← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

٥- وجعل الحقُّ – ﵎ – كفارة من حنث بيمينه إِطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم الحانث أهله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ (١) . وألزم من قتل صيدًا وهو محرم بالتكفير عن فعله، وأحد الكفَّارات المخيَّر بينها إِطعام مساكين: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٢) . والذي يظاهر من أهله ولا يجد رقبة يعتقها، ولا يستطيع صيام شهرين متتابعين، فيجب عليه ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (٣) . ومقدار الإِطعام الذي يكفي الفقير، ومقدار الوسط من طعام كلَّ شخص يُرْجع فيه كلَّه إلى عرف الناس في مختلف البلاد والأزمنة فقوم طعامهم الأرز، وآخرون التمر، وقوم السمك، وقوم ينوعون الطعام، وكلُّ يخرج من أوسط ما جرت عادته بأكله يقول ابن تيمية: "وكل يطعمون من أوسط ما يأكلون، كفاية غيره" (٤) . ٦- اتفق أهل العلم على أن السارق لا تقطع يده إلا إذا سرق المال من حِرْزِ مثله، وأرجعوا معرفة الحرز الذي تحفظ فيه الأموال إلى عادات الناس وأعرافهم، يقول ابن قدامة: "والحرز ما عُدَّ حرزًا في العرف، فإنه لما ثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه علم أنَّه رَدَّ ذلك إلى أهل العرف لأنَّه لا طريق إلى معرفته من جهته، فيرجع إليه". والحِرْزُ عند الناس يختلف باختلاف الأموال كما هو مشاهد معروف، فحِرْز البهائم الحظائر، وحِرْز الأقمشة البيوت والمتاجر، وحِرْز الذهب والفضة الخزائن المحفوظة في جوف الدار أو بيوت الأموال. يقول العزّ بن عبد السلام: "حمل الودائع والأمانات على حِرْز المثل، فلا تحفظ الجواهر والذهب والفضة بإِحراز الثياب والأحطاب تنزيلًا للعرف منزلة تصريحه بحفظها في حرز مثلها" (٥) .

стр. 7597

ومن الأعراف الصحيحة التي أقرتها الشريعة الإِسلامية مراعاة ما عليه أهل كلَّ بلد في ألفاظهم وموازينهم ومكاييلهم، ومن أمثلة ذلك: ١- إذا حلف شخص فقال: "لا ركبت دابَّة، وكان في بلد عرفُهم في لفظ الدابَّة الحمار خاصة اختصت يمينه به، ولا يحنث بركوب الفرس ولا الجمل. وإن كان في عرفهم لفظ الدابَّة الفرس خاصة حملت يمينه عليها دون الحمار، وكذلك إن كان الحالف ممن عادته ركوب نوع خاص من الدواب كالأمراء ومن جرى مجراهم حملت يمينه على ما اعتاده من ركوب الدواب، فيُفْتَى في كلَّ بلد بحسب عرف أهله، ويُفْتَى كلُّ أحد بحسب عادته (١) . ٢- إذا حلف شخص لا اشتريت كذا، ولا بعته، ولا حرثت هذه الأرض ولا زرعتها، ونحو ذلك، وعادته ألا يباشر ذلك بنفسه كالملوك حنث قطعًا بالإِذن والتوكيل فيه، فإنَّه نفس ما حلف عليه (٢) . ٣- إذا حلف حالف: لا أكلت رأسًا في بلد عادتهم أكل رؤوس الضأن خاصة لم يحنث بأكل رؤوس الطير والسمك ونحوها، وإن كان عادتهم أكل رؤوس السمك حنث بأكل رؤوسها (٣) . ٤- إذا حلف شخص بألا يأكل ميتة فأكل سمكًا فإنَّه لا يحنث كما صححه الرافعيُّ وعلله بالعرف. ولو حلف لا يأكل دمًا لا يحنث بأكل الكبد والطحال (٤) . ٥- وإذا حلف إِنسان أن لا يضع قدمه في دار فلان، فدخل الدار راكبًا أو محمولًا على الأكتاف حنث، لأنَّ المعنى العرفيَّ لوضع القدم في الدار يعني الدخول فيها على أي صورة كان، وليس المراد منه مجرد وضع القدم. ٦- إذا وكَّل رجلٌ آخر في البيع، ولم يقيده بشيء فإنَّ الموكَّل يتقيد بثمن المثل وغالب نقد البلد تنزيلًا للغلبة منزلة صريح اللفظ، كأنه قال للوكيل: بع هذا بثمن مثله من نقد هذا البلد. فإذا باع الوكيل الدار التي تساوي عشرات الألوف من الدنانير ببضعة دنانير فعند أهل العرف أن هذا لا يقبل، لأنَّ قول الموكَّل لوكيله: بع داري يجب حمله على ثمن مثلها (٥) .

стр. 7598

٧- إِذا وكَّل الرجل الشريف الفاضل الغنيُّ شخصًا بتزويج ابنته، فزوَّجها من فاسق مشوَّه الخَلْق على نصف درهم، فإنَّ أهل العرف يقطعون بعدم الجواز، لأنَّ الإِذن المطلق في مثل هذا يحمل على الكفء ومهر المثل. ٨- إذا وكَّل غيره في إجارة داره سنة، وأَجرة مثلها ألف، فأجَّرها بنصف دينار لا يصحّ، لأنَّ العرف يلزم بتأجيرها بأجرة المثل. ٩- إذا طلب شخص من صانع أن يصنع له شيئًا، فإنَّه يجب أن يصنع هذا الشيء على النحو المتعارف عليه، فإن صنع الخياط الثوب على طريقة مخالفة لثياب أهل البلد أو خاط الثوب بخيوط رديئة لم تجرِِ العادة أن يخاط بها فلا يقبل منه. ١٠- استحقاق الصنّاع الأجرة التي جرت العادة بها إذا لم يتفق معهم من عملوا له على أجرة معينة كالحلاَّق والنجَّار والحمَّال والقصَّار. ١١- جواز دخول الحمامات والفنادق التي جرت العادة بدخولها من غير إذن، إقامةً للعرف المَّطرد مقام الإِذن الصريح ولا يجوز لداخل الحمام أن يقيم فيه أكثر مما جرت به العادة، وكذلك لا يجوز له أن يستعمل من الماء أكثر مما جرت العادة باستعماله. ١٢- إذا باع دارًا فيدخل في المبيع الأبنية والأشجار التابعة لها بناء على أن هذا عرف الناس في بيوعهم. ١٣- إذا باع سيارة فإنَّه يدخل في البيع الإِطار الاحتياطي، وعدة إصلاحها والرافعة التي ترفع بها عند تبديل الإِطار لجريان العرف بذلك.

стр. 7599

الفصل الثالث تغير الأحكام والفتاوى بتغير العرف والعوائد المبحث الأول وجوب تَغَيُّر الأحكام والفتاوى بتغيُّر العرف والعوائد بنى كثر من أهل العلم الأحكام التي أصدروها في عصرهم على العوائد والأعراف التي كانت سائدة في تلك العصور، فإذا تغيَّرت تلك العوائد، وصارت العوائد تدلُّ على ضدَّ ما كانت عليه أولًا، فهل تبطل هذه الفتاوى المسطورة في كتب الفقهاء؟ ويفتى بما تقتضيه العوائد المتجدَّدة؟ أو يقال: نحن مقلَّدون، وما لنا إحداث شرع لعدم أهليتنا للاجتهاد فنفتي بما في الكتب المنقولة عن المجتهدين؟ أورد هذا السؤال القرافي في كتاب "الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام" (١) . ثمَّ أجاب عنه قائلًا: "إنَّ إِجراء الأحكام التي مُدْرَكُها العوائد، مع تغيّر تلك العوائد خلاف الإِجماع، وجهالة في الدَّين، بل كلُّ ما هو في الشريعة يتبع العوائد: يتغيّر فيه عند تغيّر العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة" (٢) . وذكر القرافي في ردَّه: "أنَّ الفقهاء أجمعوا على أن المعاملات إذا أُطْلِق فيها الثمن يحمل على غالب النقود، فإذا كانت العادة نقدًا معيَّنًا حملنا الإِطلاق عليه، فإذا انتقلت العادة إلى غيره عَيَّنا ما انتقلت العادة إليه، وألغينا الأول لانتقال العادة عنه. وكذلك الإِطلاق في الوصايا والأيمان وجميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد، إذا تغيَّرت العادة تغيَّرت الأحكام في تلك الأبواب، وكذلك الدعاوى إذا كان القول قول من ادَّعى شيئًا لأنَّه عادة، ثم تغيَّرت العادة لم يبقَ القول قول مُدَّعيه، بل انعكس الحال فيه (٣) .

стр. 7600

ويرى القرافي أنَّه لا يشترط تغيّر العادة في البدل الواحد، بل إذا انتقل العالم من بلد إلى أخرى وجب عليه مراعاة البلد الذي انتقل إليه، وفي هذا يقول: "ولا يشترط تغير العادة، بل لو خرجنا نحن من ذلك البلد إلى بلد آخر عوائدهم على خلاف عادة البلد الذي كنَّا فيه أفتيناهم بعادة بلدهم، ولو تعتبر عادة البلد الذي كنا فيه، وكذلك إذا قدم علينا أحد من بلد عادته مضادَّة للبلد الذي نحن فيه لم نفته إلاَّ بعادة بلده دون عادة بلدنا " (١) . ومَثَّل لهذه الأحكام المتغيَّرة بما رُوِىِ عن الإِمام مالك – رحمه الله تعالى – أنَّه إذا تنازع الزوجان في قبض الصداق بعد الدخول أن القول قول الزوج مع أن الأصل عدم القبض. قال القاضي إِسماعيل: "هذه كانت عادتهم بالمدينة أن الرجل لا يدخل بامرأته حتى تقبض جميع صداقها، واليوم عادتهم على خلاف ذلك، فالقول قول المرأة مع يمينها لأجل اختلاف العوائد" (٢) . ومن الذين تعرَّضوا لهذه المسألة ابن القيم – رحمه الله تعالى – فإنَّه عقد في كتابه "إعلام الموقَّعين" فصلًا كبيرًا لتغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيَّات والعوائد. وقرَّر في هذا الفصل أن الجمود على الأحكام التي أصدرها أهل العلم في الماضي وفقًا للعرف والعادة السائدة في أيامهم أوقع الناس في الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه، كما نسب إلى الشريعة الإِسلامية المباركة السمحة الظلم والقسوة، وكلُّ هذا بسبب الجمود على الأحكام مع تغيَّر العوائد والأعراف التي بنيت عليها تلك الأحكام، وفي هذا يقول: "هذا فصل عظيم النفع جدًا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به" (٣) . ثم استطرد لبيان خصائص الشريعة الإِسلامية، وكيف أن الجمود الذي أشار إليه أفقد هذه الشريعة خصائصها، استمع إليه يقول: "إنَّ الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلُّها، ورحمة كلُّها، ومصالح كلُّها، وحكمة كلُّها. فكلُّ مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإِن أدْخِلت فيها بالتأويل.

