصل التجاري؟
الأصل التجاري هو أداة عمل التجار مثلما أن الآلات أداة عمل المصانع.
وهو من الماديات الملموسة المحسوسة تكون ووجد وتطور مع الزمن ليصبح فكرة قانونية موضوعية تبلورت فيها وجود العناصر المعنوية وضخامة أمرها وأهميتها.
فالسمعة التجارية والحرفاء هما جوهر فكرة الأصل التجاري وأهم أركانه ومقوماته ومميزاته.
وكل عنصر من العناصر المادية أو المعنوية المختلفة التي يتركب منها الأصل التجاري له قيمته الذاتية.
وعند اجتماع العناصر كافة وتألفها، فإنه تتألف وتتكون منها مجموعة موحدة متجانسة هي الأصل التجاري الذي تفوق قيمته الاقتصادية مجموعة القيم الذاتية للعناصر المختلفة.
ولذا، فهو ينعت بأنه مجموعة من الأموال المنقولة المادية والمعنوية تألفت ورتبت بقصد استغلال مشروع تجاري.
والأصل التجاري وحدة قائمة بذاتها لها كيان مستقل عن المقومات التي تتكون منها عناصره.
وهو لا يكون إلا مع توفر الصفة التجارية للنشاط المباشر كما أن صفة التاجر لا تكتسب إلا مع ممارسة النشاط التجاري على وجه الاحتراف.
стр. 6923
يقول بعض شراح القانون في الموضوع (١) .
" والمحل التجاري هو المجموعة القانونية لمقومات متجر أو مصنع، وهذه المقومات منها ما هو غير مادي ومنها ما هو مادي، والمقومات المادية هي:
العنوان والاسم التجاري والحق في الإجارة والاتصال بالعملاء والسمعة التجارية والرخص وبراءات الاختراع والعلامات التجارية والرسوم والنماذج الصناعية، وعلى وجه العموم كافة حقوق الملكية الصناعية والأدبية والفنية المرتبطة بالمحل التجاري.
والمقومات المادية هي المهمات والبضائع، ويقصد بالمهمات الأثاث التجاري والآلات وجميع المنقولات المادية التي تستعمل في استغلال المحل.
ويقصد بالبضائع جميع المنقولات المادية المعدة للبيع.
وفكرة اعتبار المحل التجاري مجموعة أو وحدة قائمة بذاتها لها كيان مستقل عن المقومات التي يتكون منها إنما هي فكرة حديثة أوحت بها الحاجة إلى إيجاد الوسيلة التشريعية التي يمكن بها أن يكون المحل التجاري بجميع مقوماته محلا للتصرفات القانونية كالبيع والرهن ".انتهى.
هذا وقد سبق التشيع الفرنسي بقية التشريعات الأوروبية في التكييف الحديث لفكرة الأصل التجاري وهو – تقريبا – أول تنظيم قانوني شامل لأهم العمليات التي ترد على الأصل التجاري (٢) .
فالقانون الفرنسي المؤرخ في ١٧ مارس ١٩٠٩ م الذي أدخلت عليه عدة تعديلات ومنه استمد المقنن التونسي أحكام الملكية التجارية ٢٦ أكتوبر ١٩٢٦ م وعدة قوانين أخرى، آخرها قانون ماي ١٩٧٧ م، وقد نص فصلاه الأول والثاني على اكتساب المستأجر لحق تجديد الإيجار وجوبا بشرط وجود عقدة كراء واستعمال المكري في استغلال أصل تجاري وتواصل هذا الاستغلال مدة عامين اثنين بدون انقطاع.
стр. 6924
طبيعة الأصل التجاري
بما أن الفكرة نشأت عن التعامل بين التجار فمختلف العناصر التي من شأنها جلب الحرفاء يجب تجميعها للحصول على قيمة تفوق مجموع القيم الذاتية لكل عنصر من العناصر على حدة، ورغم ذلك لا يتكون من هذا المجموع وحدة قانونية قائمة الذات لأن المقنن لم يعدد العناصر ولم يحصها، ولأن مالك الأصل غير ملزم بالإبقاء على وحدة العناصر المتركبة منها فله أن يفرقها عن بعضها بعضا وأن يبيع كل عنصر على حدة لأشخاص متباينين ومختلفين.
وعليه يجب بيان أن تكون مجموعة من العناصر المختلفة المادية المعنوية يمكن أن يشكل شيئا معينا قائما بذاته.
ومجرد كون هذه العناصر يجمع بينها عمل مشترك هو الاستغلال التجاري، وغاية معينة هي تكوين حرفاء دائمين وجلب الوفرة الوافرة منهم لا يكفي في حد ذاته لاستخلاص الطبيعة القانونية لهذا المجموع الواحد الذي هو المحل التجاري أو الأصل التجاري.
