ثم انتقد مذهب مالك، فقال: فإن أراد مالك أن المدينة هي الجامعة لهم فمسلم له ذلك لو جمعت وعند ذلك لا يكون للمكان فيه تأثير وليس ذلك بمسلم، بل لم تجمع المدينة جميع العلماء لا قبل الهجرة ولا بعدها، بل مازالوا متفرقين في الأسفار والغزوات والأمصار فلا وجه لكلام مالك إلا أن يقول عمل أهل المدينة حجة لأنهم الأكثرون، والعبرة بقول الأكثرين ,وقد أفسدناه أو يقول اتفاقهم في قول أو عمل أنهم استندوا إلى سماع قاطع، فإن الوحي الناسخ نزل فيهم فلا تشد عنهم مدارك الشريعة وهذا تحكم إذ لا يستحيل أن يسمع غيرهم حديثا عن رسول الله ﷺ في سفر أو في المدينة لكن يخرج منها قبل نقله، فالحجة في الإجماع ولا إجماع وقد تكلف لمالك تأويلات ومعاذير واستقصيناها في كتاب تهذيب الأصول (١) وربما احتجوا بثناء رسول الله ﷺ على أهلها وذلك يدل على فضيلتهم وكثرة ثوابهم لسكانهم المدينة ولا يدل على تخصيص الإجماع بهم، ثم إن الغزالى في نفس الكتاب يقول: أن الخير إاذا كان على وفق عمل أهل المدينة فهو أقوى لأن ما رواه مالك حجة وإجماعًا أن لم يصح حجة فيصلح للترجيح لأن المدينة دار الهجرة ومهبط الوحي الناسخ فيبعد أن ينطوي عليهم، ثم إن ما قاله الإمام الغزالي في المستصفى يختلف عما قاله في المنخول، فقد ذكر في المنخول أن الإجماع الذي قصده مالك هو عمل الفقهاء السبعة، قال: صار مالك ﵁ إلى أن الإجماع يحصل بقول الفقهاء السبعة وهم فقهاء المدينة ولا تبالي بخلاف غيرهم وقدم مذهبهم على النص (٢) .
وكلام الغزالي ككلام الإمام الشافعي مضطرب فبعد أن أثبت أن لا وجه لكلام الإمام مالك عاد فأثبت أن الخبر إذا كان على وفق عمل أهل المدينة فهو أقوى. أما سيف الدين الآمدي فقد ذكر في الأحكام أن الأكثرين اتفقوا على أن إجماع أهل المدينة وحده لا يكون حجة على من خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم خلافًا لمالك، فقال: هو حجة، ومن أصحابه من قال: إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيره ومنهم من قال: أراد به أن يكون إجماعهم أولى ولا تمتنع مخالفته، ومنهم من قال: أراد به أصحاب رسول الله ﷺ والمختار مذهب الأكثرين ذلك أن الأدلة على كون الإجماع حجة متناولا لأهل المدينة والخارج من أهلها وبدونه لا يكونون كل الأمة ولا كل المؤمنين فلا يكون إجماعهم حجة (٣) .
ولقد كان أشد الناس انتقادًا لعمل أهل المدينة ابن حزم، حيث ذكر أن عمل أهل المدينة قبل مولد الإمام مالك بثلاث وعشرين سنة لم يجز إلا بالظلم والجور والفسق ولا وليهم إلا الفساق من عمال بني مروان، ثم عمال بني العباس، وقد ذكر ابن حزم تعدي العمال بالمدينة وفشو الشكوى في أيام الصحابة رضوان الله عليهم وأن لهذه الأسباب وغيرها يبطل قول من يدعي حجة بعمل أهل المدينة (٤) ، وهو يرى أن اعتبار أهل المدينة حجة على غاية الفساد وإن من احتج به، وقال به اعتمد على أحاديث منها ما هي مكذوبة ومنها ما هو حسن وإن كل ما احتجوا به فيه نظر ولا حجة فيه وجعل مكة أفضل البلاد ولم يكن ذلك موجبا لاتباع أهلها ولا أن إجماعهم إجماع دون غيرهم ولا أنه حجة على غيرهم (٥) .
стр. 7492
ولقد تحامل ابن حزم على من يرى أن أهل المدينة كانوا أعلم بأحكام رسول الله صلى الله عيه وسلم من سواهم واتهمهم بالكذب والباطل. وإن الحق أن أصحاب رسول الله ﷺ هم العالمون بأحكامه لا فرق بين من كان في المدينة أو في غيرها، واعتبر أن ادعاء أن أهل المدينة هم الذين شهدوا آخر حكمه ﵇ وعلموا ما نسخ منها مما لم ينسخ اعتبر ذلك بأنه تمويه فاحش وكذلك ظاهر وأن الكل في ذلك سواء لا فرق بين المقيم بها والخارج منها، ثم يتعجب من التمويه بعمل أهل المدينة، ثم لا يحصلون إلا على رأي مالك وحده ولا يأخذونه بسواه، ثم يدعي أنهم أترك الناس لأقوال أهل المدينة عمل وابن عمر وعائشة وعثمان وسعيد بن المسيب وغيرهم، وأنهم تركوا عمل أهل المدينة في كثير من المسائل، ثم بعد ذلك تخلص إلى أن هذا لا يجوز تقليدًا لخطأ مالك في ذلك ويقول: لا سبيل إلى أن يوجد عمل أهل المدينة إذ لم يدع إجماع أهل المدينة إلا في نيف وأربعين مسألة، وفيها مع ذلك الخلاف، ولقد تتبع الأحاديث التي رواها المالكية ولم يعملوا بها وقدموا العمل عليها مع أنه رواها الإمام مالك في الموطأ فمن ذلك أنهم رووا أن آخر عمله ﷺ كان الإفطار في رمضان في السفر والنهي عن صيامه، فقالوا: الصوم أفضل وكان آخر عمله ﷺ أم بالناس جالسًا وهم أصحاء وراءه إما جلوس عند الظاهرية أو قيام عند غيرهم مع أنهم قالوا ببطلان الصلاة في ذلك، وكذلك ما ورى من أنه ﵇ إذا اغتسل من الجنابة أفاض الماء على جسده، فقالوا بإبطال ذلك حتى يتدلك ورووا أنه كان ﷺ يرفع يديه في الصلاة إذا ركع وإذا وقع فقالوا: ليس عليه العمل كما رووا أنه ﷺ كان إذا أمَّ الناس فأتم أم القرآن، قال: ((آمين)) ، فقالوا: ليس عليه العمل إلى غير ذلك من الروايات التي رووها عن رسول الله ﷺ ولم يعملوا بها وبهذا يبطل على رأيه من اتباع عمل أهل المدينة، ويثبت بذلك أنهم أترك الناس لعمل نبي الله ﷺ ، ثم لآخر عمله ولعمل الأئمة بعده وزاد فعدد على المالكية مخالفتهم لأبي بكر وعمر وعثمان وذكر أنهم رووا في الموطأ عن أبي بكر ﵁ عشر قضايا خالفوه في ثمانية منها (١) ، رووا عن أبي بكر أن رسول الله ﷺ صلى بالبقرة في ركعتين ووراءه الأنصار والمهاجرون من أهل المدينة، فقالوا: ليس عليه العمل فخالفوا بذلك عمل الخليفة الأول، ورووا عن عمر أنه قرأ في صلاة الصبح بسورة الحج وسورة يوسف ووراءه من أهل المدينة المهاجرون والأنصار، فقالوا: ليس عليه العمل.
стр. 7493
كما رووا عنه أنه سجد في الحج سجدتين وقالوا: ليس عليه العمل ورووا عنه أنه لا حركة في سوقنا، فقالوا: لا بالحركة في السوق ورووا عن عثمان أنه كان يصلي الجمعة، ثم ينصرف وما للجدران ظل، فقالوا: ليس عليه العمل كما رووا عنه أنه كان يغطي وجهه وهو محرم، فقالوا: ليس عليه العمل ولا يغطي المحرم وجهه وهكذا يروى مخالفتهم لعائشة وابن عمر وسائر الصحابة بالمدينة دون استثناء كما خالفوا سائر فقهاء المدينة كسعيد بن المسيب وسلمان بن يسار وبمثل هذه المخالفات يسقط ابن حزم احتجاج المالكية بعمل أهل المدينة ويقول: فليس هناك عمل إلا النصوص ولا حجة في عمل أحد دون رسول الله ﷺ (١) وابن حزم فيما ذهب إليه قد تبنى ما قاله الإمام الشافعي في الأم سواء أكان فيما احتج به أو الأسلوب الذي اتخذه في إسقاط حجج من قال بعمل أهل المدينة.
وخلاصة القول أن أسباب رد العمل لأهل المدينة يرجع إلى أمرين اثنين، أولاهما: ما حدث في المدينة بعد رسول الله ﷺ وهو كافٍ في نظرهم في رد عمل أهل المدينة وعدم الأخذ به كدليل من الأدلة الشرعية. الأمر الثاني: لأسباب الرد الأحاديث التي رواها مالك في الموطأ وهو لا يروي إلا الصحيح وهو إمام الحديث، ثم بعد ذلك لا يعمل بها فبالنسبة للأمر الأول يذكرون أن الأقوال تغيرت عما كان عليه زمن الصحابة والخلفاء الراشدين، وقد حدث من الفساد حتى في عصرهم ما أدخل كثيرًا من التبديل والتغيير حتى قال أبو الدرداء ﵁ لو خرج رسول الله ﷺ عليكم ما عرف شيئًا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة، قال الإمام الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم (٢) .
وروي عن أم الدرداء، قالت: دخل أبو الدرداء وهو غضبان، فقلت: ما أغضبك، قال: والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد ﷺ إلا أنهم يصلون جميعًا (٣) وفي أشرف الطالب في أسنى المطالب لأحمد بن قنفذ قال أنس: يعني الصحابي الجليل خادم رسول الله ﷺ لو أن رجلًا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئًا، قال: ووضع يده على هذه ثم قال: إلا هذه الصلاة، ثم قال: أما والله على ذلك لمن عاش في هذا النكر ولم يدرك ذلك السلف الصالح فرأى مبتدعًا يدعو إلى بدعة ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه فعصمه الله من ذلك وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف الصالح يسأل عن سبيلهم ويقتفي آثارهم ويتبين سبيلهم ليعوض أجرًا عظيمًا.
стр. 7494
وهذه النقول وإن أثبتت التغير الذي حصل بالمدينة عن زمن رسول الله ﷺ والصحابة بعده وما حدث من فساد وما دخلها من تغيير وتبديل، فإنها ليست فيها حجة على إبطال عمل أهل المدينة بطلاق لأن الاختلاف فيما يرجع إلى الأحكام الشرعية لم يقع كثيرًا إلا في المسائل الاجتهادية كاختلاف اجتهاد بعض الخلفاء، واختلاف الخلفاء الراشدين هو من قبيل السنة لقوله ﵊: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي عضوا عيها بالنواجذ)) ثم إن مالكًا ﵀ لا يعتمد العمل إذا كان مخالفًا للمروي الثابت عن رسول الله ﷺ لأنه يقول كل كلام فيه مقبول ومردود إلا كلام صاحب هذا القبر، وهو أيضًا القائل: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا ما في رأيي فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة من ذلك فاتركوه (١) إلا أن الإمام ﵁ يرى أن عمل أهل المدينة في مسألة اختلف فيها أو تضاربت الأدلة في شأنها يرجح الخلاف ويوجب اختيار القول بعملهم على غيره من المذاهب، على أن الإمام كان إمامًا في الحديث يعرف دواعى التجريح والترجيح وما كان من البدع المستحدثة مما هو من السنة المتبعة، وقد شهد في علمه وصلاحه ومعرفته بالسنة الجم الغفير مما لا يبقى معه شك أن يقول بعمل ويحتج به وهو بدعة من البدع معاكس لما جاءت به السنة وهو من أشد الناس عملا بالسنة ورفضًا للبدعة، أما ما ورد من الأحاديث المروية في الموطأ وغيره، ولم يأخذ بها مالك فلم يكن ذلك عن هوى وإنما كان عن معرفة وعلم ولا يكون إلا عن مستند صحيح ظهر له فهو الخبير بالصحيح من الحديث والسقيم، وهو حجة في هذا الباب وعالم أهل الحجاز ولم يبلغ أحد في زمانه مرتبته في العلم بالحديث والسنة والرجال، فكان من أشد الناس انتقادا لهم فلا يبلغ من الأحاديث إلا ما كان صحيحًا ولا ينقل إلا عن ثقة وفي المدارك للقاضي عياض من الأدلة على ذلك ما يشفي الغليل وكان من قول مالك ﵀ ما رواه الناس مثل ما روينا فنحن وهم سواء ما خالفناهم فيه فنحن أعلم به منهم (٢) .
قال ابن عبد البر ليس لأحد من علماء الأمة يثبت حديثا عن النبي ﷺ ثم يرده دون ادعاء نسخ عليه يباشر مثله أو إجماع أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه أو طعن في سنده ولو فعل ذلك لسقطت عدالته فضلا عن أن يتخذ إمامًا ولزمه إثم الفسق، قال هذا في الرد على الليث بن سعد فيما ادعاه من أن مالكًا خالف السنة في سبعين مسألة قال فيها برأيه (٣) ، فنحن نرى الحافظ ابن عبد البر يستبعد صدور المخالفة من مالك للحديث الذي يرويه ثم يعمل بخلافه دون أن يكون له سند يعتمد عليه ويعول عليه من نسخ أو ترجيح.
стр. 7495
على أن الإمام مالك لم يقل أصلًا بأن عمل أهل المدينة هو إجماع بمعنى الإجماع الذي هو المصدر الثالث من مصادر التشريع إذ تعابيره في الموطأ لا تخرج عن قوله: (هذا الأمر الذي أدركت عليه الناس وأهل العلم ببلدنا، أو الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا، أو الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، أو ما أعرف شيئًا مما أدركت عليه الناس أو السنة عندنا، أو وليس على هذا العمل عندنا، أو الأمر الذي سمعت من أهل العلم، أو السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أو السنة التي عندنا والتي لا شك فيها، أو قوله وليس العمل على هذا) هذه هي الصيغ التي استعملها مالك في موطئه قاصدًا بها عمل أهل المدينة، وكل هذه الصيغ العشر لا تفيد معنى الإجماع الذي هو المصدر الثالث بعد الكتاب والسنة، ولقد تكررت هذه الصيغ في الموطأ مائتين وثلاثة وثلاثين مرة ولا يفهم من جميعها إلا العمل، أي عمل الناس الذي كان أهل المدينة سائرين عليه في عصره وقبل عصره فهو حينئذٍ بهذه العبارات يصف عمل بلده وما اعتاده قومه وتعارف لديهم وساروا عليه ومالك ﵀ يعلم علم اليقين أنه ليس كل من كان من أهل المدينة هو من العلماء المجتهدين من أهل الحل والعقد ولو كان المراد الإجماع، لما عد المالكية الإجماع مصدرا ثالثًا، ثم جعلوا عمل أهل المدينة مصدرًا قائمًا بنفسه إلى جانب الإجماع، وإلا لكان ذلك من ذكر الشيء الواحد مرتين نص على ذلك القرافي في تنقيحه والمقري في قواعده القاعدة ١١٧ والقاعدة ٤٥٩ والقاعدة ٦٣٥، وكذلك الونشريسي في المعيار (١) ، فما ذكره مالك في عمل أهل المدينة هو بمثابة العرف الذي يوجد في أي مكان، ولذلك قال ابن خلدون: ولو ذكرت المسألة (يعني عمل أهل المدينة في باب فعل النبي ﷺ وتقريره أو مع الأدلة المختلف فيها مثل قول الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب) لكان أليق (٢)
ويرد ابن خلدون على الذين فهموا أن مراده في ذلك الإجماع، فيقول: وظن كثير أن ذلك من مسائل الإجماع فأنكره، لأن دليل الإجماع لا يخص أهل المدينة من سواهم، بل هو شامل للأمة، والفرق بين الإجماع وبين عمل أهل المدينة أن الإجماع هو اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد على أمر من الأمور بحيث لا يجوز مخالفته بحال من الأحوال بقطع النظر عن أن يكون عن دليل فعلي أو عقلي، أما إجماع أهل المدينة فهو اتفاقهم في فعل أو ترك مستندين فيه إلى مشاهدة من قبلهم فمالك يقول بهذا الاتفاق وما عليه أهل المدينة في عهده إذا تحقق في مسألة اختلف فيها أو تضاربت الأدلة في شأنها، فهذا العمل الذي عليه أهل المدينة يرفع الخلاف ويرجح ما هم عليه من غيرهم من المذاهب على أن مالكًا هو أكثر الناس تحرجا من البدع والشبهات وتمسكًا بما عليه الصحابة والتابعون، وإنما يرجح عمل أهل المدينة على غيرهم لأن أهلها أقرب إلى صفاء التشريع ونقاوته، وهم أبعد الناس عن أن يكونوا على ضلالة من أمرهم وهم أقرب عهد بالرسول وأصحابه وأتباعهم، وهذا شبيه بما كان عليه أبو يوسف صاحب أبي حنيفة حين كان يقدم العرف على الحديث ويقول: إن الحديث ليس إلا تأكيدًا أو إقرارًا للعرف الذي كان فيعهد رسول الله ﷺ وإنه لو وجد ﵊ هذا العرف قد تغير تغيرًا موافقًا لأصل الدين لأقره، ومثل هذا فعل الشافعي، فقد أخذ بكثير من عمل أهل مكة وكذلك ينقل عن أبي حنيفة في حكمه بعمل أهل العراق، نقل ذلك الشيخ الحجوي في كتابه الفكر السامي (٣) وإذا كان هؤلاء الأئمة اعتبروا عرف هذه البلدان فعمل أهل المدينة أولى بالاعتبار، ثم إن العمل الذي كان بالمدينة شائعا على عهد مالك ﵁ منه ما كان معمولا به على الدوام وهو الذي قال فيه ابن رشد في مقدماته وما استمر عليه العمل بالمدينة واتصل به فهو عنده أي مالك مقدم على أخبار الآحاد العدول، لأن المدينة دار النبي ﷺ وبها توفي ﷺ وأصحابه المتوافرون فيستحيل أن يتصل العمل منهم في شيء على خلاف ما روي عن النبي ﷺ إلا وقد علموا النسخ فيه (٤) .