стр. 7601

فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظلُّه في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسول ﷺ أتمُّ دلالة وأصدقها. وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي اهتدى المهتدون به، وشفاؤه التام الذي به دواء كلَّ عليل، وطريقة المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرّة العيون، وحياة القلوب، ولذَّة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة وكلُّ خير في الوجود فإنَّما هو مستفاد منها وحاصل بها، وكلُّ نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا، وطوي العالم وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله خراب الدنيا وطيَّ العالم رَفَع الله ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم وقطب الفلاح والسعادة في الدَّنيا والآخرة (١) . وإنِّما أطال الشيخ ﵀ في بيان خصائص الشريعة ليبيَّن عظم جناية الذين جمدوا على الأحكام التي أصدرها الفقهاء السابقون مع تغيّر العوائد والأعراف التي بنيت عليها تلك الأحكام، وقد أطال الشيخ في شرح ذلك كله وضرب له الأمثلة. وطالب الشيخ ابن القيم الجوزية – رحمه الله تعالى – المفتي والعالم بمراعاة العرف دائمًا اعتبارًا وإسقاطًا، وحذَّر من الجمود على المنقول في الكتب، ودعا إلى التعرف على عرف السائلين، وعوائد الذين يُفْتَى لهم في الدين، وفي هذا يقول: مهما تجدَّد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغه، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه، وأفته به دون عرف بلدك والمذكور في كتبك (٢) . وعقَّب على هذا قائلًا: "فهذا هو الحقُّ الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضيين" (٣) . وهاجم الشيخ بقوة أولئك الذين يفتون الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم، وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم (٤) . ومن فعل ذلك فقد ضلَّ وأضلَّ وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبَّبَ الناس كلَّهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتب الطبّ على أبدانهم.

стр. 7602

بل هذا الطبيب الجاهل، وهذا المفتي الجاهل، أضرُّ ما على أديان الناس وأبدانهم (١) . وألَّّف ابن عابدين – رحمه الله تعالى – رسالة في العرف صرح فيها مرارًا بوجوب مراعاة عرف الناس وعوائدهم من قبل المفتين والفقهاء والحكام، ولام الذين جمدوا على الأحكام التي أصدرها سلفهم إذا كانت مبنية على عوائد زالت وعرف تغير. وأنا أنقل في هذا المبحث بعض نصوص كلامه: قال رحمه الله تعالى: "قال في القنية": ليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما على ظاهر المذهب ويتركا العرف، ونقل المسألة عنه في "خزانة الروايات" كما ذكره البيرمي في "شرح الأشباه" (٢) . وقال: "ليس للمفتي الجمود على المنقول في كتب ظاهر الرواية من غير مراعاة الزمان وأهله، وألاّ يُضيَّع حقوقًا كثيرة، ويكون ضرره أعظم من نفعه" (٣) . وقال: "النقول ونحوها دالّة على اعتبار العرف الخاص، وإن خالف المنصوص عليه في كتب المذهب ما لم يخالف النصَّ الشرعيَّ" (٤) . وقال: "العرف يَثْبُتُ على أهله عامًّا أو خاصًَّا، فالعرف العامُّ في سائر البلاد يَثْبُتُ حكمه على أهل سائر البلاد، والخاصُّ في بلدة واحدة يَثْبُتُ حكمه على تلك البلدة فقط" (٥) . وقال أيضًا: "المفتي لا بدَّ له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس" (٦) . وقال: "من لم يكن عالمًا بأهل زمانه فهو جاهل" (٧) . وقال: "اعلم أن المتأخرين الذين خالفوا المنصوص في كتب المذهب في المسائل السابقة لم يخالفون إلاَّ لتغيّر الزمان والعرف، وعلمهم أن صاحب المذهب لو كان في زمنهم لقال بما قالوه" (٨) . ونقل عن بعض علماء الحنفية قوله: من لم يكن عالمًا بأهل زمانه فهو جاهل" (٩) .

стр. 7603

وقال: "كثير من المسائل الفقهية الثابتة بضرب اجتهاد ورأي يبنيه المجتهد على ما كان في عرف زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولًا، ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: إنه لا بدّ فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان، لتغيّر عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولًا للزم منه المشقَّة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتمَّ نظام وأحسن إِحكام، ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نصَّ عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنّه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذًا من قواعد مذهبه " (١) . ويذكر ابن عابدين أن الإِمام صاحب أبي حنيفة كان يذهب إلى الصباغين ويسأل عن معاملتهم وما يديرونه فيما بينهم (٢) . وأحبُّ أن أختم هذه النقول القيَّمة من كلام ابن عابدين بهذا النقل الذي يبين أهمية معرفة الحكام والمفتين بأعراف الناس وعاداتهم، يقول ﵀ في ذلك: "قال بعض العلماء المحقَّقين: لا بدَّ للحاكم من فقه في أحكام الحوادث الكلَّية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يميز به بين الصادق والكاذب والمحقَّ والمبطل، ثمَّ يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالف الواقع. والمفتي الذي يفتي بالعرف لا بدَّ له من معرفة الزمان وأحوال أهله ومعرفة أن هذا العرف خاصٌّ أو عامٌّ، وأنه مخالف للنصَّ أولًا، ولا بدَّ له من التخرُّج على أستاذ ماهر، ولا يكفيه مجرد حفظ المسائل والدلائل، فإنَّ المجتهد لا بدَّ له من معرفة عادات الناس، فكذا المفتي، ولذا قال في آخر "منية المفتي": لو أن رجلًا حفظ جميع كتب أصحابنا لا بدَّ أن يتتلمذ للفتوى حتى يهتدي إليها، لأنَّ كثيرًا من المسائل يجاب عنها على عادات أهل الزمان فيما لا يخالف الشريعة" (٣) . المبحث الثانى أسباب تغيّر العرف العادات التي تختلف أحكامها هي العوائد المتغيَّرة المتبدَّلة التي لم يرد دليل شرعي بإثباتها أو نفيها، لأنَّ الشارع ليس له غرض في إِجرائها على سَنَن معيَّن، فكيفما وقعت فإنَّ غرض الشارع يتحقق بهذا الوقوع. وتغيّر العرف والعوائد يعود إلى أمور كثيرة منها:

стр. 7604

١- اختلاف الناس في منازعهم ومشاربهم وأمزجتهم، وهذا الاختلاف سَيُحْدِثُ حتمًا اختلاف الناس في الأحكام والتصرفات، ولذا فقد يُقبَّحُ بعضُ الناس فعلًا يراه الآخرون حسنًا وجميلًا، وقد يحسَّنون فعلًا يراه غيرهم قبيحًا، فمن ذلك غطاء الرأس يراه كثير من المسلمين من لوازم المروءة، وتركه يخلُّ بها، بينما يرى آخرون كشف الرأس حسنًا لا بأس فيه (١) ، وجرت العادة في بعض ديار المسلمين أن يَدْخُل الزوج على زوجه في بيت والدها، وفي ديار أخرى يرون هذا قبيحًا. ٢- اختلاف طبيعة الأرض والمناخ، فالبلاد تختلف وعورة وسهولة وبرودة وحرارة، ولهذا الاختلاف أثر كبير في اختلاف عادات الناس في لباسهم وتصرفاتهم ومعاملاتهم. ٣- اختلافٌ خارج عن إِرادة المكلَّفين كاختلاف الناس في سِنَّ البلوغ واختلاف النساء في: سِنَّ الحيض، ومقدار الحيض والنفاس، ومقدار الطهر بين الحيضتين، واختلافهنَّ في السنَّ الذي يكون فيه اليأس من المحيض. ٤- تأثير الحكّام والمفكَّرين والعلماء في أممهم، فكثير من الأعراف والعوائد تتغيَّر بسبب ما يصدرونه من قوانين وتوجيهات، واعتبر بهذا بحال المسلمين في واقعهم المعاصر، فإنَّ كثيرًا من العادات في اللباس والتصرفات تغيَّرت تغيرًا كلَّيًّا بسبب ما صدر من قوانين، وبسب الآراء والنظريات التي ناقشت ما كان عليه الناس في عرفهم وعوائدهم. ٥- اختلاط الناس بعضهم ببعض، وتسلط بعضهم على بعض، فالناس يتأثر بعضهم ببعض، ويأخذ بعضهم عادات بعض، وخاصة في حال غلبة قوم على قوم، وقبيل على قبيل، فإنَّ المغلوب يتشرب عادات الوافد الغالب، ويترك عادته، ومن نظر في حال المسلمين اليوم علم إلى أي مدى أثَّر فينا الكفار الذين احتلوا ديارنا وتقلَّدوا أمورنا. ٦- اختلاف الناس في التعبير عن مقاصدهم، ومن هنا اختلفت اللغات، فالشيء الواحد له في كلَّ أمَّة اسم يخصُّه غير الاسم الذي تطلقه عليه بقية الأمم، وقد تتفق الألفاظ عند الأمم، ولكنْ تختلف في المعاني المرادة بتلك الألفاظ، وفي الأمة الواحدة ذات اللغة الواحدة تختلف المعاني المرادة من ألفاظ بعينها، فطائفة تطلقه على معنى، وأخرى تطلقه على معنى مغاير، ويكثر هذا عند أرباب الصنائع، والشارع يُمْضي ألفاظ الناس على المعاني التي يقصدونها في أيمانهم وبيعهم وشرائهم وزواجهم وطلاقهم وعقودهم.

стр. 7605

المبحث الثالث أمثلة لأحكام نصَّ الفقهاء على تغيُّر الحكم لتغير عادة الناس فيها قال القرافي: "سأسرد أحكامًا نصَّ الأصحاب على أن المُدْرَكَ فيها العادة، وأنَّ مستند الفتيا بها إنَّما هو العادة والواقع اليوم خلافه، فيتعيَّن الحكم على ما تقتضيه العادة المتجدَّدة. الحكم الأول: بعض ألفاظ المرابحة، وهو قول البائع: بعتك بوضيعة العشر أحد عشر، أو بوضيعة العشرة عشرين. قال الأصحاب: هذا اللفظ يقتضي عادة أن يُأْخَذَ لكلَّ عشرة عشرة، ويحطُّ نصف الثمن في اللفظ الآخر، ويُلْزِمون ذلك المتعاقدين من الجانبين بمجرد هذا اللفظ لأنَّه عادة " (١) . قال القرافي بعد سياقه لهذا المثال: "وهذه عادة قد بطلت، ولم يبق هذا اللفظ يفهم منه اليوم هذا المعنى ألبتة، بل أكثر الفقهاء، لا يفهمه فضلًا عن العامة، لأنَّه لا عادة فيه، ولا يُفْهَمُ منه ثمنٌ معيَّن باعتبار اللغة أيضًا. فينبغي إِذا وقع هذا العقد بين العامة في المعاملات أن يكون العقد باطلًا، فإِنَّه ليس عادتهم استعماله ألبته، لأنَّا طوال عمرنا لم نسمعه إلاَّ في كتب الفقه، أمَّا في المعاملات فلا، وإِِذا لم يكن الثمن معلومًا بالعادة ولا باللغة كان العقد باطلًا (٢) . الحكم الثاني: في المرابحة إِذا قال: بعتك بما قامت علي. قالوا: يصحُّ البيع، ويكون للبائع مع الثمن ما بذله من أجرة القِصَارة والكِمَادة (٣) ، والطرازة والخياطة والصبغ ونحو ذلك مما له عين قائمة، ويستحقُّ له حصته من الربح إن سمَّى لكلَّ عشرة ربحًا. وما ليس له عين قائمة إلاَّ أنَّه يؤثر في السوق زيادة رغبة فيه وتنمية للثمن فإنَّه يستحقُّه، ولا يستحقُّ له حصة من الربح، نحو كراء الحمولات في النَّقل للبلدان ونحوه، وما لا يؤثر في السوق فلا يستحقُّه، ولا يكون له ربح، كأجرة الطيّ والشدّ، وكراء البيت، ونفقة البائع على نفسه. قال القرافي معقَِّبًا على هذه المسألة: "وهذا التفصيل لا يفيده قوله: بما قامت على لغة، بل يصحُّ هذا البيع بهذه العبارة إِذا كان هذا اللفظ يقتضيه عادة، فيصير الثمن معلومًا، فيصحُّ البيع، أما اليوم فلا يفهم هذا في العادة، ولا يتعامل الناس في أسواقهم بهذه العبارة، فلا عادة حينئذٍ، فهذا الثمن مجهول، فلا يُفْتى بما في الكتب من صحته وتفاصيله لانتقال العادة" (٤) .

