- ٢-
كان الإغريق شعبا من التجار آل إلينا من أنباء متاجرهم مرافعة أعظم خطبائهم (ديموستين) في قضية غش في بيع " محل تجاري " للعطور، وفي قضية أخرى لقاصر ورث " محلا تجاريا " عن أبيه، وثالثة لدائن له تأمينات على " محل تجاري ".
ومن الحماية التجارية نظم الإغريق بيع المتجر ورهنه (١) .
ولم يحتفل الرومان بالتجارة احتفال غيرهم من الأمم، لكن العرب كانوا تجارا. فالتاريخ يحدثنا على لسان المؤرخ الروماني سترابون (ولد سنة ٥٨ قبل الميلاد) أن من القوافل التجارية العربية ما بلغت عدة عيره ألفا وخمسمائة، ومن القوافل ما كان يتجه إلى اليمن لتبلغ التجارة غرضها في الحبشة، وأخرى إلى فارس في الشرق، وغيرها إلى الروم في الشمال. كما يتحدث تاريخ العرب قبل الإسلام عن تجاراتهم الداخلية في أسواق " دومة الجندل " (وهي ملتقى طرق شبه الجزيرة من مكة إلى الشمال والشرق والجنوب) " وهجر "، تتخصص في بيع اللؤلؤ والسلع إلى فارس والهند، يديرها أمراء البحرين وسوق " عمان " وسوق " دبي ". واستمر ذلك النشاط في العرب بعد أن أشرقت شمس الإسلام.
فمن عظماء الصحابة من اشتغل بالتجارة، ومن أئمة الفقه من كانت التجارة حرفة له ومن كان لحانوته مكانة في التاريخ، فالإمام أبو حنيفة (١٥٠هـ) كان من كبار تجار الكوفة ودكانه في دار الصحابي الجليل عمرو بن حريث. والإمام مالك كان يعيش من مضاربة بمال له. وكذلك عاش شيخ هذين الإمامين
стр. 6932
: الإمام جعفر الصادق.
ومن الفقهاء، من برزت من أسمائهم أوصاف الصناعة والتجارة: كالجصاص، والخصاف، والقفال، والكرابيس (بيع الثياب الخام) ، والبقالي، والنعالي، والحلواني، والعطار، والتمار، والصيدلاني (بيع العطر) . ومنهم الصيرفي، ومنهم بائع اللؤلؤ.
ولم يعرف للمتجر شخصية معنوية، فالحقوق المعنوية برزت للوجود في الفقه الإسلامي ابتداء من " الوقف " وملكية " المنافع ". وفي القرن الثاني للهجرة تقررت الملكية الأدبية في الفقه المالكي في صدد " المجموعة الفقهية " المسماة بالأسدية وهي أساس " المدونة " وكان تقريرها بفتوى عبد الرحمن بن القاسم وفقهه، عن مالك، أساس ما ورد بالأسدية وبالمدونة. ثم تقررت في الفقه الإسلامي نظرية الحقوق المجردة أو المعنوية كما سنرى فيما بعد.
وكان للتجارة الخارجية شأنها منذ قامت الدولة الإسلامية، وفرض أمير المؤمنين (عمر) المكوس عليها مثلما كانت الروم تفرض المكوس على تجارة العرب. وفي القرنين السادس والسابع (الثاني عشر الميلادي والثالث عشر الميلادي) ، ازدهرت التجارة الخارجية بين أمم المشرق الإسلامي والأمم الغربية عن طريق البندقية وجنوه (في إيطاليا) مع قيام أوروبا بالحروب الصليبية في مصر والشام، إذ المسلمون لا يعتبرون محاربا لهم إلا من حمل السلاح عليهم.
وفي إبان هذه التجارة انتقلت إلى لغات أوروبا حتى اليوم التعبيرات العربية عن الملاحة والتجارة وما تزال متداولة في لغات العالم بعد أن كشف الأوروبيون العالم الجديد بينما كانوا يبحثون عن طريق إلى الهند ليبعدوا من طريق المسلمين , وفي ذلك العهد نشأت قواعد وأعراف تجارية بين شاطئي البحر المتوسط، دونها الفرنسيون وجمعوها في عصر لويس الرابع عشر (١٦٤٣م – ١٧١٥ م) ، وعملوا بها حتى صدرت مجموعة القوانين الفرنسية، ومنها قانون التجارة الفرنسي في سنة ١٨٠٧ م (١) .
ولما صدر القانون المدني المصري في سنة ١٨٨٣م أقرَّ الملكية الصناعية (٢) ، وكرر الإقرار بذلك القانون المدني الصادر سنة ١٩٤٨م (٣) ، واستمر القضاء في حماية الحقوق المعنوية واطردت أحكامه في ذلك الباب.
стр. 6933
- ٣ –
الحقوق المعنوية (البراءة – التصريح)
والفقه الإسلامي في مجموعة يقوم " المنافع " بمال، ولم تعد " ماليتها " محل جدال. ومن الحقوق العينية: الحقوق الفكرية على الرأي الراجح كحق التأليف والصناعة، فإنها أموال ذات مميزات خاصة ولها قيمة في العرف، وقد اختص بها صاحبها دون غيره (١) .
وأصبح فقهاء الحنفية يذهبون إلى ذلك كما يظهر من الدر المختار، ص ١٣، حيث قوله عن بعض الحقوق المعنوية في (بيع البراءات التي يكتبها الديوان على العمال: لا يصح، بخلاف حظوظ الأئمة) . وقول رد المحتار: (.... قوله بيع حظوظ الأئمة .... بيع حظ بمعنى النصيب المرتب له من الموقف، أي فإنه يجوز بيعه .....) .
وجاء في ص ٥ قوله: (وعليه فيفتى بجواز النزول عن الوظائف بمال) (٢) .
قال العلامة العيني في فتاواه: ليس للنزول شيء يعتمد عليه، ولكن العلماء والحكام مشوا ذلك للضرورة واشترطوا إمضاء الناظر لئلا يقع فيه نزاع. اهـ. ملخصا من حاشية الأشباه للسيد أبو السعود.
وذكر الحموي أن العيني ذكر في شرح نظم درر البحار في باب القسم بين الزوجات أنه سمع من بعض شيوخه الكبار أنه يمكن أن يحكم بصحة النزول عن الوظائف الدينية قياسا على ترك المرأة قسمها لصاحبتها لأن هذا مجرد إسقاط اهـ.
وقلت: وقدمنا عن البحر أن للمتولي عزل نفسه عند القاضي وأن من العزل الفراغ لغيره عن وظيفة النظر أو غيره وأنه لا ينعزل بمجرد عزل نفسه، خلافا للعلامة قاسم. بل لا بد من تقرير القاضي المفروغ له، لو أهلا، وأنه لا يلزم القاضي تقريره، ولو أهلا، وأنه جرى العرف بالفراغ بالدراهم، ولا يخفى ما فيه فينبغي الإبراء العام بعده. اهـ. أي لما فيه من شبهة الاعتياض عن مجرد الحق وقد مر أنه لا يجوز. وليس فيما ذكر عن العيني جوازه.
قال الحموي: وقد استخرج شيخ مشايخنا نور الدين علي المقدسي صحة الاعتياض عن ذلك في شرحه على نظم الكنز من فرع في مبسوط السرخسي، وهو أن العبد الموصى برقبته لشخص وبخدمته لآخر، لو قطع طرفه أو شج " موضحة "، فأدى الأرش، فإن كانت الجناية تنقص بخدمته يشتري عبدا آخر يخدمه أو يضم إليه ثمن العبد فيشتري به عبدا يقوم مقام الأول. فإن اختلفا في بيعه لم يبع، وإن اصطلحا على قسمة الأرش بينهما نصفين فلهما ذلك. ولا يكون ما يستوفيه الموصى له بالخدمة من الأرش بدل الخدمة؛ لأنه لا يملك الاعتياض عنها ولكنه إسقاط لحقه به كما لو صالح موصى له بالرقبة على مال دفعه للموصى له بالخدمة ليسلم العبد له. اهـ.
стр. 6934
قال: فربما يشهد هذا للنزول عن الوظائف. قال الحموي: فليحفظ هذا، فإنه نفيس جدا. اهـ.
وذكر نحوه البيري عند قول الأشباه: ينبغي أنه لو نزل وقبض المبلغ ثم أراد الرجوع عليه لا يملك ذلك.
واستطرد في الاحتجاج لرأيه حتى قال، ص ١٦: (وبه اندفع ما ذكره بعض محشي الأشباه من أن المال الذي يأخذه النازل عن الوظيفة رشوة، وهي حرام بالنص. والعرف لا يعارض النص .... واستدل بعضهم للجواز بنزول سيدنا الحسن ابن سيدنا علي رضي الله تعالى عنه عن الخلافة لمعاوية على عوض. وهو ظاهر أيضًا ....) .
واستطرد فقال: (قول ويلزم خلو الحوانيت) . (عبارة الأشباه أقول على اعتباره، أي اعتبار العرف الخاص ينبغي أن يفتي بأن ما يقع في بعض أسواق القاهرة من خلو الحوانيت لازم. ويصير الخلو في الحانوت حقا له. فلا يملك صاحب الحانوت إخراجه منها ولا إجارتها لغيره ....) .
وإجازة العرف: التنازل بمال مشروطة بأن يكون العرف عاما، مستطردا أو غالبا، قائما عند إنشاء التصرف، لا يعارضه تصريح بخلافة، ولا يخالف نصا شرعيا من كتاب أو سنة، ويشهد للعرف قوله ﷺ : ((ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)) ، وابن نجيم يقول في الأشباه والنظائر: (وإنما العرف غير معتبر في المنصوص عليه) بين العاقدين، إذ ليس لهم أن يخالفوه (١) .
وليست الوظائف ملكا للموظفين ليتنازلوا عنها، ولا هي كذلك للدولة، بل هي بعض وسائل من سلطانها تهيؤها للموظفين ليقوموا بخدمتها، وهي بالنسبة لهم أدنى إلى الترخيص منها إلى الملك. والتصريح لهم بالنزول عنها لقاء مال ليس إلا تصريحا بالنزول عن حق معنوي، وإقرار القاضي يدل على أن الحق المعنوي مقيد بقيود من طبيعة ذلك الحق في حالة تنازل الناظر. ولذلك وجب إقرار القاضي لمن ولاه الإمام وظيفته، ويجب التزام طبيعة الوظيفة عند الاتفاق على ولاية الغير لها، ومثل ذلك كل تصريح يصدر عن السلطة يجب التزام شروطه، ومنها جواز النزول للغير أو عدم جوازه.
ولا يعتبر العرف ضرورة وإنما هو كالنص في إباحة العمل القانوني. بل هو – في القانون التجاري – يخصص العام، والقياس على تصرف الإمام الحسن لمعاوية ﵄، غير صحيح. فالصحيح في تصرفه أن الذين بايعوه أقروا عمله ضمنا فكانت ولاية معاوية ببيعه مفروضة.
стр. 6935
- ٤ –
مضت قرون على العصر الذي تحدث فيه ابن عابدين عن الفقه الإسلامي، ثم رأينا بعض الوظائف العامة تباع في فرنسا، وبإقرار الملك (١) في مقابل مبلغ محدد تتلقاه خزائنه، بل أصبحت هذا الوظائف محلا للتوارث ابتداء من القرن الميلادي السادس عشر (العاشر الهجري) . وتفاقم الأمر في عصور الملكية (عصر لويس الرابع عشر الملك الشمس ١٦٤٣م – ١٧١٥ م) ، وازدهرت في ظلال هذا النظام بعض الأسر التي توارثت ولاية القضاء فحفظت له استقلاله.
والتاريخ يروي أن وظيفة النائب العام بيعت وفق ذلك النظام ذات يوم بمبلغ مليون ومائتي ألف ليرة! ويروى السخرية التي واجه بها قائلها لويس الرابع عشر نفسه: (مولاي كلما أنشأت وظيفة خلق الله غبيا يشتريها) .
وفي سنة ١٧٨٩ م ألغت الثورة الفرنسية هذا النظام وقررت التعويض عن إلغائه. ولما استؤنف النظام الملكي في فرنسا أعادت نظام بيع الوظائف معدلا في بعض المرافق ابتداء من سنة ١٨١٦م، ولم يكن من بينها القضاء. وأصبحت الجبايات التي تجبي منها توزع على عمال المرفق أو تنفق على حاجاته، وإذا ألغت الحكومة الوظيفة عوض المرفق صاحبها أو ورثته.
стр. 6936
- ٥ –
ومن الحقوق المعنوية حقوق المخترعين كان لها نظام خاص أحكمته التشريعات الحديثة، فالشارع الفرنسي يحمي حقوق صاحب الاختراع مددا محدودة إذا سجل الاختراع لقاء رسوم يدفعها فيبقى احتكاره لاختراعه تلك المدة، وحذا القانون المصري حذو الفرنسيين في ذلك.
