← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

٦-٣- نظام إعمال الأدلة الشرعية في الفقه الإسلامي ومكانة العرف فيه، وأخيرًا: نود أن نشير إلى بعض المقاطع التي لها أهمية من ناحية تقييم مكانه العرف في الفقه الإسلامي: أولا: كان العرف مصدر تنظيم لكل المجالات الاجتماعية عند العرب قبل الإسلام، أما بعدة فقد أهميته السابقة، لأن الإسلام جاء بالقرآن والسنة كمصادر أصلية للتشريع (١) وذلك ما يلاحظ في نظم الحقوق الحديثة أيضًا حيث إن العرف أصيب بالوهن بعد قيام حركات التدوين فيها حتى يمكن القول بأن العرف لم يعد يحتل مكانته السابقة في الفقه الإنكليزي اليوم. ثانيا: إن العقل بمعنى " النفي الأصلي "أو " العدم الأصلي " الذي يذكره الغزالي بين أدلة الأحكام والذي يقول فيه: " إن تسميته أصلا من أصول الأدلة تجوز " لا يمكن إنكار أهميته من ناحية نظام إعمال الأدلة، أي أن الاستصحاب في معناه الضيق يغني الفقيه من البحث عن الدليل في الجزئيات كلها وبعبارة أخرى فإنه لا يمكن التحدث عن وجود حكم يأتي بتكليف (الوجوب، الندب، الحرمة، الكراهة (أو مؤيده شرعية) مثل الفساد أو البطلان أو العقوبة أو الضمان) في الفقه الإسلامي إلا بالاستناد إلى النصوص الخاصة (أي بالاجتهاد البياني أو القياسي) أو إلى روح النصوص (أي بالاجتهاد الاستصلاحي) كما أسلفنا إذًا فالمجال واسع لمواكبة العرف لمتطلبات الحياة لأن الأصل هو الإباحة في الأشياء وبراءة الذمة، ما لم يعول في الحكم المخالف لذلك على النصوص إما مباشرة وإما برابطة خاصة – وهي العلة ومنهج ربطها يسمى قياسًا – أو عامة – وهي مبادئ الشريعة ومنهج ربطها يسمى استصلاحًا. ثالثًا: يتبين ما سبق أن العمل بالعرف في تشريع الإباحة لا يقتضي دليلًا خاصًا، لكونه من مقتضيات مبدأ النفي الأصلي، وإنما تمس الحاجة إلى دليل خاص في التشريع الإلزامي ولتوضيح ذلك نقتبس من العلامة الطاهر ابن عاشور ما يقول فيه: " ولهذه الحكمة الخصوصية جعل الله هذه الشريعة مبنية على اعتبار الحكم والعلل التي هي من مدركات العقول لا تختلف باختلاف الأمم والعوائد ". إذن فمراعاة عوائد الأمم المختلفة هو خلاف الأصل في التشريع الإلزامي وإنما يسعه تشريع الإباحة حتى يتمتع كل فريق من الناس ببقاء عوائدهم.

стр. 7702

لكن الإباحة لما كان أصلها الدلالة على أن المباح ليس فيه مصلحة لازمة ولا مفسدة لزم أن يراعى ذلك في العوائد فمتى اشتملت على مصلحة ضرورية أو حاجية للأمة كلها أو ظهرت فيها مفسدة معتبرة لأهلها لزم أن يصارَ بتلك العوائد إلى الانزواء تحت القواعد التشريعية العامة من وجوب أو تحريم ولهذا نرى التشريع لم يتعرض لتعيين الأزياء والمساكن والمراكب فلم يندب الناس إلى ركوب الإبل في الإسفار ولم يمنع أهل مصر والعراق من ركوب الحمير ولا أهل الهند والترك من الحمل على البقر، لذلك لم يحتج المسلمون إلى تطلب دليل على إباحة استعمال العجل والعربات والأرتال، وكذلك أصناف المطاعم التي لا تشتمل على شيء محرم الأكل بحيث لا يسأل عن ذلك إلا من جاهل بالتركيب أو جاهل بكيفية التشريع. فنحن نوقن أن عادات قوم لا يحمل عليها قوم آخرون في التشريع ولا أن يحمل عليها أصحابها كذلك، نعم يراعي التشريع حمل أصحابها عليها ما داموا لم يغيروها، لأن التزامهم إياها واطرادها فيهم يجعلها منزلة منزلة الشروط بينهم يحملون عليها في معاملتهم إذا سكتوا عما يضادها " (١) . ففي التشريع الإلزامي لا يعتبر العرف مصدرًا بصورة مباشرة وإنما يلعب دوره عن طريق منهج الاستصلاح وفي بعض الأحيان عن طريق منهج القياس كما بينا في الباب الأول، ولعل الأستاذ أبا سنة يقصد هذا المعنى، إذ يرى من الضروري رد العرف إلى واحد من الأصول الشرعية مثل المصلحة المرسلة، وأصل المنافع والمضار ودلالة الإجماع للتعويل عليه (٢) . رابعا: يشاهد أن العرف يلعب دوره أيضا عن طريق منهج الاستحسان الذي يتسم بطابع سلبي فتزول به شدة وقسوة القياس أي القاعدة العامة التي يرى المجتهد عدم انطباقها على بعض المسائل من خلال اختبار الصحة المنطقية أو الصحة الأخلاقية أو الصحة الاجتماعية والثقافية للحقوق. * * *