وقد اختلفت الآراء وتباينت النظريات بحثا عن التكييف القانوني، فانقسم أصحاب الرأي إلى قسمين اثنين: قسم يهتم باجتماع العناصر المتألف منها الأصل التجاري ويعتبره مجموعا واحدا، والقسم الآخر يعتمد طبيعة العناصر المتكون منها الأصل التجاري لاعتباره حق ملكية معنوية ومنقولة.
ونفس القسم الأول ينقسم على نفسه إلى فرعين: أحدهما يرى في الأصل التجاري مجموعا قانونيا تتكون منه ذمة مالية مخصصة للاستغلال التجاري ومنفصلة عن ذمة التاجر صاحب الأصل التجاري، ولا وجود لشخصية قانونية يقوم عليا هذا المجموع القانوني، واجتماع العناصر المتباينة لهدف واحد يكون في حد ذاته وفي داخله ذمة مالية باعتبار التخصيص الموحد.
ويترتب على ذلك أن مالك الأصل التجاري مخصص لدفع ما عليه من الديون بحيث إن أصحاب هذه الديون يقدمون على الدائنين الشخصيين للتاجر صاحب الأصل التجاري.
لكن هذه النظرية منتقدة لأنها عمليا وتطبيقا تتعارض مع بعض المبادئ الأساسية، ومن ذلك أن إحالة الأصل التجاري لا تقتضي حتما إحالة الحقوق والديون، كما أن انتقال ملكية الأصل التجاري بسبب الإرث تكون صبرة واحدة من مجموع المخلف من التركة.
وإذا كان الأصل التجاري مكونا في نطاق شركة، فإنه يصبح من مقومات الذمة المالية للشركة.
стр. 6925
والمدونة المدنية التونسية بفصلها ١٦٢٣، جعلت للمدين دفعة واحدة فمكسبه ضمان لغرمائه ليتحاصصوا ثمنها مع اعتبار الأسباب القانونية في تقديم بعضهم على بعض.
أما الفرع الثاني، فهو يعتبر الأصل التجاري مجموعا واقعيا من الأموال، أي وجود تلاحم وتآلف فعليين بين عناصر يشد بعضها بعضا رباط اقتصادي ناتج عن الهدف المشترك. وكل عنصر يحتفظ بذاتيته ولا يندمج في ذمة مالية خاصة وبذلك تستبعد فكرة الحقوق والديون الخاصة بالأصل التجاري وضمانها يكون عاما متفقا مع نظرية المادة ١٦٢٣ السابق ذكرها، أي أن مكاسب المدين ضمان لغرمائه ليتحاصصوا ثمنها بينهم مع اعتبار الأسباب القانونية في تقدم بعضهم على بعض.
كما أن مشتري الًاصل التجاري لا ينتفع بما للأصل التجاري من ديون على الغير ولا يتحمل بما عليه من الديون.
وإذا اعتبرنا أن العناصر يمكن تفكيكها وبيعها على انفراد حسب إرادة مالك الأصل التجاري، فلا وجه حينئذ لمإذا لا يكون الأصل التجاري موضوع عمليات قانونية على أساس نظرية الفرع الثاني.
أما القسم الثاني الذي يعتمد طبيعة العناصر المتكون منها الأصل التجاري لاعتباره حق ملكية معنوية من طبيعة منقولة فهو يقرر:
تستعمل كلمة: ملكية الأصل التجاري، للدلالة على ما اكسبه التاجر من حق على التجارة التي يمارسها أي النشاط الذي يقوم به في ميدان التجارة إذ لا يكون هناك أصل تجاري إلا مع ممارسة الأعمال التجارية.
فإذا كان هناك حق ملكية، فلها طبيعة خاصة لأنها نتيجة نشاط أِشبه ما يكون بالابتكار الذهني والإبداع الفني كالاختراع تماما.
стр. 6926
وهذا النشاط الخلاق الذي يبذله التاجر ويجتهد في وضع أسسه يفضي إلى تكوين مختلف عناصر الاستغلال التجاري، ثم ربطها ببعضها وتكوين لحملة جامعة بينها تدفع إلى الأنصار في ذاتية أو مجموعة قائمة الذات.
وهذه الخصائص تكسب الأصل التجاري طبيعة معنوية شبيهة بالملكية الأدبية والفنية أو ببراءات الاختراع التي لا ترتكز على أساس مادي وهي ثمرة نشاط ذهني فكري يوجهه العقل والإلهام والعطاء الفطري.