وبهذا يظهر أن حماية الحق المعنوي في الاختراعات أقل منه في المؤلفات، فحق التأليف إحدى حريات المؤلف. أما حق المخترع فأقرب إلى أن يكون أحد ممتلكاته وإن شاركه عصره في الوصول إليه، فلقد يحدث أن يفكر غيره في بعضه أو في مثله كله، والتاريخ يحفظ أن (جراهام بل) و (جراي) تقدما لتسجيل اختراعهما للهاتف (التلفون) في يوم واحد، بينهما ساعتان من النهار!
ومن الشواهد المعاصرة على إقرار الحقوق المعنوية والملكية الصناعية في الإسلام قرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي (من دورته الأولى لعام ١٣٩٨ هـ إلى الثامنة عام ١٤٠٥هـ) ، بتاريخ السبت ٢٨ ربيع الآخرة ١٤٠٠ هـ الموافق ١٩ يناير سنة ١٩٨٥م، وفيه:
(كل أداة حديثة وصل إليها الإنسان بما علمه الله وسخر له من وسائل إذا كانت تخدم غرضًا شرعيًا أو واجبًا من واجبات الإسلام وتحقق فيما لا يتحقق من دونها تصبح مطلوبة بقدر درجة الأمر الذي تخدمه وتحققه من المطالب الشرعية وفقًا للقاعدة الأصولية المعروفة، وهي أن ما يتوقف عليه الواجب فهو واجب) .
ولا جرم أن الإقرار بالحقوق المعنوية واحتكار الاختراعات لمدة بعض هذه الوسائل.
стр. 6937
- ٦ –
بيع المتجر
في السنة التاسعة للثورة الفرنسية أصدرت محكمة استئناف باريس حكمًا بأن (بيع المتجر – fond de commerce) ، يشمل (الملكية المادية لمعدات المحل، والملكية المعنوية وهي الشهرة وثقة الجمهور) . وأطرد بذلك القضاء دون أن يعضده تشريع حتى صدر قانون من قوانين الضرائب سنة ١٨٧٢ م بفرض ضريبة تمغة على بيع " المتجر " فنص على شمول الضريبة للعناصر التالية (المادة المعدة للاستغلال، وسمعة المحل، ودرجة إقبال الزبن " العملاء ") ، ومنذئذ استقر في الفقه والقضاء أن المتجر يتألف من تلك العناصر، وأن للمعنوي منها قيمة معنوية، وأنه " منقول معنوي "، ولو كان حقًا على عقار كالإجارة، وأن المتجر بتمامه " منقول معنوية " يتألف من كتلة الأموال المعنوية والمادية (السلع) (١)
وفي سنة ١٨٩٨ م اضطر المشرع الفرنسي لتعديل المادة (٢٠٧٥) في القانوني المدني الفرنسي ليجيز رهن " المتجر " دون نقل حيازته للمرتهن – كالمنقول المادي – وفي سنة ١٩٠٩م صدر قانون ببيع المتجر ورهنه على الأساس ذاته.
وعلى غرار القانون الفرنسي صدر القانون المصري رقم (١١) لسنة ١٩٤٠ م الخاص ببيع المتجر ورهنه. وأعقبته في المنهج ذاته نصوص قانون التجارة الكويتي.
ومع ذكر القانون المصري للمقومات التي يشملها البيع إن سكت العقد عن ذكر المقومات، فإنه اقتصر على ذكر بعض ما تعارف عليه منها الفقه والقضاء دون أن يحصرها أو يعرف المتجر ذاته، حتى لا يسد الطريق أمام المستحدث من مقومات معنوية يستجدها النشاط الاقتصادي، والمتجر من أعظم أوعية المستحدثات فيه، إن في داخل الدولة وإن في خارجها.
والنشاط الاقتصادي لم يعد محليًا بل أمسى عالميًا تضع حدوده المعاهدات وتعديلاتها، ومنها اتفاقية باريس سنة ١٨٨٣ م، ومدريد سنة ١٨٩١ م، ولندن سنة ١٩٣٤ م، ولاهاي سنة ١٩٣٨ م. وقد انضمت مصر لهذه الاتفاقيات بقانون سنة ١٩٥٠ م. وهذه المعاهدات تتجه إلى التنسيق بين أوضاع النظام العام الذي ينظم التجارة العالمية وطريقة ذلك بالتنسيق بين وسائل حماية مقومات " المتجر " في الخارج مثل حمايتها في الداخل.
ومن أجل ذلك نصت اتفاقية باريس منذ سنة ١٨٨٣ م على أن يتمتع رعايا كل دولة في كل الدول الأخرى بكل المزايا المقررة في دولة عضو فيها، أو التي ستقرر، شرط اتباع الإجراءات المقررة فيها، والاتفاقيتان الأخريان تكفلان حماية العلامات والبراءات وما يتدرج في ذلك كافة.
وكذلك أطلقت الاتفاقية الحماية لكل ما يمكن إدخاله تحت أبواب السلع زراعية أو صناعية أو تجارية أو أداء خدمات، حيث يقول:
(تؤخذ عبارة " الملكية الصناعية " بأوسع معانيها، فلا يقتصر تطبيقها على الصناعات والتجارة " بالمعنى الدقيق " بل تشمل الشؤون المتعلقة بالصناعة الزراعية والاستخراجية وجميع " المنتجات " المصنوعة أو الطبيعية....) .
стр. 6938
- ٧ -
مقومات المتجر
تتراءى مقومات المتجر في نشاطه العادي: ذلك أن كل عمل متصل باسمه أو بخدمته عمل تجاري بالتبعية، كبناء التاجر عقارا ليكون محلا له، وإلحاق المنقولات على وجه التخصيص بعقار المتجر، فيعتبر عندئذ عقارا بالتخصيص لخدمة المتجر ويلتحق بموجوداته، وإذا بيع العقار مع المتجر، كان جزءا من البيع تسرى عليه أحكامه وإن لزمه التسجيل لنقل الملكية إذا أوجبت القوانين التسجيل لنقل الملكية.
أولا – الاسم التجاري اسم المتجر:
وهو ليس اسما شخصيا، فالمتجر ليس شخصا، ولذلك يباع اسم المتجر ويرهن على نقيض اسم الإنسان.
وقد بدأ المشروع بالاسم التجاري في القانون رقم (١١) لسنة ١٩٤٠ م الخاص ببيع المحل التجاري أو رهنه، فنص في المادة الرابعة على أنه: (إذا لم يبين ما يتناوله الامتياز لم يقع إلا على عنوان المحل التجاري واسمه، والحق في الإجارة، والاتصال بالعملاء، والسمعة التجارية) .
فالاسم علم على المتجر. وهو الذي يقيد في السجل التجاري وفقا للقانون ليحميه قانون تسجيل الأسماء بالعقوبات، وقد يدخله صاحب المتجر في العلامة التجارية فتتقرر له الحماية المقررة لها.
стр. 6939
- ٨ –
١- ويظهر من نص المادة (٤) من القانون رقم (١١) لسنة ١٩٤٠م، أن المقومات التي يتكون منها المتجر منفصلة عن بعضها، وأن كلا منها منقول معنوي يمكن بيعه أو رهنه مستقلا أو مع غيره.
٢- ويظهر أيضًا أن ثمة مقومات أخرى ليست أقل أهمية مما ذكر، ومنها العلامة التجارية والترخيص والبراءات والنماذج وغيرها مما يحميه القانون الخاص بذلك.
٣- وأن المنقولات والسلع الموجودة في المحل ليست عنصرا مستقرا في المصنع والمتجر .... فهي تنتج أو تستحضر لتباع أو تستخدم، وقد لا توجد بالمتجر سلع ومع ذلك يباع كاملا، ومثل ذلك محال الوكالة بالعمولة أو السمسرة أو محال أداء الخدمات أو شركاتها. فالشركات التجارية متاجر كبيرة. حتى متاجر بيع أشياء بذاتها قد تباع وترهن دون الأشياء فالعقد يرد على المقومات المعنوية التي ترد فيه.
٤- وأن التعاقد قد يرد على المقومات المذكورة في المادة وقد لا يرد عليها كاملة، أو يرد على بعضها وقد يستثنى منها بعضها.
стр. 6940
- ٩ –
ثانيا – المقومات الأخرى:
(أ) من الملاحظ أن التصرف في المتجر ينصب على ما هو طبيعي لاستقلاله، مثل ذلك أن بيع المطعم يشمل بيع الاسم التجاري والحق في الإجارة (من أجل صقعه) ، وأدوات المحل والطعام القائم، كما يشمل بيع المصنع الاسم التجاري وحق الإجارة والآلات والرخص والبراءات والنماذج.
(ب) أما حقوق المتجر لدى الغير أو ديونه فلا تدخل في التصرف وفق القانون المصري. والقوانين العالمية في ذلك ضربان: ضرب يدخلها كالقانون الفرنسي. وآخر لا يدخلها. والمرجع في ذلك كله إلى نصوص التعاقد.
(ج) وإذا اشتمل العقد على نص يتعلق بأشخاص العاملين، كالممثلين في المسرح أو الرؤساء الذين يشتهر من أجلهم المطعم، فهؤلاء تبقى لهم الخيرة في أن يعملوا أو لا يعملوا طبقا للعقد، فهذه حرية العامل، فإذا قبلوا التزموا.
(د) وإذا تم التصرف في مقوم من المقومات على استقلال كان التصرف شاملا لما لا يصلح هذا المقوم إلا به، فإذا بيعت السمعة التجارية شملت المتجر، وإذا بيع حق الإجارة شمل المتجر إذا ظهر أن سمعة المحل مرتبطة بمكان وجوده، كأن يكون على شاطئ يتميز به أو في جوار نابه الذكر.
ذلك أن الطابع المعنوي القائم على الاستغلال هو الذي يحكم في القانون التجاري والمتجر كبرى مؤسساته.
стр. 6941
- ١٠ –
العلامة التجارية
١- وليس الصقع (لحق الإجارة أو العقار المخصص لها) ولا السمعة التجارية التي يشتهر المحل بها هي في الأغلب أهم المقومات، فالعلامة التجارية إذا خص بها التاجر بضاعته تزاحمهما وقد تزاحمهما لارتباطها بالمنتج ذاته مثلما يرتبط باسم المتجر بذات التاجر. ومن مكانه العلامة التجارية وأثرها في الأسواق عامة وخطرها على الناس كافة، مصريين وغير مصريين، إذا قلدت أو زروت أو استعملت علامة الغير بالغش، أصدرت مصر قانون حماية العلامات الصناعية، فنص القانون (٥٧) لسنة ١٩٣٩ م على أن لكل مصري أو غير مصري في مصر ولكل مصلحة حق المطالبة بما تقرره المعاهدات الدولية من حماية للملكية الصناعية ... وقررت ذلك قبل أن تنضم للمعاهدات المشار إليها ببضعة عشر عاما.
٢- والعلامة الصناعية شارة على المنتج عندما يضع، أما العلامة التجارية فشارة يطبعها التاجر إذ يبيع ذلك المنتج لتشهد لسلعته لدى الجمهور على مزاياها، ولتحمي السلع من أن يقلدها غيره أو يُزَوِّر علامتها أو يستعمل غيرها في محلها. والقوانين تحمي العلامتين إذا اجتمعتا لدى علامة التاجر. وقد تكون العلامة صورة عظيم من العظماء أو هلالا أو مئذنة أو رمزا أو رسما أو حرفا أو غير ذلك وإنما يمتنع وضع علامات الدولة أو الصليب الأحمر أو العلامات الموهمة.
٣- ومن أهمية العلامة (الماركة) للمتجر نص القانون على أنه لا يجوز نقل ملكية العلامة أو رهنها إلا مع المحل التجاري أو مع مشروع الاستغلال الذي تستخدم لتمييز منتجاته.
ومن أهميتها كذلك في حياة التاجر أجاز نقل ملكية المتجر مع النص على الاحتفاظ بالعلامة للبائع فقد يعود إلى التجارة من بعد فيستعملها لنفسه.
ولمن شاء أن يستعمل ما شاء من علامات على تجارته ومن شروطها أن تكون ظاهرة على المنتجات وأن تكون وقت استعمالها طريفة تستلفت النظر، لا مبتذلة شائعة، أو مستعملة.
стр. 6942
- ١١ –
والقانون يوجب تسجيل العلامات في الداخل لتبدأ حمايتها بقانون العقوبات من تاريخ القيد ونشره مثلما صنع في قيد الأسماء.
وكذلك توجب اتفاقية باريس تسجيل العلامات في دولتها لتنعم العلامة بحماية قوانين سائر الدول المنضمة للاتفاقية وبهذا تصبح التجارة آمنة حيث توجد قوانين تسبغ عليها الأمان، ومع ذلك فالعلامة والاسم محميان بالقانون المدني العام من دون تسجيل بدعوى المنافسة غير المشروعة أو بها وبقانون العقوبات (١) .
ولا يحمي القانون الاسم أو العلامة إذا هجر التاجر اسمه التجاري أو تخلى عن علامته، فالأسماء والعلامات تسقط بالترك، وتكتسب بالاستعمال. وهما إذا كانا ملكا لأول من يستعملهما في الناس، فإن بقاء الملك يستوجب الحفاظ عليه وظهور ذلك. وإذا اختلف أصحاب اسمين وعلامتين تدخل القضاء بينهما بالتعويض أو التصحيح، فقد يأمر بحذف شيء أو إضافة بيان أو بالمصادرة إذا اقتضى الأمر ذلك.