стр. 7703

الخاتمة من خلال دراستنا للعرف في الفقه الإسلامي نخلص إلى ما يلي: ١- لا يمكن إنكار ما للعرف من تأثير عميق على الفرد والمجتمع كما لا يمكن القول بأن التشريع الإسلامي أهمل هذا التأثير له ولم يحتفل به. ٢- ويمكن البت – بعد تمحيص النظر في النصوص – في أن العرف يجب مراعاته في استنباط الأحكام وتطبيقها ولكن لا يبدو أن هناك إمكانية القول بأن النصوص اعتبرت العرف مصدرًا مستقلا لأن إثبات أصل من الأصول (المصادر) يقتضي الدليل القطعي كما نبه إلى ذلك الغزالي بمناسبة تقويم حجية دليل آخر. أما الأدلة المذكورة بصدد إثبات حجية العرف فهي ظنية كما بينا ذلك في مكانه والجدير بالذكر هنا أننا إذا نظرنا إلى ما يستند إليه كثير من الباحثين بقولهم: " يستدل العالم الفلاني بالآية الفلانية أو الحديث الفلاني على حجية العرف " نلاحظ أن هذا العالم لا يتناول موضوع حجية العرف مستقلا، بل يتحدث عن حجيته بمناسبة حكم فرعي لتدعيم النتيجة التي توصل إليها والتي لها صلة بالعرف. إلا أنه إذا وضعنا نصب أعيننا أن الدليل الأقوى في نظر العلماء بين الأدلة التي يستدل بها على حجية الإجماع هو ما جاء في عدد كبير من الأحاديث المروية بطريق الآحاد من الدلالة على معنى مشترك مفاده عدم اتفاق الأمة الإسلامية على الضلالة وضرورة ملازمة الجماعة (أي هو المتواتر المعنوي) فالقيام بمثل هذا الاستدلال بشأن العرف لا غبار عليه ولكن النتيجة النهائية لهذا الاستدلال – بحسب ما يبدو لنا – لا تمكننا من قبول العرف مصدرًا مستقلا (١) .

