ثالثًا: ما يرجع فيه لاستكشاف مرادات المتكلمين عندما يطلقون الألفاظ ويدخل في هذا القسم ما يرجع للدلالات الالتزامية إذا كان منشأ الدلالة الملازمة العرفية كحكم الشارع مثلًا بطهارة الخمر إذا انقلب إلى خل الملازم عرفًا للحكم بطهارة جميع أطراف إنائه.
رابعًا: ما يستكشف به ما يمكن الاحتجاج به وهو بناء العرف العام على الأخذ بالظواهر أو الأخذ بقول الثقة أي ما يستكشف به الحجة الأصولية.
ويختلف هذا القسم الرابع عن القسم الأول بأن هذا يشير إلى الأصول المستكشفة بينما يركز الأول على الفروع الفقهية ويمكن جمعها تحت عنوان واحد فيقال ما يستكشف به الحجة أو الحكم الفرعي.
هل العرف أصل قائم برأسه؟
إذا استعرضنا مجالات العرف الماضية وجدنا أنه لا يشكل أصلًا قائما برأسه في قبال الأصول الفهية الأخرى.
فالمجالان الأول والرابع يرجعان إلى السنة عبر اعتمادهما على الإقرار والإمضاء الشرعي والسنة قامت على معقد العرف (أي الحجة أو الحكم) ولم تقم على العرف نفسه حتى نقول بحجية كل ما قام العرف عليه، وأما المجالان الآخران فهما يشخصان صغيرات السنة.
ولكن يبدو من البعض اعتبار العرف دليلًا مستقلًا برأسه.
قال ابن عابدين: واعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا فقالوا في الأصول في باب ما نترك به الحقيقة، تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة هكذا، ذكر فخر الإسلام انتهى كلام الأشباه وفي شرح الأشباه للبيري قال في المشرع: الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، وفي المبسوط: الثابت بالعرف كالثابت بالنص. (١) .
ولا يمكن الشك في عدم صحة كونه أصلًا مستقلًا في الكشف عن واقع التشريع الإسلامي، لأن العرف يخطئ بلا شك ولا يعرف الكثير من المصالح والمفاسد الواقعية فليس له حجية مستقلة وإنما هو كما مر يكشف عن السنة إذا امتد إلى عصر المعصوم ولم يتم ردع عنه – وبتعبير آخر يبقى العرف دليلًا ظنيًّا وكاشفًا ناقصًا إلا أن يتم تتميم كشفه وسد نقصه بدليل آخر.
والذي أعتقده أن مصطلح (الأصل) يستعمل استعمالات متنوعة وربما كان المراد هنا أن العرف قد يكون مرجعًا يحتاج إليه للوصول إلى الحكم لا أن يراد به كونه أصلًا في قبال أصول الفقه الأخرى، والشاهد على ذلك ما عبروا عنه بقولهم: (تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعبادة) وهم بذلك يشيرون إلى مجال استكشاف مراد المتكلمين.
стр. 7737
الأدلة على حجية العرف:
والمقصود بها الأدلة على اعتباره أصلًا بذاته وهي متعددة:
منها: ما استدل به بعض العلماء – كما ذكر ابن عادبين – من قوله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٩٩] ، باعتبار أن المراد بالعرف هو عادات الناس وممارستهم.
إلا أن الآية كما هو ظاهر تشير إلى ما ارتكزت عليه النفوس والعقول من تصورات عن العدالة، وما عاد معروفًا لدى الجميع بالحسن وهو بعيد عن مسائل الأعراف حتى لو كانت عامة وأكثر التصاقًا بمسألة الفطرة المرتكزة في جميع النفوس، ولا أقل من الاحتمال فيبطل الاستدلال، وربما يؤيد هذا الاحتمال برواية صحيح البخاري عن عبد الله بن الزبير في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ قال: " ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس ".
ومنها: رواية عبد الله بن مسعود ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)) وقد استدل به السرخسي في المبسوط وابن الهمام وقد أشكل على الرواية بأنها مقطوعة يحتمل أن تكون كلامًا، لابن مسعود لا رواية عن النبي صلى الله علية وسلم، وهذا ما أكده ابن عابدين حين نقل قول العلاء إذ قال: لم أجده مرفوعًا في شيء من كتب الحديث أصلًا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا عليه أخرجه الإمام. أحمد في مسنده. (١) .
على أن الاستدلال هنا أضيق من المدعى فما أكثر الأعراف غير المعللة بالحسن ومع ذلك فالحديث يشير إلى صغريات حكم العقل أو الإجماع.
ومنها: قولهم أن الشارع راعى الكثير من أعراف العرب واعتبر الإمام مالك عمل أهل المدينة إجماعًا كافيًا ودليلًا شرعيًّا عند عدم النص.
والحقيقة أن ذلك لتوافق تلك الأعراف مع تعاليم الشارع وكشفها عنها لا غير لا لأنها مراجع أصلية يرجع إليها كمقررة للحكم الشرعي.
ولم أجد أدلة قوية أخرى يعتمد عليها في البين.
وخلاصة البحث:
إن العرف ليس أصلًا من أصول الفقه وإنما يرجع إليه في بعض المجالات للكشف عن السنة أو تشخيص المرادات.
الشيخ محمد علي التسخيري.
стр. 7738
العرف
إعداد
الدكتور أبو بكر دوكوري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مباحث العرف:
تشتمل هذه المباحث على الموضوعات التالية:
١- تعريف العرف – الفرق بين العرف والعادة – الفرق بين العرف والإجماع.
٢- تقسيمات العرف.
٣- حجية العرف ومذاهب العلماء في اعتباره.
٤- شروط اعتبار العرف وتحكيمه.
العرف في الفقه: من عرف الشيء إذا علمه فهو عارف به وعريف وتدور مادة عرف على معان كثيرة جدًّا.
أما العرف بضم العين فراء ساكنة فيطلق في اللغة على عدة معان كذلك منها: الجود واسم ما تبذله وتعطيه. وكذلك يطلق على موج البحر وعلى ما تعرفه النفس وتطمئن إليه، قال في اللسان " والعرف والعارفة والمعروف ضد المنكر وهو كل ما تعرفه النفس من الخير وتبسأ به وتطمئن إليه". (١) ، ولعل هذا المعنى للعرف هو الذي يتناسب مع معناه الاصلاحي.
أما العرف في اصطلاح الفقهاء فقد عرفوه بتعريفات متقاربة فقال بعضهم: "هو ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول. وهذا التعريف اختاره الجرجاني. (٢) ،
أما أبو زهرة فقد عرف العرف بأنه: ما اعتاده الناس من معاملات واستقامت عليه أمورهم. (٣) . وعرفه الشيخ خلاف، فقال: هو ما تعارف عليه الناس وصار عندهم شائعًا سواء كان في جميع البلدان أو بعضها قولًا كان أو فعلًا. (٤) .
стр. 7739
الفرق بين العرف والعادة:
من العلماء من لم يفرق بين العرف والعادة، بل اعتبرهما مترادفين، قال ابن عابدين: "العادة والعرف بمعنى واحد". وقال خلاف: "والعرف والعادة في لسان الشرعيين لفظان مترادفان معناهما واحد".
كما ورد من عطف أحدهما على الآخر كقول بعض الفقهاء هذا الحكم ثابت بدلالة العرف والعادة، إنما هو من باب تعاطف المترادفات لإفادة التأكيد إذ لا تفيد كلمة العادة معنى غير معنى العرف وممن ذهب إلى هذا الجرجاني. (١) .
ومن العلماء من خص العرف بالقول، والعادة بالفعل نسبه بعضهم إلى البخاري في كشف الأسرار. (٢) .
ومن العلماء من يرى أن الصلة بين العرف والعادة هي العموم والخصوص المطلق بمعنى أن العادة أعم مطلقًا من العرف إذ كل عرف عادة وليس كل عادة عرفًا. (٣) .
الفرق بين العرف والإجماع:
هناك شبه بين الإجماع والعرف وخاصة العرف العام، لذلك دأب بعض العلماء على ذكر فوارق بينهما من ذلك:
أولًا: إن العرف يكفي في إثباته توافق غالب الناس على قول أو فعل بما فيهم العامة والخاصة. والإجماع لا يكون إلا من مجتهدي الأمة.
ثانيًا: إن العرف لا يقدح فيه مخالفة البعض إذا اتفق عليه غالب الناس، أما الإجماع فإنه لا يتحقق إلا باتفاق جميع المجتهدين.
ثالثًا: إن الحكم الثابت بالإجماع كالحكم الثابت بالنص، بل أقوى منه فلا مجال لتغييره، أما المستند إلى العرف فيتغير بتغير العرف.
رابعًا: إن العرف قد يكون فاسدًا وذلك إذا خالف نصًّا شرعيًّا أو غير ذلك مما يجعله غير معتبر بخلاف الإجماع، فإنه لا يكون فاسدًا بأي حال من الأحوال لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة. (٤) .
стр. 7740
تقسيمات العرف:
للعرف أقسام باعتبارات مختلفة:
ينقسم العرف – قسمة أولى – إلى عرف قولي وعرف عملي، فالعرف القولي هو أن يتفق أهل العرف على أن يراد من اللفظ غير معناه الأصلي الذي وضع له اللفظ في اللغة بحيث يتبادر إلى الذهن ذلك المعنى عند سماعه، مثال ذلك: تعارف الناس على إطلاق لفظ الولد على الذكر دون الأنثى مع أنه لغة يشمل الاثنين بشهادة الآية القرآنية: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ . (١) .
وكتعارفهم على إطلاق لفظ اللحم على غير السمك مع أنه موضوع لما يشمل السمك أيضًا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ . (٢) .
والعرف العملي: هو ما جرى عليه الناس وتعارفوه في معاملاتهم وتصرفاتهم كتعارف الناس على البيع بالتعاطي دون صيغة لفظية لعقد البيع وتعارفهم على أن ما يدفعه الرجل لخطيبته يعتبر هدية لا يدخل في نطاق المهر.
وينقسم العرف بنوعيه القولي والفعلي – قسمةً ثانية – إلى عرف عام وعرف خاص.
فالعرف العام: هو ما تعارف عليه أهل البلاد جميعًا كتعارفهم على الاستصناع واستعمال لفظ الطلاق في إنهاء رابطة الزوجية. وهذا النوع من العرف يترك به القياس عند الحنفية ويخص به العام.
والعرف الخاص: هو ما تعارف عليه أهل بلد معين أو طائفة معينة من الناس كتعارف التجار على إثبات الديون في دفاتر خاصة من غير إشهاد عليها واعتبار هذا حجة فيما بينهم، وهذا النوع من العرف ليس له قوة النوع الأول.
وينقسم العرف باعتبار أنواعه المتقدمة – قسمة ثالثة – إلى عرف فاسد وعرف صحيح. فالعرف الفاسد ما كان مخالفًا لأدلة الشرع وأحكامه الثابتة التي لا تتغير كتعارف الناس على شرب الخمور والتعامل بالربا ولعب القمار وخروج المرأة إلى الأماكن العامة بدون حجاب وغير ذلك من الأمور التي حرمتها الشريعة لما يترتب عليها من المفاسد الدينية والاجتماعية. فمثل هذا العرف لا يعتد به ولا تبنى على مثله الأحكام لأن اعتباره إهمال لنصوص قاطعة واتباع للهوى وإبطال للشرائع ما جاءت لتقرير المفاسد، وإن تكاثر الآخذين بها يدعو إلى مقاوتها لا إلى الإقرار بها.
стр. 7741
وأما العرف الصحيح فهو مالم يعارض نصوص الشرع أو ما يشهد له الشرع بالاعتبار في الجملة، فمثل هذا العرف يعتبر ويعتد به في الاستنباط وتشريع الأحكام إذ عدم اعتباره وعدم الاعتداد به يوقع الناس في الضيق والحرج ويجعل الشريعة في روحها مجافية للغرض الذي جاءت به من أجله. (١) .
حجية العرف ومذاهب العلماء في اعتباره:
اشتهر المذهبان الحنفي والمالكي في القول باعتباره حجة، وأنه أصل من الأصول التي يستند إليها في الأحكام، قال أبو زهرة: هذا أصل أخذ به الحنفية والمالكية في غير موضع النص. (٢) . ولكن عند التحقيق يتبين أن جميع الفقهاء يعملون بالعرف في هذه الحالة وفي ذلك يقول القرافي: "أما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها". (٣) .
ومما يؤيد كلام القرافي هذا ما ذكره في شرح مقدمة المجموع: أن سبب تغير مذهب الإمام الشافعي بعد انتقاله إلى مصر يرجع إلى اختلاف الأعراف بين العراق ومصر فخالف بعض آرائه في العراق المبنية على العرف حين وجد عرف أهل مصر يخالف عرف أهل العراق. (٤) . فهذا تصريح من علماء الشافعية على أن الإمام قد حكم بالعرف في بعض المسائل الفقهية.
وفيما يتعلق بالمذهب الحنبلي: فننقل ما قاله الدكتور عبد الله التركي في كتابه القيم "أصول مذهب الإمام أحمد " " الحنابلة كغيرهم من أصحاب المذاهب يلاحظون العرف في كثير من فتاواهم وأحكامهم وخاصة في باب المعاملات لأنهم يتوسعون فيها ويعتبرون المعاني والمقاصد ولا يقطعون عند الألفاظ فقط، وفي صيغ العقود ينظرون كثيرًا إلى ما تعارف عليه الناس، وفي الشروط في المعاملات والأنكحة يعتبرون المشروط عرفًا كالمشروط شرعًا لذلك يجرون العرف مجرى النطق". (٥) .
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين: " وقد أجرى العرف مجرى النطق في أكثر من مائة موضع" وذكر عدة أمثلة على ذلك. (٦) .
стр. 7742
ومما تقدم يتبين أن الفقهاء قديمًا وحديثًا باختلاف مذاهبهم قد أخذوا بالعرف واعتبروه دليلًا يبنى عليه كثير من الأحكام ومرجعًا في تفسير النصوص وبيان ما ترمي إليه.