ومما تقدم يتبين أن تقوم مقومات المتجر يتجارى مع نشاطه وأهمية كل منها في تحقيق غرض التاجر وأن أولوية كل منها لا تتبع ترتيبا محددا، وإنما يحدد ترتيبها أثرها في نجاحه، وقد تكون للعلامة الصدارة على الاسم أو السمعة في سوق دون أخرى أو دون دولة وقد تكون القدرة على اجتذاب العملاء هي الأسبق أو يكون الصقع هو الأهم. وللقضاء في ذلك سلطة تقدير الواقع في كل حالة.
- ١٢ –
ويجب لبيع المتجر في بعض الدول – كمصر – عقد رسمي أو عرفي مقرون بالتصديق على التوقيع كما يحتفظ البائع بامتيازه على مقومات المتجر المعنوية، وكما يقيد في السجلات ليحتفظ به قبل الغير. ولكن الرسمية أو التصديق ليسا شرط انعقاد فالعقد من دونهما صحيح يجوز إثباته طبقا للقواعد العامة، ويحدث آثاره كاملة.
وبالله التوفيق
الدكتور عبد الحليم محمود الجندي
والشيخ عبد العزيز محمد عيسى
стр. 6943
الفقه الإسلامي والحقوق المعنوية
إعداد
الدكتور عبد السلام داود العبادي
ممثل المملكة الأردنية الهاشمية في المجمع
ونائب رئيس المجمع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن اقتدى به إلى يوم الدين ... أما بعد.
فإن الحقوق المالية المعنوية من القضايا المستجدة التي برزت بشكل واضح نتيجة تطور الحياة المدنية والاقتصادية والثقافية والعلمية ... فكثرت الأمور المعنوية ذات القيمة المالية التي بات موضوع اختصاص أصحابها ومدى سلطاتهم عليها محل بحث ومناقشة ... وقد انتهت كثير من القوانين الوضعية على اختلاف بينها إلى تقرير هذا الاختصاص وتحديد سلطان أصحابها عليها .... وقد أوجب ذلك ضرورات تشجيع النشاط الإنساني المبدع بكل صوره وحماية مكتسباته، ومنع صور التلاعب والتحايل والاستغلال لجهود الآخرين وأي إثراء غير مشروع على حسابهم.
وقد درس فقهاء الشريعة الإسلامية المحدثون هذا الموضوع، وبينوا استيعاب قواعد الفقه الإسلامي له، وأوضحوا حرص الشريعة على حماية هذه الحقوق وتنظيم أوضاعها بما يكفل تحقيق المصالح المشروعة وصيانة قواعد العدالة وحماية مسيرة التقدم الإنساني من كل مظاهر الاستغلال والتلاعب.
وأعرض فيما يلي للمقصود بالحقوق المعنوية، ثم أبين موقف القوانين الوضعية منها ... وبعد ذلك أعرض لموقف الفقه الإسلامي منها مبينا القواعد الشرعية التي تحميها وتصونها وتنظم أمورها.
стр. 6944
أولا: المقصود بالحقوق المعنوية:
يستعمل القانونيون اصطلاحات متعددة في وصف الاختصاصات التي تقوم للأشخاص على الأشياء المعنوية ذات القيمة المالية بحيث يخولهم ذلك سلطات معينة عليها .....وبعض الاصطلاحات شامل لكل أنواعها أو لكثير منها، وبعضها يطلق على نوع منها دون غيره، ومن هذه الاصطلاحات: الحقوق المعنوية، الحقوق الذهنية، الحقوق الأدبية، الحقوق الفكرية، حقوق الابتكار، الملكية الأدبية والفنية والصناعية، الاسم التجاري، حق الاختراع، حقوق التأليف.
وقد عرف القانونيون الحق المعنوي بأنه سلطة لشخص على شيء غير مادي هو ثمرة فكره أو خياله أو نشاطه كحق المؤلف في مؤلفاته العلمية وحق الفنان في مبتكراته الفنية وحق المخترع في مخترعاته وحق التاجر في الاسم التجاري والعلامة التجارية وثقة العملاء (١) .
والحق المعنوي نوع من أنواع الحق المالي، وهو الحق الذي يمكن تقويمه بالمال فهو يخول صاحبه قيمة مادية تقدر بالمال أو النقود والحق في نظر فقهاء الشريعة: اختصاص ثابت في الشرع يقتضي سلطة أو تكليفا لله على عباده أو لشخص على غيره (٢) .
ويطلق فقهاء الشريعة لفظ الحقوق المالية على كل حق هو مال، أو المقصود منه المال، مثل حق الملك، وحق التملك وحق الانتفاع (٣) . لذا فإن قواعد الفقه الإسلامي تغطي هذا النوع من الحقوق كما سنرى تفصيلا فيما بعد.
ويتجه الأستاذ مصطفى الزرقا في كتابه المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي إلى ترجيح تسمية هذا النوع من الحقوق بحقوق الابتكار، لأن اسم الحقوق الأدبية – أحد التسميات المشهورة لهذا النوع من الحقوق كما بين – ضيق لا يتلاءم مع كثير من أفراد هذا النوع كالاختصاص بالعلامات الفارقة التجارية والأدوات الصناعية المبتكرة، وعناوين المحال التجارية مما لا صلة له بالأدب والنتاج الفكري (أما اسم حق الابتكار فيشمل الحقوق الأدبية كحق المؤلف في استغلال كتابه، والصحفي في امتياز صحيفته، والفنان في أثره الفني من الفنون الجميلة كما يشمل الحقوق الصناعية والتجارية مما يسمونه اليوم بالملكية الصناعية كحق مخترع الآلة ومبتدع العلامة الفارقة التي نالت الثقة، ومبتكر العنوان التجاري) (٤) .
стр. 6945
ثانيا – موقف القوانين الوضعية من هذه الحقوق:
اتفق القانونيون على اعتبار الحقوق المعنوية من الحقوق المالية التي يقسمونها إلى حقوق عينية وحقوق شخصية ولكنهم مختلفون بعد ذلك ... هل تعتبر هذه الحقوق من الحقوق المالية العينية أم أنها حقوق مالية مستقلة بالإضافة إلى الحقوق العينية والشخصية، فذهب بعض القانونيين إلى أن الحقوق المالية تقسم إلى: حقوق عينية، وحقوق شخصية، وحقوق معنوية، فالحق المعنوي قسم للحق العيني والحق الشخصي. وكان ذلك نتيجة أن معنى الحق العيني عندهم عبارة عن سلطة معينة يعطيها القانون لشخص معين على شيء معين. وهذا الشيء المعين لا بد أن يكون شيئا ماديا متعينا بذاته في الوجود الخارجي، فتنصب سلطة صاحب الحق عليه مباشرة.
ولما ظهرت الحقوق المعنوية، نتيجة لتطور الحياة، وأقرتها القوانين العصرية اعتبرها هؤلاء القانونيون نوعا مستقلا من أنواع الحقوق المالية لما تتصف به من خصائص تميزها عن الحقوق العينية والشخصية نتجت من كون محلها غير مادي (١) .
وذهب قانونيون آخرون إلى أن الحق المعنوي لا يعتبر نوعا من أنواع الحق المالي بالإضافة إلى الحق العيني والحق الشخصي إنما هو حق من الحقوق العينية، وإن الشيء الذي تنصب عليه السلطة في الحق العيني أعم من أن يكون ماديا أو معنويا.
ثم إن هؤلاء اختلفوا فيما بينهم حول طبيعة هذا الحق المعنوي، بعد أن قرروا أنه عبارة عن حق عيني.
فمنهم من اعتبر الحق المعنوي حق ملكية أو نوعا خاصا من الملكية (٢) ، لذلك فهم يطلقون على هذا الحق تسمية: الملكية الأدبية والفنية والصناعية.
ومنهم من اعتبره حقا عينيا أصليا مستقلا عن حق الملكية بمقوماته الخاصة (٣) .
وقد احتج المانعون أن يكون الحق المعنوي حق ملكية، بأن حق الملكية ينصب على شيء ويخول صاحبه سلطة استعمال الشيء واستغلاله والتصرف فيه، والاستعمال لا يتصور بالنسبة للحق المعنوي، لأن الاستفادة منه لا تكون إلا باستغلاله والتصرف فيه، فلا يمكن أن يستفاد منه إذا قصر صاحبه استعماله على نفسه، فعنصر الاستعمال الذي هو أقوى عناصر الملكية غير موجود في هذا الحق، لذلك يسميه بعض القانونيين بأنه حق احتكار الاستغلال، وليس حق ملكية.
كما أن حق الملكية بطبيعته حق مؤبد، في حين أن هذا الحق بطبيعته حق مؤقت (٤) .
وقد أجاب الآخرون عن هذه الحجج بأنها لا تمنع من أن يكون الحق المعنوي نوعا خاصا من الملكية، وذلك أن الحق المعنوي يتفق مع الملكية العادية في نواح، ويختلف عنها في أخرى، فهو عبارة عن سلطة تنصب على الشيء المعنوي مباشرة دون وساطة وتخول صاحبه حق الاستغلال والتصرف، في حين أنه، بحكم طبيعته، وهو كونه يقع على شيء غير مادي، لا يقبل الاستئثار، ولا يصح أن يكون مؤبدا (٥) .
وقد كان القانون المدني المصري القديم الصادر سنة ١٨٨٣م يتضمن في المادة (١٢) منه: أن الحكم فيما يتعلق بحقوق المؤلف في ملكية مؤلفاته وحقوق الصانع في ملكية مصنوعاته يكون حسب القانون الخاص بذلك .... مما يدل على أن القانون القديم يذهب إلى اعتبار هذه الحقوق ملكية، ولكن لم يصدر القانون الخاص الموعود حتى صدور القانون الجديد سنة ١٩٤٨م، الذي أشار في المادة (٨٦) منه إلى أن تنظيم هذه الحقوق متروك لقانون خاص يصدر به. ولكنه لم يسم هذه الحقوق بالملكية، كما فعل القانون السابق، بل سماها الحقوق التي ترد على شيء غير مادي مما يدل على أن القانون المصري لم يرد الخوض في الخلاف حول طبيعة هذه الحقوق، وحسمه بشكل ما (٦) .
يقول الأستاذ عطا الله إسماعيل: (ويتضح مما ذكر عن مختلف النظريات في شأن هذا الحق أن جوهره ما زال موضع التقصي والبحث ....) ، ثم يقول: (وحسنا فعل المشرع المصري إذ لم يتقيد بنظرية بعينها فيما وضع من حلول لمختلف الفروض والمسائل التي عرض لها في تقنينه لحقوق التأليف) (٧) .
стр. 6946
ثالثا: موقف الفقه الإسلامي من الحقوق المعنوية:
أما الأمر في الفقه الإسلامي فيختلف، ذلك أن دائرة الملك في الشريعة أوسع منها في القانون، فلا تشترط الشريعة أن يكون محل الملك شيئا ماديا معينا بذاته في الوجود الخارجي، إنما هو كل ما يدخل في معنى المال من أعيان ومنافع على الراجح من أقوال الفقهاء، والذي معياره أن يكون له قيمة بين الناس، ويباح الانتفاع به شرعا وهو ما تقرر وفق اصطلاح جمهور الفقهاء كما سنرى.
وعلى ذلك ... فمحل الحق المعنوي والذي سماه القانون بالشيء غير المادي، داخل في مسمى المال في الشريعة، ذلك أن له قيمة بين الناس، ويباح الانتفاع به شرعا ... بحسب طبيعته، فإذا قام الاختصاص به تكون حقيقة الملك قد وجدت (١) .
كما أن الاستئثار المقصود في الملك في الفقه الإسلامي، ليس معناه احتواء الشيء من قبل المالك، إنما معناه أن يختص به دون غيره ... فلا يعترضه في التصرف فيه أحد. والتصرف يكون في الأِشياء حسب طبيعتها، لذلك يختلف مدى التصرف في أنواع الملك في الشريعة من نوع إلى أخر.
والشريعة، أيضا، لا تشترط التأبيد لتحقق معنى الملك ... بل إن طبيعة ملك المنفعة مثلا، تقتضي أن يكون مؤقتا ... كما في ملك منفعة العين المستأجرة، وملك منفعة العين الموصى بمنفعتها دون رقبتها (٢) .
فإذا كان لا بد أن يتأقت الحق المعنوي بمدة معينة بحجة أن صاحب الحق المعنوي قد استفاد من جهد غيره، فهو ليس جهدا خالصا له، كما أن جهده ضروري لتقدم البشرية ورقيها، ومقتضى ذلك ألا يكون حقه حقا مؤبدا (٣) .... فإن هذا التأقيت لا يخرجه عن دائرة الملك في الشريعة.