стр. 7704

وإنما يمكن القول بأن النقطة المشتركة للأدلة الخاصة والعامة التي تناولناها من قبل هي " ضرورة مراعاة العرف " في الشريعة الإسلامية، أما اعتبار العرف مصدرًا مستقلًّا فلا يتفق والبنية المنهجية والفلسفية للفقه الإسلامي ولو عنيت مرتبته بين سلسلة المراتب للأدلة وحدد بقيد عدم مخالفته للنص. ٣- قمنا بتثبيت ظاهرة هامة بالنسبة لمكانة العرف في أدب الفقه الإسلامي، وهي أن كتب الأصول مع أنها تولي كبير أهمية لمناقشة الأدلة الشرعية سواء كانت معترفًا بحجيتها أو غير معترف بها لا تهتم بالعرف سلبًا ولا إيجابًا وفي مقابل ذلك يلاحظ أن العرف احتل في كتب فروع الفقه مكانًا ليس متوازيًا مع وضعه في كتب الأصول حتى أن بعض المؤلفين يجعل العرف سببًا للاستحسان في كتابه المتعلق بالفروع ويحترز عن ذلك في كتابه الخاص بعلم أصول الفقه وكذلك البعض منهم يذكر تعامل الناس بين أصول الشرع في كتابه المتعلق بالفروع بيد أنه لا يتحدث عنه في مكانه أي أثناء تناوله لأصول الشرع في كتابه المتعلق بأصول الفقه (وقد أتيحت لنا فرصة التنبيه إلى خطأ قد يشوش فكر الباحث في تقييم العرف، وهذا الخطأ الذي شاع في كتب عدد من العلماء الأجلاء نسبة تعريف للعرف إلى الغزالي مستندًا إلى كتابه المستصفى من علم الأصول) . وهنا ينبغي الأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر كل من كتب الأصول والفروع – بالإضافة إلى ما لفتنا النظر إليه من البنية المنهجية والفلسفية للفقه الإسلامي – لتثبيت عوامل هذه الظاهرة ونحن حاولنا جهدنا لتسليط الأضواء على هذه الناحية بلفت النظر إلى ضرورة تناول مفهوم " المصدر الشكلي " بالتفريق بين أدوار الاجتهاد وبين الأدوار التي تلت عهد تكون المذاهب. وإلى جانب ذلك ذكرنا أن العرف الذي ينوه بمكانته في فروع الفقه ليس في أغلب الأحيان في معنى العرف الذي يلعب دور القاعدة القانونية، بل هو العرف الذي يراعى في تفسير النصوص والعرف المتعلق في نهاية أمره بقواعد اللغة (ولا سيما العرف المفسر لعبارات اليمين) والعرف الذي يساعد الحاكم في تقدير أدلة الطرفين أثناء القضاء. ٤- وبطريقة الإشارة إلى نظام إعمال الأدلة الشرعية في الفقه الإسلامي أوضحنا أن مبدأ مراعاة العرف يلعب دوره غالبًا بشكل طبيعي ودون الحاجة إلى التعبير عنه نظريًّا، وأنه يجري مهمته عن طريق مناهج الاستحسان والاستصلاح خاصة في حالات تضمن الحكم تكليفا شرعيًّا أو مؤيدة شرعية أو التي تقتضي الاستثناء من القاعدة العامة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الدكتور إبراهيم كافي دونمز.

стр. 7705

العرف بين الفقه والتطبيق إعداد محمود شمام الرئيس الشرفي لمحكمة التعقيب الأستاذ المحاضر بالجامعة الزيتونية عضو المجلس الإسلامي الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ . مقدمة يسعدني ويشرفني أن أشارك في هَذه الدورة المباركة، للمجمع الفقهي الإسلامي المنعقدة بهذا البلد الإِسلامي العربي الكريم المضياف. واخترت الحديث عن الموضوع اقترحه على المجمع، له أهمية قصوى في حياة الناس ومعاشهم، وله صلة وثيقة ومتينة بما يسن من تقنين يضبط تلكم الحياة ويحدد معالمها، ويحمي المعاملات بين الأفراد والمجموعات. فالعرف يفزع إليه القاضي كلما فقد النص أو احتاج إلى شرح غموض بنص بين يديه في موضوع معين إذ العادة محكمة لإثبات حكم شرعي وشرح مقاصد الأطراف وتفسير العقود والاتفاقات وإزاحة الغموض عنها وإنارة السبيل أمام القاضي والمتقاضي. والعادة تعتبر من الأدلة الشرعية، فقد وضعت قواعد شرعية تشير إلى استعمالها بصفة أدلة لإِثبات المسائل الفقهية ضرورة، أن العادة طبيعة ثانية وهي محكمة بين الناس أي أن العادة عامة كانت أو خاصة تجعل حكمًا لإِثبات حكم شرعي وإقرار على ما يحدث وينزل من قضايا، وهي حكم لإِزالة لبس وغموض غشي اتفاق بعض الأفراد. والعادة لها تأثير على النفس، إذ متى رسخت العادة وتكررت ألفتها النفوس وخضعت لتقاليدها وأحكامها وليس من الميسور نزع الناس عن عاداتهم وما ألفوه في حياتهم. فالعادة والعرف لهما أهمية كبرى في مد نطاق الأحكام الشرعية والتوسع فيها بجعلها تطابق الأزمنة المختلفة على حساب احتياجات العصر ومتطلباته ومخترعاته ومحدثاته، وما يجد كل يوم من جديد. ومن مبادئ الشريعة الإِسلامية السمحة ومن مقاصدها أن الأمر إذا ضاق اتسع لأن المشقة تجلب التيسير.

