٣٩- (أ) مخالفة العرف لنص شرعي:
إذا قام عرف يخالف نصًّا من الكتاب أو السنة، فإما أن تكون هذه المخالفة من كل وجه، بحيث لا يمكن التوفيق بينهما، وإما أن تكون المخالفة ناجمة عن تنظيم العرف لمراكز معينة على نحو يختلف عن التنظيم الذي بنى على النص، بحيث يمكن التوفيق بينهما على نحو أو آخر.
٤٠- فإذا كانت مخالفة العرف للنص كاملة، ولا يمكن التوفيق بينهما بأي حال، عمل بالنص ولا اعتبار للعرف وفي هذا يقول ابن الهمام:".. النص أقوى من العرف، لأن العرف جاز أن يكون على باطل، كتعارف أهل زماننا في إخراج الشموع والسرج إلى المقابر ليالي العيد، والنص بعد ثبوته لا يحتمل أن يكون على باطل ولأن حجية العرف على الذين تعارفوه والتزموه فقط، والنص حجة على الكل فهو أقوى ولأن العرف صار حجة بالنص، وهو قوله ﷺ : ((ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن)) (١) وقد سبق أن أوردنا قول ابن حجر: " إن الشافعية إنما أنكروا العمل بالعرف إذا عارضه النص الشرعي.. " (٢) وفي رسالة نشر العرف: " إذ خالف العرف الدليل الشرعي، فإن خالفه من كل وجه بأن لزم منه ترك النص، فلا شك في رده، كتعارف الناس كثيرًا من المحرمات من الربا وشرب الخمر ولبس الحرير والذهب وغير ذلك مما ورد تحريمه نصا " (٣) .
٤١- أما إذا أمكن التوفيق بين النص والعرف، بأن كان النص عامًّا والعرف يخصصه، أو كان النص مطلقًا والعرف يخصصه، أو كان النص مطلقًا والعرف يقيده، فإن أكثر الفقهاء على اعتبار العرف، لأنه لا يلزم من اعتباره ترك النص، بل يعمل بهما جميعًا مثال ذلك: ما روى عن الإمام مالك من تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٤) بما قضى به العرف والعادة من أن الشريفة لا يجب عليها رضاع (٥) ومثله ما روي من ((أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط)) ، فقد ذكر الفقهاء أن هذا الحديث معلل بوقوع النزاع المخرج للعقد عن المقصود به، وهو قطع المنازعة، والشرط الذي جرى به التعامل يفض النزاع، فيكون موافقًا لمعنى الحديث، وفي هذا تقييد للنص المطلق بالعرف، جاء في المبسوط: ".. وإن كان شرطًا لا يقتضيه العقد، وفيه عرف ظاهر، فذلك جائز أيضًا، كما لو اشترى بغلًا وشراكًا بشرط أن يحذوه البائع، لأن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، ولأن في النزوع عن العادة الظاهرة حرجًا بينا " (٦) .
стр. 7632
٤٢- (ب) مخالفة العرف لحكم اجتهادي:
إذا تكون عرف يخالف بعض الأحكام الفقهية، التي استنبطها المجتهدون من الأدلة الشرعية، فإن الفقهاء يكادون يتفقون على أن يعمل بالعرف؛ لأنه أقوى من القياس، فالعرف قاض عليه (١) لأن العرف بمنزلة الإجماع عند عدم النص (٢) ، وسائر الأدلة تأتي بعد القياس في المرتبة، لاختلاف الأصوليين في اعتبارها.
وقد تعرض العلامة ابن عابدين لهذا الموضوع بالتفصيل، فذكر أن مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا أخذا من قواعد مذهبه ثم أورد في ذلك عدة مسائل، منها: " إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه، ولانقطاع عطايا المعلمين التي كانت في الصدر الأول، ولو اشتغل المعلمون بالتعليم بلا أجره يلزم ضياعهم وضياع عيالهم، ولو اشتغلوا بالاكتساب من حرفة وصناعة يلزم ضياع القرآن والدين فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم، وكذا على الإمامة والأذان كذلك، مع أن ذلك مخالف لما اتفق عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، من عدم جواز الاستئجار وأخذ الأجرة عليه، كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك (٣) ونجد مثل ذلك كثيرًا في كتب المذاهب الفقهية الأخرى (٤) .
* * *
المبحث الثاني
تغير الأحكام بتغير الأزمان
٤٣- من القواعد الفقهية التي استقرت في التشريع الإسلامي، قاعدة: " لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان " (٥) ذلك أن الأصول المتفق عليها تقضي بأن التشريع لا يكون عادلًا إلا إذا كانت أحكامه تلائم من شرع لهم بمراعاة أعرافهم وظروف بيئتهم، وأن التشريع الذي تلائم أحكامه قومًا قد لا يلائم أحوال قوم آخرين، بل أن أحكام التشريع الواحد قد تلائم الأمة في وقت ولا تلائمها في وقت غيره (٦) وتطبيقًا لهذه الأصول فإنه يجوز أن تتغير الأحكام التي روعي فيها العرف والعادة، ليحل محلها أحكام جديدة يراعى فيها ما يستجد من أعراف وعادات (٧) ، بما يدفع الحرج ويرفع الضرر ويحقق مصالح العباد.
стр. 7633
وقد استند بعض من لا حظ لهم من فقه الشريعة الإسلامية على هذه القاعدة للمطالبة بتغيير كثير من الأحكام الشرعية، بدعوى أنها لم تعد تصلح لهذا الزمان (١) وهذا يقتضي أن نبين أولًا: مضمون هذه القاعدة ثم نورد بعض تطبيقاتها بما يناسب هذا البحث، حتى نستطيع تحديد طبيعة هذا التغيير.
٤٤- أولا: مضمون القاعدة:
لا ينبغي أن يفهم من هذه القاعدة إمكان تبدل الأحكام بصفة مطلقة، ذلك أن الأحكام في الشرع الإسلامي على ضربين:
(أ) حكم قطعي بني على صريح النص من الكتاب أو السنة أو على الإجماع ومثل هذا الحكم لا يجري عليه تغيير، لأن تغييره يعد نسخًا لحكم شرعي ثابت، وإنه لا يجوز بعد انقضاء عصر الوحي، مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة وضروب الاجتهاد " كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد مخالف لما وضع عليه " (٢) .
(ب) حكم ظني تقرر بناء على الاجتهاد في فهم النص، أو على مراعاة عرف صحيح قائم، وهذا هو الذي يمكن أن يتطرق إليه التبديل، لاختلاف مناهج المجتهدين، أو لتغير الأعراف تبعًا لتغير الأزمان والأماكن وظروف البيئة وفي هذا يقول ابن عابدين: " اعلم أن المتأخرين الذين خالفوا المنصوص في كتب المذهب في المسائل السابقة، لم يخالفوه إلا لتغير الزمان والعرف، وعلمهم أن صاحب المذهب لو كان في زمنهم لقال بما قالوه، مما يستخرج به الحق من ظالم أو يدفع دعوى متعنت ونحوه بعدم سماع دعواه أو بحبسه أو نحوه " (٣) ومثله ما ذكره القرافي من أن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت، كالنقود في المعاملات والعيوب في الأعراض في البياعات ونحو ذلك.. وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد، وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه.. وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام، فمهما تجدد من العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك.. فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين (٤) وقد عقب ابن القيم على كلام القرافي هذا بقوله: وهذا محصن الفقه، فمن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب، على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم، فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم، بما في كتاب من كتب الطب (٥) .
стр. 7634
٤٥- ثانيا – بعض تطبيقات القاعدة:
(أ) يقول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) ، ثم يقول: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢) .
وهذا يدل على أن الطلاق يقع مرة فمرة، وللزوج بعد كل من المرتين أن يراجع زوجته فإن طلقها الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره فإذا قال الرجل لزوجته: " أنت طالق ثلاثًا " كان مرتكبًا لإثم بلغ مداه أن أغضب النبي ﷺ حتى قال: ((أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟)) ولكن هذه الصيغة لم يكن يقع بها، في عهد الرسول ﷺ وفي خلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، إلا طلقة واحدة رجعية فلما تتابع الناس (٣) بعد ذلك في الطلاق، قال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم؟! فأمضاه عليهم، وألزمهم الثلاث، وقد تابع عمر في هذا كثير من الصحابة، وجمهور التابعين، وأئمة المذاهب الأربعة (٤) غير أن بعض الصحابة والتابعين وأصحاب المذاهب الأخرى وعدد من الفقهاء ظلوا على ما كان عليه الأمر من قبل، فلم يوقعوا بلفظ الثلاث إلا طلقة رجعية، وهذا هو السائد اليوم في قوانين الأحول الشخصية (٥) وأيا ما كان الأمر، فلا خلاف في أن هنا تغير " تبعا لتبدل العادات، سواء ذهبنا إلى أن الحكم بإيقاع الثلاث مطابقة لعادة الناس في قصودهم وطوايهم أو من باب السياسة الشرعية عقوبة لهم على تعاطي المحرم (٦) .
(ب) روي أن النبي ﷺ قال: ((البر بالبر كيلًا بكيل مثلًا بمثل)) وكذلك الشعير والتمر والملح، أما الذهب والفضة فقال فيمها: ((وزنًا بوزن)) وتأسيسا على هذا الحديث قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، إن كل شيء نص رسول الله ﷺ على تحريم التفاضل فيه كيلًا فهو مكيل أبدًا، وإن ترك الناس الكيل فيه، مثل الحنطة والشعير والتمر والملح، وكل ما نص على تحريم التفاضل فيه وزنا فهو موزن أبدًا، وإن ترك الناس الوزن فيه، مثل الذهب والفضة أما أبو يوسف، فقد رأى أن النص على بيع الحنطة كيلًا وبيع الذهب وزنًا، ما جاء إلا بناء على العرف، وبيعت الحنطة وزنًا إن وجب العمل بالعرف الجديد (٧) " وعلى هذا فلو تعارف الناس بيع الدراهم بالدراهم أو استقراضها بالعدد – كما في زماننا – لا يكون مخالفًاٍ للنص فالله تعالى يجزي الإمام أبا يوسف عن أهل هذا الزمان خير الجزاء، فلقد سد عنهم بابًا عظيما من الربا " (٨) .
стр. 7635
(ج) كتب الفقه من مختلف المذاهب مليئة بالمسائل التي بنى المجتهدون الأوائل حكمها على الأعراف والعادات التي سادت زمانهم وبيئتهم، فلما تغيرت هذه الأعراف والعادات، أفتى المتأخرون بخلاف المنصوص عليه في المذهب وصرحوا بأن هذا: اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان فمن ذلك: إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه، وبعدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة، وبتحقق الإكراه من غير السلطان وبتضمين الأجير المشترك، وبمنع الوصي من المضاربة بمال اليتيم، وبتضمين الغاصب عقار اليتيم والوقف، وبعدم إجارته أكثر من سنة في الدور وأكثر من ثلاث سنين في الأراضي، وبسقوط الشفعة إذا أخر طلب التملك شهرًا، وبعدم سماع الدعوى ممن سكت بعد إطلاعه على بيع جاره أو قريبه دارًا مثلًا، وغير ذلك (١) .
٤٦- ثالثا: طبيعة هذا التغيير:
سبق أن ذكرنا أن تغير الأحكام بتغير الأزمان لا يعد نسخًا لحكم ثابت، وإنما هو استصحاب قاعدة " اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد (٢) ، ومقتضى تلك القاعدة: " أن أمر الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة (٣) والواقع " أن للواقعة الواحدة – ذات الأحوال المختلفة – حكمين أو أحكامًا ثابتة، لكل حكم تطبيق في ظرفه الذي يختص به " (٤) ، ولعل هذا هو ما أشر إليه الشاطبي بقوله: " ... وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها " (٥) وهو ما دعا ابن القيم لأن يجعل عنوان هذا الموضوع: " فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد " (٦) .
من أجل ذلك اشترط بعض المحققين في القاضي أن يكون له فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يميز به بين الصادق والكاذب والمحق والمبطل، ثم يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفًا للواقع وكذا المفتي الذي يفتي بالعرف لا بد له من معرفة الزمان وأحوال أهله، ومعرفة أن هذا العرف خاص أو عام، وأنه مخالف للنص أولا، ولا بد له من التخرج على أستاذ ماهر، ولا يكفيه مجرد حفظ المسائل والدلائل (٧) .
