← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

كذلك تابعوا على استفصال البينات القاضي الفشتالي، قال القاضي المكناسي في الشهادات من كتاب المجالس: إن العمل الآن جرى بالحكم بشهادة غير العدول وقال في أول الكتاب ما نصه: والعمل الآن بإعادة الشهود شهادتهم عند القاضي بمحضر عدلين يسمعان منهم سواء كان المشهود عليه حين الأداء حاضرًا أو غائبا وهو المعبر عنه بالاستفصال، وقد أحدث العمل به القاضي الفشتالي المتوفى في عشرة الثمانين بعد التسعمائة، وأما قبل ذلك فلم يجر به العمل، وما جرى به العمل في استفسار الشهود مراعاة لمصلحة تحقق الشهادة لما فشا من قبح حال وحيلة. فإن مر نصف عام من الأداء ترك هذا الاستفهام لأن مضي هذه المدة مظنة نسيان الشهادة (١) ومستند العمل في هذه المسألة على الضرورة، ومنها شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح والقتل وكشاهدة النساء في المآتم والأعراس إذا لم يوجد غيرهم، وقد قال ابن أبي زيد أما إذا لم نجد في جهة إلا غير العدول أقمنا أصلحهم وأقلهم فجورًا للشهادة عليهم ويلزم حلفه في القضاء لئلا تضيع المصالح، قال القرافي: ولا أظن أحدًا يخالف في هذا ولو أهدرت هذه الشهادة في الموضع الذي لا عدول فيه لما جاز للناس بيع ولا شراء ولا تم لهم عقد نكاح ولا غيرها من الأشياء التي تتوقف على الشهادة، وقد ذكر الشاطبي أن العدالة المعتبرة في كل زمان بأهله وإن اختلفوا في وجه الاتصاف بها، فإنما نقطع بأن عدالة الصحابة لا تساويها عدالة التابعين، وعدالة التابعين لا تساويها عدالة من يليهم وعدول كل زمان بحسبه، ولو لم نعتبر ذلك لم تكن إقامة ولاية تشترط فيها العدالة ولو فرض زمان انعدم منه العدول جملة ولم يكن بد من إقامة الأشبه فهو العدل في ذلك الزمان إذ ليس يجاز على قواعد الشرع تعطيل المراتب الدينية جملة لإفضاء ذلك إلى مفاسد عامة يتسع خرقها على الراقع ولا يلم شعثها، وهذا الأصل مستمد من قاعدة المصالح المرسلة (٢) وشهادة اللفيف كان لا يعمل بها إلا في الأموال وكان المشهود له يحلف مع اللفيف، وبمرور الزمان لم يعد المشهود له مطالبا بأداء هذا اليمين، ثم استقر رأي الفقهاء فيما بعد إلى إسناد الأمر للقاضي يقبل هذه الشهادة بحسب ما يراه من الأحوال والظروف ولم يعد مقتصرًا على الأموال فحسب، بل أعملت شهادة اللفيف في النكاح والطلاق والرضاع والتسفيه والترشيد وغير ذلك، قال السجلماسي: وقد كان العمل باللفيف يختلف باختلاف الأماكن، ومما كان مرجعه للعرف الحكم لولي القتيل دون شاهد مع اليمين وذلك لاستغنائها بقرائن الأحوال، فإذا أثبت القتل بالبينة أو بالإقرار كان قرينة تشهد بصدق دعواه إن كان يملك مثل ما ادعاه عليهم من دراهم وغيرها من الأمتعة وهذا ما استحسنه مطرف وابن كنانة وأشهب وبه قال ابن حبيب وعليه العمل. وفي التبصرة: ويقبل قول المدعي لرجحانه بالعوائد وقرائن الأحوال أو لاتصافه بالأمانة أو غير ذلك من وجوه الترجيح والقرينة هنا كون المدعى عليهم من أهل العداء والظلم وقتلهم صاحب المال، وقد قال الفقهاء إن من عرف بالظلم والتعدي يتقلب الحكم ضده وهو مذهب يحيى بن يحيى ومستندهم في ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣)

стр. 7527

ومما جرى على العرف والعادة مسألة الخلطة بالأصل أن البينة على المدعي واليمين على ما أنكر إذا ثبت بين المدعي والمدعى عليه خطلة، وقد خالف فقهاء الأندلس والمغاربة مذهب مالك والمشهور من المذهب أن المدعى عليه إذا أنكر لا يمين عليه حتى تثبت الخلطة بين وبيه المدعي صرح بذلك ابن أبي زيد القيرواني، فقال: ولا يمين حتى تثبت الخلطة أو الظنة (١) ، ولكن العمل جرى بقول ابن نافع القائل لا أدري ما الخلطة ولا أراها ولا أقول بها، وأرى الأيمان واجبة للمسلمين عامة بعضهم على بعض لحديث البينة على المدعي واليمين على من أنكر، قال ابن رشد: مذهب مالك وكافة أصحابه الحكم بالخلطة وبقول ابن نافع قال الأندلسيون واستمر عليه العمل بأفريقية، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما. وذكر ابن عبد البر أن الأندلسيين لم يفصلوا بين الناس في توجيه اليمين، فقال: المعمول عندنا أن من عرف بمعاملة الناس مثل التجار فاليمين عليه لمن ادعى معاملته، ومن كان بخلافه مثل المرأة المستورة المحتجبة والرجل المستور المنقبض عن مداخلة المدعي وملابسته فلا يجب عليه اليمين إلا بالخلطة (٢) وقد صوب التسولي رأي ابن عبد البر، فقال: إن هذا هو الصواب في هذا الزمان القليل الخير، ولقد شاهدنا غالب سفلة الناس يدعي بدعاوي على العموم بالخير والعدل مع بعده عنه وعدم مخالطة أمثاله وملابستهم وليس غرضه إلا الازدراء به وحط مرتبته حتى صار الدهلة يلقنون السفلة ذلك وربما ادعوا عليه بالتهمة بما فيه معرة كالسرقة والغصب ونحوهما لسماعهم أن يمين التهمة تتوجه مطلقًا على المشهور المعمول به فينبغي لمن راقب الله أن لا يمكنهم من تحليفه بما يدعى عليه من المعاملة في الغرض المذكور (٣) .

стр. 7528

وقد ذكر الوالد ﵀ في البحث الرابع من الباب الثاني في مستند الحكم التي هي يمين أو إقرار وإبراء أو إسقاط أو التزام أو شهادة، فذكر في هذا البحث أقسام الأيمان الأربعة: يمين التهمة، ويمين القضاء ويمين الإنكار، ويمين متممة للنصاب، فذكر أن يمين التهمة تكون في الدعوى التي لا تتحقق على المدعى عليه، وتتوجه على المتهم وغيره على ما جرى به العمل بتونس على ما قاله ابن ناجي ونقله عظوم في البرنامج ونظمه صاحب العمل المطلق، فقال وبتوجه يمين التهمة، جرى القضاء من أهل أفريقية، أي مطلقًا وأنها لا تنقلب بقلب أو نكول من بها طلب، ثم نقل عن شارح العمليات قوله: وانظر هل ما ذكر من عمل أفريقية كان عامًّا عندهم حتى في التهمة التي في دعواها معرة أو خاصا بغيرها، ثم التهمة التي تلحق في دعواها معرة كالاتهام بالسرقة والغصب لا تلحق من لا تليق به ممن شهد فيه بالخير وإن التهمة في غير ذلك تلحق اليمين فيها جميع الناس برهم وفاجرهم على القول بإيجاب يمين التهمة، وهو المشهور في المذهب وبه القضاء وعليه العمل، ثم نقل عن عظوم في برنامجه في مبحث الصداق وتوجهها مشروط بشرطين: الأول ما قاله ابن ناجي أن التهمة إنما تتقرر بلفظ يقتضيها كقوله: أشك فيك أو أتهمك لقوله فيها: أخاف، الثاني ما قاله الشيخ أبو عبد الله المقري الجماعة بفاس صاحب القواعد في المسألة الثانية من القاعدة السابعة من قواعد الدعاوي والشهادات أن العدواة بين المتداعيين تمنع توجه يمين أحدهما في دعوى الآخر عليه، لنه يقصد إضراره بتوجيه اليمين عليه ونصه: إذا دفع الدعوى بعداوة المشهور أنه لا يحلف لأن الدعوة مقتضاها الإضرار بالتحليف، وقيل يحلف بطاهر الخبز ونحوه في تاسعة أعلام الرفاق للشيخ الجد ﵀، ثم ذكر الشيخ الوالد أن المتهم لا يحلف بما ضاع أو سرق حتى يحلف المدعي يمين الضياع أو السرقة، لقد ضاع الشيء الفلاني المدعى ضياعه وحينئذٍ يحلف المدعى عليه، هذا إذا أنكر المتهم أن يكون قد ضاع له شيء وإنما يريد أن يحرجه باليمين وبهذا كان يحكم أبو بكر بن زرب ويقول: إنها من دقيق المسائل، وقد نقله ابن فرحون في التبصرة في الباب الثامن والعشرين، وإذا نكل المتهم عن اليمين غرم بمجرد نكوله ولا يطلب المدعي بالحلف على ما ادعى هذا قول ابن الحكم وابن حبيب وهو الذي جرى به العمل، ونقل أبو عمر بن المكوى عن مالك: أن يمين التهمة لا ترد، فإن أبى المتهم ونكل عنها حبس أبدًا حتى يحلف، ذكره الونشريسي في أول نوازل الدعاوى من المعيار ولكون النكول عن يمين التعمة موجبا للغرم لم تتوجه يمين التهمة على الصغير ولا السفيه، أما الأول: فلرفع القلم عنه، وأما الثاني: فإنه لو أقر لم يلزمه ما أقر به لأنه محجور عليه في المال انظر حاشية مهدي على الزقاقية قبيل قولها كمن غاب والأقوال أربعة (١) والعلاقة بين ما جرى به العمل وبين العرف علاقة وثيقة بحيث لا يكاد يظهر فرق ملموس بينهما، إذ العمل ما هو إلا عرف في شكله المتطور وإن الفقهاء كثيرًا ما يذكرون العرف مصاحبًا للعمل ومرادفًا له.

стр. 7529

العرف الدولي: لم يقتصر العرف في الاعتماد عليه وفي كونه مرجعًا يرجع إليه في الأحكام بين الأفراد والأشخاص، بل لعب دورًا كثيرًا من المجتمعات والدول، فقد كان العرف الدولي مصدرا أساسيًا من مصادر القانون الذي أثار إشكالات عديدة وقضايا كثيرة لم يكن لها أصل مدون في القانون ولا إجراءات مسطورة متبعة، وإنما كان المرجع في هذه القضايا السلوك المتبع والمنهج المطرد في مدة مديدة من الزمن أضفت على هذا السلوك اعتقادًا راسخًا جازمًا وفكرة قاطعة جعلت هذا السلوك قاعدة قانونية لعب هذا العرف في ظهور القانون الدولي دورًا كبيرا حتى أن المؤسسات الدولية المعروفة اليوم كانت في أول عهدها وبداية إنشائها مبادئ عرفية جرى عليها سلوك المعاملة بين الدول كقانون المعاهدات وقانون التجار والعلاقات الدبلوماسية، ثم لما تكاثر عدد الدول بعد المنخرطة أثر الحرب العالمية الثانية وتنوع انتماؤها الحضاري، واختلف منهجها السياسي أصبحت هذه الأعراف الدولية محل جدل وأخذ ورد ونقد خصوصًا من طرف الدول الاشتراكية ودول العالم الثالث، فظهرت المعاهدات وأمضيت الاتفاقات وتقلص دور الأعراف بهذه المعاهدات الممضاة والمحاورات والاتفاقات المدونات، لكن رغم كل هذا فما زال العرف يشكل أصلًا أساسيًّا من أصول القانون الدولي المعاصر، ولقد نصت المادة الثانية والثلاثين من اللائحة الأساسية لمحكمة العدل الدولي على العرف كأساس من الأسس الأصلية والاعتماد عليه يشهد لذلك عدم التفاضل بين العرف والمعاهدة من حيث اندراج القواعد القانونية إذ هما يشكلان مصدرين متساويين لا تفاضل بينهما بحيث يمكن لكل منهما أن ينسخ صاحبه، فيمكن للعرف أن ينسخ أصلًا مدونا ومعاهدة ممضاة بين دولتين، كما يمكن للمعاهدة أن تنسخ عرفا جرى بين الأمم. وللعرف الدولي نزعتان مختلفتان جعل سلطة العرف إلزامية حسب إرادة الدول فهو إذن ملزم لأن الدول قررت ذلك بموجب اتفاق ضمني بينهما حول إلزاميته، لكن متى شاءت إحدى الدول أن تتحرر من هذا الالتزام كان لها ذلك حسبما تقتضيه نظرية الإرادة. النزعة الثانية نزعة موضوعية ترجع إلزامية العرف إلى ذات القاعدة، فالعرف إذن قاعدة موضوعية لا تتوقف على إرادة الدول إذ هو ناشئ عن ضرورة الحياة المدنية منبعث من الحياة الاجتماعية وهي ضرورة منطقية.