стр. 7706

ولذا فإنه باختلاف الأزمان والمدن والشعوب يمكن أن تتبدل المسائل التي تبنى على العرف، والفقه الإِسلامي كان له القدح المعلى في هذا الميدان بما خطه من أحكام وقره من قواعد ظهرت نتائجها عند التطبيق والعمل والتنفيذ. والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار العرف لغة: العرف له عدة مفاهيم لغوية. جاء في المصباح: أمرت بالعرف أي المعروف وهو الخير والرفق والإِحسان. وجاء في لسان العرب، لابن منظور: العرف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإِحسان إلى الناس. العرف اصطلاحًا: هو ما اعتاده الناس وألفوه من قول أو فعل، إذا تكرر من بعد أخرى حتى تمكن أثره في نفوسهم واطمأنت إليه قلوبهم وطباعهم وتلقوه بالقبول. قال في المستصفى (١) : العرف هو ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السلمية بالقبول.

стр. 7707

وجاء في رسالة نشر العرف، لابن عابدين الحنفي ضمن رسائله: ٢ /١١، وما بعدها: والعادة مأخوذة من المعاودة، فهي بمعاودتها صارت معروفة مستقرة في النفوس. فالعادة والعرف معنى واحد من حيث المصداق وإن اختلفا من حيث المفهوم. ومن هذا يتبين أن عادة الجماعة وعرفها بمعنى واحد في نظر فقهاء الشريعة أو على الأقل مؤداهما واحد وإن اختلفا من حيث مفهوم اللفظ. وجاء في كتاب التعريفات تعريف، لأبي الحسن على بن محمد بن على الجرجاني الحنفي المتوفى سنة ٨١٦ هـ، قوله: " هو ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطباع بالقبول". يقول عز الدين بن عبد السلام الشافعي الفقيه الملقب بسلطان العلماء في كتاب قواعد الأحكام في مصالح الأنام: " أما مصالح الدارين وأسبابها ومفاسدها فلا تعرف إلا بالشرع، فإن خفي منها شيء طلب من أدلة الشرع وهي الكتاب والسنة والإِجماع والقياس المعتبر والاستدلال الصحيح ". وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها، فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته ومن أراد أن يعرف المناسبات والمصالح والمفاسد راجحها ومرجوحها، فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به، ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلا ما تعبد الله به عباده، ولم يقفهم على مصلحته ومفسدته. حجية العرف: لا خلاف تقريبًا بين الفقهاء في اعتماد العرف لاستمداد بعض الأحكام وترتيب القضاء عليه، وإن اختلفوا في التفاصيل والجزئيات والفروع وحتى الأمثلة أحيانًا. ودليل الأخذ بذلك من القرآن الكريم قوله ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٩٩] . والعرف هو المعروف الجميل المستحسن من الأقوال والأفعال. وقوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الحجرة: الآية ٧٧] . وذلك لأن الاعتماد على العرف طريق من طرق التوسم والتثبت والتفكير لاستنباط الأحكام لما يحدث من قضايا لا تشملها النصوص. ويقول الله : ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: الآية ٦] . ففيه إحالة على ما جرى به العرف وسار الناس عليه في شأن أجرة الولي في مال اليتيم.