يقول ابن العربي عند تفسير قول الله تعالى: ٍ ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ . (١) : العادة دليل أصولي بنى الله عليه الأحكام وربط به الحلال والحرام. (٢) .
ومن تتبع كتب القواعد الفقهية يجد كثيرًا من الشواهد على مراعاة عرف الناس وعاداتهم في الأحكام الشرعية حتى أصبح من القواعد المقررة: " المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا " و" العادة محكمة " و " الثابت بالعرف كالثابت بالنص ".
فهذه العبارات وأمثالها لا تدع مجالًا للشك في أن العرف يرجع إليه حيث لا نص، بل ويرجع إليه في تطبيق النص وفهمه.
ومن تتبع كتب الفروع يجد الكثير من الأحكام والفتاوى مبنيًّا على العرف والعادة.
أدلة اعتبار العرف:
الفقهاء في اعتبارهم للعرف استدلوا على أمرين:
الأول: التأسي بالشارع الحكيم إذا أقر الكثير من أعراف العرب وعاداتهم قبل الإسلام بعد أن نظمها لهم كما هو الحال بالنسبة إلى بعض العقود كالبيع والإجارة والمضاربة وفرض الدية على العاقلة ولم يلغِ من ذلك إلا الفاسد الضار الذي لا يصلح للبقاء كالربا والميسر والتبني وحرمان النساء من الميراث ووأد البنات.
الثاني: بعض النصوص من الكتاب والسنة رأى فيها بعض العلماء دلالة على حجية العرف، من ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود من أنه ﷺ قال: ((ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن)) . (٣) ، فقد استدل بهذا الحديث كل من الإمام السرخسي والكساني وابن همام من الأحناف، وكذلك السيوطي من الشافعية وغيرهم على حجية العرف فإن هذا الأثر يدل بعبارته ومرماه على أن الأمر الذي يجري عرف المسلمين على اعتباره من الأمور الحسنة يكون عند الله أمرًا حسنًا لأن مخالفة العرف الذي يعده الناس حسنًا يكون فيه حرج وضيق ولقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . (٤) .
стр. 7743
وذكر ابن عابدين أن بعض العلماء استدل على اعتبار العرف بقول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ . (١) ، فقال: كل ما شهدت به العادة قضي به لظاهر هذه الآية. (٢) .
وبعد أن تقرر اعتبار العرف في الشريعة الإسلامية وأنه دليل يرجع إليه الفقيه إذا أعوزه دليل آخر أرجح منه بقي أن نعلم أن لهذا العرف الذي يقول به الفقهاء شروطًا لا بد من توفرها:
أولًا: أن يكون العرف غالبًا مطردًا وفي هذا يقول ابن نجيم: "إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت"، ولذا قال الفقهاء في البيع لو باع بدراهم أو دنانير وكانا في بلد اختلفت فيه النقود مع الاختلاف في المالية والرواج انصرف البيع إلى الأغلب لأنه المتعارف فينصرف المطلق إليه.
قال السيوطي: "إنما تعتبر العادة إذا اطردت، فإن اضطربت فلا ومن هنا جاءت القاعدة الفقهية: "العبرة بالغالب الشائع لا بالنادر". (٣) .
ثانيًا: ألا يخالف العرف نصًّا من نصوص الشرع أو قاعدة من قواعده المقررة وفي هذا يقول الإمام السرخسي: "وكل عرف ورد النص بخلافه فهو غير معتبر". (٤) . والمخالفة القادحة في العرف هي ما إذا كان في العمل به إبطال للنص من كل وجه وبالكلية. أما إذا لم يكن كذلك كما إذا كان النص عامًّا وكان هناك عرف يخالفه في بعض أفراده إنه يعمل بهما معًا ويكون العرف في هذه الحالة مخصصًا للنص لا مبطلًا له ولذلك جوز الفقهاء الاستصناع لتعارف الناس عليه وتعاملهم به مع أن النص ورد بالنهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده وهو صادق على الاستصناع فعمل بمقتضى النص في غير الاستصناع وعمل بالعرف في الاستصناع.
ثالثًا: ألا يكون هناك اتفاق بين المتعاقدين على استبعاد العرف:
إذا صرح المتعاقدان أو اتفقا على استبعاد ما يتعارف عليه الناس في بعض المعاملات نفذ الاتفاق وأهمل العرف. فمثلًا لو كان هناك عرف على أن تكون مصاريف تسجيل العقد أو نفقات شحن البضاعة على المشتري واتفق العاقدان على أن يكون ذلك على البائع عمل بهذا الاتفاق بالإجماع ولا عبرة بالعرف.
стр. 7744
يقول العز بن عبد السلام: "كل ما يثبت في العرف إذا صرح المتعاقدان بخلافه بما يوافق مقصود العقد صح". (١) .
رابعًا: أن يكون العرف الذي تحمل عليه الصيغ والنصوص والتصرفات موجودًا وقت ورودها فلا عبرة بالعرف المتأخر الطارئ على التصرف أو النص.
يقول السيوطي: "العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن أو السابق دون المتأخر". (٢) .
ويقول الشاطبي في الموافقات: "إن العوائد تختلف باختلاف الأعصار والأمصار لا يصح، أن يقضى بها على قوم حتى يعرف أنها عادتهم ويثبت ذلك، فلا يقضى على من مضى بعادة ثبتت متأخرة". (٣) .
خامسًا: أن يكون العرف عامًّا لا خاصًّا، وهذا الشرط محل اختلاف بين الفقهاء.
قال السيوطي: "العادة المطردة في ناحية هل تنزل عادتهم منزلة الشرط فيه صور منها: لو جرت عادة قوم بقطع الحصرم قبل النضج فهل تنزل عادتهم منزلة الشرط حتى يصح بيعه من غير شرط القطع؟ وجهان أصحهما: لا، وقال القفال: نعم". (٤) .
واشتراط العموم في العرف هو مذهب جمهور الحنفية والشافعية به صرح القرافي من المالكية وابن حجر الهيثمي. (٥) .
سادسًا: أن يكون العرف ملزمًا. أي يتحتم العمل بمقتضاه في نظر الناس وهذا الشرط زاده بعضهم فاعتبر أن العرف المعتبر يختص بالعرف المثبت لحق من الحقوق لقيامه مقام الشرط أو العقد ومثلوا له بالهدايا في الأعياد والأعراس والمناسبات المختلفة إذا كان هناك عرف واعتياد في المكافأة عليها لزم ذلك في الفتيا والقضاء. (٦) .
سابعًا: هناك شرط آخر ذكره ابن عابدين في رسالة العرف وهذا الشرط يتعلق بمن يحكم بالعرف أو يفتي به، وفي ذلك يقول: "وكذلك المفتي الذي يفتي بالعرف لا بد له من معرفة الزمان وأحوال أهله ومعرفة أن هذا العرف خاص أو عام وأنه مخالف للنص أولًا ولا بد له من التخرج على أستاذ ماهر ولا يكفيه مجرد حفظ المسائل والدلائل". (٧) .
стр. 7745
وبعد أن عرفنا العرف وآراء العلماء في اعتباره بقي أن نعرف أن الحكم المبني على العرف يتغير تبعًا لتغير الأصل الذي بني عليه.
وفي هذا يقول القرافي: " الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت وتبطل معها إذا بطلت كالنقود في المعاملات والعيوب في الأعراض في البياعات ونحو ذلك. فلو تغيرت العادة في النقد والسكة إلى سكة أخرى لحمل الثمن في البيع عند الإطلاق على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها إلى أن يقول: " وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المركبة على العوائد وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه ". (١) .
وتبعًا لذلك، فالمجتهد يغير رأيه في المسألة الواحدة لتغير العرف الذي بني عليه الحكم، كما حدث للإمام الشافعي رحمه الله تعالى بعد انتقاله من العراق إلى مصر.
وقد يخالف فقهاء المذهب الواحد صاحب المذهب في أحكام بنيت على العرف بعد أن اختلف وتغير كما حدث بالنسبة للإمام أبي حنيفة وصاحبيه محمد بن الحسن وأبي يوسف، فقد خالفاه في كثير من الأحكام نتيجة لهذه القاعدة.
ومن أمثلة ذلك اختلف الإمام وصاحباه فيما لو غصب شخص ثوبًا وصبغه بلون أسود، فقد اعتبره أبو حنيفة نقصانًا في قيمته، وقال الصاحبان: إنه زيادة. ومرجع هذا الاختلاف العرف. حيث كان فتوى الإمام أبو حنيفة في زمن الأمويين وكانوا يكرهون لبس السواد فكان مذمومًا وكانت فتوى الصاحبين على عهد العباسيين وكان شعارهم السواد فكان ممدوحًا. (٢) .
ومن أمثلة مخالفة المتأخرين للمتقدمين في بعض الأحكام الفقهية نتيجة لتغير العرف أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم، فقد كان القدامى يحرمونه لأنه طاعة وعبادة، وهذا الحكم كان مناسبًا للزمان الذي صدر فيه هذا الحكم إذ كان لمعلمي القرآن الكريم رواتب من بيت مال المسلمين ولكن بعد أن تغير هذا العرف وانقطع ما كان مخصصا لهم في بيت المال أفتوا بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والإمامة والأذان.
وقد عقد ابن القيم – ﵀ – فصلًا في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد وبين في مطلع هذا الفصل أن الشريعة مبنية على مصالح العباد، فما كان من مصلحة فهي محصلة له وما كان من مفسدة فهي نافية له وأنها كلها عدل ورحمة. ثم ضرب أمثلة كثيرة على تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد وأفاض في ذلك كثيرًا.
الدكتور أبو بكر دوكوري.
стр. 7746
منزلة العرف في التشريع الإسلامي
إعداد
الشيخ محمد عبده عمر
باحث علمي
في المركز اليمني للأبحاث والثقافة
بوزارة الإعلام والثقافة – عدن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وسلم.
وبعد:
فهذا بحث في موضوع: "العرف" مقدم إلى الدورة الخامسة. لمجلس مجمع الفقه الإسلامي الذي سيعقد بدولة الكويت الشقيق. من ١٠-١٥ ديسمبر ١٩٨٨م. بقلم محمد عبده عمر: عضو المجمع.
وقد وضعت خطة البحث كالآتي:
١- الفصل الأول: تعريف: العرف في الاصطلاح اللغوي والفقهي.
٢- الفصل الثاني: منزلة العرف في التشريع الإسلامي.
٣- الفصل الثالث: دور العرف في الفقه الإسلامي والشروط التي قيد بها الفقهاء.
٤- الفصل الرابع: النظرة الفقهية بين الفقهاء للعرف اللفظي والعملي بين المذاهب.
وقبل الدخول في صلب البحث ننقل بعض العبارات الفقهية لكبار العلماء المجتهدين نصًّا:
قال الشهاب القرافي في كتاب الفروق ٢٨ – المسألة الثالثة / ١٧٧، ما نصه: "الجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين" ويقول ابن القيم ﵀ في فصل تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: "هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة في أعلى رتب المصالح لا تأتي به. فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة ومصالح كلها وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسد وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل". إعلام الموقعين: ١/ ٩٣٦؛ المدخل، للزرقاء.
стр. 7747
الفصل الأول
تعريف: العرف في الاصطلاح اللغوي والفقهي
العرف لغة:
هو التتابع الذي ينشأ من العادة التي تستقر في نفس الشخص من تكرار أمر معين من الأمور، تعارف الناس هذه العادة وقلدوها وتكررت محاكاتهم لها في مكان معين أو بين طائفة معينة أو أبناء مهنة معينة صارت هذه العادة عرفًا أي استقر عليها العمل جيلًا بعد جيل، وكما يجري العرف اللغوي في الأفعال يجري بالأقوال أيضًا، فالإنسان بطبيعته مضطر إلى التفاهم مع من يعيش بينهم ولا بد من التعبير بها حتى تصبح لغة عامة بينهم، ثم بتوسع الصناعات والعلوم يصبح التعبير باللغة العامية الأصلية في هذه الصناعات والعلوم. ولهذا السبب نجد أهل الحرف أو العلوم يلجؤون إلى استعمال لغة وألفاظ خاصة بهم يصطلحون عليها بطريق الابتداء أو بطريقة التداول المتكرر للدلالة على معان وأشياء تفهم بسهولة من هذه الألفاظ الاصطلاحية التي لا يقوم مقامها في الدلالة إلا شرح طويل، ولا بد من التعبير بالألفاظ التي هي أصوات اعتاد الناس التعبير بها، وغالبًا ما يكون أصل الألفاظ العرفية مجازات لغوية لا يفهم المراد منها إلا بقرينة، ثم يتكرر استعمالها فتصير مجازات مشهورة ومنتشرة بين الناس ثم يزداد شيوع الاستعمال حتى يفهم منها المراد بدون قرينة وبنفس الوقت تهجر معانيها الحقيقية.
نخلص مما تقدم: بأن العرف في الحقيقة اللغوية عادة الجماعة المتكررة في فعل أو قول من غير علاقة أو رابطة ذهنية مسبقة (١) .
أما في الاصطلاح الفقهي:
فقد عرفه الفقهاء بأنه عادة جمهور قوم في قول أو عمل: ثم توسعوا في تعريفهم للعرف، فقالوا: إن العادات التي تنتشر في البلاد وبين الناس أو بين أصناف مخصوصة من الناس لا تنشأ عن سبب واحد ولكن معظم هذه العادات إنما تنشأ عن الحاجة التي تعرض للناس لظروف خاصة بهم تدعوهم إلى عمل خاص فيما بينهم فيتكرر العمل حتى يصبح عرفًا، ومعلوم بأن للعادات والأعراف سلطانًا قويًّا على النفوس وتحكم العقول فمتى رسخت هذه العادة اعتبرت من ضروريات الحياة.