стр. 7496
وهذا النوع يجري مجرى العرف العام وفيه أيضًا ما هو معمول به ولكنه قليل وهو يجري مجرى العرف الخاص وما كان عامًا مستمرًا فهو الذي يأخذ به مالك ويقدمه على خبر الآحاد ومعلى القياس، وهذا الفعل الذي جرى عليه أهل المدينة لا يكون إلا لأمر ثابت عن رسول الله ﷺ وتبعه الصحابة فيه والتابعون من بعدهم أو يكون واقعًا في عهد رسول الله ﷺ وأقرهم عليه واستمر الناس عليه زمن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم وهذا لا شك في صحة الاستدلال به والأخذ به والاعتماد عليه إذ لا بد أن يكون لمعنى شرعي تحروا العمل به، ولا شك أن ما داوم الناس عليه هو أولى من الأخذ بقول واحد، وهذا ما فعله مالك حيث قدم العمل على أخبار الآحاد حيث راعى العمل المستمر ورآه أقوى من أخبار الآحاد لأن خبر الآحاد لا يفيد إلا الظن والعمل المستمر الذي جرى من زمن رسول الله ﷺ وزمن الصحابة والتابعين الذين أدركهم مالك وراقب أعمالهم، ففي هذا من القوة ما ليس في قول الصحابي، ولذلك قدمه مالك على الأخبار الآحادية والقياس، يقول الشاطبي: ومن هذا المكان يتطلع إلى قصد مالك ﵀ في جعله العمل مقدَّمًا على الأحاديث إذ كان، إنما يراعي كل المراعاة العمل المستمر والآخر ويترك ما سوى ذلك وإن جاء فيه أحاديث لأن عمل أهل المدينة أثبت في الاتباع وأولى أن يرجع إليه وقد كان مالك يقول إذا جاءك مثل هذا مما كان في الناس وجرى على أيديهم لا يسمع عنهم فيه شيء، فعليك بذلك، فإنه لو كان لذكر، لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم وكان إذا بلغه حديث لم يكن يرى الناس يعملون به، يقول: أحب الأحاديث إلي ما أجتمع الناس عليه، وهذا مما لم يجتمع الناس عليه، وإنما هو حديث من أحاديث الناس، ولهذا المعنى قال الشاطبي: لما أخذ مالك بما عليه الناس وطرح ما سواه انضبط له الناسخ من المنسوخ على يسر كما اعتبر الاقتداء بالأفعال أقوى من الاقتداء بالأقوال (١) .
стр. 7497
وفي كلام الشاطبي رد على ما ذهب إليه ابن رشد من أن الفعل لا يفيد التواتر إلا إذا اقترن بالقول ورد عليه أيضًا في قوله: إفادة الأفعال للتواتر عسير، بل لعله ممنوع (١) قال الشاطبي: وكل ما جاءك مخالفًا لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه وهذا يرد ما صرح به الآمدي وغيره من اعتبار عمل أهل المدينة كعمل غيرهم لأن عملهم معزز بالمشاهدة والاتباع، ففي المدينة انتهاء الوحي وفيها انتهت الرسالة واستقرت، فكان أهلها أعلم بما كان عليه الرسول وصحبه ومن تبعهم إلى عصر مالك بن أنس ودعوى مخالفة مالك للحديث، فقد أبطلناه بأن مالكًا إذا ثبت الحديث عنه وصح لا يتركه بحال، وإن ثبت، ولكن بطريق الآحاد قدم عيه عمل أهل المدينة لأنه لا يعقل أن يعمل بقول الفرد الواحد ويترك الجم الغفير على أن ما اعتاده الناس لا يصرفون عنه إلا بدليل صريح قاطع، فإن لم يوجد، فإن الناس يتركون على ما هم عليه ما دام لم يخالف فعلهم دليلا شرعيًّا، وهذه قاعدة يقع تطبيقها في كل الجهات، وأولى أن يقع تطبيقها في كل الجهات، وأولى أن يقع تطبيقها في بلد أهلها هم أعرف الناس بالسنة النبوية ومقاصد الشريعة وأكثر الناس اقتفاء واقتداء لخطى رسول الله صلى عليه وسلم وأشد الناس اتباعًا وأبعدهم من الابتداع.
وإذا أوضحنا مقصد مالك في الأخذ بعمل أهل المدينة وأدركنا الغاية التي أرادها من أن عمل أهل المدينة هو العرف والعادة التي تسلسل العمل بها عبر الأجيال وتابع الناس عليها اتباعًا وتقليدًا لا اجتهادا حتى ينتهي إلى عصر الصحابة وزمنه ﷺ وليس ذلك إجماعا لأن الجماع لا يكون تبعيًا كما يقول ابن خلدون، وحيث ثبت أن رسول الله ﷺ أقر بعض الأعراف وأبقى عليها، ولم يمنع منها إلا ما صادم الشرع أو تعارض مع مبادئه وأصوله وأن كل المذاهب الرئيسية قد حكمت العرف واعتبرته في كثير من القضايا، ولم يقف ضد هذا المنزع إلا من لا يعتد برأية، وقد تقدم أن بينا أن مراعاة عادات الناس وأعرافها التي لا فساد فيها هي ضرب من ضروب المصلحة لا يصح أن يتركها عالم من العلماء المحققين، بل يجب الأخذ بها وأنه ليس لأحد أن يمنعهم من الأخذ بها إلا بنص يحرمها ويمنعها، وحيث لا نص فلا بد من مراعاة أعرافهم وعاداتهم إذ مخالفتهم تؤدي بهم إلى الحج والمشقة والله تعالى يقول ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢) .
стр. 7498
وإذ قيل يعتبر العمل والعرف مع وجود النص المخالف قلنا: إن النص إما أن يكون قطعيًّا أو ظنيًّا، فإن كان قطعي الثبوت قطعي الدلالة فلا يقول أحد بخلافه لا مالك ولا غيره، وإن كان ظني الدلالة فقد نص العلماء على أن العرف العام يقدم على الدليل الظني كما أنهم نصوا على أن العرف العام يقيد المطلق ويخصص العام ويبين المجمل، وهذا هو دور العمل بإطلاق، وإذا كان هذا هو دور العرف، وهذا اعتباره في كل مكان، وفي كل زمان فعمل أهل المدينة أجدر بالاعتبار والاحترام لما قدمنا، ثم إن الإمام مالك ﵁ كان على غاية من الانسجام مع البيئة التي عاش فيها وتأثر بها إذ لم يكن مقتصرًا على الحديث وأغلق باب الرأي والنظر في كل ما احتاج إليه متماشيا مع المنهج الاجتهادي الذي ربطه بمناهج الشريعة ومقاصدها ومن هنا كان ﵀ حريصًا على الحرص على أن يربط النص الشرعي بالحياة العملية التي كانت قائمة بالمدينة فيقدر ما كان وقافًا عند النصوص في العبادات بقدر ما كان يراعي المصالح في المعاملات، وبذلك كان منسجما أخذًا بعين الاعتبار العمل القائم في المدينة معتبرًا أنه الصورة العملية التطبيقية للشريعة الإسلامية.
ولكن هنا لقائل أن يقول إذا اعتبرنا أن عمل أهل المدينة من قبيل العرف، كما قرره ابن خلدون أو هو بمثابته، فلم عد المالكية في الأصول التي انبنى عليها مذهبهم العرف مستقلا عن عمل أهل المدينة؟ فالجواب: أنا قدمنا الفرق في الخلاف بين الجماعة هي أن العرف والعمل هما لفظان مترادفان وهو ما ذهب إليه جماعة ومنهم من فرق بينهما بأن العمل إنما هو ممن يقتدي به من العلماء، أما العرف فهو فعل العامة مرة بعد مرة ولا يظهر كبير فرق بين ما جرى به العمل وبين العرف لأن ما تعارفه الناس بمعنى تعودوا عليه وعملوا به، ولذا نرى الكثير من العلماء من لا يفرق بينهما ويجعلهما شيئًا واحدًا وكثيرًا ما يكون العمل تابعا للعرف، قاله الشيخ الحجوي في الفكر السامي (١) ومثل بأدوات المنزل مبينًا أن منها ما يكون للزوجة حسب العوائد والأعراف ومنها ما يكون للزوج وأن كل بلد يحكم له بعرفه، وفي تحفة أكياس الناس في شرح عمل فاس أن غالب عمل فاس مبني على الأحكام العرفية كما يذكر أن عمل فاس غالبًا يتبع القول الموافق لأعراف الناس، والحق أن جريان العمل بالشيء ليس هو جريان العرف به إذ مراد العلماء بقولهم به العمل وعمل به، أن القول حكمت به الأئمة واستمر حكمهم به وجريان العرف بالشيء هو عمل العامة من غير استناد لحكم من قول أو فعل (٢) .
стр. 7499
وفرق بين عمل أهل المدينة وما جرى به العمل في الأقطار، فإن ما جرى به عمل أهل المدينة هو مستند لا محالة إلى النص أو فعل أو تقرير فهو اتباع الآثار السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ولذلك كان غير العرف وغير ما جرى به العمل بالأقطار المختلفة وإذا لم يقبل عمل أهل المدينة عند جميع المذاهب وهو مستند إلى الدليل في الجملة، فماذا يكون موقف من تشبث بالعمل المطلق أو الخاص فيما جرى في بقية الأقطار، ولهذا ذهب كثير من العلماء المتأخرين إلى عدم الاعتداد بما جرى به العمل في بلد من البلدان سواء قيل إن أصله راجع إلى الاقتداء فيه بقاض معين قد كانت له قدرة الترجيح والاستنباط أو هو راجع إلى عرف خاص إذ هو في الحالة الأولى يكون الترجيح قائمًا على شخص لا على دليل والحجة لا تقوم على الأشخاص وإنما تقوم على الدليل، وأما الحالة الثانية وهو ما كان منشؤه العرف الخاص في بلد من البلدان، فإنه لا يصح أن يَعُمَّ العرف الخاص ببلد من البلدان كل البلدان اللهمَّ إلا إذا كان عرفًا عامًّا استوجبته المصلحة. على أن العرف العام هو نفسه قد لا يلزم إذ هو يتغير بتغير المصلحة ويتجدد بتجددها فلا يمكن أن يستمر العمل المرتبط به بعد انتهاء مصلحته على أن العرف العام من شأنه أن يكون معروفًا لدى الجميع يستوي فيه العوام والعلماء على السواء وليس العمل كذلك إذ العمل من خصائص العلماء العارفين بأسرار الشريعة الكاشفين لأحكامها على أن العمل في الأقطار كثيرًا ما يختلف فمثلا جرى العمل في فاس بعدم الاكتفاء بعجلين في الترشيد والتسفيه نص على جريان العمل به غير واحد كابن فتوح والمتيطي وابن سلمون وغيرهم في حين أنه جرى العمل في تونس بالاكتفاء بقبول عدين في حالة التسفيه والترشيد لكن الزيادة أفضل وهو قول أصبغ (١)
وفي الشفعة في ما لا يقبل القسمة قولان لمالك، وبعدم الشفعة قال ابن القاسم ومطرف وبالشفعة قال أشهب وابن الماجشون، والقول بعدم الشفعة هو المشهور وبه القضاء وأفتى فقهاء قرطبة به، وقد رفع شفيع أمره إلى أمير المؤمنين عبد الرحمن، وقال حكم علي بغير قول مالك فوضع بخط يده إلى القاضي أن يحمله على قول مالك ويقضي له به فجمع القاضي منذر بن سعيد الفقهاء وشاروهم، فقالوا: مالك يرى في الحمام الشفعة فقضى منذر بذلك وحكم له بها، وهكذا جرى العمل في الحمام والعيون والآبار والشجرة الواحدة وشبه ذلك جري العمل بقرطبة بالشفعة في ذلك والعمل عندنا في تونس على مذهب ابن القاسم لا شفعة فيما لم ينقسم، وكذلك الشفعة في الكراء كدار بين رجلين أكرى أحدهما نصيبه منها هل لشريكه أن يشفع ذلك من يد المكتري لأن الكراء بيع منفعة أو ليس له ذلك فيه قولان جرى القضاء بكل منهما فبالمغرب جرى القضاء بالشفعة وفي تونس جرى العمل بعدمها وكذلك جرى العمل بفاس بجواز الإفتاء للحكام، وهو قول ابن عبد الحكم فيجوز للقاضي الإفتاء في مسائل الخصام إذ هي المختلف فيها ومقابل الجواز فيها المنع والكراهة، وقد جرى العمل بمنع القاضي من الإفتاء في مسائل الخصام في تونس أما مسائل العبادات فبجواز الإفتاء فيها متفق عليه.
стр. 7500
ومن هنا ندرك أن العمل نفسه قد يتعدد تبعًا لاختلاف القضاة والمفتين واختلاف الجهات وعندئذٍ يحتاج إلى المقارنة والترجيح فيما بين هذا العمل وذلك وما هذا الاختلاف والعمل إلا لأن الفقهاء لم يضبطوا اتجاه العمل بمبدأ عام ومقياس ملزم للجميع يجب اعتباره، ولو نظرنا إلى ما جرى به العمل نرى منه ما كان وفق القول المشهور في المذهب ومنه ما جرى على القول الضعيف، ومنه ما جرى على خلاف النصوص ومنه ما جرى على ما لا نص فيه، ومنه ما جرى على شبه دليل ومنه ما جرى على وفق دليل المخالف، فمثال ما وافق القول المشهور العقوبة بالمال، فقد جرى العمل فيها بعدم الجواز وهو المشهور والقول الشاذ جوازه وبه أفتى جماعة من الفقهاء بالتعزير بأخذ المال لا يجوز في الراجح عند الأئمة لما فيه من تسليط الظلمة على أخذ مال الناس فيأكلونه (١) ، وقد أثبت ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن التعزير بالعقوبات المالية مشروع في مواضع خاصة من مذهب مالك في المشهور عنه ومذهب أحمد وأحد قولي الشافعي كما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ مثل أمره بكسر ما لا قطع فيه من الثمر والكثر وأخذه شطر مال مانع الزكاة عزمة من عزمات الرب ﵎، ومثل تحريق عمر وعلي ﵄ المكان الذي يباع فيه الخمر ونحوه كثير، ومن قال إن العقوبة المالية منسوخة وأطلق ذلك فقد غلط في نقل مذاهب الأئمة (٢) .