فإذا استغلت هذه الخصائص أصبحت لها قيمة رائجة ورابحة بفضل ما لها من قدرة على جلب الحرفاء والإبقاء عليهم ودفعهم إلى الشراء والتعامل شأنها في ذلك شأن الأصل التجاري مع فارق، وهي أن هذا يتكون من مجموع عناصر تتضافر قدراتها على جلب الحرفاء وشدهم برباط أخلاقي رفيع إلى المتجر والمقصود به والتزود بما يقدمه من بضاعة، واجتناب غيره من المتاجر حتى ولو كانت تقدم بضاعة أفضل منه.
ومثل جميع الملكيات المعنوية، فإن الأصل التجاري لا يختص بصورة عامة جميلة بالحق في الحرفاء، ولكن يشمل مجموعة من مختلف الحقوق ألف بينها التاجر الذي كونها وأنشأها واحتفظ بها بفضل ممارسة واستغلال تجاري يقوم على أسس متينة صحيحة باعتبار أن الأصل التجاري هو ملكية معنوية متفقة مع الطبيعة المعنوية للعناصر الجوهرية التي يتأتى مها وتتركب من مجموعها دعائمه وأسسه.
وهذه الملكية المعنوية ينبغي اعتبارها من طبيعة منقولة وبالتالي فإن الأصل التجاري يخضع للنظام القانوني الخاص بالأموال المنقولة. فإذا أوصى شخص بكل أمواله المنقولة فإن الأصل التجاري يدخل في الوصية ويحسب في الثلث من المخلف.
ولما كان هذا المنقول معنويا فإن قاعدة الحيازة سند الملكية لا تنطبق عليه لأنها تتعلق بالمنقولات المادية.
وكذلك إذا حصل بيع الأصل التجاري مرتين لشخصين على التعاقب فإن حيازته لا تصلح للاحتجاج بنقل الملكية وربما كانت الأفضلية لصاحب العقد الأسبق تاريخا ثابتا.
стр. 6927
عناصر الأصل التجاري
يتركب الأصل التجاري من عدة عناصر مادية وأخرى معنوية تختلف كما وكيفا لطبيعة أهميتها وتأثيرها على جلب الحرفاء ودفعهم للشراء والاقتناء باستعمال طرق مختلفة مركزة على حسن المعاملات ورفعة الاستقبال، الأمر الذي تتكون معه السمعة التجارية للمحل التجاري.
وقد جاء القانون التونسي، وهو لا يختلف عن غيره من القوانين ناصا على عناصر الأصل التجاري المعنوية والمادية، وهي الحرفاء والسمعة التجارية وعنوان المحل والاسم التجاري والحق في الإجارة، وحقوق الملكية الصناعية، وحقوق الملكية الأدبية، والفنية.
الحرفاء والسمعة التجارية:
عنصر الاتصال بالحرفاء عنصر جوهري يتوقف على وجوده أو زواله وجود الأصل التجاري.
فعنصر الحرفاء أو ما يطلق عليه السمعة التجارية لا يعتبر جزءا من الأصل التجاري، بل كاد أن يكون هو الأصل التجاري نفسه.
فالمتجر والأصل يضمحل إذا كانت مجموعة الأمور تشتمل على عناصر مادية ومعنوية مهما كثرت عددا وقيمة إذا لم تتضمن عنصر الاتصال بالحرفاء وشدهم إلى المحل وإنشاء السمعة التجارية لدى العملاء.
وعنصر الحرفاء أو العملاء، هو استقرار بعض الناس وارتباطهم في معاملاتهم مع تاجر معين، لما تبعثه صفاته الشخصية ومعاملاته الذاتية من ثقة واطمئنان وشعور بالفرح.
أما السمعة التجارية، فهي صفة ملتصقة بذات المتجر الذي قد يكتسب سمعة تجارية حسنة وجالبة ومغرية بسبب موقعه مثلا أو بسبب ما يوفره لقصاده من إمكانيات. ولقد جمع المقنن التونسي العبارتين في فقرة واحدة ملاحظا بذلك الرابطة الوثيقة بين الأمرين.
وفعلا فإنه يصعب من الجهة القانونية فصلهما عن بعضهما لأنهما يتضمنان مجموع الحرفاء الدائمين والعابرين ومواصفات المحل ومميزاته، كل ذلك يقدر بالإضافة إلى رقم الأعمال وتقدم إحالته عند البيع.