стр. 7606

الحكم الثالث: "ما وقع في (المدونة) إذا قال لامرأته: أنت علي حرام أو خَلِيَّة أو بَرِيَّة أو وهبتك لأهلك، يلزمه الطلاق الثلاث في المدخول بها، ولا تنفعه النيَّة أنَّه أراد أقلّ من الثلاث". قال القرافي في هذا المثال: "وهذا بناء على أن هذا اللفظ في عرف الاستعمال اشتهر في إزالة العصمة، واشتهر في العدد الذي هو الثلاث، وأنَّه اشتهر في الإِنشاء المعيَّن، وانتقل عما هو عليه من الإِخبار عن أنَّها حرام، لأنَّه لو بقي على ما يدلُّ عليه لغة لكان كذبًا بالضرورة، لأنَّها حلال له إِجماعًا، فالإِخبار عنها بأنَّها حرام كذب بالضرورة. وليس مدلول هذا اللفظ لغة إلاَّ الإِخبار عن أنَّها مُحَرَّمة عليه، وأنَّ التحريم قد دخل في الوجود قبل نطقه بهذه الصيغة، وهذا كذب قطعًا، فلا بدَّ حينئذ أن يقال: إِنَّها انتقلت في العرف لثلاثة أمور: إِزالة العصمة، والعدد الثلاث، والإِنشاء، فإنَّ ألفاظ الطلاق إن لم تكن إنشاء أو يراد بها الإِنشاء لا تزيل عصمة ألبتَّةَ. وملاحظة هذه القاعدة هي سبب الخلاف بين الخلف والسلف في هذه المسألة". وبعد سياق القرافي لهذا المثال قرَّر "أنَّ الناس في عصره لا يستعملون الصيغ المتقدمة فيما كانت تستعمل في الماضي، وأنَّه تمضي الأعمار ولا يُسْمع أحدٌ يقول لامرأته إِذا أراد طلاقها: أنت خَلِيَّةٌ، ولا وهبتك لأهلك، ولا يَسْمَعُ أحدٌ أحدًا يستعمل هذه الألفاظ في إزالة عصمة ولا في عدد طلاقات، فالعرف حينئذٍ في هذه الألفاظ لهذه المعاني التي قرَّرها مالك في (المدونَّة) بالضرورة. ولا يَدَّعي أنَّها مدلول اللفظ لغة إلاَّ من لا يَدْري اللغة، وإذا لم تفِ هذه الألفاظ هذه المعاني لغة ولا عرفًا ولا نيَّة ولا بساطًا فهذه الأحكام حينئذ بلا سند والفتيا بغير مستند باطلة إِجماعًا وحرام على قائلها ومعتقدها. نعم، لفظ الحرام في عرفنا اليوم لإِزالة العصمة خاصة دون عدد، وهي مشتهرة في ذلك بخلاف ما ذُكِر معها من الألفاظ، ومقتضى هذا أن يُفْتَى بطلقة رجعية ليس إلاَّّ" (١) . وأفتى متأخرو الحنفية في مسائل كثيرة بخلاف ما أفتى فيه سلفهم بسبب تغيّر العرف، فمن ذلك إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه، لانقطاع عطايا المعلَّمين التي كانت في الصدر الأول.

стр. 7607

ولو اشتغل المعلَّمون بالتعليم بالأجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم، ولو اشتغلوا بالاكتساب من حرفة وصناعة يلزم ضياع القرآن والدين، فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم، وكذا على الإِمامة، والأذان كذلك، مع أن ذلك مخالف لما اتفق عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد من عدم جواز الاستئجار وأخذ الأجرة عليه، كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك (١) . ومن ذلك قول الإِمامين بعدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة مع مخالفته لما نصَّ عليه أبو حنيفة بناءً على ما كان في زمنه من غلبة العدالة، لأنَّه كان في الزمن الذي شهد له رسول الله ﷺ بالخيريَّة، وهما أدركا الزمن الذي فشى فيه الكذب، وقد نصَّ العلماء على أن هذا الاختلاف اختلاف عصر لا اختلاف حُجَّةٍ وبرهان. ومن ذلك تحقق الإِكراه من غير السلطان مع مخالفة قول الإِمام بناء على ما كان في زمنه من أن غير السلطان لا يمكنه الإِكراه، ثم كثر الفساد، فصار يتحقق الإِكراه من غيره، فقال محمد باعتباره، وأفتى به المتأخرون. ومن ذلك تضمين الساعي مع مخالفته لقاعدة المذهب في أن الضمان على المباشر دون المتسبب، ولكن أفتوا بضمانه زجرًا بسبب كثرة السعاة المفسدين. ومن ذلك مسائل كثيرة: كتضمين الأجير المشترك، وقولهم: أن الوصيَّ له المضاربة بمال اليتيم في زماننا، وإفتائهم بتضمين الغاصب عقار اليتيم والوقف، وبعدم إِجارته أكثر من سنة في الدور، وأكثر من ثلاث سنين في الأراضي، مع مخالفته لأصل المذهب من عدم الضمان وعدم التقدير بمدَّة. ومن ذلك منع النساء عما كنَّ عليه في زمن النبي ﷺ من حضور المساجد لصلاة الجماعة. وإفتائهم بمنع الزوج من السفر بزوجته وإن أوفاها المعجَّل لفساد الزمان (٢) . د. عمر سليمان الأشقر

стр. 7608

المراجع مُرتبة على حروف المعجم ١- أثر العرف في التشريع الإِسلامي، للدكتور السيد صالح عوض، طبعة دار الاتحاد الجامعي مصر. ٢- الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، للقرافي، مكتب المطبوعات الإِسلامية، حلب، سوريا، ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧ م. ٣- الأشباه والنظائر، لابن نجيم، مؤسسة الحلبي وشركاه، ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٨ م. ٤- الأشباه والنظائر، للسيوطي، مكتب ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٧٨ هـ - ١٩٥٩ م. ٥- أصول القانون، للدكتور حسن كيره، دار المعارف، مصر، الثانية ١٩٥٩م. ٦- أصول القانون، للدكتور عبد المنعم فرج الصدَّة، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ١٩٦٥م. ٧- أعلام الموقعين، لابن القيم، دار الكتب الحديثة، القاهرة، ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩م. ٨- بصائر ذوي التمييز، للفيروزآبادي، نشره المجلس الأعلى للشؤون الإِسلامية، القاهرة، ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م. ٩- تاريخ الفقه الإِسلامي، للمؤلف، مكتبة الفلاح، الكويت، الأولى ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢م. ١٠- التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، للأسنوي، تحقيق وتعليق الدكتور محمد حسن هيتو، طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت، الثانية ١٤٠١ هـ - ١٩٨١م. ١١- تهذيب اللغة، لأحمد الأزهري: الدار المصريَّة للتأليف، القاهرة. ١٢- شرح رسالة تنبيه الرقود على أحكام النقود، لابن عابدين، لمحمد سلامة جبر، مطابع القبض التجارية، الكويت. ١٣- شرح الكوكب المنير، لابن النجار الحنبلي، مركز البحث العلمي بجامعة الملك عبد العزيز، جدة ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠م. ١٤- الشريعة الإِلهية، للمؤلف، دار الدعوة، الكويت، الثانية ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م. ١٥- صحيح البخاري، اعتمدت على متن فتح الباري، طبعة المكتبة السلفية، القاهرة، الأولى ١٣٨٠ هـ.

стр. 7609

١٦- العرف والعادة في رأي الفقهاء، لأحمد فهمي أبو سنَّة، مطبعة الأزهر، القاهرة. ١٧- علم أصول الفقه، لعبد الوهاب خلاف، دار القلم، الكويت، التاسعة ١٣٩٠ هـ-١٩٧٠م. ١٨- فتح الباري شرح صحيح البخاري، طبعة المكتبة السلفية، القاهرة، الأولى ١٣٨٠ هـ. ١٩- القانون الدستوري، للدكتور سعد العصفور، دار المعارف، مصر، الأولى ١٩٥٤م. ٢٠- القانون المدني: مجموعة الأعمال التحضيرية، دار الكتاب العربي، القاهرة. ٢١- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعزَّ بن عبد السلام، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م. ٢٢- كشف الخفا ومزيل الإِلباس عمَّا يدور من الأحاديث على ألسنة الناس للعجلوني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الثالثة ١٣٥٢ هـ. ٢٣- لسان العرب، لابن منظور، ترتيب يوسف خياط ونديم مرعشلي، طبعة دار لسان العرب، بيروت. ٢٤- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، نشر حكومة السعودية، الطبعة الأولى. ٢٥- المدخل الفقهي العام، للأستاذ مصطفى أحمد الزرقا، مطبعة جامعة دمشق، الطبعة السابعة ١٣٨٣ هـ - ١٩٦٣ م. ٢٦- المستصفى، للغزالي، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر ١٣٢٢ هـ ٢٧- معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، طبعة الحلبي، القاهرة. ٢٨- المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة. ٢٩- المنثور في القواعد، للزركشي، نشر وزارة الأوقاف، الكويت، الأولى ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢م. ٣٠- الموافقات، للشاطبي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة محمد علي صبيح، القاهرة. ٣١- نشر العرف، لابن عابدين، منشور في مجموعة رسائل ابن عابدين، دار إحياء التراث العربي، بيروت. ٣٢- نظرية العرف، للدكتور عبد العزيز خيَّاط، مكتب الأقصى، عمان ١٣٩٧ هـ-١٩٧٧م. ٣٣- النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، المكتبة العلمية، بيروت.

стр. 7610

العرف (بحث فقهي مقارن) إعداد الدكتور محمد جبر الألفي كلية الحقوق – جامعة الكويت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١- شاع في أقوال الفقهاء، من مختلف المذاهب الإسلامية، أن العادة محكمة وأن استعمال الناس حجة يجب العمل بها، وأن الحقيقة تترك بدلالة العادة والعرف، وأن العرف في الشرع له اعتبار، وأن التعيين بالعرف كالتعيين بالنص، وأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، حتى صارت هذه العبارات وما يماثلها أساسًا لقواعد فقهية استقرت في الفقه الإسلامي وفي تشريعات العديد من الدول الإسلامية، وتأكد بمقتضاها ما للعرف من دور متميز في إنشاء الأحكام وتعديلها وتفسيرها. ٢- فلما نهضت حركة " التقنين " في البلاد العربية والإسلامية لزم بيان المصادر الرسمية التي ينبغي على القاضي أن يلجأ إليها ليستمد أحكامه منها. واحتل العرف مكان الصدارة، بعد النص، في بعض هذه التقنينات، ووضعه بعضها الآخر في المرتبة الثالثة من المصادر الرسمية، بحيث لا يحكم القاضي بمقتضاه إلا عند سكون النص القانوني عن تقرير حكم يفصل في النزاع، وعدم استطاعة القاضي استنباط هذا الحكم من مبادئ الشريعة الإسلامية. واعتبر هؤلاء وأولئك أنهم بذلك يتبعون النهج الإسلامي القويم. ٣- من أجل ذلك كانت أهمية هذا البحث لتحديد معنى العرف، وتعيين أركانه، والكشف عن أساس قوته الملزمة، وبيان الوظيفة التي يمكن أن يؤديها في مجال التشريع. وهذا يقتضي أن نتبع في دراسة العرف المنهج التالي: الفصل الأول: معنى العرف وبيان أركانه. الفصل الثاني: القوة الملزمة للعرف. الفصل الثالث: دور العرف في التشريع. الفصل الرابع: التطور التشريعي للعرف.