ويبدو أن هذه الحقوق لم تقم في المجتمع الإسلامي رغم نشاط حركة التأليف – مثلا – فيه من القديم، لأن الإسلام يدعو إلى كل ما فيه نفع للأمة، بل إن ما لا تستغني عنه الأمة يعتبر من فروض الكفاية التي تأثم الأمة جميعا بتركها، كما أن العلم، وخاصة العلم الشرعي، لا يحل كتمه ....فالتأليف مثلا كان عبارة عن شعور بالواجب ورغبة في الثواب والأجر، بل كان المؤلف يحرص على نشره بكافة الطرق، لأن في ذلك مزيدا من الأجر والثواب. وعليه لم تبرز فكرة استحقاق الشخص لما ينتجه من أشياء غير مادية. وإن كانوا حريصين على نسبة الآراء إلى أصحابها.
ولكن إذا تصرف الناس عن إنتاج ما هو نافع من الأشياء غير المادية، وأخذ بعض الناس يستغلون ما ينتجه غيرهم من هذه الأمور .... ما يؤدي إلى الإضرار بهم، ومن ثم امتناعهم عن إنتاج ونشر مثل هذه الأمور، فإنه يمكن أن توضع القواعد التي تكفل تنظيم هذا الأمر بالشكل الذي تتحقق به مصلحة الأمة.
ولما كانت الأشياء غير المادية تدخل في مسمى المال في الشريعة، لأن لها قيمة بين الناس ومباح الانتفاع بها شرعا، وقد قام الاختصاص بها، فعلى هذا الأساس يمكن أن تنظم باعتبارها نوعا من أنواع الملك.
وقد اهتم بعض القانونيين بالحقوق المعنوية في الشريعة، وحاولوا تلمس أسس حمايتها وتنظيمها فيها .... يقول الدكتور محمد صادق فهمي: " ونعتقد أن الروح التي تهيمن على التشريع الإسلامي تأبى إلا أن تعترف بحقوق المؤلفين، لأن التشريع يأبى على الشخص أن يضر بغيره، كما أن اغتيال مؤلف إن هو إلا سلوك إجرامي تأباه الشريعة الإسلامية، وفي قول رسول الله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) ما يكفي لحماية حقوق المؤلفين (٤) .
وواضح أن فيما عرضناه بيانا شافيا للأسس التي يمكن أن نعتمد عليها بسهولة لحماية هذه الحقوق وتنظيمها.
ولنزيد هذا الأمر إيضاحا لا بد من التعرف بإيجاز بحقيقة كل من المال والملك في الفقه الإسلامي.
стр. 6947
١- حقيقة المال في الفقه الإسلامي:
الذي يؤخذ من المعاجم والقواميس اللغوية، أن المال في اللغة العربية يطلق على كل ما تملكه الإنسان وحازه بالفعل، من كل شيء، سواء أكان عينا أم منفعة ... أما ما لم يتملكه الإنسان ولم يدخل في حيازته بالفعل، فلا يعد مالا في اللغة كالطير في الهواء والسمك في الماء، والأشجار في الغابات.
ففي القاموس المحيط: " المال ما ملكته من كل شيء " (١) وفي لسان العرب: " المال – معروف – ما ملكته من جميع الأشياء " (٢) .
والمال في الإصطلاح لم يرد له تعريف عن الشارع يحدد معناه تحديدا دقيقا، بل ترك لما يتعارف الناس عليه منه.. فالعربي الذي نزل القرآن بلغته حينما يسمع لفظة المال يفهم المراد منها، كما يفهم ما يراد بلفظ السماء والأرض (٣) ..... ولذلك نجد بعض أصحاب المعاجم اللغوية يقولون: " المال معروف " (٤) ، فالكتاب الكريم، والسنة الشريفة جاءت فيهما كلمة المال مرات كثيرة (٥) .، وترك للناس فهمها بما يعرفون ويألفون ... ولم يحدد الشارع له حقيقة اصطلاحية بحيث إذا أطلق تبادرت إلى الأذهان، كما هو الحال في الصلاة والصيام ... فإذا قرأ العربي أو سمع حديث رسول الله ﷺ : ((كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)) ، فهم المراد من المال بالطريقة التي يفهم بها كلمة العرض، وكلمة النفس، من غير رجوع إلى اصطلاح خاص (٦) .
وعندما قامت المذاهب الفقهية، واستعمل لفظ المال مرادا به معان اصطلاحية، انشغل الفقهاء بوضع تعاريف له ... وقد اختلفت تعريفاتهم على ضوء اختلافهم في المعاني الاصطلاحية المرادة منه، وقد قام بهذا الصدد اصطلاحان رئيسان هما: اصطلاح الحنفية، واصطلاح الجمهور.
стр. 6948
(أ) اصطلاح الحنفية:
عرف فقهاء المذهب الحنفي المال بتعريفات كثيرة، مختلفة في ألفاظها، متقاربة في مفهومها ومعناها، والاختلاف بينها ليس ناشئا عن اختلاف في فهم حقيقة المال في المذهب الحنفي، بل هو اختلاف في العبارات، ومدى دقتها في بيان اصطلاح الحنفية في معنى المال (١) .
وفقهاء الحنفية يوجبون لتحقيق مالية الشيء اجتماع أمرين:
أولهما: أن يكون شيئا ماديا يمكن إحرازه وحيازته، فيخرجون عن معنى المالية كل ما لا يتحقق فيه هذا الشرط كالمنافع والديون والحقوق المحضة مثل حق التعلي، وحق الأخذ بالشفعة، وحق الشرب والمسيل (٢) ، كما يخرجون منه أمثال حرارة الشمس وضوء القمر، وكل الأمور المعنوية كالشرف والصحة.
ومن هنا يظهر أن فقهاء الحنفية لا يشترطون أن يكون الشيء مملوكا بالفعل ليعتبر مالا، كما هو مقرر في اللغة، إنما يكتفون بإمكان تملكه، فالصيد في الفلاة، وكذلك الطير في السماء يعتبر عندهم مالا، لإمكان إحرازه وتملكه.
ثانيهما: أن يكون الشيء منتفعا به انتفاعا معتادا، فلحم الميتة والطعام الفاسد ليسا بمال لأنهما لا ينتفع بهما أصلا، وحبة القمح وقطرة الماء ليستا بمال، لأنهما لا ينتفع بهما انتفاعا معتادا .... فهذه الأمور لا تعد مالا، وإن أمكن حيازتها، وذلك لعدم تحقق العنصر الثاني من عناصر المالية.
والمراد بالانتفاع، الانتفاع المشروع في حال السعة والاختيار دون حال الضرورة، فجواز الانتفاع بلحم الميتة في حال الضرورة لا يجعل منه مالا، فيقتصر على جواز الانتفاع ولا حاجة للقول بالمالية، لأن الضرورة تقدر بقدرها.
وليس المقصود بالانتفاع هنا، انتفاع الناس كافة، بل يكفي فيه انتفاع بعضهم فلا تزول مالية الشيء إلا إذا ترك الناس كلهم تموله، لم تكن له منفعة أصلا، أما إذا ترك بعض الناس تموله وبقي منتفعا به عند بعضهم، فلا تزول ماليته، كالملابس القديمة التي يستعملها بعض الناس دون بعضهم الآخر (٣) .
وواضح أن هذين العنصرين قد نص عليهما بوضوح في تعريف من عرف المال من فقهاء الحنفية، بأنه: ما يمكن حيازته، وإحرازه، والانتفاع به انتفاعا معتادا (٤) .
وقد عرف بعض الفقهاء المال باصطلاح الحنفية بأنه: كل عين ذات قيمة مادية بين الناس، فصاحبه نظر فيه إلى أن اعتياد تمول عين، وصيانتها، والانتفاع بها يستلزم القيمة إذ لا يعتاد الناس هذا في الشيء .... بحيث يحمى تارة ويبذل أخرى إلا لمنفعة مادية أو معنوية يقدرونها فيه، فتتجه إلية الرغبات. والرغبات يبذل في سبيل تحقيقها والحصول عليها أعواض مادية ... لذلك استغنى عن النص في التعريف على الانتفاع المعتاد، ووضع بدله أن تكون العين ذات قيمة مادية بين الناس، مشيرا إلى أن هذه القيمة هي القيمة بالمعنى الاقتصادي العام، والتي خرج بها ما لا قيمة له من الأعيان بين الناس إما لحرمته على جميع الناس كالميتة، أو لتفاهته كحبة القمح (٥) .
стр. 6949
(ب) اصطلاح الجمهور:
أصطلح جمهور الفقهاء على معنى معين للمال هو أوسع من اصطلاح الحنفية (١) . والناظر في تعاريف الجمهور ونصوصهم الفقهية، بهذا الصدد، يستطيع أن يستخلص أن أساس المالية في نظرهم هو:
١- أن يكون الشيء له قيمة بين الناس.
٢- أن تكون هذه القيمة ناتجة من أنه ينتفع به انتفاعا مشروعا، فلا قيمة في نظر الشريعة لأية منفعة اعتبرتها غير مشروعة.
وعلى هذا الأساس يمكننا تعريف المال في اصطلاح الجمهور بأنه: " ما كان له قيمة مادية بين الناس، وجاز شرعا الانتفاع به في حال السعة والاختيار ".
وفيما يلي شرح لألفاظ هذا التعريف:
ما: جنس يشمل أي شيء سواء أكان عينا أم منفعة، وسواء أكان شيئا ماديا أم معنويا، له قيمة مادية بين الناس: قيد لإخراج الأعيان والمنافع التي لا قيمة لها بين الناس لتفاهتها كحبة قمح أو قطرة ماء، وكمنفعة شم تفاحة ....
وجاز الانتفاع به شرعا: قيد لإخراج الأعيان والمنافع التي لها قيمة بين الناس، ولكن الشريعة أهدرت قيمتها، ومنعت الانتفاع بها، كالخمر والخنزير ولحم الميتة، ومنفعة آلات اللهو المحرمة.
في حال السعة والاختيار: قيد جيء به لبيان أن المراد بالانتفاع الانتفاع المشروع في حال السعة والاختيار، دون حال الضرورة فجواز الانتفاع بلحم الميتة، أو الخمر أو غيرها من الأعيان المحرمة، لا يجعلها مالا في نظر الشريعة، فيقتصر الأمر على جواز الانتفاع، فلا تصبح هذه الأعيان أموالا، لأن الضرورة تقدر بقدرها.
والواقع أن مسلك الجمهور أولى بالأخذ والاعتبار .... ذلك أن عدم اعتبار المنافع أموالا محل نقد شديد، وهو ما بيناه تفصيلا في كتاب الملكية ... كما أن هذا المسلك في بنائه مالية الشيء على كونه منتفعا به انتفاعا مشروعا، وله قيمة بين الناس يسمح بتوسيع دائرة الأموال في هذا العنصر لتشمل أشياء لم تكن معروفة فيما سبق ما دام قد تحقق فيها أساس المالية، وذلك مثل الأشياء المعنوية فيما يعرف بالحقوق الذهنية وحقوق الابتكار، ويمكن أن يقال مثل هذا الكلام في الدم البشري الذي يؤخذ من الإنسان ليحتفظ به – في بنوك الدم – من أجل الانتفاع به انتفاعا مشروعا في العمليات الجراحية، ويكون له قيمة بين الناس. وكذلك الجراثيم التي يتم تصنيعها في معامل الأدوية إلى أمصال لمقاومة الأمراض ... وغيرها.
стр. 6950
٢- حقيقة الملك في الفقه الإسلامي:
ذكرت قواميس اللغة أن معنى الملك: احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به والتصرف بانفراد (١) .
أما في الاصطلاح فقد تعددت تعاريف العلماء له، أذكر منها:
١- تعريف صدر الشريعة عبيد الله بن سعود بأنه: (اتصال شرعي بين الإنسان وبين شيء يكون مطلقا لتصرفه فيه وحاجزا عن تصرف الغير) (٢) .
٢- تعريف القرافي بأنه: (إباحة شرعية في عين أو منفعة تقتضي تمكن صاحبها من الانتفاع بتلك العين أو المنفعة أو أخذ العوض منها من حيث هي كذلك) (٣) .
٣- تعريف القاضي حسين بأنه: (اختصاص يقتضي إطلاق الانتفاع والتصرف) (٤) .
٤- تعريف ابن تيمية بأنه: (القدرة الشرعية على التصرف في الرقبة) (٥) .
وقد كنت قدمت دراسة مستقضية عن حقيقة الملك في الشريعة الإسلامية استعرضت فيها هذه التعاريف وغيرها وناقشتها، وانتهيت إلى أن تعريف الملك حتى يكون جامعا مانعا لا بد أن تبرز فيها الأمور التالية:
١- أن الملك اختصاص أو علاقة يختص بها الإنسان بشيء.
٢- أن موضوع هذا الاختصاص القدرة على الانتفاع والتصرف بهذا الشيء.
٣- أن هذا الانتفاع والتصرف قد يمنع منهما كما في المحجورين للصغر أو الجنون.
٤- أن هذا الانتفاع والتصرف قد يتم أصالة أو وكالة، ويهمنا هنا ما يتم أصالة.
٥- وكل هذا مقررة أحكامه في الشرع جملة وتفصيلا.
وعلى ذلك فقد عرفت الملك بأنه: (اختصاص إنسان بشيء يخوله شرعا الانتفاع والتصرف فيه وحدة ابتداء إلا لمانع) (٦) .