стр. 7530

وتتكون هذه القاعدة العرفية من عنصرين عنصر مادي وآخر معنوي فالعنصر المادي هو سلوك طريق واتباع منهج على نمط معين وتكرر ذلك بطريقة يجعل أهل الاختصاص في القانون الدولي يعتدون بهذا السلوك ويعتمدون على هذه الطريقة المتبعة المتكررة الملتزمة المتواصلة فيجعلونها قاعدة ملزمة، ولا ينحصر ذلك السلوك في عدد معين من التكرار أو في مدة مديدة من الزمن، فقد استقر فقه القضاء الدولي وخصوصا قضاء محكمة العدل الدولي على عدم اشتراط مرور مدة معينة أثر بروز هذا السلوك أو تلك الطريقة ليصبح عرفًا ملزمًا، بل إن المحكمة أقرت أن مرور مدة ولو قصيرة على مرور سلوك ما لا يشكل حاجزًا في اعتباره عرفا ملزما، نعم شرط اعتباره أن تتبعه الدول في هذه المدة ولا يحيد عنه خصوصًا الدول المعنية أكثر من غيرها، فلو اتبعت الدول السياحية في ميدان قانون البحار منهجا من المناهج ولازمته، ولم تتخلف عنه وتابعته بصفة منتظمة وطريقة متبعة متواترة أصبح عرفًا ملزمًا إذ نتج عن هذه المتابعة المنظمة قاعدة عرفية تعتمد عليها المحكمة وتبني على مقتضاها أحكامها، ولو لم يبلغ ذلك العمل المنظم إلى إجماع الدول عليه، هذا هو العنصر المادي أما العنصر المعنوي فهو الذي يرتقي بهذا المنهج والطريق المنتظم المتكرر إلى درجة العرف الملزم، وهذا الشعور الراسخ والاعتقاد الجازم، بأن هذا المسلك السائر والمنهج المتبع صار قاعدة شرعية ملزمة ينبني على مخالفة دولة من الدول له جزاء قانوني وبهذا الشعور يظهر الفرق بين ما كان عادة دولية وما كان عرفا دوليًّا فالعادة تشكل مجرد سلوك اجتماعي والعرف الدولي يشكل قاعدة شرعية إلزامية بين الدول، فمراسم استقبال رؤساء الدول أثناء الزيارات الرسمية كعزف النشيد الوطني للدولتين وتحية الشخصيات من طرف الجيش الوطني واستقباله للشخصيات الرسمية له وحضورهم بالمطار لاستقباله والسلام عليه، هذا مما جرت به العادة بين الدول، ولكن لا يترتب على مخالفته عقاب ولا عتاب ولو تقدمت إحدى الدول بقضية في ذلك لما قبل دعواها في حين أن مبدأ حرية الملاحة في المنطقة الدولية الذي صار عرفًا دوليًّا ينشأ عن مخالفته وعدم احترامه جزاء على ذلك ومطالبة بجبر الضرر والقانون الدولي وإن أخذ طريق التطور وقننت قواعده وأصوله، فما زال العرف يحتل الدور الرئيسي ويشكل المصدر القانوني الدولي الحديث، وقد شهد هذا العرف في بعض المجالات تطورًا مشهودًا، مثل قانون الفضاء وغيره. ***

стр. 7531

خاتمة إن من ألقى نظرة خاطفة على التشريع الإسلامي يلمس صلاحيته لكل زمان ومكان بما فيه من مرونة تكسبه تطورًا ونماء مدى الزمان من بداية عصر الرسالة والعصور اللاحقة له من عصر الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، وإننا لنلاحظ البون الشاسع بين ما كان عليه التشريع في العصر الأول والحالات اتي استقر عليها بعد ذلك وما ذلك إلا لاختلاف الحياة التي كان يحياها رسول الله ﷺ والصحابه معه والحياة التي عاشها المسلمون من بعد، وقد امتدت رقعة الإسلام وشملها حكمه وامتد إليها سلطانه، فقد كانت حياته ﷺ في شبه الجزيرة العربية، وكان المسلمون في ذلك الزمان قلة ولم تختلف عاداتهم وأعرفهم وتقاليدهم إلا ما كان من اختلاف يسير بين مكة والمدينة وقد لاحظه التشريع فأعطى رسول الله ﷺ لكل بيئة ما يناسبها من الأحكام، فلم يكن أهل مكة يتعاملون بعقد السلم في حين أن أهل المدينة كما رواه الشيخان يتعاملون به، فأقرهم رسول الله ﷺ على هذه المعاملة مراعيًّا في ذلك عرفهم وعاداتهم وينتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وتفتح بلاد الروم وفارس ومصر وأفريقية وتظهر عادات وتقاليد جديدة وقوانين متنوعة قد كان لها أثر وأي أثر في اختلاف الرأي واختلاف التفكير والنظر، وقد طرأت حوادث ونوازل لم تكن في عهد رسول الله ﷺ وهي تحتاج إلى تشريعات وأحكام وكان الحكام والمفتون مدعوين إلى استنباط أحكامها وإبراز تشريعاتها بما يوافق عادات الناس وأعرافهم التي تختلف باختلاف الأقليم والجهات بما يوافق مقاصد الشريعة ولا ينقاض أصولها وقواعدها، ذلك أن الشريعة الإسلامية كاملة عامة لكل أمور الدين والدنيا من عبادة ومعاملة وقد أصلت كل الأصول وقررت كل المقاصد وأوضحت كل المبادئ وتركت التفاصيل والجزئيات للقائمين على تنفيذ هذه الشريعة ويستلهمون من روحها ويستنبطون من قواعدها وأصولها ما ليس في نصوصها، وقد أشار رسول الله ﷺ لهذا المعنى ولهذه الحقيقة حين قال ﷺ للصحابة: ((أنتم أعلم بأمور دنياكم)) وفي قوله هذا إذن في الاجتهاد فيما يتصل بشئون الحياة والمعاملات التي تتجدد وتتكاثر وتتغير بحسب الزمان والمكان والتقدم والحضارة، لذا نرى الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم لم يقفوا من القضايا التي نزلت والأحداث التي حلت موقف العاجز المضطرب، بل اجتهدوا رأيهم وأعملوا فكرهم وأعطوا حكم كل قضية نزلت وحكم كل مسألة حلت من الحوادث والنوازل التي طرأت انطلاقًا من النصوص والقواعد والمقاصد.

стр. 7532

وهذا هو المنهج الذي اتخذه فقهاء الإسلام من بعد، فهم ينظرون إلى النصوص بعقل مفتح ويتبعون عمل الصحابة أولا، وما أصله المجتهدون ثانيًا، وبذلك برهنوا على أن هذه الشريعة المحمدية بما تحتوي عليه من مبادئ وأصول وقواعد وحكم قابلة للتطبيق في كل عصر وفي كل مصر مستوعبة لكل ما يجدها ضامة لكل ما يحدث بما اشتملت عليه من مراعاة المصالح ودرء المفاسد فكانت بذلك صالحة لعلاج كل مشاكل الزمان وما يحل من الحوادث في كل آن بحيث لا يحتاج العالم الإسلامي إلى تحكيم القوانين الأجنبية وما سطرته وقررته القوانين الغربية، ولا شك أن من بين القواعد العامة التي انبت عليها الأحكام في القديم والحديث العرف الذي يتفق مع ملابسات الناس ومقتضيات الزمان ويمد الفقهاء والعلماء بالأحكام المناسبة لعصرهم والملائمة لمقاصد الناس وتصرفاتهم حسب ما تقتضيه الشريعة، وإن ما ذكرنا عن العرف هو دراسة توضح مدلوله وتبين قواعده وأصوله شاملة أن شاء الله لأنواعه وشروطه ومدى طموحيته في استنباط الأحكام والاعتداد به وحجيته والعلاقة بينه وبين غيره من المصادر ومنزلته بينها بالنظر إلى الاستنباط والتطبيق ومعارضته للنصوص وموافقته لها وفي سبيل هذه الحقيقة بينا حقيقة العرف لغة واصطلاحًا بطريقة توضح العلاقة بينه وبين العادة وبين ما جرى به العمل، وقد أشرنا إلى الأدلة الشرعية التي تثبت حجيته من الكتاب والسنة وفعل الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وأخذ كل الأئمة به والاعتماد عليه وحتى إذا ما كان هناك خلاف بين الأئمة، فليس في أصل اعتباره وإنما هو في مدى اعتباره توسعًا وتضييقًا، وقد بينا سلطان العرف في العهود القديمة وارتكاز القوانين عليه من عهد الرومان، ثم أوضحنا بناء القوانين الفرنسية عليه وما طرأ في ذلك من تغير، وأوضحنا نظر الشرع إليه من لدن عهد رسول الله ﷺ وعصر الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين في كل عصر ومصر وهو مازال معتبرا إلى الآن إذ هو منار للباحثين واستخراج الأحكام واستنباطها من أصولها وقواعدها، وقد قسمناه إلى عام وخاص باعتبار شموله ونصوصه وإلى ما كان يرجع إلى العرف القولي والعرف الفعلي العملي وإلى ما يوافق النصوص وإلى ما يعارضها وإلى ما يخالفها، وإلى ما يصلح أن يكون مخصصا للعام، ومقيدا للمطلق وإلى ما يجب إلغاؤه وما يجب اعتباره باعتبار ما يكون مناقضًا لما جاءت به الشريعة الإسلامية من أصول ومبادئ وما لا يكون مناقضا لذلك وكون الأول فاسدا يجب إلغاؤه، وكون الثاني صحيحا يجب اعتماده واعتباره، ثم فرقنا بين العرف وبين العادة وأوضحنا ذلك بما يكون للعرف من قوة الإلزام والنفوذ والاعتبار وأنه لا يكون بهذه المثابة إلا إذا توفرت فيه شروط بها يكون اعتباره وهي اطراده وغلبته وعدم مخالفته للنصوص والمقاصد وأثبتنا مظاهر عمومه في الحياة من حيث الدين والأخلاق والتجارة والمعاملات وأن الإسلام أقر ما هو صالح وعدل ما هو قابل للتعديل وأبطل ما كان فاسدًا، ثم أوضحنا أن العرف كالعلة في بناء الأحكام عليه وأن الحكم يدور معه وجودا وعدما حيث إن العادات تتغير وتتبدل وإن الأحكام تتغير بتغيرها وأوضحنا أن مرجع العرف إلى المصلحة وحيث كان راجعًا إليها كان في مرتبتها وليس بعد كتاب الله وسنة رسوله إلا المصلحة ودرء المفسدة ولما تعرضنا لعلاقة العرف بالعمل تعرضنا بإسهاب إلى التعريف بعمل أهل المدينة ودليل حجيته ونظرة الفقهاء إليه ونبهنا إلى ما قصد إليه مالك من عمل أهل المدينة وقسمنا هذا العمل إلى درجات مختلفة.

стр. 7533

ونقلنا في ذلك كلام المحققين لعمل المدينة، كما نبهنا إلى أن عمل أهل المدينة قد أخذ به قبل مالك الصحابة والتابعون وتابعوهم وأوضحنا الفرق بين عمل أهل المدينة وبين ما جرى به العمل في الأمصار وأن بينهما عمومًا وخصوصًا، ثم أشرنا إلى أن العلاقة بين العرف والعمل وثيقة جدا بحيث لا يكاد يظهر أي فرق وأن العمل ما هو إلا عرف في شكل متطور وأن العرف هو السبب في قيامه لذا كثيرًا ما يذكر الفقهاء العرف مصاحبًا للعمل ومرادفًا له، وقد أشرنا للعلاقة بين المصالح المرسلة والاستحسان والأعراف وما شرعه أولي الأمر من أحكام من خلال ما جرى به العمل على الرغم من المآخذ التي أخذت على هذا اللون من التشريع وأشرنا إلى أثر تغير الأحكام بتغير الزمان والدوافع والأسباب المؤدية إلى تغير الأعراف، كما أشرنا إلى القواعد الشرعية في العرف، ثم ختمنا الموضوع بأبحاث من الفقه وأصوله بنيت على العرف وترك فيها القياس استحسانا وذلك للتعامل المتعارف بين الناس وحاجتهم إلى هذا التعامل تحقيقًا للمصلحة ودرءًا للمفسدة وأشرنا إلى أن العرف هو الذي يحدد ما يعد مالا وما لا يعد وما يكون مقوما وغير مقوم وأشرنا إلى حقوق الارتفاق وبينا أن مرجعها إلى العرف وأشرنا إلى بعض الأحكام للأحوال الشخصية وتأثير العرف فيها وإلى كثير من العقود المالية وبنائها على العرف وإن كانت مخالفة للقياس كبيع السلم والاستصناع وبيع الوفاء وغيرها وكالإجارة والمزارعة والمساقاة واعتبار العرف في الخيار والوصية والتقرير واختلاف الدية باختلاف الأعراف، وكذلك اعتباره في الشهادات والقضاء ونحو ذلك، وأوضحنا أن تحكيم العرف في كثير من القضايا أمر ضروري مفتقر إليه لا بين الأفراد والجماعات بل بين الدول والجهات، لذا ختمنا الموضوع بكلمة عن العرف الدولي وما استقر عليه قضاء محكمة العدل الدولي المنتصبة بلاهاي، ولعل في بيان ما وضحت وما مثلت أكون قد شاركت قدر الاستطاعة في تجلية نظرية العرف وتوضيح آثارها في التشريع الإسلامي ومدى تأثير الأعراف في تطور المجتمعات وأحكامها وقوانينها الإدارية وغيرها، وإنا لنأمل من الحكومات الإسلامية أن تعود إلى رشدها وسالف عهدها وأن تحكم شرع الله وتحتكم إليه وتستغني عن قوانين الغرب التي لا تراعي ما أحل الله وما حرم، فإن في التشريع الإسلامي ما فيه غنى عن كل القوانين إذ هو قانون الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون، نسأل الله التوفيق، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة.