* * *
стр. 7636
الفصل الرابع
التطور التشريعي للعرف
ــ
٤٧- ظل العرف الصحيح الذي استوفى أركانه يؤدي وظائفه في تكميل التشريع ومعاونته على مدى القرون في جميع بلاد الإسلام، فنهض به المجتهدون في فترة الازدهار الفقهي، وتابعهم في ذلك من أتي بعدهم من الفقهاء والعلماء، وحكم بمقتضاه القضاة، كما أفتى بتغيره المفتون عندما كانوا يلاحظون تغير الظروف وأفسحت له كتب الفقه من متخلف المذاهب وفي جميع العصور مكانًا رحبا في كل باب من أبوابها، حتى أخذ مكانه الرسمي بين نصوص التشريع في مجلة الأحكام العدلية، التي كانت تطبق في كثير من بلدان العالم الإسلامي.
فلما كان القرن الماضي شهد العرف انحرافًا عن مساره الشرعي، يمكن رده إلى عاملين: يتمثل الأول منهما في إحياء العادات والأعراف المحلية بغض النظر عن موافقتها أو مخالفتها للأحكام الشرعية ويرجع الآخر إلى انتشار حركات التقنين في تشريعات الدول الإسلامية، وتأثرها بالفكر القانوني الغربي وإذن ينقسم هذا الفصل إلى مبحثين.
المبحث الأول: إحياء الأعراف المحلية.
والمبحث الثاني: انتشار حركة التقنين.
* * *
المبحث الأول
إحياء الأعراف المحلية
٤٨- ساعد على إحياء الأعراف والعادات المحلية في البلاد الإسلامية أمران: خلو بعض الأقاليم النائية من التنظيمات القضائية، والاستعمار الغربي لمعظم بلاد الإسلام.
٤٩- أولا: خلو بعض الأقاليم النائية من التنظيم القضائي:
كان ضعف السلطة المركزية في بعض الأقاليم الإسلامية، وبعد هذه الأقاليم عن مراكز الثقافة والعلوم الشرعية، من العوامل التي مهدت لقيام قضاء قبلي، يتوارثه الأبناء عن آبائهم، فيفصلون فيما يعرض عليهم من نزاع وفق الأعراف السائدة في القبيلة والظروف المحيطة بالبيئة ومع مرور الزمن استقرت هذه الأحكام، وقام بتطبيقها أناس لا حظ لهم من العلم والمعرفة، فكان أكثر الأحكام يتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية.
стр. 7637
وقد استمر هذا الوضع إلى عهد قريب، لدى قبائل شمالي إفريقيا، ولدى القبائل المصرية التي تقيم في الصحراء الغربية، ولدى العشائر المختلفة في السودان والصومال وجزر القمر وغيرها، وينطبق نفس الحكم على القبائل التي تسكن الأماكن النائية في شبه الجزيرة العربية والشام والعراق وتركيا وإيران، ولا يختلف الوضع لدى الطوائف الإسلامية في شبه القارة الهندية وجزر الهند الشرقية. ولا يتسع المجال لعرض شيء من هذه العادات وبيان صلتها بالفقه الإسلامى، فقد تناولها بالشرح والتحليل عدد من الباحثين (١) .
٥٠- ثانيا: الاستعمار الغربي في بلاد الإسلام:
لم يعد خافيًّا على أحد أن استعمار دول الغرب للبلاد الإسلامية صاحبه منهج علمي شامل هدفه تغيير الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وكان التشريع الإسلامي يشكل العقبة الكؤود في سبيل هذا التغيير، لذا وجه الاستعمار كل أجهزته لإحياء العادات المحلية، حتى تكون عونًا له على إضعاف الشريعة الإسلامية وإقصائها عن الحياة العملية، ومن ثم يجد الطريق ممهدا لتطبيق ما جاء به من قوانين (٢)
٥١- (أ) ففي شبه القارة الهندية:
استعان الإنجليز بالعادات القديمة التي كانت مجموعة في قانون مانو، لسن ما احتاجوا إلى سنه من تشريع (٣) بعد ما ظلت في طي النسيان قرابة سبعة قرون، كان نظام الحياة كله في هذه البلاد يجري خلالها على أحكام الفقه الإسلامي (٤) كتب "Lokhanwalla " في دائرة المعارف الإسلامية: " بقيام الحكم البريطاني للهند، حل النظام القانوني الإنجليزي محل إجراءات التقاضي الإسلامية، كما حل محل أصول الشريعة الإسلامية إلى حد كبير، وكذلك ألبست العادات ثوب الصحة القانونية على أساس من الإنصاف والعدل وسلامة الضمير.. وقد سلم في رأي " كرامت علي " المناهض لـ" سادات على " بأن الشريعة الإسلامية عدلتها العادة المرعية في البلد الذي يأخذ بها..
стр. 7638
وقد لوحظ اختلاف الوصية بحسب العرف عن الشريعة الإسلامية أيضًا في بعض أجزاء البنجاب.. ولا تعترف الشريعة الإسلامية بالتبني، على أن طغى العرف على هذا التحريم.. ويطبق حكم الشريعة الإسلامية في الشفعة على تفاوت في ضوء ما جرى به العرف وقد رفضت محاكم مدارس الأخذ به لأنه في رأيها مناف للعدل والإنصاف وسلامة الضمير.. وبتقسيم الهند يمكن أن نذهب إلى أن العادات سوف لا يكون لها منذ الآن أية حجة شرعية في الباكستان، ومع ذلك فإن هذا القول لا يصدق بيقين على الهند. وعلى أن العادة، سواء اكتسبت حجة شرعية أو لم تكتسب، فإنه سوف يكون من المستحيل أن نقتلع أثرها الراسخ في النفوس لعدة أجيال قادمة (١)
٥٢ – (ب) شمالي إفريقية:
يعترف "Bousquet" بأن شمالي إفريقيا، الذي كان أهله يتحدثون بلهجات بربرية قبل قدوم العرب، قد اصطبغ منذ قدومهم بصبغة عربية وإسلامية متأصلة (٢) فلما أخضع الفرنسيون هذه القبائل، في سنة ١٨٥٧ هـ، استماتوا في سبيل الوقوف على أعراف وعادات " القبائل الكبرى " و" الريف " و " الأطلس المغربي "، التي لم تكن مقبولة لدى الحكومات الإسلامية في تلك المناطق. وكانت أول عقبة واجهتهم: أن اللغة البربرية لغة حديث وتخاطب، وليست لغة كتابة فاستعاضوا عنها مؤقتًا باللغة العربية. وقد قام علماء فرنسيون بإجراء تحقيقات مع الشيوخ والقرويين، بواسطة بعض الموظفين الرسميين، لمعرفة ما انتقل إليهم من العادات الموروثة، ثم جمعوها في ثلاثة مجلدات، أضفوا عليها صبغة فنية وقانونية، مما جعل المحاكم تلتزم بتطبيقها (٣) وإلى جانب ذلك قام فرق من العلماء على رأسه "Hanoteau" و "Letourneux" بترجمة عدة وثائق عرفية، محررة باللغة العربية، لتكون أحد عوامل الانفصال لدى القبائل (٤) ، إلى جانب اللغة الفرنسية التي بذلوا جهدًا شاقًا في سبيل تعليمهم إياها، وغرسها في نفوس وعقول أبنائهم.
٥٣- (ج) جزر الهند الشرقية:
تشمل كلمة " أدت "، التي سادت جميع المناطق في جزر الهند الشرقية، كل ما يدخل في باب العرف والشعائر والمعاملات (٥) ولما احتل الهولنديون هذه الجزر، عمدوا إلى إحياء العادات الأندونيسية القديمة وتجميعها في قانون أطلق عليه اسم "Adatrecht"، وأجبروا طلاب كلية الحقوق في "Batavia" على دراسته منذ سنة ١٩١٠ م. وإلى جانب ذلك قام "Snouch-Hurgronje" و "Van Vollenhoven" بتجميع محاضر جلسات لجنة التحقيق عن الأعراف والعادات بماليزيا في أربعة وثلاثين مجلدًا (٦) وقد قام جدل لم ينقطع حول قيمة " قانون العادات " وصلته بالشريعة، أدى بأتباع الأحزاب القومية المتطرفين إلى رفض الشريعة الإسلامية وقانون العادة جميعًا، والمطالبة بتطبيق القانون الهولندي. فاتخذ المستعمرون من هذا الموقف الجديد ذريعة لصبغ قانون الأحوال الشخصية في أندونيسيا بالصبغة الغربية، ولكن مشروعاته لم توضع موضع التنفيذ ومع ذلك، فإن بعض عناصر القانون الغربي تسللت إلى الحياة الأندونيسية نتيجة للمشروعات الحديثة، تمهيدًا لوضع لائحة موحدة " تجمع جمعًا طريفًا بين عناصر من القانون الغربي والشريعة الإسلامية وقانون العادة " على حد تعبير "Prins" (٧)
* * *
стр. 7639
المبحث الثاني
التقنيات الحديثة والعرف
ــ
٥٤- التقنين مصطلح يقصد به واحد من أمرين:
١- العمل التشريعي الرسمي المتعلق بجمع القواعد القانونية الخاصة بفرع متجانس من فروع القانون، في مجموعة واحدة، بعد ترتيبها وترقيمها وإزالة ما قد يعتريها من تعارض.
٢- المجموعة الرسمية ذاتها، التي تضم فرعًا متكاملًا من فروع القانون (١)
ولما انتشرت حركة التقنين في أوروبا، خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بعد نجاح مجموعات " نابليون" أصدرت الدولة العثمانية عدة قوانين تجمع بين الشريعة الإسلامية والعرف المحلي والقانون الفرنسي. وكان أهم هذه القوانين: مجلة الأحكام العدلية، التي تم إنجازها عام ١٢٩٣ هـ ١٨٧٦ م على غرار التقنيات الحديثة، مع استمدادها من الفقه الحنفي، والأخذ بعين الاعتبار قبول المسائل المبينة على العرف والعادة (٢) وبعد ذلك توالى صدور التقنينات في الدول الإسلامية لتنظيم كافة العلاقات القانونية ومرفق القضاء. ونتيجة لهذه التقنيات، جعل المشرع نصوص القانون المصدر الرسمي الأول، لأنها تضمنت ما أمكن الوقوف عليه وتنظيمه من أحكام، سواء أكان مصدرها التاريخي أحكامًا فقهية، أم كان هذا المصدر أعرافًا وعادات، أم كان غير ذلك.
٥٥- أما العرف، كمصدر رسمي، فقد وضعته بعض التقنيات في المركز الثاني، بحيث يلجأ إليه القاضي عندما لا يجد نصًّا تشريعيًّا يمكن تطبيقه على النزاع المطروح أمامه (٣) وجعله البعض الآخر في المركز الثالث، بعد نصوص ومبادئ الشريعة الإسلامية أو الفقه الإسلامي (٤)
٥٦- وأيا ما كان مركز العرف من مصادر التشريع، فهناك شرط أساسي لا بد من توافره لاعتبار العرف مصدرًا، وهو: مخالفته للنظام العام المطبق في البلاد، أو لحسن الآداب السائدة فيها وقد نصت بعض القوانين صراحة على هذا الشرط (٥) ولكن غالبيتها لا يشير إليه، لأنه أصبح أمرًا معروفًا لا جدال فيه فقد جاء في المذاكرة الإيضاحية للقانون المدني الكويتي بمناسبة تعليقها على المادة الأولي: " وغني عن البيان أن العرف المعتبر هنا هو ذاك الذي لا يخالف النظام العام أو حسن الآداب فالعادات التي تتنافى مع الأسس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية التي تقوم عليها الجماعة لا ترقي أبدًا إلى مرتبة العرف، وإن طال عليها الأمد وفي بلد – كالكويت – يدين بالإسلام بنص الدستور، لا يمكن أن يعتبر عرفًا كل ما يخالف أصلا من أصول الإسلام أو حكمًا من أحكامه الأساسية الثابتة.
стр. 7640
خاتمة
٥٧- حاولت في هذا البحث أن ألم بموضوع العرف بطريقة موجزة وأن أبعد عن التفصيل والجدل والخلاف ما أمكن، حرصًا على موضوعية البحث، وتجنبًا لتشعبه والإطالة فيه.
وقد خطر ببالي أن أجعل البحث في قسمين: أخصص أولهما لدراسة العرف في الشرع الإسلامي، وأستعرض في الآخر تطور العرف في الفكر القانوني منذ العصر الروماني حتى الوقت الراهن، غير أني لاحظت أن البحث مقدم إلى مجمع الفقه الإسلامي، وقد يكون فيما أفعل تزيد غير مطلوب.
وقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الشرع الإسلامي يحمل في طياته بذور نمائه، فأحكامه يمكن أن تتسع لمواجهة الأوضاع المستجدة دون أن تفقد خصائصها المميزة، مما يؤكد صحة القضية القائلة إن التشريع الإسلامي صالح لكل زمان ومكان.