стр. 7611

الفصل الأول معنى العرف وبيان أركانه ٤- اختلف العلماء في تحديد معنى العرف، ونتيجة لهذا الاختلاف تقاربت مع العرف بعض المصطلحات أو تباعدت. واشترط البعض لاعتبار العرف أوصافًا تؤكد قيامه وتعين درجة إلزامه. وهذا ما نعالجه في مبحثين: نخصص أولهما لبيان معنى العرف، والتفرقة بينه وبين ما قد يشتبه به. ونستعرض في الآخر أركان العرف وشروط كل ركن. المبحث الأول تحديد معنى العرف وتمييزه من الألفاظ ذات الصلة أولًا – تحديد معنى العرف: ٥- معنى العرف في اللغة: أورد علماء اللغة للعرف عدة معان (١) ، منها: كل مرتفع، كعرف الديك والرمل والجبل. ومنها: ما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم. والعرف أيضًا اسم من الاعتراف، يقال: له علي ألف عرفًا. ويطلق العرف كذلك على كل معروف، وهو ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه، كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (٢) .

стр. 7612

ومن معاني العرف: تتابع الشيء متصلًا بعضه ببعض، كعرف الفرس، سمي بذلك لتتابع الشعر، ومنه قولهم: طار القطا عرفًا عرفًا، أي متتابعة. ومن هذه المعاني يتضح أن مادة (عرف) " يغلب ورودها فيما ارتفع من المحسات وكرم من المعاني، والمعنى الأخير منها يشعر بمتابعة البعض للبعض " (١) . ٦- معنى العرف في الاصطلاح: ذكر " الجرجاني " في " التعريفات "، أن: " العرف ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول " (٢) ، وما ذكره الفقهاء والأصوليون من تحديد لمعنى العرف يدور حول هذا التعريف، فقد عرفه " النسفي " في " المستصفى " بقوله: " ... العرف ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول " (٣) ، أي أن العرف " هو الأمر الذي اطمأنت إليه النفوس وعرفته، وتحقق في قرارتها وألفته مستندة في ذلك إلى استحسان العقل، ولم ينكره أصحاب الذوق السليم في الجماعة " (٤) وعرفه " علي حيدر " في " درر الحكام " بقوله: " الأمر الذي يتقرر في النفوس، ويكون مقبولًا عند ذوي الطباع السليمة بتكراره المرة بعد المرة " (٥) وقريب من هذا التعريف الذي ذكره " مصطفى أحمد الزرقاء " في " شرح القواعد الفقهية " (٦) أما عبد الوهاب خلاف فقد عرفه بقوله: " ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك " (٧) وهكذا يتحقق الارتباط بين المعنى اللغوي للعرف ومعناه في الاصطلاح.

стр. 7613

ثانيا – تمييز العرف عما قد يشتبه به: ٧- العرف والعادة: أقرب المعاني شبهًا بالعرف: العادة. والعادة في اللغة: الاستمرار على الشيء، سميت بذلك لأن صاحبها يعاودها، أي: يرجع إليها مرة بعد أخرى (١) ووجه الشبه: أن من معاني العرف: تتابع الشيء متصلًا بعضه ببعض. أما في الاصطلاح، فللعلماء في تعريفها مسلكان: يقضي أولهما بعدم التفريق بين العادة والعرف في المعنى. ويقضي الآخر بانفراد كل منهما بمعنى. (أ) ففي " المستصفى "، للنسفي: " العادة والعرف: ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول (٢) وبمثل هذا قال عدد من الباحثين (٣) . (ب) والذين سلكوا المسلك الآخر لم يتفقوا على معيار للتفرقة بين العادة والعرف فبينما يرى بعضهم أن العادة هي العرف العملي، وأن العرف هو القولي (٤) ، يرى آخرون أن العادة – عند إطلاقها – لا تشمل إلا بالفعل، وإن العرف – عند إطلاقه – يشمل الفعل والقول (٥) ويبدو من كلام " الشاطبي " أنه فرق بين العادة والعرف على أساس أن العادة كلية أبدية " العوائد العامة "، وأن العرف راجع إلى عادة جزئية داخلة تحت العادة الكلية " وهي التي يتعلق بها الظن لا العلم " (٦) ، ويميل بعض الباحثين إلى التفرقة بين العرف والعادة على أساس أن العادة أمر فردي، وأن العرف عادة جماعية (٧) .

стр. 7614

٨- ويبدو أن من جمع في المعنى بين العادة والعرف، لاحظ أن العادة قبل أن تستقر في العمل وتطمئن إليها النفوس، لا يعول عليها أصولي أو فقيه في مجال الأحكام الشرعية، فإذا ما توافر لها من الشروط ما يضعها موضع الاعتبار فإنها تسمى عرفًا، ولا ضير في استصحاب الإطلاق الأصلي " عادة " ما دام المراد منه قد وضح. وأما من فرق في المعنى بين العادة والعرف، فقد لاحظ استعمال بعض الفقهاء لكل من اللفظين في معنى يستقل به، ولا يبعد أن تكون هذه التفرقة راجعة إلى اختلاف المعنى تبعًا لاختلاف الزمان أو المكان. ويساعد على هذا التوجيه ما قد يستشف من أقوال المحققين. ففي " التعريفات " يقول الشريف الجرجاني: " العرف: ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول، وهو حجة أيضًا، لكنه أسرع إلى الفهم وكذا العادة: وهي ما استمر الناس عليه على حكم العقول، وعاودوا إليه مرة بعد أخرى " (١) والذي يلفت الانتباه في هذا التعريف أن " الجرجاني " لم يعول على العادة المجردة التي وردت في كلام بعض الأصوليين (٢) ، وإنما اعتمد العادة المستمرة التي بنيت على حكم العقول، ثم فرق بينها وبين العرف من حيث إن العرف عادة مستقرة بشهادة العقول التقت عليها الطباع السليمة من غير نكير. وفي رسالة " نشر العرف " يقدم ابن عابدين فصل الخطاب في المسألة بهذه العبارة الدقيقة: " العادة مأخوذة من المعاودة، فهي بتكررها ومعاودتها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول، متلقاة بالقبول من غير علاقة ولا قرينة، حتى صارت حقيقة عرفية فالعادة والعرف بمعنى واحد من حيث الماصدق، وإن اختلفا في المفهوم (٣) و"الماصدق " عند المناطقة: الأفراد التي يتحقق فيها المعنى الكلي، فكأن العرف عادة توافر لها الاستقرار في النفوس والعقول، وتلقتها الجماعة بالقبول، فلا بأس من أن يطلق الفقهاء على هذه العادة اسم العرف أو أن يبقوا على اللفظ الأصلي " العادة " ما دام مرادهم منها قد بان.

стр. 7615

٩- العرف والعمل: ذكر " السلجماسي " (١) ، في تعليقه على " العمل الفاسي " (٢) : أن بعض العلماء وخص منهم ابن فرحون (٣) ، ويعتبر العرف والعمل أمرًا واحدًا، ثم انتقد هذا الرأي مبينًا أن العلماء حين يقولون: هذا هو العمل، أو: على هذا جرى العمل، فإنما يعنون أن هذا الحكم قال به الفقهاء، ثم استقرت عليه أحكام القضاء وحين يقولون هذا هو المتعارف، أو: بهذا جرت العادة، فإنما يعنون أن هذا هو ما جرى عليه العمل عند عامة الناس، من غير أن يستند إلى رأي فقهي أو أن يطابق أحكام القضاء (٤) . ويبدو أن الذين لم يفرقوا بين العرف والعمل لاحظوا أن جريان أحكام القضاء، في مسألة معينة، على تحكيم العرف في النزاع، يعتبر بمثابة " العرف العملي " الذي اعتبره الفقهاء، وبنوا عليه كثيرًا من الأحكام فقد نقل عن ابن فرحون قوله:" سئل مالك عن الناكح: هل يلزمه لأهل المرأة هدية العرس، وجل الناس تعمل به عندنا حتى إنه لتكون فيه الخصومة، أترى أن يقضي به؟ قال: إذا كان قد عرف من شأنهم، وهو عملهم، لم أر أن يطرح عنهم إلا أن يتقدم فيه للسلطان، لأني أراه أمرًا قد جروا عليه " (٥) . ومع ذلك فالتفرقة واردة، ذلك أن مصطلح " عمل " الذي شاع في الفقه المالكي وخصه فقهاء الأندلس والمغرب بمؤلفات قيمة (٦) ، يرجع في أصله إلى " عمل أهل المدينة " الذي رأى الإمام مالك أنه يحقق الإجماع، فقدمه على أخبار الآحاد وعلى القياس (٧) .

стр. 7616

فلما استقر المذهب المالكي في " القيروان "، كان جل اعتماد العلماء على ما نقل إليهم من فتاوى الفقهاء وأحكام القضاة وفي " فاس " نظر الفقهاء بعين الاحترام إلى ما كان يصدره قضاة الأندلس من أحكام، ولما استقل المغرب بعد ذلك صار له قضاؤه المستقل الذي يعتبر مصدر " العمل الفاسي " لقد واجه هذا القضاء حالات كثيرة، للفقهاء في حكمها أقوال متضاربة، فكان القاضي يختار من بينها ما يتواءم مع العرف، حتى لو خالف القول المشهور في المذهب، وذلك رعاية للمصلحة بجلب منفعة أو دفع مضرة، والتزم القضاة اللاحقون هذا المنهج العملي، طالما بقيت المصلحة قائمة، فإذا انقضت المصلحة لم يعد هناك مبرر للعمل بالقول المرجوح، وبنى القاضي حكمه على القول المشهور في المذهب، وقد أيد هذا المسلك القضائي عدد من الفقهاء: كابن عتاب، وابن رشد، وابن سهل، وابن زرب، واللخمي (١) . والخلاصة أن " العمل " يتطلب وجود رأي فقهي يستند إليه، ولو كان مرجوحًا، وهذا ما يفرق بينه وبين العرف، فهو ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول. ١٠- العرف والإجماع: يرى بعض الباحثين أن العرف إجماع، لأنه اتفاق طائفة من الأمة أو جميعها على أمر (٢) وحاول بعض آخر رد العرف إلى الإجماع العملي، بناء على القول بتجزئ الاجتهاد وعدم خلو العصر عن المجتهدين، أو رده إلى دلالة الإجماع متى تحققت علته فيما جرى به تعامل الناس (٣) . ويبدو أن هذه الآراء تجد سندًا فيما نص عليه بعض الفقهاء عند تحرير علة تحريم الربا: " ... وما لم ينص عليه رسول الله ﷺ فهو محمول على عادات الناس في الأسواق، لأن العادة دالة على الجواز فيما وقعت عليه لقوله ﷺ : ((وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)) ومن ذلك دخول الحمام وشرب ماء السقاء، لأن العرف بمنزلة الإجماع عند عدم النص " (٤) ، وفيما ذكره بعضهم عند تعريف العرف العام وأنه: " ما تعارفه المسلمون من عهد الصحابة إلى زماننا، وأقره المجتهدون وعملوا به بناء على التعارف العام، وإن خالف القياس ولم يرد به النص ولا قام عليه دليل، فهذا أخذ به الفقهاء وأثبتوا به الأحكام الشرعية، وقد قالوا: إن العرف بمنزلة الإجماع عند عدم النص " (٥) .