стр. 7748
ومن هنا قال بعض علماء النفس إن الأمر بكثرة تكراره تألفه الأعصاب والأعضاء ولا سيما إذا اقتضته الحاجة حتى يكون طبيعة ثانية للإنسان. وهنا نجد التطابق بين نظرة علماء النفس والسادة الفقهاء، الذين يقولون: بأن نزع الناس عن عاداتهم حرجًا عظيمًا. ويعنون بذلك: العادات التي لا تعارض كتابًا ولا سنة ولا مصلحة عامة للمجتمع أما العادات التي تتعارض مع الكتاب والسنة أو مع المبادئ الشرعية العامة أو دليل من أدلتها فإنه لا عبرة لها إلا أن فقهاء الإسلام يرشدون بعدم أخذ الناس بغير الوسائل التربوية التي جاء بها الإسلام، والأخذ بالأسلوب التدريجي لتحويلهم عن مفاسد عاداتهم وأعرافهم. وفي هذا المعنى جاء قول السيدة عائشة ﵂ واصفًا سياسة التشريع الإسلامي: إنما نزل أول ما نزل من القرآن سورة فيها ذكر الجنة والنار ولو نزل لا تشربوا الخمر ولا تزنوا لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنى ولكن نزلت سورة فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى رشدهم نزل بعد ذلك الحلال والحرام. ولما كانت العادة وليدة الحاجة، والحاجة تختلف باختلاف في البيئة والمكان والزمان انقسم العرف في اصطلاح الفقهاء إلى عرف عام وإلى عرف خاص تبعًا لمدى انتشاره بين الناس سواء من حيث الوسط الاجتماعي أو من حيث المكان يقول الفقهاء: إن العرف يجري بين الناس في أعمال معينة وألفاظ وتراكيب لغوية معينة في معنى معين. ومن هنا كان العرف في اصطلاح الفقهاء عرفًا عمليًّا وعرفًا لفظيًّا أو قوليًّا وهو – أي العرف – تابع للعادة وناشئ عنها والعادة قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة فيأتي العرف حسنًا أو قبيحًا لذلك، ونخلص مما تقدم إلى أن العرف في اصطلاح الفقهاء: هو ما اعتاده الناس وألفوه وساروا عليه في أمورهم فعلًا كان أو قولًا دون أن يعارض كتابًا ولا سنة. وواضح من هذه الخلاصة بأن العرف في اصطلاح الفقهاء يختلف عن الإجماع وعن الاستحسان والاستصحاب للأصل.
* * *
стр. 7749
الفصل الثاني
منزلة العرف في التشريع الإسلامي
لما كانت الشريعة الإسلامية لها مقاصد معينة شرعت وأنزلت من أجلها: وهو جلب المنافع للناس ودفع الضرر عنهم كان الشارع الحكيم هو وحده الذي يحدد معيار النفع والضرر أو الصلاح والفساد، ومن ثم فإن فقهاء التشريع الإسلامي أجمعوا على أن العرف الصحيح الذي يحتج به هو العرف الذي يتفق ومقاصد الشريعة ولا يخالف الشريعة ولا يخالف دليلًا أو أصلًا شرعيًّا. كما وضعوا له شروطًا أخرى سنعرض لها في مواضعها من هذا البحث إن شاء الله. أما مستند العرف فقد استدل الفقهاء على أنه مصدر من مصادر التشريع الإسلامي بأدلة منها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الآية ٨٧ من سورة الحج] .
فالآية الكريمة في رأي الفقهاء تشير إلى أن المشرع إذا لم يراعِ عند تشريع الأحكام ما تعوده الناس وعرفته العقول الناضجة والفطر السليمة مما لا يعارض كتابًا ولا سنة ولا إجماعًا، أو وضع الناس في الضيق والمشقة والحرج. ومن هنا فإن اعتبار العرف مصدرًا من مصادر التشريع الإسلامى راجع إلى أصل رفع الحرج الثابت بالآية الكريمة. أما السنة فقد ثبت عنه ﵊ أنه قال: ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)) (١) ، فالحديث يدل على أن الأمر الذي يجري عليه المسلمون يعتبر من الأمور الحسنة عند الله يرجع إليه ويعمل به.
واتفق فقهاء التشريع الإسلامي على أن العرف مستند عظيم لكثير من الأحكام الفقهية العملية بين الناس في شتى شعب الفقه وأبوابه، وأن العرف في نظر الشريعة الإسلامية له سلطان واسع المدى في توليد الأحكام وتجديدها وتعديلها وتحديدها وإطلاقها وتقييدها لأن العرف وليد الحاجة المتجددة والمتطورة حتى يكون العرف بطبيعته نظامًا حاكمًا تدور به وعليه عجلة المعاملات بين الناس ويكشف عن معاني كلامهم ومراميه ويرسم حدود الحقوق والالتزامات، ويوضح محجة القضاء، ويثري كثيرًا من النصوص التفصيلية في الأحكام التشريعية والالتزامات اعتمادًا على ما هو معروف ومألوف في شتى الوقائع والأقضية كما يغني نصوص التشريع والتقنين التي لا تستوعب جميع الوقائع التفصيلية الواقعة والمحتملة، خاصة وإن كثيرًا من الأحكام الفقهية مبني على العرف ويتبدل فيه الحكم بتبدل العرف بحيث لا يمكن بدون العرف ترتيب حكم ثابت فيه.
стр. 7750
والمتتبع لكتب الفقه الإسلامي قلما يجد بابًا من أبواب الفقه لا يكون فيه للعرف مدخلًا أساسيًّا في أحكامه حتى فقه الجرائم والجنايات، ومعلوم بأن الأحكام الاجتهادية التي يقف عليها الفقهاء المجتهدون استنباطًا وتخريجًا عند عدم النص الشرعي، إما أن تكون ثابتة بطريق القياس النظري على حكم أوجبه الشارع بالنص لاتحاد العلة بين الحكم المقيس عليه والمقيس، وإما أن تكون ثابتة بطريق الاستحسان أو الاصطلاح عندما لا يوجد حكم مشابه منصوص يقاس عليه كما أن الاجتهادات الإسلامية تكاد تكون متفقة على أن الحكم القياسي يترك للعرف ولو كان عرفًا حادثًا لأن المفروض عندئذٍ أن هذا العرف لا يعارضه نص خاص ولا عام معارضة مباشرة. والعرف في نظر الفقهاء دليل الحاجة فهو أقوى من القياس فيترجح عليه عند التعارض. ومعلوم بأن ترجيح العرف على القياس يعتبر عند الحنفية والمالكية من قبيل الاستحسان الذي تترك فيه الدلائل القياسية لأدلة أخرى منها العرف، وإذا كان العرف يترجح عند السادة فقهاء الأحناف والمالكية على القياس الذي يستند إلى نص تشريعي غير مباشر فهذا يدل دلالة واضحة على أن العرف يترجح أيضًا على الاستصلاح الذي لا يستند إلى نص بل مجرد المصلحة الزمنية التي هي عرضة للتبدل بحسب اختلاف الأزمنة وما يجد فيها من أوضاع ومقتضيات. ومن هنا نص الفقهاء على أن نصوص التشريع تنبئ بأن العرف في ميدان الأفعال والمعاملات له السلطان المطلق والسيادة التامة في فرض الأحكام وتقييدها وتحديد آثار العقود والالتزامات على وفق المتعارف عليه في كل موطن لا يعارض فيه العرف نصًّا تشريعيًّا. فالعرف عندئذٍ يعتبر مرجعًا ومنبعًا خصبًا للأحكام. ونخلص مما تقدم بأن العرف الصحيح يعتبر مصدرًا أساسيًّا من المصادر التبعية للتشريع الإسلامي وينبوعًا لمعرفة القرائن العرفية ومسائل تغير الزمان الذي تتبدل فيه الأحكام بحسب الأحوال والأخلاق العامة وأن العرف مقدم على القياس المستند إلى الشبه الذاتي في العلل بين الأحكام المنصوص عليها والأحكام المقيسة ويتضح لنا أيضًا بأن الأحكام القياسية تتبدل بتبدل العرف عندما تكون علة القياس نفسها مبنية على العرف فعندئذٍ يكون هذا التبدل في الحكم تبعًا لتبدل العرف ليس خروجًا على القياس بل تمشيًّا معه.
стр. 7751
الفصل الثالث
دور العرف في الفقه الإسلامي
والشروط التي قيده بها الفقهاء
مما لا شك فيه بين فقهاء التشريع الإسلامي، بأن العرف قد قام بدور هام في تفسير ألفاظ الأحكام وإنشاء أحكام جديدة وتعديل أحكام قائمة. ومن هنا قال علماء الأصول بأن ما اعتاده الناس وتعارفوا عليه ولم يكن معارضًا لكتاب ولا سنة تجب مراعاته عند التشريع وعلى المجتهد أن يجعله نصب عينيه وعلى القاضي أن يفطن إليه ويبني قضاءه عليه لأن القرآن والسنة المطهرة قد راعيا الصحيح من عرف الناس، فأقرا الكثير من الأمور التي تعارف عليها الناس قبل الإسلام بعد أن هذبها وأدخل عليها بعض الإصلاحات، ففرض الدية على العاقلة وبنى الإرث على القرابة حتى صار العرف الصحيح الذي يتفق مع مقاصد الشريعة أصل من الأصول التي اعتمد عليها الفقهاء على اختلاف مذاهبهم في الفتاوى والأحكام، حتى جرى عرفًا على ألسنتهم وفي مؤلفاتهم قولهم: المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. وقولهم: العرف عادة محكمة ونحن إذا استقصينا مذاهب الأئمة المجتهدين نجد أن فيها الكثير من الأحكام التي روعي فيها العرف الصحيح، فهذا المذهب المالكي نجده من خلال فقه المذهب يبني الكثير من أحكام على عمل أهل المدينة، وهذا هو رأي الإمام مالك رأي عنه ورأي أتباع المذهب من بعده، وليس لهم مستند غير العرف الذي ساروا عليه وألفوه أهل المدينة بعد عصر النبوة. كما نجد الإمام الشافعي ﵁ يغير بعض الأحكام التي كان قد قال بها وذهب إليها عندما كان في بغداد بعد أن استقر به المقام في مصر وذلك بناء على اختلاف العرف في البلدين، كما نجد الأحناف يراعون العرف في كثير من الأحكام ففي المذهب نجد بأنه إذا اختلف المتداعيان ولا بينة لأحدهما، فالقول عندهم يكون لمن يشهد له العرف وإذا اختلف الزوجان على المقدم والمؤخر من الصداق (١) فالحكم عندهم للعرف.
وفي المذهب أيضًا أن من حلف ألا يأكل لحمًا فأكل سمكًا لا يحنث بناء على العرف بل نجد الحنفية يختلفون على أنفسهم في حكم المسألة الواحدة تبعًا لاختلاف العرف؛ فقد روي عن الإمام أبي حنيفة ﵁ أنه قال: لا يتحقق الإكراه إلا من السلطان بينما يرى الصاحبان أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني بأن الإكراه كما يتحقق من السلطان يتحقق من غيره.
стр. 7752
وهذا الخلاف العرفي عندهم مبني على تباين العرف في العصرين، ففي عصر أبي حنيفة لم تكن القدرة والمنعة إلا السلطان وفي عصر الصاحبين صار كل ظالم قادر على إيقاع ما هدد به من الأذى والمكروه. ومن ذلك ما عرف من اتفاق علماء الحنفية القدامى من عدم جواز أخذ الأجرة على الإمام في الصلاة وعلى الأذان، لأن الأذان عبادة وطاعة لا يجوز أخذ الأجرة عليه وهذا الحكم من عدم أخذ الأجرة على الإمامة في الصلاة مبني على العرف؛ إذ كان العرف يقضي بأخذ الأئمة في الصلاة هبات من الملوك والحكام فلما انقطعت تلك الهبات من بيت المال وتغير الحال أباح المتأخرون من الحنفية أخذ الأجرة على الطاعات ومنها الإمامة في الصلاة والأذان وتعليم القرآن فنجد أن تغاير الحكم بين العلماء القدامى والمتأخرين منشؤه اختلاف في العرف في زمانهما والمتتبع لفتاوى الفقهاء وأحكامهم يجسد البعض منهم من يخصص النص أو القاعدة الفقهية العامة بالعرف، ومن هذا الباب أجازوا الاستصناع لجريان العرف به وإن كان مخالفًا للقواعد العامة التي تقضي بوجود المعقود عليه مخصصين هذه القاعدة العامة بالعرف، وقد أجاز الحنفية بيع مكيف الهواء بشرط تعهد البائع بإصلاحه مدة معينة مع أن هذا مخالف لما روي عن النبي ﷺ من النهي عن البيع وشرط، وذلك منهم تخصيصًا للنص بالعرف. وذلك أن العرف قد جرى على اعتبار ذلك: أي ذلك الشرط في العقود والتصرفات.
وقد جاء كثير من أحكام النصوص الشرعية يدعم العرف في كيفية طرق التعامل الذي تقتضيه طبيعة المجتمع الإنساني منتقيًا لأكمل ما كان موجودًا منها في تحقيق الغرض المقصود منه. ومن المسلم به بأنه قد كان للأمة العربية التي نزل عليها القرآن وظهر فيها التشريع الإسلامي أعرافًا يحكمون بها ويسيرون عليها كما كانت لهم ضوابط يرجعون إليها في خصوماتهم وقضائهم، فجاء الإسلام فهذب فيها وعدل وألغى وبدل. وليس في ذلك ما يضر بالتشريع الإسلامي واستقلاله في التشريع خاصة إذا علمنا بأن الإسلام دين يراد به تدبير مصالح العباد وتحقيق العدالة وحفظ الحقوق ولم يأتِ ليهدر كل ما كان عليه الناس ليؤسس على أنقاضه بناءً جديدًا لا صلة له بفطرة البشر وما تقتضيه سنن الاجتماع، وإنما كان ينظر إليها من جهة ما فيها من مصالح ومضار، فما كان منها صالحًا أبقاه وأقره، وما كان منها ضارًا مفسدًا للمال أو للاجتماع نهى عنه وحرمه، وما احتاج منها إلى التنقيح والتهذيب أدخل عليه من التهذيب ما جعله صالحًا كفيلًا بصلاح الناس، وقد يقر الشيء نظرًا للتعامل الشائع ويشرع من جانب آخر ما يوحي بإنهائه أو بعدم الرغبة فيه، وذلك كما صنع في الرق الذي لم يأتِ به الإسلام بل كان عرفًا متعارفًا عليه قبل مجيء الإسلام وحث على العتق وتحرير العبيد وطلب في مواضع كثيرة تكفير الذنوب والخطايا بالعتق مثل أحكام كفارة اليمين والقتل الخطأ والإفطار في رمضان والظهار، ورتب عليه في ذاته درجات عظيمة من المثوبة عند الله وأباح أيضًا قتل الأسرى جريًا على قاعدة المعاملة بالمثل، ولكن لم يجعل التشريع الدائم، وإنما جعل التشريع الدائم فيها المن والفداء، ومثال ما ألغاه من الأعراف الفاسدة كنظام التبني الذي كان متعارفًا عليه بالجاهلية.