والآن، وقد عرفنا أن أعداء الإسلام يتخذون من الأعراف القومية والعادات المحلية في البلاد الإسلامية منفذًا يلجؤون منه لهدم الإسلام من الداخل، يجدر أن نكون على حذر في التعامل مع العادات والأعراف التي تسود مجتمعنا الإسلامي، وأن نضعها في حجمها الشرعي الصحيح.
أما أولئك الذين جربوا دهاءهم في بلاد الإسلام، ثم رجعوا بخفي حنين، فإليهم أسوق قول رب العزة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١) .
الدكتور محمد جبر الألفي.
стр. 7641
العرف في الفقه الإسلامي
إعداد
الدكتور إبراهيم كافي دونمز
أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله
بكليات الإلهيات بجامعة مرمرة
استانبول - تركيا
لقد نشر الباب الأول من هذا البحث بعنوان: " نظرة جديدة إلى مكانة مفهوم العرف والعادة في الفقه الإسلامي "، في" مجلة العلوم الإسلامية "، تصدرها جامعة الأمير عبد القادر، للعلوم الإسلامية بقسنطينة (الجزائر) ، السنة: الأولى، العدد: الأول، قسنطينة، إبريل ١٩٨٦ م.
خطة البحث
العرف
في الفقه الإسلامي
تمهيد
الباب الأول
مكانة مفهوم العرف والعادة في أدب الفقه الإسلامي
١- بصورة عامة
١-١ مكانة العرف والعادة في التشريع الإسلامى بصفة عامة.
١-٢ نظرة عامة إلى مكانه العرف والعادة في أدب الفقه الإسلامي.
٢- دور العرف والعادة في مختلف مجالات الفقه الإسلامي.
٢-١ دور العرف والعادة في منهجية القانون
٢-١-١في الاجتهاد البياني
(أ) في التفسير اللفظي
(أ) دور العرف القولي
(ب) دور العرف العملي
(ب) في التفسير بالمعنى
(أ) في التفسير المقرر.
(ب) في التفسير الضيق.
(ج) في التفسير الواسع.
٢-١-٢ في الاجتهاد القياسي.
٢-١-٣ في الاجتهاد الاستصلاحي.
٢-٢ دور العرف والعادة في تطبيق القانون.
٢-٢-١ في تطبيق الأحكام المستندة إلى العرف.
٢-٢-٢ في حالات وجود سلطة التقدير للحاكم.
٢-٢-٣ في تفسير التصرفات القانونية.
٢-٣ دور العرف والعادة في مجال قانون المرافعات (تقدير أدلة الطرفين) .
стр. 7642
الباب الثاني:
نظرة تحليلية إلى محاولات نظرية للعرف في الفقه الإسلامي.
١- بصفة عامة.
٢- المادة والعرف في اللغة والاصطلاح.
٢-١ المادة اصطلاحًا.
٢-٢ العرف لغة واصطلاحًا.
٢-٣ النسبة بين العادة والعرف
٣- أنواع العرف والعادة.
٣-١ أنواع العرف من حيث اعتباره الشرعي.
٣-١-١ العرف الصحيح
٣-١-٢ العرف الفاسد.
٣-٢ أنواع العرف من حيث المحيط الذي فشا فيه.
٣-٢-١ العرف العام.
٣-٢-٢ العرف الخاص.
٣-٣ أنواع العرف من حيث ماهيته.
٣-٣-١ العرف اللفظي أو القولي.
٣-٣-٢ العرف العملي أو الفعلي.
٤- الأدلة التي يعتمد عليها لإثبات أن العرف والعادة أصل من أصول التشريع الإسلامي
٤-١ الأدلة الخاصة.
٤-١-١ الكتاب.
٤-١-٢ السنة النبوية
٤-٢ الأدلة العامة
٥- أركان العرف وشروط اعتباره.
٥-١ أركان العرف.
٥-١-١ الركن المادي: الاطراد أو الغلبة.
٥-١-٢ الركن المعنوي: الاستقرار في النفوس
٥-٢ شروط اعتبار العرف
٥-٢-١ أن لا يكون العرف طارئًا
٥-٢-٢ أن لا يوجد تصريح بخلاف العرف
٥-٢-٣ أن لا يكون العرف مخالفًا للنص ومبادئ الشريعة
٦- التقييم العام للعرف
٦-١ مفهوم " المصدر " من ناحية منهجية الحقوق الإسلامية وتقييم العرف
٦-١-١ مفهوم " الدليل " في أدب الفقه الإسلامي
٦-١-٢ تحليل لعدم تناول الأصوليين للعرف بين المصادر في مقابل الأهمية التي حظى بها العرف في فروع الفقه
٦-٢ مفهوم " المصدر " من ناحية فلسفة الحقوق الإسلامية وتقييم العرف
٦-٣ نظام أعمال الأدلة الشرعية في الفقه الإسلامي ومكانة العرف فيه الخاتمة
стр. 7643
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تمهيد:
مما لا ريب فيه أن الحركات الاعتيادية تلعب دورًا هامًّا في حياة كل فرد فالإنسان يسلك بنفس السلوك في نفس الأوضاع وهذه الحركات التي تظهر كتفاعلات نمطية تكتسب بمرور الزمن طابع " الاعتياد " وبذلك يسهل الإنسان عيشه إلى حد ما ويتخلص من صعوبة الاختيار واتخاذ القرار على أن يعين سلوكه لكل وضع في كل مرة، كما يسري نفس الشيء في شأن الحركات الاعتيادية الاجتماعية أيضًا.
فالعادات الاجتماعية عبارة عن قواعد السلوك الاجتماعي التي تتكون عن تلك التصرفات الاعتيادية الاجتماعية والتي تتبدل حسب تبدل الأفراد والأزمان والأمكنة.
ومما لا شك فيه أن هنالك تشابهًا كبيرًا بين القواعد القانونية وقواعد العادات الاجتماعية، وهذه القواعد هي التي تنظم حياة الإنسان تنظيمًا إلزاميًّا في المجتمع والحق أن كون العادة قاعدة إلزامية لما يجب أن يكون (doit eire) ، هو الخاصية التي تميزها عن الحركات الاعتيادية الاجتماعية الأخرى. لأن العادة تقضي وتحتم تحقيق استمرارية الأمور في المستقبل أيضًا كما جرت في الماضي، بينما الحركات الاعتيادية الاجتماعية لا تتضمن فكرة الإلزام.
وكما أن هنالك تشابهًا كبيرًا بين القواعد القانونية وبين قواعد العادات الاجتماعية من حيث كونهما ذات الطابع (beteronime) ، (يتلقى من الخارج القوانين التي تسيره) أي من حيث اصطباغهما بالصبغة الجماعية لا الفردية فقط في تناولهما الأمور، فإن هنالك تشابها بينهما أيضًا في هذا المضمار من حيث المحتوى وفي الحقيقة أن محتويات هذه القواعد لا تستقر دائما من حيث المضمون وإنما يمكن أن يطرأ عليهما التغير والتبدل بصفة مستمرة، فإننا نشاهد اليوم كثيرًا من قواعد العادات الاجتماعية قد أصبحت قواعد قانونية بحتة كما نشاهد العكس مثلًا، فإن كثيرًا من القواعد القانونية التي تصادفنا اليوم على صعيد القانون الدولي كانت عبارة عن قواعد العادات من قبل.
стр. 7644
وعلى الرغم من وجود شبه كبير بين القواعد القانونية وقواعد العادات الاجتماعية فإن هنالك مواطن اختلاف وافتراق هامة بينهما لأننا نرى أن قواعد العادات الاجتماعية التي تستهدف تسهيل الحياة الاجتماعية وتذليل الصعوبات بالنسبة للأفراد والمجتمعات لم تكن تستند تمام الاستناد إلى العقل وإنما يتحكم فيها مصدر الصدفة، بينما القواعد القانونية تأتي للحفاظ على النظام الاجتماعي في المجتمعات، ومن هذه الحيثية فهي تحظى أهمية كبيرة ومن هذه الأهمية تأخذ القواعد القانونية صفتها الاستقلالية في الوجود والاستمرارية دون أن تراعي رضا وموافقة أتباعها بحيث أنها لا يمكن أن تلغي فاعليتها لمجرد وجود مخالفة ضدها أما قواعد العادات الاجتماعية فهي على العكس من ذلك، لأنها قواعد اتفاقية (conventionnelle) ، بمعنى أنها لا يمكن أن تأخذ صفة استقلالية في الوجود إلا مع موافقة أتباعها ومعتنقيها لتوقف تأثيرها الفعلي على إرادة واستجابة العاملين بها والمتمسكين بأحكامها والحاصل أن القواعد القانونية ومنها قواعد العرف تمتاز عن قواعد العادات الاجتماعية بتضمنها الصفة الإلزامية " القاطعة " (apodictique) ، لما يجب أن يكون (devoir etre) ، بينما قواعد العادات الاجتماعية لا تتضمن إلا صفة إلزامية " غير قاطعة " (Problematique) ، لما يجب أن يكون.
ومن البداهة هنا أن تكون علاقة متينة بين قواعد العادات والقواعد القانونية لكون كل واحدة منهما تنحو منحى اجتماعيًّا وتستهدف تنظيم الحياة الاجتماعية، وبما أن كل قاعدة اجتماعية يمكن لها أن تكتسي النمط القانوني، فمن الممكن جدًّا أن تتشكل وتتكون قواعد العرف من العادات الاجتماعية وهكذا فإن مجموع القواعد العرفية التي تعمل عمل القاعدة القانونية وتنجز مهمتها وذلك بصفة منفصلة عن القانون المكتوب (droit ecrit) ، تشكل القانون العرفي (droit coutumier) وهذه القواعد تتميز عن القواعد القانونية المكتوبة في كونها لم تكن قواعد بيانية مكتوبة معبرًا عنها من طرف مرجع من مراجع السلطة التشريعية، وإنما هي حصيلة قناعة تجلت في ضمير الجماهير، ولذا يطلق على العرف اسم " القانون التلقائي " (droit spontane) .
إلا أنه يجب أن لا يخلط هنا بين القواعد العرفية التي تلعب دور مصدر القانون بشكل مباشر وبين قواعد العادات الاجتماعية لأن العرف يتميز أساسا بما يلحقه من صفة ملزمة ناتجة من الاعتقاد في إلزامه نفس إلزام القواعد القانونية " الشعور القانوني " (opinio necessitates) ، أي من الاعتقاد في وجود جزاء أو إجبار عام أو جماعي ذي طابع قانوني يكفل احترامه، وعلى هذا النحو يتميز " العرف " عن مجرد " العادة " ويتميز عن قواعد العرف حتى العادات الاجتماعية التي لها مكانة هامة في العلاقات القانونية والتي لم تصل في إلزاميتها إلى درجة العرف. ويسمى هذا النوع من العادات الاجتماعية " العادة الاتفاقية " (usage conventionnel) ، وتترتب على هذه التفرقة نتائج من عدة وجوه.
стр. 7645
وقد يقع خلط أحيانًا بين " العرف " و" العادة " سواء في اللغة العربية أو اللغة التركية وقد ساعد على هذا الخلط أن الشارع نفسه استعمل أحيانا لفظ العادة بمعنى العرف الملزم، واستعمل أحيانًا أخرى لفظ العرف بمعنى العادة التي لم ترق بعد مرتبة العرف ولكن التعبير الصحيح الذي يجمع عليه الفقه (doctrine) أن لفظ العرف يطلق على القاعدة القانونية الملزمة وأن لفظ العادة يطلق على القاعدة التي لم ترق إلى مرتبة العرف لافتقارها إلى عنصر الإلزام في الدرجة التي يتضمنها العرف، أما في اللغات الغربية، فإن اصطلاحات (usage) في الفرنسية والإنجليزية و (bung) في الألمانية التي تستعمل في معنى العادة و (droit coutumier) في الفرنسية، و (costum law) في الإنجليزية (Gewobnbeitsrecht) في الألمانية التي تستعمل في معنى مجموع القواعد العرفية تشكل حاجزًا أمام ذلك الخلط.
إن العرف الذي له مكانة خاصة ومتميزة في الفقه الإنجليزي – وإن لم يكن يحتفظ بتلك الأهمية السابقة نفسها في الوقت الحاضر – والذي يشكل مصدرًا للقانون في الدرجة الثانية بعد التشريع في أغلب القوانين الحديثة بصفة عامة، قد ميز عن العادات كما أشرنا إليه بصورة موجزة في ما سبق ووضعت نظرية مستقلة خاصة بالعرف وأثناء تناول نظرية العرف نوقشت بصورة معمقة عدة قضايا منها قضية منشأ القواعد العرفية وقضية أساس القوة الملزمة للعرف، ولكننا هنا لن نتطرق إلى هذه الآراء بل سنكتفي بالإشارة – في الباب الثاني من هذا البحث – إلى أهم نقاط تلك النظرية لما احتاج الأمر إلى ذلك (١)
* * *
стр. 7646
الباب الأول
مكانة مفهوم " العرف والعادة "
في أدب الفقه الإسلامي
١-بصورة عامة:
١-١ مكانة العرف والعادة في التشريع الإسلامى بصفة عامة:
إن الإسلام أولى اهتمامًا متزايدًا لمنهج التدرج في ميدان التشريع كما اهتم أشد الاهتمام في تطبيق هذا المنهج بكل دقة للوصول إلى الهدف المنشود ويفهم ذلك بكل وضوح من حديث عائشة ﵂ (١) .