وقد قسم ابن تيمية العقوبة المالية إلى ثلاثة أقسام، إتلاف وتغيير وتمليك، فالأول إتلاف المنكرات من الأعيان والصفات تبعا لها كإتلاف الأصنام بتكسيرها وتحريقها وتحطيم آلات الملاهي عن أكثر الفقهاء وتحريق الحانوت الذي يباع فيه الخمر على المشهور في مذهب أحمد ومالك وغيرهما عملًا بفعل عمر حيث حرق حانوت الخمار، ومثل إراقة عمر اللبن المخلوط بالماء للبيع وبه أفتى طائفة من الفقهاء، الثاني التغيير كتغيير الشيء مثل نهيه ﷺ عن كسر العملة الجائزة بين المسلمين وتغيير كل ما كان من العين أو التأليف المحرم كتفكيك آلات الملاهي وتغيير الصورة المصورة، وأما التمليك بمثل ما روى أبو داود وغيره عن النبي ﷺ فيمن سرق من التمر المعلق قبل أن يؤويه إلى الحبرين أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين وفيمن سرق من الماشية قبل أن تؤوي إلى المراح أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين وكذلك قضاء عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة أن يضعف غرمها على كاتمها، وقد أجاز المالكية العقوبة في المال إذا كانت جناية الجاني في نفس ذلك المال أو في عوضه فيتصدق بالزعفران المغشوش على المساكين وإذا اشترى مسلم من نصراني خمرًا، فإنه يكسر على المسلم ويتصدق بالثمن تأديبا للنصراني إن كان النصراني لم يقبضه (٣) .
стр. 7501
ومثال ما خالف المشهور جريًا على القول الضعيف، وهذا النوع هو الغالب بيع المضغوط وبيع الثنيا وهو البيع بشرط وعند المالكية الاستثناء في البيع نحو أن يبيع الرجل شيئا ويستثنى بعضه فإن كان الذي استثناه معلومًا كأن يستثني شجرة معينة أو منزلًا من المنازل أو موضوعًا معلومًا من الأرض صح الاتفاق على البيع، وإن كان مجهولًا نحو أن يستثني شيئًا غير معلوم لم يصح البيع لنهيه ﷺ عن الثنيا في البيع إلا أن تعلم، فإن أسقط هذا الشرط عن المشتري جاز البيع (١) ومما خالف المشهور جريا على القول الضعيف صرف اليمين إلى الطلاق وتأبيد التحريم للهارب وتضمين الرعات وشهادة الابن مع أبيه والعمل بالخلطة والتحبيس على البنين دون البنات والخلع بالإنفاق على الولد بعد مدة الرضاع.
ومثال ما خالف العمل النصوص الصريحة ترك اللعان وهو مصرح به في القرآن والسنة والاعتداد بالأشهر للحائض بدل الإقراء وترك مراعاة القافة في تحديد النسب.
ومثال ما جرى العمل فيما لم يرد فيه نص كل المسائل المستحدثة كمسألة الخماس وغيرها من القضايا التي لم يرد فيها نص لا بالحلية ولا بالحرمة فيوجد له حكم بطريق القياس أو لأجل الضرورة أو تحقيق مصلحة أو درء مفسدة حتى يستطيع التشريع ملاحقة التطور.
ومثال ما جرى به العرف في قضية لم يرد فيها دليل صريح ولكن فيها شبهة؛ دليل مسألة الصفقة وأجرة الدلال، ومثال ما جرى به العمل على وفق دليل خارج المذهب شهادة اللفيف حيث هي توافق مذهب الأحناف الذي يعتبر الناس كلهم عدولًا وكذلك ترك القافة لأن الحنفية لا يقولون بها.
الدواعي والأسباب المؤدية إلى اختلاف الأعراف والعادات:
إن دواعي تغيير الأعراف كثيرة وأهم أسبابها هي: تغير الأوضاع وفساد الأخلاق وحدوث أنظمة وترتيبات جديدة تبعث على تغيير العادات،ولنوضح ذلك بمثال، فإنه بالمثال يتضح المقال، بمثال وجود الظروف التي تقتضي تغير الحكم الاجتهادي أو تأخير تنفيذه أو إسقاط أثره عن صاحبها، فمن ذلك ما رواه أبو داود أن رسول الله ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو رواه عن بسر بن أرطأة، قال ابن العربي في شرحه لصحيح الترمذي: اختلف الناس في هذا الحديث على قولين، أحدهما: في رده لضعفه وحكموا بعموم القطع على كل سارق حيث كان البلاء والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي لا يرون أن يقام الحد في الغزو وبحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو، فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار الإسلام أقام الحد على من أصابه، كذلك قال الأوزاعي قال ابن العربي: إنه لا يقطع يد من سرق في الغزو لأنه شريك بسهمه فيه وكذلك إن زنى لا يحد، وقال عبد الله في الذي سرق من الغنيمة ما يزيد عن ربع دينار على نصيبه قطع قاله الأوزاعي، قال ابن العربي: وهذا ما لا أعلم له أصلا في الشريعة، والحدود تقام على أهلها كان فيها ما كان ومثال هذه التقية لا تراعى في الآحاد، وإنما تراعى في العموم لما تبقى فيها من العصبية وتراقي الحال كما يقال في أحد التأويلات أن عليا إنما أخر القصاص عن قتلة عثمان طالبًا لوقت فيه الحال حتى يتمكن منهم دون عصبية. (٢)
стр. 7502
وقد اعتبر جماعة الظرف وهو خشية أن يترتب على إقامة الحد ما هو أشد وأبغض إلى الله من تعطيله وتأخيره وهو لحوق صاحبه بالأعداء حمية وغضبًا، كما قال عمر وأبو الدرداء: ونص عليه الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهما فلا تقام الحدود في أرض العدو وقد أتى بسر بن أرطأة برجل من الغزاة وقد سرق مجنة، فقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تقطع الأيدي في الغزو)) لقطعت يدك وقد روى سعيد بن منصور أن عمر كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين أحدًا وهو غاز يقطع الدرب قافلًا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار (١) . وقد ثبت أن حذيفة بن اليمان ﵁ منع أن يقام الحد على الوليد بن عقبة وهو أمير في الغزو، وقال: أتحدون أميركم وقد دونوتم عدوكم فتطمعوا فيكم وإن سعد بن أبي وقاص ﵁ لم يقم الحد على أبي محجن وقد شرب الخمر يوم القادسية قال ابن القيم: وليس في هذا ما يخالف نصًّا ولا قياسًا ولا قاعدة من قواعد الشرع ولا إجماعًا ويدخل في هذا الباب ما فعله عمر ﵁ حيث لم يعط المؤلفة قلوبهم من مال الزكاة وحين أسقط الحد عمن سرق في عام المجاعة (٢) .
أما فساد الزمان فالمقصود به فساد أهله وانحطاط أخلاقهم وانعدام الورع وضعف التقوى مما يؤدي إلى تغير الأحكام تبعًا لتغير الناس وفسادهم ومنعًا للفساد وسد الذرائع، وقد أصبح في استشارة عرفا يقتضي تغيير الحكم لأجله وقد حدث في عهد الصحابة وفي عهد من بعدهم. فمن ذلك ما رواه البخاري عن زيد بن خالد الجهني ﵁، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عما يلتقطه، فقال: ((عرفها سنة ثم احفظ عفاصها ووكاءها، فإن جاء أحد يخبرك فيها وإلا فاستنفقها)) ، قال: يارسول الله: فضالة الغنم؟ قال: ((لك أو لأخيك أو للذئب)) ، قال: ضالة الإبل فتمعر وجه النبي ﷺ ، فقال: ((مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر)) .
стр. 7503
وفي رواية أخرى عنه: ((دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها)) (١) وقد روى مالك، عن ابن شهب أن ضوال الإبل كانت في زمن عمر إبلًا مرسلة تتناتج ولا يمسها أحد حتى جاء زمن عثمان بن عفان فأمر بمعرفتها وتعريفها، ثم تباع فإذا جاء صاحبها أعطى ثمنها وهذا على خلاف ما بينه رسول الله ﷺ وما فعل ذلك عثمان إلا لفساد الناس وجرأتهم على تناول ضوال الإبل والاعتداء عليها، وقد فهم عثمان ﵁ الغاية التي من أجلها أمر رسول الله بترك ضوال الإبل، وهو حفظها لصاحبها، فلما فسد حافظ ﵁ على المقصد والمراد من حديث رسول الله ﷺ وإن كان في الظاهر مخالفًا لكنه في الواقع موافق.
стр. 7504
ومما تغير الحكم فيه لتغير الزمان ما قضى به أبو حنيفة من تنفيذ من تصرفات المدين كالمصرف بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرع ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلها باعتبار أن الديون تتعلق بذمة المدين لا بأعيان أمواله التي تبقى حرة فينفذ فيها تصرفه، وهذا ما يقتضيه القياس والقواعد، ولكن لما فسد الناس وخربت ذممهم وكثر طمعهم وقل ورعهم، وصاروا يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها أو هبتها لمن يثقون به من أقربائهم وأصدقائهم أفتى المتأخرون من فقهاء المذهبين الحنفي والحنبلي بعدم نفاذ هذه التصرفات من المدين إلا فيما يزيد عن مقدار الديون التي عليه وبذلك وافقوا مذهب مالك والشافعي وقد اتفقت المذاهب بأن لا حجر قبل الحكم بتفليسه فإذا حكم بذلك وحجر عليه لم ينفذ تصرفه في شيء من ماله فإن تصرف بيع أو هبة أو وقف أو أصدق امرأة مالا له أن نحو ذلك لم يصح، وبهذا قال مالك والشافعي في قول، وقال في آخر: يقف تصرفه فإن كان فيما بقي من ماله وفاء الغرماء نفذ وإلا بطل، قال ابن قدامة: ولنا أنه محجور عليه بحكم الحاكم فلم يصح تصرف كالسفينة ولأن حقوق الغرماء تعلقت بأعيان ماله لا بذمته (١)
ومن هذا القبيل أيضًا أن الغاصب يضمن عين المغصوب إذا هلكت أو أصابها عيب ولا يضمن قيمة المنافع عند الحنفية لأن المنافع ليست متقومة في ذاتها وإنما تقوم بورود العقد عليها كعقد الإجارة وحيث لا عقد في العصب فلا ضمان لأنها لا مماثلة بينها وبين عين الغصب لبقاء الأعيان وذهاب المنفعة، وذهب الأئمة الثلاث إلى أن الغاصب يضمن أجرة المثل عن المال المغصوب وقد أفتى المتأخرون من فقهاء الحنفية بمثل ما أفتى به الأئمة الثلاث وذهبوا في ذلك فريقين: فريق يرى تضمن الغاصب أجرة المثل عن منافع المغصوب إذا كان مال وقف أو مال يتيم أو كان مالًا معدا للاستغلال أي الاستثمار، وهو وإن كان على خلاف القياس وذلك لفساد الناس وجرأتهم على الغصب (٢) وفريق يرى أن تضمين منافع المغصوب مطلقًا في جميع الأموال لا في خصوص الوقف ومال اليتيم والمال المعد للاستغلال وذلك لازدياد الفساد وفقدان الوازع الديني (٣) ، على أن المنافع عند غير الحنفية أموال متقومة كالأعيان ذلك أن الغرض الأظهر من جميع الأموال هو منفعتها كما قال عز الدين بن عبد السلام (٤) ، والشافعية والحنابلة قالوا: تضمن منافع الأموال التي يستأجر المال من أجلها بالغصب أو التعدي سواء استوفى الغاصب المنافع أو تركها حتى ذهبت أي إنها تضمن بالتفويت أو بالفوات في يد عادية أي ضامنة معتدية (٥) ، أما المالكية فقالوا: تضمن منافع الأموال من دور وأرض بالاستعمال فقط ولا تضمن في حالة الترك أي تضمن بالتفويت دون الفوات، وهذا إذا غصب ذات الشيء أما إذا غصب المنفعة فقط كأن يغلق الدار ويحبس الدابة فيضمنها بمجرد فواتها على صاحبها وإن لم يستعملها.
ومما تغير الحكم لفساد الناس طلاق الثلاث في كلمة واحدة، فقد كان طلقة واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، فلما رأى عمر فساد الناس وإكثارهم من الحلف بالطلاق وتتابعوا في ذلك واقعة لمن تلفظ به ثلاثًا في مرة واحدة رواه البخاري، وفي سنن أبي داود، عن طاوس أن رجلًا يقال له أبو الصهباء طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم، قال ابن القيم: والمقصود أن عمر بن الخطاب ﵁ لم يخفف عليه أن هو هذا السنة وأنه توسعة من الله لعباده إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة، وما كان مرة بعد مرة لم يملك المكلف إيقاعه دفعة واحة كاللعان فإنه لو قال أشهد بالله أربع شهادات أني لمن الصادقين اعتبرت مرة واحدة (٦) ، وقد أخذت بعض البلدان الإسلامية اليوم بالرأي الأول في قوانين الأحوال الشخصية فلا توضع محاكمهم الطلاق الثلاث لمن تلفظ به وتوقعه واحدة وما ذلك إلا لكثرة الحلف بالطلاق وانتشار الفساد وتغير العرف.
ومما تغير الحكم فيه قضاء القاضي بعلمه فقد اتفق الحنفية على جواز أن يقضي القاضي بعلمه في واقعة شهدها بنفسه وإن ذلك يغني عن مطالبة الخصوم بالإثبات، قال ابن عابدين: القاضي يقضي بعلمه في حقوق العباد إذا علمها في بلده المخصص للقضاء فيه على قول الصاحبين والمختار اليوم أنه لا يقضي بعلمه للتهمة، وذلك استنادًا إلى ما فعله عمر ﵁، وذلك لفساد القضاة وغلبة الرشاوي وعدم اختيار القضاة بحسب الكفاءة والعفة والنزاهة، وإنما صار يوضع في هذا المنصب بحسب الشهرة والمحسوبية واستثنوا قضاءه بعلمه في أمور التعزير والطلاق والغصب فله أن يحول بين الرجل ومطلقته وأن يضع المال المغصوب عند أمين إلى حين الإثبات (٧) .
стр. 7505
ومما تأثرت الأحكام فيه لتغير الناس وأحوالهم ما لجأ الناس إليه اليوم نتيجة لتطور أساليب الحياة ووسائلها، من ذلك تسجيل قطع الأراضي لأصحابها بذكر أرقام القطع وأحواضها ورسم الخريطة وتحديد الحدود بالرسم العقاري الهندسي بحيث ينضبط معه الملك ضبطًا لا يخشى معه ضياع أي جزء منه ولا تلاشي حق من حقوقه، إن لتسجيل العقار فوائد كثيرة منها: أنه إذا سجل بدفتر خانة الأملاك العقارية يؤمن عليه من العوارض كالضياع ونحوه، ثانيًا بالتسجيل تتخلص ملكية العقار لمن سجل باسمه وينقطع عنه كل نزاع قديم أو ممكن الوقوع، ثالثا: تنضبط مساحة العقار ضبطا يؤمن معه الاستيلاء على أي جزء منه بسبب تحرير تحديده ومساحته وعمل المثال الهندسي الذي يقع التسجيل على طبقه، رابعًا: يؤمنه عليه من كل واضع يده بأي وجه ولا يخشى معه دعوى ما دام التسجيل باسم المالك الحقيقي، خامسًا: يضبط مساحته يعلم العاجرون مقادير ما لا يباشرونه من أملاكهم التي يستبيحها كل من يعلم حقيقتها. سادسا: حفظ جميع الحقوق المرتبة على العقار المسجل من رهن وإنزال ونحوها لمستحقيها عند عدم علمهم بانتقال الحق لهم. سابعًا: صيانة الملك المسجل للصبي والأرملة إذا مات أو فقد مورثهما، ولم يعلما بملكه، ثامنًا: حصول الثقة للمشترين والمرتهنين وغيرهم بتحقق التملك من غير تدليس. تاسعًا: تحقق أن الملك ليس مثقلًا بغير ما تضمنه الصك وبذلك يأمن أصحاب المثال في البيع والرهن وغيرهما. عاشرًا: سهولة التعامل بالملك المسجل للمالك بحيث إن حامل نسخة تسجيل ملكه يتصرف بسهولة على الوجه المأمون. الحادي عشر: توسعة طريق المعاملة بتكرر الرهون مع اختلاف الدائنين ما دامت قيمة الملك قابلة لذلك وربما ارتفع ثمن الملك المسجل عن غيره، إذ التجار والفلاحون وغيرهم يرغبون في الملك المسجل ويؤثرونه على ما ليس بمسجل لما ذكرنا ويكتفي في نقل الملكية بتغيير أسماء المالكين للقطع بالأرقام وتوقيع أصحاب الشأن والشهود خلافًا لما كان عليه الناس من قبل تحديد الحدود شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا بذكر أسماء المالكين والإشهاد على ذلك وذكر كمال عقل البائع والمشتري إلى آخر السلسلة المعروفة في العقود القديمة وعدالة الشهود وأهلية المتبايعين.