стр. 7753
ومن المقرر في فقه الشرعية أن لتغيير الأوضاع والأحوال الزمنية تأثيرًا كبيرًا في كثير من الأحكام الاجتهادية التي تنظم ما أوجبه الشرع من تحقيق إقامة العدل بين الناس وجلب المصالح لهم ودرء المفاسد عنهم، وبالتالي فإن هذه الأحكام الاجتهادية ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية وبالأخلاق العامة فكم من حكم اجتهادي كان تدبيرًا وعلاجًا ناجعًا لبيئة في زمن معين فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه أو أصبح يفضي إلى عكسه بتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق، ومن هنا أفتى الفقهاء المتأخرون من شتى المذاهب الفقهية في كثير المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم وفقهائهم، وصرح هؤلاء المتأخرون بأن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم هو اختلاف الزمان وفساد الأخلاق فليسوا في الحقيقة مخالفين للسابقين من فقهاء مذاهبهم، بل لو وجد الأئمة الأولون في عصر المتأخرين ورأوا اختلاف الزمان والأخلاق لعدلوا إلى ما قاله المتأخرون.
إن مما تقدم بيانه من الاعتبار الشرعي للعرف وماله من سلطان في ميدان الأحكام العملية بين الناس توليدًا وتحديدًا مشروطًا بشرائط يجب توافرها في العرف لكي يكون له هذا السلطان، وتلك الشرائط التي يذكرها الفقهاء والأصوليون في مناسباتها المختلفة هى:
(١) أن يكون العرف مطردًا أو غالبًا. (٢) أن يكون العرف مقارنًا أو سابقًا. (٣) أن لا يخالف دليلًا أو أصلًا من أدلة وأصول الشريعة الإسلامية. ويقصد بالمراد العرف: بأن يكون جريان العمل به حاصلًا في أكثر الحوادث وغالبًا في معاملات الناس ويستوي في ذلك أن يكن العرف خاصًّا ببلد معين أو أبناء مهنة معينة أو يكون عامًا منتشرًا بين جميع الناس في سائر البلاد الإسلامية. ويقصد بكون العرف مقارنًا أو سابقًا: أن يكون العرف الذي يحكم الواقعة موجودًا وقت وجودها حتى يصبح حملها عليه، وعلى ذلك فلا عبرة بالعرف الطارئ ويستوي في ذلك العرف اللفظي والعرف العملي سواء كان عرفًا خاصًّا أم عامًّا..
стр. 7754
الفصل الرابع
النظرة الفقهية بين الفقهاء
للعرف اللفظي والعرف العملي بين المذاهب
لقد نظر الفقهاء والأصوليون إلى العرف اللفظي نظرة اعتبار فقهية، وأن معنى لفظ المتكلم ينصرف إلى المعاني المقصودة بالعرف حين التكلم وإن خالفت المعنى الحقيقي لها في اللغة والمعنى الاصطلاحي لها في الفقه، فإن الحقيقة تترك للدلالة على العادة وهذا ما قرره ابن عابدين: ٢ /١٣٣. من الرسالة حيث قال: يحمل كلام الحالف والناذر والموصي والواقف وكل عاقد على لغته وعرفه وإن خالفت لغة العرب ولغة الشارع وينبني على ذلك أن ما تعارف عليه العوام من أساليب تفيد معنى العقد أو تعليقه أو تنجيزه أو معنى الإذن أو الإجارة إلخ.
يعتبر هو المعنى المقصود ولو خالف المعنى اللغوي في الفصحى وبطبيعة الحال يختلف معنى اللفظ في اللغة العامية من مكانٍ إلى آخر فتكون العبرة في كل مكان يعرفه في التخاطب والعبرة في المعنى العرفي بالمعنى الموجود وقت صدور التصرف القانوني وعلى ذلك فالألفاظ التي تصدر عن التصرف في التصرفات القانونية سواء كانت تتم بإرادة منفردة كالوصية أم بإرادتين كعقود المعارضة. فإنها تحمل على المعنى العرفي لهذه الألفاظ وتفسر النصوص والتصرفات التي تمت في ظل العرف القديم على المعنى القديم. أما التصرفات التي تتم في ظل المعنى العرفي الجديد فإن ألفاظهما تفسر في ضوئه، وهذا ما عبر عنه ابن نجيم في الأشباه والنظائر ١ /١٢٢. بقوله: العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر ولذلك قالوا لا عبرة بالعرف الطارئ. وبالمثل يجب أن تفهم النصوص التشريعية بحسب تداولها اللغوي والعرفي وقت صدور النص ولا عبرة بتبدل مفاهيم الألفاظ نتيجة لعرف متأخر ولذا قال القرافي: إن دلالة العرف مقدمة على دلالة اللغة لأن العرف ناسخ للغة والناسخ مقدم على المنسوخ فكما أن عقد البيع يحمل فيه الثمن على النقود المعتادة ولا عبرة في عقد البيع لتبدل العادات بعده في النقود. وكذلك نصوص الشريعة لا يؤثر فيها إلا ما قارنه من العادات.
والحال كذلك في النظرة الفقهية للأعراف العملية فما يعد عيبًا في البيع وما يعتبر من توابعه ... إلخ. يرجع فيه إلى العرف الجاري وقد صدور البيع لأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطا ولا عبرة بما يحدث من تغيير في العرف في وقت لاحق، وهذه القاعدة عبر عنها الفقهاء في كتبهم بصيغ مختلفة منها قولهم الثابت بالعرف كالثابت بالنص ونحو ذلك. غير أنه يجب التنبيه هنا على القاعدة القائلة والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا (١) .
стр. 7755
ذلك أن المتتبع لكتب الفروع الفقهية يجد أن الفقهاء قد وضعوا قيدًا هامًّا هو أن لا يصدر عن المتعاقدين تصريح بخلاف العرف، فإن صدر هذا التصريح وجب العمل به وترك العرف. وعللوا ذلك. بأن تطبيق ما يجري عليه العرف يرجع إلى أن سكوت المتعاقدين عن ذكره صراحة إنما حدث اعتمادًا على مقصودهما وبطلت القرائن الأخرى المخالفات للعرف. ويكون العرف هنا من قبيل الدلالة فإذا أصدر تعبير صحيح عن المتعاقدين أو أحدهما دل ذل على مقصودهما أيضًا وبطلت دلالة العرف لأن القواعد المقررة عند الفقهاء أنه لا عبرة للدلالة في مقابل التصريح، ولذلك قالوا بأن كل ما يثبت بالعرف إذا صرح المتعاقدان بخلافه بما يوافق مقصود العقد ويمكن الوفاء به صح.
فلو شرط المستأجر على الأجير أن يستوعب النهار بالعمل من غير أكل وشرب ويقطع المنفعة لزمه ذلك.
وقد نص الشرط الثالث من الشروط المتقدم ذكرها: بأن لا يخالف العرف دليلًا أو أصلًا شرعيًّا. ومخالفة العرف للدليل أو أصل شرعي تظهر في حالات ثلاث: ١- مخالفة نص خاص في الكتاب أو السنة. ٢- مخالفة نص عام. ٣-مخالفة حكم بني على الاجتهاد: القياس: الاستحسان. المصالح المرسلة ... إلخ.
١- مخالفة العرف لنص تشريعي خاص:
حرم الشارع بعض صور المعاملات التي جرى عليها العرف في العصر الجاهلي وخص هذه التصرفات بنصوص وردت بخصوصها. ومن أمثلة ذلك تحريم التبني: بيع المنابذة والملامسة وإلقاء الحجر. وتحريم استرقاق المدين ومنع زواج الشغار ... إلخ. والقاعدة الفقهية أنه لا عبرة بمثل هذا العرف ولو كان عرفًا عامًّا لأنه يخالف مقاصد الشريعة.
وبالتالى فإن نهي الشارع عن هذه الأعراف يعتبر دليلًا على أنها ضارة للمجتمع ولا تحقق له نفعًا، ولو تمخضت في التطبيق العملي عن فائدة محققة لبعض أفراد المجتمع لأن إرادة الشارع وحده هي المعيار الذي يحدد ما يجلب النفع وما يدفع عنهم الضرر، وقد أفصح الشارع الحكيم عن إرادته بالنهي عن هذه التصرفات ومنعها، وقد استثنى الفقهاء من هذه القاعدة حالة ما إذا كان النص نفسه حين صدوره عن الشارع قد بني على عرف قائم ومعللًا به فإن النص عندئذٍ يكون عرفيًّا أو غير عرفي فيدور حكمه مع العرف ويتبدل بتبدله، وهنا تختلف وجهات النظر في كون النص الخاص عرفيًّا أو غير عرفي ومن ثم يختلف الرأى في أثر العرف الطارئ.
٢- مخالفة العرف لنص تشريعي عام:
وهي الحالة التي يكون فيها موضوع العرف المخالف عبارة عن بعض عموم النص ولم يرد النص خصيصًّا بشأن هذا البعض، وهنا تجب التفرقة بين العرف المقارن والعرف الطارئ، كما أن العرف المقارن عند الإطلاق يتناول العرف القائم عند ورود النص، ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن النص التشريعي الذي يطلق عليه علماء الأصول: النص التشريعي العام: هو الذي يفسر في ضوء العرف اللفظي المقارن له ما لم تقم قرينة عكسية فإذا كان اللفظ الذي استعمله الشارع أوسع دلالة في اللغة من المعنى العرفي له حمل اللفظ على المعنى العرفي لأن العرف اللفظي العام هو لغة التخاطب فيعتبر المعنى العرفي هو المعنى الحقيقي للفظ، وذلك ما لم تقم قرينته على أن الشارع أراد بلفظه حدودًا أوسع من المعنى العرفي. ومن أمثلة ذلك ألفاظ البيع والإيجار ... إلخ فهي في الحقيقة تحمل على معناها العرفي.
стр. 7756
أما أن كان العرف المقارن عرفًا عمليًّا أي عرف الناس في أعمالهم ومعاملاتهم فإن الحكم يختلف باختلاف المذاهب الفقهية، فقد ذهب الحنفية إلى ضرورة التفرقة بين العرف العام والعرف الخاص، وقرروا بأن العرف العام أي المنتشر في سائر البلاد يعتبر مخصصًا للنص؛ أي يطبق على ما سوى الأمر الذي جرى به العرف العام المقارن للنص، وهذا التخريج ليس فيه تعطيل للنص أو إهماله بل هو إعمال للنص والعرف معًا وذلك تأسيسًا على أن وجود هذا العرف وقت صدور النص يعتبر قرينة على أن الشارع لم يرد شمول ذلك الأمر المتعارف عليه بعموم نصه والمعارض له في الظاهر ومن أمثلة ذلك عقد الاستصناع؛ فالحديث النبوي الشريف نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم، فالمنع يشمل الاستصناع ضمن ما يشمل غير أن العرف جرى بين الناس على الاستصناع لحاجتهم إليه، وقد انعقد إجماع الفقهاء على صحة عقد الاستصناع فارتقى الاجتهاد في هذه المسألة إلى مرد الإجماع. أما العرف الخاص: أي العرف السائد في بلد دون آخر أو طائفة من الناس كالتجار والصناع إلخ ... فلا عبرة به إذا ما عارض نصًّا تشريعيًّا عامًّا ولو كان مقارنًا تأسيسًا على انعدام هذا العرف في بقية البلدان إلا أن البعض من الفقهاء لا يقتضي عندهم تخصيص النص لأن التخصيص لا يثبت بالشك.
أما المالكية فقد ذهب المحققون منهم إلى أن العرف العملي يخصص النص العام دون تمييز بين عرف عام وعرف خاص. والنتيجة التي نخلص إليها: هو اتفاق الفقهاء على أن لفظ النص العام سواء كان عرفًا أو خاصًّا يحمل على المعنى المقارن للعرف. أما بالنسبة للعرف العملي المقارن فإن المالكية يعتبرونه مخصصًا للنص العام سواء كان عرفًا عامًا أو خاصًّا. أما الحنفية فإنهم يسلمون للعرف العام بهذا الدور ولكنهم ينكرونه على العرف الخاص، أما العرف الطارئ: أي العرف الحادث بعد صدور النص فقد سبقت الإشارة إليه بهذا الفصل بأن الفقهاء متفقون على أن هذا العرف الطارئ للنص التشريعي يعتبر نسخًا بالعرف وهذا غير جائز لأن العرف في مرتبة أدنى من التشريع، والنسخ لا يكون إلا بدليل أقوى أو من نفس المرتبة ولا فرق في ذلك بين العرف اللفظي والعرف العملي، وقد أشرنا في هذا البحث إلى الاستثناء الذي نص عليه الفقهاء، فلا حاجة لإعادته هنا.