فهذا العنصر يمكن أن يعبر عنه بالحق في الحرفاء، وهؤلاء غير ملزمين طبعا بالتعامل مع محل تجاري بعينه ولا يكون تاجر حق على أي حريف في التعامل معه. ولكن ما نشأ من ترابط واستمرار التردد على المحل للشراء والاقتناء والتعود تلقائيا على ذلك التعامل جعل كل ذلك عنصرا مهما عند البيع والإحالة والتقدير، ودفع بالمقنن لحماية هذا العنصر حماية قانونية نظرا لتأثره الكبير من الناحية الاقتصادية على التجارة والتجار وحسن المعاملة بين التاجر والحريف وارتباط كل واحد بصاحبه بل وحتى على استقرار الأسعار وجودة السلع وإتقان الصناعة.
وكل سعي للانحراف بالحريف عن مساره الطبيعي ومحاولة جلبه إلى محل آخر غير المحل الذي تعود عليه وتحويله عنه قد يكون مزاحمة غير مشروعة ومحرمة وقد يترتب عن ذلك التعويض طبق أحكام القانون المدني.
стр. 6928
الحق في الإجارة:
هذا العنصر الذي دفع بنا إلى دراسة هذا الموضوع بكامله موضوع الأصل التجاري أو المحل التجاري، ومحاولة إماطة اللثام عنه وشرحه حتى يمكن الحكم عليه في ضوء معطيات واضحة وجلية.
إن التاجر الذي يملك الأصل التجاري، إما أن يكون مالكا للمحل الذي يتعاطى به تجارته ويدعو إليه الحرفاء ويسعى لجلبهم للشراء من عنده في ذلك المحل، إما أن يكون يتعاطى تجارته في غير دكان ولا عقار، ولا إشكال في الصورتين لأنهما خارجتان عن موضوعنا.
وإما أن يكون قد استأجر محلا لتعاطي التجارة به من مالك أجنبي عنه بموجب عقد كراء لمدة معينة وبشروط متفق عليها مقدما.
وعقد الإيجار يحدد الطرفان مدته ابتداء وانتهاء حسب كتب الاتفاق.
تقول المادة ٧٩١ من القانون المدني التونسي:
" ينتهي الكراء بمجرد انتهاء مدته المشروطة بين المتعاقدين ".
إلا أن قانون الملك التجاري التونسي جاء مخصصا لأحكام القانون المدني العام في شأن إيجار المحلات التجارية وتمديد مدة هذا الإيجار وتجددها بشروط وقيود عينها ألغت إرادة الطرفين وجعلت اشتراط خروج المستأجر عند انتهاء المدة شرطا لا به يعمل ولا عليه يعول ولا ينفذ.
فقد جعل القانون أن بيع المحل التجاري أو إحالته يشمل وجوبا الإيجار كعنصر من العناصر رضي بذلك المالك أم أبى. أحب أم كره وجعل أن تمديد مدة الإيجار موكول للقضاء بعد الاختبار بوساطة أهل المعرفة وبشروط معينة لتقدير المعين المناسب.
والمالك إذا أصر على رفض تمديد الإيجار فالقانون يوجب عليه دفع غرامة باهظة، فقد تفوق ثمن العقار نفسه.
وهذه الغرامة تعرف بغرامة الحرمان يقع تقديرها بإجراءات خاصة لا فائدة من التبسط في شأنها هنا.
وما يوجد بالقانون التونسي – الذي جعلناه مثلا – له نظير في القوانين الأخرى المعمول بها الآن والتي وضعت لحماية حقوق التجار وصونها.
وما يوجد بهذه القوانين جاء متحديا لاحترام الشروط وواجب الوفاء بالعقود.
стр. 6929
الخلاصة
والخلاصة بعد هذه البسطة التي قدمناها يمكن لنا استخلاص ما يلي:
١- وجود حق لصاحب العقار يقابله حق لمن استأجر منه محله بعنوان الاتجار فيه ثم وجود عقد يحدد علاقة الطرفين ويضع لها شروطا.
٢- وجود إشكال حول إنهاء مدة العقد بإرادة الطرفين نظرا لأن المستأجر أدخل على المحل عناصر جديدة بحكم عرف تجارته ودواعي عمله ودافع المزاحمة التجارية وعوامل الربح.
وقد تكونت عادات وأعراف في هذا الموضوع، كان من الواجب احترامها والالتفات إليها عند تحديد علاقة الطرفين واجتناب خسارة أي واحد منهما.
واتضح أن بعض فقهائنا استند إلى العرف في جواز الإبقاء على المستأجر بمحل التجارة الذي كونه رغم انتهاء المدة باعتبار أن المتعاقدين دخلا على هذا التمديد بحكم العرف الجاري به العمل.
٣- لكن بقيت مشكلة أخرى، وهي إذا ألغى الطرفان صراحة ما اقتضاه العرف وجاءت به العادة وعينا لأنفسهما أجلا لانتهاء الإجارة واتفقا على إنهاء العقد بالخلو له وخرج المستأجر من المحل وتسليمه إلى صاحبه.