стр. 7534

المراجع [أ] ١- أحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي بتعليق عبد الغني عبد الخالق، طبعة دار نشر الثقافة الإسلامية، الطبعة الأولى ١٩٤٥م. ٢- أحكام القرآن، لأبي بكر بن العربي، تحقيق علي البجاوي، طبعة حلبي. ٣- الإحكام في أصول الأحكام، للحفاظ أبي محمد علي بن حزم، طبعة القاهرة. ٤- أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي، طبعة المطبعة البهية مصر ١٣٤٣ هـ. ٥- إحكام الأحكام شرح عمدة الحكام، لابن دقيق العيد، طبعة دار الشعب، الطبعة الأولى. ٦- الإحكام في أصول الأحكام، لسيف الدين أبي الحسن علي بن أبي علي بن محمد الآمدي، الطبعة الأولى مطبعة محمد علي صبيح بميدان الأزهر بمصر ١٣٤٧ هـ. ٧- الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي، طبعة المكتبة الثقافية بيروت ١٩٧٣ ٨- الإتقان في الأحكام شرح تحفة الحكام، لمحمد بن أحمد ميارة الفاسي وبهامشه حاشية ابن رحال، طبعة محمد أفندي مصر ١٣١٥هـ ٩- الأحكام في تمييز الفتاوى عن الحكام، لشهاب الدين القرافي – طبعة الأنوار ١٩٣٨م. ١٠- إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري، لأحمد بن محمد القسطلاني، طبعة دار صادر مصر عن طبعة بولاق. ١١- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للعلامة محمد بن علي بن محمد الشوكاني، طبعة الطباعة المنيرية مصر. ١٢- الأشباه والنظائر، للسيوطي، طبعة البابي الحلبي بمصر. ١٣- الأشباه والنظائر، لزين العابدين بن إبراهيم بن نجيم، تحقيق وتعليق عبد العزيز محمد الوكيل مؤسسة حلب مصر ١٩٦٨ م. ١٤- الأم، للإمام الشافعي، الطبعة أولى المطبعة الأميرية ١٣٢٦ هـ.

стр. 7535

١٥- الإمام الأوزاعي ومنهجه كما يبدو في فقه، لعبد الرزاق قاسم الصفار، طبعة بغداد (رسالة ما جستير) . ١٦-أصول السرخسي، لأبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، طبعة دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت ١٩٧٣. ١٧- أصول الفقه، لمحمد شلبي، الطبعة الأولى دار النهضة العربية ١٩٧٤ م. ١٨- الإشراف، للقاضي عبد الوهاب، طبعة تونس. ١٩- علم أصول الفقه، للأستاذ عبد الوهاب خلاف، طبعة القاهرة. ٢٠- أصول الفقه، للخضري طبعة مصر. ٢١- الأصول العامة للفقه المقارن، لمحمد تقي الدين الحكيم، طبعة أولى دار الأندلس. ٢٢- أصول القانون حسن كيره، طبعة القاهرة. ٢٣- إدراك الشروق على أنواء الفروق، لسراج الدين أبي القاسم بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن الشاط بهامش الفروق، طبعة بولاق تونس ١٣٠٤ هـ. ٢٤- اختلاف أصول المذاهب، للقاضي النعمان بن محمد تحقيق مصطفى غالب دار الأندلس بيروت ١٣٩٣هـ - ١٩٧٣ م. [ب] ٢٥- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، لأبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، ولما أتمه عرضه على صاحب التحفة فاستحسنه وزوجه ابنته، فقيل شرح تحفته وتزوج ابنته. ٢٦- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لأبي الوليد ابن رشد الحفيد، طبعة الاستقامة بمصر ١٩٣٨م. ٢٧- البهجة في شرح التحفة، لأبي علي التسولي، طبعة المكتبة التجارية الكبرى. [ت] ٢٨- ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض اليحصبي، طبعة وزارة الأوقاف بالمغرب. ٢٩- تاج العروس، للمرتضى الزبيدي، طبعة المطبعة الخيرية بمصر ١٣٠٦هـ. ٣٠- تفسير المنار، للشيخ محمد رشيد رضا، الطبعة الأولى، مطبعة المنار مصر. ٣١- تفسير التحرير والتنوير، للعلامة محمد الطاهر بن عاشور، طبعة دار النشر تونس. ٣٢- تاج الإكليل لشرح مختصر خليل بهامش مواهب الجليل، لمحمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري الشهير بالمواق، مطبعة السعادة مصر ١٣٢٨ هـ ٣٣- التعريفات، لأبي الحسن علي بن محمد الجرجاني، طبعة الدار التونسية للنشر ١٩٧١م. ٣٤- التشريع الجنائي الإسلامي، لعبد القادر عودة، طبعة النعمان النجف ١٩٧٥م. ٣٥- تبصرة القضاة والإخوان في وضع اليد وما يشهد له من البرهان، لحسن العدوي. ٣٦- تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، للقاضي برهان الدين بن فرحون، طبعة الحبلي على هامش فتاوى عليش ١٣٧٨ هـ.

стр. 7536

٣٧- التأمين وموقف الشريعة الإسلامية منه، لمحمد الدسوقي. ٣٨- التأمين في الشريعة الإسلامية والقانون، للدكتور غريب الحمال. ٣٩- التأمين لمصطفى الزرقاء. ٤٠- التأمين البري، للبشير زهرة، طبعة دار بو سلامة تونس. ٤١- تنقيح الفصول، للقرافي. ٤٢- التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح، للعلامة محمد الطاهر بن عاشور، طبعة تونس. ٤٣- تحفة الأكياس في شرح عمل فاس، طبعة حجرية ١٣٣٥هـ. ٤٤- التقرير والتحبير، لابن أمير حاج، شرح التحرير، لابن الهمام. ٤٥- تنوير الحوالك شرح موطأ الإمام مالك، لجلال الدين السيوطي، طبعة حلب. ٤٦- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، طبعة الأميرية مصر. ٤٧- تمييز الطيب من الخبيب فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث، لعبد الرحمن ابن الديب الشيباني، طبعة محمد صبيح ١٣٤٧ هـ. ٤٨- تاريخ قضاة الأندلس، لأبي الحسن النبهاني المالقي، طبعة المكتب التجاري بيروت. ٤٩- تكملة فتح القدير. [ج] ٥٠- الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد القرطبي، طبعة دار الكتب المصرية ١٩٦٦ م. ٥١- جامع البيان في تأويل آي القرآن، لأبي جعفر بن جرير الطبري، طبعة الميهمية بمصر. ٥٢- جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته، لابن عبد البر، طبعة المنيرية مصر. [ح] ٥٣- حاشية الحنفي على الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير. ٥٤- حاشية ابن الخياط على شرح الخرشي، لفرائض خليل، طبعة عاطف بمصر. ٥٥- حاشية البناني على المحلى على جمع الجوامع، طبعة دار إحياء الكتب العربية، للحلبي. ٥٦- حاشية المهدي الوزاني على شرح التاودي بن سودة على تحفة ابن عاصم، طبعة حجرية ١٣١٠هـ. ٥٧- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، لشمس الدين محمد بن عرفه الدسوقي على شرح الدردير لمختصر خليل، طبعة الحلبي. ٥٨- حاشية التسولي على شرح التاودي للامية الزقاق، طبعة حجرية. ٥٩- حاشية الطالب ابن الحاج على شرح ميارة، للمشرد المعين، طبعة بولاق ١٣١٦ هـ. ٦٠- حاشية ابن رحال على هامش شرح ميارة للتحفة، طبعة الشرفية مصر ١٣١٦هـ

стр. 7537

٦١- الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لبرهان الدين بن فرحون، طبعة السعادة بمصر ١٣٢٩ هـ. ٦٢- الدر المختار في شرح تنوير الأبصار في فقه مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان للإمام الحصكفي. ٦٣- دور الأحكام شرح مجلة الأحكام، لعلي حيدر ترجمة فهمي الحسيني، منشورات مكتبة النهضة بيروت وبغداد. ٦٤- الدكانة، لمحمد عظوم نسخة قلمية لم يطبع بعد. [ر] ٦٥- رسالة نجم الدين الطوجي، المصلحة المرسلة. ٦٦- رسالة رسم المفتي، لابن عابدين مجموعة رسائل ابن عابدين. ٦٧- الروض الأنف، لابن القاسم عبد الرحمن الخشمعي السهيلي، طبعة الجمالية مصر. ٦٨- رفع الانتقاض ودفع الاعتراض على قولهم الأيمان مبنية على الألفاظ لا على الأغراض، لابن عابدين مجموعة الرسائل. ٦٩- رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين، طبعة المطبعة الأميرية بالقاهرة بمصر. ٧٠- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لشهاب الدين محمود الألوسي، طبعة الطباعة الميرية بمصر. ٧١- رفع الالتباس عن شركة الخماس، لابن رحال مخطوط. ٧٢- الرأي في الفقه الإسلامي، للدكتور محمد محمد مختار القاضي، طبعة مطبعة بغداد. [ز] ٧٣- زبدة التحصيل والتنقيح في مسألة التحسين والتقبيح، للشيخ محمد جعيط مذكورة في حاشيته على التنقيح. ٧٤- زاد المعاد في هدي خير العباد محمد رسول الله ﷺ للإمام ابن القيم الجوزية، طبعة المطبعة المصرية. [س] ٧٥- سنن أبي داود، طبعة المكتبة التجارية مصر. ٧٦- سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي وحاشية النووي، المطبعة المصرية بالأزهر. ٧٧- سنن الدارمي، مطبعة الاعتدال بدمشق ١٣٤٩ هـ ٧٨- سنن ابن ماجه، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه ١٣٧٤هـ - ١٩٥٣ م.

стр. 7538

٧٩- سنن المهتدين، للمواق، طبعة حجرية. ٨٠- سبل السلام للإمام إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني شرح بلوغ المرام من جميع أدلة الأحكام، للحافظ ابن حجر العسقلاني، طبعة مصطفى البابي الحلبي، المكتبة التجارية الكبرى مصر. ٨١- سلم الأصول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للشوكاني، طبعة مصر. ٨٢- سلم الأصول لعلم الأصول، لعمر عبد الله، طبعة أولى دار المعارف ١٩٥٦م. [ش] ٨٣- شرح تنقيح الفصول في الأصول، للقرافي بهامش التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح، مطبعة النهضة تونس. ٨٤- شرح التنقيح، للقرافي بهامش منهج التحقيق والتوضيح لحل غوامض التنقيح مطبعة النهضة تونس ١٣٤٠ هـ - ١٩٢١م. ٨٥- شرح العمل الفاسي، لابن عبد الله السجلسماسي، طبعة حجرية. ٨٦- شرح الزقاقية، لعمر الفاسي، طبعة حجرية. ٨٧- شرح ميارة على التحفة طبعة المطبعة الشرفية ١٣١٦ هـ ٨٨- شرح الزرقاني على الموطأ المكتبة التجارية بمصر ١٣٧٧ هـ - ١٩٥٩م. ٨٩- شرح المنجور لقواعد الزقاق، طبعة حجرية ١٣٠٥هـ. ٩٠- شرح الطالب في أسنى المطالب، لأحمد بن قنفذ. ٩١- شرح التاودي بحاشية المهدس، طبعة حجرية. ٩٢- شرح الزرقاني على خليل. ٩٣- الشرح الكبير، للدردير بحاشية الدسوقي. ٩٤- شرح العضد على مختصر ابن الحاجب. ٩٥- شرح الإسنوي على المنهاج، للبيضاوي بحاشية الشيخ بخيت. ٩٦- شرح الزيلعي على الكنز. ٩٧- شرح حدود ابن عرفة، للرصاع، طبعة تونس ١٣٥٠ هـ. ٩٨- شرح مجلة الإحكام، لعلي حيدر، طبعة بيروت. ٩٩- الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، لمحمد الخضر حسين، طبعة بيروت. [ص] ١٠٠- صحيح البخاري بشرح عمدة القاري، لبدر الدين أبي محمود بن أحمد العيني، طبعة الطباعة المنيرية. ١٠١- صحيح مسلم بشرح النووي، طبعة أولى المطبعة المصرية بالأزهر ١٣٤٧ هـ - ١٩٢٩ م.

стр. 7539

١٠٢ – صحيح مسلم بشرح إكمال المعلم، لمحمد بن خلفة القشتالي الآبي وشرح السنوسي الطبعة الأولى مطبعة السعادة مصر ١٣٢٧ هـ. ١٠٣- صحيح الترمذي بشرح الإمام ابن العربي المالكي المطبعة المصرية بالأزهر سنة ١٣٥٠ هـ - ١٩٣١ م. [ط] ١٠٤- الطريقة المرضية في الإجراءات الشرعية وما جرى به العمل في الأقطار التونسية على مذهب السادة المالكية، لشيخ الإسلام محمد العزيز جعيط، طبعة الإدارة تونس. ١٠٥- الطرق الحكمية والسياسة الشرعية، لابن القيم الجوزية، طبعة مصر المؤسسة العربية للطباعة والنشر القاهرة ١٣٨٠ هـ - ١٩٦١ م. [ع] ١٠٦- عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لبدر الدين العيني. ١٠٧- علم أصول الفقه، للأستاذ عبد الوهاب خلاف، طبعة مصر القاهرة. ١٠٨- العرف والعادة في رأي الفقهاء، لأحمد فهمي أبو سنة، طبعة مطبعة الأزهر القاهرة ١٩٤٩ م. ١٠٩- العمليات العامة، لأبي عبد الله محمد السجلسماسي، طبعة أولى مطبعة الدولة التونسية ١٢٩٠ هـ. ١١٠- العرف والعمل في المذهب المالكي للدكتور عمر بن عبد الكريم الحيدى، طبع بمطبعة إحياء التراث الإسلامى ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤ م. ١١١- عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليين، للدكتور أحمد محمد، طبعة دار الاعتصام، طبعة أولى ١٣٤٧ هـ ١٩٧٧م. [ف] ١١٢- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، لمحمد بن علي الشوكاني اليماني الصنعاني، طبعة مصطفى البابي الحلبي مصر ١٣٤٩ هـ. ١١٣- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر، طبعة حلبي ١٣٧٨ هـ ١٩٥٩م. ١١٤- الفروق، للقرافي، طبعة دار إحياء الكتب العربية القاهرة. ١١٥- فتح الجليل الصمد في شرح التكميل والمعتمد، لعبد الجليل السجلسماسي. ١١٦- فلسفة التشريع في الإسلام، لصبحي محمصاني، طبعة دار العلم للملايين بيروت ١٩٧٥ م طبعة رابعة. ١١٧- الفكر السامي، للعلامة الحجوي الثعالبي، طبعة إدارة المعارف بالرياض ١٣٤٠ هـ كمل بفاس ١٩٤٥م. ١١٨- فتح القدير، لكمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام مع تكملة نتائج الأفكار في كشف الرموز، والأسرار، لقاضي زاده على الهداية شرح بداية المبتدئ، للمرغياني وبهامشه شرح العناية على الهداية، طبعة المكتبة الحمادية الكبرى بمصر ١٣٥٦ هـ.