стр. 7708

وقد عقد الإِمام البخاري بابًا في صحيحه تحت عنوان: باب في من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيع والإِجارة والكيل والوزن وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة. ونقل عن شريح القاضي أنه كان يقول: سنتكم بينكم. وفي قضاء الرسول لامرأة جاءته تشتكي شُحَّ زوجها في النفقة عليها وعلى أولادها، وهو ثري لكنه بخيل، فقال لها ﵊: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) . أي أنه أحالها على ما جرى به العرف في هذا الشأن. وقد اعتمد الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم كثيرًا من أعراف الجاهلية الحسنة واتبعه أصحابه في ذلك والتابعون، واستمر العمل بذلك عند فقهاء الأمصار. فالحنفية: يقولون التعيين بالعرف كالتعيين بالشرط والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا واستعمال الناس حجة يجب العمل بها ولا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان (١) . يقول سهل بن مزاج في بيان الأصول التي بنى عليها أبو حنيفة استنباطه: " كلام أبي حنيفة أخذ بالثقة وفرار من القبح والنظر في معاملات الناس، وما استقاموا عليه وصلحت عليه أمورهم يمضي الأمور على القياس فإذا قبح القياس يمضيها على الاستحسان ما دام يمضي له فإذا لم يمضِ له رجع إلى ما يتعامل به الناس وهو العرف". وأما المالكية: فهم يعتبرون العرف لاستنباط الأحكام عليه. يقول مالك. ﵁: "وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أثر معمول به فيه" (٢) .قاله في تعليقه على حديث خيار المجلس وتخريجه له في الموطَّأ لأن العمل في المدينة جرى على خلافه، وهو يوضح موقف أنه لو وجد حدًّا متعارفًا بين أهل المدينة في ذلك لقال به. ويروي عنه أيضًا أنه يخصص العام بالعرف في تفسير قوله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٣] . فيقول هو خاص بغير ذوات الأقدار والشرف ولا يجب على الشريفة إرضاع ولدها لأن العادة جرت بذلك. وهو يستند هنا إلى العرف مع عدم وجود الإِنكار. قال ابن السُّبكي في جمع الجوامع: " والأصح أن العادة بترك بعض الأمور تخصيص إن أقرها الرسول ﷺ أو الإِجماع ومن هذا القبيل اكتفاؤهم في صحة البيع بالمعاطاة دون صيغة للإِيجاب والقبول " (٣) .

стр. 7709

والحنابلة: لم يأخذوا بالعرف نظريًّا لتمسُّكهم بالنَّص واعتمد بعضهم العرف في حالات خاصة. يقول الإِمام ابن تيمية في شأن الأسماء: "ومنها ما يرجع حده إلى الناس وعرفهم، فيتنوع بحسب العادة والعرف كاسم البيع والنكاح والقبض والدراهم والدينار، ونحو ذلك من الأسماء التي لم يحدها الشارع بحد ولا لها حد واحد يشترك فيه جميع أهل اللغة بل يختلف قدره وصفته باختلاف عادات الناس" (١) . ويقول ابن القيم في إعلام الموقعين: " لا يجوز للمفتي أن يفتي في الإِقرار والأيمان والنذور والوصايا، وغيرها مما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلمين بها فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه وإن كان مخالفًا لحقائقها الأصلية فلفظ الدينار اسم لثمانية دراهم وعند طائفة أخرى اسم لاثني عشر درهمًا وكذلك في ألفاظ الطلاق" (٢) . الشافعية: يعتمد فقهاء الشافعية العرف ويعملون به رغم عدم أخذ الشافعي به. والإمام عز الدين بن عبد السلام يقرر في كتاب قواعد الأحكام: ٢ /١٨٦: إن كل ما يثبت في العرف إذا صرح المتعاقدان بخلافه بما يوافق مقصود العقد صح، فلو شرط المستأجر على الأجير أن يستوعب النهار بالعمل من غير أكل ولا شرب لزمه ذلك ولو شرط عليه أن لا يصلي الرواتب أي النوافل وأن يقتصر في الفرائض على الأركان وجب الوفاء بذلك لأن تلك الأوقات إنما خرجت عن الاستحقاق بالعرف القائم مقام الشرط، فإذا صرح بخلاف ذلك مما يجوزه الشرع ويمكن الوفاء به جاز. يقول المرحوم محمد أبو زهرة في كتابه: مالك (٣) . "ويظهر أن الشافعية أيضًا يحترمون العرف إذا لم يكن نص، فإن العرف يغلب في حكمه لأن الناس خاضعون له فعلًا بحكم الألف والاعتياد وليس لأحد أن يمنعهم في الأخذ به إلا بنص محرم فحيث لا محرم فلا بد من الأخذ به".