إلا أننا نجد أن من المفيد هنا أن نذكر بعضًا من نماذج أو من تطبيقات هذا الاستثناء للإيضاح: من المعلوم بأن الحديث النبوي الشريف نهى عن بيع وشرط إلا أن الأحناف فسروا هذا الحديث بأنه مخصوص في عقود المعاوضات وأن الشرط المفسد للعقد هو كل شرط فيه منفعة خارجة عن الحكم الأصلي للعقد وعن ما يلائمه غير أنهم استثنوا من ذلك الشرط الذي ورد بجوازه نص شرعي مثل خيار الشرط، والشرط الذي جرى به العرف ولو كان حادثًا. ونخلص من هذا إلى أن الشرط الذي يقتضيه العقد أو يلائمه ويؤكد موجبه معتبر، ويصح اقتران العقد به كما أجازوا الشرط المتعارف عليه والذي جرت به عادة البلد وتقرر في المعاملات بين التجار وأرباب الصنائع وتفريعًا على ذلك أجازوا بيع الوفاء رغم أنهم كانوا قد أفتوا بفساده بعد أن انتشر بين الناس وتفريعًا على ذلك بين العرف العام والعرف الخاص. وقد أسسوا هذا الحكم على أن علة منع الشرط في البيع هي أن الشروط الزائدة على أصل البيع تفضي إلى منازعة، فإذا جرى العرف على بعض هذه الشروط انتفى النزاع إلا أن العرف يجعل موضوع الشرط معلومًا ومألوفًا واعتبار العرف في هذه الحالات لا يعطل النص بل يتفق مع غرضه وروحه.
الشيخ محمد عبده عمر.
стр. 7757
مراجع البحث
١- الأشباه والنظائر – لزين العابدين إبراهيم بن نجيم المصري.
٢- شرحة: غمز عيون البصائر: لأحمد محمد الحموي.
٣- أصول الفقه، للخضري.
٤- الأم في مذهب الإمام الشافعي.
٥- المدخل، للشيخ مصطفى أحمد الزرقاء.
٦- مصادر الحق في الفقه الإسلامي، للأستاذ عبد الرازق السنهوري.
٧- أصول الفقه، للشيخ عبد الوهاب خلاف.
٨- البداية والنهاية، لابن رشد.
٩- إعلام الموقعين، لابن القيم.
١٠- أحكام القرآن، لابن العربي.
١١- سبل السلام على بلوغ المرام.
стр. 7758
مناقشة البحوث
العرف
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعن.
العرف هو موضوع هذه الجلسة، وقد قدم فيه إحدى عشر بحثًّا، والعارض لها هو الشيخ خليل الميس، والمقرر الشيخ عمر بن سليمان الأشقر.
الشيخ خليل محيي الدين الميس:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وبعد:
العرف من المباحث التي تجذرت أصوليًّا، وتوزعت فروعه على غير باب من أبواب الفقه، وشأنه بذلك شأن مصادر التشريع التبعية حيث اختلف في حجيتها، فاختلف الأقوال بالتالي في أحكام المسائل المتفرعة عليها، وإنني أسوق عرضًا موجزًا لأبحاث أصحاب الفضيلة.
أبدأها ببحث فضيلة الشيخ محمد علي التسخيري: والذي جاء في أربع صفحات فقط مقتصرًا على تعريف العرف وتقسيماته إلى عام وخاص، وقولي وفعلي، وصحيح وفاسد، ثم ذكر مجالات العرف الأربعة ليصل إلى تساؤل، هل العرف أصل قائم برأسه؟. ثم أجاب بقوله: إنه لا يشكل أصلًا قائمًا برأسه في قبال الأصول الفقهية الأخرى. وعرض لمقالة ابن عابدين والتي يفهم منها ميله إلى اعتبار العرف دليلًا مستقلًا. ثم أورد الأدلة على ذلك، وخلاصة قوله، إن العرف ليس أصلًا من أصول الفقه، وإنما يرجع إليه في بعض المجالات للكشف عن السنة وتشخيص المرادات. هذا ما تمكن تلخيصه من بحثه، ثم نصل إلى بحث الدكتور محمد عطا السيد أحمد: ويقع في خمس صفحات، بدأه بالعرف اللفظي أو القولي، وأنه يعتد به متى كان عامًّا لبلد أو قوم، وأما أن كان خاصًا بالمتكلم حمل لفظ على عرفه الخاص عند المالكية كما قال في الأيمان والنذور والطلاق وغيره. والعرف العملي، ذكر مذهب الإمام مالك ﵁ في المسألة، ثم قسم العرف إلى فعلي أي الخاص بفرد، وذكر عدم الاعتداد به، ثم العرف الجاري بالترك، كترك الثمر والتسامح بها أي على الشجر، ثم عرض لحجية العرف وذكر كلًّا من قولي أبي سنة والمرحوم أبي زهرة، ثم مقالة العز بن عبد السلام، بأن الأيمان مبنية على العرف، فمقالة ابن عابدين بأن كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا ضابط له ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف، ثم قسم العرف إلى ثلاثة أقسام، أولًا: ما يقوم الدليل الخاص على اعتباره، كالكفاءة. ثانيًا: ما يقوم الدليل على نفيه، كعادات الجاهلية. ثالثًا: ما لم يقم الدليل على اعتباره أو نفيه. ثم عرض للعرف الفاسد وأنه لا يراعي، وذكر قاعدة تغير الأحكام ودورانها مع أعراف الناس، مستدلًا بمقالة ابن القيم في المسألة. وانتهى في آخر بحثه إلى القول هو أن العرف أصل من الأصول التي يستند إليها في الوصول إلى الفتوى بشروط ومواصفات تعرف في أماكنها.
стр. 7759
بحث الدكتور أبو بكر دكوري، جاء فيه ثماني صفحات، وقسمه إلى مباحث أربعة:
- تعريف العرف.
- تقسيمات العرف.
- حجية العرف ومذاهب العلماء في اعتباره.
- شروط اعتبار العرف وتحكيمه.
وعرض إلى بيان الفرق بين العرف والعادة، وأنهما بمعنى واحد. كما أورد مسألة الفرق بين العرف والإجماع نقلًا عن أصول مذهب الإمام أحمد. ثم بين تقسيمات العرف إلى قولي وفعلي، وإلى خاص وعام، وفاسد وصحيح. وبين مذهبي المالكية والحنفية في الأخير منها، ثم ذكر مقالة الدكتور التركي في أصول الإمام أحمد، وأن الحنابلة كغيرهم يلاحظون العرف في كثير من فتاواهم وأحكامهم، ثم مقالة ابن القيم في هذا الباب، وأدلة اعتبار العرف من الآثار يقول في نهايتها: تقرر اعتبار العرف في الشريعة الإسلامية وأنه دليل يرجع إليه الفقيه إذا أعوزه دليل آخر أرجح منه، ثم ذكر شروط الاحتجاج به، وهي سبعة: الاضطراد، وعدم مخالفة النص، أن لا يتفق العاقدان على استبعاد العرف، وجود العرف عند العقد، وأن يكون العرف عامًّا وملزمًا، وأن يكون مفتى به، ثم عرض لتغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة.
الدكتور إبراهيم فاضل: بحثه في اثنتي عشرة صحيفة، بدأ بتقسيم الأدلة الشرعية النقلية والعقلية، وبيان مراتبها، وحجيتها، ومنزلة الكتاب والسنة منها بالذات، وعلاقة كل منها بالآخر. ثم عرض لترتيب الأدلة أخذًا من حديث معاذ رضي الله تعالى عنه، ثم مسألة عمر لشريح رضي الله تعالى عنهما، ثم بدأ بالعرف معرفًا ومقسمًا التقسيمات المعهودة إلى عرف عملي وقولي، ثم كل منهما إلى خاص وعام، وإلى العرف القولي الخاص أنه يخصص العرف العام، وأن العرف الفعلي الخاص مخصص للعام عند الحنفية دون الشافعية، ثم أقسام العرف الصحيح والفاسد، وحكم الفاسد منها، ووصل في مبحثه في حجية العرف، إلى بيان أن المالكية يقيمون للعرف وزنًا كبيرًا، وعرض لمقالة ابن عابدين، وكيف أن الفقهاء يرجعون إلى العرف والعادة في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا، وأن الثابت بالعرف كالثابت بالنص، والقاعدة " العادة المحكمة ". وخلص إلى القول بأن العرف معتبر في الشرع ويصح ابتناء الأحكام عليه، وأنه ليس دليلًا مستقلًا، لكنه يرجع إلى أدلة الشريعة المعتبرة، وأورد الأدلة على مقالته هذه، ثم أورد شرط اعتبار العرف كأصل من أصول الأحكام وهي أربعة: (ألا يكون مخالفًا للنص. أن يكون العرف مطردًا أو غالبًا. أن يكون العرف مقارنًا ولا يعتبر متأخرًا في التصرفات. ألا يوجد قول أو عمل يفيد لخلاف مضمونه) . ثم عرض لمبحث تعارض العرف مع الدليل الشرعي، وفي هذه الحال ذكر مقالة ابن عابدين في نشر العرف، وأجمل القول بأن مخالفة العرف للأدلة الشرعية تتنوع إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: مخالفة العرف النص الشرعي من كل وجه.
النوع الثاني: مخالفة العرف من بعض الوجوه.
النوع الثالث: مخالفة العرف والاجتهادات الفقهية للناس.
стр. 7760
ثم عرض لحكم كل منها بالتفصيل ملخصًا مقالة ابن عابدين في نشر العرف، وانتهى إلى فصل أثر العرف في العقود، وأورد منها ست عشرة مسألة منتقاة من نشر العرف، وقواعد العز بن عبد السلام، لتبين مدى حجية العرف فيها.
ثم الدكتور محمد جبر الألفي: البحث في أربعين صحيفة، عشرة منها بيان الهوامش، والتعليقات، والمصادر.
إن هذا البحث مستفيض، ومستوعب، ومقسَّم إلى مقدمة وأربعة فصول.
الفصل الأول: معنى العرف وبيان أركانه.
الفصل الثانى: القوة الملزمة للعرف.
الفصل الثالث: العرف في التشريع.
الفصل الرابع: التطور التشريعي للعرف.
وفي فصل التعريف أورد مقالة الجرجاني والنسفي، ثم علي حيدر في المجلة، فالزرقاء في شرح القواعد، فعبد الوهاب خلاف. ليخلص إلى تحقق الارتباط بين المعنى اللغوي للعرف والمعنى الاصطلاحى. ولما كانت المصادر قد جمعت بين العرف والعادة، لذلك عرض لمقالة العلماء في التفريق والجمع بينهما في المفهوم. وخلص من هذا كله إلى القول: إن العمل يتطلب وجود رأي فقهي يستند إليه ولو كان مرجوحًا، وهذا ما يفرق بينه وبين العرف، فهو ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول.
العرف والإجماع:
فرق بينهما من عدة وجوه:
أولًا: أن الإجماع لا يكون إلا من مجتهدين.
ثانيًا: أن الإجماع يتحقق ولو بمرة واحدة دون حاجة للتكرار.
ثالثًا: أن الإجماع لا بد له من مستند بخلاف العرف.
أركان العرف:
ذكر ركنين: ركنًا خارجيًّا، وآخر داخليًّا نفسيًّا.
والركن المادي له ثلاث صفات (عموم وقدم وثبات) ، ثم توصل الكلام إلى تقسيم العرف إلى عام وخاص، ثم القدم مسألة تقديرية تختلف باختلاف الأحوال، وأما الثبات دفعًا للاضطراب حيث يصار عند ذلك إلى اللغة، وأما الركن النفسي هذا التقسيم جرى عليه أبو سنة في دراسته المشهورة.
стр. 7761
حجية العرف:
أورد النصوص من كتب مذاهب الأئمة الأربعة على حجية العرف، منهم ابن عابدين من الحنفية، وابن حجر من الشافعية والطرطبي من المالكية، وابن القيم من الحنابلة، وعقب على ذلك كله بالقول: وبناء على ذلك تقرر في التشريع والفتوى والقضاء أن العادة محكمة، وأن استعمال الناس حجة يجب العمل بها. قال: وللعلماء في تحديد طبيعة العرف مسلكان، الأول: يعتبر العرف دليلًا مستقلًّا يمكن أن يستفاد منه أحكام شرعية، والآخر لا يسلم بهذا الاستقلال، بل يرد العرف إلى دليل آخر ثبت لديه كالاستصناع عند الحنفية، وعمل أهل المدينة عند مالك رضي الله تعالى عنه.
رد العرف إلى الاستحسان كوقف المنقول، ورد العرف إلى المصلحة أو إلى دليل الاستصلاح.
القوة الملزمة للعرف:
الدليل على حجية العرف: عرض لمذاهب كل من الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية في التحسين والتقبيح، أو هل للعقل استقلال بإدراك حكم الله تعالى أم لا؟.. ثم وصل به الكلام إلى وظائف العرف وعد منها:
أولًا: المكمل للتشريع، وقف المنقول والاستصناع.
ثانيًا: العرف المساعد للتشريع، كآية النفقة، أثبتت حكمًا شرعيًّا وأحالت إلى العرف بيان مقدارها.
ثالثًا: العرف المخالف للتشريع: سواء خالف النص من كل وجه فلا اعتبار له، أما إن أمكن التوفيق بينهما فأكثر الفقهاء على اعتباره كمذهب مالك في آية الرضاع.
مخالفة العرف لحكم اجتهادي كجواز الاستئجار على تعليم القرآن الكريم: قاعدة تغير الأحكام بتغير الأزمان، بين مضمونها وذكر بعض التطبيقات عليها، منها الطلقات الثلاث كانت واحدة وأمضاها أمير المؤمنين عمر – رضي الله تعالى عنه – ثلاثًا، وتابعه الصحابة على ذلك، حديث الأصناف الستة المشهور (الكيلي والوزني منها) ، ثم تغير بعضها من الكيلي إلى الوزني، وإن العمل بالتغيير عمل بالاستصحاب كما قال.
رابعًا: التطور التشريعي للعرف، فيه مبحثان:
- إحياء الأعراف المحلية.
- انتشار حركة التقنين.