стр. 7540

١١٩- الفقه الإسلامي وأدلته، للدكتور وهبة الزحيلي، طبعة دار الفكر ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م. [ق] ١٢٠- قواعد المقري، لأبي عبد الله المقري التلمساني مخطوط. ١٢١- القواعد، لأبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، والفقه الإسلامي، طبع مطبعة صدق الخيرة مصر طبعة أولى. ١٢٢- قواعد الحكام في مصالح الأنام، لأبي محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، طبعة المكتبة الحسينية مصر طبعة أولى. ١٢٣- القبس، لابن العربي مخطوط. ١٢٤- القوانين الفقهية، لابن جزي، طبعة منشورات الدار العربية للكتاب ليبيا تونس. [ك] ١٢٥- الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي، طبعة مكتبة الرياض الحديثة الرياض. ١٢٦- كتاب مالك، للشيخ محمد أبو زهرة طبعة مصر. ١٢٧- كتاب صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، طبعة دمشق. [ل] ١٢٨- لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين بن محمد بن منظور، طبعة دار الطباعة والنشر بيروت ١٣٤٧ هـ ١٩٥٥ م. ١٢٩- لباب التأويل في معاني التنزيل، لعلاء الدين البغدادي المعروف بالخازن، طبعة المطبعة الخيرية مصر. ١٣٠- لامية الزقاق منظومة. ١٣١- لقط الدرر فيما به العمل من مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس، لمحمد السنوسي اشتمل على ٤٢٢٢ بيتًا في النوازل التونسية وضبط ما جرى به العمل في محكمتها الشرعية، طبعة المطبعة الدولية التونسية ١٢٩٧ هـ. [م] ١٣٢- المبسوط، لشمس الدين السرخسي، مطبعة السعادة بمصر.

стр. 7541

١٣٣- الملل والنحل، لأبي الفتح محمد الشهرستاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، طبعة الحلبي ١٣٨١ هـ ١٩٦١. ١٣٤ – مقاصد الشريعة الإسلامية، لشيخ الإسلام محمد الطاهر بن عاشور، طبعة الشركة التونسية للنشر ١٣٦٦هـ - ١٩٧٨ م. ١٣٥- مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، لعلال الفاسي، طبعة مكتبة الوحدة العربية الدار البيضاء. ١٣٦- مجالس العرفان ومواهب الرحمن، لمحمد العزيز جعيط الدار التونسية للنشر١٩٧٢ م. ١٣٧- المدخل الفقهي العام، لمصطفى أحمد الزرقا، طبعة ألف باء دمشق ١٩٦٧. ١٣٨- المدخل للعلوم القانونية، لتوفيق فرج، طبعة مصر. ١٣٩- الموافقات، للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي الغرناطي، طبعة تونس ١٣٠٢ هـ. ١٤٠ – المعيار المغرب والجامع المعرب عن فتاوي أهل أفريقية والمغرب، طبعة ١٣١٥.هـ ١٤١- المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي، طبعة مطبعة السعادة مصر ١٣٣١ هـ. ١٤٢ – الموطأ، للإمام مالك بن أنس، طبعة مطبعة البابي الحلبي ١٣٣٩ هـ. ١٤٣ – مجموع الفتاوي، لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية جمع عبد الرحيم بن محمد بن قاسم، طبعة مكتبة المعارف الرباط. ١٤٤- مسند الإمام أحمد بن حنبل، المطبعة الميمية. ١٤٥ – المقدمات المنهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات، لأبي الوليد ابن رشد، طبعة دار صادر بيروت. ١٤٦- مقدمة ابن خلدون من كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، طبعة أولى مصر. ١٤٧- المغني، لابن قدامة المقدسي على مختصر الخرقي، طبعة دار المنار ١٣٦٧ هـ. ١٤٨ – المدونة الكبرى، للإمام مالك برواية سحنون عن ابن القاسم، طبعة دار صادر بيروت. ١٤٩- مفتاح الأصول في علم الأصول للشريف التلمساني، طبعة تونس. ١٥٠- المنهج الفائق والمنهل الرائق والمغني اللائق بآداب الموثق وأحكام الوثائق، طبعة حجرية ١٢٢٨ هـ. ١٥١ – المستصفى من علم الأصول، لحجة الإسلام الغزالي وبهامشه فواتح الرحموت، لعبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري شرح مسلم الثبوت، لابن عبد الشكور، الطبعة الأولى المطبعة الأميرية بمصر ١٣٢٢ هـ. ١٥٢- المنخول من تعليقات الأصول، لحجة الإسلام الغزالي، تحقيق محمد حسن هيتو من غير تعيين مكان وبدون تاريخ مصر. ١٥٣- مواهب الجليل على شرح خليل، لمحمد الرعيني المعروف بالحطاب وبهامشه تاج الإكليل، للعبدري الشهير بالمواق، طبعة السعادة مصر.

стр. 7542

١٥٤- منهج التحقيق والتوضيح لحل غوامض التنقيح، للشيخ محمد جعيط. ١٥٥- مبادئ الثقافة الإسلامية، لفاروق النبهان، طبعة دار البحوث العلمية الكويت ١٣٧٤ هـ - ١٩٧٤ م. ١٥٦- مطلع الدراري بتوجيه النظر الشرعي على القانون العقاري، لمحمد السنوسي، طبعة المطبعة الرسمية تونس. ١٥٧- المحلى، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، طبعة دار الطباعة المنيرية مصر. ١٥٨- المهذب، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الشيرازي، طبعة مصر. [ن] ١٥٩ – نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، لمحمد علي الشوكاني، طبعة الطباعة المنيرية مصر ١٣٤٤ هـ. ١٦٠- نهاية المحتاج لشرح المنهاج، لشمس الدين محمد بن أبي العباس الرملي، مطبعة حلبي مصر ١٣٨٦ هـ ١٩٦٧ م. ١٦١- نفائس الأصول في شرح المحصول، للقرافي مخطوط. ١٦٢- نظرية العرف، لعبد العزيز الخياط، طبع ونشر مكتبة الأقصى عمان ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م. ١٦٣- نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف، لمحمد بن عابدين مجموع رسائل ابن عابدين جزئين في مجلد. ١٦٤- نشر البنود على مراقي السعود، لعبد الله الشنقيطي العلوي، طباعة المغرب. ١٦٥- نوازل الشريف العلوي، طبعة مطبعة حجرية ١٣١٥ هـ. [و] ١٦٦- الوجيز، لحجة الإسلام الغزالي، طبعة مطبعة حوش قدم بالغورية ١٣١٣هـ ١٦٧ – الوجيز في المدخل للقانون، لشمس الدين الوكيل، طبعة القاهرة. ١٦٨ – الوسيط، لعبد الرزاق السنهوري، طبعة مصر.

стр. 7543

نظرية العرف في الفقه الإسلامي إعداد الدكتور إبراهيم فاضل الدبو الأستاذ بكلية الشريعة – جامعة بغداد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وبعد. الأحكام الشرعية إنما تعرف بالأدلة التي أقامها الشارع لترشد المكلفين إليها وتدلهم عليها، وتسمى هذه الأدلة بأصول الأحكام أو المصادر الشرعية للأحكام. وهذه الأدلة تقسم إلى تقسيمات باعتبارات مختلفة، أي بالنظر إلى الجهة التي ينظر منها إليها، ونذكر فيما يلي تقسيمين من هذه التقسيمات. التقسيم الأول: من جهة مدى الاتفاق والاختلاف على هذه الأدلة، وهي بهذا الاعتبار ثلاثة أنواع: النوع الأول: وهو محل اتفاق بين أئمة المسلمين، ويشمل هذا النوع القرآن والسنة. النوع الثاني: وهو محل اتفاق جمهور المسلمين، وهو الإجماع والقياس. وقد خالف في الإجماع النظام من المعتزلة وبعض الخوارج، وخالف في القياس الإمامية والظاهرية. النوع الثالث: وهو محل اختلاف بين العلماء، ويشمل هذا النوع العرف (١) والاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة وشرع من قبلنا ومذهب الصحابي. فمن العلماء من اعتبر هذا النوع من مصادر التشريع، ومنهم من لم يعتبره. التقسيم الثاني: الأدلة من حيث ردوعها إلى النقل أو الرأي تنقسم إلى قسمين: نقلية وعقلية.

стр. 7544

الأدلة النقلية: وهي الكتاب والسنة، ويلحق بهذا النوع الإجماع ومذهب الصحابي وشرع من قبلنا على رأي من يأخذ بهذه الأدلة ويعتبرها مصادر للتشريع، وإنما اعتبر هذا النوع من الأدلة نقليًّا، لأنه راجع إلى التعبد بأمر منقول عن الشارع، لا نظر ولا رأي لأحد فيه. الأدلة العقلية: وهي التي مرجعها النظر والرأي، وهذا النوع هو القياس، ويلحق به الاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب. وإنما كان هذا النوع عقليًّا، لأن مرده إلى النظر والرأي لا إلى أمر منقول عن الشارع (١) . والقسمة التي ذكرناها، إنما هي بالنسبة إلى أصول الأدلة، أما بالنسبة إلى الاستدلال بها على الحكم الشرعي، فكل نوع من النوعين مفتقر إلى الآخر، لأن الاستدلال بالمنقول عن الشارع لا بد فيه من النظر واستعمال العقل الذي هو آداة الفهم، كما أن الرأي لا يكون صحيحًا معتبرًا إلا إذا استند إلى النقل، لأن العقل المجرد لا دخل له في تشريع الأحكام (٢) . الكتاب هو مرجع الأدلة كلها: قلنا قبل قليل بأن الأدلة على نوعين، نقلية وعقلية، وعند النظر نجد أن الأدلة محصورة في الكتاب والسنة، لأن الأدلة الثابتة لم تثبت بالعقل، وإنما تثبت بالكتاب والسنة، لأن مرجع الأحكام إليهما، وهما المستندان لها وذلك من جهتين: الأولى: دلالتهما على الأحكام الجزئية الفرعية، كأحكام الزكاة والبيوع والعقوبات ونحوها. والثانية: دلالتهما على القواعد والأصول التي تستند إليها الأحكام الجزئية الفرعية كدلالتهما على أن الإجماع حجة وأصل للأحكام، وكذا القياس، ونحو ذلك. ثم إن مرجع السنة إلى الكتاب وذلك من وجهين: الوجه الأول: أن العمل بالسنة والاعتماد عليها واستنباط الأحكام منها، قد دل عليه القرآن الكريم، حيث قرن الله تعالى طاعته بطاعة رسوله في أكثر من موضع من كتابه الكريم قال عز شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣) . وقد تكرر هذا الأمر منه في نصوص كثيرة من القرآن الكريم. وتكراره يدل على عموم طاعته سواء كان ما أتى به مما في الكتاب أو مما ليس فيه إلى نصوص أخرى تفيد هذا المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤) . وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥) .

стр. 7545

والوجه الثاني: أن السنة إنما جاءت لبيان الكتاب الكريم وشرح معانيه بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢) . والتبليغ يشمل تبليغ الكتاب وبيان معانيه، فالسنة مبينة لكتاب الله وشارحة لمعاينه ومفصلة لمجمله. وعلى هذا فالقرآن هو أصل الأصول ومصدر المصادر ومرجع الأدلة جميعًا. ترتيب الأدلة: بما أن القرآن الكريم هو مرجع الأدلة جميعًا ومصدر المصادر كما قلنا، فمن البديهي إذن أن يقدم عليها عند الرجوع إلى معرفة الحكم الشرعي، فإذا لم يوجد الحكم فيه، وجب الرجوع إلى السنة، لأنها على ما ذكرنا مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه، فمن البديهي أن تأتي في المرتبة الثانية بعده، فإذا تعذر علينا الحصول على الحكم في السنة، لزم الرجوع إلى الإجماع، لأن مستند الإجماع نص من الكتاب أو السنة، فإن لم يكن إجماع في المسألة، وجب الرجوع إلى القياس. فترتيب الأدلة في الرجوع إليها واستنباط الأحكام منها يكون على هذا النحو: الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء الذين ذهبوا إلى القول: بحجية الإجماع والقياس واعتبارهما مصدرين للأحكام الشرعية بالإضافة إلى الكتاب والسنة، وقد دل على هذا الترتيب آثار كثيرة، منها: ١- أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ عندما أرسله إلى اليمن: ((كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟)) قال: أقضي بكتاب الله، قال ((فإن لم تجد؟)) قال: أقضي بسنة رسول الله ﷺ ، قال ((فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟)) قال: أجتهد برأي ولا آلو. فضرب رسول الله ﷺ على صدره، وقال ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله)) (٣) .