ومن هذا القبيل أن الأصل في النكاح أن ينعقد بالإيجاب والقبول ويتم بشهادة الشهود وفشوة من غير حاجة إلى تسجيل لكن لما فسد الناس وضعف الإيمان وخرجت الذمم وصار الزوج يترك الزوجة والأولاد، ولا يخشى الله فيهم أوجبت المحاكم تسجيل عقد النكاح في سجلات ٠البلدية ويعطي الزوجان في ذلك وثيقة رسمية بحيث بدونها لا يعترف النكاح قانونيًّا وما هذا التغيير إلا لتغير أساليب الحياة وتغير أعراف الناس.
стр. 7506
ومن هذا اكتفاء أبي حنيفة في عدالة الشهود بالعدالة الظاهرة فيما عدا الحدود والقصاص ولم ير وجوب تزكيتهم عملًا بقوله ﷺ : ((المسلمون عدول بعضهم على بعض)) فلما رغب الفساد على الناس وقل الخير وفشا الكذب والبهتان وتجرأ الناس على شهادة الزور قال الإمامان محمد وأبو يوسف بضرورة تزكية جميع الشهود ولا يكتفي بالعدالة الظاهرة، والحق أن الخلاف بينهما خلال عصر وأوان وتغير زمان والفتوى اليوم على مذهب الإمامين ويتضح من هذه الأمثلة التي ضربنا أن الأحكام المبنية على الأعراف يمكن أن تتغير بتغير الأعراف، قال القرافي في الفروق: تعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه (١) وقال أيضا: وعلى هذا القانون تراعى الفتاوي على طول الأيام فمهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه ولا تجمد على السطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك من غير أهل إقليميك يستفيتك لا تجره على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده وأجره عليه دون عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين وسلف الماضين، ثم إن التطور العالمي في الميادين المختلفة كالتقنية العلمية والتنمية الاقتصادية وكذلك العلاقات بين الشعوب والدول ووجود المصانع الكبرى والشركات المتعددة واتساع التجارة وقيام الغرف التجارية والعلاقات المستجدة بين أصحاب العمل والعمال، كل ذلك اقتضى وضع قوانين مختلفة وتنظيمات إدارية متعددة أوجدت أوضاعًا وأشكالًا من العلاقات غيرت عادات كثيرة وأوجدت نوعًا من الأعراف العامة التي أثرت في الناس وغيرت كثيرًا من الأحكام فمن ذلك إلزام الناس جميعا بجواز السفر بحيث لا يستطيع أحد السفر إلى خارج بلاده وحدودها بدونه، ومن هذا إلزام الناس الرجال والنساء في ذلك سواء ببطاقة تعريفه وإلزام أصحاب السيارات بالبطاقة الرمادية التي تحمل رقم السيارة ونوعها ومالكها وإلزام كل سائق سيارة برخصة السياقة، ومن هذا أيضا ما صدر في هذه السنوات الأخيرة من وجوب التأمين ضد الغير أو تأمينًا شاملًا، وقد اقتضى هذا من العلماء أن يبحثوا في موضوع التأمين وهل يجوز أو لا يجوز والأصل فيه عدم الجواز لأنه أشبه ما يكون بالمغامرة والرهان، وهو ممنوع وقد جوزه بعض العلماء قياسا على عقد الموالاة أو الحراسة أو بيع الوفاء عند الحنفية اعتمادًا على العرف ونفي هؤلاء أن يكون فيه غرر أو جهالة مفضية إلى نزاع (٢)
стр. 7507
والتأمين حديث النشأة ظهر في القرن الرابع عشر الميلادي في إيطاليا في صورة التأمين البحري وهو نوعان تأمين تعاوني وتأمين بقسط ثابت، أما التأمين التعاوني فهو أن يتفق عدة أشخاص على أن يدفع كل منهم اشتراكًا معينًا لتعويض الأضرار التي قد تصيب أحدهم إذا تحقق خطر معين، وهو قليل التطبيق في الحياة العملية وأول من عمل به السودان على ما نعلم وتبعتها في ذلك الكويت واستصدرت قانونها المدني وبدأ العمل به في ٢٥ فبراير سنة ١٩٨١ م، وجاء الباب الرابع منه في الكفالة والتأمين، والفصل الثاني منه وفيه ثمانٍ وثلاثين مادة تشمل حقيقة التأمين وإبرام عقده والتزامات المؤمن له والتزامات المؤمن في انتقال الحقوق والالتزامات الناشئة عن عقد التأمين وانقضاءها أما التأمين بقسط ثابت فهو أن يلتزم المؤمن له بدفع قسط محدد إلى المؤمن وهو شركة التأمين المكونة من أفراد مساهمين يتعهد بمقتضاها دفع أداء معين عند تحقق خطر معين وهذا النوع هو السائد في العالم الآن ويدفع العوض، أما إلى مستفيد معين أو إلى شخص المؤمن أو إلى ورثته فهو عقد معاوضة ملزم للطرفين والفرق بين النوعين أن الذي يتولى التأمين التعاوني ليس هيئة مستقلة عن المؤمن لهم ولا يسعى أعضاؤه إلى تحقيق ربح، وإنما يسعون إلى تخفيف الخسائر التي تلحق بعض الأعضاء، أما التأمين بالقسط الثابت فيتولاه الشركة المساهمة وتهدف إلى تحقيق الربح على حساب المشتركين المؤمن لهم وكون المؤمن له قد لا يأخذ شيئًا في غالب الأحيان لا يخرج التأمين عن كونه عقد معاوضة لأن من طبيعة العقد الاحتمالي ألا يحصل فيه أحد العاقدين على العوض أحيانًا، ولا شك في جواز التأمين التعاوني في الإسلام، لنه لا يدخل في عقود التبرعات فهو إذن من قبيل التعاون على البر لأن كل مشترك يدفع اشتراكه بطيب نفس لتخفيف آثار المخاطر وترميم الأضرار التي تصيب أحد المشتركين أيا كان نوع الضرر ويدخل في ذلك الحوادث على الأشياء بسبب الحريق أو السرقة أو موت الحيوان أو ضد المسئولية من حوادث الطرقات أو حوادث العمل ويشمل حتى التأمين على الحياة عند بعضهم ويجوز أيضا للمؤمن له التأمين الإلزامي كالتأمين المفروض على السيارات ضد الغير كما تجوز التأمينات الاجتماعية ضد العجز والشيخوخة والمرض والتقاعد لأن كلها غايتها إعانة من تحل به مصيبة من هذه المصائب، ولا يقال كيف يكون إلزاميًّا لأنا نقول: كل من التزم شيئا من البر والمعروف لزمه.
стр. 7508
أما التأمين بقسط ثابت، فقد أفتى ابن عابدين بحق التأمين البحري لضمان ما قد يهلك من البضائع المستوردة بطريق النقل البحري بالمراكب، فلا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من مال المؤمن للأسباب التالية: (١) أن هذا العقد هو التزام ما لا يلزم حيث انعدم السبب الشرعي للضمان إذ السبب الشرعي واحد من أربعة (١)(١) العدوان من قتل وهدم وإحراق ونحوها (٢) تسبب الإتلاف كحفر بئر بدون ترخيص في الطريق العام (٣) وضع اليد غير المؤمنة كالغصب والسرقة وبقاء البيع في يد البائع (٤) والكفالة وليس المؤمن متعديا ولا متسببا في الإتلاف ولا واضع يد على المؤمن عليه وليس في التأمين مكفول معين وليس التأمين من باب تضمين الودائع، إذا كان يأخذ أجرًا على الوديعة لأن المال ليس في يد المؤمن بل في يد صاحبة وليس هو أيضا من قبيل تضمين التغرير لأن الغار لا بد أن يكون عالمًا بالخطر وأن يكون المغرور جاهلا به غير عالم، كما لا يصح اعتبار التأمين من شركة المضاربة لسببين أولها: أن الأقساط التي يدفعها المؤمن له تدخل في ملك شركة التأمين وهي مطلقة اليد تتصرف كيف شاءت وهي لا يرجع للمؤمن منها شيء أن لم يتعرض لحادث، ثانيهما: أن شرط حجة المضاربة أن يكون الربح بين صاحب المال والقائم بالعمل وأن يكون شائعًا بنسبة كربع أو ثلث ونحو ذلك.
كما أنه لا يصح اعتبار التأمين من قبيل الضمان أو الكفالة لأنه ليس واحدا من أسباب الضمان أربعة المتقدمة الذكر وعلى تقدير وجود المكفول كما في التأمين من حوادث الطرقات في السيارات فإن المكفول مجهول ولا تصح الكفالة في مجهول والخلاصة أن عقد التأمين المقسط هو من عقود الغرر أي من العقود الاحتمالية المترددة بين وجود العقود عليه وعدمه وفي الحديث ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر)) ، والغرر عنصر لازم لعقد التأمين وهو غرر كثير وليس باليسير إذ من أركانه الخطر وهو حادث محتمل غير متوقف على إرادة العاقدين.
ولا يباح الغرر الكثير إلا عند الجهد والمشقة الفائقة والاضطرار، وهي الحالة التي يصل المرء فيها إلى حالة بحيث لو لم يتناول الممنوع لقرب من الهلاك ولكنه لا يهلك كما ذكر ذلك السيوطي (٢) وقد تكون الحاجة عامة، وقد تكون خاصة، فالعامة ما تشتمل جميع الناس والحاجة الخاصة ما تكون خاصة بطائفة من الناس كأهل بلد أو حرفة أو مهنة، ومعنى كون الحاجة متعينة أن تسد جميع الطرق المشروعة للوصول للغرض سوى ذلك العقد الذي فيه الضرر ولو سلمنا بوجود حاجة عامة للتأمين في هذا الزمان فإن الحاجة إليه غير متعينة إذ يمكن تحقيق الهدف منه بطريق التأمين التعاوني القائم على التبرع وإلغاء الوسيط المستغل لحاجة الناس الذي يسعى إلى الربح وهي شركات التأمين فهذا يمنع في الإسلام لوجود طريق يبلغ إليه فإن لم توجد شركات الضمان التعاونية، فقد أفتى بعضهم بجواز التأمين الاضطراري الذي هو ثلث التأمين وهو ما كان لدفع ضرر الغير والذي أوجبته كثير من الحكومات الإسلامية حيث يرخص للسيارة تسير في الطريق من غير تأمين الثلث وبعض العلماء مانع في ذلك لأنه عقد معاوضة على مجهول وكله غرر، والغرر ممنوع.
стр. 7509
ومن هذا القبيل أيضا شركات المساهمة فقد منعها بعضهم وقال بتحريمها لأنها مناقضة لعقد الوكالة أو لأنه ليست عقدا أصلًا بين شخصين أو أكثر أو لأنها لا يوجد فيها الجهد البدني من المشتركين، ولكن بعض العلماء المحدثين أباحوها نتيجة التطور التجاري ولأنها تقوم في الواقع على التراضي وهو الأصل في العقود ومن جهة أخرى فقد توفرت شروط الشركات الإسلامية فيها ولقيامها على الربح وعلى الخسارة.
ولقد حدثت أعراف كثيرة نتيجة اختلاف وسائل الحياة ووجود المصانع الكبرى واكتشاف الآلات الحديثة وما وجد من وسائل الإعلام من مجلات وجرائد وإذاعة وتلفزة وربط العالم بما نشأ من أقمار صناعية وتنوع وسائل المعيشة من اختراع آلات كهربائية واتساع المدن واجتماع السكان في عمارات كبيرة وتشابك المصالح كل هذا أنشأ تقاليد جديدة في الحياة وأعرافًا وعادات اقتضتها المصالح المرسلة من ذلك مثلًا إنشاء مؤسسات اجتماعية لحضانة أطفال الأمهات اللواتي يعملن في المصانع والإدارات وإنشاء دور الرضيع ودور الأيتام والعجزة والمتخلفين ذهنيًّا والمعاقين، وقد أصبحت الحاجة ماسة إلى ذلك لتفرق العائلات واستقلال الزوجين عن السكنى مع الحماوين، وقد أصبحت الحاجة ماسة إلى العمل بها بحيث لا يمكن الانفكاك عنها ولو فتح الباب على مصراعيه لغلب على الناس استباحة ما لم يأذن الله ولعم الفساد كل البلاد.
ومن الأمثلة على استعمال المصالح المرسلة المبنية على العرف والتي عمل بها الفقهاء وذلك للحاجة الماسة الاستماع إلى شهادة التسامح في إثبات النسب والوفاة والدخول بالزوجات والوقف والولايات وغيرها، فكل هذا اكتفي فيه بشهادة السماع مع أن الأصل في الشهادة المعاينة بالذات للمشهود له أو عليه لا بالسماع، ومن هذا أيضا قبول شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال كالجرائم التي تقع بالحمامات وكشهادة القابلة على الولادة وتعيين الولد على النزاع (١)
القوانين العرفية ومدى ما يمكن الأخذ بها في أحكام القضاء:
إن العرف يجري في المعاملات والعبادات وفي مسائل ليست متمحضة للعبادات ولا للمعاملات وغالبه في النوع الأول ومما مثل به للعبادات قراءة الأحزاب جماعة والذكر في المساجد والقراءة على القبور والأضرحة وإعادة الصلاة جماعة في مسجد له إمام راتب وتثبث الأذان لصلاة الجمعة وتعيين ليلة القدر في السابع والعشرين من شهر رمضان ورفع اليدين في الدعاء، والمسح على الوجه بالكفين بعد الدعاء، ومن النوع الثالث مما لم تتمحض مسائله لا للعبادات ولا للمعاملات، زخرفة المساجد والأضرحة.
стр. 7510
وغالب الأعراف في المعاملات إذ هي أوفق لجريان العمل والقضاء فيها بما يقتضيه العرف ويكون في الأحوال الشخصية والعقود المالية والشؤون العقارية، فمن الأول الاعتداد بالأشهر للمطلقة طلاقا رجعيًّا، أو طلاقا بائنًا وهي مدخولا بها فقد جرى العرف بأنها لا تحل للأزواج إلا بعد مضي ثلاثة أشهر من يوم طلاقها إذا ادعت انقضاء أقرائها فيها ولا تصدق في أقل من هذه المدة، ففي العمليات العامة قال سيدي علي الزقاق في عدة النساء التي جرى بها العمل بفاس وهي ذات قرؤ في اعتداد بأشهر، ومراده أنها تنتظر تمام الأشهر الثلاثة إن كملت الأقراء قبلها احتياطيًّا لا لأنها تعتد بالأشهر حقيقة تاركة الأقراء وقال سيدي محمد بن سعيد الزمور في شرحه على ابن الحاجب الذي سماه معتمد الناجب بعد نحو ما سبق، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: عادة النساء عندنا حيضة واحدة في الشهر، وقد قلت الأديان في الذكران فكيف النسوان فلا أرى أن تمكن المرأة المطلقة من التزويج إلا بعد ثلاثة أشهر من يوم الطلاق ولا تسأل عن الطلاق كان في أول الطهر أو في آخره.. اهـ.
وقال ابن ناجي عند قول المدونة: وإذا قال للمعتدة قد راجعتك فإجابته، قد انقضت عدتي فإن مضت مدة في مثلها تنقض صدقت بغير يمين، وإلا لم تصدق إن ادعت انقضاءها في مدة لا تنقضي فيها غالبا ولا نادرًا، لم تصدق اتفاقًا وإن ادعت ما تنقضي فيها غالبًا صدقت واختلف في النادر وفي مقدار ما تحل به على اثني عشر قولًا منها:
أولًا: لا يقبل قولها في أقل من تسعين يومًا وليس منصوصا للمتقدمين ولكن جرى به العمل عند شيوخنا بتونس، ثم ذكر قول ابن العربي (١) .
والأصل أن ذوات الحيض تعتد بالأقراء بصريح القرآن، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢)
فإذا رأت المرأة الحيضة الثالثة فقد خرجت من عدتها، والمشهور أنها تصدق فيما يشبه إلا أن العمل جرى بعدم تصديقها في أقل من ثلاثة أشهر (٣) .