وعزا إحياء الأعراف المحلية إلى خلو بعض الأقاليم النائية من التنظيم القضائي، والاستعمار الغربي في بلاد الإسلام، وعرض لأحوال شبه القارة الهندية وشمال أفريقيا وجزر الهند الشرقية، ثم عرض للتقنينات الحديثة والعرف، وكيف أن العرف احتل المركز الثاني يلجأ إليه القاضي عندما لا يجد نصًّا تشريعيًّا. وبعضهم جعله في المرتبة الثالثة، وأنه يشترط لتطبيقة عدم المخالفة للنظام العام. وفي الخاتمة، قال: إن الشرع الإسلامي يحمل في طياته بذور نمائه وأحكامًا يمكن أن تتسع لمواجهة الأوضاع المستجدة دون أن تفقد خصائصها المميزة.
стр. 7762
بحث الدكتور محمود شمام: وفيه ثمان وخمسون صفحة، وله ميزة أنه جمع بين الفقه والقانون. بدأ بحثه بعنوان " العرف بين الفقه والتطبيق"، وأن القاضي يفزع إلى العرف كلما نفذ النص، أو احتاج إلى شرح غموض نص، وأشار إلى أهمية العرف والعادة واستهل بحثه بقول ابن عابدين:
والعرف في الشرع له اعتبار
لذا عليه الحكم قد يدار
ثم عرف العرف لغة واصطلاحًا، ووصل به الكلام إلى حجية العرف، واستعرض الآيات التي لها علاقة بالموضوع، ثم الأحاديث والآثار الواردة في الباب. وساق مذاهب الفقهاء الأحناف وقولهم: التعيين بالعرف كالتعيين بشرط. مذهب المالكية وقولهم: عمل أهل المدينة هو أصل مشهور. مذهب الحنابلة، لم يأخذوا بالعرف إلا في حدود ضيقة. مذهب الشافعية، عملوا به في فروعهم، وإن لم يثبت عند إمامهم. مذهب الشيعة الإمامية: العرف تأكيد لحكم العقل، أو أنه من أدلة الإجماع.
الخلاصة:
اتفاق كلمة الأئمة على اعتبار العرف، وساق العديد من المسائل المنتقاة من أحكام العرف عند المذاهب.
مبدأ اعتبار العرف: فيما يتعلق بالحقوق والمعاملات، والمبدأ العام يقول: إن للعادة تأثيرًا على التشريع، وللعرف علاقة وطيدة ومتينة بالاجتهاد، وإن الفقهاء جميعًا اعتبروا العرف ولكن بقيود، وأشار إلى منزلة العرف عند علماء القانون، حيث قالوا: إن الشريعة غير المدونة هي التي تستحسنها العادة وتقرها، ثم ذكر شروط اعتبار العرف وحصرها في خمسة معلومة، وخلص إلى القول: العرف المعتبر هو ما يخصص العام، ويقيد المطلق فقط.
أنواع العرف:
عد منها العام والخاص، واللفظي، والفعلي، وعرض لمقالة ابن عابدين في المسألة.
الفرق بين العرف والعادة:
حيث ميز بينهما رجال القانون بأن العادة غير ملزمة بخلاف العرف، ثم ساق أمثلة على أحكام وقائع ثبتت بالعرف نقلًا عن الإمام القرافي، وأحكام المحاكم المدنية في المغرب، وأن العرف له دور كبير في المعاملات المالية من بيع وشراء، وكراء، وإجارة.
ثم عرض للعرف في الاصلاح القانوني في التطبيق، وأشار إلى قانون العرف يقابله القانون المكتوب، وأن العرف يستمد إلزامه من تلقاء نفسه، وأنه لا يعذر بجهل العرف كما لم يعذر بجهل الشريعة.
стр. 7763
مظاهر تطبيق أحكام العرف في القانون:
قال تحت هذا العنوان: جاءت غالب القوانين الوضعية – المدنية والتجارية خاصة – على اتباع العادات والأعراف، وعد منها القانون المصري، والسوري، والعراقي، والإنجليزي، والفرنسي. وبين مظاهر تطبيق أحكام العرف في القانون التونسي في العقود وتفسير العقود بالعرف، وشروط الأخذ بالعرف. العادة والعرف لا يخالفان النص الصريح، وبين تأثير العرف في أحكام البيع وساق المواد في هذه المسألة، ثم بين تأثير العرف في أحكام الكراء، والأراضي الفلاحية، ثم العرف في نقل الأشياء والوديعة والعارية، والوكالة، والشركات، والمساقاة، والمغارسة، وخلص من ذلك كله إلى نتيجة يمكن أن يلاحظ الدارس المقارن وجه الشبه وعلامات الاقتباس في أجلى صورها – أي عن الشريعة الإسلامية-، وأنهى بحثه في بيان أهمية العرف في المسائل التجارية.
البحث للعبد الفقير: البحث طبعًا في أربع وخمسين صحيفة – هذا وإن العرف له حظ وافر عند ابن فرحون – إن العرف قد عرض له المصنفون في آداب القضاء والمفتين، فله حظ وافر عند ابن فرحون المالكي في "التبصرة" والطرابلسي في "معين الحكام"، والقرافي في "الفروق والفصول"، وكل من السيوطي وابن نجيم في "الأشباه"، والشاطبي في "الموافقات والاعتصام"، والزركشي في "الدر المنثور". وأفرده بالبحث ابن عابدين في إحدى رسائله، والكوثري في مقالاته ضمن رسائله، كما أفرده بالبحث أبو سنة في رسالة علمية معروفة، وكذلك أفرده بالبحث أبو عجيلة الذي خالف أبا سنة في كثير مما ذهب إليه، هذا وقد عمل بالعرف الصحابة والتابعون في أزمانهم.
تقسيمات العرف:
هو عام وخاص، وعادي واستعمالي، وإن العرف الاستعمالي له ثلاثة أوجه، لغة وشرعًا وصناعة. كما عرضت لأسماء العرف والحقيقة الشرعية، والحقيقة اللغوية، للأسماء العرفية والحقيقة الشرعية، والحقيقة اللغوية.
أوجه استعمال العرف، وهي سبعة:
١- استعمال بمنزلة الدليل على تشريع الحكم، كالمضاربة، ووقف المنقول.
٢- أن يكون استعمال العرف معيارًا يرجع إليه القاضي والمفتي في تطبيق الأحكام المطلقة، كعقوبة التعزير.
٣- أن يقوم العرف مقام التطبيق بالأمر المتعارف في الدلالة على الإذن أو المنع.
٤- الاستعمال العرفي للألفاظ اللغوية، العرف القولي كلفظ الصلاة في قوله ﷺ : ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) .
٥- أن يكون العرف الجاري بين الناس مرجحًا لبعض المذاهب الفقهية على بعض.
٦- أن يكون العرف مفيدًا لتمويل بعض الأشياء، كالنحل.
٧- تأثير العرف في الحكم الشرعي، كعدالة الشهود.
ما يحكم به بالعرف: كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا ضابط له في الشرع ولا في اللغة.
تغير العرف مرة بعد مرة: وهي مسألة مشهورة، واتباع المفتي العرف الحادث في الألفاظ العرفية أمر لازم.
стр. 7764
أما الاصطلاح: الاصطلاح الخاص والاصطلاح العام، أو تغيير اللغة بالاصطلاح. وفيه قولان للأصوليين، تعارض العرف العام والخاص وجهان في المسألة، وكذلك تعارض اللغة والعرف فيه وجهان. وإذا تعارض عرف الاستعمال مع عرف الشرع فهو نوعان أيضًا. النوع الأول: ألا يتعلق بالعرف الشرعي حكم، فيقدم عليه الاستعمال، "وحلف لا يأكل لحمًا فلا يحنث بأكل لحم السمك، وإن سماه الله تعالى لحمًا طريًّا. الثاني: أن يتعلق بعرف الشرع حكم فيقدم على عرف الاستعمال. مثاله: "حلف لا يصلي، لم يحنث إلا لذات الركوع والسجود".
حجية العرف عند الأصوليين:
أورد بعض الأصوليين دلالة استعمال العرف في مبحث تخصيص العام.
قالوا – أي العنوان -: بيان ما تترك به الحقيقة، وهي خمسة أنواع عدُّوا منها: دلالة الاستعمال عرفًا، وساقوا له أمثلة منها لفظ الحج. فإن اللفظ للقصد حقيقة، ثم سميت العادة بها لما فيها من العزيمة، والقصد للزيارة فعند الإطلاق يتناول العبادة للاستعمال عرفًا. أما العرف في أقوال الفقهاء: اتباع العرف أمر مجمع عليه. حكاه القرافي وغيره. قال البدر العيني: حمل الناس على أعرافهم ومذاهبهم واجب. وقال ابن العربي: العرف والعادة أصل من أصول الشريعة. لكن الكوثري، قال: وأما تحكيم العرف على النصوص فلم يقع من مسلم ولن يقع، وليس للعرف في الشرع إلا ما بينه علماء المذاهب في كتب القواعد وكتب الأصول والفروع، ويبدو أن هذه المقالات أوردها عند إثارة قضية التجديد في مصر، يعرفها من عايشه.
أما تخصيص العام في العرف العملي، ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا فرق بين العرف القولي والعرف العملي، فكلاهما يخصص العام، وخالفهم في ذلك الشافعية؛ ذهبوا إلى أن العرف العملي لا يقوى على التخصيص.
حجية العرف:
قال القرافي: العرف مشترك بين المذاهب، ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك. قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ ، ليس في الإنفاق تقدير شرعي، وإنما أحاله الله تعالى على العادة، وهي دليل أصولي بنى الله عليه الأحكام، وربط به الحلال والحرام.
стр. 7765
استدل القائلون بحجية العرف بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ . قال السيوطي: أي اقضِ بكل ما عرفته النفوس مما لا يرده الشرع، وهذا أصل القاعدة الفقهية في اعتبار العرف، وتحتها مسائل لا تحصى، كما قال السيوطي. استدل بهذه الآية أيضًا على حجية العرف غير واحد من فقهاء المذاهب، ومن الآيات التي ساقوها للاستدلال قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، قال القرطبي العرف والمعروف والعارفة كل خصلة حسنة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس، ومنها قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ ، قال ابن تيميمة: تنازعوا في النفقة، والراجح أنه يرجع فيه إلى العرف، ومن السنة الحديث: الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة. قال العلائي: قرر النبي ﷺ الاعتداد بالعرف الجاري بين الناس، ومنها قضاء النبي ﷺ على أهل الأموال حفظها في النهار، وعلى أهل المواشي حفظها في الليل، قال الخطابي: لأن العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها في النهار، ومن عادة أصحاب المواشي أن يسرِّحوها بالنهار ويردوها مع الليل إلى المراح.
تخصيص العام بعادات المخاطبين:
قال به المالكية وخالفهم الحنابلة.
وأما شروط اعتبار العرف والعادة فبالاستقراء هي خمسة ذكرها غير واحد ولا داعي لتعدادها.
أهم القواعد الفقهية في العرف وسلطانه؛ منها:
١- العادة محكمة.
٢- الحقيقة تترك بدلالة العادة.
٣- استعمال الناس حجة يجب العمل بها.
٤- المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.
٥- لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان.
٦- التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.
وخرج الفقهاء على هذه القواعد ما لا يحصى من فروع الأحكام في مختلف الأبواب الفقهية وخاصة المعاملات والأيمان والنذور. وعرض لكثير منها العز بن عبد السلام في قواعده والقرافي في فروقه، والشاطبي في موافقاته، هذا وهل الخلاف في حجية العرف حقيقي أو ظاهري؟
من المسلَّم به بين المخالفين والموافقين أن هنالك تصرفات كثيرة للمكلفين للعرف فيها مدخل، ولكن لا بد من التوسط ما بين التفريط والإفراط، خاصة بالنسبة لنفاة حجية العرف، فحيث نفوه دليلًا، ووصفوه كاشفًا للحكم لا مثبتًا له، نقول: وهل القياس وهو المصدر الرابع من مصادر التشريع المجمع عليها إلا دليل كاشف على ما قال أهل العلم؟. باعتبار أن الكتاب والسنة والإجماع هي مثبتة للأحكام فقط، وهي من المصادر الأصلية وما سواها من المصادر أو الأدلة التبعية، والعرف مصدر من المصادر الاجتهادية، نعم لا اجتهاد في مورد النص، ولم يقل مثبتو حجية العرف بأن العرف يعارض النص بوجه من الوجوه، وإن قالوا إنه مخصص، وبذلك يكون تابعًا لا أصلًا، قال صاحب المسودة: وتخصيص العموم بالعادة، بمعنى قصره على العمل المعتاد كثير المنفعة. وكذا قصره على الأعيان التي كان الفعل معتادًا فيها زمن المتكلم.
стр. 7766
كلمة ختامية
فهو يعتبر بحق نوافذ الفقه الإسلامي التي يطل منها على حياة الناس الواقعية، فيسلط عليها الأضواء لتنير الطريق للسائرين كي لا تلتوي بهم السبل عن الجادة، وليميز الخبيث من الطيب، فإذا ما انكشفت الحقائق أقر منها النافع، وألغي الفاسد الضار.
هذا: وكم من أصولي لم يقل بالعرف في أصوله ولكن على صعيد التطبيق لا يسعه إلا القول به، حتى قال ابن القيم في أمثال هؤلاء "فإنهم ينكرونه بألسنتهم ولا يمكنهم العمل إلا به".
أو كما قال القرطبي: "ينكرونه لفظًا ويعملون به معنى"، والصحيح أن الشريعة الإسلامية راعت العرف وجعلته أصلًا من أصولها – وكان أثر إقرار هذا المبدأ – اعتبار العرف وغيره أن زخر الفقه الإسلامي على مر العصور بشتى الحلول لما استجد ويستجد من القضايا بين الناس.
وما من شك أن العمل بالعرف أحد مظاهر السماحة والتيسير في هذه الشريعة الغراء، والتي قال فيها تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ... وقال ﷺ : ((يسِّروا ولا تعسِّروا، بشِّروا، ولا تنفِّروا)) .