стр. 6951
الخلاصة
ويعد هذا البيان الموجز لحقيقة كل من المال والملك في الفقه الإسلامي يظهر لنا جليا انطباق حقيقة كل منهما على هذا النوع من الحقوق. المال وفق ما استقر من اصطلاح لجمهور الفقهاء، والملك وفق ما اتفق عليه الفقهاء ... وإن هذا التخريج الفقهي مضطرد لا إشكال عليه ولا مانع منه .... بل إن قواعد الشريعة ومبادئها العامة تؤكد هذا وتؤيده ... ذلك أن محور هذه الحقوق أمران:
الأول: الحق في الاحتفاظ بنسبة محل هذا الحق لصاحبه ... وهو جانب معنوي بحت ....فإن الأمانة والصدق يقتضيان نسبة كل لصاحبه، والشريعة تبني على تقرير هذه النسبة أشياء كثيرة منها الحساب والأجر والثواب، والتحري والدقة والتثبت وبخاصة في المجالات العلمية بخصوص تفسير القرآن الكريم ونقل الحديث النبوي وشرحه وفي الشهادة وإثبات الحقوق وغيرها.
الثاني: الحق في الاختصاص بالمنفعة المالية التي تعود على صاحبه من استغلاله أو نشره ضمن ما هو مقرر شرعا وقانونا.
والشريعة وإن كانت تدعو إلى تعميم المنفعة ونشر ما فيه مصالح الناس وخيرهم لكن ذلك في نظرها لا يبرر الاعتداء على حقوقهم فيما هو نافع ومفيد ... بل إن تعميم المنفعة بما يبتكره الأفراد له قواعده وأصوله ومن أهم هذه القواعد التي تحقق المصلحة وتمنع الضرر الاعتراف بهذه الحقوق وتنظيم نشرها والاستفادة منها بأحكام تنسجم مع طبيعتها وظروف التعامل معها، وقد استقرت الأعراف الإنسانية في كثير من الدول على ذلك، والمالية يقررها العرف، ما دام الأمر غير ممنوع في الشرع ... وإن تطور الحياة الإنسانية يملى بذلك حماية لهذا التصور ودفعا لمزيد من العطاء والبذل.
وقد يقال إن من أبرز الحقوق المعنوية حقوق التأليف، وقد وجد التأليف في وقت مبكر في التاريخ الإسلامي، فلمإذا لم يقل فقهاؤنا السابقون بمالية هذه الحقوق وجواز بيعها؟.والجواب على هذا يعود بالإضافة لما سبقت الإشارة إليه إلى أن جهود النساخ للكتب قبل اختراع الطباعة كان يقضي على جهد المؤلفين وبخاصة مع حرص المؤلفين على نشر العلم وكسب الأجر.
وهكذا يتبين لنا أن الشريعة الإسلامية تعترف بالحقوق المعنوية وتدعو إلى تنظيم كل ما يتعلق بها وبخاصة في مجال استغلالها والتصرف بأحكام تفصيلية تحقق المصالح المشروعة لأصحابها وللمجتمع، وهو ما قد يختلف من حق إلى آخر ومما يترك للدراسات الخاصة بكل حق على حدة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور عبد السلام داود العبادي
стр. 6952
حول الحقوق المعنوية وإمكان بيعها
إعداد
الشيخ محمد علي التسخيري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نجد من الضروري قبل البت في هذا الموضوع أن نتحدث – بشيء من الإسهاب – حول الحق في الإٍسلام لأن ذلك يلقي أضواء نافعة على الموقف في مسألتنا (بيع الحقوق المعنوية) .
الحق في اللغة هو الثبوت ولذا يطلق على الباري جل وعلا، فهو تعالى الحق المطلق،
ويطلق على الخبر المطابق للواقع.
والكون كله يقوم بالحق أي بمقتضى الرحمة الإلهية، والحاجة الواقعية له. وعلى غرار هذا المعنى الواقعي انتزع مفهوم اعتباري وثبوت اعتباري وذلك لتنظيم العلاقات الاجتماعية ويمكن القول بأن الحق يجب أن يمتلك بعدين:
(أ) النشوء من حالة واقعية (تركيب تكويني، مصلحة واقعية) .
(ب) اعتبار شرعي أو عقلاني.
وهنا بحث مفصل عن مناشيء الحق الواقعية يرجعها إلى الفطرة من جهة والمصالح الاجتماعية الواقعية للإنسان وعن معايير تشخيص كون الحق واقعيا وإنسانيا واجتماعيا، وعن أصول الحق الإنسانية لا داعي للتعرض لها هنا.
стр. 6953
أما مناشئ الحق الفقهية فيمكننا أن نقرر باختصار، أن المناشيء التي تقررها الشريعة للحق متعددة وأهمها:
١- العقد كالبيع.
٢- الإرادة المنفردة كالوصية إن لم نقل بلزوم القبول فيها.
٣- العمل غير الشرعي كأنماط الجنايات.
٤- الشريعة مباشرة كحقوق النفقة والقسمة والتحجير وأمثالها.
٥- القانون الصادر من قبل الحاكم الشرعي وفق المصلحة العامة.
٦- العرف.
ولكن يتوضح المقصود نقول إن هذا المناشيء وغيرها (كالإثراء بدون سبب مثلا حيث يثبت حق لمن عمر بيتا آيلا للسقوط على أصحابه لا بقصد التبرع – لو قلنا بثبوت الحق بذلك) ، تصدر من الشريعة نفسها فهي تارة تتدخل مباشرة لتقرير الحق، وأخرى تجعل الحق متوقفا على منشأ معين، ولكن الأمر الذي يجب التركيز عليه هو الحق العرفي.
فلو تعارف الناس على حق ما فهل يمكن تصحيحه كحق شرعي مقرر عبر عمومات شرعية.
ولن نبحث الآن في الموضوع وإنما نتركه لبحث ما هو الأصل عند الاختلاف في الحق ولكننا نشير إلى أن الحقوق العرفية على نوعين:
الأول: ما يمتد بشكل طبيعي إلى حياة المعصوم ﵇، ولا نجده ينهى عنه من جهة فيكون مقررا من قبله. وتشمله من جهة أخرى عمومات (أوفوا بالعقود) أو (المؤمنون عند شروطهم) ، لو قلنا بشمولها للمرتكزات العرفية بين الناس ولم نقصرها على الشروط ضمن العقد، و (أحل الله البيع) ، وأمثال ذلك، فهذا لا كلام فيه.
الثاني: ما تعورف عليه في العصور المتأخرة، وهو الذي يجب التركيز عليه إذ لا معنى للاستدلال بالتقرير عليه ويبقى البحث عن شمول العمومات له، وهو ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 6954
الحكم والحق:
الحكم هو الجعل التكليفي أو الوضعي ويتعلق بفعل الإنسان منعا أو رخصة أو ترتيب أثر وهو لا يسقط بالإسقاط ولا معنى لنقله، فأمره بيد الشارع، نعم يستطيع المكلف أن يخرج عن موضوع الحكم فيسقط الحكم حينئذ بهذا الخروج بالإسقاط كما هو واضح.
أما الحق فيطلق تارة في قبال الملك وأخرى بما يرادفه وهو بمعنييه سلطنة مجعولة للإنسان من حيث هو على غيره ولو بالاعتبار من مال أو شخص أوهما معا.
واعتبر أحيانا مرتبة ضعيفة من الملكية.
وله طرفان. ذو السلطنة والمسلط عليه، وقد يكون مستقلا بنفسه كحق التحجير، وقد يتقوم بغيره كحق المجني عليه على الجاني، وحق القصاص.
وقد يتحد ذو السلطنة والمسلط عليه كملكية النفس (والفرق اعتباري) ، في قوله تعالى حكاية عن موسى: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾
الحق والملكية والسلطنة:
اختلفت المواقف حول العلاقة بين هذه المصطلحات فنقل عن بعض العلماء أنه كان يقول بوحدتها، وعن عدة من المحققين أن الحق مرتبة ضعيفة من الملكية وله ما هية منفصلة عنها.
وذكر السيد الطباطبائي في تعليقته على كتاب (المكاسب) ، للشيخ العلامة الأنصاري أن الحق نوع من السلطنة والملكية.
وذكر المحقق الشيخ محمد حسين الأصفهاني، أن الحق يختلف باختلاف الموارد ولذا تختلف آثاره فحق الولاية والوصاية والتولية المعتبر فيه، هو نفس الولاية والوصاية وإضافة الحق إليها إضافة بيانية. وحق التحجير عبارة عن كون صاحبه أولى بالأرض وحق القصاص والشفعة والخيار عبارة عن السلطنة.
وركز الإمام الخميني على كون الحق واحدا في الجميع مستشهدا بالارتكاز العرفي واعتبر الحق غير الملك والسلطنة، ذلك أن الحق قد يصدق في مورد لا تصدق فيه السلطنة والملك كحق السبق إلى الوقف، وحق التحجير، ولو انتقل حق التحجير بالإرث إلى طفل فإنه لن تكون هناك ملكية ولا سلطنة، كما أن السلطنة قد تعتبر وليس هناك حق أو ملك كالسلطنة على النفس.
ويفرق المرحوم آية الله الصدر بينها أيضا.
والظاهر أن الملكية تعني الحق المطلق للسلطنة إلا في موارد التحديد الشرعي فكأنها سلطنة نشأت مطلقة.
أما الحق فبطبيعته نشأ محدودا وهذا ما يفسر قول المحقق الأصفهاني الأنف.
ثم أنه لوحظت في الحق جهتان (من له ومن عليه) في الغالب، وليست الملكية كذلك ومن هنا ندرك أن نزاعهم في الأرض المحياة في محله. حيث دار النزاع عما تؤدي إليه أدلة الإحياء وهل هو الملكية أو الحق الخاص؟
فمن قال بأنه حق ذكر أن الأرض تبقى على ملكية الإمام وإن اكتسب الفرد فيها حقا يستطيع معه استثمارها ومنع غيره منها ما دام قائما بها، ولكن هذا لا يمنع الإمام من فرض الطسق عليه، وهو رأي الشيخ الطوسي والسيد بحر العلوم، وتؤيده نصوص منها قول الإمام ﵇ : " من أحيا أرضا، من المؤمنين فهي له وعليه طسقها ".
ويميل السيد الصدر لهذا الرأي لأن التعارض المستحكم بين الطائفتين من النصوص الدالة على ذلك يحل بالرجوع إلى كتاب الله حيث جعل طريق نقل الملكية (التجارة) . ولم يذكر الإحياء فلا مناص من جعله مؤديا للاختصاص فقط والتفصيل في الأمر يذكر في محله.
стр. 6955
المصاديق المشتبهة بين الحق والحكم:
هناك مصاديق مشتبهة بين كونها حقوقها أو أحكاما.
من قبيل حق الرجوع في المطلقة الرجعية، إذ قال المحقق القمي ومن تأخر عنه إنه حق لا يجوز الصلح عليه، وقال آخرون إنه حكم باعتبار بقاء العلقة الزوجية بضعف وتزلزل، فهو من قبيل جواز الرجوع في الأحكام الجائزة، أما إذا لم نقل ببقاء العلقة الزوجية كان حقا وهو خلاف ظاهر قوله تعالى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾
وهناك موارد مختلفة أخرى كثيرة من قبيل:
الاختلاف في الخيارات وهل هي حقوق. والأولوية بالسبق إلى الأوقاف فهل هي حكم بتحريم مزاحمة السابقين، أم هي حق، وكذلك جواز الصلح على حق إقامة الدعوى، وحق اليمين، وحق الغيبة وغيرها، وكذلك في النفقات يوجد خلاف بل وتمييز بين نفقة الزوجة لإطلاق الحق عليها في النصوص ونفقة الأقارب.
стр. 6956
الاستعمالات العامة والفرق بين الحق والحكم:
إن كلا من الحق والحكم قد يستعمل استعمالات فيشمل أحدهما الآخر، فالحق يعني الثبوت وربما أريد به ثبوت الاعتبار فيشمل الحكم، وربما عني بالحكم الحكم الوضعي وآثاره، فشمل الحق.
أما لو جعلنا أحدهما في قبال الآخر فإننا نلاحظ:
أولا: أن مفهوم الحق من المفاهيم ذات الإضافة فهو لأحد على أحد ويضاف إلى الشيء.
أما مفهوم الحكم فهو مفهوم نفسي لا نسبة فيه إلا للفاعل.
ثانيا: أنه أخذ في الحق وجود سلطنة لصاحبه على ما عداه بعكس الحكم.
ثالثا: أن الحكم لا يقبل الإسقاط والنقل والانتقال بعكس الحق في كثير من مصاديقه.
ثبوت الحق دون الملكية بالمعنى المطلق:
كثيرا ما يثبت الحق دون الملكية بالمعنىالمطلق:
فهناك حق الاختصاص في الموارد التي لا مالية فها شرعا أو عرفا كاقتناء الأعيان النجسة، فيوجد فيها حق إما للحيازة أو لامتلاك الأصل، كما لو مات الحيوان المملوك، وربما كان ثبوت هذا الحق باعتبار ما هناك من منافع متبقية.