فالقاعدة الفقهية تجعل الناس عند شروطهم، ولا يوجد فقيه واحد يخالف في ذلك، ولا يوجد فقيه يقول بأن العرف يبطل الشرط الصريح، فالعرف لا يعمل إلا إذا حمل الطرفان على أنهما اتبعاه وارتضياه وإلا فلا عمل له.
والقوانين الوضعية تجعل هذا الشرط لاغيا لا نفاذ له، وتحكم بحق البقاء للمستأجر بالمحل رغم وجود الشرط.
٤- وعليه فالمقترح هو ما يلي:
(أ) إعمال العرف التجاري، وتنفيذ القانون عند عدم وجود شرط صريح فاسخ ينهي ويجبر التاجر على مبارحة المكري.
(ب) السماح لصاحب العقار بأن يجهزه ويعده، كما يجب للتجارة، ثم يؤجر الأصل التجاري لأية مدة يتفق عليها مع المستأجر وبأي معين يحدداه وعند انتهاء المدة يكون المالك مخيرا بين تجديد العقد أو إنهائه.
والقانون مع سماحة بكراء الأصل التجاري، فإنه لا يسمح بذلك إلا بعد تكونه ومضي مدة معينة على ذلك.
(ج) السماح للطرفين بالإجارة لمدة معينة ينتهي العقد بانتهائها، ويبارح المستأجر المكون دون أخذ أية غرامة، ولو كان هو الذي أعد المحل للتجارة وهيأه وجهزه لذلك.
لكن على شرط أن تكون مدة العقد طويلة بحيث يمكن للمستأجر أن يستغل ما أنفقه في التجهيز والدعاية وجلب الحرفاء، واستفاد من رأس ماله الذي قدمه ويستحب أن لا تقل المدة عن عشرة أعوام مثلا، ومعلوم أن دفع المضرة يسمح بمثل هذه الشروط.
هذه بسطة في هذا الموضوع المعقد.
ومعذرة عن الحرج الذي قد تلحقه بالمطالع هذه اللغة القانونية الجافة وصعوبة أدائها للمقصود.
وفقنا الله لما فيه الصواب والسلام عليكم.
الدكتور محمود شمام
стр. 6930
الحقوق المعنوية
بيع الاسم التجاري والترخيص
إعداد
الدكتور عبد الحليم محمود الجندي
والشيخ عبد العزيز محمد عيسى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
- ١ -
المقدمة:
التجارة في جملة أمرها تداول الأموال أو الأشياء بقصد الربح، حيث يوجد المتعاقدان في مجلس العقد، أو يوجد المبيع في " حانوت " التاجر، أو في " السوق " حيث "تساق" العروض والسلع. والفقه الإسلامي حريص على التزام التجار جادة الدين في التعامل التجاري لما يكتنفه من سرعة التراضي أو فورية الأداء مع خلق التاجر واقتداره على ترويج السلعة أو تزيينها ليقبل عليها المشترون، ومنهم من قد ينخدع أو تخفي عليه العيوب. ويروى عن الإمام محمد بن الحسن قوله: (على كل تاجر يحتاط لدينه أن يستصحب فقيها يشاوره في معاملاته) . وعن الإمام أبي الليث قوله: (لا يحل للرجل أن يشتغل بالبيع والشراء ما لم يحفظ كتاب البيوع) (١) . وكان الإمام أبو حنيفة ينهى العامل في حانوته عن أن يزين السلعة بأقواله.
ولئن كانت الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات عناصر النشاط الاقتصادي في العالم المعاصر، فإن التجارة ترد على جميع هذه العناصر في عصرنا الحاضر، ومواردها في ازدياد، قدر ما يسبغ الله على عباده من نعم ظاهرة وباطنة وأموال مستحدثة مثل " الحقوق المعنوية " أو الفكرية أو الخدمات التي لا يقف تقديرها عند حد وتتجاوز تجاراتها القارات. ومن الشركات التجارية ما تمتد فروعها إلى دول العالم إلا قليلا ... وينطبق على نشاطها قوانين التجارة.
وخلعت القوانين وصف "التاجر" على من يتخذ التجارة "حرفة"، كما اعتبرت " العمل التجاري " كل عمل يتم لمزاولة حرفة تجارية، لتتيح سرعة المبادلات وحرية النشاط التجاري واليسر في أدائه واقتضائه، وتتابعت الاتفاقيات الدولية منذ أواخر القرن التاسع عشر للميلاد لتجعل العالم سوقا تجاريا واحدة تسري عليها أحكامها لحماية الحقوق على مستوى العالم (مثل اتفاقيات بيرن لحماية الملكية الفنية، واتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية والتجارية، واتفاقية وارسو للنقل الجوي) .