والله من وراء القصد ... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس:
شكرًا. أحب أن أعيد إلى الأذهان أن السبب الرئيسي في عرض موضوع "العرف" على دورة المجمع – هنا صار اقتراحه في القائمة من هيئة التخطيط للمجمع – هو ما استمر في عدد من القضايا والأحوال من جعل العرف قاضيًا على النص أو مخصصًّا للنص وما جرى مجرى ذلك مما يؤثر على نصوص الشريعة، وأدلتها القطعية.
الدكتور إبراهيم فاضل الدبو:
بسم الله الرحمن الرحيم.
السيد رئيس الجلسة المحترم،
أساتذتي الحضور،
في البداية أشكر الأستاذ خليل، على عرضه الجيد الرائع لمواضيع العرف في هذا المجلس، وأود أن أقول: الحق أن العرف معتبر في الشرع ويصح ابتناء الأحكام عليه، وهو في الحقيقة ليس دليلًا مستقلًا، ولكنه يرجع إلى أدلة الشريعة المعتبرة. والدليل على اعتبار العرف ما ذكرناه في بحوثنا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، أنا وجدنا الشارع الحكيم يراعي أعراف العربي الصالحة، من ذلك إقراره لنوع من التعامل المالي عندهم كالمضاربة والبيوع، والإيجارات الخالية من المفاسد، كما استثنا السلم من عموم نهيه عن بيع الإنسان ما ليس عنده لجريان أهل المدينة به، ونهى عن بيع التمر بالتمر، ورخص في العرايا. إن العرف في حقيقته يرجع إلى دليل من أدلة الشرع المعتبرة، كالإجماع، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع. احتجاج الفقهاء بالعرف في مختلف العصور واعتبارهم إياه في اجتهادهم دليل على صحة اعتباره، لأن عملهم به ينزل منزلة الإجماع السكوتي، فضلًا عن تصريح بعضهم به وسكوت الآخرين عنه. فيكون اعتباره على هذا الأساس ثابتًا بالإجماع.
стр. 7767
شروط اعتبار العرف كأصل من أصول الأحكام، من أجل اعتبار العرف وبناء الأحكام عليه، يجب أن تتوفر فيه الشروط التالية:
أولًا: أن لا يكون مخالفًا للنص، قال ابن عابدين – ﵀: " ولا اعتبار للعرف المخالف للنص لأن العرف قد يكون على باطل بخلاف النص". من ذلك ما تعارفه الناس من تعاطي كثير من المحرمات كالربا وشرب الخمر، وما اعتادته كثير من النسوة من كشف شيء من أجسامهن كالساق وشعر الرأس أمام الرجل الأجنبي، فهذا عرف فاسد.
ثانيًا: أن يكون العرف مطردًا أو غالبًا، ومعنى الاطراد أن تكون العادة كلية، أي لا تتخلف، وقد يعبر عنها بالعموم، ومعنى الغلبة أن تكون أكثرية، بمعنى أنها لا تتخلف إلا قليلًا، والغلبة أو الاطراد إنما يعتبران إذا وجدا عند أهل العرف لا عند الفقهاء لاحتمال تغيرها من عصر إلى عصر.
ثالثًا: أن يكون العرف مقارنًا ولا يعتبر العرف المتأخر في التصرفات السابقة، فإذا طرأ عرف جديد بعد اعتبار العرف السائد عند صدور الفعل أو القول، فلا اعتبار بالعرف المتأخر.
رابعًا: أن لا يوجد قول أو عمل يفيد عكس مضمونه، كما إذا كان العرف يقضي بتحمل المشتري مصاريف تصدير البضاعة المشتراة واتفقا على أن تكون على البائع، أو اتفق المتعاقدان على أن تكون على البائع.
стр. 7768
مخالفة العرف للأدلة الشرعية:
تتنوع مخالفة العرف للأدلة الشرعية أنواعًا مختلفة وذلك على النحو التالى:
١- مخالفة العرف للنص الشرعي من كل وجه:
إذا اصطدم العرف بنص تشريعي خاص من نصوص الكتاب أو السنة فلا اعتبار للعرف في هذه الحالة، كالأحكام التي كانت متعارفة في الجاهلية وحرمها الإسلام، لمصادمة تلك الأعراف لإرادة الشارع في موضوع أصبح المسلم مكلفًا بتطبيق النص والأخذ به، فلا يجوز إهماله وإعمال العرف. مثال ذلك العقود التي نهى الإسلام عن إبرامها كالملامسة والمنابذة، ويستثنى من ذلك ما إذا كان النص حين نزوله أو حين صدوره عن المشرع مبنيًّا على عرف قائم ومعللًا به، فإن النص عندئذ يكون عرفيًّا فيدور مع العرف ويتبدل بتبدله. مثال ذلك الحديث الذي نص على التساوي الوزني في الذهب والفضة، والتساوي الكيلي فيما عداها، غير أن العرف تبدل في هذه الأوزان، وهنا يأتي قول أبي يوسف ﵀: إن النص على بيع الحبوب كيلًا، وعلى الذهب والفضة وزنًا لكونهما كانا في ذلك الوقت كذلك، فالنص جاء موافقًا للعادة، فلما كانت العادة هي المنظور إليها في الحكم المذكور، فإذا تغيرت تغير الحكم، فليس في اعتبار العادة المتغيرة الحادثة مخالفة للنص بل فيه اتباع للنص.
٢- مخالفة العرف للنص من بعض الوجوه:
إذا عارض العرف نصًّا تشريعيًّا عامًّا، أي لم يخالف النص من كل وجه، فلا يخلو العرف من أن يكون عامّا أو خاصًّا، فإن كان عامًّا فالعرف العام يصلح مخصصا ويترك به القياس كما في مسألة الاستصناع ودخول الحمام وغير ذلك. أما لو كان العرف خاصا فللفقهاء ﵏ اتجاهان في اعتباره أو عدم اعتباره، وما عليه المذهب عند الحنفية عدم اعتبار العرف الخاص، ولكن أفتى كثير من مشايخهم باعتباره. مثال ذلك: لو دفع رجل إلى حائك غزلًا على أن ينسجه بالثلث – مثلًا – فقد أجاز هذا النوع من الإجارة كثير من مشايخ بلخ لتعامل أهل بلدهم بذلك، والتعامل حجة يترك به القياس ويخص به الأثر.
٣- تعارض العرف والاجتهادات الفقهية:
لا تخلو المسائل الفقهية من أن تكون ثابتة بصريح النص، وأن تكون ثابتة بضرب من الاجتهاد والرأي؛ فما كان ثابتًا بصريح النص من كل وجه أو من بعض الوجوه، وقد تكلمنا عنه، أو ما كان ثابتًا بضرب من الاجتهاد والرأي فأقول: إن كثيرًا من المسائل الاجتهادية مبنية على عرف زمان المجتهد بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال المجتهد بخلاف ما قاله أولًا. ولهذا قال العلماء رحمهم الله تعالى من شروط الاجتهاد أنه لا بد للمجتهد من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان وذلك بسبب تغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولًا، لأصاب الناس الحرج ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لأجل بقاء العالم على أتم نظام وأحسن أحكام، من ذلك تحقق الإكراه من غير السلطان، على قول محمد بن الحسن الشيباني لما رأى فساد الزمان على خلاف ما ذهب إليه أبو حنيفة – رحمهم الله تعالى – ومن هذا القبيل أيضًا قول أبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى، بعدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة مع مخالفة هذا القول لما نص عليه أبو حنيفة بناءً على ما كان في زمنه من غلبة العدالة.
وقد أثر العرف في كثير من العقود، مما سرده الفقهاء في كتبهم، ومن هنا يمكن لنا أن تخضع ما يستجد من العقود للعرف على أن لا يخالف العرف قاعدة من قواعد الشريعة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وشكرًا سيادة الرئيس.
стр. 7769
الدكتور عمر سليمان الأشقر:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
مع الشكر الجزيل للأخ العارض للأبحاث، إلا أنني أعتب أنه لم يستعرض جميع الأبحاث التي قدمت في موضوع "العرف"، وكان بحثي واحدًا من هذه الأبحاث، وعندما أقدمت على الكتابة في هذا الموضوع كنت أعلم أن هذا الموضوع قد انتهى من بحثه العلماء.
فجزئياته مكررة في كتب الأصول وتكاد تكون متشابهة، والعلماء توصلوا إلى نتائج حاسمة في هذا الموضوع. إنما كتبت فيه لقضيتين أبنتهما من خلال البحث؛ القضية الأولى قضية معاصرة، إن كثيرًا من الأمم الإسلامية قدم العرف في قوانينه على الشريعة الإسلامية. لم يكتفوا بأن يقدموا القوانين الوضعية على الشريعة الإسلامية، بل نصوا في كثير من القوانين المدنية في البلاد العربية والبلاد الإسلامية على أن العرف مقدم على مبادئ الشريعة. وفي هذا بينت الدور في معركة الصراع بين العرف والشريعة الإسلامية عبر التاريخ. كانت الأعراف البشرية أكبر ما صد الناس عن دين الله ﵎، فعندما كان يأتي الرسول كل جماعة تقول لرسولهم: "إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، أَوْ مُهْتَدُونَ". آيتان. كل جماعة تقول: تراث آبائنا وأجدادنا وأعرافهم، فيجري صراع بين الرسل وما أنزل عليهم، وبين أقوامهم وما كان عليه الآباء والأجداد ينتهي إما بانتصار الشريعة الإسلامية كما حدث على يد الرسول ﷺ ، وإما بتعذيب القوم المكذبين. فعندما تنتصر الشريعة الإسلامية تقصي الأعراف الباطلة وتحصرها في دائرة ضيقة، وعندما تنتصر الجاهلية كما حدث في هذا القرن الأخير، فإن الأعراف تقصي الشريعة الإسلامية، فكثير من القوانين إنما هي أعراف كانت أعرافًا سائدة ثم حولت إلى قوانين، هذه هي القضية الأولى التي أحببت أن ألفت النظر إليها.
القضية الثانية، قضية قديمة يشكو منها العلماء عبر العصور (فقهاؤنا) ، وهي أن كثيرًا من الفقهاء يجمدون في الأحكام المبنية على العرف على الأحكام التي صدرت قديمًا من علمائنا وفقهائنا، فيوقع المسلمين في حرج شديد، وقد باح بهذه الشكوى كثير من العلماء نقلت نصوص كلامهم في بحثي، يشكون شكوى مرة من فقهاء تعرض لهم مسائل مما تغير فيه أعراف الناس فيفتون بما أفتى به الأوائل من غير نظر إلى الأعراف المتغيرة والأعراف المتجددة. وقد نص المحققون من العلماء في مختلف المذاهب أنه لا يجوز للمفتي أن يفتي بأحكام بنيت على العرف تغيرت أعرافها، وينبغي للمفتي أن يكون عالمًا بأعراف زمانه، وأن يكون عارفًا بالأحكام التي بنيت على العرف في الماضي.
стр. 7770
ومن هنا أقترح على المجمع الكريم أن يكلف بعض الباحثين في استقصاء المسائل الفقهية التي بنيت على العرف في الماضي حتى يكون المفتون والعلماء على بصيرة من أمرهم عندما يفتون في مثل هذه المسائل. وقضية رابعة تلمح من خلال البحث أنني جعلت الشريعة حاكمة على مباحث القانونيين في العرف، فهناك فرق في بحوث القانونيين في موضوع العرف، في تعريفه، وفي شروطه، وفي تطبيقاته، وهذا ما ألحظه على بعض البحوث التي قدمت أنهم خلطوا بين مباحث الفقه ومباحث القانون حتى كأنها بحث واحد، وينبغي التدقيق في هذه المسألة، مباحث الفقهاء لها سمتها مرتبطة بأصول الشريعة الإسلامية، أما مباحث القانونيين ففيها خلط كبير. كنت أتمنى على الأمانة العامة في المجمع أن توضح لنا – حقيقة – في الخطاب الذي أرسل في هذا الموضوع حتى نتجه مباشرة إلى الهدف الذي طلب من العلماء أن يكتبوا في موضوع "العرف"، حيث أكثر البحوث توسعت توسعًا شديدًا في تعريفاته، وتقسيماته، وشروطه، وحجيته، وهي أمور يكاد يتفق عليها الباحثون، فلو حدد الهدف من الكتابة لكان الباحثون قد تجاوزوا هذه القضايا التفصيلية التي فرغ منها العلماء قديمًا، واتجهوا إلى الموضوع المطلوب في موضوع العرف. أكتفي بهذا المقدار وشكرًا لكم.
الشيخ محمد علي التسخيري:
بسم الله الرحمن الرحيم.
شكرًا سيدى الرئيس. أنا أعتقد أن التعبيرات الواردة عن العرف متفرقة وكثيرة بحيث يضيع معها الإنسان، ولا يستطيع أن يقع منها على موقع صلب، لذلك، حبذا لو حددنا التعبير وطرحنا المسألة بشكل أصولي، وأعتقد أننا لو حددنا تعبيرنا لتوصلنا إلى أن النزاع أحيانًا نزاع لفظي، وأن العلماء يتفقون إجمالًا على شيء مشترك. أهم البحوث في مجال العرف هو مجالات نفوذ الأعراف. العرف: ما هو المجال الذي ينفذ من خلاله إلى الشريعة وتقبله الشريعة؟. مجالات النفوذ العرفي – وهي النقطة التي لم يتفضل أخي العزيز الشيخ الميس، رغم جمال عرضه للتركيز عليها في بحثي – الذي اعتقده أن هناك مجالين فقط لنفوذ الرأي العرفي فقط، وأستطيع القول بأنني لو أستعرض ما ذكر من استنادات إلى العرف أستطيع أن أصنفها إلى أحد هذين المجالين؛ المجال الأول: هو عملية اكتشاف لرأي السنة أو اكتشاف للسنة، هناك المجالات التي ينفذ فيها العرف ويشكل واسطة لمعرفتنا للسنة الشريفة.