وهناك حق التحجير وهو عمل مُقَدميّ لتشخيص المساحة التي يراد إحياؤها، ويتم بالنسبة للأرض بتحجيرها وللبئر بحفرها (قبل الوصول للمعدن) ، والقناة قبل وصلها بالنهر، ويعتبر في هذا الحق ما يمكنه إحياؤه إذ جاء في تذكره الفقهاء: ٢/٤٢٠، (ولا ينبغي أن يزيد المحجر على قدر كفايته ويضيق على الناس، ولا أن يحجر ما يمكنه القيام بعمارته، فإن فعل ألزمه الحاكم بالعمارة، والتخلي عن الزيادة، فيسلمها إلى من يقوم بعمارتها) ، وهذا الحق ينتقل بالإرث واختلف في إمكان نقله بالبيع.
стр. 6957
الإسقاط والنقل والانتقال:
تختلف الحقوق – بما هي – من حيث القبول للإسقاط والنقل والانتقال.
فمنها: ما لا يجوز فيها أي من ذلك كحق الولاية وحق الأبوة وحق استمتاع الزوج، وحق الجار وحق المؤمن.
ومنها: ما يجوز فيه كل ذلك – على المشهور – كحق الخيار والقصاص والرهانة والتحجير والشرط المطلق.
ومنها: ما يسقط بالإسقاط ولا ينتقل كحق الغيبة، والإيذاء بالضرب والشتم – إن كان من الحقوق – لأنه يجب يه الاستحلال فقط.
ومنها: ما يسقط بالإسقاط وينتقل بالإرث – على قول – ولا ينقل بالنوافل، كحق الشفعة للشريك.
ومنها: ما ينقل مجانا لا بعوض كحق القسم بين الزوجات، لو قلنا بعدم إمكان مقابلته بعوض.
وهناك اختلاف شديد حول كون بعضها حقوقا أصلا وحول آثارها من الإسقاط والنقل والانتقال.
منشأ الاختلاف:
ذكر أن منشأ الاختلاف يتلخص في كون الموجب للحق علة تامة، وحينئذ لا تنفك عن المعلول بسقوط أو نقل كولاية الأب أو يكون كالمقتضي فيمكن فيه التخلف.
والواقع أن الأمر راجع لكيفية الاستفادة من النصوص الشرعية التي تقرر الحق، ونوع الارتكاز العرفي له إن كان عرفيا ممضي من قبل الشارع.
стр. 6958
ما هو الأصل في البين:
ذكر الإمام الخميني والسيد بحر العلوم في (بلغة الفقيه) ، أنه لا أصل معين في البين ولذلك يجب الرجوع إلى الأصول العملية عند التردد بين الحقية والحكمية.
ومقتضى الأصول العملية نفي الآثار الشرعية لانتقال الملكية وذلك لأنها مبتنية على التيقن بكونها حقوقا.
أما عند الشك في قابلية الحق للإسقاط والنقل فيقال:
إن الحقوق كما مر قد تذكرها النصوص مباشرة وقد تستقى من العرف، أما الحقوق من النوع الأول فيتبع فيها النص الذي يذكرها وعند الشك لا مجال إلا للرجوع للأصول العملية، وقد رأينا أنها تقتضي عدم ترتيب الآثار الشرعية لأن الموضوع يجب تحققه أولا والتأكد عن كونه مؤديا للأثر الشرعي.
وأما الحقوق من النوع الثاني وهي ما يمكن تسميته بالحقوق العرفية فنقول فيها:
إن الحقوق العرفية تارة تكون سيرة عقلائية ممتدة إلى عصر المعصوم، فإذا لم يرد فيها نهي اطمأننا إلى كونها مقرة شرعا، بالإضافة إلى شمول العمومات لها قطعا، وأخرى تكون أعرافا مخترعة بعد عصر المعصوم وهذه بدورها يمكن تقسيمها إلى حقوق عرفية نجد لها ما يشابهها من الشرع وأخرى لا مشابه لها، كما يمكن تقسيمها إلى أعراف لها سابقة مضادة لها وأخرى مخترعة تماما.
والقاعدة في كل هذه الموارد ملاحظة مدى انطباق الخطابات العامة من قبيل (أوفوا بالعقود) ، وقد فسرت بالعهود وهي تشمل العهود والعقود العرفية ولا تنحصر بخصوص العقود في عصر المعصوم، وإنما تتجاوزها إلى كل ما يمكن أن يدعى لدى العرف عقدا وعهدا ومن هنا فتح الفقهاء بابا للعقود الجديدة، ولم يدعوا الأمر ينحصر بالعقود المتعارفة في صدر الإسلام وبذلك صححوا عقود العمل، والتقاعد، والتامين وغيرها.
وعندما يعود العقد متعارفا يصدق عليه العموم مهما كانت سابقته، فإذا كان له مشابه شرعي كان أقرب للدخول في موضوعات العمومات الشرعية، وهذا المعنى سوف نتعرض إليه عند تطبيق هذا المعنى على الحقوق المعنوية فإن لها ما يشابهما من العقود الشرعية.
стр. 6959
هل يقبل الحق العوضية والمعوضية أم لا؟
ربما نجد من يرفض أن يكون الحق عوضا أو معوضا في عملية البيع باعتبار أن البيع يعرف بأنه (عملية تمليك للعوضين) ، وهو تعريف لا يأتي بالنسبة للحقوق لأنها غير الملك والسلطنة.
إلا أن الحقيقة هي أن الحقوق هي مراتب ضعيفة من الملكية كما قلنا، ومن جهة أخرى نقول بأنه لا يعتبر التمليك في ماهية البيع فالوقوف العام في بعض الحالات يباع إلا أنه ثمنه لا يدخل في ملك أحد وكذلك في بيع الغلات الزكوية – على قول – فإنه رغم عدم وجود التملك يصدق البيع بلا ريب.
وإذا أمكن أن يكون الشيء عوضا أمكن أن يكون معوضا ولا معنى للتفصيل بينهما.
ثم أنه هل يصح أخذ العوض في قبال الإسقاط ويصدق معه البيع؟
الظاهر أنه لا إشكال في جعل الإسقاط بالمعنى المصدري عوضا بل معوضا بمعنى جعل عمل صاحب الحق ملكا للطرف الأخر على عهدته، كجعل الخياطة والكتابة بالمعنى المصدري على عهدة الخياط والكاتب.
ويمكن أن نؤيد هذا المعنى بملاحظة مسألة إسقاط الشرط بعوض، وربما يمكن القول بأن يجعل نفس السقوط عوضا أو معوضا لأنه يكفي في طرف العوض كل ما يصلح للعوضية، وإن لم يكن هناك نقل – كما يقول الإمام – فإنه لا إشكال في صحة أن يؤجر الشخص عمل شخص آخر ليعمل عملا لشخص ثالث أو لكنس المسجد حيث لا ينتقل العمل للمستأجر.
ومهما كان الأمر فإن هناك أسلوبا آخر للتعويض هو أسلوب (الصلح) ، بناء على كون الصلح ممكنا إجراؤه في كل مجال ولا يختص بحالات الخلاف – وهو ما نقوله به -.
стр. 6960
بيع الحقوق المعنوية:
والأسئلة التي تطرح في البين هنا يمكن تلخيصها بما يلي:
١- هل هي حقوق شرعية أو عرفيه أم لا؟
٢- هل هناك فرق بين هذه الحقوق أم لا؟
٣- هل يمكن تصحيح بيعها بالعناوين الأولية للأحكام أم نحن بحاجة للجوء للعناوين الاستثنائية أي العناوين الثانوية أو العناوين الولائية؟
فلنلاحظ الجواب على هذه الأسئلة على ضوء ما تقدم:
هل الحقوق المعنوية المعروفة اليوم هي حقوق مشمولة للعمومات أم لا؟
هناك رأيان متعاكسان في البين:
أحدهما: وهو الرأي النافي يؤكد على عدم كونه حقا مشمولا للعمومات باعتبار أن العرف لا يراه حالة طبيعية وحقا صحيحا، وإنما يراه أسلوبا من أساليب الاحتكار الذي لا مسوغ له، وبالعكس فإن العرف درج – بتأثير من إمكاناته الفطرية – على التقليد – وملاحظة ما انتهى إليه الآخرون، ثم العمل على تقليده وبالتالي العمل على تطويره، وهذه حالة عامة سارية في شتى المجالات الإنسانية وبها تتكامل شخصية الإنسان الحضارية.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشخص إذا ملك الكتاب أو الآلة المخترعة كان له الحق في التصرف فيها بما يشاء بمقتضى السلطنة التي حصلت له وإن منعه من استعمال هذا الحق لا مجوز له شرعا.
وإذا استعرضنا كل منابع الحق التي أشرنا لها فيما سبق نجد أنه لا يأتي أي منها في هذا المورد ولذا فلا معنى للقول بوجود هذه الحقوق.
والرأي الأخر: - وهو الرأي المثبت – يؤكد من جهته أن هذه الأمور أصبحت حقوقا عرفية معترفا بها بين الشعوب والدول، وقام لها نظام ثابت معترف به رسميا بل وعاد إنكارها أمرا مستغربا – أما ادعاء كونها أعرافا جديدة فلا يضر بكونها مصاديق جديدة للعهود والشروط الشرعية والعمومات الواردة فيها، وفي لزوم الوفاء بها.
ويؤيد هذا الجانب رأيه بذكر أمثلة من الحقوق الشبيهة بالحقوق المعنوية من قبيل حقوق المؤمن، وحقوق الجوار وأمثالها، بل ربما يمكن القول بأن الحقوق في أغلبها حقوق معنوية بمعنى أنها ترجع إلى شخصية صاحب الحق وكرامته وامتيازاته وتوابعه والحقوق التي نبحث عنها داخلة في هذا الباب، فحق التأليف يعني أن يتمتع الإنسان بسلطة على ما أنتجه، حق العلامة التجارية، يعني أن تتمتع الشركة بسلطة على تلك العلامة التي خدمتها وقوتها، فهي بالتالي من توابع الملكية والسلطنة، تماما كما يقال من أن الإنسان يملك نتيجة عمله باعتبارها امتدادا لشخصيته.
стр. 6961
وعلى أي حال، فإن قلنا بتحقق هذه المصداقية جاءت تلك العمومات الأنفة وإلا كان علينا أن نبحث عن سبيل آخر لتقرير الموقف النهائي وهذا ما يدعونا للجوء للعناوين الاستثنائية.
هل هناك فرق بين هذه الحقوق؟
الظاهر أنه لا فرق بين هذه الحقوق فكلها أمور مخترعة لا سابقة لها عرفا وليس بينها ما يميزها من بعضها من هذا الجانب، ولذا فإن النزاع يأتي فيها جميعا على حد سواء.
هل يمكن التصحيح بالعناوين الأولية أم أن علينا اللجوء للعناوين الاستثنائية؟
قلنا سابقا إن تصحيحها وفقا للعناوين الأولية للأحكام متوقف على مصداقيتها لعنوان (الحق العرفي) ، مما يؤهلها للدخول كموضوعات للعمومات الشرعية وهو ما رأينا فيه من اختلاف.
ومن هنا فنحن نعتقد ولو على سبيل الاحتياط باللجوء إلى العناوين الاستثنائية وهي العناوين الثانوية، والعناوين الحكومية الولائية.
أما بالنسبة للعناوين الثانوية فيمكن أن يقال إنه في الموارد التي تنقض فيها هذه الحقوق يحدث ضرر نوعي بلا ريب، مما يجعل المورد من موارد وقاعدة (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) ، الأمر الذي لا يسمح بهذا النقض.
ويمكن لأحد أن يناقش في هذا بالقول بأن المورد قد يكون من موارد منع الاستغلال والاحتكار والربح الكثير لا غير وحينئذ فلا ملزم لعدم القيام به.
ومن هنا فأسلم الطرق هو سبيل العنوان الحكومي.
ذلك أن ولي الأمر بعد أن يلحظ المصلحة الاجتماعية في حماية حقوق التأليف والاختراع والعلائم التجارية وأمثال ذلك، ويرى غلبتها على المصالح الناتجة من عدم وجود هذه الحقوق، فإنه يحكم بشرعيتها ويعمم حكمه على الجميع، ويصدر بشكل قانون مصوب من المجالس التقنينية ولا ريب في نفوذ حكمه في مثل هذه الموارد على مختلف الآراء في مدى صلاحية الحاكم الشرعي في تعميم أحكامه الولائية ونفوذها.
والله أعلم.