وإن منهج التدرج في التشريع يفيد مراعاة موازنة التأثير والتأثر وعدم التشدد عندما يؤتى بأحكام تقتضي ترك الأمور المعتادة المألوفة التي تركت آثارًا عميقة في الحياة الفردية والاجتماعية، كما يفيد ذلك أيضا عندما توضع أحكام تكليفية إيجابية جديدة ومع ذلك فإن المرحلة النهائية لمنهج التدرج تتجلى في وضع الحكم المطلوب تأسيسه بدون انتقاص أو تنازل عن المبدأ.
وبهذه الصورة والكيفية تكون السلسلة التشريعية في الإسلام حائزة على طابع يراعي هذه الموازنة بدقة وحساسية (٢) لأن الإسلام استطاع أن يزيل من المحيط الذي واجهه في أول الأمر أمورًا اعتيادية كثيرة كانت لها آثار عميقة في الحياة الفردية والاجتماعية، بمنهج التدرج في التشريع مذيبًا ردود الفعل التي كان يمكن أن تؤثر في السلطة التشريعية كما تمكن في نفس الوقت من وضع القواعد التي يريد وضعها بصفة نهائية ولا شك أن تلك التأثيرات العميقة التي أشرنا إليها آنفًا قد نتجت ونشأت بصفة عامة عن الأعراف والعادات المتبعة آنذاك إذن، يمكن أن نقول إن التشريع الإسلامي لم يكن بعيدًا عن الاهتمام إزاء تأثيرات الأعراف والعادات في الحياة الاجتماعية للأفراد والمجتمعات.
стр. 7647
كما أشرنا سابقًا فإن الليونة التي نشاهدها أثناء التشريع التدريجى لم تكن تشكل المرحلة النهائية من الأمر بينما مفهوم " التقرير " الذي نتناوله الآن سوف يطالعنا بنتائج أكثر حسمًا ووضوحًا في هذا الميدان: إن السنة التي تشكل المصدر الثاني في التشريع الإسلامي بعد القرآن لم تكن عبارة عن أقوال الرسول ﷺ وتصرفاته وأفعاله، وإنما تتضمن تقريراته ﷺ أيضًا وهذه التقريرات هي الأمور الاجتماعية الواقعية – ومنها الأعراف والعادات – التي كانت موجودة من قبل في المجتمع فأقرها الرسول ﷺ ، واستصوب ديمومتها واستمراريتها (١) والحق أنه يمكن أن نأتي بأمثلة كثيرة وقائمة طويلة للأعراف والعادات التي كانت موجودة قبل الإسلام في المجتمع العربي فقبلها الإسلام ورضي باستمراريتها ولم يرفضها في ميدان التشريع (٢) فمن الممكن أن نذكر كمثال حي عقدي المضاربة والسلم لتلك العادات التي كانت موجودة في البيئة التي عاش فيها النبي ﷺ والتي أقرها الإسلام (٣) إذن، نستطيع أن نقول أن التشريع الإسلامي لم يكتف فقط بعدم مواجهة الوقائع الاجتماعية التي لم تضاد الإسلام، وإنما عمل أيضًا من أجل إكسابها مشروعية في الحياة العملية (٤) .
وبما أننا سنتناول في الباب الثاني موقف مذاهب الفقه الإسلامي إزاء العرف والعادة وأدلة من يعتبرها مصدرًا من مصادر التشريع في الفقه الإسلامي، نكتفي هنا بالقول إن المبادئ العامة للتشريع الإسلامي وكذا الحلول والنتائج الفقهية التي توصل إليها فقهاء الإسلام الذين يعملون في إطار تلك المبادئ، تعكس نظرة إيجابية للأعراف والعادات التي هي عبارة عن قواعد السلوك الاجتماعي، ما دامت لا تتعارض والمبادئ الإسلامية والحق أنه يمكن لنا أن نلاحظ في المؤلفات الفقهية الإسلامية عبارات تفيد أن في نزع الناس عن عاداتهم حرجًا عظيما (٥) ، دون أن تقابل باعتراض وكذلك، أئمة المذاهب الفقهية، فإنهم – ولو لم يعبروا نظريا عن قيمة الأعراف والعادات في التشريع الإسلامي – إلا أنه لا يمكن أن نتصور بأنهم استغنوا تمام الاستغناء في حلولهم الفقهية عن أعراف وعادات البيئات التي عاشوا فيها، بل على العكس من ذلك، فإننا عندما نلقى نظرة على التاريخ الفقه الإسلامي نرى أن المسائل المستحدثة في العراق الذي تسود فيه العادات الفارسية والنبطية تعرض على أبي حنيفة وأمثاله، وأن المسائل المستحدثة في الشام الذي تسود فيها العادات القديمة من قبطية وبزنطية ونحوها تعرض على الشافعي والليث بن سعد وأمثالهما وأن هؤلاء الأئمة كانوا يبذلون قصارى جهدهم للتوصل إلى الحلول الحقوقية مراعين في تلك العادات والتقاليد (٦) .
стр. 7648
١-٢- نظرة عامة إلى مكانة العرف والعادة في أدب الفقه الإسلامي:
إن الكتب التي تعنى بتاريخ التشريع الإسلامي تتناول بصفة عامة موضوع التشريع حسب الأدوار التاريخية ونحن – وإن لم يكن ذكر تلك الأدوار على حدة أمرًا ضروريًّا – يمكن لنا أن نستدل من هذه المشاهدة العامة بسهولة أن التشريع الإسلامي مر بأدوار لها خاصيات مختلفة (وهذا الاستدلال له أهمية من حيث موضوعنا) .
إننا نرى أن المسائل الحقوقية على الرغم من إيجاد حلول لها في إطار المبادئ الإسلامية قبل تدوين الفقه أيضا (أي في عصر الرسول ﷺ والصحابة والتابعين) ، لم تظهر آنذاك الحقوق الإسلامية كعلم مستقل وبالتالي لم تتضح قواعد هذا العلم تمام الوضوح مثلا، فإننا – بالرغم من مشاهدتنا التأثير القوي للأعراف والعادات في النتائج الحقوقية التي توصل إليها في هذا الدور – نلاحظ أنه لم تظهر في الوجود كمصطلح مستقل كما لم تأخذ مكانها بشكل واضح بين قواعد الاستنباط.
أما في دور التدوين فإن الأسس التي استند إليها الاجتهاد قد أصبحت واضحة وأن الاصطلاحات الحقوقية قد اكتسبت أهمية كبرى في تحليل المسائل بشكل تدريجي، والخلاصة أن الفقه الإسلامي قد نمى واكتمل بصفة تدريجية وأصبح علمًا مستقلًا بحيث ارتكز إلى قواعده الواضحة في بذل جهود ومساعي علمية قيمة (١) (وبعبارة واضحة يمكن القول إن تدوين علم أصول الفقه كان متأخرًا زمنيًّا عن تدوين الفقه) (٢) لهذا، يجب أن نتحرى بصفة عامة المعلومات الواضحة المتعلقة بمناهج الحقوق الإسلامية واصطلاحاتها في النتائج والثمرات التي توصل إليها من خلال المساعي القيمة التي بذلت في ذلك الدور غير أن الوضعية تكون مختلفة من جهة موضوعنا لأن دور العرف والعادة – على الرغم من ظهوره في الفقه الإسلامي بشكل أوضح وأدق من ذي قبل – إلا أن ما يلفت النظر هو كونهما لم يأخذا مكانتهما بين المصادر الحقوقية بشكل قطعي وواضح، كما لم تتحدد حدود مفهوم العرف والعادة في ميدان التشريع بشكل بين وجلي.
стр. 7649
وفي الحقيقة أن أول تعريف للعرف والعادة أمكن التوصل إليه في أدب الفقه الإسلامي هو ما ظهر في الكتاب المسمى " المستصفى " المتعلق بفروع الفقه للفقيه الحنفي أبي بركات حافظ الدين النسفي المتوفي سنة ٧١٠ /١٣١٠ (١) ونحن في صدد البحث والدراسة عن الأمور المتعلقة بالعرف والعادة في الفقه الإسلامي، نرى إلزامًا علينا أن نتطرق إلى نقطة تتعلق بتعريف العرف والعادة ألا وهي إقدام أساتذة كرام اشتهروا بآثارهم القيمة في العالم الإسلامي أمثال الشيخ محمد أبي زهرة ﵀ (٢) ، والشيخ مصطفى أحمد الزرقاء (٣) والدكتور محمد سلام مدكور (٤) والدكتور عبد العزيز الخياط (٥) إلى إسناد تعريف للعرف والعادة إلى الغزالي قائلين أثناء نقلهم له " إن الغزالي عرف العرف والعادة في كتابه المستصفى كما يلي ... " إلا أنه تبين لنا من خلال تحقيقاتنا في هذا الميدان أن سبب هذا الالتباس، قد نتج عن اتباعهم بالفقيه الحنفي ابن عابدين الذي ألف رسالة مستقلة في العرف والعادة عندما كان يعرف العرف والعادة بتعريف الإمام النسفي قائلا: " وفي شرح الأشباه للبيري عن المستصفى.. " دون أن يصرح اسم المؤلف ويرجع المؤلف إلى صاحبه الحقيقى (٦) ، مع أن المراد من كتاب المستصفى هنا لم يكن المستصفى الشهير الذي ألفه الإمام الغزالي وإنما هو الكتاب المسمى بالمستصفى أيضا والذي ألف من طرف الفقيه الحنفي الإمام النسفي المشار إليه آنفًا.
وتتجلى لنا أهمية تطرقنا إلى هذه النقطة من جهتين: الأولى: ثبوت أن أول تعريف للعرف والعادة – أمكن التوصل إليه – لم يكن منشؤه الغزالي (المتوفى سنة ٥٠٥ /١١١١) ، وإنما كان قد صدر ذلك عن الإمام النسفي الذي عاش متأخرًا عن الغزالي بقرنين من الزمن أما الجهة الثانية: - وهي الأهم بالنسبة لنا - كون هذا التعريف الخاص بالعرف والعادة لم يرد في كتاب من كتب علم الأصول وإنما ورد في كتاب من الكتب التي تهتم بالفروع الفقهية (٧) لأن تناول العرف بتعريف مستقل – وإن كان يشكل مقدمة لنظرية خاصة بالعرف – فإن الأمر الأهم من حيث أخذه مكانته الخاصة بين الأدلة الشرعية وحصوله على نظرية مستقلة هو دخوله أو عدم دخوله في أدب علم أصول الفقه.
стр. 7650
عندما نلقي نظرة عامة إلى الخطوط العامة لمبادئ المذاهب الاجتهادية يمكن أن نتوقع كنتيجة طبيعية أخذ العرف مكانًا متميزًا وخاصا في الفقه الحنفي، ومع ذلك فإننا لا نكاد نشاهد حتى في كتب أصول الفقه الحنفية خطوات جريئة لبيان موقف واضح وصريح تجاه العرف والعادة ويمكن أن نشير كمثال لذلك التردد الذي نجده عند الجصاص (م. سنة ٣٧٠ /٩٨٠) إزاء العرف في كتابه الذي يعتبر كأول كتاب وصل إلينا في ميدان علم أصول الفقه من بين الكتب الحنفية (١) : نراه عندما يعرف الاستحسان في هذا الكتاب – عارضًا الاستحسان بشكليه – يبين إمكانية تحقق الشكل الثاني) تخصيص الحكم مع وجود (العلة بواحد من أسباب خمسة ومنها " عمل الناس "، ولكنه مع ذلك لا يجعل عمل الناس سببًا مستقلًا للاستحسان أثناء تفريقه أقسام الاستحسان عن بعضها البعض كل على حدة وإن كان لا يهمل دور عمل الناس عند إيراده أمثلة لكل من أقسام الاستحسان (٢) أما الأصوليون الذين جاؤوا من بعده، فنراهم لا يستسيغون جعل نمط خاص للاستحسان بسبب العرف (٣) ، إزاء هذا التحاشي الملحوظ في كتب أصول الفقه، فإننا نشاهد بكل سهولة توضيحات متعددة في كتب الفروع حول تحقق الاستحسان بسبب العرف (٤) حتى أنَّ المؤلف نفسه في الوقت الذي يجعل العرف سببًا للاستحسان في كتابه المتعلق بالفروع يحتزر عن ذكر ذلك في كتابه الخاص بعلم أصول الفقه (٥) وإلى جانب ذلك، يجدر بنا أن نلفت النظر إلى أننا لا نكاد نعثر على عناوين مستقلة في كتب علم الأصول لتناول العرف سواء بصفة إيجابية أو سلبية بينما نجد عناوين سلبية لبعض الأدلة الأخرى التي اختلف في اعتبارها الأصوليون مثل الاستحسان والاستصلاح (٦) .