وحظى " المتجر " بحظ وافر من عناية واضعي القوانين ورجال الفقه المحلي والعالمي وأحكام القضاء، وتجلى في صدده إقرار الفكر المعاصر بما سبق به الفقه الإسلامي من إقرار الملكية الفنية.
وأصبح المتجر يتكون من " مجموع حقوق معنوية " وإن كان معها عناصر مادية تدخل في " ملكية التاجر". وجرى العرف العالمي على التسليم " بماليتها "، ولم يبلغ الفقه هذا الطور إلا بعد تاريخ طويل شغل الفقه الإسلامي أغلب أطواره.
وقد بينا في مقال سابق للمجلة، الحق المعنوي في الملكية الأدبية لحقوق التأليف ونشأتها وتطورها حتى العصور الحديثة، فنحيل عليه، ونخص الحقوق المعنوية التجارية فيما عدا الحقوق الأدبية كما يلي:
стр. 6931
- ٢-
كان الإغريق شعبا من التجار آل إلينا من أنباء متاجرهم مرافعة أعظم خطبائهم (ديموستين) في قضية غش في بيع " محل تجاري " للعطور، وفي قضية أخرى لقاصر ورث " محلا تجاريا " عن أبيه، وثالثة لدائن له تأمينات على " محل تجاري ".
ومن الحماية التجارية نظم الإغريق بيع المتجر ورهنه (١) .
ولم يحتفل الرومان بالتجارة احتفال غيرهم من الأمم، لكن العرب كانوا تجارا. فالتاريخ يحدثنا على لسان المؤرخ الروماني سترابون (ولد سنة ٥٨ قبل الميلاد) أن من القوافل التجارية العربية ما بلغت عدة عيره ألفا وخمسمائة، ومن القوافل ما كان يتجه إلى اليمن لتبلغ التجارة غرضها في الحبشة، وأخرى إلى فارس في الشرق، وغيرها إلى الروم في الشمال. كما يتحدث تاريخ العرب قبل الإسلام عن تجاراتهم الداخلية في أسواق " دومة الجندل " (وهي ملتقى طرق شبه الجزيرة من مكة إلى الشمال والشرق والجنوب) " وهجر "، تتخصص في بيع اللؤلؤ والسلع إلى فارس والهند، يديرها أمراء البحرين وسوق " عمان " وسوق " دبي ". واستمر ذلك النشاط في العرب بعد أن أشرقت شمس الإسلام.
فمن عظماء الصحابة من اشتغل بالتجارة، ومن أئمة الفقه من كانت التجارة حرفة له ومن كان لحانوته مكانة في التاريخ، فالإمام أبو حنيفة (١٥٠هـ) كان من كبار تجار الكوفة ودكانه في دار الصحابي الجليل عمرو بن حريث. والإمام مالك كان يعيش من مضاربة بمال له. وكذلك عاش شيخ هذين الإمامين
стр. 6932
: الإمام جعفر الصادق.
ومن الفقهاء، من برزت من أسمائهم أوصاف الصناعة والتجارة: كالجصاص، والخصاف، والقفال، والكرابيس (بيع الثياب الخام) ، والبقالي، والنعالي، والحلواني، والعطار، والتمار، والصيدلاني (بيع العطر) . ومنهم الصيرفي، ومنهم بائع اللؤلؤ.
ولم يعرف للمتجر شخصية معنوية، فالحقوق المعنوية برزت للوجود في الفقه الإسلامي ابتداء من " الوقف " وملكية " المنافع ". وفي القرن الثاني للهجرة تقررت الملكية الأدبية في الفقه المالكي في صدد " المجموعة الفقهية " المسماة بالأسدية وهي أساس " المدونة " وكان تقريرها بفتوى عبد الرحمن بن القاسم وفقهه، عن مالك، أساس ما ورد بالأسدية وبالمدونة. ثم تقررت في الفقه الإسلامي نظرية الحقوق المجردة أو المعنوية كما سنرى فيما بعد.
وكان للتجارة الخارجية شأنها منذ قامت الدولة الإسلامية، وفرض أمير المؤمنين (عمر) المكوس عليها مثلما كانت الروم تفرض المكوس على تجارة العرب. وفي القرنين السادس والسابع (الثاني عشر الميلادي والثالث عشر الميلادي) ، ازدهرت التجارة الخارجية بين أمم المشرق الإسلامي والأمم الغربية عن طريق البندقية وجنوه (في إيطاليا) مع قيام أوروبا بالحروب الصليبية في مصر والشام، إذ المسلمون لا يعتبرون محاربا لهم إلا من حمل السلاح عليهم.