стр. 7546

ووجه الدلالة بهذا الحديث أن النبي ﵊ أقره على الاجتهاد بالرأي إذا لم يجد الحكم في الكتاب والسنة، وما القياس إلا ضرب من ضروب الاجتهاد بالرأي. ٢- عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله، فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر بن الخطاب يفعل ذلك أيضًا (١) . ٣- قال عمر بن الخطاب لشريح قاضيه في الكوفه: اقضِ بكتاب الله، فإن لم تجد فبقضاء رسول الله، أي سنته، فإن لم تجد فاقض بما استبان لك من الأئمة المهتدين، فإن لم تجد فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح (٢) . ومثل هذا كان يقول عبد الله بن مسعود (٣) . العرف: معنى العرف: العرف بضم العين، هو في اللغة ضد النكر (٤) يقال أولاه عرفًا، أي معروفًا، وورد أيضًا بمعنى المكان المرتفع، يقال عرف الجبل ونحوه (٥) . وقد يطلق على عرف الفرس – وهو الشعر على محدب رقبة الفرس – لارتفاعها، ويقال مثل ذلك في عرف الديك أيضًا (٦) . ويأتي بمعنى الجود والتتابع، ومنه طار القطا عرفًا، أي بعضها خلف بعض، وهو بفتح العين بمعنى الريح طيبة كانت أم منتنة، ولكن أكثر استعماله في الطيبة (٧) . وهو عرفًا ما اعتاده الناس وألفوه سواء كان قولًا أو فعلًا. وهذا هو عين تعريفه في اصطلاح الفقهاء. فقد حكى ابن عابدين عن بعض الأئمة تعريف العادة والعرف بأنه "ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول" (٨) . وعرفه الأستاذ الزرقا بقوله: "وهو عادة جمهور قوم في قول أو فعل" (٩) . وبمثل هذا عرفه الأستاذ زيدان أيضًا (١٠) .

стр. 7547

العرف والعادة بمعنى واحد: إن العادة عند الفقهاء تعني العرف، فقولهم: هذا ثابت بالعرف والعادة لا يعني أن العادة عندهم غير العرف، وإنما هي نفسه، وقد ذكرت للتأكيد لا للتأسيس. قال ابن عابدين: "إن العادة مأخوذة من المعاودة، فهي بتكررها ومعاودتها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول متلقاة بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة عرفية، فالعادة والعرف بمعنى واحد" (١) . تقسيمات العرف: والعرف كما تبين لنا من تعريفه قد يكون قوليًّا أو عمليًّا وقد يكون عامًا أو خاصًا، وهو بجميع هذه الأنواع قد يكون صحيحًا أو فاسدًا. وها أنا أوجز الكلام في كل قسم من التقسيمات المذكورة: ١- العرف العملي: وهو ما اعتاده الناس من أعمال سواء كان ذلك في معاملاتهم المالية أو عاداتهم الاجتماعية مثال الأولى: بيعهم بالتعاطي ودخول الحمامات العامة بدون تعيين مدة المكث فيها ولا مقدار الماء المستهلك وعقود الاستصناع. ومثال الثانية: تعارف الناس على أكل البر ولحم الضأن، واعتبار تقديم الطعام للضيف إذنًا له بالتناول ونحو ذلك. ٢- العرف القولي: وهو ما تعارف عليه الناس في بعض ألفاظهم بأن يريدوا بها معنى معينًا غير المعنى الموضوع لها (٢) . وذلك مثل لفظ دابة، فإنها وضعت في الأصل لكل ما يدب على الأرض ثم خصصت عرفًا بذات الأربع. ومثل تعارف الناس على أن لفظ اللحم يراد به غير السمك ونحو ذلك. والعرف بنوعيه العملي والقولي قد يكون عامًا إذا شاع وفشا بين عامة الناس في البلاد الإسلامية. والخاص منه ما كان مخصوصًا ببلد دون آخر أو بأرباب مهنة دون غيرها ولكل قوم أن يصطلحوا على ما شاؤوا من غير ما هو محرم. فمن العرف العملي الخاص في العراق تقسيم المهر إلى معجل ومؤجل. ومن العرف القولي العام إطلاق لفظ الدابة على ذوات الأربع ولا يطلقونها على الإنسان، وتعارفهم على استعمال لفظ الطلاق على إزالة الرابطة الزوجية.

стр. 7548

ومن العرف القولي الخاص، الألفاظ التي اصطلح عليها أهل كل علم من العلوم أو أصحاب الحرف والصناعات التي يقصدون عند إطلاقها لفظًا اصطلاحيًّا معينًا. والعرف القولي الخاص، يخصص العرف العام باتفاق الحنفية والشافعية، فإذا أطلقت الدراهم أو الدنانير في بلد، فإنه يراد بها النقد الغالب في تلك البلد. أما الفعلي الخاص، فإنه مخصص للعام منه عند الحنفية دون الشافعية، فإذا قال رجل لآخر: اشترِ لي طعامًا أو لحمًا، فإنه ينصرف إلى البر ولحم الضأن عملًا بالعرف العملي (١) . العرف الصحيح: هو ما تعارف عليه الناس ولم يخالف نصًّا من نصوص الشريعة، أو ما يدل دليل على بطلانه أو فساده. وذلك كتعارف الناس على أن ما يقدمه الخاطب إلى مخطوبته من ثياب ونحوها يعتبر هدية ولا يدخل في المهر. وكتعارف الناس في العراق على أن المهر المؤجل لا تستحقه الزوجة إلا بفرقة من طلاق أو موت. العرف الفاسد: بعد أن وضحنا العرف الصحيح، تبين لنا بوضوح العرف الفاسد، فهو كل ما خالف نصًّا من نصوص الشريعة أو قام الدليل على بطلانه، وذلك كتعامل الناس بالربا أو اعتيادهم لعب القمار، وذلك مثل عقود التأمين على الحياة والعقود الواقعة تحت الغرر. حجية العرف: العرف معتبر في كثير من الأحكام الشرعية العملية بين الناس لما له من تأثير واسع في استنباط الأحكام والاجتهاد فيها، وذلك لأن كثيرًا من أعمال الناس وألفاظهم ومعاملاتهم وشؤون حياتهم تقوم على ما اعتادوه وتعارفوه، فلا بد من النظر إلى هذا المألوف المتعارف حين استخراج الحكم الشرعي للمسائل المتجددة أو المشكلات التي تنشأ بين الناس. والقواعد الشرعية المعتمدة على النصوص لا تستوعب جميع التفصيلات والمسائل المتجددة، وإنما تتخذ أساسًا في نصها أو روحها للاجتهاد وبيان الأحكام، والعرف يساعد في هذا الاجتهاد ويعين المجتهد على تفهم الواقعة وتطبيق الحكم الشرعي عليها، سواء أكان ذلك في معاني الكلمات وعبارات الناس أو في معاملاتهم وعقودهم، حتى أصبح العرف الصحيح ذريعة إلى تبدل الأحكام وتغيرها باختلاف أعراف الناس في بيئاتهم المختلفة وأماكنهم المتغايرة (٢) . وهذا هو سر تغير اجتهادات الإمام الشافعي في مسائل كثيرة توصل إليها حين كان في بلاد العراق، فلما انتقل إلى مصر ورأى تغير أعراف الناس وعاداتهم، عدل عن كثير من أقواله في العراق، حتى صارت اجتهاداته الجديدة تعرف بالمذهب الجديد والتي عدل عنها بالمذهب القديم. والمالكية يقيمون للعرف وزنًا كبيرًا ويعتبرونه أصلًا من الأصول الفقهية فيما لا يكون فيه نص قطعي. ويتركون القياس إذا خالف العرف، وقد ورد عن القرطبي في باب الاستحسان أن من ضروبه ترك القياس لأجل العرف وهو يخصص العام ويقيد المطلق عندهم، وقد ذكر أبو العباس القرافي بأن العوائد تعتبر من الأدلة على مشروعية التصرفات (٣) .

стр. 7549

وذكر ابن نجيم الحنفي " بأن اعتبار العادة والعرف يرجع إليه في الفقة في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا " (١) وقد ورد على لسان ابن عابدين أيضا " بأن الثابت بالعرف كالثابت بالنص (٢) ومن أقوالهم الدالة على حجية العرف " العادة محكمة ": " والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا " وأراد بعضهم الاستدلال بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ على حجية العرف وكونه دليلًا معتبرًا في الشرع، ولكن هذه الحجة ضعيفة، لأن العرف في الآية هو المعروف وهو ما عرف حسنه ووجب فعله، وهو كل ما أمرت به الشريعة. واحتج البعض (٣) بالحديث المروي عن النبي ﷺ ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)) على حجية العرف، وهذا الاستدلال ضعيف، فقد قال غير واحد من العلماء إنه موقوف على ابن مسعود، ودلالته تشير إلى حجية الإجماع لا العرف (٤) ، إلا إذا كان مستند الإجماع عرفًا صحيحًا فتكون دلالته هذا الأثر قاصرة على نوع من أنواع العرف لا على مطلق العرف. والحق أن العرف معتبر في الشرع ويصح ابتناء الأحكام عليه، وهو في الحقيقة ليس بدليل مستقل ولكنه يرجع إلى أدلة الشريعة المعتبرة، والدليل على ذلك أمور عديدة منها: أولًا: وجدنا الشارع الحكيم يراعي أعراف العرف الصالحة، من ذلك إقراره لنوع من التعامل المالي عندهم كالمضاربة والبيوع والإجارات الخالية من المفاسد (٥) كما استثنى السلم من عموم نهيه عن بيع الإنسان ما ليس عنده، لجريان عرف أهل المدينة به ونهى عن بيع التمر بالتمر ورخص في العرايا، وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بمثله من التمر خرصًا، أي تخمينًا، لتعارف المجتمع هذا النوع من البيع وحاجته إليه فدلت هذه التصرفات من الشارع الحكيم على رعاية العرف الصالح الذي استقرت عليه معاملات الناس، أما العرف الفاسد، فقد أبطله وألغاه، كما فعل في كثير من عادات الجاهلية مثل التبني وعدم توريث النساء وغير ذلك.

стр. 7550

ثانيا: إن العرف في حقيقته يرجع إلى دليل من أدلة الشرع المعتبرة كالإجماع والمصلحة المرسلة وسد الذرائع، فمن العرف الراجع إلى الإجماع، الاستصناع ودخول الحمامات، فقد جرى العرف بهما بلا إنكار فيكون من قبيل الإجماع، والإجماع معتبر. ومن العرف ما يرجع إلى المصلحة المرسلة لأن العرف له سلطان على النفوس، فمراعاته من باب التسهيل عليهم ورفع الحرج عنهم ما دام العرف صالحًا لا فاسدًا، كما أن في تحويل الناس عما تعارفوا عليه وألفوه، فيه مشقة وحرج، والحرج مرفوع لأنه مفسدة، وقد أشار إلى هذا المعنى السرخسي في مبسوطه حيث يقول:" لأن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، ولأن في النزوع عن العادة الظاهرة حرجًا بينا " (١) . ثالثا: احتجاج الفقهاء بالعرف في مختلف العصور واعتبارهم إياه في اجتهادهم، دليل على صحة اعتباره، لأن عملهم به ينزل منزلة الإجماع السكوتي فضلًا عن تصريح بعضهم به وسكوت الآخرين عنه، فيكون اعتباره ثابتًا بالإجماع (٢) . وسلطان العرف كبير على الأحكام يدخل فيه جميع أبواب الفقة سواء أكان ذلك في العبادات أو المعاملات أو السير أو الأحوال الشخصية يقول جلال الدين السيوطي الشافعي: " اعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في الفقه في مسائل لا تعد كثيرة، فمن ذلك سن الحيض والبلوغ والإنزال وأقل الحيض والنفاس والطهر وغالبها وأكثرها ... والبناء على الصلاة في الجمع والخطبة والجمعة بين الإيجاب والقبول والسلام ورده، والتأخير المانع من الرد بالعيب، وفي الشرب وسقي الدواب من الجداول والأنهار المملوكة إقامة له مقام الإذن اللفظي وتناول الثمار الساقطة وفي إحراز المال المسروق وفي المعاطاة على ما اختاره النووي وفي عمل الصناع على ما استحسنه الرافعي وفي وجوب السرج والإكساف في استئجار دابة الركوب، والحبر والخيط والكحل على من جرت العادة بكونها عليه ... إلخ (٣) . شروط اعتبار العرف كأصل من أصول الأحكام: من أجل اعتبار العرف وبناء الأحكام عليه، يجب أن تتوفر فيه الشروط التالية: أولًا: أن لا يكون مخالفًا للنص، بأن يكون عرفًا صحيحًا كما في الأمثلة التي ضربناها للعرف الصالح، قال ابن عابدين: " ولا اعتبار للعرف المخالف للنص، لأن العرف قد يكون على باطل بخلاف النص " (٤) وقد مثل للعرف الفاسد بما اعتاده العمال من الكشف عن العانة عند الاتزار وفي النزع مما حدا ببعض العلماء إلى القول: بأن السرة إلى موضع نبات الشعر، معتمدًا على تعامل بعض العمال بذلك فرد ﵀ على هذا الرأي بقوله: " هذا ضعيف وبعيد، لأن التعامل بخلاف النص لا يعتبر " (٥) ومن هنا يظهر لنا فساد ما اعتادته كثير من النسوة من كشف شيء من أجسامهن كالساق وشعر الرأس والصدر والرقبة وما سوى ذلك من أجزاء الجسم الأخرى مما لا يجوز كشفه أمام الرجل الأجنبي لمخالفته النصوص الصريحة الناهية عن ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية (٦) .