стр. 7651
والخلاصة أنه مقابل إعطاء أهمية كبيرة لقاعدة " العرف يترك به القياس (١) في كتب الفروع فإننا يمكن أن نسجل أن العرف لم يتناول أثناء التحقيقات الأصولية، إلا في مؤلفات الأدوار الأخيرة وذلك كدليل تال فقط، فضلا عن حيازته مكانًا مستقلًا بين المصادر. ولا شك أن هذه الوضعية تمكننا من القول بوجود ثنائية (dualite) في أدب الحقوق الإسلامية من حيث تناول العرف (٢) .
أما العبارات الواردة في كتب الفروع حول العرف والعادة – فبسبب عدم إخضاع مفهوم " العرف والعادة " لخطوط معينة ومحددة – كانت أحيانًا سببًا لاتخاذ فكرة غير صحيحة لتبيين وتوضيح مكانة العرف والعادة في الحقوق الإسلامية وفي الحقيقة إننا نشاهد حتى في البحوث المستقلة التي لجئ إليها من أجل بيان مكانة العرف والعادة في الفقه الإسلامي، بعض الأمور التي كان يجب تناولها في إطار القواعد اللغوية أو في المفاهيم التي تتعلق بتطبيق القانون (مثل " العدالة " (equite) وسلطة التقدير للحاكم) ، وكذلك بعض المسائل التي تدخل في إطار قانون المرافعات واردة في إطار مفهوم " العرف والعادة ".
والحال أنه إذا ألقينا نظرة في إطار أصول الفقه الإسلامي إلى مكانة العرف بخطوطه العامة نجده قد شكل مادة أساسية للأحكام الاجتهادية، ولكنه مع ذلك لم يتمكن قط من الارتفاع إلى درجة المصدر الشكلي (source formelle) وبعبارة أخرى، على الرغم من رجحان تأثير العرف على المجتهد في استنباط الحكم بعد الكتاب والسنة والإجماع النقلي في المسألة التي يوجد فيها العرف إلا أنه لم يأخذ مكانته بين المصادر الشكلية وكذلك بين سلسلة المراتب للأدلة الشرعية، وإنما لعب دوره في تثبيت الحكم بواسطة مفاهيم أخرى وبخاصة منها الاستحسان والاستصلاح (٣) وسنقف عند أسباب هذه الحالة في الباب الثاني من هذا البحث.
стр. 7652
وهنا يجدر بنا أن نشير إلى أنه – مع قبولنا لوجود فروق واضحة بين " العرف " وبين " الإجماع " (١) المتفق على اعتباره لدى جميع الأصوليين – يمكن أن نشاهد تداخلًا وتعاضدًا بين دليل " الإجماع السكوتي " الذي يحظى بأهمية كبيرة خاصة عند الحنفيين وبين دليل " العرف العام (٢) في بعض الحالات، وخاصة عند التوصل إلى أحكام الإباحة في إطار صيغة " من غير نكير " (٣) .
والخلاصة أن أمورًا كثيرة في أدب الفقه الإسلامي كان يتوقع الباحث المتعود على مفاهيم النظريات الحديثة أن تتعرض لها في إطار خاصيات اللغة قد تصورت ضمن مفهوم العرف والعادة كما تناولت العادات الاتفاقية والقواعد العرفية التي تلعب دور " القاعدة القانونية " (٤) دون تمييز بينهما وبعبارة أخرى، فقد تطرقوا إلى العرف والعادة باعتبار تأثيرهما بصفة مباشرة أو غير مباشرة على النتيجة القانونية التي ستطبق على الواقعة القانونية دون أي اهتمام بالاتجاه إلى وضع نظرية للعرف أو بيان للدور الذي يلعبه العرف والعادة (ككونهما يلعبان دور تكميل الفراغات القانونية أو تفسير النصوص أو إنارة الطريق للقاضي عند استعماله سلطة التقدير أو تفسيره التصرفات القانونية) .
فنحن في بحثنا هذا لن نتناول العرف كقاعدة قانونية فحسب، وإنما سنتطرق إلى العرف والعادة) دون تفريق بينهما باعتبار المضمون) من حيث مكانتهما في أدب الفقه الإسلامي غير أننا سنعمل من أجل توضيح أدوارهما المختلفة الطابع كما سنسعى بعد ذلك (في الباب الثاني من هذا البحث) في ضوء هذه التحاليل لإجراء بحث نقدي للمحاولات المستجدة لتطوير نظرية مستقلة للعرف في الفقه الإسلامي يجب أن ننبه هنا إلى أن الأمثلة في بحثنا هذا قد ضربت لتكون نماذج لاقتراحاتنا المتعلقة بتناول أدوار العرف والعادة المختلفة الطابع؛ لهذا ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار دائمًا وجود احتمال تقييم تلك الأمثلة بصورة مختلفة عند المذاهب الحقوقية الأخرى سواء من حيث النتائج أو الاستدلال.
стр. 7653
٢- دور العرف والعادة في مختلف مجالات الفقه الإسلامي:
عندما نتمكن من التمييز بين موقف المجتهد الذي يستنبط الأحكام مباشرة من النصوص وبين موقف السلطات التنفيذية التي تضع هذه الأحكام حيز التطبيق، نستطيع آنذاك أن نتوصل إلى إدراك المكانة التي يحرزها العرف في الحقوق الإسلامية بشكل أوضح وأصح.
لهذا، فإننا سنحاول أن نفرق في بحثنا هذا بين دور العرف في منهجية القانون (methodologie du droit) وبين دوره الذي يتجلى أثناء وضع القانون في حيز التطبيق ولا نقصد من هذا التقسيم أن السلطة التي تختص بتنفيذ الأحكام تكون بعيدة في جميع الأحوال عن دائرة الاجتهاد من حيث الأهلية والكفاءة، وإنما قد يكون المقام المختص بتطبيق الأحكام جامعًا بين أهلية الاجتهاد وسلطة التنفيذ، وفي هذه الحالة يعتبر مستنبطًا للحكم الذي سيطبق على الحادثة مباشرة من جهة، ومنفذًا له من جهة أخرى.
стр. 7654
٢-١- دور العرف والعادة في منهجية القانون:
إن المنهج الذي يجب أن يتبع في حل مسألة حقوقية قد أصبح معلومًا في بيانات معاذ بن جبل الموجزة التي أقرها الرسول ﷺ (١) وعليه، إذا وجد في الكتاب أو السنة نص خاص يستطيع أن يتناول في حكمه القضية القانونية التي يتحرى فيها الحكم طبق هذا النص، أما إذا لم يوجد لجئ إلى الاجتهاد فيها ولكن المقصود من " الاجتهاد " هنا هو الاجتهاد في المفهوم الضيق لأن وجود نص خاص يستطيع أن يتناول في حكمه القضية الحقوقية لا يعني أنه لم يدع مجالًا لاختلاف الآراء أبدًا؛ بل على العكس من ذلك، يمكن أن يجب تناول هذا النص والتفكير فيه لفهم مقصود الشارع منه تارة في إطار ألفاظه وتارة في إطار معاني ألفاظه، فالنشاطات البيانية هذه التي تنصب على الألفاظ والمعاني تسمى " بالاجتهاد البياني " إذن، فإن " الاجتهاد " في مفهومه الواسع يتضمن نشاطات تفسير النصوص أي الاجتهاد البياني أيضا (٢) أما الاجتهاد في مفهومه الضيق (الذي يلجأ إليه في حالة عدم وجود نص يستطيع أن يتناول في حكمه القضية القانونية) له نوعان رئيسيان:
فالنوع الأول عبارة عن تحديد " العلل الموجبة للأحكام " في كل حكم " بصورة خاصة "، ليتخذ منها مقياس من مقاييس الحكم فيما يراد إضافته على النصوص بطريق القياس، ويطلق عليه اسم " الاجتهاد القياسي ".
والنوع الثاني هو تحديد " روح الشريعة بصورة عامة " ليتخذ منها أصل من أصول التشريع للحكم في كل حادث جديد استنادًا إلى المصالح المرسلة، ويسمى هذا النوع " بالاجتهاد الاستصلاحي " (٣) .
ففي حالة وجود نص خاص يمكن تطبيقه بشكل مباشر على المسألة الحقوقية لا يمكن أن يلعب العرف والعادة أي دور من الأدوار مثلًا لا يمكن أن يتوصل إلى حكم جديد بأي نوع من أنواع العرف في مسألة التبني المعتبر عادة عند العرب كالبنوة الحقيقية بعد أن ألغي هذا الحكم بنص قرآني صريح.
والآن سنلقي نظرة إلى أدوار العرف والعادة في الحالات الأخرى المتقدمة (في الأنواع الثلاثة للاجتهاد) .
٢-١-١ في الاجتهاد البياني:
(أ) في التفسير اللفظي:
على الرغم من فسح المكان للآراء الخاصة بموضوع " التخصيص بالعرف القولي " و"التخصيص بالعرف العملي " في بحوث أصول الفقه، فإنه في حقيقة الأمر يمكن القول بأن الخصائص اللغوية قد تنوولت هناك في إطار مفهوم العرف والعادة وسنشير إلى هذين الدورين للعرف والعادة بإيجاز شديد فيما يلي:
أ- دور العرف القولي:
إن التخصيص بالعرف القولي هو قصر العام على بعض أفراده بموجب " مفهوم القول "، لا بموجب " مفهوم التعامل "، وذلك مثل الدراهم في مكان ما حيث تطلق وتقال ولا يفهم منها في العرف القولي إلا النوع المتعارف عليه في ذلك المكان، والمراد من العرف القولي في تخصيص النص هو العرف البياني الخاص الذي يوجه الاستعمال في عصر نزول القرآن وورود السنة، أي ما كان يفهمه المسلمون، وما يحيط بالاستعمال في شئون تقييده، لأنها تقيد القول، وتجعله في دائرته هنالك اتفاق بين علماء الأصول وعلماء اللغة في دور العرف القولي في تقييد المطلق وتخصيص العام (٤) .
стр. 7655
ب- دور العرف العملي:
أما التخصيص بالعرف العملي هو قصر العام على بعض أفراده بموجب " تعامل الناس " ببعض أفراده لا بموجب " مفهومه القولي " فلو كان من عادة المخاطبين في المكان الذي جاء فيه النص تناول طعام خاص كالبر مثلًا وورد الخطاب بتحريم الطعام كقوله: " حرمت عليكم الطعام " فقد انصرف التحريم عند من قال بتخصيص العام بالعرف العملي إلى ذلك النوع من الطعام فقط، رغم أن له مفهومًا عامًا لديهم ويدل على البر وغيره كما يوجد اتفاق بين علماء الأصول في تقييد المطلق بالعرف العملي غير أنهم اختلفوا حول دوره في تخصيص العام، وقد اشتد الخلاف خاصة بين الحنفية والشافعية، فذهب الحنفيون إلى تخصيص العام بالعرف العملي بينما الشافعية يخالفونهم في ذلك والرأي الغالب عند المالكية يوافق تمام الموافقة لرأي الأحناف إلا أن القرافي من المالكية والزيلعي من الحنفية لا يذهبان إلى رأي مذهبهما في هذه المسألة والأستاذ أبو سنة، بعد أن تعرض لهذا الخلاف بصورة واسعة يبين ترجيحه الشخصي في اتجاه الرأي الحنفي (١) .
(ب) في التفسير بالمعني:
كما هو معلوم فإنه يتم تفسير القانون سواء عن طريق بحثه من ناحية اللفظ أو بحثه من ناحية الروح (المعنى) ، وفي نهاية هذا التفسير إذا ما تساوت النتيجة التي تم الحصول عليها مع المفهوم الذي تم استخراجه من لفظ القانون، يقال لهذا التفسير " التفسير المقرر " أو " التفسير البياني " (interpretation declarative) ، أما إذا كان يختلف عن المفهوم المستخرج من لفظ القانون كان هذا التفسير تفسيرًا يحدث في اللفظ تغييرًا، وهذا التفسير يمكن أن يكون في اتجاهين:
إما أن يوسع ما تم فهمه من اللفظ فيطلق عليه " التفسير الواسع " (interpretation extensive) .