стр. 7617

ومع ذلك فالفرق لا يزال قائما بين العرف والإجماع من عدة وجوه، منها (١) : (أ) أن الإجماع لا يكون إلا من المجتهدين في عصر من العصور، أما العرف فإنه يصدر عن عامة الناس وخاصتهم، ولا يشترط اجتماعهم عليه. (ب) وأن الإجماع يتحقق بمجرد اتفاق المجتهدين على أمر دون حاجة إلى تكراره، أما العرف فلا ينشأ إلا إذا تكرر فعله حتى يستقر في النفوس وتطمئن إليه القلوب. (ج) وأن الإجماع لا بد له من مستند، نص أو قياس، وقد يكون كل منهما خفيًّا (٢) ، أما محل العرف فلا نص فيه ولا قياس. المبحث الثاني أركان العرف ١١- عرضنا فيما تقدم مختلف التعريفات التي وضعها الأصوليون والفقهاء لتحديد معنى العرف المعتبر في الأحكام الشرعية (٣) ، ووجدنا أن الجامع لهذه التعريفات أنه: أمر استقرت عليه النفوس، مستندة في ذلك إلى استحسان العقل، وتلقته الطباع السليمة في الجماعة بالقبول لتكراره المرة بعد المرة وانطلاقًا من هذا المعنى يمكن أن نستخلص ركنين لا يقوم العرف بدونهما: أحدهما خارجي (مادي) ، والآخر داخلي (نفسي) . أولا – الركن المادي: ١٢- يتمثل الركن المادي للعرف في مسلك عام تكرر على نمط واحد فترة من الزمن تكفي ليتحقق له معنى الثبات والاطراد (٤) ومن هنا وجب في السلوك المكون للركن المادي للعرف ثلاث صفات: العموم، والقدم، والثبات. ١٣- (أ) العموم: تنصرف صفة العموم إلى المسلك الذي تكرر مرة بعد أخرى، بحيث يسود تطبيقه الوسط الذي نشأ فيه، مع مراعاة جميع الأفراد الذين يعنيهم هذا المسلك، وإلى هذا يشير الشاطبي بقوله: " إن العلم المحكوم به على العادات إنما هو في كليات الوجود، لا في جزئياته " (٥) ويعبر بعض العلماء عن صفة العموم بـ " الاشتهار "، كما جاء في قول القرافي: " ... الاشتهار أن يكون أهل العرف لا يفهمون عند الإطلاق إلا ذلك المعنى، لا من لفظ الفقهاء، بل من استعمالهم لذلك اللفظ في ذلك المعنى، فهذا هو الاشتهار المعتبر لنقل اللفظ من اللغة إلى العرف " (٦) .

стр. 7618

ويقابل صفة العموم ما يطلق عليه الفقهاء وصف " الاشتراط "، فالمسلك المشترك: هو الذي لا يسود الوسط الذي نشأ به، وإنما تساوى العمل به وتركه، فهذا المسلك المشترك " لا يبنى عليه الحكم للتردد في أن المتكلم قصد هذا المعنى أو المعنى الآخر، فلا يتقيد أحد المعنيين لتعارضهما بتحقيق الاشتراك " (١) ونفس الحكم ينطبق على المسلك الذي انفرد به بعض أفراد الجماعة التي يعينها هذا العرف، فقد ذكر ابن عابدين، في معرض تعليقه على الخلاف بين الفقهاء في اعتبار بعض العادات، ".... أن هذا العرف لم يشتهر في بلدة، بل تعارفه بعض أهل بخارى دون عامتهم، ولا يثبت التعارف بذلك " (٢) . ١٤- ولا تعني صفة العموم ضرورة تكرار المسلك أو اعتياد القيام به من كل أفراد الجماعة، فهذا أمر لا يتحقق إلا في الجماعات قليلة العدد، أما الجماعات التي اتسعت وتنوعت عناصرها فيندر أن يتكون فيها عرف عام، ولهذا يكفي أن يقتصر الاعتياد على أبناء بلدة معينة أو أفراد طائفة محدودة، ما دام الاعتياد قد وقع من عدد غير محدود من أشخاص غير معينين بذواتهم، وهذا ما يعرف بالعرف المحلي، أو العرف المهني، أو العرف الإداري، أو العرف الدولي. ١٥- وبناء على ذلك قسم العلماء العرف إلى عام وخاص. - فالعرف العام: هو " ما غلب على الناس من قول أو فعل أو ترك " (٣) ومثلوا لذلك بعقد الاستصناع "، فإنه عقد على شيء مستقبل، وإنه لا يجوز بناء على القياس، غير أن التعامل العام به من غير جعله مقدمًا على القياس (٤) . - والعرف الخاص: هو ما غلب على أهل إقليم معين أو طائفة محددة أو على علاقات من نوع خاص (٥) ، متعارف التجار على ما يعد عيبًا وما لا يعد كذلك (٦) . وقد أشار القرافي إلى هذا التقسيم بقوله: " ... وقد تكون هذه الغلبة في سائر الأقاليم، كالحاجة للغذاء والتنفس في الهواء، وقد تكون خاصة ببعض الفرق، كالأذان للإسلام والناقوس للنصارى، فهذه يقضى بها عندنا " (٧) .

стр. 7619

١٦- (ب) القدم: لكي يتكون الاعتياد، يلزم أن تكون العادة قد نشأت منذ زمن بعيد، يدل على أنها تأصلت في نفوس الأفراد، وليست مجرد تجربة قد تبقى أو تزول وقدم العرف مسألة تقديرية تختلف باختلاف الأحوال، سواء في ذلك العرف العام أو الخاص، " وهذا هو ما عليه جمهور الفقهاء " (١) ، وخالف بعضهم، فاعتبر أن العرف لا يكون حجة شرعية إلا إذا جرى العمل به من عهد الصحابة حتى زماننا دون أن ينكره المجتهدون (٢) ، وقد تعقب العلماء هذا الرأي بالنقد أو بالتأويل (٣) . ١٧- (ج) الثبات أو الاطراد: يجب أن يكون التكرار في المسلك موحدًا، بمعنى أن يجري على نمط واحد لا يتخلله، مع بقاء الظروف عينها، اتباع مسلك مختلف (٤) ولعل هذا هو المراد من قول الفقهاء: قاعدة الأيمان، البناء فيها على العرف إذا لم يضطرب، فإن اضطرب فالرجوع إلى اللغة (٥) على أن هذا الشرط لا يعني أن يكون اتحاد المسلك مطلقًا، فشذوذ بعض أفراد الجماعة لا ينفي وحدة النمط، ولهذا شاع في أقوال الفقهاء: العبرة للغالب الشائع، لا للقليل النادر (٦) . ثانيا – الركن النفسي: ١٨- لا يرقى الركن المادي إلى مرتبة العرف إلا إذا صاحبه شعور داخلي يؤدي بأفراد الجماعة إلى الاعتقاد بان هذا المسلك أصبح واجب الاتباع، سواء أكان مرد هذا الاعتقاد إلى أنهم يعتبرون هذا المسلك يطابق العدل ويلائم حاجات الجماعة (٧) ، أم كان مرده إلى اعتقادهم بأنه يمثل قاعدة ملزمة ينبغي إطاعتها (٨) وهذا واضح من تعريف العرف الذي تبنى عليه الأحكام بأنه: " ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول، وهو حجة " (٩) فاستقرار العرف في النفوس يدل على أنه أصبح مسلكًا واجب الاتباع، قد قبلت الطباع السليمة لأفراد المجتمع الالتزام به شرعًا. لم ينص العلماء صراحة على هذا الركن النفسي، ولكنا استنبطناه من تعريفهم للعرف والعادة الملزمة. وقد اشترط بعض الباحثين أن يكون العرف ملزمًا، بمعنى أنه يتحتم العمل بمقتضاه في نظر الناس، لأن قواعد الفقه المحكمة لا تأبى اشتراطه، وفيه من النصوص ما يشير إليه " لكن ليس ذلك في كل عرف، بل يمكن ضبطه على وجه التقريب في العرف الذي يتضمن الحق على وجه الإلزام أما غيره فلا يشترط فيه، كالعرف الذي يتضمن الإذن، والعرف الذي يفيد وجوب السؤال عن حال الشيء عند شرائه، لغلبة التعامل بالمحرم " (١٠) . * * *

стр. 7620

الفصل الثاني القوة الملزمة للعرف ١٩- تقتضي دراسة القوة الملزمة للعرف أن نبحث أولًا حجية العرف ومنزلته بين أدلة التشريع، ثم نستعرض بعد ذلك الآراء المختلفة التي قيل بها لتحديد الأساس الذي قامت عليه هذه القوة الملزمة، وهذا نعالجه في مبحثين: المبحث الأول: حجية العرف ومنزلته بين أدلة التشريع. المبحث الثاني: أساس القوة الملزمة للعرف. المبحث الأول حجية العرف ومنزلته بين أدلة التشريع أولا – حجية العرف: ٢٠- كلما يجري الحديث عن حجية العرف، يرد إلى الذهن قول العلامة ابن عابدين في منظومة "عقود رسم المفتي ": والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار (١) . فعلى الرغم من أن ابن عابدين من فقهاء المذهب الحنفي، إلا أنه يعبر بقوله هذا عن حجية العرف واعتباره في كافة المذاهب، وهذا ما أشار إليه القرافي بقوله: أما العرف فمشترك بين المذاهب، ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها (٢) وعندما ذكر القرطبي: أن الشافعية أنكروا العمل بالعرف لفظًا وعملوا به معنى، رد عليه ابن حجر بقوله: إن الشافعية إنما أنكروا العمل بالعرف إذا عارضه النص الشرعي أو لم يرشد النص الشرعي إليه (٣) وهو ما أكده السيوطي بقوله: اعلم أن اعتبار العادة والعرف في الشرع رجع إليه في الفقه مسائل لا تعد كثرة (٤) وعند الحنابلة: لا يجوز للحاكم ولا لغيره أن يساعد من ادعى حقا يشهد الحس والعادة والعرف أنه ليس له (٥) وبناء على ذلك تقرر في التشريع والفتوى والقضاء أن " العادة محكمة " (٦) ، وأن " استعمال الناس حجة يجب العمل بها " (٧) وأن " الممتنع عادة كالممتنع حقيقة " (٨) ، وأن " الحقيقة تترك بدلالة العادة " (٩) ، وأن " المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا " (١٠) ، وأن " المعروف بين التجار كالمشروط بينهم " (١١) ، وأن " التعيين بالعرف كالتعيين بالنص " (١٢) .

стр. 7621

٢١- ولئن كان الفقه الإسلامي في جملته، قد اعتبر العرف حجة وبنى عليه كثيرًا من الأحكام، إلا أن البعض لا يثبت هذه الحجية لكافة أنواع العرف، بل يقصرها على العرف العام دون العرف الخاص (١) ولقد قدمنا أن جمهور الشافعية لا يعتبرون العرف إذا عارضه النص الشرعي أو لم يرشد النص الشرعي إليه (٢) ، بينما يرى غيرهم أن العرف أصل قائم بذاته إذا لم يثبت نهي عنه ولا إرشاد إليه (٣) ، ويكاد الفقهاء يتفقون على اعتبار العرف القولي حجة، إلا من شذ في بعض الفروع (٤) ، ويمكن أن يقال مثل ذلك في العرف العملي (٥) . ثانيا – منزلة العرف بين أدلة التشريع: ٢٢- جمهور الأصوليين على أن الدليل: ما يستدل بالنظر الصحيح فيه على حكم شرعي عمل على سبيل القطع، أو الظن، وبعضهم قصره على ما يستفاد منه حكم شرعي عملي على سبيل القطع، وأما ما يستفاد منه حكم شرعي على سبيل الظن، فهو أمارة لا دليل " وأدلة الحكام، وأصول الأحكام، والمصادر التشريعية للأحكام، ألفاظ مترادفة، معناها واحد " (٦) .