стр. 7511
ثانيا: جرى العمل بأن الغني يشور ابنته بقدر ما أعطاه الزوج من الصداق ويضيف الأب نفس المبلغ الذي دفعه الزوج بحيث لو أعطى خميس شاورها بمائة كان ولي الزوجة أبا أو وصيًّا، فلربما بمثل المبلغ والأصل عدم إلزام المرأة وأبيها جهازًا لأن الصداق إنما كان عوضًا عن البضع ولو كان عوضًا عن الجهاز وهو مجهول لكان فاسدًا فالبضع هو الأصل وما سواه تابع وفي العلميات العامة وعند فاس ذو الغنى يشور بمثل نقد ابنته ويجبر، إن وقع الدخول أما إن طلب الزوج ذا قبل فلا يجبر الأب، وقيل للزوج تجهز إليك بالنقد أو طلق، ولا شيء عليك، قال ابن غازي في شفاء الغليل ومن فتوى شيخ شيوخنا أبو محمد عبد الله العبدوسي الذي جرى به العمل في أغنياء الحاضرة إجبار الأب أن يجهز ابنته بمثل نقدها، وهذا إنما هو إذا فاتت بالدخول، وإما أن طلب الزوج هذا قبل الابتناء فلا يجبر الأب، ويقال للزوج: إما أن ترضى بأن يجهزها لك بنقدها خاصة وإلا فطلق ولا شيء عليك وبهذا القضاء والعمل. اهـ قال ابن غازي: وبه مضى الحكم في ابنة أحمد اللمتوني محتسب فاس في عصرنا هذا (١)
وهذا لا ينفي استحباب تجهيز الأب والوصي بشيء من مال الزوجة زيادة على نقدها، لأن ذلك من صالحها ومما يرغب الناس فيه لكن لا على طريق الإلزام.
ثالثا: الخلع بالإنفاق على الولد بعد أمد إرضاع، قال خليل: وجاز شرط نفقة ولدها مدة رضاعها، ومذهب المدونة سقوط ما زاد على الحولين وهذا هو المشهور، ولكن جرى العمل بقول المغيرة المخزومي والإمام أشهب وابن الماجشون وغيرهم، وبه قال سحنون وابن حبيب واللخمي وابن يونس بأن من خالع زوجته على إنفاق ولده بعد الحولين جاء في العمليات العامة وما تحملت به من نفقة أي فوق الرضاع يلزم المطلقة.
وإن بذاك أعسرت فينفق وبالسداد يرجع المطلق، وقد نبه على هذا العمل ابن سهل وابن فتوح والمتيطي وابن مغيث والفشتالي ومن لا يحصى، فإن أعدمت الأم في خلال المدة، فإن النفقة تعود على الأب، فإن أيسرت الأم فهل يتبعها أم لا؟ المشهور من المذهب أنه يتبعها بما أنفق على السداد لا على ما أنفق من ضيق أو سعة، قاله مالك وابن القاسم وبه القضاء، وحكى أصبغ عن ابن القاسم أنه لا يتبعها بشيء وذكر هذا القاضي الفشتالي وابن سلمون ونقله عنه الحطاب في تحرير الكلام (٢)
стр. 7512
رابعا: ومنها النظر للعورة فالأصل فيه المنع إلا لضرورة كعيوب الفرج، والمشهور أن المرأة تصدق في داء فرجها وفي بكارتها فيما لو ادعى الزوج أن بفرجها عيبًا أو أنه وجدها ثيبًا، وهذا قول جمهور المالكية، وخالف في ذلك سحنون وأفتى بجواز النظر معللًا ذلك بقلة أمانة النساء وبقوله: جرى العمل عند متأخري الفقهاء فللقاضي أن يمكن من يوثق بخبرتهن من القوابل أن تنظر إلى المرأة للضرورة الداعية ولا تصدق الزوجة في نفيها لما يدعيه الزوج لأنها متهمة بالدفع عن نفسها، ومثل ذلك الزوج وللمتأخرين في ذلك فتاوى متعددة متضاربة، وفي العمليات: وجاز للنسوة للفرج النظر من النساء إن دعا له ضرر، وهذا كله في الزمن الماضي، أما اليوم فقد ارتفع الإشكال بالطبيب حيث أصبح كل من الزوجين يعرض على الطبيب في كل ما يتعلق بالعيوب والأمراض.
ومنها صرف اليمين إلى الطلاق في الحلف باللازمة أو الحرام إذ صار هذا اللفظ حقيقة عرفية على الطلاق وأوجب الفقهاء فيه طلقة رجعية ولولا العرف لما لزمه شيء أو للزمه كل شيء ففي تحفة الحكام: وكل من يمينه باللازمة له الثلاث في الأصح لازمة، وقيل: بل واحدة رجعية مع جهله وعقده للنية. وقيل: بل بائنة وقيل: بل جميع الأيمان وما به عمل. وقد روى ميارة عن ابن زرب أنه أفتى بطلقة بائنة ورده ابن سهل بأن الواحدة البائنة لا تكون إلا في الحكم وقيل: إن نوى عمومًا أو خصوصا لزمه ما نواه وإن نوى مسمى عرفًا عالمًا أن منه الطلاق وهو أكثر الواقع في زماننا فطلقة واحدة وإن نوى مطلق اليمين جاهلا مسماها عرفا احتمل السقوط وكفارة يمين، وقال ابن بشير: إن قصد التعميم بثلاث وإلا فواحدة، قال القرافي في هذا اليمين: إن الفقهاء لا حظوا فيها ما غلب الحلف به في العرف وما جعل يمينًا في العادة فألزموه إياه لأنه المسمى العرفي فيقدم على المسمى اللغوي. ونقل ابن عبد السلام عن بعض المفتين أنه إذا جاء من لا يعرف مدلول هذه الكلمة قال: لا شيء عليه، قال بعضهم: وهذه الطريقة أنسب وإن نوى شيئا لزمه ما نوى وإلا لزمه طلقة والكلام في المسألة طويل وملخصه أن المشهور في المذهب هو ما في المختصر والقول بالواحدة الرجعية قال به كثير (١) ، وفي تبصرة ابن فرحون إن جرى عرف في هذه اليمين يتبادر إلى الذهن من غير قرينة عمل عليها، وإلا فما قواه أو دل عليه بساط، وإلا فلا شيء عليه، قال الحسن بن رحال: وهو كلام حسن غاية وقد تحير فيها الولوع النهاية.
стр. 7513
سادسا: هدايا الخطبة، لقد اختلفت المذاهب في الهدايا التي يقدمها الخطيب لمخطوبته إذا كان ما هداه قائما في يدها ولم يوجد مانع من استرجاعه كالخاتم والساعة ونحوها، فإنه يرتجعها وإذا كانت مما تستهلك فلا ترجع، والجعفرية قالوا باستردادها مطلقا ولو هلكت فيسترد قيمتها، وكذلك الشافعية يرون حق الرجوع في الهدية مطلقا سواء أكان العادل عن الخطبة الخاطب أو المخطوبة، أما المالكية فلهم في ذلك تفصيل مرجعه إلى العرف وهو منع الخاطب من استرداد ما أهداه إلى مخطوبته إن كان العدول منه، أما إذا كان العدول عن الخطبة من جانبها فله حق استرداد ما قدمه مما هو قائم بعينه واسترداد قيمته أو مثله إن هلك ما لم يكن مما يستهلك كالحلويات ونحوها، ويرجع ذلك كله إلى العرف والى عادات الناس وما لم يكن هناك شرط، وذلك لقاعدة أن المعروف عرفا كالمشروط شرطًا فإذا كان هناك عرف عام أو خاص في هذه الهدايا حكم العرف فيها، ولقد أقامت قوانين الأحوال الشخصية أحكامها في ذلك على ما جرى به للعمل في المذهب المالكي في كثير من الأمصار.
ومنها الكفاءة في الزواج روى الدارقطني أن عمر بن الخطاب قال: لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء، ولا شك أن اعتبار الكفاءة مكمل للمقصود من الزواج إذ به تنتظم مصالح الزوجين وتأسيس القربات، وقد ذهب جماعة إلى عدم اشتراط الكفاءة في الزواج إلا في الدين منهم الإمام الكرخي من الحنفية والحسن البصري وابن حزم ومستندهم حديث: الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي إنما الفضل بالتقوى، كما يشهد لذلك أيضا قوله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٣] .
ورد ذلك بأن التساوي راجعة إلى الحقوق والواجبات، أما في غيرها مما تقام على أعراف الناس وعاداتهم فلا شك أن الناس يتفاوتون فيها ويتفاضلون في الرزق والثروة والوظائف وغيرها، وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [سورة النحل: الآية ٧١] .
وكذلك يتفاضلون في العلم، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ وما زال الناس يتفاوتون في منازلهم الاجتماعية ومراكزهم الأدبية وهو مقتضى الفطرة الإنسانية وشريعة الله لا تصادم الفطرة والأعراف والعادات التي لا تخالف أصول الدين ومبادئه، ومذهب الجمهور أن الكفاءة شرط في لزوم الزواج لا شرط صحة فيه لمجموعة من الأدلة: منها حديث الترمذي والحاكم ثلاثة لا تؤخر، الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفوءًا. ثانيًا: ما رواه الدارقطني والبيهقي عن جابر بن عبد الله: لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء، وحديث الدارقطني عن عائشة وعمر: لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء (١)
стр. 7514
قال الشافعي: أصل الكفاءة في النكاح حديث بريرة، وقد خيرها رسول الله ﷺ لما لم يكن زوجها كفؤا لها بعد أن تحررت، وكان زوجها عبدًا، قال الكمال بن الهمام: هذه الأحاديث الضعيفة من طرق عديدة يقوي بعضها بعضا فتصبح حجة بالتظافر والشواهد وترتفع إلى مرتبة الحسن لحصول الظن بصحة المعنى وثبوته عنه ﷺ وفي هذا كفاية (١) ومن المعقول وهو أن انتظام المصالح بين الزوجين لا يكون عادة إلا إذا كان هناك تكافؤ بينهما، لأن الشريفة تأبى العيش مع الخسيس فلا بد من اعتبار الكفاءة من جانب الرجل لا من جانب المرأة، لأن الزوج لا يتأثر بعدم كفاءتها عادة وللعادة والعرف سلطان أقوى وتأثير أكبر على الزوجة، فإذا لم يكن الزوج كفؤًا لها قل أن تستمر الرابطة الزوجية وتتفكك عرى المودة بينهما، ثم إن أولياءها يأنفون من مصاهرة من لا يناسبهم في دينهم وجاههم ونسبهم وحسبهم ويعيرون به فتختل روابط المصاهرة وتضعف فلا تتحقق أهداف الزواج الاجتماعية ولا الثمرات والغايات المقصودة منه، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة وهو المعمول به في أغلب البلاد الإسلامية، وقد اتفق فقهاء المذاهب الأربعة والراجح عند الحنابلة والمعتمد عند المالكية والأظهر عند الشافعية على أن الكفاءة شرط لزوم الزواج وليست شرطًا في صحة النجاح فللأولياء حق الاعتراض وطلب فسخه فلا يسقط بالإسقاط ومرجع الكفاءة إلى ما تعارفه الناس من الصفات معظمة أو محقرة كالحرف الشريفة وغير الشريفة والنسب الشريف من غيره ولا سيما عند من يتباهون بالأنساب كالعرب والفرس، فالكفاءة في الدين والمال والنسب والحرفة والسلامة من العيوب وكلها يحتاج في طلب سببه إلى العرف والكفاءة عند الحنفية شرط لزوم في الجملة على ما في الدر المختار، لكن المفتى به عند المتأخرين أنها شرط لصحة الزواج في بعض الحالات وهي شرط لنفاذه في بعض الحالات وشرط لزوم في حالة أخرى وتكون شرط صحة بالنسبة للبالغة العاقلة إذا زوجت نفسها من غير كفء أو بغبن فاحش وكان لها ولي غاضب لم يرض بهذا الزواج قبل العقد. الحالة الثانية: أن يزوج غير الأصل أو غير الفرع من عديم الأهلية أو ناقصها فالزواج فاسد لأن ولاية غير الأصل والفرع منوط بالمصلحة ولا مصلحة بغير الكفء الحالة الثالثة: إذا زوج الأب أو الابن أي الأصل أو الفرع بسوء الاختيار عديم الأهلية أو ناقصها من غير كفء، أو بغبن فاحش لم يصح النكاح اتفاقًا.
стр. 7515
العرف والمال:
المال شرعًا هو كل ما يمكن حيازته والانتفاع به على وجه معتاد أو هو اسم لما يباح الانتفاع به حقيقية وشرعًا (١) والمنافع تدخل في المذهب الشافعي والمالكي في تعريف المال بحيث ما لا يمكن حيازته لا يعتبر مالا ولو أمكن الانتفاع به كالهواء وضوء الشمس وحرارتها، وأما ما يمكن حيازته فيعد مالا كالحيوان في الفلاة، والسمك في الماء، والطير في الهواء.
والعرف هو الذي يحدد ما هو مال شرعًا وما ليس بمال واختلاف الفقهاء في ما هو مال مما ليس بمال مرجعه إلى الاجتهاد الذي تبناه العرف وهو عند الحنفية لا يكون المال إلا إذا كان مادة وقد وقع حوزه بدليل تعريفهم له بما يمكن ادخاره لوقت الحاجة وعليه فمنافع الأعيان كسكنى الدار وركوب الدابة أو السيارة أو الطيارة ولبس الثياب لا يعد مالا لعدم إمكان إحرازها ومثله أيضًا الحقوق كحق الحضانة وحق الولاية وحق التأليف وحق الاختراع وغيرها لا يعد مالا عند الحنفية وبقية المذاهب الثلاث تعتبر المنافع أموالًا إذ ليس من الواجب في المال إمكان إحرازه بنفسه، بل يكتفي بإمكان حيازته بحيازة أصله ولا شك أن المنافع تحاز مخالفًا ومصادرها إذ من استأجر بيتًا للسكنى وحازه ذاتًا يمنع غيره من الانتفاع به ما دام في حيازته وكرائه، كذلك من استأجر سيارة وقد حازها فهي له ما دامت في حيازته وليس لغيره الانتفاع بها.
وخلاصة القول أن المال عند الجمهور غير الحنفية هو كل ما له قيمة يلزم متلفه بضمانه، والحنفية تفرق بين المال والملك فالحقوق والمنافع أملاكا وليست بمال، وعند الجمهور هي مال لأنها هي المقصودة من العيان، ولولاها لما رغب الناس فيها ونتيجة هذا الخلاف أن الإجارة مثلا تنتهي بموت المستأجر عند الحنفية ولا تنتهي عند غيرهم حتى تنتهي مدتها، وكذلك الحقوق فإنها لا تورث عند الحنفية وتورث عند غيرهم، واعتبار المنافع أموالا أوجه وأظهر مما ذهب إليه الحنفية لأنه هو الذي يجارى عرف الناس ونظرتهم للمال.
стр. 7516
ثم المال منه ما هو متقوم وهو ما كان في حيازة، وجاز الانتفاع به في حال الاختيار، ومنه ما هو غير متقوم وهو بخلافه كالمال المباح الذي لا مالك له بخصوصه كالسمك في البحر، والذهب في المنجم، والطير في الهواء، والنفط تحت الأرض، فهو مال غير متقوم في نظر الشرع لعدم الحيازة، ومثل الخمر والخنزير والميتة، فإنه لا يجوز الانتفاع به في نظر الشرع ولا يلجأ إليه إلا عند الاضطرار والفرق بينهما أن المتقوم يضمن بالتلف عند التعدي عليه، لأن له قيمته ويصلح أن يكون محلا للمعاوضة ويصح أن يوهب أو يوصي به أو يوقف ويصلح أن يكون محلا للمعاوضة ويصح أن يوهب أو يوصي به أو يوقف ويصح أن يكون ثمنا ومثمنًّا وكل هذه الأمور كان تحديدها على العرف في غالب الأحكام باستثناء ما جاءت النصوص على أنه مال مباح أو أنه لا يجوز الانتفاع به، فالفراشات والحشرات والأفاعي والهوام كانت من المال التافه الغير المقوم، وقد أصبحت اليوم لها قيمة لما يستخرج منها من الأدوية ونحوها، والعرف يتغير بتغير الزمان، فما كان تافها في زمان قد يتغير العرف ويصبح مالا معتبرًا في زمان وكثيرًا من الأشياء ما لم يكن مالا مقومًّا في غابر الأزمان، وقد أصبح اليوم مالا مقومًا ترتكز عليه ثروة البلاد فالسمك في المياه الإقليمية، والطيور التي تعيش في أجوائها، والحيوانات في أراضيها وغابتها والنفط في أعماق أرضها ومناجم الفوسفات والبوتاس والأملاح والذهب والفضة ومنتوجاتها الفلاحية، وهذه كلها مما هو ملك خاص أو عام أصبحت هذه ذات قيمة ضخمة، ولهذا تعد مالا متقومًا بحيث لو اعتدى أحد عليها أو نهب منها أو أتلف شيئا من ذلك غرمه وعزر علي تعديه وهذا الحكم يسري على تحديد القيمي والمثلي في الأموال فالقيمي ما تتفاوت آحاده تفاوتًا يعتد به أو لا تتفاوت، ولكن لا نظير له في الأسواق وتشمل الحيوانات والبناءات والأشجار وعروض التجارة المختلفة الجنس والعدديات المتفاوتات وما انقطع من الأسواق فلم يعد له مثيل، أما المثلي فما لا تتفاوت آحاده تفاوتًا يعتد به وله نظير في الأسواق ويشمل المكيلات والموزونات كالحبوب والألبان والمعدودات المتقاربة كالبيض وعروض التجارة المتحدة الجنس كالثلاجات والسيارات من صنف واحد (١) وتحديد كل ذلك ومرجعه إلى العرف القائم والواقع الموجود ولو اختلف العرف فيه لاختلف ما يندرج تحته المثلي أو القيمي.