الشيخ محمد علي التسخيري
стр. 6962
بيع الاسم التجاري والترخيص
إعداد
الدكتور حسن عبد الله الأمين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
جرى العرف التجاري ببيع الشهرة التجارية – الاسم التجاري – وتضمنت ذلك نصوص القانون المدني الوضعي، وأصبح عرفا يسنده التشريع القانوني واكتسب وضعا مستقرا ضمن الأنشطة التجارية والاقتصادية فعلام تم ذلك؟ وهل يتفق ذلك مع الأحكام المتعلقة بأركان البيع وشروط صحته في الفقه التشريعي والقانوني؟
ومن جهة أخرى وفي ضوء التوجه الإسلامي المعاصر والتلمس والبحث المطرد لإضفاء الصفة الإسلامية على أنشطة الحياة الاقتصادية والمالية والتجارية وإجرائها وفق أحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها، فقد انبثق السؤال التالي: هل تقبل قواعد الشريعة الإسلامية وأحكامها هذا النوع من النشاط التجاري؟ وهل بيع الاسم التجاري بناء على شهرته منفردا، أو مع المحل التجاري يصح في الفقه والشريعة الإسلامية كما صح عرفا وقانونا؟ باعتبار أن ذلك أمر واقع أنتجته الحياة المعاصرة وتعقيداتها المختلفة، وأصبح ذا أثر اقتصادي له وزنه في المحيط التجاري، ولم يعد من الممكن إغفاله واطراحه جانبا من دائرة الدراسة والبحث، خاصة وأن هناك كثيرا من العاملين في الحقل التجاري قد طرحوا تساؤلاتهم عنه وعن مدى مشروعيته لأهميته الاقتصادية في مجال نشاطاتهم التجارية. أما مجمع الفقه الإسلامي بجدة، والذي اهتم بها غاية الاهتمام ووضعها ضمن برامج بحوثه المستقبلية توطئة لإصدار قراراته بشأنها.
ولهذه الأهمية للموضوع، واهتمام مجمع الفقه الإسلامي بجدة به، وبناء على رغبة كريمة من فضيلة الأمين العام للمجمع، رأيت أن أقوم بدراسته وبحثه من الوجهتين القانونية والشرعية في ضوء قواعد الفقه الإسلامي المرنة وأحكام الشريعة الإسلامية السمحاء خدمة لهذا القطاع الاقتصادي العام – القطاع التجاري – بصفة خاصة وخدمة لعامة المسلمين الذين يهمهم بيان الوجه الشرعي في كل ما تجرى به حياتهم ويتناوله نشاطهم.
ومما يلحق بيع الاسم التجاري، بيع الترخيص أيضا، وهو أمر ذو أهمية لأنه تفشى بين الناس خاصة في الدول والأقطار التي تقيد عمليات الإيراد والتصدير للبضائع والمصنوعات، فهل يصح بيعه ممن حصل عليه من الجهات المختصة بإصداره لشخص أو جهة ثانية، وما هي علاقة صاحب الترخيص بالجهة المرخصة؟ والشخص أو الجهة المستفيدة منه في النهاية؟ وفي الصفحات التالية نناقش هذه القضايا ونثبت ما يتمخض عنها من نتائج، ونسأل الله التوفيق والسداد.
стр. 6963
معنى الاسم التجاري
الاسم التجاري يطلق ويراد به أحد أمرين:
أولا: يطلق الاسم التجاري ويراد به الاسم المتخذ أمارة على منتوجات صناعية معينة – وهو ما يعرف (بالماركة المسجلة) .
ثانيا: يطلق الاسم التجاري على اللقب المخصص لمحل تجاري اكتسب شهرة بهذا اللقب.
وقد نص القانون على الاسم التجاري بالمعنى الأول، المعروف (بالماركة المسجلة) ووضح معالمه كما بين شروط اعتباره وحماية حرمته.
جاء في الوسيط للسنهوري: إن العلامات التجارية هي " الأسماء المتخذة شكلا مميزا، والكلمات والإمضاءات والحروف والأرقام والرسوم وعنوانات المحال والدمغات والأختام والتصاوير، والنقوش البارزة وأي علامات أخرى أو أي مجموع منها يستخدم أو يراد به أن يستخدم إما في تمييز منتجات عمل صناعي ... أو أية بضاعة، أو للدلالة على مصدر المنتجات أو البضائع أو نوعها، أو مرتبتها أو ضمانها.
فالعلامة التجارية إذن تميز المنتجات والبضائع بحيث يكون معروفا في الأسواق أن البضائع التي تحمل هذه العلامة هي بضاعة معينة فلا تختلط بغيرها من البضائع ويستطيع طالب هذه البضاعة بالذات أن يطمئن إذا ما وجد العلامة موضوعة على البضاعة التي تتعامل بها.
هذا وعرفت المادة الأولى من نظام المعاملات التجارية السعودية العلامة التجارية بالأتي:
مادة (١) تعتبر علامة تجارية في تطبيق أحكام هذا النظام الأسماء المتخذة شكلا مميزا والإمضاءات والكلمات والحروف والأرقام والرسوم والرموز والأختام والنقوش البارزة، وأية إشارة أخرى أو أي مجموع منها، تكون صالحة لتمييز منتجات صناعية، أو تجارية أو حرفية، أو زراعية ... إلخ، كما نصت المادتان (٣) و (٢٥) من هذا النظام على تنظيم تسجيل الاسم التجاري بهذا المعنى وإثبات ملكيته لصاحبه وحمايته.
أما الاسم التجاري بالمعنى الثاني – الخاص بالقلب المخصص لمحل تجاري اكتسب شهرة بهذا اللقب، فقد جاءت الإشارة إليه (بعنوانات المحال) كما في النص المنقول عن السنهوري أنفا وهو أمر شائع ومعروف في العرف التجاري.
الاسم التجاري والحقوق المعنوية، والمالية:
بعد تحديد معنى الاسم التجاري في العرف والقانون ننتقل إلى بيان موقعه من الحقوق المعنوية والمالية، وقد عرفنا فيما تقدم معنى الاسم التجاري بنوعيه، الماركة المسجلة، واللقب المخصص للمحل التجاري الذي اكتسب شهرة بهذا اللقب، وبقي أن نعلم ما هو موقف هذا الاسم التجاري من الحقوق المعنوية، والحقوق المالية، لا شك أن الاسم التجاري بكلا المعنيين ثمرة لجهد صاحبه الفكري والمادي ومعنى ذلك أن يختص به صاحبه دون غيره، وهو حق يعترف به القانون. بل ويحميه كما جاء في المادة (٢٥) من نظام العلامات التجارية الفارقة السعودي لسنة ١٤٠٩هـ.
وقبل أن نصل لمعرفة هذا الموقف لا بد أن نعرف ما هو الحق كما عرفنا ما هو الاسم التجاري.
стр. 6964
الحق المجرد والشيء والمال في العرف والقانون
يفرق القانون بين المال والشيء المطلق، فالمال في العرف القانوني هو الحق ذو القيمة المالية، أيا كان ذلك الحق، سواء أكان عينيا أم شخصيا أم حقا من حقوق الملكية الأدبية والفنية والصناعية.
أما الشيء سواء كان ماديا أم غير مادي، فهو محل ذلك الحق (١) .، والحقوق المالية التي يكون الشيء محلا لها كثيرة التنوع: منها الحقوق العينية الأصلية والتبعية، ومنها الحقوق الشخصية، كحق المشتري في تسلم المبيع، ومنها الحقوق التي تقع على شيء غير مادي، كحقوق المؤلف فيما يسمى بالحقوق المادية والأدبية والفنية، والحقوق التي تسمى بالملكية الصناعية والملكية التجارية (٢) .
والحق يكون دائما غير مادي، المادي هو الشيء محل الحق، أما الحق فهو معنوي – أي يقوم في الفكر مجردا غير محسوس – فحق الملكية معنوي يقع على شيء مادي وكذلك الحقوق العينية الأخرى أصلية كانت أم تبعية، كحق الانتفاع وحق الارتفاق وحق الرهن وحق الامتياز والحقوق الشخصية جميعها – سواء أكان محلها نقل حق عيني، أو كان عملا، أو امتناعا عن عمل- معنوية لا مادية وإن كانت تتعلق بأشياء مادية (٣) .
وهنا نلاحظ أن العرف القانوني يجعل الحقوق نوعين: حقوقا مجردة وحقوقا متعلقة بالمال، وهذه الأخيرة قد تقع على شيء مادي كالحقوق العينية الأصلية والتبعية، والحقوق الشخصية كحق المشتري في تسليم المبيع، وقد تقع على شيء غير مادي – كالحقوق المادية والأدبية والفنية للمؤلفين، والحقوق التي تسمى بالملكية الصناعية وبالملكية التجارية – تسميته بالعلامات التجارية فما هي إذن العلامات التجارية؟
стр. 6965
الاسم التجاري والحق
فالعلامات المشار إليها جميعها فيما سبق ومنها الأسماء المتخذة شكلا مميزا بحيث تكون صالحة لتمييز منتجات صناعية أو تجارية – وهي ما يطلق عليه الماركة المسجلة أو الاسم التجاري، وكذلك اللقب المخصص لمحل تجاري اكتسب شهرة بهذا اللقب، وهو ما يطلق عليه الاسم التجاري، عرفا وقانونا أيضا، وهي والحال هذه قابلة للتصرف فيها ونقلها كليا أو جزئيا من أصحابها لاخرين بكل طرق التصرف الناقل للملكية وكذلك رهنها. وقد نصت المادة (٣٣) من نظام العلامات التجارية السعودي على التصرف بنقل الملكية والرهن فقالت: (يجوز أن تنتقل ملكية العلامة التجارية إلى الآخرين بأية واقعة أو تصرف ناقل للملكية، ويشترط في التصرف أن يكون كتابة، وألا يكون الغرض منه تضليل الجمهور، وخاصة بالنسبة لطبيعة أو مصدر المنتجات أو الخدمات أو مميزاتها أو أدائها) .
كما نصت على ذلك المادة ٢١ من اللائحة التنفيذية لنظام العلامات التجارية السعودي حيث قالت: (يجوز التصرف في العلامات بأي تصرف ناقل للملكية، كما يجوز رهنها، وذلك وفقا للقواعد المحددة نظاما، على أن يتم إشهار هذه التصرفات والتأشير بها في السجل وفقا للإجراءات والأوضاع المبينة في المواد التالية) ، وقد نظمت المواد من ٢٢-٢٦ كيفية هذه الإجراءات. كما نصت المادة (٣٧) من نظام العلامات التجارية على جواز التصرفات الأخرى، فقالت: (يجوز لمالك العلامة أن يرخص لأي شخص طبيعي أو معنوي باستعمالها عن كل أو بعض المنتجات أو الخدمات المسجلة عنها العلامة ويكون لمالك العلامة الحق في أن يرخص لأشخاص آخرين باستعمال نفس العلامة، كما يكون له أن يستعملها بنفسه ما لم يتفق على غير ذلك ولا يجوز أن تزيد مدة الترخيص عن مدة حماية العلامة.
ومن مواد لائحة نظام العلامات التجارية السعودي نتبين أن هناك عدة حالات للتصرف في العلامات التجارية:
١- الحالة الأولى: التصرف بالتنازل الكامل عن العلامة التجارية للغير بطريق البيع أو الهبة.
٢- الحالة الثانية: التفويض للغير باستعمال العلامة التجارية بعوض أو بدونه مع الاحتفاظ بملكية العلامة التجارية لاستعمالها من المالك بنفسه أو تفويض آخرين باستعمالها أيضا، ويعتبر التصرف من هذا النوع من قبيل الإجارة المؤقتة أو الدائمة.
٣- الحالة الثالثة: التصرف فيها كأداة توثيق بالرهن لدى الغير.
وهذه الأحوال الثلاثة جائزة بنصوص القوانين والأنظمة، ومطبقة في واقع التعامل التجاري العالمي باعتبار ذلك تصرفا في حقوق مالية بصرف النظر عن كونها متعلقة بشيء مادي أو معنوي لأن الحق المالي لا يشترط فيه قانونا كما سبق بيانه أن يكون عينا أو منفعة متعلقة بالعين، وإنما يصح اعتبار بناء على مجرى العرف به، سواء أكان ماديا أو معنويا مجردا.
وهذا الحق المالي يقبل التصرف فيه ونقله للآخرين بعوض أو بغيره وسواء أسمينا هذا العوض في مقابل نقل هذا الحق ثمنا لمبيع أو جعلا أو أجرة، لا فرق بين ذلك، وما دام العرف قد أضفى على هذا الحق صفة المالية، فقد أصبح محلا صحيحا للعقد، ينتقل به من شخص لأخر بعوض أو بدونه وتجرى عليه أركان وشروط صحة العقد كأي شيء مبيع أو مستأجر – في القانون إذا توافر فيه الرضا بين الطرفين – لأن العقد شريعة المتعاقدين قانونا.
стр. 6966
الحق في الفقة الإسلامي
الذي دعانا للكلام والإطالة عن الاسم التجاري في العرف والقانون هو نشأته في حضنهما واكتسابه الثبات والاستقرار من خلالهما، فكان ذلك مدخلا لتصوره والوقوف على أوضاعه المختلفة ليكون ذلك منطلقا لفهمه وإدراكه في صورته ووضعه الحقيقي، وبالتالي يسهل علينا عرضه على قواعد ومفهومات الفقه الإسلامي، ومن ثم الوصول إلى حكمه الشرعي، من حيث البيع والتصرف به بعوض مالي.