стр. 7551

ومن الأعراف الفاسدة أيضا، تعارف الناس كثيرًا من المحرمات كالربا وشرب الخمر ولبس الحرير والذهب وغير ذلك مما ورد تحريمه نصًّا. ثانيا: أن يكون العرف مطردًا أو غالبًا: ومعنى الاطراد أن تكون العادة كلية أي لا تتخلف، وقد يعبر عنها بالعموم، أي يكون العرف مستفيضًا شائعًا بين أهله معمولًا به من قبلهم، ومعنى الغلبة أن تكون أكثرية المعنى أنها لا تتخلف إلا قليلًا، والغلبة أو الاطراد إنما يعتبران إذا وجدا عند أهل العرف لا عند الفقهاء لاحتمال تغيرها من عصر إلى عصر (١) . قال ابن نجيم: " إنما تعتبر العادة إذا طردت أو غلبت " (٢) وقال السيوطي: " إنما تعتبر العادة إذا طردت فإن اضطربت فلا، وأن تعارضت الظنون في اعتبارها فخلاف " (٣) فقد قال الإمام الشافعي في باب الأصول والثمار: كل ما يتضح فيه اطراد العادة فهو المحكم بين الناس، ومضمره كالمذكور صريحًا أما لو تعارضت الظنون بعض التعارض في حكم العادة فيه، فهو مثار الخلاف (٤) وقد تفرع عن هذا الشرط عدة مسائل منها: (أ) لو جرى عقد بين متبايعين بدراهم أو دنانير وكانا في بلد فيه عدة عملات مختلفة في المالية والزواج، انصرف البيع إلى الأغلب، لأنه هو المتعارف فنصرف المطلق إليه (٥) ولو اضطربت العادة في البلد وجب بيان النقد عند البيع وإلا بطل العقد (٦) . (ب) ومنها استئجار الكاتب، فالحبر والأقلام عليه، وكذا الخيط والإبرة بالنسبة للخياط، عملًا بالعرف عند الأحناف وعند الشافعية فيه خلاف، الأصح كما ذكر الرافعي الرجوع فيه إلى العادة، فإن اضطربت وجب البيان وإلا بطلت الإجارة (٧) .

стр. 7552

ثالثًا: أن يكون العرف مقارنًا ولا يعتبر العرف المتأخر في التصرفات السابقة، فإذا طرأ عرف جديد بعد اعتبار العرف السائد عند صدور الفعل أو القول، فلا اعتبار بالعرف المتأخر وعلى هذا يجب تفسير حجج الأوقاف والوصايا والبيوع ووثائق الزواج وما يراد فيها من شروط واصطلاحات على عرف المتصرفين الذي كان موجودًا في زمانهم لا على عرف حادث بعدهم يقول ابن نجيم: " العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر، لذلك قالوا لا عبرة بالعرف الطارئ (١) . رابعا: أن لا يوجد قول أو عمل يفيد عكس مضمونه، كما إذا كان العرف في السوق تقسيط الثمن واتفق العاقدان صراحة على الأداء، أو كان العرف يقضي بتحمل المشتري مصاريف تصدير البضاعة المشتراة واتفقا على أن تكون على البائع، أو كان العرف جاريًّا بتحمل المشتري مصاريف تسجيل العقار في الطابو واتفق الطرفان على جعلها على البائع، ففي هذه الحالة يحل ما اتفق عليه محل العرف والقاعدة هنا " ما يثبت بالعرف بدون ذكر لا يثبت إذا نص على خلافه (٢) . حكم العرف إذا تعارض مع دليل شرعي: قد يختلف العرف مع الدليل الشرعي، والدليل إما أن يكون نصًّا من نصوص الشريعة وهي الكتاب والسنة، أو يكون قياسًا أو إجماعًا، وإما أن يخالف بعض الآراء الاجتهادية وهي الأحكام الشرعية الظنية المستنبطة من الأدلة الشرعية. والحكم في مخالفة العرف الدليل الشرعي يختلف باختلاف الأدلة وباختلاف عموم النص وخصوصه، ويختلف بحسب المخالفة إن كانت من وجهه أو من بعض الوجوه. يقول ابن عابدين: " إذا خالف العرف الدليل الشرعي، فإن خالف من كل وجه بأن لزم منه ترك النص فلا شك في رده كتعارف الناس كثيرًا من المحرمات من الربا وشرب الخمر ولبس الحرير والذهب وغير ذلك مما ورد تحريمه نصًّا، وإن لم يخالفه من كل وجه بأن ورد الدليل عامًّا والعرف خالفه في بعض أفراده أو كان الدليل قياسًا، فإن العرف معتبر إن كان عامًّا، فإن العرف العام يصلح مخصصًا كما مر عن التحرير ويترك به القياس كما صرحوا به في مسألة الاستصناع ودخول الحمام والشرب من السقا وإن كان العرف خاصًّا فإنه لا يعتبر هو المذهب كما ذكره في الأشباه حيث قال: فالحاصل أن المذهب عدم اعتبار العرف الخاص، ولكن أفتى كثير من المشايخ باعتباره " (٣) .

стр. 7553

ومن هنا تبين لنا أن مخالفة العرف للأدلة الشرعية تتنوع أنواعًا مختلفة بحسب الحالات التي تؤدي إلى النتائج المختلفة وذلك في أنواع ثلاثة: ١- النوع الأول: مخالفة العرف النص الشرعي من كل وجه. ٢- النوع الثاني: مخالفة العرف من بعض الوجوه. ٣- النوع الثالث: تعارض العرف والاجتهادات الفقهية للناس. وها أنا أبين بإيجاز رأي الفقهاء في كل نوع من الأنواع الثلاثة. أولًا – مخالفة العرف النص الشرعي من كل وجه: إذا خالف العرف الشرع من كل وجه فلا يعتبر العرف مطلقًا، وذلك فيما إذا اصطدم العرف بنص تشريعي خاص من نصوص الكتاب أو السنة يأمر بخلاف ما جرى عليه العرف، فلا اعتبار للعرف في هذه الحالة، كالأحكام التي كانت متعارفة في الجاهلية وحرمها الإسلام لمصادمة تلك الأعراف لإدارة الشارع في موضوع أصبح المسلم مكلفًا بتطبيق النص والأخذ به، فلا يجوز إهماله وإعمال العرف (١) ومثال ذلك أيضًا: العقود التي نهى الإسلام عن إبرامها كالملامسة والمنابذة، وكذلك ما تعورف عليه في الجاهلية من الغزو واستباحة الحقوق ونكاح الشغار وإثبات ولد الزنا والتبني. ولو عاود الناس المعاملة بها وأصبح عرفًا، فإنه لا يعتبر شرعًا وهو باطل. استثناء من الحكم العام: ويستثنى من ذلك ما إذا كان النص حين نزوله أو حين صدوره عن المشرع مبنيًّا على عرف قائم ومعللًا به، فإن النص عندئذ يكون عرفيًّا فيدور مع العرف ويتبدل بتبدله، مثال ذلك: حديث الربا الوارد في الأصناف الستة، فإنه نص على أن الربا يحصل في مبادلة هذه الأصناف إذا لم يحصل التساوي فيما بينها، فإذا حصل، فلا ربا، فما هو مقياس التساوي؟ لقد ترك ذلك للعرف فما كان وزنيًّا كالذهب والفضة اعتبر فيه الوزن، وما كان كيليًّا كالحنطة والشعير والملح والتمر اعتبر فيه الكيل. والملاحظ أن الحديث نص على التساوي الوزني في الذهب والفضة والتساوي الكيلي فيما عدها، غير أن العرف تبدل في هذه الأوزان، فأصبحت الحنطة والتمر والشعير والملح توزن وزنًا ولا تكال كيلًا، فأي العرفين يعتبر هنا؟ لقد أجاب ابن عابدين عن ذلك، فبعد أن ذكر رأي بعض فقهاء المذهب في عدم جواز بيع الحنطة بالحنطة إلا كيلًا والذهب بالذهب إلا وزنًا لنص رسول الله ﷺ على ذلك، أورد رأي أبي يوسف الذي يقضي بصحة بيع الحنطة بمثلها وزنًا والذهب بمثله كيلًا، فقد علل ﵀ النص بالعادة، بمعنى أن الشارع عندما نص على بيع الحبوب كيلًا وعلى الذهب والفضة وزنًا لكونهما كانا في ذلك الوقت كذلك، فالنص جاء موافقًا للعادة، حتى لو كانت في ذلك الوقت وزن البر وكيل الذهب لورد النص على وفقها، فلما كانت العادة هي المنظورة إليها في الحكم المذكور، فإذا تغيرت تغير الحكم، فليس في اعتبار العادة المتغيرة الحادثة مخالفة للنص، بل فيه اتباع للنص (٢) .

стр. 7554

ومن هذا القبيل أيضًا، اعتبار الصمت في استئذان الفتاة البكر في النكاح، فإن أساسه العرف القائم في ذلك الوقت، فالنص من حديث النبي ﷺ ((وإذنها صماتها)) قام على اعتبار العرف، واليوم تغير العرف في كثير من البلدان وأصبح لا يكفي فيه صمت الفتاة البكر إذ أنها بلغت من الجرأة حدًّا تعرب فيه عن رأيها لفظًا، فيعتبر إذنها كإذن الثيب ويؤخذ بالعرف، لأن أساس النص قام على اعتبار العرف، وقد تغير فيتغير بتغيره (١) . ثانيا – مخالفة العرف النص من بعض الوجوه: إذا عارض نصًّا تشريعيًّا عامًّا، أي لم يخالف النص من كل وجه، فلا يخلو العرف من أن يكون عامًّا أو خاصًّا، فإن كان عامًا، فالعرف العام يصلح مخصصًا ويترك به القياس كما في مسألة الاستصناع ودخول الحمام والشرب من السقا. أما لو كان العرف خاصًّا فللفقهاء اتجاهان في اعتباره أو عدم اعتباره، قال ابن عابدين: " وإن كان العرف خاصًّا فإنه لا يعتبر، وهو المذهب كما ذكره في الأشباه حيث قال: فالحاصل أن المذهب عدم اعتبار العرف الخاص ولكن أفتى كثير من المشايخ باعتباره " (٢) . وقد تفرع عن هذا الخلاف عدة مسائل منها: ١- لو دفع رجل إلى حائك غزلًا أن ينسجه بالثلث فقد أجاز هذا النوع من الإجارة كثير من مشايخ بلخ لتعامل أهل بلدهم بذلك، والتعامل حجة يترك به القياس ويخص به الأثر، وتجويز هذه الإجارة في الثياب للتعامل، بمعنى تخصيص النص الذي ورد في قفيز الطحان، لأن النص ورد فيه لا في الحائك، إلا أن الحائك نظيره فيكون واردًا فيه دلالة، فمتى تركنا العمل بدلالة هذا النص في الحائك وعملنا بالنص في قفير الطحان كان تخصيصًا لا تركًا أصلًا، وتخصيص النص بالتعامل جائز. أما على رأي من لم يعتبر العرف الخاص، لم يجوز هذه الإجارة، " لأن ذلك تعامل أهل بلدة واحدة، وتعامل أهل بلدة واحدة لا يخص الأثر، لأن تعامل أهل بلدة إن اقتضى أن يجوز التخصيص فترك التعامل من أهل بلدة أخرى يمنع التخصيص، فلا يثبت التخصيص بالشك " (٣) . ٢- ومما تفرع عن الخلاف المذكور ما لو استقرض شخص ألف دينار من آخر واستأجر المستقرض المقرض لحفظ شيء، مما لا يستحق الاستئجار له كالساعة والمرآة والملعقة مثلًا، ببدل إيجار قدره مائة درهم في الشهر، وقيمة العين المذكورة لا تزيد على الأجر، ففي صحة الإجارة أو عدم صحتها ثلاثة أقوال: أحدها يقضي بصحة الإجارة بلا كراهة اعتبارًا لعرف خواص بخارى، والثاني الصحة مع الكراهة للاختلاف، والثالث، الفساد وهو الصواب كما ذكر ابن عابدين معللًا ذلك بقوله: " لأن الإجارة مشروعة على خلاف القياس، لأنها بيع المنافع المعدومة وقت العقد وإنما جازت بالتعارف العام لما فيها من احتياج عامة الناس إليها وقد تعارفوها سلفًا وخلفًا فجازت على خلاف القياس " (٤) .

стр. 7555

ثالثا – تعارض العرب والاجتهادات الفقهية: لا تخلو المسائل الفقهية من أن تكون ثابتة بصريح النص أو أن تكون ثابتة بضرب من الاجتهاد والرأي. فالأولى كانت مدار بحثنا عند كلامنا عن مخالفة العرف للنص الشرعي من كل وجه أو من بعض الوجوه، والثانية هي مدار كلامنا هنا فأقول: إن كثيرًا من المسائل الاجتهادية مبنية على عرف زمان المجتهد بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال المجتهد بخلاف ما قاله أولًا ولهذا قال العلماء من شروط الاجتهاد أنه لا بد للمجتهد من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام مختلف باختلاف الزمان وذلك بسبب تغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولًا، لأصاب الناس الحرج ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لأجل بقاء العالم على أتم نظام وأحسن إحكام (١) . ولذلك خالف مشايخ الحنفية ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذًا من قواعد مذهبه. من ذلك: (أ) إفتاء متأخري الحنفية بجواز الاستيجار على تعليم القرآن ونحوه بسبب انقطاع العطايا عن المعلمين التي كانت تنهال عليهم في الصدر الأول، ولو لم نحكم بجواز أخذ الأجرة على التعليم لأعرض الناس عن هذه المهنة بسبب انشغالهم في الكسب للحصول على لقمة العيش، وبذلك يضيع العلم والتعليم وكذا جواز أخذ الأجرة على الأذان والإمامة مع أن ذلك مخالف لما اتفق عليه أبو حنيفة والصاحبان من عدم جواز الاستيجار وأخذ الأجرة عليه كبقية الطاعات من الصوم والصلاة وسائر العبادات الأخرى. (ب) ومن ذلك أيضا تحقق الإكراه من غير السلطان مع مخالفته لقول أبي حنيفة بناء على ما كان في زمنه من أن الإكراه لا يقع إلا منه، وبفساد الزمان أصبح الإكراه يتحقق من غيره أيضًا، فقد قال محمد باعتباره، وأفتى به المتأخرون لهذا السبب. (ج) ومن هذا القبيل قول أبي يوسف ومحمد بعدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة مع مخالفة هذا القول لما نص عليه أبو حنيفة بناء على ما كان في زمنه من غلبة العدالة بسبب عيشه في ذلك العصر الذي شهد له رسول الله ﷺ بالخيرية، وهما أدركا الزمن الذي فشى فيه الكذب وقد نص العلماء على أن هذا الاختلاف اختلاف عصر وأوان لا اختلاف حجة وبرهان (٢) .