стр. 7622

ولقد اتفقت كلمة جمهور العلماء، من مختلف المذاهب، على أن أدلة الأحكام أربعة: القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس على هذا الترتيب وهناك أدلة أخرى، اختلف في الاستدلال بها على الحكم الشرعي، أشهرها: الاستحسان، والاستصحاب، والاستصلاح، والعرف، ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا (١) . ومهما يكن من أمر، فللعلماء في تحديد طبيعة العرف مسلكان: يعتبر أولهما العرف دليلًا مستقلا يمكن أن تستفاد منه أحكام شرعية، أما الآخر فلا يعترف بهذا الاستقلال، وإنما يرد الأحكام التي بنيت على العرف إلى دليل آخر ثبت لديه. ٢٣- المسلك الأول: العرف دليل مستقل. يرى أصحاب هذا المسلك أن العرف، إذا استوفى شروطه، دليل قائم بذاته إلى جانب الأدلة الشرعية فقد قال القرافي: إن أدلة الأحكام تسعة عشر، وعد منها العوائد (٢) . وجاء في أحكام القرآن لابن العربي: أن العادة دليل أصولي بنى الله تعالى عليه الأحكام، وربط به الحلال والحرام (٣) وفي المبسوط: " وهذا الأصل معروف: أما تعارفه الناس، وليس في عينه نص يبطله، فهو جائز " (٤) ، وفي موضع آخر منه: " وتعامل الناس من غير نكير، أصل من الأصول كبير " (٥) وأورد ابن عابدين ما جاء في البحر، نقلا عن الكافي: " والأحكام تبتنى على العرف، فيعتبر في كل إقليم وفي كل عصر عرف أهله " (٦) ولقد صرح بعض أصحاب هذا المسلك بأن العرف بمنزلة الإجماع عند عدم النص (٧) ، ونتيجة لذلك نصوا على أن: التعامل حجة، يترك به القياس، ويخص به الأثر (٨) . ٢٤- المسلك الثاني: رد العرف إلى دليل شرعي: سلك هذا المسلك أغلب الأصوليين والفقهاء، فلم يجعلوا العرف – مع اعتباره في التشريع – دليلًا مستقلًّا، وإنما ردوه إلى دليل شرعي آخر، كالإجماع، أو الاستحسان أو الاستصلاح.

стр. 7623

٢٥- رد العرف إلى الإجماع (١) : ذكر المحقق " ابن الهمام ": أن جواز الاستصناع جاء استحسانا بالتعامل الراجع إلى الإجماع العلمي من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا بلا نكير، والتعامل بهذه الصفة مندرج في قوله ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) (٢) فقد رد العرف إلى الإجماع، وبناه على الحديث الذي اعتبره الأصوليون دليلًا على حجيته (٣) ومثله ما أورده ابن السبكي من أن العادة إذا ثبتت في عهده ﷺ أو بعده بلا نكير، فقد ثبتت بالسنة أو بالإجماع، وإلا فهي مردودة قطعًا (٤) ومعروف أن الإمام مالكًا اتخذ عمل أهل المدينة أصلا تبنى عليه الأحكام، لأنه كان يعتبره إجماعًا يقدمه على خبر الواحد وعلى القياس (٥) وقد روي أنه، لما اجتمع بأبي يوسف ومحمد بن الحسن في المدينة، وقد سئل عن مقدار الصاع والمد، طلب إلى الحاضرين مجلسه أن يعرضوا ما عندهم من هذه المكاييل التي توارثوا العمل بها من عهد رسول الله ﷺ ، ثم قال: أترى هؤلاء يجمعون على باطل؟ (٦) . ٢٦- رد العرف إلى الاستحسان (٧) : من التعريفات التي وضعها الأحناف للاستحسان أنه: ترك القياس إلى ما هو أولى منه، وهو على وجهين: أحدهما: أن يكون فرع يتجاذبه أصلان، يأخذ الشبه من كل واحد منهما، فيجب إلحاقه بأحدهما دون الآخر، لدلالة توجبه والوجه الآخر: تخصيص الحكم مع وجود العلة، وذلك قد يكون بالنص أو الأثر أو الإجماع أو بقياس آخر أو بعمل الناس (٨) مثال ذلك: جواز وقف المنقول كالكتب وغيرها، فالقياس أن يقتصر في الموقف على ما يكون مؤبدًا والاستحسان جواز وقف المنقول، مع أنه عرضه للهلاك، للعرف. ومن تعريفات المالكية للاستحسان أنه: تخصيص الدليل العام بالعرف لمصلحة الناس مثال ذلك: استحسان دخول الحمام من غير تقرير زمان المكث وقدر الماء، مع أن الدليل يمنعه، لأنه يحتمل الغرر المنهي عنه في الحديث (٩) . ٢٧- رد العرف إلى المصلحة (١٠) : أكثر العلماء يردون العرف إلى المصالح المرسلة، أي تلك التي لم يقم دليل اعتبارها أو إلغائها، وإنما بني الحكم فيها على ما في الشريعة من قواعد عامة، توجب تحقيق المصالح ودرء المفاسد (١١) فقد جاء في التنقيح: أن دفع المشقة عن النفوس مصلحة ولو أدت إلى خلاف القواعد (١٢) ويقول الشاطبي: لما قطعنا بأن الشارع جاء باعتبار المصالح، لزم القطع بأنه لا بد من اعتبار العوائد، لأنه إذا كان التشريع على وزان واحد، دل على جريان المصالح على ذلك، لأن أصل التشريع سبب المصالح، والتشريع دائم، فالمصالح كذلك، وهو معنى اعتباره للعادات في التشريع (١٣) ويشيع في أقوال الأحناف: أن في نزع الناس عن عاداتهم حرجًا (١٤) ، وإن في الخروج عن العادة حرجا بينا (١٥) وكثير من الباحثين المعاصرين يردون الأحكام التي بنيت على العرف إلى دليل الاستصلاح (١٦) .

стр. 7624

المبحث الثاني أساس القوة الملزمة للعرف ٢٨- جرت عادة الأصوليين والفقهاء، عندما يلاحظون أمرًا يمكن اعتباره حكمًا أو يستفاد منه الحكم، أن يتلمسوا له الأدلة النقلية والعقلية التي تطمئن قلوبهم إلى الاعتماد عليه في التشريع، وبناء على ذلك أوردوا لإثبات حجية العرف، أدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع، غير أن تحليل هذه الأدلة قد يجعلها لا تصلح لإثبات الدعوى من أجل ذلك ينبغي عرض المسألة بطريقة مختلفة، فنقول: مال الدليل على حجية العرف؟ أو بعبارة أخرى: ما أساس القوة الملزمة للعرف؟ أهو العقل الذي شهد بصلاحية الأحكام التي بنيت عليه، حتى استقرت عليها الجماعة، أم أن الشرع وحده هو أساس إلزامية العرف؟ قبل الإجابة عن هذا التساؤل، ينبغي أن نلفت النظر إلى أنه لا خلاف بين علماء المسلمين في أن مصدر الأحكام الشرعية هو الله تعالى، وإنما يدور الخلاف بينهم فيما يعرف به حكم الله، هل يمكن للعقل أن يستقل بهذه المعرفة؟ أو أن طريقها إلينا الوحي وحده؟ للعلماء في ذلك اتجاهات ثلاثة: اتجاه الأشاعرة، اتجاه المعتزلة، واتجاه الماتريدية. ٢٩- أولًا – اتجاه الأشاعرة: يرى أبو الحسن الأشعري وأتباعه: أن العقل لا يمكن أن يستقل بمعرفة الأحكام الشرعية، لاختلاف العقول في الحكم على الفعل بالتحسين والتقبيح، وإذن يكون معيار حسن الأفعال وقبحها هو الشرع المنقول إلينا بواسطة رسل الله (١) . وانطلاقا من هذا المبدأ استند بعض الأصوليين والفقهاء، لبيان أساس القوة الملزمة للعرف، إلى قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢) ويقول القرافي: " ... كل ما شهدت به العادة قضي به، لظاهر هذه الآية، إلا أن يكون هناك بينة " (٣) ونقل السيوطي في الإكليل عن ابن الفرس أن معنى قوله تعالى ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ": اقضِ بكل ما عرفته النفوس، ولا يرده الشرع، وهذا أصل القاعدة الشرعية في اعتبار العرف (٤) ، واستدل بعضهم على إلزامية العرف بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٥) .

стр. 7625

وجه الاستدلال: أن الله تعالى أوعد بالعقاب والعذاب من يتبع غير طريق المؤمنين، وهذا دليل على أن اتباع سبيل المؤمنين واجب، فالعادة التي استحسنوها معتبرة شرعًا، ويجب العمل بها (١) وقد شاع في كتب الأصول والفقه، عند ذكر أدلة اعتبار العرف، أن النبي ﷺ قال: ((ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)) (٢) ، غير أن المحققين اعترضوا على نسبة هذا الحديث إلى النبي ﷺ ، وقالوا: إنه من قول عبد الله بن مسعود، موقوفًا عليه، رواه أحمد والبزار والطبراني والطيالسي وغيرهم (٣) ونحن نعتقد أن هذا القول من عبد الله بن مسعود مما لا يدرك بالرأي والعقل، ولم يعرف له مخالف من الصحابة، وقد شاع لدى العلماء من مختلف المذاهب، وهو يؤدي معنى الآية السابقة: " ومن يشاقق الرسول ... " إلخ، ووردت أحاديث أخرى تعضده مثل: ((لا تجتمع أمتي على الضلالة)) و ((اتبعوا السواد الأعظم)) وغير ذلك (٤) ، فالظاهر من حال ابن مسعود أنه قال ذلك سماعًا من رسول الله ﷺ . ٣٠- ثانيا – اتجاه المعتزلة: يرى واصل بن عطاء وأتباعه أن العقل يمكن أن يستقل بمعرفة الأحكام الشرعية، لأن أفعال المكلفين إن كانت تحمل نفعًا حكم العقل بحسنها، وإن كانت تؤدي إلى ضرر حكم العقل بقبحها، والله سبحانه يكلف الناس بفعل ما فيه نفعهم، وبترك ما فيه ضررهم فالعقل السليم إذا رأى حسن فعل، علم أنه مأمور به، فيكون الطلب الشرعي ثابتًا له ثبوتًا ملازمًا لصفة الحسن وإذا رأى قبح فعل، علم أنه منهي عنه، ويستحق فاعله العقاب ولو لم يرد الشارع به (٥) . وانطلاقًا من هذا المبدأ، جاء في المعتمد: " وأما التوصل إلى الأحكام الشرعية، فهو أن المجتهد، إذا أراد معرفة حكم الحادثة، فيجب أن ينظر ما حكمها في العقل، ثم ينظر: هل يجوز أن يتغير حكم الله فيها؟ وهل في أدلة الشرع ما يقتضي تقدم ذلك الحكم أم لا؟ فإن لم يجد ما ينقله عن العقل، قضى به والشرط في ذلك: هو علمه بأنه لو كانت المصلحة قد تغيرت مما يقتضيه العقل، لما جاز ألا يدلنا الله تعالى على ذلك فإن وجد في الشرع ما يدل على نقله، قضى بانتقاله، لأن العقول إنما دلت على تلك الأحكام بشرط ألا ينقلنا عنها دليل شرعي (٦) ومقتضى هذا النص أن العقل كاف في اعتبار الأعراف والعادات الحسنة، وأنها تنتج أحكامًا شرعية ملزمة ومثل ذلك ما قاله " المظفر " من أنه: إذا حكم العقل بحسن شيء أو قبحه، بأن تطابقت آراء العقلاء جميعًا على حسن شيء، لما فيه من حفظ النظام وبقاء النوع، أو على قبحه، لما فيه من الإخلال بذلك، فلا بد أن يحكم الشارع بحكمهم (٧) .