стр. 7710

ولقد وجدنا ابن حجر – وهو شافعي – يقرر أن العرف يعمل به إذا لم يكن في العمل به مخالفة لنص. وذلك لأن القرطبي قال في قوله ﷺ لامرأة أبي سفيان: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) : في هذا الحديث اعتبار العرف في الشرعيات خلافًا للشافعية فرد الحافظ ابن حجر هذا الاستدلال بأن الشافعية إنما منعوا العمل بالعرف إذا عارضه النص الشرعي ولم يرشد إليه فكان لهذا يومئ من جهة أن الشافعية يأخذون بالعرف أحيانًا. الشيعة الإِمامية: العرف تأكيد لحكم العقل أو أنه من أدلة الإِجماع، يقول الشيخ محمد جواد مغنية (١) ، وهو فقيه شافعي: يصح بيع المعاطاة ويحتج له قائلًا: إن المأخوذ بالمعاطاة يطلق عليه اسم بيع عرفًا ولغة وإذا صدق اسم البيع على المعاطاة شملها جميع ما دل على الصحة من الآيات والروايات مثل قوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ و ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ و ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ . ومثل قوله ﷺ : ((المؤمنون عند شروطهم)) . والخلاصة: هو اتفاق كلمة الأئمة على اعتبار العرف والنظر إليه عند حدوث القضايا ونزول المشاكل وطرحها من أصحابها للحلول. وعلى هذا كانت الفتوى من الأئمة الفقهاء. فالقرافي يقرر في كتابه الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص ٢٣١، تحقيق الشيخ أبي غدة: "إن استمرار الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإِجماع وجهالة في الدين بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة الجديدة وليس هذا تجديدًا للاجتهاد من المقلِّدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد. وابن القيم في أعلام الموقعين (٢) ، يقول في شأن العرف: "هذا فصل عظيم النفع جدًّا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف مالا سبيل إليه ما نعلم أن الشريعة التي هي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسول الله ﷺ أتم دلالة وأصدقها".

стр. 7711

ويقول شيخنا الأستاذ الإِمام محمد الطاهر ابن عاشور برد الله ثراه وجعل الجنة مأواه (١) : ومن معنى حمل القبيلة على عوائدها في التشريع إذا روعي في تلك العوائد شيء يقتضي الإِيجاب والتحريم، يتضح لنا حيرة وإشكال عظيم يعرض للعلماء في فهم كثير من نهي الشريعة عن أشياء لا نجد فيها وجه مفسدة بحال مثل تحريم وصل الشعر للمرأة وتفليج الأسنان والوشم في حديث ابن مسعود: إن رسول الله ﷺ لعن الواصلات والمستوصلات والواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. فإن الفهم يكاد يضل في هذا إذ يرى ذلك صنفًا من أصناف التزيين المأذون في جنسه للمرأة فيتعجب من النهي الغليظ عنه. ووجه عندي الذي لم أرني اهتدي إليه أن تلك الأحوال كانت في العرب أمارات رقة حصانة المرأة، فالنهي عنها نهي عن الباعث عليها أو عن التعرض لهتك العرض بسببها، فهذا شرع روعيت فيه عادة العرب اهـ. أي أن الشارع نهى عن أشياء واعتبرها مفسدة نظرًا لما جرى عليه عرف العرب فيها لا بالنظر لها في ذاتها إذ لا قبح فيها ذاتيًّا فقبحها حف بها من العرف وهو يتغير ولو تغير لتغير الحكم تبعًا لذلك. وهذا شيخنا علامة عصره مفتي الديار التونسية المرحوم محمد الهادي بن القاضي يقول في دراسة له (٢) : " ما من شك أن النصوص التشريعية في جميع الشرائع الدينية والوضعية غير محيطة بمختلف الحوادث والقضايا التي تحدث في المجتمعات البشرية المتجددة والمتحركة دومًا بحسب تجديد الحاجيات نتيجة حتمية لتغير ظروف الحياة العامة بسبب ما يجد من مخترعات حديثة وأساليب متنوعة في مختلف نواحي علاقات التعايش سواء بين الأفراد أو الجماعات أو الأمم. والنصوص التشريعية مرنة تكتسي صبغة العموم والإِجمال في الأغلب الأعم وهي قابلة للتفسير والتأويل بأوجه متعددة حتى كانت مثار اختلاف الفقهاء المجتهدين والشراح والمفسرين وكانوا محتاجين دومًا في تفسيرها للرجوع إلى عناصر أخرى يستعينون بها على فهم المراد وتحديده كالرجوع إلى عمل الصحابة وعلى الأخص المضطلعين بالحكم والإِفتاء منهم وعلى الخصوص أهل المدينة.