стр. 7556

أثر العرف في العقود: بعد هذا العرض لموضوع العرف، أود أن أذكر بعض الفروع الفقهية المبنية على العرف، والتي أفتى الفقهاء بجواز تلك المسائل لتعامل الناس بها، فلو تغيرت العادة أو بطلت، فلا يجوز للفقيه في هذه الحالة الفتوى بها، ومن هنا يتبين لنا أهمية العرف وأثره على كثير من العقود، ومن هذه الفروع ما يلي: ١- لو اشترى رجل سلعة وقال له آخر أشركني معك أو قال له المشتري: أشركتك معي، فإن الشركة صحيحة في هذه الحالة، والسلعة مناصفة بين الاثنين (١) . ٢- بيع الأرض يدخل فيه كل ما وجد في الأرض على سبيل البقاء والاستقراء، ولا يدخل في البيع الزرع إلا بالتسمية، لأنه وجد فيها على سبيل القطع (٢) . ٣- لو اشترى رجل ثمرة على رؤوس الشجر، فالرأي عند أبي حنيفة، أن المشتري يلزم بقطعها في الحال تفريغًا لملك البائع، وهذا فيما لو اشتراها مطلقًا أو بشرط القطع، فإن اشترط تركها على أصول الشجر، فسد البيع عنده (٣) وقال المالكية: لا مانع من التبقية على الأصول للعادة (٤) وهذا هو رأي الشافعية أيضًا، وبه قالت الإمامية (٥) . ٤- ومنها دخول العلو في بيع الدور والحوانيت وإن لم يتطرق إليه المتعاقدان في العقد بأن يذكرا الحقوق والمرافق التابعة للعقار، وذلك بناء على العرف الحادث (٦) . ٥- التوكيل في البيع المطلق، فإنه يتقيد بثمن المثل وغالب نقد البلد الذي جرى فيه العقد تنزيلًا للغلبة منزلة صريح اللفظ (٧) . ٦- حمل إجارة الدواب والعربات على السير المعتاد والمنازل المعتادة، وكذلك دخول حمل الأمتعة والبسط وأواني الطعام والشراب في الإجارة على الدواب إذا استؤجرت للركوب في الأسفار، لاطراد العرف (٨) . ٧- استصناع الصناع الذين جرت عادتهم بأنهم لا يعملون إلا بالأجرة كالدلال والحلاق والنجار والحمال، فيستحق هؤلاء الأجرة ما جرت به العادة، وإن لم يسمِّ لهم المستصنع الأجرة، لدلالة العرف على ذلك (٩) .

стр. 7557

٨- قبول الهدايا من يد حاملها سواء كان صبيًّا مميزًا أو امرأة، للعادة (١) . ٩- وفي ألفاظ الوقف والوصية، كما لو أوصى رجل لمسجد، فإن اللفظ ينصرف إلى عمارته للعرف، وكذا الوصية للعلماء والقراء، فإنها جائزة وإن لم ينص على أشخاص معينين، للعرف أيضا (٢) ١٠- التقاط كل مال حقير جرت العادة أن مالكه لا يعرج عليه ولا يلتفت إليه، فإنه يجوز تملكه والارتفاق به لاطراد العادات ببذلة، مثال ذلك: ما يتساقط من ثمر النخيل والأشجار في الطرقات التي تكثر فيها البساتين في عصرنا الحاضر (٣) . ١١- البيع بالنموذج، بأن يعرض البائع سواء كان تاجرا أو مزارعا نموذجا من سلعته أو محصوله على التجار فيتعاقد معهم على كمية معينة من السلعة بثمن معين، فالعقد صحيح في مثل هذه الحالة، لتعارف الناس بذلك ولو تبين للمشتري عند استلام المبيع بأنه على غير الوصف الذي رآه، جاز له فسخ العقد. ١٢- ومنها بيع الثمار على الأشجار عند ظهور بعضها دون بعض، فقد أجاز البيع بعض فقهاء المسلمين، للعرف فيجعل الموجود أصلًا في هذا العقد وما يحدث بعد ذلك تبعا وقد تعامل الناس بيع ثمار الكرم بهذه الصفة ولهم في ذلك عادة ظاهرة وفي نزع الناس من عاداتهم حرج (٤) . ١٣- ومنها اعتماد خط الإنسان واعتباره حجة على نفسه مثل ما يفعله التجار في المخاطبات التجارية فيما بينهم، وفي إلزام أنفسهم بتعهدات خطية، فإنها تصح، ويلزم المتعهد بما تعهد به في تلك المخاطبات. وما قاله بعض فقهاء الحنفية من عدم الاعتماد على خط الإنسان والعمل به بناء على الأصل المنقول في المذهب، إنما قالوا ذلك قبل حدوث العرف كما ذكر ابن عابدين، ولما حدث العرف في الاعتماد على الخط والعمل به في مثل ما ذكرناه، أفتى به هؤلاء الفقهاء رحمهم الله تعالى (٥) . ١٤- الشرب وسقي الدواب من الجداول والأنهار المملوكة إذا كان السقي لا يضر بمالكها جائز إقامة للإذن العرفي مقام الإذن اللفظي (٦) . ١٥- إزفاف العروس إلى زوجها مع كونه لا يعرفها فإنه يحل له وطؤها، لأن زفافها شاهد على أنها امرأته لبعد التدليس في مثل هذه الأمور عادة (٧) . ١٦- البيع بالمعاطاة، فإنه يقوم مقام الإيجاب والقبول لمن جلس في الأسواق للبيع والشراء، لأنها دالة على الرضا بالمعاوضة دلالة صريح الألفاظ (٨) . الدكتور إبراهيم فاضل الدبو

стр. 7558

أهم مصادر البحث بعد القرآن الكريم: ١- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، لأبي محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، دار الكتب العلمية، بيروت. ٢- الفروق، للإمام أبي العباس الصنهاجي المشهور بالقرافي وبهامشه تهذيب الفروق والقواعد السنية، دار المعرفة. ٣- نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف، رسالة لابن عابدين مطبوعة مع مجموعة من الرسائل والمعروفة برسائل ابن عابدين. ٤- القواعد والفوائد في الفقه والأصول والعربية، لأبي عبد الله محمد بن مكي العاملي المعروف بالشهيد الأول، القسم الأول تحقيق الدكتور عبد الهادي الحكيم والمطبوع بالنجف. ٥- الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، لأبن نجيم، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، مؤسسة الحلبي للنشر والتوزيع بالقاهرة ١٣٨٧هـ ـ ١٩٦٨ م. ٦- الأشباه والنظائر في القواعد وفروع فقه الشافعية، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة. ٧- فتح القدير، للكمال بن الهمام، المطبعة الميمنية بمصر. ٨- إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، مطبعة السعادة بمصر سنة الطبع ١٩٥٥م. ٩- الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي، مؤسسة الحلبي بالقاهرة سنة الطبع ١٩٦٧م. ١٠- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني، مطبعة الجمالية بمصر سنة الطبع ١٩١٠م. ١١- الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، للدكتور مصطفى الزرقاء، مطبعة الجامعة، دمشق. ١٢- المبسوط، لشمس الآئمة السرخسي، مطبعة السعادة بمصر سنة الطبع ١٣٢٤ هـ. ١٣- نظرية العرف، للدكتور عبد العزيز الخياط، مكتبة الأقصى عمان. ١٤- الوجيز في أصول الفقه، للدكتور عبد الكريم زيدان، الدار العربية بغداد. ١٥- المختار من صحاح اللغة، محيى الدين عبد الحميد، الاستقامة ١٩٣٤ م. ١٦- العرف في الفقه الإسلامي، للدكتور محمد سعود المعيني، بحث منشور في مجلة كلية التربية جامعة البصرة العدد السادس. ١٧- الأحكام السلطانية والولايات الدينية، لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي المتوفى ٤٥٠ هـ، دار الكتب العلمية بيروت.

стр. 7559

العرف إعداد الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ذهب كثير من العلماء إلى أن العرف هو العادة وأنهما لفظان مترادفان معناهما واحد والعرف والعادة هو ما يغلب على الناس من قول أو فعل أو ترك، والعرف كما يذكر الأصوليون ينقسم إلى أقسام عدة هي: العرف اللفظي أو القولي: وهو أن يتعارف قوم إطلاق اللفظ على معنى غير المعنى الموضوع له أصلًا بحيث يتبادر إلى الأفهام ذلك المعنى عند النطق به من غير قرينة تبين ذلك (١) ومثال العرف القولي من باب الوقف قول الفقهاء في حبس يقول صاحبه (وهو حبس على ولدي) ، أنه يدخل فيه البنات إذا كان لفظ الولد يطلق على الذكر والأنثى في عرف بلد الواقف أو لم يكن هناك عرف، أما إذا كان عرفهم إطلاقه على الذكر فقط فإنه يختص بالذكور ولا يدخل فيه الإناث وإن كان معنى الولد لغة يعم الصنفين. ويراعى العرف القولي وإن لم يوافق لغة العرب أو ما جاء في لسان الشارع، ومثال ذلك تعارف الناس في التفرقة بين اللحم والسمك فمن حلف ألا يأكل لحمًا، فأكل سمكًا لا يحنث حيث أن السمك لا يسمى في العرف لحمًا، وإن سمي به في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (٢) . ويعتد بالعرف القولي متى كان عامًّا لبلد أو قوم، وتحمل عليه ألفاظ المتكلمين من أهل تلك البلد بإطلاق سواء في ذلك العقود والالتزامات والأيمان والنذور، أما إذا كان العرف خاصًّا بالمتكلم دون قومه حمل لفظه عند المالكية على عرفه الخاص في الأيمان والنذور والطلاق، أما العقود والالتزامات العامة فإنما يرجع فيها إلى العرف العام أو الوضع اللغوي أن لم يكن هناك عرف عام.

стр. 7560

العرف العملي: وهو ما اعتاد الناس فعله في معاملاتهم وتصرفاتهم ومثال ذلك الزوجان يختلفان في المهر بعد البناء فيدعي الزوج أنه دفعه لها وتنكر الزوجة ذلك، فقد قال الإمام مالك ﵀: إن القول للزوج لأن العرف بالمدينة كان جاريًّا بدفع المهر قبل الدخول، وتطرد هذه القاعدة في كل بلد له مثل عرف أهل المدينة وكذلك عند المالكية من حاز عقارًا عشر سنين، ثم قام شخص يدعي استحقاق ذلك العقار دون تقديم حجة مقنعة على سكوته طيلة تلك المدة كغيابه أو عدم علمه فإنه لا ينتفع بالبينة التي تثبت له أصل الملك وذلك لأن العرف قد جرى بعدم سكوت شخص على ملكية آخر لأرض يملكها هو وكذلك فيما إذا سكتا عن تسمية المهر وكانت هناك عادة جارية بقدر الصداق فإنه يحكم بهذا القدر. العرف الفعلي الخاص بفرد: حكى فيه شهاب الدين القرافي الإجماع على عدم الاعتداد به وأنكر عليه بعض الفقهاء المالكية حكاية الإجماع هذه، وأوردوا أنه يمكن الاعتداد بالعرف الفعلي الخاص وساقوا لذلك مثلًا فيما إذا وكل أحد الناس آخرًا في شراء ثوب له، فاشترى له ما لا يناسب عادته، فإن الوكيل ملزم بما اشترى وليس الموكل. العرف الجاري بالترك: ومثال هذا هو تسامح الناس في ثمار الغصن الخارج عن حدود البساتين، فمن وجد شيئا من مثل هذا الثمر جاز له أكله دون توقف على إذن صاحب البستان وذلك لأن أصحاب البساتين يتسامحون في مثله ولا يتعرضون لمن يلتقطه. حجية العرف: لم نجد فيما ساقه الفقهاء من أدلة الحجية العرف دليلًا قويًّا من كتاب أو سنة كما لم نجد في نفس الوقت أي دليل ضد الأخذ بالعرف الصحيح الذي لا يتنافى مع الشريعة ... بل هناك مزايا عدة في الأخذ بالعرف الصحيح لتسهيل مجرى العدالة والوصول إلى الحكم العادل بين الناس، ولذلك اعتبر الفقهاء على اختلاف مذاهبهم العرف وجعلوه أصلًا ينبني عليه شطر عظيم من أحكام الفقه (١) .