стр. 7626

٣١- ثالثًا- اتجاه الماتريدية: توسط أبو منصور الماتريدي وأتباعه بين اتجاه الأشاعرة واتجاه المعتزلة فاتفقوا مع الأشاعرة في أن حكم الله لا يعرف إلا بواسطة رسله، وخالفوهم فيما رأوه من أن حسن الأفعال وقبحها شرعيان لا عقليان واتفقوا مع المعتزلة في أن حسن الأفعال وقبحها مما تدركه العقول بناء على ما فيها من نفع أو ضرر، وخالفوهم فيما رأوه من أن حكم الله لا بد أن يكون على وفق حكم العقل (١) وفي هذا المعنى يقول صاحب التوضيح: " عند المعتزلة: العقل حاكم بالحسن والقبح موجب للعلم بهما وعندنا: الحاكم بهما هو الله تعالى، والعقل آلة للعلم بهما، فيخلق الله العلم عقيب نظر العقل نظرًا صحيحا " (٢) وبناء على هذا المبدأ توسع الأحناف في القول بالاستحسان وتنوعت صوره عندهم، وقد سبق أن ذكرنا أن كثيرًا منهم ردوا أحكام العرف والعادة إلى " الاستحسان " فيكون أساس القوة الملزمة للعرف عندهم: العقل والشرع معا (٣) .

стр. 7627

الفصل الثالث دور العرف في التشريع ٣٢- بعد استقراء عدد لا بأس به من الحالات التي بنى الفقهاء أحكامها على العادات والأعراف، تبين لنا أن العرف يؤدي وظائف متنوعة في مجال التشريع، فقد يستقل بإنشاء بعض الأحكام الفقهية، وقد يقوم بدور مساعد للتشريع بأن يخصص العام أو يفصل المجمل أو يبين المراد وقد يخالف العرف نصا شرعيًّا أو حكمًا اجتهاديا، فيقبل العلماء ما جاء به بعد تأويل النص الشرعي أو تغيير الحكم الاجتهادي، إذا دعت الضرورة. وقد استقر في الفقه أنه: " لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان " فلما تتبعنا الكثير من هذه الأحكام التي تغيرت، وجدنا أنها لم تتغير لحجة أو برهان، وإنما لأنها كانت مبنية على أعراف تغيرت بتغير الزمان أو المكان. وبسط هذه المسائل يقتضي تقسيم الفصل إلى مبحثين: نخصص أولهما لبيان وظائف العرف. ونحدد في الآخر معنى تغير الأحكام بتغير الأزمان.

стр. 7628

المبحث الأول وظائف العرف ٣٣- يقوم العرف بأداء عدة وظائف تشريعية، فهناك العرف المكمل المساعد للتشريع والعرف المخالف للتشريع. ٣٤- أولًا – العرف المكمل للتشريع: هو العرف الذي يلجأ إليه القاضي أو المفتي لتنظيم حالة لم يرد بشأنها حكم شرعي، وهو على هذا النحو يكون أصلًا أو دليلًا مستقلًا، يمكن الاعتماد عليه في إنشاء حكم جديد. مثال ذلك: وقف المنقول، فإن القياس يقضي بعدم جوازه عند الأحناف لأنهم يشترطون التأبيد في صحة الوقف، والعقار وحده هو الذي يقبل التأبيد ويدوم الانتفاع به ما دامت رقبته وقد تمسك الإمام أبو حنيفة بهذا الأصل، فلم يجز وقف المنقول مطلقًا، سواء أكان وقفه قصدًا واستقلالًا، أم كان وقفه تبعًا للعقار الموقوف (١) ولكن أبا يوسف أجاز وقف المنقول، خلافًا للقياس، وذلك في حالتين، أولاهما: وقف المنقول تبعا لعقار موقوف، والأخرى: وقف المنقول قصدًا إذا ورد نص بوقفه، كالسلاح والكراع، أو إذا جرى التعامل بوقفه، لإمكان الانتفاع به مع بقاء عينه، كالمصاحف وثياب الجنازة، وفيما سبق سوى ذلك لا يصح الوقف وقال محمد بن الحسن: يصح وقف كل منقول، قصدًا أو تبعًا، يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه أو لا، إذا جرى التعامل بوقفه (٢) وفي هذا يقول السرخسي: الجواب الصحيح: أن ما جرى العرف بين الناس بالوقف فيه من المنقولات يجوز، باعتبار العرف، كثياب الجنازة وما يحتاج إليه من القدور والأواني في غسل الميت، وهذا الأصل معروف: أن ما تعارفه الناس، وليس في عينه نص يبطله، فهو جائز، وبهذا الطريق جوزنا الاستصناع فيما فيه تعامل، لقوله ﵊: ((ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)) (٣) .

стр. 7629

٣٥- ولا يدخل في هذا النوع ما عرف من العادات زمن التشريع ولم يد عنه نهي، فإنه قد يكون مصدرًا تاريخيًا للحكم، أما أصله الشرعي فهو السنة التقريرية التي تقرر بها جواز الفعل مثال ذلك: عقد السلم، وهو: تسليم عوض حاضر في عوض موصوف في الذمة إلى أجل مسمى، ولهذا يطلقون عليه: بيع العاجل بالآجل (١) روى البخاري ومسلم حديث ابن عباس، قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، فقال: ((من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) (٢) وقد علق السرخسي على هذا الحديث بقوله: " فقد أقرهم النبي ﷺ على أصل العقد وبين شرائطه، فذلك دليل جواز العقد وإنما يقبل السلم في العادة بما ليس بموجود في ملكه، والقياس يأبى جوازه، لأنه بيع المعدوم وبيع ما هو موجود مملوك للعاقد باطل، فبيع المعدوم أولى بالبطلان ولكنا تركنا القياس بالكتاب والسنة " (٣) ، وقد ذكر الفقهاء أن النبي ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية (٤) وفي حديث عائشة: أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء، فنكاح منها نكاح الناس اليوم ... قالت: فلما بعث النبي ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية إلا نكاح الناس اليوم (٥) . ٣٦- ثانيًا – العرف المساعد للتشريع: وهو ما أحال عليه التشريع إما البيان مضمون حكم شرعي ثبت أصله بالنص، وإما للاستعانة به في إرادة المكلف بالحكم. (أ) فالعرف المبين لمضمون حكم شرعي ثبت أصله بالنص ورد كثيرًا في القرآن الكريم والسنة النبوية، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٦) . فقد ذكر العلماء أن هذا النص أثبت حكمًا شرعيًّا، هو وجوب النفقة على الزوج، ثم أحال إلى العرف لبيان مضمون هذه النفقة وتحديد مقدارها وأسباب سقوطها (٧) ومثله ما روي من أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) (٨) ، فقد نص الفقهاء على أن هذا الحديث يدل على " اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي " (٩) .

стр. 7630

٣٧- (ب) وأما العرف الذي يستعان به في تفسير إرادة المكلف، فإنه أكثر من أن يحصى، وقد خصه العز بن عبد السلام بفصل كامل في كتابه: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، تحت عنوان: " فصل في تنزيل دلالة العادات وقرائن الأحوال منزلة صريح الأقوال في تخصيص العام وتقييد المطلق وغيرها "، وأورد في ذلك ثلاثة وعشرين مسألة (١) وجاء في المستصفى: ".. وعلى الجملة، فعادة الناس تؤثر في تعريف مرادهم من ألفاظهم " (٢) ونقل ابن عابدين عن فتاوى العلامة قاسم: " التحقيق أن لفظ الواقف والموصي والحالف والنادز وكل عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها، وافقت لغة العرب ولغة الشارع أو لا " (٣) وذكر القرافي عند تعليقه على معاني بعض ألفاظ الطلاق: إياك أن تقول: إنا لا نفهم منه إلا الطلاق الثلاث، لأن مالكا ﵀ قاله أو لأنه مسطور في كتب الفقه، لأن ذلك غلط بل لا بد أن يكون ذلك الفهم حاصلًا لك من جهة الاستعمال والعادة، كما يحصل لسائر العوام، كما في لفظ الدابة والبحر والراوية فالفقيه والعامة في هذه الألفاظ سواء في الفهم، لا يسبق إلى أفهامهم إلا المعاني المنقولة إليها، فهذا هو الضابط، لا فهم ذلك من كتب الفقه، فإن النقل إنما يحصل باستعمال الناس، لا بتسطير ذلك في الكتب، بل المسطر في الكتب تابع لاستعمال الناس (٤) وأورد ابن القيم مسائل متعددة يمكن الاستعانة فيها بالأعراف والعادات لتفسير الإدارة، ثم ختمها بقوله: " وأضعاف أضعاف هذه المسائل، مما جرى العمل فيه على العرف والعادة، ونزل ذلك منزلة النطق الصريح، اكتفاء بشاهد الحال عن صريح المقال " (٥) . ٣٨- ثالثا – العرف المخالف للتشريع: قد توجد أعراف وعادات محلية تخالف النصوص الشرعية أو الأحكام الفقهية الاجتهادية، ذلك أن الشرع الإسلامي نظام عالمي خالد، لا يقتصر على بيئة دون أخرى ولا يطبق في زمان دون غيره، ومع مرور الزمن، وما يحيط بكل بيئة من ظروف خاصة، وبعد تطور المعاملات واقتباس بعض أحكامها من قواعد قانونية أجنبية، وبناء على حملات منظمة تساندها جهات معينة تدعو إلى إحياء العادات المحلية القديمة، ظهرت أعراف مختلفة تتعارض في قليل أو كثير مع النصوص الشرعية أو الأحكام المستقرة، وقد واجه الفقه الإسلامي هذه الأعراف، وأصدر حكمه لها أو عليها مبينا " حيثيات " أحكامه بما يدعو إلى الإعجاب برحيب صدره وسعة أفقه ودقته البالغة في تحليل المسائل ومجابهة الحوادث وجملة القول في ذلك أن الفقهاء يفرقون بين حالتين: حالة مخالفة العرف لنص شرعي، وحالة مخالفته لحكم فقهي اجتهادي.