وفي إبان هذه التجارة انتقلت إلى لغات أوروبا حتى اليوم التعبيرات العربية عن الملاحة والتجارة وما تزال متداولة في لغات العالم بعد أن كشف الأوروبيون العالم الجديد بينما كانوا يبحثون عن طريق إلى الهند ليبعدوا من طريق المسلمين , وفي ذلك العهد نشأت قواعد وأعراف تجارية بين شاطئي البحر المتوسط، دونها الفرنسيون وجمعوها في عصر لويس الرابع عشر (١٦٤٣م – ١٧١٥ م) ، وعملوا بها حتى صدرت مجموعة القوانين الفرنسية، ومنها قانون التجارة الفرنسي في سنة ١٨٠٧ م (١) .
ولما صدر القانون المدني المصري في سنة ١٨٨٣م أقرَّ الملكية الصناعية (٢) ، وكرر الإقرار بذلك القانون المدني الصادر سنة ١٩٤٨م (٣) ، واستمر القضاء في حماية الحقوق المعنوية واطردت أحكامه في ذلك الباب.
стр. 6933
- ٣ –
الحقوق المعنوية (البراءة – التصريح)
والفقه الإسلامي في مجموعة يقوم " المنافع " بمال، ولم تعد " ماليتها " محل جدال. ومن الحقوق العينية: الحقوق الفكرية على الرأي الراجح كحق التأليف والصناعة، فإنها أموال ذات مميزات خاصة ولها قيمة في العرف، وقد اختص بها صاحبها دون غيره (١) .
وأصبح فقهاء الحنفية يذهبون إلى ذلك كما يظهر من الدر المختار، ص ١٣، حيث قوله عن بعض الحقوق المعنوية في (بيع البراءات التي يكتبها الديوان على العمال: لا يصح، بخلاف حظوظ الأئمة) . وقول رد المحتار: (.... قوله بيع حظوظ الأئمة .... بيع حظ بمعنى النصيب المرتب له من الموقف، أي فإنه يجوز بيعه .....) .
وجاء في ص ٥ قوله: (وعليه فيفتى بجواز النزول عن الوظائف بمال) (٢) .
قال العلامة العيني في فتاواه: ليس للنزول شيء يعتمد عليه، ولكن العلماء والحكام مشوا ذلك للضرورة واشترطوا إمضاء الناظر لئلا يقع فيه نزاع. اهـ. ملخصا من حاشية الأشباه للسيد أبو السعود.
وذكر الحموي أن العيني ذكر في شرح نظم درر البحار في باب القسم بين الزوجات أنه سمع من بعض شيوخه الكبار أنه يمكن أن يحكم بصحة النزول عن الوظائف الدينية قياسا على ترك المرأة قسمها لصاحبتها لأن هذا مجرد إسقاط اهـ.
وقلت: وقدمنا عن البحر أن للمتولي عزل نفسه عند القاضي وأن من العزل الفراغ لغيره عن وظيفة النظر أو غيره وأنه لا ينعزل بمجرد عزل نفسه، خلافا للعلامة قاسم. بل لا بد من تقرير القاضي المفروغ له، لو أهلا، وأنه لا يلزم القاضي تقريره، ولو أهلا، وأنه جرى العرف بالفراغ بالدراهم، ولا يخفى ما فيه فينبغي الإبراء العام بعده. اهـ. أي لما فيه من شبهة الاعتياض عن مجرد الحق وقد مر أنه لا يجوز. وليس فيما ذكر عن العيني جوازه.
قال الحموي: وقد استخرج شيخ مشايخنا نور الدين علي المقدسي صحة الاعتياض عن ذلك في شرحه على نظم الكنز من فرع في مبسوط السرخسي، وهو أن العبد الموصى برقبته لشخص وبخدمته لآخر، لو قطع طرفه أو شج " موضحة "، فأدى الأرش، فإن كانت الجناية تنقص بخدمته يشتري عبدا آخر يخدمه أو يضم إليه ثمن العبد فيشتري به عبدا يقوم مقام الأول. فإن اختلفا في بيعه لم يبع، وإن اصطلحا على قسمة الأرش بينهما نصفين فلهما ذلك. ولا يكون ما يستوفيه الموصى له بالخدمة من الأرش بدل الخدمة؛ لأنه لا يملك الاعتياض عنها ولكنه إسقاط لحقه به كما لو صالح موصى له بالرقبة على مال دفعه للموصى له بالخدمة ليسلم العبد له. اهـ.