حقوق الارتفاق:
الحق عرفه الأستاذ الزرقاء بأنه اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفًا والحقوق في الإسلام هي منح ألهية تستند إلى المصادر التي تستنبط منها الأحكام الشرعية ومنشأ الحق هو الله لا حاكم غيره ولا مشرع سواه والحق مقيد بما يفيد المجتمع ويمنع الضرر عن الآخرين وهو يسلتزم واجبين: واجب عام على الناس جميعًا وهو احترام حق الشخص وعدم التعدي عليه والتعرض له.
وواجب خاص على صاحب الحق بأن يستعمل حقه من غير أن يضر بالآخرين.
وينقسم الحق إلى ثلاثة أقسام: الأول: حق ملك الشيء وحق الانتفاع كالإجارة والوقف والإعارة والوصية وحق الارتفاق وهو ملك ناقص لأن صاحبه لا يملك التصرف المطلق وكثير من حقوق الانتفاع وحق الارتفاق أخذ العرف بعين الاعتبار في استنباط الأحكام الشريعة المتعلقة بها فإباحة الإجارة، وصحة الوقف في المنقولات، وكثير من أحكامها وحق الشرب والمجرى والمسيل والمرور وغيرها بنيت معظم أحكامهما على العرف وحق الارتفاق هو حق مقرر على عقار المنفعة عقار آخر مملوك للغير وهو حق دائم يبقى ما بقي العقار دون نظر إلى المالك ويدخل في ذلك حق الشرب وحق المجرى وحق المسيل وحق المرور وحق الجوار وحق العلو فحق الشرب هو النصيب المستحق من الماء لسقي الزرع والشجر أو نوبة الانتفاع بالماء لمدة معينة لسقي الأرض ويلحق به حق الشفعة وهو حق شرب الإنسان والدواب والاستعمال المنزلي، والماء بالنسبة لهذا الحق أربعة أنواع: (١) ماء الأنهاء العامة، فلكل واحد الحق في الانتفاع به لنفسه ودوابه وأراضيه بشرط عدم الإضرار بالغير لقوله ﵇: ((الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار)) وحديث ((لا ضرر ولا ضرار)) (٢) وماء الجداول والأنهار الخاصة المملوكة لشخص، فلكل إنسان حق الشفعة منه لنفسه ودوابه، وليس لغير مالكه سقي أرضه إلا بإذن مالكه، (٣) ماء العيون والآبار والحياض المملوكة لشخص وفيها حق الشفعة دون حق الشرب، فإن منعهم صاحبه أجبر على تمكينهم من الشفعة، (٤) الماء المحرز في أوان خاصة كالجرار والصهاريج لا يثبت لأحد حق الانتفاع به بأي وجه من الوجوه إلا برضا صاحبه ولا يستحقه إلا المضطر الذي يخشى على نفسه وعليه دفع قيمته لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير (٢) .
стр. 7517
والعرف في كل هذا هو الذي يوضح هذه الحقوق ويحددها ويرتب عليها ضمان التلف ثالثًا: حق المجرى ويراد به حق إجراء الماء من أرض إلى أرض أخرى لسقيها فليس لصاحب الأرض منع مرور الماء من هذا المجرى أو نقله لمكان آخر إلا برضا صاحب الحق وتعتمد أحكام حق المجرى على العرف في بيان الضرر الذي يصيب صاحب الأرض بسبب نزع جانبي المجرى وبيان مقدار التلف إذا أصيب به الزرع أو الأرض بسبب هذا النزح ويستتبع حق المجرى حق مرور الانتفاع لإصلاحه وكريه وإزالة ما يعوق سير الماء فيه، فالعرف في كل ذلك هو الذي يحدد مقدار المرور والحدود التي يمر منها، وقد جرى العرف على منع صاحب المجرى من الزراعة على ما فيه لصالحه وحق السيل وهو مجرى على سطح الأرض أو أنابيب تنشأ لتصريف المياه الزائدة على الحاجة حتى تصل إلى مصرف عام أو مستودع مياه كمصاريف الأراضي السقوية أو مياه الأمطار أو المياه المستعملة في المنازل والفرق بين المسيل والمجرى أن المجرى لقلب المياه الصالحة للأرض والمسيل لصرف المياه غير الصالحة عن الأراضي أو الدور والحكم فيها واحد وليس لأحد منعه، وقد كنا ضربنا مثالًا لذلك وقع بتونس. وحق المرور وهو حق صاحب عقار داخلي بالوصول إلى عقاره من طريق يمر فيه أكان عاما أم كان خاصًّا مملوكًا للغير والأول حق لكل الناس والثاني خاص حق لأهل أصحاب المكان من المرور فيه وفتح الأبواب والنوافذ عليه حسب ما يقتضيه العرف والعادة، وحق الجوار وهو نوعان علوي وجانبي وللأول حق التعلي على صاحب الأسفل، أي حق القرار على الطبقة السفلى وهو حق ثابت لازم لصاحب العلو ولا يزول بهدم العقار كله أو انهدام الأسفل وله ولورثته إعادة بنائه حين يريد وليس لأحدهما أن يتصرف بما يضر بصاحبه وإذا انهدم الأسفل وجب على صاحبه إعادة بنائه، فإن امتنع أجبر قضاء، فإن رفض كان لصاحب العلو البناء ويرجع على الآخر بالنفقات إذا فعل ذلك بإذن من الحاكم أو إذن صاحب الأسفل، فإن فعل بغير إذن رجع بقيمة البناء وقت تمامه لا بما أنفق وكل ما يتعلق بحل النوافذ والأبواب وأنواع التصرف مرجعه إلى العرف وما يعده العرف ضررًا مما لا يعد عرفا من الضرر، وحق الجار ينشأ من ملاحقة الحدود في الأرض والدار والطريق ونحوها، وقد جاء في القرآن المر بالإحسان إلى الجار، قال تعالى ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ (١)
стр. 7518
وفى الحديث: ((ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) وقال أيضًا ((لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه)) ، وقال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)) فللجار على جارة حقوق أخلاقية كثيرة كأمانته ونصرته في الحق وإقراضه وعيادته إذا مرض وإعارته الماعون، وله حقوق تتعلق بجوار الحدود فلا يضر به ضررًا فاحشًا كبناء جدار يحجب الضوء عنه ويمنع عنه الهواء أو يسد عليه النوافذ أو يحدث مصنعًا مزعجًا بآلاته وسط المنازل أو يهدم السور الذي بينهما. وقد ذهب أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي وأحمد إلى عدم تقيد المالك في انتفاعه بملكه لأجل مصلحة جاره لأن مقتضى الملك التام أن ينتفع المالك بملكه على الوجه الذي يريده وخالفهم مالك ﵀ ومعه متأخرو الحنفية، فمنعوا الجار أن يتصرف في ملكه تصرفا يضر بجاره ضررا فاحشا، والمعتمد في ذلك حديث: ((لا ضرر ولا ضرار)) ولأن ما تعارف عليه الناس هو عدم تجاوز الملك المعتاد في التصرف وتحديد الضرر الفاحش من غير الفاحش مبناه عرف الناس، وإنا لندرك مما مر أن هذه الحقوق كلها تعتمد في الكثير من أحكامها على العرف أكان خاصًّا أو عامًا، قوليًّا أو فعليًّا، كما ندرك أن الشريعة الغراء اعتنت بمعتاد الناس فيما لا يخالف مقاصد الشريعة ويحقق المصالح ويدرأ المفاسد ويجلب التيسير ويرفع الحرج.
العقود التي بني الجواز عليها فيها على العرف: كثير من العقود شرعت على خلاف القياس وذلك دفعا للحرج وتسهيلا على الناس في معاشهم ومعاملاتهم، وقد سماها بعضهم ببيوع الاستحسان وهي العقود التي أبيحت للضرورة لتعارف الناس بها في معاملاتهم السلم والاستصناع وبيع الوفاء وعقد الإجارة والمزارعة والمساقاة، فبيع السلم الذي يتضمن تعجيل أحد الثمنين وتأجيل الآخر وهو عقد على خلاف القياس إذ هو بيع ما ليس عنده، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الإنسان ما ليس عنده ورخص في السلم لما وجد الناس يسلفون في التمر السنة والسنتين والثلاث فقال: ((من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) ، وقد بني الجواز على ما تعارفه الناس وأحكام السلم التي استنبطها المجتهدون بني كثير منها على العرف، وقد اختلف في ألفاظه وفي شروطه وفي ضوابط ما يجوز السلم فيه وما لا يجوز مما يطول الكلام عليه.
стр. 7519
وكذلك الاستصناع وهو عقد على المبيع في الذمة مطلوب عمله وهو عقد على معدم وعلى ما ليس عند الإنسان، فالقياس منعه ولكن الحاجة دعت إليه وقد تعارفه الناس وجرى عليه التعامل فنزل ما يستصنع منزلة الموجود لحاجة الناس إليه وهو في الواقع فيه معنى عقدي السلم والإجارة لأن السلم عقد على مبيع في الذمة وعلى استئجار للصناع وشراطهم العمل وما اشتمل على عقدين جائزين كان جائزًا، نص على ذلك الكاساني في بدائع الصنائع وما جرى به العرف في الاستصناع جاز وما لم يجرِ العرف فيه لم يجز، ويصح الاستصناع عند المالكية والشافعية والحنابلة على أساس عقد السلم وعرف الناس ويشترط فيه ما يشترط في السلم، ومن شروطه تسليم جميع الثمن في مجلس العقد ومن شروطه بيان جنس المصنوع ونوعه وقدره وصفته لأنه مبيع ولا بد من أن يكون معلومًا والعلم يحصل بذلك، وأن يكون مما جرى فيه التعامل بين الناس كالأواني والأمتعة والأحذية والفرق بين الاستصناع والسلم أن الاستصناع وإن كان كالسلم في كونه بيع المعدوم للحاجة والتعامل بين الناس فإن هناك فرقًا منها أن المبيع في السلم دين تحملته الذمة من مكيل أو موزون أو معدود متقارب، أما البيع في الاستصناع فهو عين لا دين كاستصناع حذاء أو خياطة ثوب، ثانيا: عقد السلم لازم وعقد الاستصناع غير لازم، ثالثًا: من شرط السلم الأجل وليس كذلك الاستصناع عند أبي حنيفة، رابعا: يشترط في السلم قبض رأس مال السلم في مجلس العقد ولا يشترط قبضه في الاستصناع.
وبيع الوفاء ويختص بالعقار دون المنقول وهو من باب بيع وشرط وهو بيع المحتاج إلى النقود على أنه متى وفَّى بالعين استعاد العقار، ولقد تردد هذا العقد بين البيع والرهن وهو ممنوع عند المالكية لأنه من بيع الشيء المنهي عنه، ورأت الشافعية أن يصح العقد والشرط إن كان فيه مصلحة لأحد العاقدين كالخيار والأجل والرهن والكفالة ويبطل البيع إن كان الشرط منافيًا مقتضى العقد مثل أن لا يبيع المبيع ولا يهبه، وهذا لما ذهب إليه المالكية وذهبت الحنابلة إلى أنه لا يبطل البيع بشرط واحد فيه منفعة لأحد المتعاقدين ويبطل بشرطين لقول النبي ﷺ : ((ولا يحل سلف ولا بيع ولا شرطان في بيع ولا بيع ما ليس عندك)) رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄.
وبناء على هذا أجمع العلماء على أنه لا يجوز اشتراط مع أحد المتعاقدين إذا عزم مشترط عليه فإن أسقط الشرط جاز البيع عند المالكية وامتنع عند الجمهور. وأجاز الحنفية بيع الوفاء قالوا: نلجأ إلى هذا النوع من البيع هروبًا من الربا واضطرارهم إلى الاستدانة وإحجام أصحاب الأموال عن الاقتراض الحسن فتعاملوا بذلك على نفع الدائن عن طريق لا ربا فيه، قال النسفي اتفق مشائخ زماننا (يعني فقهاء سمرقند في القرنين الخامس والسادس) ، على صحته بيعًا على ما كان عليه بعض السلف فجعلوه بيعًا جائرًا مفيدا بعض أحكامه وهو الانتفاع به، دون البعض، وهو البيع لحاجة الناس إليه وتعاملهم به فكل قاعدة قد تترك بالتعامل. وفي شرح الأشباه أن ما ثبت به عرف عام لا خاص فيكون هذا العرف مخصصًا لنهيه ﷺ عن بيع وشرط، قال ابن عابدين في الدر المختار: إنه بيع يفيد الانتفاع به وعليه الفتوى، وقال جامع الفصولين: بيع الوفاء رهن في الحقيقة لا يملكه ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه وهو ضامن لما أكل من تمره، وأتلف من شجره واختار الزيلعي أن بيع الوفاء هو عقد قائم بنفسه له أحكام خاصة به للعرف وحاجة الناس (١) .
стр. 7520
وقد قال ابن نجيم: إن بيع الوفاء صحيح لحاجة صحيح لحاجة الناس إليه فرارًا من الربا فأهل بلخ اعتادوا الدين والإجارة وهي لا تصح في الكرام وأهل بخارى اعتادوا الإجارة الطويلة ولا يمكن في الأشجار، فاضضروا إلى بيعها وفاء وما ضاف على الناس أمر إلا واتسع حكمه وخلاصة القول؛ الحنفية أباحوا بيع الوفاء استنادًا إلى العرف العام الذي يقع به تخصيص النصوص الظنية ويقيد المطلقات.
عقود الانتفاع:
ومنها الإجارة وهي في الأصل لا تصح لأنها تمليك منفعة معدومة في العقد على المعدم منهي عنه، ولكن الشارع أجازها استحسانًا مبنيًّا على العرف لحاجة الناس إليها وقد تعارفوا العمل بها وقد أجيزت بالكتاب بقوله تعالى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١) .
وبالسنة فقد قال رسول الله ﷺ ((من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره)) ، وقال ﷺ : ((أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه)) ، رواهما البخاري، وانعقد الإجماع على جوازها، وقد بعث رسول الله ﷺ ، والناس يؤاجرون ويستأجرون وعرفهم قائم على ذلك فأقرهم رسول الله ﷺ وقد اشترطوا فيها شروطًا وهي أن تكون المنفعة معلومة وكذلك الأجرة علمًا مزيلًا للجهالة الفاحشة قطعًا للمنازعة وأن تكون المنعة مما جرى العرف بمثلها فإذا كانت دابة مثلا لم يجز له أن يضر بها كأن يسير بها سيرًا حثيثًا عنيفًا، وإذا كانت دارًا لم يجز أن يباشر فيها أعمالًا توهن بناءها والمرجع في ذلك كله للعرف في الاستعمال لقاعدة المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.
ومنها المزراعة وهي عقد على الزرع ببعض الخارج بين المالك والمزارع وكذلك المساقاة وهما عقدان لم يجزها أبو حنيفة وأجاز الشافعية المساقاة والمزارعة تبعًا للمساقاة وأجازهما مالك بشروط منها: المساواة بين المالك والعامل في الربح وأجازهما الحنابلة والصاحبان لأبي حنيفة وعلى هذا ينفسخ العقد بموت صاحب الأرض أو العامل المزارع أو المساقي سواء قبل العمل والزراعة أو بعدها وسواء أكان الزرع أو الثمر قد آن حصاده وجنيه أم لا، ولكن إذا مات صاحب الأرض قبل نضج الزرع تترك الأرض بيد المزارع إلى الحصاد مراعاة لمصلحة الطرفين وإذا مات العامل فلورثته المضي في العمل إلى الحصاد، وقد عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر على نصف ما يخرج من تمر وزرع وأدنى درجات فعله ﵊ الجواز وهي شريعة متوارثة لتعامل السلف والخلف على ذلك من غير إنكار أما أبو حنيفة فيرى فسادها ويستدل بما رواه رافع بن خديج، قال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا نهانا إذا كان لأحدنا أرض أن نعطيها ببعض الخارج ثلثه أو نصفه، وقال ﵇: ((من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه)) والفتوى على قول صاحبيه لحاجة الناس ولكن السلف تعاملوا بهما فصارت شريعة متوارثة وقضية متعارفة وفي الهداية بعد أن رد على من يجيز المزارعة، قال: والفتوى على قولهما لحاجة الناس إليها ولظهور تعامل الأئمة بها والقياس يترك بالتعامل بها في الاستصناع (٢) .