стр. 7631

٣٩- (أ) مخالفة العرف لنص شرعي: إذا قام عرف يخالف نصًّا من الكتاب أو السنة، فإما أن تكون هذه المخالفة من كل وجه، بحيث لا يمكن التوفيق بينهما، وإما أن تكون المخالفة ناجمة عن تنظيم العرف لمراكز معينة على نحو يختلف عن التنظيم الذي بنى على النص، بحيث يمكن التوفيق بينهما على نحو أو آخر. ٤٠- فإذا كانت مخالفة العرف للنص كاملة، ولا يمكن التوفيق بينهما بأي حال، عمل بالنص ولا اعتبار للعرف وفي هذا يقول ابن الهمام:".. النص أقوى من العرف، لأن العرف جاز أن يكون على باطل، كتعارف أهل زماننا في إخراج الشموع والسرج إلى المقابر ليالي العيد، والنص بعد ثبوته لا يحتمل أن يكون على باطل ولأن حجية العرف على الذين تعارفوه والتزموه فقط، والنص حجة على الكل فهو أقوى ولأن العرف صار حجة بالنص، وهو قوله ﷺ : ((ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن)) (١) وقد سبق أن أوردنا قول ابن حجر: " إن الشافعية إنما أنكروا العمل بالعرف إذا عارضه النص الشرعي.. " (٢) وفي رسالة نشر العرف: " إذ خالف العرف الدليل الشرعي، فإن خالفه من كل وجه بأن لزم منه ترك النص، فلا شك في رده، كتعارف الناس كثيرًا من المحرمات من الربا وشرب الخمر ولبس الحرير والذهب وغير ذلك مما ورد تحريمه نصا " (٣) . ٤١- أما إذا أمكن التوفيق بين النص والعرف، بأن كان النص عامًّا والعرف يخصصه، أو كان النص مطلقًا والعرف يخصصه، أو كان النص مطلقًا والعرف يقيده، فإن أكثر الفقهاء على اعتبار العرف، لأنه لا يلزم من اعتباره ترك النص، بل يعمل بهما جميعًا مثال ذلك: ما روى عن الإمام مالك من تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٤) بما قضى به العرف والعادة من أن الشريفة لا يجب عليها رضاع (٥) ومثله ما روي من ((أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط)) ، فقد ذكر الفقهاء أن هذا الحديث معلل بوقوع النزاع المخرج للعقد عن المقصود به، وهو قطع المنازعة، والشرط الذي جرى به التعامل يفض النزاع، فيكون موافقًا لمعنى الحديث، وفي هذا تقييد للنص المطلق بالعرف، جاء في المبسوط: ".. وإن كان شرطًا لا يقتضيه العقد، وفيه عرف ظاهر، فذلك جائز أيضًا، كما لو اشترى بغلًا وشراكًا بشرط أن يحذوه البائع، لأن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، ولأن في النزوع عن العادة الظاهرة حرجًا بينا " (٦) .

стр. 7632

٤٢- (ب) مخالفة العرف لحكم اجتهادي: إذا تكون عرف يخالف بعض الأحكام الفقهية، التي استنبطها المجتهدون من الأدلة الشرعية، فإن الفقهاء يكادون يتفقون على أن يعمل بالعرف؛ لأنه أقوى من القياس، فالعرف قاض عليه (١) لأن العرف بمنزلة الإجماع عند عدم النص (٢) ، وسائر الأدلة تأتي بعد القياس في المرتبة، لاختلاف الأصوليين في اعتبارها. وقد تعرض العلامة ابن عابدين لهذا الموضوع بالتفصيل، فذكر أن مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا أخذا من قواعد مذهبه ثم أورد في ذلك عدة مسائل، منها: " إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه، ولانقطاع عطايا المعلمين التي كانت في الصدر الأول، ولو اشتغل المعلمون بالتعليم بلا أجره يلزم ضياعهم وضياع عيالهم، ولو اشتغلوا بالاكتساب من حرفة وصناعة يلزم ضياع القرآن والدين فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم، وكذا على الإمامة والأذان كذلك، مع أن ذلك مخالف لما اتفق عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، من عدم جواز الاستئجار وأخذ الأجرة عليه، كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك (٣) ونجد مثل ذلك كثيرًا في كتب المذاهب الفقهية الأخرى (٤) . * * * المبحث الثاني تغير الأحكام بتغير الأزمان ٤٣- من القواعد الفقهية التي استقرت في التشريع الإسلامي، قاعدة: " لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان " (٥) ذلك أن الأصول المتفق عليها تقضي بأن التشريع لا يكون عادلًا إلا إذا كانت أحكامه تلائم من شرع لهم بمراعاة أعرافهم وظروف بيئتهم، وأن التشريع الذي تلائم أحكامه قومًا قد لا يلائم أحوال قوم آخرين، بل أن أحكام التشريع الواحد قد تلائم الأمة في وقت ولا تلائمها في وقت غيره (٦) وتطبيقًا لهذه الأصول فإنه يجوز أن تتغير الأحكام التي روعي فيها العرف والعادة، ليحل محلها أحكام جديدة يراعى فيها ما يستجد من أعراف وعادات (٧) ، بما يدفع الحرج ويرفع الضرر ويحقق مصالح العباد.

стр. 7633

وقد استند بعض من لا حظ لهم من فقه الشريعة الإسلامية على هذه القاعدة للمطالبة بتغيير كثير من الأحكام الشرعية، بدعوى أنها لم تعد تصلح لهذا الزمان (١) وهذا يقتضي أن نبين أولًا: مضمون هذه القاعدة ثم نورد بعض تطبيقاتها بما يناسب هذا البحث، حتى نستطيع تحديد طبيعة هذا التغيير. ٤٤- أولا: مضمون القاعدة: لا ينبغي أن يفهم من هذه القاعدة إمكان تبدل الأحكام بصفة مطلقة، ذلك أن الأحكام في الشرع الإسلامي على ضربين: (أ) حكم قطعي بني على صريح النص من الكتاب أو السنة أو على الإجماع ومثل هذا الحكم لا يجري عليه تغيير، لأن تغييره يعد نسخًا لحكم شرعي ثابت، وإنه لا يجوز بعد انقضاء عصر الوحي، مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة وضروب الاجتهاد " كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد مخالف لما وضع عليه " (٢) . (ب) حكم ظني تقرر بناء على الاجتهاد في فهم النص، أو على مراعاة عرف صحيح قائم، وهذا هو الذي يمكن أن يتطرق إليه التبديل، لاختلاف مناهج المجتهدين، أو لتغير الأعراف تبعًا لتغير الأزمان والأماكن وظروف البيئة وفي هذا يقول ابن عابدين: " اعلم أن المتأخرين الذين خالفوا المنصوص في كتب المذهب في المسائل السابقة، لم يخالفوه إلا لتغير الزمان والعرف، وعلمهم أن صاحب المذهب لو كان في زمنهم لقال بما قالوه، مما يستخرج به الحق من ظالم أو يدفع دعوى متعنت ونحوه بعدم سماع دعواه أو بحبسه أو نحوه " (٣) ومثله ما ذكره القرافي من أن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت، كالنقود في المعاملات والعيوب في الأعراض في البياعات ونحو ذلك.. وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد، وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه.. وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام، فمهما تجدد من العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك.. فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين (٤) وقد عقب ابن القيم على كلام القرافي هذا بقوله: وهذا محصن الفقه، فمن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب، على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم، فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم، بما في كتاب من كتب الطب (٥) .

стр. 7634

٤٥- ثانيا – بعض تطبيقات القاعدة: (أ) يقول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) ، ثم يقول: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢) . وهذا يدل على أن الطلاق يقع مرة فمرة، وللزوج بعد كل من المرتين أن يراجع زوجته فإن طلقها الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره فإذا قال الرجل لزوجته: " أنت طالق ثلاثًا " كان مرتكبًا لإثم بلغ مداه أن أغضب النبي ﷺ حتى قال: ((أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟)) ولكن هذه الصيغة لم يكن يقع بها، في عهد الرسول ﷺ وفي خلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، إلا طلقة واحدة رجعية فلما تتابع الناس (٣) بعد ذلك في الطلاق، قال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم؟! فأمضاه عليهم، وألزمهم الثلاث، وقد تابع عمر في هذا كثير من الصحابة، وجمهور التابعين، وأئمة المذاهب الأربعة (٤) غير أن بعض الصحابة والتابعين وأصحاب المذاهب الأخرى وعدد من الفقهاء ظلوا على ما كان عليه الأمر من قبل، فلم يوقعوا بلفظ الثلاث إلا طلقة رجعية، وهذا هو السائد اليوم في قوانين الأحول الشخصية (٥) وأيا ما كان الأمر، فلا خلاف في أن هنا تغير " تبعا لتبدل العادات، سواء ذهبنا إلى أن الحكم بإيقاع الثلاث مطابقة لعادة الناس في قصودهم وطوايهم أو من باب السياسة الشرعية عقوبة لهم على تعاطي المحرم (٦) . (ب) روي أن النبي ﷺ قال: ((البر بالبر كيلًا بكيل مثلًا بمثل)) وكذلك الشعير والتمر والملح، أما الذهب والفضة فقال فيمها: ((وزنًا بوزن)) وتأسيسا على هذا الحديث قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، إن كل شيء نص رسول الله ﷺ على تحريم التفاضل فيه كيلًا فهو مكيل أبدًا، وإن ترك الناس الكيل فيه، مثل الحنطة والشعير والتمر والملح، وكل ما نص على تحريم التفاضل فيه وزنا فهو موزن أبدًا، وإن ترك الناس الوزن فيه، مثل الذهب والفضة أما أبو يوسف، فقد رأى أن النص على بيع الحنطة كيلًا وبيع الذهب وزنًا، ما جاء إلا بناء على العرف، وبيعت الحنطة وزنًا إن وجب العمل بالعرف الجديد (٧) " وعلى هذا فلو تعارف الناس بيع الدراهم بالدراهم أو استقراضها بالعدد – كما في زماننا – لا يكون مخالفًاٍ للنص فالله تعالى يجزي الإمام أبا يوسف عن أهل هذا الزمان خير الجزاء، فلقد سد عنهم بابًا عظيما من الربا " (٨) .

стр. 7635

(ج) كتب الفقه من مختلف المذاهب مليئة بالمسائل التي بنى المجتهدون الأوائل حكمها على الأعراف والعادات التي سادت زمانهم وبيئتهم، فلما تغيرت هذه الأعراف والعادات، أفتى المتأخرون بخلاف المنصوص عليه في المذهب وصرحوا بأن هذا: اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان فمن ذلك: إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه، وبعدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة، وبتحقق الإكراه من غير السلطان وبتضمين الأجير المشترك، وبمنع الوصي من المضاربة بمال اليتيم، وبتضمين الغاصب عقار اليتيم والوقف، وبعدم إجارته أكثر من سنة في الدور وأكثر من ثلاث سنين في الأراضي، وبسقوط الشفعة إذا أخر طلب التملك شهرًا، وبعدم سماع الدعوى ممن سكت بعد إطلاعه على بيع جاره أو قريبه دارًا مثلًا، وغير ذلك (١) . ٤٦- ثالثا: طبيعة هذا التغيير: سبق أن ذكرنا أن تغير الأحكام بتغير الأزمان لا يعد نسخًا لحكم ثابت، وإنما هو استصحاب قاعدة " اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد (٢) ، ومقتضى تلك القاعدة: " أن أمر الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة (٣) والواقع " أن للواقعة الواحدة – ذات الأحوال المختلفة – حكمين أو أحكامًا ثابتة، لكل حكم تطبيق في ظرفه الذي يختص به " (٤) ، ولعل هذا هو ما أشر إليه الشاطبي بقوله: " ... وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها " (٥) وهو ما دعا ابن القيم لأن يجعل عنوان هذا الموضوع: " فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد " (٦) . من أجل ذلك اشترط بعض المحققين في القاضي أن يكون له فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يميز به بين الصادق والكاذب والمحق والمبطل، ثم يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفًا للواقع وكذا المفتي الذي يفتي بالعرف لا بد له من معرفة الزمان وأحوال أهله، ومعرفة أن هذا العرف خاص أو عام، وأنه مخالف للنص أولا، ولا بد له من التخرج على أستاذ ماهر، ولا يكفيه مجرد حفظ المسائل والدلائل (٧) . * * *
следующие страницы →