стр. 7561

ويقول الشيخ أبو زهرة: والفقه المالكي كالفقه الحنفي يأخذ بالعرف ويعتبره أصلًا من الأصول الفقهية فيما لا يكون فيه نص قطعي بل إنه أوغل في احترام العرف أكثر من المذهب الحنفي لأن المصالح المرسلة من دعامة الفقه المالكي في الاستدلال، ولا شك أن مراعاة العرف الذي لا فساد فيه ضرب من ضروب المصلحة لا يصح أن يتركه الفقيه بل يجب الأخذ به ولقد وجدنا المالكية يتركون القياس إذا خالفه العرف، وكذلك ورد عن القرطبي في باب الاستحسان أن من ضروبه ترك القياس لأجل العرف بل إن العرف يخصص العام ويقيد المطلق، عند المالكية (١) . وقال العز بن عبد السلام الشافعي: (قاعدة الإيمان البناء على العرف إذا لم يضطرب، فإن اضطراب فالرجوع إلى اللغة) ، وقال: قال الفقهاء: كل ما ورد به الشرع مطلقًا ولا ضابط له فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف (٢) . ولا شك أن السؤال المهم الذي يطرح نفسه الآن لتقدير المجمع، هو كيفية الأخذ بالعرف واعتباره حكما صالحًا والعرف ينقسم في هذا الشأن إلى ثلاثة أقسام. ١- ما يقوم الدليل الخاص على اعتباره كمراعاة الكفاءة في النكاح ووضع الدية على العاقلة في القتل الخطأ، والتحقيق أن الشريعة العادلة لا تجعل نفس العادة قانونًا إلا أن تكون العادة معقولة صالحة. ٢- ما يقوم الدليل على نفيه كعادة الجاهلية في التبرج وطوافهم بالبيت عراة ومناصرة الأخ لأخيه وإن كان ظالما. ٣- ما لم يقم الدليل الخاص على اعتباره أو نفيه، وهذا موضع نظر المجتهدين، فيذهب كثير منهم إلى مراعاته ويجعلونه أصلا من أصول الشريعة ليبنون عليه فتاوى وأحكاما، وأكثر ما تجد هذه الفتاوى في كتب المالكية والحنفية والحنابلة. وفي مراعاة مثل هذه الأعراف تسهيل على المسلمين فيما لا يتعارض مع الشريعة وتمكينهم من تكييف معاملاتهم وأوضاعهم بما يتناسب وبيئتهم من غير تعارض مع الشرع. وهناك مسائل فقهية كثيرة بنيت على الاحتجاج بالعرف ومن ذلك تجويز المذاهب الأربعة لبيع المعاطاة، وقد جوزوه استنادًا على العرف لأن الشارع لم يوضح كيفية معينة للإيجاب والقبول بل ترك هذا كله للعرف، وحينئذ فإن المبيع يكون صحيحا بالمعاطاة. وكذلك تحديد الحرز في السرقة وهو بالجملة كل شيء جرت العادة بحفظ الشيء المسروق فيه. ومن هذه الحالات يتضح مدى أهمية العرف وصلته القوية بالشريعة الغراء.

стр. 7562

والسؤال الآن: هل يراعى العرف الفاسد كما إذا جرى عرف الناس ببعض العقود الفاسدة مثلًا؟ ذهب كثير من الفقهاء إلى عدم مراعاة العرف الفاسد، وهو ما أرى الأخذ به لأن في مراعاة العرف الفاسد إقرارًا للناس على ما هم عليه من جهل بالفقه أو من عدم التقيد بالشريعة في معاملاتهم. وفي عدم الأخذ بالعرف الفاسد تطهير للمعاملات من سيء الأفهام وخروج بالناس إلى سعة الشريعة وتهذيبها ورحمتها وتوطينهم عليها. قال العلامة أبو عبد الله بن شعيب أحد علماء تونس في القرن الثامن: (وغلبة الفساد إنما هي من إهمال حملة الشريعة ولو أنهم نقضوا عقود الفساد لم يستمر الناس على الفساد) ، وقال الأستاذ الشيخ إبراهيم الرياض التونسي في إحدى فتاويه: (والعرف المعتبر هو ما يخصص العام ويقيد المطلق، وأما عرف يبطل الواجب ويبيح الحرام فلا يقول به أحد من أهل الإسلام) . ومراعاة العرف تقتضي تغير الأحكام ودورانها مع اعتراف الناس متى ما تكرر العرف وشاع واطرد العمل به وكان عاما، ولم يعطل أو يعارض حكمًا ثابتًا بنص أو أصلا قطعيًّا من أصول الشريعة. ولقد عقد ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين فصلا بعنوان: تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد وساق أمثلة كثيرة على ذلك، ثم قال في نهاية الفصل بعد تقريره مذهب المالكية بالقول بالعرف: (وهذا محض الفقه من أفتى بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم، وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم، فقد ضل وأضل وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر ما يكونا على أديان الناس وأبدانهم، والله المستعان) . ولا يعد اختلاف الأحكام باختلاف العادات اختلافا في أصل خطاب الشارع، بل معنى هذا الاختلاف أن العادات إذا اختلفت اقتضت كل عادة حكمًا يلائمها، فالواقعة إذا صحبتها عادة، اقتضت حكما غير الحكم الذي تقتضيه عندما تقترن بغيرها من العادات. ولهذا السبب ترى فقهاء المذاهب لا يأخذون بفتاوى أئتمهم القائمة على رعاية العرف متى تحققوا أن العرف قد تغير وأن الواقعة أصبحت تستحق حكما آخر غير ما قرره الأئمة من قبل. وقد عدل عدد من فقهاء المالكية في فتاويهم عن المشهور في المذهب وبنوها على العرف. قال شهاب الدين القرافي في قواعده: (إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك فلا تجبره على عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أيًّا كانت إضلال في الدين وجهل بمقاصد المسلمين والسلف الماضيين) .

стр. 7563

وكذلك ترى فقهاء الحنفية يخالفون ما نص عليه أبو حنيفة في مسائل بناها على عرف كان جاريا في زمنه، وقالوا في وجه هذه المخالفة: إن أبا حنيفة لو كان في زمنهم لما وسعه إلا أن يفتي بما أفتوا به ولم يعدوا التصرف في الأحكام القائمة على العرف خروجا عن المذهب، وإنما هو الأخذ بأصل إمامهم الذي يقتضى الرجوع إلى العرف في الأحكام. وقد يذكر بعض الفقهاء العرف في سياق الاستدلال على جواز أمر ويريدون ما كان جاريا في عهد النبوة أو بين أهل العلم، وليس الدليل في الحقيقة نفس العرف وإنما هو إقرار النبي ﷺ أو الإجماع الذي لا ينعقد إلا عن دليل. ومثال هذا أن الإمام مالكًا خص قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٣] ، بغير ذوات الأقدار والشرف، وقال: إنه لا يجب على الشريفة إرضاع ولدها لأن العادة جارية بذلك، ولا يريد الإمام أن مجرد جريان العرف يسوغ هذا التخصص، وإنما أراد جريان العرف مع عدم إنكار أهل العلم من السلف فيرجع إلى الاستدلال بالإجماع. وقال بعض أهل العلم: عدم إرضاع الشريفة ولدها عادة عربية واستمر الأمر فيها بعد الإسلام إلى زمن مالك ﵁، ومن هذا القبيل اكتفاؤهم في صحة البيع بالمعاطاة مستندين إلى العادة، وقالوا إن استمرار هذه العادة يشهد بصحة نقلها خلفًا عن سلف ويغلب على الظن أنها كانت جارية في عهد رسول الله ﷺ (١) وقد نبه إلى ذلك أيضًا ابن السبكي ﵀، فقال في جمع الجوامع: (والأصح أن العادة بترك بعض الأمور تخصص إن أقرها النبي ﷺ أو الإجماع) . والذي نريد تقريره أخيرًا هو أن العرف أصل من الأصول التي يستند إليها في الوصول إلى الفتوى بالشروط والمواصفات المذكورة أعلاه وبمثل هذا الأصل يعلم أن الشريعة الإسلامية ملائمة لكل زمان ومكان، وليست كما يزعم الجهلاء أنها ضيقة المجال، فلا تفي بأحكام الحوادث، أو أنها قديمة العهد فلا تحفظ مصالح ما تجدد من الأزمان. الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد.

стр. 7564

العرف بين الفقه والتطبيق إعداد د. عمر سليمان الأشقر المدرس بقسم الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة والدراسات الإِسلامية جامعة الكويت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة بين يدي البحث الحمد لله الذي هدانا بفضله إلى دينه الخاتم، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد خاتم أنبيائه ورسله الذي حمل الرسالة، وبلغ الأمانة، وعَرَّف بالحق، وأنار الدرب، وعلى آله وصحبه منارات الهدى ومصابيح الدجى، وعلى من اتبع هديه، وسار على دربه، وبعد: فإنَّ علماء الشريعة مطالبون بإعطاء موضوع هذا البحث حقَّه من الدراسة في مجالسهم ومجامعهم، وقد أحسن مجمع الفقه الإِسلامي عندما اختار هذا الموضوع ليكون واحدًا من الموضوعات التي تطرح للبحث في دورة المجلس هذه. وأرى أنَّه لا يحسن بعلماء المجمع الكرام أن يخوضوا في جزئيات مسائل العرف مما قتله علماؤنا بحثًا في مدوناتهم ومؤلفاتهم، فذاك أمر قد فرغ منه أهل الفقه والعلم والبحث فيه لن يأتي بجديد، ولن يعالج مشكلًا. والذي أرى أنَّه يحسن بنا في هذه الدورة بحثه في موضوع العرف أمران: الأول: تغيير الأحكام التي تقوم على العرف، وإلى أيَّ مدى يراعي الفقهاء فيما يصدرونه من أحكام وفتاوى عرف الناس وعوائدهم. وقد وجدت جمعًا من الفقهاء الثاقبي النظر على مختلف المذاهب والعصور يَضِجُّون بالشكوى من كثير من معاصريهم من أهل الفقه الذين جمدوا فيما يصدرونه من فتاوى وأحكام على ما أصدره سلفهم، على الرغم من تغيُّر عرف الناس وعوائدهم في المسائل المبنية على العرف. إنَّ الجمود على أحكام وفتاوى السابقين في المسائل التي مَدْركها العرف أوقع الناس في حرج شديد، وضيق أكيد، جعل الفقهاء الأعلام في كل عصر ومصر يشنون حملات شديدة في دروسهم ومؤلفاتهم على أولئك الذين أوقعوا المسلمين في هذا الحرج، ونسبوا للشريعة أحكامًا تتصف بالقسوة والجمود والظلم، وحَرِيُّ بهذا المجمع الكريم أن يلفت أنظار الباحثين والدارسين والمفتين والقضاة في العالم الإِسلامي كي يتنبهوا إلى هذا الموضوع ويعطوه حقه من الرَّعاية والاهتمام، وفق الضوابط الشروط التي وضعها علماؤنا وفقهاؤنا في هذا الأمر.

стр. 7565

والأمر الثاني: الذي يحسن أن تتجه أنظار فقهاء المجمع إليه هو مكانة العرف من التشريع الإسلامي، ذلك أن المسلمين اليوم ظلموا شريعتهم كثيرًا عندما قدموا عليها في أغلب أقطارهم القوانين الوضعية والأعراف والعوائد التي تسود في مجتمعاتهم، وهذا ظلم كبير لهذه الشريعة المباركة التي يجب أن يكون لها الصدارة والهيمنة على كل الشرائع والمبادئ والنظم والقوانين، ولا يجوز بحال من الأحوال أن تقضي الشريعة عن الحكم وتحصر في نطاق ضيق. لقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحكم وتسود، وعندما حققت هذا غيرت أعراف البشر الظاملة وعوائدهم الخاطئة، والتي كانت بمثابة قيود وأغلال تقعد بهم عن تحقيق الغاية التي خلقوا من أجلها وتوقعهم في عنت وبلاء لا يستطيعون التخلص من إساره، لا لشيء إلا لأنه تراث الآباء والأجداد، لقد قومت الشريعة الأعراف البشرية، والعوائد الإنسانية ووضعتها في مكانها الذي ينبغي أن توضع فيه ولم تجعل لهذه الأعراف أي دور إذا هي صادمت نصًّا من نصوص الشريعة، وألزمت البشر بتغيير عرفهم وعاداتهم بما يتفق ويوائم هذه الشريعة. وقد فقه علماؤنا وعوامنا هذه الحقيقة، ووعوها جيدًا، وصاغوا حياتهم ومجتمعاتهم وفقهًا، ونص الأصلويون والفقهاء والمفسرون والمحدثون على أن العرف لا قيمة له، بل يجب تغييره إذا خالف النص الشرعي، وعندما بحث الأصوليون في مصادر التشريع الإسلامي جعلوا العرف في ذيل البحث، بل إن الأصوليين يرون أن العرف ليس مصدرًا مستقلًا من مصادر الفقه اٍلاسلامي. ولذا فإن جناية المتنفذين في عالمنا الإسلامي كانت كبيرة وعظيمة حينما صاغوا قوانين وضعية ألغوا بها دور الشريعة الإسلامية، وحكموا هذه القوانين في رقاب السملمين، وزادوا الأمر سوءًا عندما جعلوا العرف المصدر الاحتياطي الأول الذي يرجع إليه القاضي في حكمه إذا لم يجد في القانون نصًّا يحكمه في الدعوى التي ترفع إليه، ثم تأتي بعد ذلك الشريعة الإسلامية في المرتبة الثالثة، وبعضهم يجعلها في المرتبة الرابعة، وآخرون لا يذكرونها، ولا يجعلون لها دورًا في قوانينهم ولا في تشريعاتهم. لقد أثار بعض رجال القانون عواصف شديدة على بعض أهل الغيرة الإسلامية الذين طالبوا بأن تقدم الشريعة على العرف في قوانين المسلمين في ديار المسلمين، وكتب هؤلاء في الصحف والمجلات وتكلموا في المجامع والندوات وأرعدوا وأزبدوا، كل ذلك لأن بعض الذين يهمهم أمر هذا الدين نادى وطالب بتقديم الشريعة على العرف، وحاول أن يستصدر قانونًا يحقق هذا المطلب. وعلى الرغم من ذلك فإني لا أرى فائدة من البحث في هذا الموضوع، لأن إيماني بشريعتي وديني يأبى علي كل الإباء أن أرتضي جعل الشريعة الإسلامية في المرتبة التالية للقوانين الوضعية، ولا يشرَّف ديني وشريعتي أن تقدَّم هذه الشريعة على العرف إذا كانت مسبوقة بالقانون الوضعي.
следующие страницы →