стр. 6934
قال: فربما يشهد هذا للنزول عن الوظائف. قال الحموي: فليحفظ هذا، فإنه نفيس جدا. اهـ.
وذكر نحوه البيري عند قول الأشباه: ينبغي أنه لو نزل وقبض المبلغ ثم أراد الرجوع عليه لا يملك ذلك.
واستطرد في الاحتجاج لرأيه حتى قال، ص ١٦: (وبه اندفع ما ذكره بعض محشي الأشباه من أن المال الذي يأخذه النازل عن الوظيفة رشوة، وهي حرام بالنص. والعرف لا يعارض النص .... واستدل بعضهم للجواز بنزول سيدنا الحسن ابن سيدنا علي رضي الله تعالى عنه عن الخلافة لمعاوية على عوض. وهو ظاهر أيضًا ....) .
واستطرد فقال: (قول ويلزم خلو الحوانيت) . (عبارة الأشباه أقول على اعتباره، أي اعتبار العرف الخاص ينبغي أن يفتي بأن ما يقع في بعض أسواق القاهرة من خلو الحوانيت لازم. ويصير الخلو في الحانوت حقا له. فلا يملك صاحب الحانوت إخراجه منها ولا إجارتها لغيره ....) .
وإجازة العرف: التنازل بمال مشروطة بأن يكون العرف عاما، مستطردا أو غالبا، قائما عند إنشاء التصرف، لا يعارضه تصريح بخلافة، ولا يخالف نصا شرعيا من كتاب أو سنة، ويشهد للعرف قوله ﷺ : ((ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)) ، وابن نجيم يقول في الأشباه والنظائر: (وإنما العرف غير معتبر في المنصوص عليه) بين العاقدين، إذ ليس لهم أن يخالفوه (١) .
وليست الوظائف ملكا للموظفين ليتنازلوا عنها، ولا هي كذلك للدولة، بل هي بعض وسائل من سلطانها تهيؤها للموظفين ليقوموا بخدمتها، وهي بالنسبة لهم أدنى إلى الترخيص منها إلى الملك. والتصريح لهم بالنزول عنها لقاء مال ليس إلا تصريحا بالنزول عن حق معنوي، وإقرار القاضي يدل على أن الحق المعنوي مقيد بقيود من طبيعة ذلك الحق في حالة تنازل الناظر. ولذلك وجب إقرار القاضي لمن ولاه الإمام وظيفته، ويجب التزام طبيعة الوظيفة عند الاتفاق على ولاية الغير لها، ومثل ذلك كل تصريح يصدر عن السلطة يجب التزام شروطه، ومنها جواز النزول للغير أو عدم جوازه.
ولا يعتبر العرف ضرورة وإنما هو كالنص في إباحة العمل القانوني. بل هو – في القانون التجاري – يخصص العام، والقياس على تصرف الإمام الحسن لمعاوية ﵄، غير صحيح. فالصحيح في تصرفه أن الذين بايعوه أقروا عمله ضمنا فكانت ولاية معاوية ببيعه مفروضة.
стр. 6935
- ٤ –
مضت قرون على العصر الذي تحدث فيه ابن عابدين عن الفقه الإسلامي، ثم رأينا بعض الوظائف العامة تباع في فرنسا، وبإقرار الملك (١) في مقابل مبلغ محدد تتلقاه خزائنه، بل أصبحت هذا الوظائف محلا للتوارث ابتداء من القرن الميلادي السادس عشر (العاشر الهجري) . وتفاقم الأمر في عصور الملكية (عصر لويس الرابع عشر الملك الشمس ١٦٤٣م – ١٧١٥ م) ، وازدهرت في ظلال هذا النظام بعض الأسر التي توارثت ولاية القضاء فحفظت له استقلاله.
والتاريخ يروي أن وظيفة النائب العام بيعت وفق ذلك النظام ذات يوم بمبلغ مليون ومائتي ألف ليرة! ويروى السخرية التي واجه بها قائلها لويس الرابع عشر نفسه: (مولاي كلما أنشأت وظيفة خلق الله غبيا يشتريها) .
وفي سنة ١٧٨٩ م ألغت الثورة الفرنسية هذا النظام وقررت التعويض عن إلغائه. ولما استؤنف النظام الملكي في فرنسا أعادت نظام بيع الوظائف معدلا في بعض المرافق ابتداء من سنة ١٨١٦م، ولم يكن من بينها القضاء. وأصبحت الجبايات التي تجبي منها توزع على عمال المرفق أو تنفق على حاجاته، وإذا ألغت الحكومة الوظيفة عوض المرفق صاحبها أو ورثته.