стр. 7521
وقد بني الحكم الشرعي فيها على فعله ﷺ فيخير واعتمد على تعامل الناس فيها وتعارفهم على ذلك فكانت إجازتهما بمقتضى النص الملاحظ فيه العف، ونجد في كثير من الأحكام المتعلقة بهما بأركانهما وشرائط صحتهما أو أنواع الفاسد منهما مبنية على العرف والتعامل، فمن ذلك ما نص عليه من أن كل ما كان من عمل المساقاة مما يحتاج إليه الشجر من السقي وإصلاح النهر والحفظ والتلقيح للنخل فعلى العامل لأنها من توابع المعقود عليه فيتناولها العقد، وكل ما كان من النفقة على الشجر والكرم والأرض من السماد وتقليب الأرض ونصب العرائش ونحو ذلك، فعلى صاحبها لأن العقد لم يتناوله ومبني ما يتناوله العقد لما ذكر وأنه من توابع العقد، كل ذلك مرجعه إلى ما جرى به العرف.
ومما كان مرجعه إلى العرف خيار الرؤية وخيار العيب فإن كثيرًا من الخيارات المقررة في الإسلام تعتمد على ما تعارفه الناس لا سيما التجار منهم كخيار الرؤية وخيار الشرط، وخيار العيب وخيار النقد، وخيار التعيين وخيار الكمية، وخيار كشف الحال، وحقيقة خيار الرؤية يثبت لمن اشترى شيئا ولم يره أن يفسخ العقد إذا رآه أو أن يمضيه وخيار الشرط أن يشرط الخيار لأحد المتعاقدين أو كليهما بفسخ العقد أو إمضائه إلى مدة معلومة وخيار العيب، وهو الخيار للمشتري أن يفسخ العقد أو يمضيه إذا ظهر في المبيع عيب قديم وخيار النقد هو ما إذا اتفقا على أن يؤدي المشتري الثمن في وقت كذا وإن لم يؤده فلا عقد بينهما صحَّ البيع وجاز فسخ العقد إذا لم يؤد الثمن، وخيار التعيين وهو حق المشتري في أن يأخذ أيًّا شاء من القيميات التي بين البائع أثمانها كلا على حدة وللبائع أن يبيعه ما يشاء أيضا وخيار الكمية كما لو اشترى شيئا بما في جيبه. أو محفظته من النقود دون بيان مقدارها، فإن للبائع الخيار عندما يعرف مقدارها وخيار كشف الحال ما في البيع بمكيال أو بوزن حجر لا يعرف مقداره بالوحدات الميزانية المعروفة، فإن للمشتري الخيار متى علم مقدار سعة المكيال أو وزن الحجر ويظهر هذا واضحًا في مشروعية خيار الشرط فقد ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط)) وإنما جاز استحسانًا ودليل جوازه أن حبان بن منفذ بن عمرو الأنصاري كان يغبن في البيع فقال رسول الله ﷺ : ((إذا بعت فقل لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام)) ، والجواز إنما لاستحسان الضرورة ومبناه على العرف والحاجة، وقد اختلف في مدة خيار الشرط فأبو حنيفة تمسك بما ورد في النص لأن شرط الخيار يخالف مقتضى العقد الذي هو البت واللزوم، وإنما جاز مخالفته للقياس لما جاء في هذا الحديث فيقتصر على المدة المذكورة فيه وتنتفي الزيادة عليها، وقال الصاحبان بجواز الزيادة إذا سمى أحد المتعاقدين مدة معلومة، ولو لشهرين وأكثر لأن الخيار إنما شرع للتروي ليندفع الغبن، وقد تمس الحاجة إلى أكثر من ثلاثة أيام كالتأجيل في الثمن فإنه أيضًا جائز على خلاف القياس قصرت المدة أو طالت وبقبولها، قال أحمد بن حنبل واستدل بقوله ﷺ : ((المسلمون عند شروطهم)) ، وقال مالك: إذا كان المبيع لا يبقى أكثر من يوم كبعض الأطعمة لا يزيد الخيار عن يوم وإن كان المبيع ثمينًا بحيث يعرف المشتري إن كانت المصلحة في أخذه أو تركه إلا في أكثر من ثلاثة أيام جاز أن يشترط أكثر لأنه شرع للحاجة وليس من يشتري دارًا، كمن يشتري الخضروات، وقال الشافعي بما قال به أبو حنيفة وأرجح الآراء عندي هو مذهب مالك لأنه هو الذي يتماشى مع ما تعارفه الناس، وتحمل النصوص المحددة بثلاثة أيام في قضية حبان على أن حاجته كانت ثلاثة أيام وقد ورد عن ابن عمر ﵁ أنه أجاز خيار الشرط إلى شهرين.
стр. 7522
وكذلك خيال العيب تحديدًا يعد عيبًا، وما لا يعد عيبًا يعتمد على ما تعارفه الناس وأهل الاختصاص من التجار، وذلك أن مقتضى البيع يقتضي السلامة من العيوب وهو وصف مطلوب مقصود من المشتري ومرغوب عادة ومعلوم أن المطلوب عادة كالمشروط نصًّا وفي تفسير العيب الذي يوجب الخيار مما لا يوجبه اعتمد في ذلك على العرف بحيث إذا كان عرفًا يوجب نقصان الثمن في عادة التجار نقصًا فاحشًا يؤثر في الثمن فهو عيب وإن كان يسيرًا بحيث لا يؤثر في الثمن لا يعتبر عيبًا موجبًا، ولقد تقصى الفقهاء الأمثلة الكثيرة على ذلك معتمدين على العرف بين الناس وقد بسط القول فيها السرخسي في مبسوطه والكاساني في البدائع وكذلك كتب بقية المذاهب والقاعدة في ذلك كما قال صاحب الهداية: كل ما أوجب نقصان الثمن في عادة التجار فهو عيب لأن الضرر بنقصان المالية وذلك بانتقاص القيمة والمرجع في معرفته عرف أهله (١) ، ولقد أكد الإمام أحمد بن حنبل على اعتبار العرف في بيان العيب حتى ذهب إلى أن ما يعده العرف عيبًا يعد عنده عيبًا يستوجب الخيار وإن لم تنقص به قيمة المبيع (٢) ، ويستوي في ذلك العرف العام والخاص في تطبيق أحكام الخيارات في الشرط أو العيب أو غيرهما وفي خيار الرؤية يكتفي برؤية ما يفيد العلم بالمقصود عرفًا لتعذر رؤية الكل فإذا تشابهت الدور النموذجية أو عرف الدار يكتفي برؤية أحدها عرفًا أما إذا اختلفت فله أن يقف على كل بيت بخصوصه وكذلك يكتفي برؤية نموذج من معرفة أوصاف المبيع المستورد وكذلك في رؤية بعض ما لا تتفاوت أحاده كالكيلي والوزني والعدد المتقارب، ومن هذا أيضًا البيع على البرنامج والحاصل أن ما يفيد العلم بالمقصود مفوض إلى العرف.
ومما يرجع للعرف الوصية بالمنافع وهي تمليك المنفعة تمليكًا مضافًا إلى ما بعد الموت بطريق التبرع ويثبت للموصى له حق الانتفاع بالعين الموصى بمنفعتها بعد وفاة الموصي كأن يوصي بغلة بستان أو بحق سكنى، فهذه هي الوصية بالمنافع وأحكامها إنما تقام على العرف، فالعرف هو الذي يحدد الثمرة بالإطلاق على الموجود، وكذلك الغلة يحددها العرف بالإطلاق على ما يتجدد كل سنة ففي الثمرة لا تجدد وفي الوصية بالغلة يتجدد سنويًّا وفي الوصية بسكن الدار يحدد العرف جواز سكناها بنفسه أو معه عائلته وجواز إسكانها غيره بغير عوض لأن الإنسان له أن يملك مثل ما ملك لا أكثر، أما بعوض فلم يجز الشرع ذلك اعتمادًا على العرف وهو الفرق بين ملك المنفعة وملك الانتفاع، والعرف هو الذي يعين ما يجب على المنتفع من العناية بحفظ العين المنتفع بها وصيانتها من التلف والإنفاق عليها ودفع الرسوم عنها والضرائب وإن كانت شجرًا، فالعرف هو الذي يعين بما تتحقق العناية بها من سقاية وتقليم وكرب أرض، وهكذا بحسب ما جرى به العرف بين الناس وكان عليه التعامل.
стр. 7523
ومما يرجع إلى العرف في العقوبات التعزير وهو التأديب على الذنوب التي لم تشرع فيها الحدود لقد تركت الشريعة الإسلامية أكثر الجرائم فلم تقدر لها عقوبات محددة بل تركت أمرها إلى أولي الأمر نظرًا لاختلاف الجرائم شدة وخفة بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة والبيئات، وقد جاء في تعزير النساء ونشوزهن عن أزواجهن قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (١) .
فقد أمر الله بهجر الزوجة الناشز وضربها إذا لم ينفع معها الهجر ضربًا غير مؤذ وهذا الضرب والهجر مرجعه إلى العرف، وقد تكون التعازير نتيجة لاجتهادات الفقهاء والقضاة عند التضييق العملي، فقد ورد أن عليًّا جلا ونفى من البصرة إلى الكوفة أو منها إلى البصرة، وأن عمر نفى إلى البصرة وأن أبا حنيفة يرى قتل اللوطي، ويرى بعضهم حرقه بالنار ويرى بعضهم أن يلقى من أعلى مكان في المدينة (٢) ، وهذه الاجتهادات وتطبيقات القضاة تعتمد على ما تعارفه الناس وعلى أحوالهم وعاداتهم وبيئاتهم ومعلوم أن موجبات التعزيز أمران: (١) المعاصي بترك الواجبات كالامتناع من الصلاة أو الفطر في رمضان أو الامتناع من أداء الزكاة أو بممارسة الفعل المحرم كالزور والغش وإتيان المرأة في حيضها أو التعامل بالربا أو اللعب بالقمار أو إزعاج الناس وإقلاق راحتهم بإلقاء القاذورات في طريقهم وإحداث أصوات مزعجة وقت راحتهم ودرء المفسدة وجلب المصلحة كتأديب الصبيان للتعدي على حقوق الناس وإجلاء أهل القاتل عن موطن إقامتهم عند حدوث جريمة قتل كل هذه الواجبات توضح جليًّا وتبين أن التعزيز موكول إلى العرف وأحوال الناس واختلافهم بحسب الزمان والمكان والبيئات.
стр. 7524
ولقد انبتت عقوبات قررها الولاة والقضاة لذنوب مستحدثة وقد قال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وهذه كلها معتمدها العرف ومراعاة أحوال الجاني والمجني عليه ونوع الذنب المرتكب ومن هذا القبيل العزل من الوظيفة ومصادرة الأموال وهدم المواخير وإزالة آثار الجريمة وقتل الجاسوس وأخذ شطر مال مانع الزكاة عند بعضهم وسحب ترخيص جواز السياقة من سائقها لمخالفته لقوانين الطرقات وحجز رخصة الدكان من المحتكر وفرض الإقامة الجبرية والاعتقال في البيوت وأمثال هذه العقوبات ونحوها كلها اقتضتها تغير أحوال الناس واختلاف أعرافهم، ولهذا يجب أن تراعى في فرض العقوبات التعزيزية، وكلها مرجعها إلى ما يقتضيه العرف والعادة، وقد قال القرافي في فروقه: فرب تعزير في عصر يكون إكرامًا في عصر آخر ورب تعزير في بلد يكون إكرامًا في بلد آخر كقطع الطيلسان بمصر تعزير وفي الشام إكرام وكشف الرأس عند الأندلسي ليس هوانًا وبالعراق ومصر هوان (١) .
ومما يرجع فيه إلى العرف الدية وهي ما يعطى عوضًا عن النفس قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (٢) .
وفي الحديث: ((وإن في النفس مائة من الإبل)) ، وانعقد الإجماع على وجوبها لصون النفس وخفض دمها من الهدر وهي تكون من الإبل مائة ومن الذهب ألف دينار ومن الفضة اثنا عشر ألف درهم أو عشرة آلاف درهم عند أبي حنيفة، وقد اختلف الفقهاء في جنس الدية هل يجب أن تكون من الإبل وحدها ولا تصح من غيرها أو كما تكون من الإبل تكون من الذهب والفضة بدلًا عن الإبل وتقدر الدية بحسب ثمن الإبل في زمن دفع الدية أو أن الذهب والفضة كالإبل أصول في جنس الدية وجميعها بدل القصاص وتظهر ثمرة الخلاف عند تسليم الدية فعلى القول الأول يصح تسليم أي شيء من الأجناس الثلاثة وليس لولي الدم أن يمتنع من ذلك، ويرى الشافعي أن له ذلك إذا أصر على تسليم الدية من الإبل، ومالك ﵀ يرى أن الدية تؤدي من الإبل والذهب والفضة ويرى أن كل قوم يؤدون من غالب ما عندهم كما ورد في الموطأ ولا يقبل ممن عندهم الذهب إلا الذهب، وكل ذلك منشؤه عرف الناس وعاداتهم وأحوالهم في استعمال المال وعلى ما لأبي الوليد الباجي في المنتقى قال: وعندي أنه يجب أن ينظر إلى غالب استعمال الناس في البلاد فأي بلد غلب على أموال أهلها الذهب فهم أهل ذهب وأي بلد غلب على أموالهم الورق فهم أهل ورق وربما انتقلت الأموال فيجب أن تنتقل الأحكام، وقد أشار مالك إلى ذلك في قوله فمكة والمدينة اليوم أهل ذهب (٣) .
стр. 7525
وعلى ما نقلناه ندرك أن الدية إنما تكون مما تعارفه الناس وجرت به عاداتهم فالقرى تدفع الدية فيها بالإبل وفي غيرها بالذهب والفضة، ولا شك أن اليوم إنما تدفع بالعملة المستعملة في كل بلد وهو ما يقتضيه العرف والعادة والله أعلم.
ومما انبنى على العرف رد الشهادة للتهمة التي اقتضتها العادة ومن هذا الباب رد شهادة أحد الزوجين للآخر ورد شهادة الأجير لمستأجره، وقد اختلف الفقهاء في شهادة أحد الزوجين فقال أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، ومالك، والأوزاعي، والليث: لا تجوز شهادة واحد منهما للآخر، وقال الثوري: تجوز، وبه قال الشافعي ونظير شهادة أحد الزوجين شهادة الوالد للود والود للوالد، وذلك من وجوه أحدها تبسط كل واحد من الزوجين في مال صاحبه في العادة فما يثبته الزوج لزوجته بمثابة ما يثبته لنفسه كما لا فرق في مال الابن وكذلك شهادة الأجير غير جائزة استحسانًا وإن كان عدلًا.
هذا في الأجير الخاص، أما المشترك فتجوز، وقال مالك: لا تجوز شهادة الأجير لمن استأجره إلا أن يكون مبرزًا في العدالة وإن كان الأجير في عياله لم تجز شهادته له، وقال الثوري: شهادة الأجير جائزة إذا كان لا يجر إلى نفسه. وكذلك شهادة الخائن والخائنة وشهادة ذي العمر على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت وأجازها على غيرهم والقانع هو التابع، وقد قرروا في ذلك قاعدة، فقالوا: كل شهادة ردت للتهمة لم تقبل أبدًا مثل شهادة الفاسق إذا ردت لفسقه، ولا شك أن التهمة تظهرها وتبرزها العادة والعرف، ولذلك قال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] .
ومنها أيضًا الشهادة العرفية وهي شهادة عدد كثير من الناس لا تتوفر فيهم شروط العدالة المقررة بحيث يحصل العلم بها على وجه التواتر وتسمى شهادة اللفيف وهي على نوعين شهادة جماعة غير عدول على سبيل التواتر المفيد للعلم، وهذا خارج عن الشهادة العرفية، وقد وجد لدى الفقهاء المتقدمين، الثانية ما لا يحصل بخبرهم علم وهو الذي جرى به عمل المتأخرين وضلوا عليه لتعذر وجود العدول في كل وقت وفي كل نازلة فتضيع كثير من الحقوق واكتفوا برتبة هي دون الأولى للضرورة الداعية إلى ذلك حتى لا تهمل الحقوق، وجاء في العمليات العامة والعمل اليوم لأهل فاس على شهادة لفيف الناس.