стр. 7771
وهذا أيضًا له قسمان، تارة نكتشف من خلال العرف رأي السنة في هذا الحكم الفرعي، وأخرى نكتشف رأي السنة في هذه الحجة الأصولية. فأحيانًا يستندون في صحة عقد الاستصناع إلى أنه متعارف، ولكنه متعارف كيف؟ يمتد هذا العرف إلى عصر التشريع، ويقره ﵊، وحينئذٍ من طريق التقرير – وهو جزء السنة – نكتشف صحة عقد الاستصناع. العرف هنا شكل واسطة ومرآة يرينا بها السنة فقط. القسم الثاني من المجال الأول وهو اكتشاف السنة، اكتشاف الحجة الأصولية. نسأل ما الدليل على جواز الأخذ بالظواهر، أو وجوب الأخذ بالظواهر؟ يقولون: العرف عرف العقلاء، عرف الناس هو الأخذ بظواهر الكلام، وهذا العرف – كما يقول البعض – يستصحب استصحابًا قهقريًّا، يرجع به إلى عصر التشريع، وهو متداول أمام الرسول العظيم، وحينئذٍ فقد أقره، ونكتشف منه بعد عدم صدور ردع منه ﵊ أنه يقره. فهنا نكتشف الحجة الأصولية، ويجمعهما اكتشاف السنة فقط، هذا هو المجال الأول، وأرجع إليه الكثير مما قيل عن الإسناد إلى العرف.
المجال الثاني، ما يشخص به مفردات النصوص الشرعية يعني هناك مفردات ترد في النصوص الشرعية (إناء، صعيد، غنى، إسراف، تبذير، قوة) هذه تعبيرات ترد في النصوص الشرعية لكى نشخص مراداتها نرجع إلى العرف. فبهذا المعنى تارة نشخص هذه المفاهيم، وأخرى نشخص المرادات لما يمكن أن نسميه بملازمات الحكم. يعني، عندما يحكم الشارع بطهارة الخمر الذي تحول إلى خل، أستطيع أن أكتشف بأن الشارع أيضًا يحكم بطهارة أطراف الإناء الذي يكون فيه الخل، انتقالي من طهارة هذا السائل إلى طهارة الإناء انتقال عرفي بملازمة عرفية، بعمقة لزومية عرفية نقلتني من هذا المجال إلى المجال الآخر، كأن الشارع قال لي من خلال هذه الواسطة: إن السائل يطهر، ويطهر أطراف إنائه معه من خلال الملازمين، اعتمد الشارع على هذا الفهم العرفي لمراداته. هذا جانب مهم، ويدخل في هذا الارتكازات العرفية للمتكلمين أيضًا، عندما يحتمع متعاقدان في سوق تسودها ارتكازات عرفية معروفة لا يحتاجان للتصريح بكل القيود، وبكل الارتكازات التي يعتمد عليها السوق، يكفي أن يعقدا العقد، وبشكل طبيعي تتضمن تلك الارتكازات كشروط في هذا العقد، باعتبارها شروطًا ضمنية لو كانت واضحة. أيضًا يدخل في هذا الباب تشخيص ما يسمى بمناسبات الحكم والموضوع لنفترض أننا لا نملك دليلًا، وهذا افتراض قد يخالف الحقيقة، على أن ولاية المرأة باطلة، لكن مناسبات الحكم والموضوع أو ما يمكن أن يسمى بروح الشريعة التي يفهمهما العرف تجعل الإنسان يطمئن، ما دام الرجل هو القاضي، وما دام الرجل هو الإمام في الجماعة، ... إلخ. يطمئن مناسبات الحكم والموضوع هي التي تفرض وجود شرط الرجولة في ولي المجتمع. وأريد أن أقول – وأعتذر من هذا التطويل، وأنا لا أريد التطويل لكن هذا مهم جدًّا – إن العرف يدخل إذن في مجالين فقط، استكشاف السنة، وتشخيص المراد. هناك بعض الردود السريعة جدًّا – وإذا سمح لي سيدي الرئيس.
стр. 7772
الرئيس:
لو تكرمتم، لعل كلمة ثانية إن شاء الله بعد الصلاة.
الشيخ عبد الله بن بيه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين.
أرجو أن يكون حظنا سعيدًا دائمًا إلا أن حظنا من نظرات الرئيس لم يكن بذاك فنحن قلنا لعل الرئيس رغب بنا عن الكلام أو رغب بالكلام عنا، فلا ندري، أننا نود أن الرئيس وهو قاضٍ – إن شاء الله من قضاة الجنة – إن شاء الله – أن يسوي بين الخصوم في النظر، وفي المجلس.
الرئيس:
لو سمحت ياشيخ، فقط أعطونا الموضوع الذي تريد.
الشيخ عبد الله بن بيه:
أنا أشكو من عدم الكلام، فلا بد أن تسمح لي بالكلام.
الرئيس:
نحن نسمح بالكلام، لكن فضول الكلام لا لزوم لنا به، نريد ذات الموضوع، أما الباقي لا لزوم له.
الشيخ عبد الله بن بيه:
ليس فضولًا، باسم المحرومين من الكلام، يا سيادة الرئيس.
الرئيس:
يا شيخ عبد الله بدون مؤاخذة، هذه الأشياء تترك في المجالس الخاصة، أما في مثل هذا اتركوها عنا يا شيخ.
الشيخ عبد الله بن بيه:
سيدى الرئيس،
وإذا تكون كريهة أدعى لها
وإذا يحاس الحيس يدعى جُندَب
هي لتلك قضيته، عجبي لتلك القضية، وإقامتي فيكم على تلك القضية أعجب.
стр. 7773
الشيخ عبد الله بن بيه:
أعود إلى مسألة العرف، فيه قضية في غاية الأهمية كنا ننتظر من الباحثين أن يتعرضوا لها وهي تطبيقات العرف في الوقت الحاضر، وفي الزمان والمكان، في الزمان الذي نعيش فيه، وفي هذه الكرة الأرضية التي أصبحت كقصعة بين يدي الآكل، تطبيقات العرف في قضايا اليوم لم يتحدث أحد عنها، هذه بحوث أصولية معروفة تقريبًا، وفيها رسائل كثيرة أخرى لم تذكر، في بلادي رسالة (حسام العدل والإنصاف في العمل بالأعراف) للشيخ محمد يحيى – رحمه الله تعالى – و (طرد الضواد والهمل عن الكروء في حياض العمل لسيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم) التوفيقات بين العرف وبين العمل لن يجري. ولكن التطبيقات العملية في الأوضاع الحالية، هل القبض مثلًا يكون بمكالمة تليفونية أو غير ذلك؟ كثير من المسائل التي تتعلق بالأوضاع التي نعيشها، هل النص الشرعي إذا كان مبنيًّا على عرف، هل إذا انتقل هذا العرف بأن كانت الماشية مثلًا تحفظ نهارًا ولا تحفظ ليلًا. والحرث بالعكس، هل يتغير معها؟ كثير من هذه المسائل لم نسمعها في كلام الباحثين، واحترامًا لوقتكم، شكرًا، والسلام عليكم.
الشيخ محمد سالم عبد الودود:
موقف المذهب المالكي من العرف.
المذهب المالكي لا يعد العرف دليلًا مستقلًا، ولا يعده أصلًا من أصول الفقه، وإنما هو وسيلة من وسائل الإثبات. فهو شاهد أو شاهدان، وهو إذا أردنا أن نعرف وظيفته بالاصطلاح المنطقي يقوم بدور صغرى الشكل الأول في قياس الاقتران، وإذا أردنا أن نعرف وظيفته تعريفًا أصوليًّا فهو يحقق مناط الحكم، وليس هو حكمًا ما، إنما هو يحقق مناط الحكم، ويعين مجال تطبيق الحكم، وعناية القرآن بالعرف كبيرة جدا، لأنني وأنا الآن أتهيأ للكلام أعددت آيات من سورة البقرة فيها كلمة معروف إحدى عشرة مرة، تبدأ من قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ، فعددت إحدى عشرة مرة كلما يقول القرآن بالمعروف، ومعنى هذا أننا لا نهضم حق العرف اليوم ونقول إن العرف التركيز عليه دائمًا قد يهدمه، أو يهدم أسس الشريعة، أو يتنافى مع أصولها، هو في الحقيقة في المذهب المالكي الذي يركز الناس على أن المالكية يعتبرون العرف كثيرًا ما يعتبرونه وسيلة من وسائل الإثبات، ولكن العرف في حد ذاته هو مركز عليه في القرآن الكريم، في المعاملات، وأريد أن أوضح أن اعتبار المالكية لعمل أهل المدينة – أيضًا – هو أنهم يستدلون بها على السنة التقريرية، إذا كان العمل منقولًا نقلًا متواترًا من طرف أبناء الصحابة – ﵃ – عن آبائهم، معنى هذا أن هذه الحادثة كانت معروفة في العهد النبوي وأقر الرسول ﷺ عليها الناس، ونقولها تطبيقًا عمليًّا من طرف عشرة آلاف من الصحابة توفوا في المدينة، كانوا مقيمين في المدينة وتوفوا بها، ونقلها عنهم أبناؤهم، وبعد الجيل الثالث لم يعد هناك مجال للاحتجاج بعمل أهل المدينة. هذا ما أردت أن أنبه إليه وشكرًا.
стр. 7774
الدكتور محمود شمام:
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين.
سيدي الرئيس الكريم،
فقد كفانا فضيلة الشيخ العارض القول في هذا الموضوع، لكن لي ملاحظة بسيطة؛ من حسن الصدف ومن أطيب ما يحدث أن أكتب دراستي عن العرف، شارحًا فيها النظرية بإطناب في الشريعة الإسلامية، معقبًا على ذلك بما اقتبسته القوانين الوضعية من أحكام التشريع الإسلامي، وفقهه السامي. وكنت أنوي إلى إبراز ما في أحكام شريعتنا السمحة من كنوز أخذ منها الغرب، وأقتبس دون نسبة أو تنبيه، وعنه – أي عن الغرب – أخذنا قوانينا وردت إلينا بضاعتنا، وكان هذا هو أهم ما جاء في مناقشات الأمس حول موضوع المواجهة بين الشريعة والعلمنة، وما قدم فيها من أبحاث قيمة، جيدة، جادة، فقد درست موضوع العرف من هذه الزاوية، راميًا إلى هذه الغاية، وشرحت شرحًا وافيًا توعية هذا الاقتباس بذكر الأمثلة من القوانين وأصولها ومصادرها من التشريع والفقه الإسلامي الذي بسط القول في هذا الموضوع بإطناب، وهذا يبشر بما اتفقنا عليه أمس من وجوب الرجوع إلى أصل الإسلام، وتطبيق أحكام شريعتنا السمحة، مع السعي إلى توحيد العمل القضائي، وتوحيد الفقه القضائي مهما أمكن، وبحثي بين أيديكم سعى إليكم، فالرجاء حسن الاطلاع عليه، والتنازل بدراسته بهذه النظرة، والتجاوز عما به من تقصير. والسلام عليكم ورحمة الله.
الدكتور إبراهيم كافي دونمز:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
شكرًا للسيد الرئيس، وأشكر لأصحاب البحوث القيمة والأستاذ العارض ولم يحالفني الحظ، لأن بحثي لم يصل إلى يد الأستاذ العارض، ولذا أود أن أشير إلى بعض النقاط المهمة الموجودة في بحثي، الحقيقة البحث بين أيديكم ولا أريد الإسهاب في الكلام، ولا أخذ أوقاتكم القيمة. تعريف العرف، أنواع العرف، حجية العرف، إلى آخر هذه الأمور كلها أتركها، وأود أن أشير إلى أمرين هامين:
الأمر الأول: القيام بتثبيت مكانة مفهوم العرف والعادة في أدب الفقه الإسلامي.
الأمر الثاني: القيام بتثبيت مكانة العرف والعادة بين مصادر التشريع الإسلامي.
стр. 7775
الأمر الأول: مكانة مفهوم العرف والعادة في أدب الفقه الإسلامي. الباحث يلاحظ أن العرف على الأقل الكلمات المتعلقة بالعرف والعادة تحتل مكانًا هامًّا في كتب الفروع، ولكن في الكتب الأصولية لا نكاد نعثر على الكلام عن العرف والعادة. معنى ذلك أن الباحث يلاحظ ثنائية في هذا الموضوع في أدب الفقه الإسلامي، مكانته في الكتب الفقهية والأصولية. فعلى سبيل المثال – مثلًا – فإن السرخسي في كتابه المتعلق بالفروع، يذكر بين أنواع الاستحسان، الاستحسان بالعرف. ولكن في كتابه المتعلق بالأصول هو يتحرز عن إعطاء مكانه للعرف وكذلك النسفي في كتابه المتعلق بالفروع (المستصفى) ، يذكر من بين أدلة مشروعية الأحكام تعامل الناس، ولكن في مكانه الأصلي في كتابه المتعلق بالأصول وهو (المنار وشروحه) ، لا يذكر تعامل الناس بين الأدلة الشرعية، فيه ثنائية، وفي كتب الفروع – حقيقة- الباحث يجد مكانة واسعة للعرف، ويجدر بنا أن ننبه إلى أن معظم العبارات الواردة في المواطن التي يعمل فيها الكاتبون من أجل إبراز أهمية العرف والعادة في الفقه الإسلامي، لا تتعلق إلا بدور العادات في إنارة الطريق، أما من يقوم بتفسير التصرفات القانونية، وبالتالي إلى أن سهمًا مهمًّا من المكانة التي يحرزها العرف في أدب الفقه الإسلامي راجع إلى هذا النوع من العرف. يلاحظ الباحث أن سهمًا مهمًّا آخر في المكانة التي يحرزها العرف في أدب الفقه الإسلامي يتعلق بدور العادات أثناء تقدير وتحكيم القاضي أدلة الطرفين المتنازعين، والحقيقة أن كثيرًا من المواطن التي يصار فيها إلى استعمال اصطلاح تحكيم العادة لا تتعلق إلا بمضامين مفهوم تحكيم الحال أو ظاهر الحال أو القرينة ونحوهما. هذا جانب.