وإما أن يضيف ما تم فهمه من اللفظ فيطلق عليه " التفسير الضيق " (interpretation restrictive) .
أ – في التفسير المقرر:
هنا نجد تطابقًا بين النتيجة المستحصلة من التفسير بالمعنى الذي يأخذ العرف والعادة في الاعتبار وبين النتيجة الحاصلة من تفسير لفظ النص ويسمى هذا التفسير الذي يأخذ العرف بعين الاعتبار في النظريات الحقوقية المعاصرة " بالتفسير التعاملي " كما يسمى العرف الذي أخذ بعين الاعتبار " العرف المؤيد " (la coutume confirmatoire) يمكن توضيح هذا النوع من التفسير بالمثال التالي:
يرى أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني جواز بيع أراضي مكة – وهذا إحدى الروايتين من أبي حنيفة أيضا – مستندين إلى ما جاء من النبي ﷺ ((هل ترك لنا عقيل من ربع)) ، فالنتيجة الحاصلة من التفسير اللفظي لهذا الحديث قد أيدت بالتعامل وقيل: " وقد تعارف الناس بيع أراضيها والدور التي فيها من غير نكير وهو من أقوى الحجج " (٢) ويظهر أن هذا النوع من العرف يرجع في حقيقته إلى مفهوم " السنة التقريرية " (٣) .
стр. 7656
ب- في التفسير الضيق:
المقصود هنا، هو تخصيص العام بالمصلحة التي تتجلى في دائرة العرف والعادة فمثلًا، إن المعنى المفهوم من لفظ الآية الكريمة التي تقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (١) ، يتجه نحو تكليف الأمهات بإرضاع أولادهن دون تفريق بينهم غير أن الإمام مالك يقول: " إذا كانت المرأة شريفة القدر لا يلزمها إرضاع ولدها إن كان يقبل ثدي غيرها للمصلحة العرفية في ذلك حيث جرى العرف لدى أمثالهن على أن تستأجر لأولادهن المراضع " (٢) .
ويجدر بنا أن نسترعي الانتباه هنا أنه لا يكون دور العرف في تأييد المعنى الناتج عن لفظ النص وكذلك في تخصيص النص العام (سواء في التفسير اللفظي أو في التفسير بالمعنى) بيت القصيد إلا إذا كان ذلك العرف مقارنًا لورود النص المبحوث فيه، أما إذا كان العرف حادثًا بعد ذلك النص، فإن هذا العرف لا يعتبر ولا يصلح مخصصًا للنص التشريعي باتفاق الفقهاء ولو كان عرفًا عامًّا لأن التخصيص تفسير لمراد الشارع من نصه منذ صدوره عنه، فلا يمكن أن يعتبر النص العام النافذ على عمومه مخصصًّا منذ صدوره بعرف سيحدث فيما بعد، وربما لا يحدث، كما أشار إلى ذلك الأستاذ الجليل مصطفى أحمد الزرقاء (٣) ونحن نشاركه الرأي فيما اعترض على كلام ابن عابدين الذي قال: " ... لأن العرف العام يصلح مخصصا للنص " بدون تمييز في هذا الضابط بين العرف القائم عند وردود النص، والحادث بعده (٤) ومع وجود أحكام فقهية تدفع الباحث في الوهلة الأولى إلى نتيجة أن العرف الحادث أيضا يلعب دور تخصيص النص العام، فإنه يجب تحقيق القضية في تلك المواطن بدقة والحقيقة أن النصوص في مثل هذه الحالات مخصصة بعللها؛ أما دور العرف الطارئ عبارة عن تسجيل انتفاء تلك العلل إذن، فإنه يتم أولا في مثل هذه الحالات تفسير غائي (interpretation teleogique) - وذلك بتثبيث علة الحكم المصرحة من طرف النص وإما باستنباطها من طرف المجتهد – وبعد ذلك، فلو تثبت الفقيه من انتفاء العلة بدلالة العرف، حكم بأن الحكم انتفى في دائرة حدود انتفاء العلة وفقًا للقاعدة الأصولية التي تقول: " إن الحكم يدور مع علته وينتفي مع عدمه " (٥) .
стр. 7657
مثلًا، في عقود المعاوضات، مع عدم صحة شرط لا يقتضيه العقد عند الأحناف الذين أخذوا في ذلك بظاهر ما روي عن النبي ﷺ أنه ((قد نهى عن بيع وشرط)) ، فإنه يمكن قبول صحة مثل هذا الشرط عندما يصبح عرفًا لأن علة الحكم القائل بعدم جواز مثل هذا الشرط كانت من أجل إزالة النزاع بين المتعاقدين، فبوجود العرف تكون العلة منتفية (١) بالوفاء أيضًا، يستند في الأصل إلى شرط فاسد ولذا كان هذا النوع من البيوع ممنوعًا قبل أن يصبح عرفًا إلا أنه لما أصبح عرفًا جوزه الفقهاء نتيجة انتفاء العلة المشار إليها آنفًا (٢) .
ج- في التفسير الواسع:
من الطبيعي أن يكون كل مادة من مواد القانون في إطار اللغة التي يوضع فيها الحكم المراد تفسيره وفي المتن الذي يتضمن على خاصيات هذه اللغة فتارة تكون ألفاظ هذا المتن مبنية على عادات البيئة التي جاء فيها الخطاب وفي مثل هذه الحالات يجب أن لا يفهم القصد من الحكم من المفهوم الذي استحصل من الألفاظ، وإنما عن طريق العادات التي كانت سببًا في احتواء المتن لهذه الألفاظ.
وكمثال لهذا النوع من التفسير في الحقوق الإسلامية نريد أن نشير هنا إلى الحديث الذي أحرز مكانًا في أدب الفقه الحنفي والذي اشتهر باسم " النص المبتنى على العرف " وهذا الحديث الذي يعرف أيضا بحديث " الربا " يشير إلى أربع مواد (الحنطة والشعير والتمر، والملح) ، مبينا ضرورة التبادل فيها بالكيل كما يشير إلى مادتين أخريين (الذهب والفضة) مبينًا ضرورة التبادل فيهما بالوزن وفي الحقيقة أن أكثر الفقهاء الأحناف قد فسروا الحديث بهذا المعنى، ذاهبين في ذلك إلى إضافة الحكم بشكل مطلق للفظي " الكيل " و"الوزن " اللذين وردا في الحديث؛ فعلى هذا الرأي لا يجوز التبادل في المواد الأربعة المذكورة إلا بالكيل كما لا يجوز التبادل في المادتين الأخريين إلا بالوزن غير أن الإمام أبا يوسف في أثناء تناوله لهذا الحديث وتفسيره له لم يكتف بالتفسير اللفظي المجرد وإنما ذهب إلى كون هذه الألفاظ مبنية على عادات ذلك الوقت تماشيًّا مع قاعدة " النص المبتنى على العرف " متوسعًا بذلك في تفسير الحديث وفي الحقيقة عندما ننظر إلى الحديث بدقة يمكن التوصل إلى أن الحكم المستهدف فيه لم يكن يتعلق بضرورة التبادل " بالوزن " أو " الكيل " وإنما هو عدم وجود التفاضل في التبادل ومنع الربح غير المشروع (٣) :
стр. 7658
أما سبب استعمال لفظي الكيل والوزن فلم يكن إلا تأثرًا بالعادة الجارية آنذاك (١) .
وهكذا فقد استحسن اجتهاد أبي يوسف هذا من طرف كثير من الفقهاء المتأخرين وأصبح موضوع مدح وثناء (٢) كما يلاحظ تأثير اجتهاد أبي يوسف هذا في مسائل مشابهة لها صلة بالعرف (٣) .
ونلاحظ أيضا نفس الوضعية إزاء الحديث الذي يقول: ((الوزن وزن أهل مكة والكيل كيل أهل المدينة)) وقد انتقد الخطابي انتقادًا شديدًا الذين اعتبروا وزن أهل مكة وكيل أهل المدينة مقياسين غير متغيرين، وجمدوا روح مضمون الحديث في دائرة الألفاظ (٤) ولا شك أن المعلومات المتعلقة بالوضع الاقتصادي والمالي لمكة والمدينة والتفسيرات التي تمت مع أخذ الاعتبار لتلك الأوضاع الاقتصادية والمالية تنور لنا الطريق في فهم مثل هذه الأحاديث (٥) .
٢-١-٢ في الاجتهاد القياسي:
إن دور العرف والعادة في هذا النوع من الاجتهاد يكون في أكثر الأحوال في طابع غير إيجابي (٦) لأنه يكون مانعًا لتعدي حكم الأصل إلى الفرع، ولأنه يتجلى كتسجيل لانتفاء المشابهة والمساواة بين الأصل والفرع من ناحية علة الحكم.
стр. 7659
مثلًا كان أبو حنيفة لا يجوز بيع النحل ودود القز، لأنه كان لا يعتبرهما "مالًا " قياسًا على سائر هوام الأرض كالوزغ والضفادع وكانت العلة في عدم اعتبار مثل هذه الأشياء موضوع عقد هي عدم إمكان الاستفادة منها وبالتالي تضرر أحد المتعاقدين وربح الآخر بطريقة غير مشروعة إلا أن محمد بن الحسن الشيباني لاحظ إمكان الاستفادة منهما واعتبرهما " مالًا " نظرًا لتعامل الناس وجعلها موضوع عقد للبيع والشراء (١) .
والحري بنا أن نبين هنا أن اعتبار بعض العقود كالاستصناع مثلًا في ميدان الاجتهاد قد نتج عن تطبيق منهج ترك القياس بسبب العرف الذي يسمي ذلك عند الحنفية استحسانًا (٢) . وعندما يقومون بإيضاح هذا الموضوع يصيرون إلى وضع قاعدة " أن العرف والتعامل يعتبران كدليل لترك القياس وتخصيص النص" (٣) . والحال أن هذا النوع من التصريحات وإن كان يشعر بتقدم العرف كمصدر على القياس فإن ذلك يكون مخالفا بالبداهة لترتيب الأدلة في كتب أصول الفقه. ولذا بدل أن يصار إلى إمكان تقديم العرف على جميع أنواع القياس تمسكًا بشكل مطلق بمثل هذه التصريحات فإنه يستحسن التوجه إلى تثبيت معاني مفهوم " القياس" وبالأخص عند الأحناف وفي الحقيقة لما نمعن النظر في الموضوع بدقة نجد أن رجحانية العرف على القياس المتكلم عنها سابقًا لا تتحقق بصفة عامة في إطار " القياس الأصولي " (القياس القانوني gesetresanalogie) وإنما تتحقق في إطار القياس بمعنى " القاعدة العامة " (القياس الحقوقي rechanalogie) أو في إطار مقتضى الدليل العام (٤) . أما لو نمعن النظر في البحث عن العامل الحقيقي الدافع إلي وضع مثل هذه القاعدة (أي " أن العرف يترك به القياس ويخصص به العام إذا كان ظنيًّا ") نلاحظ أنهم يقصدون هنا التعامل الجاري منذ عهد النبي ﷺ من غير نكير والذي يرجع في حقيقته إلي مفهوم الإجماع (٥) . وبديهي أن هذا النوع من الإجماع راجع في حقيقته إلى مفهوم " السنة " إذن، في مثل هذه الحالات (كما كان في تجويز عقد الاستصناع) يكون مصير الاستدلال إلى احتمالين:
стр. 7660
الأول: أن يذكر الفقيه سنة قولية أو فعلية متعلقة بالقضية الحقوقية، فدور العرف هنا عبارة عن تأييد المعنى من اللفظ كما بينا ذلك تحت عنوان " التفسير بالمعنى ".
والثاني: أن يستند الفقيه في استدلاله إلى مجرد التعامل المذكور. ففي هذه الحالة لا يكون المقصود إلا سنة تقريرية أي تعاملًا استصوب النبي ﷺ ديمومته.
٢-١-٣ في الاجتهاد الاستصلاحي:
كما سبق أن بينَّا تحت عنوان " مكانة العرف والعادة في التشريع الإسلامي بصفة عامة "، فإن المبادئ العامة للتشريع الإسلامي تقف إزاء العرف – فيما أصبح مألوفًا بين الناس وفي التصرفات التي تركت أثرها العميق في الحياة الاجتماعية – موقفًا إيجابيًّا ما لم يكن مخالفًا لها ومغايرًا لروحها.