وقد علمنا مما تقدم عرضه أن الاسم التجاري يعتبر حقا يختص به صاحبه لأنه ثمرة جهده ونتاج فكره، وهو كغيره من الحقوق المعنوية حق مالي عرفا وقانونا يملك صاحبه الاستعاضة عنه بالمال، كما يملك التصرف فيه التصرفات الناقلة للملكية كالهبة وغيرها.
وننتقل الآن لنبحث هذا الحق المتقرر عرفا وقانونا في الفقه الإسلامي لنرى ما يحكم به عليه وهو مقصود هذا البحث.
١- الحق المجرد والحق المتعلق بالمال:
الحقوق في الفقه الإسلامي كما في القانون نوعان حقوق مجردة وحقوق متعلقة بالمال، جاء في حاشية رد المحتار لابن عابدين وفي الأشباه: لا يجوز الاعتياض عن الحقوق المجردة كحق الشفعة ولا الصلح بما مع المخيرة لتختاره، وكذا لو صالح إحدى زوجتيه بمال لتترك نوبتها لم يلزم ولا شيء لها (١) .
وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير: (قوله حق) هذا جنس يتناول المال وغيره كالخيار والشفعة والقصاص والولاء والولاية (٢) .
أما الحق المتعلق بالمال، فهو ما يمثل منفعة في العرف العام مطلقا، أو في العرف الخاص، ولم يخالف نصا، لأنه لا يصلح ناسخا للنص ولا مقيدا له، وإلا (بأن لم يخالف نصا) فقد اعتبروه في مواضع كثيرة، منها: مسائل الإيمان، وكل عاقد وواقف، وحالف، يحمل كلامه على عرفه. وأفاد ما مر أن العرف العام يصلح مقيدا (للنص) (٣) .
ومعنى ذلك أن الحق إذا مثل منفعة في عرف الناس العام أو الخاص الذي لا يعارض أو يخالف نصا فهو مال، يصلح الاستيعاض عنه بالمال، لأنه في هذه الحالة يمثل منفعة مشروعة.
ولعل النص التالي للسرخسي في المبسوط يجلي هذه القضية بطريقة أوضح. قال: (إن المال هو اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به مما هو عندنا والمنافع منا أو من غيرنا بهذه الصفة، وإنما تعرف مالية الشيء بالتمول، والناس يعتادون تمول المنفعة بالتجارة فيها، فإن أعظم الناس تجارة الباعة، ورأس مالهم المنفعة .... والمنفعة تصلح أن تكون صداقا، وشرط صحة التسمية، أن يكون المسمى مالا) (٤) .
стр. 6967
بيع الاسم التجاري في ضوء ما تقدم
بعد أن عرفنا معنى الحق في القانون والفقه يجمل بنا أن نوضح معنى البيع والمبيع في ضوء بيان معنى الحق آنف الذكر ومن ثم ندلف إلى بيان ما إذا كان الاسم التجاري يمكن أن يصبح مما يصح بيعه كما في القانون أم لا، وهذا يقتضينا أن نستعرض معنى البيع والمبيع في مذاهب الفقه الإسلامي المعتبرة، لنخلص من ذلك إلى النتيجة المرتجاة والتي يقررها الفقه الإسلامي، فما هو معنى البيع وما معنى المبيع في الفقه الإسلامي؟.
أولا: معنى البيع عند المالكية،
جاء في الشرح الكبير للدردير (البيع: كما يقول ابن عرفة: هو عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة، فتخرج الإجارة والكراء والنكاح، وتدخل هبة الثواب والصرف والمراطلة والسلم) وعلق الدسوقي في حاشيته على قول الدردير (على غير منافع) بقوله: أي على ذوات غير منافع وركز صاحب جواهر الإكليل على إبراز كون البيع يقع على ذوات فقال: (البيع هو إخراج ذات عن الملك بعوض، والشراء إدخالها في الملك) .
وهذه التعريفات الثلاثة للبيع منقولة عن فقهاء المالكية ونلاحظ منها أنه من اللازم في المبيع أن يكون ذاتا معينة، ولا يصح أن يكون منفعة فقط هذا مع اعتبارهم المنافع بأنها أموال يصح أخذ العوض في مقابلها – ولكن لا يطلقون البيع على هذه المعاملة.
* الحنفية:
والحنفية يتفقون مع المالكية في أن يكون المبيع عينا – أي ذاتا لها وجود في الخارج، بل إنهم لا يعتبرون المنافع أموالا بذاتها، جاء في حاشية ابن عابدين (وركن البيع مبادلة المال بالمال) وفي تنوير الأبصار (وبطل بيع ما ليس بمال) ، وعن تعريف المال قال ابن عابدين: (وقدمنا في أول البيوع تعريف المال بما يميل إليه الطبع ويمكن إدخاره لوقت الحاجة وإنه خرج بالإدخار المنفعة فهي ملك لا مال) ، وفي مكان آخر قال: (والتحقيق أن المنفعة ملك لا مال لأن الملك ما من شأنه أن ينصرف فيه بوصف الاختصاص) (١) .
стр. 6968
* الشافعية:
ولكن الشافعية توسعوا في معنى البيع بما يشمل المؤبدة، كحق المرور المقرر على أرض الغير، فاعتبروا ذلك بيعا رغم أنه منفعة، قال الخطيب الشربيني في تعريف البيع: (وحده بعضهم بأنه عقد معاوضة مالية يفيد ملك العين أو منفعة على التأبيد. فيدخل بيع حق المرور ونحوه وخرجت الإجارة بقيد التأقيت فإنها ليست بيعا) .
ولعل السبب في اشتراط أن يكون المبيع ذاتا معينة هو أن البيع يفيد دوام ملك العوض المتمثل في المبيع، ولا كذلك الإجارة التي من طبيعتها التأقيت، ولذلك أجاز الشافعية إطلاق لفظ البيع على المنفعة المؤبدة، كما في بيع حق المرور على أرض الغير، لمصلحة أرض أخرى.
ولكن عند التأمل يبدو للناظر أن المقابل المدفوع في حق المرور المقرر لمصلحة عقار آخر يصعب اعتباره ثمنا حتى تكون هذه المعاملة بيعا، لأنه مقابل الانتفاع بذات لا يمكن التصرف فيها تصرفا ناقلا للملكية، كما هو شأن المبيع وإنما يشبه إلى حد كبير الأجرة المقررة للانتفاع بالمرور على أرض الغير فيدل على ذلك أن هذا المقابل كما يمكن تحديده منذ البداية ودفعه مرة واحدة أو مقسطا، يمكن أيضًا تحديده في فترات متتابعة بنفس المقادير السابقة أو بخلافها، مما يؤكد شبهه بالأجرة، لذلك يصعب في نظري قبوله ثمنا في بيع، وإن جرى التجاوز بإطلاق لفظ البيع عليه في عبارات بعض الفقهاء.
ومن تعريفات الفقهاء للبيع المنقولة عنهم في النماذج السابقة، نلاحظ أيضًا أنهم يشترطون لإطلاق لفظ البيع أن يكون العوض ماليا، ولذلك لم يطلقوا على عقد النكاح لفظ البيع مع توفر شرط أن المعقود عليه ذاتا معينة تستوفى منها منفعة غير مالية.
المبيع:
ما هو المبيع؟ المبيع هو المحل في عقد البيع – أي الشيء الذي يقع عليه التعاقد وليس هو ركنا هاما من أركان عقد البيع فحسب وإنما هو المقصود الأساسي في هذا العقد، يقول الكاساني في بيان مكانة المبيع وأهميته في عقد البيع: إن الثمن غير مقصود في عقد البيع بل وسيلة إلى المقصود، إذ الانتفاع بالأعيان لا بالأثمان، ولهذا اشترط وجود المبيع دون الثمن، فبهذا الاعتبار صار الثمن من جملة الشروط بمنزلة آلات الصناع، ومن هذا قال في البحر: ثم اعلم أن البيع وإن كان مبناه على البدلين، لكن الأصل فيه المبيع دون الثمن، ولذا تشترط القدرة على المبيع دون الثمن وينفسخ بهلاك المبيع دون الثمن (١) .
ومن تعريفات الفقهاء المتقدمة للمبيع، نلاحظ أنهم يشترطون فيه: أن يكون عينا معينة (ذاتا) وهذا واضح وصريح عند المالكية والأحناف، ولكن ما نقلناه عن الخطيب الشربيني يفيد أن الشافعية يعتبرون بيع حق المرور من نوع بيع المنفعة – المؤبدة – وهي غير ذات معينة، لكن أن الشافعية يعتبرون بيع حق المرور من نوع بيع المنفعة – المؤبدة – وهي غير ذات معينة، لكن لما كان حقا مؤبدا صار في نظرهم أشبه ببيع العين الدائم، والحنابلة أوضح من الشافعية في اعتبار بيع المنفعة وعدم التقيد بكون المبيع ذاتا معينة، فقد جاء في كشاف القناع قوله تنبيه: ظاهر كلامه هنا كغيره، أن النفع لا يصح بيعه.
مع أنه ذكر في حد البيع صحته فكان ينبغي أن يقال هنا: كون المبيع مالا أو نفعا مباحا مطلقا، أو يعرف المال- بما يشمل الأعيان والمنافع (٢) .
стр. 6969
٢- المال والمالية:
لاحظنا أن الفقهاء يذهبون إلى أن يكون المبيع شيئا ماديا، وإن كان هناك بعض التعبيرات التي وردت لدى بعض فقهاء الشافعية والحنابلة لا تتمسك بهذا الشرط وإنما تكتفي بأن يكون المبيع شيئا مؤيدا كما جاء التعبير عنه بحق المرور لدى الشافعية، أو نفعا مباحثا مطلقا كما ورد التعبير عنه عند الحنابلة.
ومما تقدم في القانون والفقه الإسلامي تبين لنا أن الحق ذو القيمة المالية في العرف العام أو الخاص الذي لا يعارض نصا شرعيا، يصلح لأخذ العوض عنه لأنه يمثل منفعة مشروعة، كما يوضح ذلك النص السابق وسواء اعتبرنا ذلك العوض ثمنا في بيع أو أجرة في إجارة أم غير ذلك، ولا يمنع من ذلك في حالة اعتباره بيعا أنه لم يقع على عين أو ذات لها وجود في الخارج كما تشترط ذلك بعض المذاهب الفقهية، لأننا وجدنا الشافعية يتساهلون في هذا الشرط ولا يتمسك به الحنابلة.
ومع ذلك فهذا الشرط ليس منصوصا ولا مبنيا على قاعدة عامة فيما يبدو لنا، وربما كان مصدره الواقع والمشاهدة وقد جرى العرف العام العالمي وليس الخاص فحسب ببيع الاسم التجاري، والعرف العام يقيد النص كما مر ولا نص هنا ولا قاعدة عامة يتعارض معها هذا العرف العام.
ومن جهة أخرى فيمكن اعتبار ذلك معاملة حديثة اقتضتها ظروف العصر وتمثل عقدا جديدا، وليس بالضرورة أن يكون داخلا في العقود المسماة والمعروفة كعقد البيع، لأن هناك اتجاها للكثير من الفقهاء بصحة إنشاء عقود غير العقود المعروفة.
стр. 6970
بيع المحل مع الاسم التجاري
انتهينا فيما مر إلى جواز بيع الاسم التجاري منفردا ويبدو لنا أن بيعه مع المحل يجوز من باب أولى، لأن المحل يمثل عينا تقبل البيع أو الإجارة مستقلا أو منفردا، وضمه للاسم في البيع لا يغير من قابليته للبيع بل إن ضمه هذا ربما يمثل أرضيه صالحة لتعضيد بيع الاسم التجاري أكثر مما لو كان منفردا وعلى هذا فكلما يصح بيع الاسم التجاري منفردا يصح بيعه مع المحل، وربما كان ذلك من باب أولى.
الإعلان وبيع الاسم التجاري:
لجواز بيع العلامة التجارية – الاسم التجاري – اشترط القانون في التصرف الناقل للملكية أن يكون كتابة، وألا يكون الغرض منه تضليل الجمهور، وخاصة بالنسبة لطبيعة أو مصدر المنتجات والخدمات أو مميزاتها أو أدائها مادة ٣٣، من نظام العلامات التجارية السعودي، وهذا قيد هام جدا يتفق مع توجه الفقه الإسلامي لسلامة هذا التصرف حتى لا يكون مجال استغلال لمبدأ جواز التصرف الناقل للملكية بعوض، ينفذ من خلاله إلى خداع الجمهور بالغش والتدليس عليه، وحتى لا يصبح بيع الاسم التجاري أشبه بالإعلان لصالح المنتفع الجديد به.
فقد عيب على الإعلان التجاري أنه يمثل خداعا للمشتري بخلق الانطباع النفسي لديه بتميز الشيء المعلن عنه على غيره، وإقناعه باختياره وشرائه دون غيره، بالرغم من أن ذلك ربما يخالف الحقيقة كلها أو بعضها، الأمر الذي دعا أغلب علماء القانون بوصفه بإثم ومجافاة الأخلاق.
وبهذا القيد أو الشرط الوارد في القانون يؤمن بيع الاسم التجاري من أن يصبح في المال أشبه بالإعلان التجاري ويتفادى مثالبه.