стр. 7526
كذلك تابعوا على استفصال البينات القاضي الفشتالي، قال القاضي المكناسي في الشهادات من كتاب المجالس: إن العمل الآن جرى بالحكم بشهادة غير العدول وقال في أول الكتاب ما نصه: والعمل الآن بإعادة الشهود شهادتهم عند القاضي بمحضر عدلين يسمعان منهم سواء كان المشهود عليه حين الأداء حاضرًا أو غائبا وهو المعبر عنه بالاستفصال، وقد أحدث العمل به القاضي الفشتالي المتوفى في عشرة الثمانين بعد التسعمائة، وأما قبل ذلك فلم يجر به العمل، وما جرى به العمل في استفسار الشهود مراعاة لمصلحة تحقق الشهادة لما فشا من قبح حال وحيلة. فإن مر نصف عام من الأداء ترك هذا الاستفهام لأن مضي هذه المدة مظنة نسيان الشهادة (١) ومستند العمل في هذه المسألة على الضرورة، ومنها شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح والقتل وكشاهدة النساء في المآتم والأعراس إذا لم يوجد غيرهم، وقد قال ابن أبي زيد أما إذا لم نجد في جهة إلا غير العدول أقمنا أصلحهم وأقلهم فجورًا للشهادة عليهم ويلزم حلفه في القضاء لئلا تضيع المصالح، قال القرافي: ولا أظن أحدًا يخالف في هذا ولو أهدرت هذه الشهادة في الموضع الذي لا عدول فيه لما جاز للناس بيع ولا شراء ولا تم لهم عقد نكاح ولا غيرها من الأشياء التي تتوقف على الشهادة، وقد ذكر الشاطبي أن العدالة المعتبرة في كل زمان بأهله وإن اختلفوا في وجه الاتصاف بها، فإنما نقطع بأن عدالة الصحابة لا تساويها عدالة التابعين، وعدالة التابعين لا تساويها عدالة من يليهم وعدول كل زمان بحسبه، ولو لم نعتبر ذلك لم تكن إقامة ولاية تشترط فيها العدالة ولو فرض زمان انعدم منه العدول جملة ولم يكن بد من إقامة الأشبه فهو العدل في ذلك الزمان إذ ليس يجاز على قواعد الشرع تعطيل المراتب الدينية جملة لإفضاء ذلك إلى مفاسد عامة يتسع خرقها على الراقع ولا يلم شعثها، وهذا الأصل مستمد من قاعدة المصالح المرسلة (٢) وشهادة اللفيف كان لا يعمل بها إلا في الأموال وكان المشهود له يحلف مع اللفيف، وبمرور الزمان لم يعد المشهود له مطالبا بأداء هذا اليمين، ثم استقر رأي الفقهاء فيما بعد إلى إسناد الأمر للقاضي يقبل هذه الشهادة بحسب ما يراه من الأحوال والظروف ولم يعد مقتصرًا على الأموال فحسب، بل أعملت شهادة اللفيف في النكاح والطلاق والرضاع والتسفيه والترشيد وغير ذلك، قال السجلماسي: وقد كان العمل باللفيف يختلف باختلاف الأماكن، ومما كان مرجعه للعرف الحكم لولي القتيل دون شاهد مع اليمين وذلك لاستغنائها بقرائن الأحوال، فإذا أثبت القتل بالبينة أو بالإقرار كان قرينة تشهد بصدق دعواه إن كان يملك مثل ما ادعاه عليهم من دراهم وغيرها من الأمتعة وهذا ما استحسنه مطرف وابن كنانة وأشهب وبه قال ابن حبيب وعليه العمل. وفي التبصرة: ويقبل قول المدعي لرجحانه بالعوائد وقرائن الأحوال أو لاتصافه بالأمانة أو غير ذلك من وجوه الترجيح والقرينة هنا كون المدعى عليهم من أهل العداء والظلم وقتلهم صاحب المال، وقد قال الفقهاء إن من عرف بالظلم والتعدي يتقلب الحكم ضده وهو مذهب يحيى بن يحيى ومستندهم في ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣)
стр. 7527
ومما جرى على العرف والعادة مسألة الخلطة بالأصل أن البينة على المدعي واليمين على ما أنكر إذا ثبت بين المدعي والمدعى عليه خطلة، وقد خالف فقهاء الأندلس والمغاربة مذهب مالك والمشهور من المذهب أن المدعى عليه إذا أنكر لا يمين عليه حتى تثبت الخلطة بين وبيه المدعي صرح بذلك ابن أبي زيد القيرواني، فقال: ولا يمين حتى تثبت الخلطة أو الظنة (١) ، ولكن العمل جرى بقول ابن نافع القائل لا أدري ما الخلطة ولا أراها ولا أقول بها، وأرى الأيمان واجبة للمسلمين عامة بعضهم على بعض لحديث البينة على المدعي واليمين على من أنكر، قال ابن رشد: مذهب مالك وكافة أصحابه الحكم بالخلطة وبقول ابن نافع قال الأندلسيون واستمر عليه العمل بأفريقية، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما.
وذكر ابن عبد البر أن الأندلسيين لم يفصلوا بين الناس في توجيه اليمين، فقال: المعمول عندنا أن من عرف بمعاملة الناس مثل التجار فاليمين عليه لمن ادعى معاملته، ومن كان بخلافه مثل المرأة المستورة المحتجبة والرجل المستور المنقبض عن مداخلة المدعي وملابسته فلا يجب عليه اليمين إلا بالخلطة (٢) وقد صوب التسولي رأي ابن عبد البر، فقال: إن هذا هو الصواب في هذا الزمان القليل الخير، ولقد شاهدنا غالب سفلة الناس يدعي بدعاوي على العموم بالخير والعدل مع بعده عنه وعدم مخالطة أمثاله وملابستهم وليس غرضه إلا الازدراء به وحط مرتبته حتى صار الدهلة يلقنون السفلة ذلك وربما ادعوا عليه بالتهمة بما فيه معرة كالسرقة والغصب ونحوهما لسماعهم أن يمين التهمة تتوجه مطلقًا على المشهور المعمول به فينبغي لمن راقب الله أن لا يمكنهم من تحليفه بما يدعى عليه من المعاملة في الغرض المذكور (٣) .
стр. 7528
وقد ذكر الوالد ﵀ في البحث الرابع من الباب الثاني في مستند الحكم التي هي يمين أو إقرار وإبراء أو إسقاط أو التزام أو شهادة، فذكر في هذا البحث أقسام الأيمان الأربعة: يمين التهمة، ويمين القضاء ويمين الإنكار، ويمين متممة للنصاب، فذكر أن يمين التهمة تكون في الدعوى التي لا تتحقق على المدعى عليه، وتتوجه على المتهم وغيره على ما جرى به العمل بتونس على ما قاله ابن ناجي ونقله عظوم في البرنامج ونظمه صاحب العمل المطلق، فقال وبتوجه يمين التهمة، جرى القضاء من أهل أفريقية، أي مطلقًا وأنها لا تنقلب بقلب أو نكول من بها طلب، ثم نقل عن شارح العمليات قوله: وانظر هل ما ذكر من عمل أفريقية كان عامًّا عندهم حتى في التهمة التي في دعواها معرة أو خاصا بغيرها، ثم التهمة التي تلحق في دعواها معرة كالاتهام بالسرقة والغصب لا تلحق من لا تليق به ممن شهد فيه بالخير وإن التهمة في غير ذلك تلحق اليمين فيها جميع الناس برهم وفاجرهم على القول بإيجاب يمين التهمة، وهو المشهور في المذهب وبه القضاء وعليه العمل، ثم نقل عن عظوم في برنامجه في مبحث الصداق وتوجهها مشروط بشرطين: الأول ما قاله ابن ناجي أن التهمة إنما تتقرر بلفظ يقتضيها كقوله: أشك فيك أو أتهمك لقوله فيها: أخاف، الثاني ما قاله الشيخ أبو عبد الله المقري الجماعة بفاس صاحب القواعد في المسألة الثانية من القاعدة السابعة من قواعد الدعاوي والشهادات أن العدواة بين المتداعيين تمنع توجه يمين أحدهما في دعوى الآخر عليه، لنه يقصد إضراره بتوجيه اليمين عليه ونصه: إذا دفع الدعوى بعداوة المشهور أنه لا يحلف لأن الدعوة مقتضاها الإضرار بالتحليف، وقيل يحلف بطاهر الخبز ونحوه في تاسعة أعلام الرفاق للشيخ الجد ﵀، ثم ذكر الشيخ الوالد أن المتهم لا يحلف بما ضاع أو سرق حتى يحلف المدعي يمين الضياع أو السرقة، لقد ضاع الشيء الفلاني المدعى ضياعه وحينئذٍ يحلف المدعى عليه، هذا إذا أنكر المتهم أن يكون قد ضاع له شيء وإنما يريد أن يحرجه باليمين وبهذا كان يحكم أبو بكر بن زرب ويقول: إنها من دقيق المسائل، وقد نقله ابن فرحون في التبصرة في الباب الثامن والعشرين، وإذا نكل المتهم عن اليمين غرم بمجرد نكوله ولا يطلب المدعي بالحلف على ما ادعى هذا قول ابن الحكم وابن حبيب وهو الذي جرى به العمل، ونقل أبو عمر بن المكوى عن مالك: أن يمين التهمة لا ترد، فإن أبى المتهم ونكل عنها حبس أبدًا حتى يحلف، ذكره الونشريسي في أول نوازل الدعاوى من المعيار ولكون النكول عن يمين التعمة موجبا للغرم لم تتوجه يمين التهمة على الصغير ولا السفيه، أما الأول: فلرفع القلم عنه، وأما الثاني: فإنه لو أقر لم يلزمه ما أقر به لأنه محجور عليه في المال انظر حاشية مهدي على الزقاقية قبيل قولها كمن غاب والأقوال أربعة (١) والعلاقة بين ما جرى به العمل وبين العرف علاقة وثيقة بحيث لا يكاد يظهر فرق ملموس بينهما، إذ العمل ما هو إلا عرف في شكله المتطور وإن الفقهاء كثيرًا ما يذكرون العرف مصاحبًا للعمل ومرادفًا له.
стр. 7529
العرف الدولي:
لم يقتصر العرف في الاعتماد عليه وفي كونه مرجعًا يرجع إليه في الأحكام بين الأفراد والأشخاص، بل لعب دورًا كثيرًا من المجتمعات والدول، فقد كان العرف الدولي مصدرا أساسيًا من مصادر القانون الذي أثار إشكالات عديدة وقضايا كثيرة لم يكن لها أصل مدون في القانون ولا إجراءات مسطورة متبعة، وإنما كان المرجع في هذه القضايا السلوك المتبع والمنهج المطرد في مدة مديدة من الزمن أضفت على هذا السلوك اعتقادًا راسخًا جازمًا وفكرة قاطعة جعلت هذا السلوك قاعدة قانونية لعب هذا العرف في ظهور القانون الدولي دورًا كبيرا حتى أن المؤسسات الدولية المعروفة اليوم كانت في أول عهدها وبداية إنشائها مبادئ عرفية جرى عليها سلوك المعاملة بين الدول كقانون المعاهدات وقانون التجار والعلاقات الدبلوماسية، ثم لما تكاثر عدد الدول بعد المنخرطة أثر الحرب العالمية الثانية وتنوع انتماؤها الحضاري، واختلف منهجها السياسي أصبحت هذه الأعراف الدولية محل جدل وأخذ ورد ونقد خصوصًا من طرف الدول الاشتراكية ودول العالم الثالث، فظهرت المعاهدات وأمضيت الاتفاقات وتقلص دور الأعراف بهذه المعاهدات الممضاة والمحاورات والاتفاقات المدونات، لكن رغم كل هذا فما زال العرف يشكل أصلًا أساسيًّا من أصول القانون الدولي المعاصر، ولقد نصت المادة الثانية والثلاثين من اللائحة الأساسية لمحكمة العدل الدولي على العرف كأساس من الأسس الأصلية والاعتماد عليه يشهد لذلك عدم التفاضل بين العرف والمعاهدة من حيث اندراج القواعد القانونية إذ هما يشكلان مصدرين متساويين لا تفاضل بينهما بحيث يمكن لكل منهما أن ينسخ صاحبه، فيمكن للعرف أن ينسخ أصلًا مدونا ومعاهدة ممضاة بين دولتين، كما يمكن للمعاهدة أن تنسخ عرفا جرى بين الأمم.
وللعرف الدولي نزعتان مختلفتان جعل سلطة العرف إلزامية حسب إرادة الدول فهو إذن ملزم لأن الدول قررت ذلك بموجب اتفاق ضمني بينهما حول إلزاميته، لكن متى شاءت إحدى الدول أن تتحرر من هذا الالتزام كان لها ذلك حسبما تقتضيه نظرية الإرادة.
النزعة الثانية نزعة موضوعية ترجع إلزامية العرف إلى ذات القاعدة، فالعرف إذن قاعدة موضوعية لا تتوقف على إرادة الدول إذ هو ناشئ عن ضرورة الحياة المدنية منبعث من الحياة الاجتماعية وهي ضرورة منطقية.
стр. 7530
وتتكون هذه القاعدة العرفية من عنصرين عنصر مادي وآخر معنوي فالعنصر المادي هو سلوك طريق واتباع منهج على نمط معين وتكرر ذلك بطريقة يجعل أهل الاختصاص في القانون الدولي يعتدون بهذا السلوك ويعتمدون على هذه الطريقة المتبعة المتكررة الملتزمة المتواصلة فيجعلونها قاعدة ملزمة، ولا ينحصر ذلك السلوك في عدد معين من التكرار أو في مدة مديدة من الزمن، فقد استقر فقه القضاء الدولي وخصوصا قضاء محكمة العدل الدولي على عدم اشتراط مرور مدة معينة أثر بروز هذا السلوك أو تلك الطريقة ليصبح عرفًا ملزمًا، بل إن المحكمة أقرت أن مرور مدة ولو قصيرة على مرور سلوك ما لا يشكل حاجزًا في اعتباره عرفا ملزما، نعم شرط اعتباره أن تتبعه الدول في هذه المدة ولا يحيد عنه خصوصًا الدول المعنية أكثر من غيرها، فلو اتبعت الدول السياحية في ميدان قانون البحار منهجا من المناهج ولازمته، ولم تتخلف عنه وتابعته بصفة منتظمة وطريقة متبعة متواترة أصبح عرفًا ملزمًا إذ نتج عن هذه المتابعة المنظمة قاعدة عرفية تعتمد عليها المحكمة وتبني على مقتضاها أحكامها، ولو لم يبلغ ذلك العمل المنظم إلى إجماع الدول عليه، هذا هو العنصر المادي أما العنصر المعنوي فهو الذي يرتقي بهذا المنهج والطريق المنتظم المتكرر إلى درجة العرف الملزم، وهذا الشعور الراسخ والاعتقاد الجازم، بأن هذا المسلك السائر والمنهج المتبع صار قاعدة شرعية ملزمة ينبني على مخالفة دولة من الدول له جزاء قانوني وبهذا الشعور يظهر الفرق بين ما كان عادة دولية وما كان عرفا دوليًّا فالعادة تشكل مجرد سلوك اجتماعي والعرف الدولي يشكل قاعدة شرعية إلزامية بين الدول، فمراسم استقبال رؤساء الدول أثناء الزيارات الرسمية كعزف النشيد الوطني للدولتين وتحية الشخصيات من طرف الجيش الوطني واستقباله للشخصيات الرسمية له وحضورهم بالمطار لاستقباله والسلام عليه، هذا مما جرت به العادة بين الدول، ولكن لا يترتب على مخالفته عقاب ولا عتاب ولو تقدمت إحدى الدول بقضية في ذلك لما قبل دعواها في حين أن مبدأ حرية الملاحة في المنطقة الدولية الذي صار عرفًا دوليًّا ينشأ عن مخالفته وعدم احترامه جزاء على ذلك ومطالبة بجبر الضرر والقانون الدولي وإن أخذ طريق التطور وقننت قواعده وأصوله، فما زال العرف يحتل الدور الرئيسي ويشكل المصدر القانوني الدولي الحديث، وقد شهد هذا العرف في بعض المجالات تطورًا مشهودًا، مثل قانون الفضاء وغيره.
***