وخاصة عندما نأخذ بعين الاعتبار أن الأصوليين يرون بصورة عامة أن حوادث الحياة لا حدود لها، أما النصوص محدودة وكذلك أنهم يتبنون مبدأ عدم ترك أية حادثة حقوقية قط دون حكم (١) .، نجد ميدان الاستفادة من العرف بشكل أوسع في مجال الاجتهاد الاستصلاحي. وبعبارة أخرى، فإن العرف الذي لم يدخل في إطار مفهوم " العرف الفاسد " له مكانة هامة في هذا النوع من الاجتهاد الذي يستند إلى المصالح المرسلة. لأنه يعتبر من الظواهر الرئيسية التي تعطينا أوثق المعلومات حول مصالح الناس (٢) .
٢-٢ دور العرف والعادة في تطبيق القانون:
إن مفهوم " تطبيق القانون " يعني بشكل موجز ومختصر كيفية إقدام القاضي على تناول القواعد القانونية للتطبيق (٣) .
стр. 7661
كما سبق أن أشير فإن تاريخ التشريع الإسلامي قد مر على أدوار لها مميزات خاصة. وهكذا، فإن فقهاء الإسلام الذين جاؤوا عقب أدوار الاجتهاد لما لم ينطلقوا في تحليلاتهم الفقهية من منطلق الاجتهاد أي أنهم لم يتوصلوا إلى الحلول الفقهية عن طريق استخراج الأحكام من نصوصها بالاجتهاد، وإنما توصلوا إليها بتطبيق الأحكام الفقهية الموروثة عن المجتهدين السابقين، وبعبارة أخرى لما شكلت المذاهب الحقوقية المتكونة آنذاك: مصدرًا شكليًّا (formellesource) للحقوق (١) . فإن العرف أخذ مكانته في الحياة الحقوقية بشكل أشمل وأوضح. لأن الأعراف قد تبدلت بتبدل الأزمان كما أصبحت أحكام كثيرة كانت تستند إلى العرف بعيدة عن الإقناع وأداء المطلوب أثناء تطبيق الحقوق.
إن تطبيق القانون – كما بينا سابقًا – يكون بيت القصيد في الأصل سواء بالنسبة إلى أدوار الاجتهاد أو غيرها. ولكنه، - لما تطرقنا إلى أدوار العرف والعادة أثناء عملية الاجتهاد تحت عنوان " دور العرف والعادة في منهجية القانون " – فإن ما سنتناوله الآن تحت عنوان (دور العرف) في تطبيق الأحكام المستندة إلى العرف يتعلق بشكل أزيد بالأدوار التي تلت أدوار الاجتهاد؛ أما مضمون العنوانين الآخرين فيتعلق سواء بأدوار الاجتهاد أو الأدوار التي تلتها.
٢-٢-١ في تطبيق الأحكام المستندة إلى العرف:
إذا أمكن الإدراك باختلاف فهم النصوص لاختلاف الزمن عند استنادها إلى العرف، أدركنا بسهولة بأن الأحكام المستحصلة عن طريق الاجتهاد يمكن أن يطرأ عليها التغير مع مرور الزمن حالة استنادها إلى العرف، كما يمكن فهم دور العرف في تعيين نتيجة هذا التغير؛ لأن أثر العرف فيما توصل إليه المجتهدون من الأحكام حقيقة لا تنكر (٢) . وحتى لسبب ترجيح رأي المجتهد الذي يكون مطلعًا على أعراف وتقاليد زمانه بصورة يقينية، نرى فقهاء المذهب الحنفي يرجِّحون في الأحكام المتعلقة بالقضاء مذهب أبي يوسف لما له من تجربة كبيرة واطلاع واسع في حوادث الحياة وفي ميدان العرف والعادة (٣) . كما روي عن محمد بن الحسن الشيباني أيضًا بأنه كان يلجأ تارة إلى أصحاب الحرف لأخذ المعلومات عنهم فيما يتعلق بتعاملهم ونوعية تعاقدهم بينهم (٤) .
وبناء على ذلك، فإن البقاء متجمدًا بصفة مستمرة على ما نقل من المجتهدين السابقين، يكون – بدون شك – عبارة عن الانحراف عن أسس الإسلام وعن عدم المعرفة بمقاصد المجتهدين (٥) . ولذا، فإن المحققين من الفقهاء المتأخرين الذين أدركوا إمكان حصول نتائج مغايرة لأسس الإسلام وأهدافه السامية من تطبيق الأحكام المستندة إلى العرف بعينها فضلًا عن كونها مقنعة، أولوا أهمية خاصة لهذا الموضوع.
стр. 7662
فالقرافي مثلًا، يصرح بأن الإفتاء بالأحكام المستندة إلى العوائد بعد تغير ما مخالف للإجماع ويوصف ذلك بأنه " جهالة في الدين " ممن يقولون: " إننا مقلدون، ليس لنا إلا أن نفتي بما في الكتب من الأحكام المنقولة عن المجتهدين " وبين أن تغيير هذه الأنواع من الأحكام بشكل يوافق للعوائد المستجدة لم يكن إنشاء اجتهاد مناقض لاجتهادات المجتهدين، بل على العكس فهو عمل بقاعدة أجمع على وجودها في الفقه الإسلامي جميع المجتهدين كما أجمعوا على ضرورة السير في ظلها (١) .
وكذلك، فإن ابن عابدين الذي أشار بشكل مفصل إلى أهمية العرف في بناء الأحكام وضرورة رعاية المجتهد للتغيرات الطارئة على الأحكام بالتغيرات الطارئة على الأعراف مع تبدل الأزمان والأحوال في المحيط والمجتمع، أعطى أمثلة عديدة في هذا الميدان، وجعل هذه النقطة سببًا دافعًا إلى تأليف رسالته المتعلقة بالعرف (٢) .
إننا نوافق الأستاذ الزرقاء مبدئيًّا في ما ذهب إليه – بعد أن تطرق إلى قضية " تبدل الأحكام بتبدل الأزمان " بشكل واسع – من عدم صحة اعتبار هذا الموضوع من صميم نظرية العرف، بل، ضرورة تناولها في إطار نظرية المصالح المرسلة (٣) . إلا أننا في هذا الباب لا نتناول العرف كنظرية وإنما من أجل بيان دوره ومكانته في أدب الفقه الإسلامي، ولذا أحسسنا بالحاجة إلى الإشارة إلى دور العرف في تبدل وتغير الأحكام الاجتهادية. في الحقيقة أن التغير الملحوظ في الأحكام بتغير الأزمان لا يمكن إرجاعه كليًّا إلى تغير العرف، وإن كان تأثير التغيرات في العرف في هذا الميدان لا يمكن إنكاره أيضًا.
سنعطي مثالًا لهذا النوع من أدوار العرف قضية قبض المهر: إن القاعدة الفقهية تقضي بأن الحاكم يجب عليه أن يستمع إلى كل دعوى ترفع إليه يقضي للمدعي أو عليه بحسب ما يثبت لديه، ولكن الفقهاء اعتبروا أن تزف الزوجة قرينة على قبضها – على الأقل جزءًا من – معجل مهرها استنادًا إلى العادة المطردة في ذلك، وحكموا بعدم استماع القاضي دعواها وبردها دون أن يسأل عنها الزوج إذا ادعت أن زوجها لم يدفع إليها شيئا من معدل مهرها. لأن دعواها هذه تعتبر مما يكذبه ظاهر الحال بعد الدخول إذا أخذت بعين الاعتبار العادة القائمة في ذلك فلا تسمع (٤) . إلا أن تلك العادة قد طرأ عليها التغيير بمرور الزمن وأصبحت كثير من النساء قد يزففن دون قبض شيء من الصداق تيسيرًا على الزوج وذهب الفقهاء المتأخرون إلى تغير هذا الحكم المستند إلى العادة، كما أيده الشاطبي بقوله: " وكذلك الحكم بعد الدخول بأن القول قول الزوج في دفع الصداق بناء على العادة، وأن القول قول الزوجة بعد الدخول أيضًا بناء على نسخ تلك العادة، ليس باختلاف في حكم (٥) . وكذلك يقول القرافي بعد الإشارة إلى العادة القائمة في عصر مالك: " واليوم عادتهم على خلاف ذلك، فيصبح القول قول المرأة مع يمينها في عدم القبض لاختلاف العوائد (٦) .
стр. 7663
٢-٢-٢- في حالات وجود سلطة التقدير للحاكم:
لم تكن القواعد القانونية دائمًا في مستوى واحد من حيث إفادتها القطعية ففي بعض الحالات من أجل توفير السهولة في التطبيق أو من أجل ملاحظات العدالة (quite) وما شابهها، أعطيت للقاضي سلطة التقدير ويقال في نظم الحقوق المكتوبة لهذه المواقف " الفراغات الداخلية " (luchan intra legem) ، فالحاكم يقوم بملء هذه الفراغات اعتمادًا على السلطة التي منحها له القانون وفي إطار حدودها فقد أعطيت سلطة التقدير للحاكم تارة في الواقعة القانونية وتارة في النتيجة، منحها له القانون وفي إطار حدودها القانونية وتارة أخرى في كلتيهما (١) .
ومن الممكن في الفقه الإسلامي أيضًا أن يكون المجتهد قد وجد نفسه في نفس الموقف تجاه النص وكذلك القاضي تجاه تطبيق الحكم المستنبط من النصوص.
أما العرف والعادة فدورهما في الحالات التي تتاح فيها فرصة استعماله سلطة التقدير عبارة عن إنارة الطريق له أثناء استعماله لهذه السلطة وبعبارة أخرى، فإنهما يلعبان دورًا مساعدًا في هذا الميدان. ونحن سنكتفي هنا بإعطاء بعض الأمثلة لبيان دور العرف والعادة في المواقف الثلاثة المذكورة:
مثلًا، إن القرآن الكريم اشترط العدالة في الشهود (٢) . فهذه هي النتيجة القانونية المبينة بالنص وبناء على هذا، تقبل شهادة من يتصف بالعدالة وترد شهادة من لم يتصف بها. غير أن تقدير أنواع الأفعال التي تطيح من قيمة الفرد في المجتمع والخصوصات التي تزيل وصف العدالة يكون راجعًا إلى الحاكم، أي أن سلطة تثبيت الواقعة القانونية متروكة له. فأعراف وتقاليد المجتمع وكذلك الملاحظات العامة المنبثقة منه تضيء الطريق للحاكم أثناء استعماله لهذه السلطة (٣) ، كما يبين ذلك جيدًا المثال الذي أورده الشاطبي (٤) .
стр. 7664
وكذلك، فإن القرآن الكريم لم يبين مقدار النفقة التي تعطى بصفة إجبارية للأزواج من طرف الزوج، بل اكتفى بالحكم على تعيين ذلك المقدار في دائرة " المعارف " (١) . حيث أرجع أكثر الفقهاء تعيين مقدار إلى العرف والعادة (٢) .
وكذلك أيضا قبول حق خيار المجلس لكل من المتبايعين ما لم يتفرقا استنادًا إلى الحديث المعروف، كما ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي حيث قبل خيار المجلس قبل افتراق المتعاقدين، أما بعد ذلك فلم يقبله. وهذه هي النتيجة القانونية فالحاكم سيستفيد من العرف والعادة لتثبيت الواقعة القانونية (أي لتثبيت حصول الافتراق أو عدم حصوله) (٣) .
ويمكننا أن نعطي مثالا للموقف الثاني أي ترك تعيين النتيجة القانونية لتقدير الحاكم بعد تحديد الواقعة القانونية، ترك بعض العقوبات التعزيرية لتقدير الحاكم بعد أن عينت الجرائم التي تقتضيها.
أما موقف تعيين الواقعة القانونية من جهة وتعيين النتيجة القانونية من جهة أخرى، فإنه من الممكن أن نذكر كمثال له حالات ترك تعيين الجرائم التعزيرية من جهة وتعيين العقوبات التعزيرية من جهة أخرى مفوضة لآراء الحكام فالحاكم سيستفيد من الأعراف والعادات عند استعمال سلطة التقدير في مثل هذه الحالات ففي جريمة التعدي على الكرامة بالشتم والإهانة مثلًا، إنما يعتبر من الكلام جرمًا يستحق قائله العقوبة التعزيرية ما يكون في عرف الناس شتمًا وإهانة والعقوبة التعزيرية نفسها أيضًا، إنما تكون شرعًا بالقدر الذي يعتبر كافيًا للقمع في نظر العقلاء وعرفهم بحسب درجة الجرم (٤) .
стр. 7665
٢-٢-٣ في تفسير التصرفات القانونية:
من المعروف أن التصرفات القانونية (وبالتالي التعبير عن الإرادة عند القيام بتلك التصرفات) تشكل سببًا هامًّا سواء لكسب الحقوق أو انقضائها (١) فنحن هنا سنعمل من أجل الإشارة إلى دور العرف والعادة في تفسير التعبير عن الإرادة بشكل موجز.
إذا كانت الألفاظ قد استعملت في غير معانيها الحقيقية بموجب العرف القائم في ذلك ينصرف الكلام إلى المعاني المقصودة بالعرف حين التكلم وإن خالفت المعاني الحقيقية التي وضع لها اللفظ في أصل اللغة فلو صرف كلام المتكلم إلى حقيقته اللغوية دون العرفية التي هي معناه في عرف المتكلم لترتب عليه إلزام المتكلم في تصرفاته القولية بما لا يعنيه هو ولا يفهمه الناس من كلامه (٢) ، وعن هذا أثبت الفقهاء القاعدة القائلة " الحقيقة تترك بدلالة العادة " والتي احتلت مكانًا بين القواعد الكلية في مجلة الأحكام العدلية (٣) ولهذا النوع من العرف (العرف اللفظي) أهمية كبيرة في المسائل المتعلقة بالتصرفات القولية مثل الإقرار والطلاق والوقف ونحوها (٤) .
هذا في حالة ما إذا كان التعبير عن الإرادة بعبارة مصرحة، أما إذا كان التعبير عن الإرادة بصورة ضمنية فدور العرف (العرف العملي) يتجلى في تفسيره أكثر وضوحًا وفي إمكان الباحث أن يجد عبارات كثيرة مثل (الشرط العرفي كالشرط اللفظي) و " المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا " و " التعيين بالعرف كالتعيين بالنص " و " العادة محكمة " مع أمثلة عديدة لهذا النوع من أدوار العرف في المؤلفات الفقهية الإسلامية (٥) وتسمى هذه العادات في النظريات القانونية الحديثة " العادات الاتفاقية " فمثلا إن كيفية دفع أجرة المأجور يتبع فيها شرط العاقدين، ولكنهما إذا لم يشترطا شيئا كان كيفية الدفع عندئذٍ تخضع للعرف في التعجيل أو التأجيل أو التقسيط (٦) .
ويجدر بنا أن ننبه إلى أن معظم العبارات الواردة في المواطن التي يعلم فيها الكاتبون من أجل إبراز أهمية العرف والعادة في الفقه الإسلامي لا تتعلق إلا بدور العادات في إنارة الطريق أمام من يقوم بتفسير التصرفات القانونية، وبالتالي إلى أن سهمًا هامًّا من المكانة التي يحرزها العرف في أدب الفقه الإسلامي راجع إلى هذا النوع من العرف.
стр. 7666
٢- ٣ دور العرف والعادة في مجال قانون المرافعات (في تقدير أدلة الطرفين:
يلاحظ الباحث أن سهمًا هامًّا آخر من المكانة التي يحرزها العرف في أدب الفقه الإسلامي يتعلق بدور العادات أثناء تقدير وتقويم القاضي أدلة الطرفين المتنازعين والحقيقة أن كثيرًا من المواطن التي يصار فيها إلى استعمال اصطلاح " تحكيم العادة " لا تتعلق إلا بمضامين مفاهيم " تحكيم الحال أو ظاهر الحال " و " القرينة " ونحوهما.
كما يمكن أن نذكر بأن الفقهاء كانوا قد اعتبروا أن زف المرأة قرينة على قبضها –على الأقل – بعض صداقها مستندين إلى العادة القائمة في ذلك، فإنه يمكن للباحث أن يجد في كثير من مسائل " القول لمن؟ " قد استند الفقهاء إلى العرف في الترجيح القضائي بين مزاعم المتداعين، فعلى سبيل المثال فإن الزوجين إذا اختلفا في بعض أمتعة البيت أنها ملك الرجل أو المرأة ولا بينة لأحدهما يترجح قول الرجل بيمينه فيما يستعمله الرجال عادة ويترجح كذلك قول المرأة فيما يستعمله النساء، وذلك بقرينة عادة الاستعمال وعرفه (١) .
стр. 7667
الباب الثاني
نظرة تحليلية إلى محاولات تطوير نظرية للعرف
في الفقه الإسلامي
بصفة عامة:
حاولنا في الباب الأول من هذا البحث تعيين مكانة مفهوم العرف والعادة في أدب الفقه الإسلامي وتبين لنا من خلال دراستنا أن الأصوليين لم يتناولوا العرف والعادة كدليل شرعي أثناء دراستهم للأدلة الشرعية (١) ، وبالتالي لم نعثر على محاولة لوضع نظرية للعرف بين الأعمال العلمية للفقهاء المسلمين حتى العصور الأخيرة بغض النظر عما ورد في بعض كتب القواعد من المعلومات حول العرف والعادة.
ومع ذلك فإننا – إذا اعتبرنا مختلف أدوار العرف – نجده يحظى بأهمية كبيرة في كتب فروع الفقه وخاصة نلاحظ أن للعرف تأثيرًا هامًّا في حلول كثيرة مما توصل إليها الفقهاء ولو لم يعبروا نظريًّا عن هذه الأهمية فلذا شعر عدد من العلماء في الأدوار الأخيرة وخاصة في عصرنا الحاضر أمثال العلامة ابن عابدين، والشيخ أبي سنة، والشيخ مصطفى أحمد الزرقاء، والأستاذ عمر عبد الله، والدكتور عبد العزيز الخياط، والدكتور عبد الرحمن الصابوني (٢) والدكتور الجيدي، والدكتور محمد شنار، شعروا بحاجة إلى تطوير نظرية للعرف في الفقه الإسلامي ويلاحظ أن بعض هؤلاء المؤلفين ينطلقون من منطلق الدراسات الغربية ولو قسميًّا.
стр. 7668
بيد أن العرف، نظرًا لاحتلاله مكانًا خاصًّا بين المصادر الشكلية للحقوق في الفقه الغربي، لا يشعر المؤلفون بحاجة إلى مناقشات واسعة حول وصف المصدرية للعرف، بل يتطرقون إلى مسائل فلسفية مثل منشأ القواعد العرفية وقوتها الإلزامية ويبحثون في أركان العرف وشروط اعتباره انطلاقًا من كون العرف مصدرًا من مصادر الحقوق وبطبيعة الحال، فإن العرف الذي يتسم بسمة القاعدة القانونية يشكل المحور الأساسي في هذه النظرية وإلى جانب ذلك تم تناول الموضوعات الجانبية لتلك النظرية مما لم يرتقِ إلى هذه المرتبة من العادات الاتفاقية والعادات التي تلعب الدور المساعد لتفسير القانون أو أحال عليها القانون في بعض المسائل.
أما في الفقه الإسلامي، فيبدو لنا أن عدم اعتبار العرف فيه مصدرًا مستقلًّا بصورة صريحة يشكل العامل الأساسي الذي يتعسر معه وضع نظرية خاصة به، فالمؤلفون الذين أشرنا إليهم آنفًا رغم علو قدرهم واستفادتنا منهم كثيرًا (ولا سيما الشيخين الجليلين أبي سنة والزرقاء) ، تناولوا العرف في أغلب الأحيان دون أن ينتبهوا إلى هذه النقطة وما للعرف من أدوار مختلفة، فلم يحالفهم الحظ في عرض فكرة واضحة عن مكانة العرف وأدواره المختلفة في الفقه الإسلامي.
وبما أننا بينَّا مكانة مفهوم العرف والعادة في أدب الفقه الإسلامي ومختلف أدوار العرف في الباب الأول من هذا البحث سنكتفي بتحليل عناصر هذه النظرية وبتقييم عام للعرف في هذا الباب.
٢- العادة والعرف في اللغة والاصطلاح:
٢-١- العادة لغة واصطلاحًا:
العادة في اللغة اسم من أصل العود ويفيد تكرير الفعل والانفعال والمعاودة عليه –دون بذل جهد خاص – حتى يصير تعاطيه سهلًا كالطبع، ولذلك قيل: " إن العادة طبيعة ثانية (١) .
أما في الاصطلاح فقد عرفها ابن أمير الحاج بأنها " الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية " (٢) فهذا التعريف يعطي مفهومًا شاملًا واسع الحدود للعادة في الاصطلاح، لأن لفظ " الأمر " هنا يشمل كل حادث يتكرر ولبيان هذا الشمول يمكن الإشارة إلى الحالات التالية كما ورد في كتابي كل من الشيخ أبي سنة والشيخ الزرقاء (٣) .
стр. 7669
(أ) ما يعتاده الفرد من الناس في شؤونه الخاصة: كعادته في نومه وأكله وحديثه.
(ب) ما يعتاده الجماعات والجماهير، مما ينشأ في الأصل عن اتجاه عقلي وتفكيره حسنًا كان أم قبيحًا. ويمكن قبول هذا النوع من العادة مرادفًا للعرف الذي سيأتي بيانه.
(ج) كل حالة متكررة – بصفة عامة – سواء أكانت:
أ- ناشئة عن سبب طبيعي، كإسراع بلوغ الأشخاص ونضج الثمار في الأقاليم الحارة وإبطائه في الباردة، وكثرة الأمطار في بعض الأقاليم صيفا، وفي بعضها شتاءً بحسب الموقع الجغرافي والعوامل الطبيعية.
ب- أو ناشئة الأهواء والشهوات وفساد الأخلاق، كالتقاعس عن فعل الخيرات، وتفشي الكذب والفسق والظلم.
ج- أو ناشئة عن حادث خاص، كالتغير في اللغة الناشئ من اختلاط الأقوام بعضهم مع البعض.
كما يلاحظ فإن تعريف ابن أمير الحاج يهدف إلى أن يتناول في شموله جميع الحالات المتكررة سواء أكانت متعلقة بالإنسان أم لا، وسواء أكانت ناشئة عن اتجاه عقلي وتفكير أم لا ونشاهد أن الشاطبي أيضا يسلك نفس الطريقة في فهم اصطلاح العادة وأنه يقسم العادات إلى أقسام عدة باعتبارات مختلفة (١) أما السيد الشريف الجرجاني فهو يقصر معنى العادة على الحالات التي يشكل موضوعها سلوك الإنسان والتي تستند أصلًا إلى المحاكمة العقلية فيعرفها بقوله: " ما استمر الناس عليه على حكم المعقول – في مكان آخر العقول – وعادوا إليه مرة بعد أخرى (٢) إلا أن المفهوم الأول للعادة يعكس بصورة أنسب استعمالها) وكذلك استعمال العرف في كثير من الأحيان على أن يكون مرادفًا للعادة في كتب أصول الفقه (٣) ، وإن كان المفهوم الثاني للعادة يمتاز بخاصية تناوله لها كقاعدة من قواعد السلوك الاجتماعي.
стр. 7670
٢-٢- العرف لغة واصطلاحًا:
يطلق العرف لغة على الشيء المعروف المألوف المستحسن، وهناك معانٍ كثيرة للعرف منها: ضد النكر (كل ما تعرفه النفس من الخير وتأنس به وتطمئن إليه) ، كل عالٍ مرتفع (ومن ثم أطلقوا على أوائل الرياح وأعاليها " أعرافًا ") ، الجود، شعر عنق الفرس، عرف الديك، موج البحر، اسم من الاعتراف (يقال: له علي ألف عرفًا أي اعترافًا) يفيد لفظ العرف التتابع أيضا، يقال مثلًا: طار القطا عرفًا أي طار بعضها خلف بعض (١) .
أما في اصطلاح الفقهاء فالأمر الملاحظ في هذا الموضوع هو أنهم استعملوا العرف على مدى عصور طويلة دون تحديد مفهومه بتعريف اصطلاحي وأن أول تعريف للعرف، والعادة أمكن التوصل إليه في أدب الفقه الإسلامي هو ما جاء في كتاب المستصفى المتعلق بفروع الفقه للفقيه الحنفي أبي بركات حافظ الدين النسفي (م ٧١٠ /١٣١٠) ، وذلك على خلاف ما ذكره عدد كبير من الباحثين الأجلاء أمثال المرحوم الشيخ أبي زهرة، والأساتذة محمد سلام مدكور – ﵀ – ومصطفى أحمد الزرقاء، وعبد العزيز الخياط ووهبة الزحيلي – حفظهم الله – من أن هذا التعريف مقتبس من كتاب المستصفى، للغزالي كما أشرنا إلى ذلك في الباب الأول (٢) ، فالتعريف الذي أتى به النسفي للعرف ونقله عنه الكثيرون كما يلي: " ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول " (٣) ويعثر على نفس التعريف تقريبا عند الجرجاني إذ يقول: " العرف ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطبائع بالقبول " (٤) هناك ملاحظات حول هذا التعريف مثل كونه ناقصًا لأنه يرد العرف إلى قبول الطباع ويعتمد على شهادة العقول بينما لا يمكن أن يعد كل ما قبلته الطباع عرفًا كما يحتاج إلى جهة تمييز بين السليم منها وغير السليم (٥) ولهذا يجب أن يزاد في التعريف عنصر جوهري وهو عدم مخالفته للنص الشرعي (٦) .