стр. 7712

حتى يقول: وقد ذهب أكثر الأئمة من فقهاء المذاهب الإِسلامية إلى اعتبار العرف وبناء الأحكام عليه. مبدأ اعتبار العرف: فيما يتعلق بالحقوق والمعاملات لا بما يعود للأخلاق والآداب أو السلوك الاجتماعي. المبدأ العام يقول: "إن للعادة تأثيرًا على التشريع". ولتكريس هذا المبدأ للتطبيق نصت بعض القوانين فيما سنته أو أرشدت إليه على اعتبار العرف فيما يوضع من أحكام بطريق الاجتهاد والاستنباط والقياس والتفسير لبعض النصوص وإزاحة ما علق بها من غموض. فالعرف له علاقة وطيدة ومتينة بالاجتهاد وليس معنى ذلك أن الاجتهاد مع وجود النص أو في مواجهته بادعاء تغير العادات والأعراف وحدوث القضايا ونزولها تبعًا لذلك، فهذا لم يقل به أحد ولم يأتِ به أي مذهب من المذاهب. وقد اعتبر كل الفقهاء تقريبًا العرف بقيوده وشروطه، وذلك لأن الشارع الحكيم أقر بعض الأمور التي تعارفها العرب في جاهليتهم بعد أن هذبها ونظمها كالبيع والرهن والإجارة والقسامة وبعض الأمور في الزواج كالكفاءة وكفرض الدية على العاقلة. ولقد لعبت الأعراف دورًا كبيرًا وأقرتها الشعوب واحتكموا إليها قبل تدوين القوانين لأن العرف يعبر تعبيرًا صحيحًا عن إرادة الأمة والمجتمع وإذا استقر التعامل به وجبت مراعاته حفظًا لاستقرار المعاملات شريطة عدم مصادمته للنص خاصة وإن القضاء يسهل أمره إذا كانت أحكامه مطابقة لما عرفه وألفه الناس وتعودوا عليه. وقد قال بعضهم قديمًا: إن الشريعة غير المدونة هي التي تستحسنها العادة وتقرها. وقد روي عن عبد الله بن مسعود ﵁: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" (١) .أي ما رآه واستحسنه المسلمون في العادات والأعراف الحسنة فهو مقبول عند الله يعمل به وتصدر الأحكام طبق ما جرى به. شروط العرف: متى توفر للعادة عنصراها المادي والمعنوي النفسي الشعوري ومتى اطرد العمل بها واستحسنها الناس وألفوها حتى صارت تنظم شؤون حياتهم ومتى أصبح كل مخالف لها خارجًا عن الجماعة تحولت العادة عندئذٍ إلى عرف متبع تطبقه الجماعة ويرضخ له القانون ويقرأ حسابه ولا يقع التهاون بشأنه، لكن كل ذلك تحت قيود وشروط. ١- أن يكون العرف عامًّا في قطر أو بلد أو جهة من الجهات. وهذا أمر موضوعي يخضع – الآن – لفحص وإثبات محكمة الموضوع ولا يخضع لرقابة محكمة التعقيب أي النقض والإِبرام. وعمومه هذا يدل بصفة واضحة على أنه مقبول عند الناس ويستحسنونه لأن العادة إذا عمت كان ذلك دليلًا على تماشيها غالبًا مع الذوق الحسن والطبع السليم. ٢- أن يكون العرف هذا قديمًا قد تكرر العمل به وألفه الناس وتعودوا عليه وعلموا به واستساغوه وحملوا بذلك القضاء على اعتباره. يقول ابن نجيم في الأشباه والنظائر: " يجب أن تكون العادة من الأمور المتكررة الشائعة". وتقول المادة ٤١ والمادة ٤٢ من مجلة الأحكام العدلية: " إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت ". " العبرة للغالب الشائع لا للنادر ". ٣- لا عبرة إلاَّ بالعرف السابق عن تاريخ المعاملة أو المقارن لها دون المتأخر عنها (٢) . ٤- أن يكون العرف ملزمًا، وهذا شرط مهم يميز العرف من العادة أي أن يقوم في ذهن الناس وجوب اتباع ذلك وأن مخالفته يترتب عنها الجزاء باعتبار أنه يمكن المطالبة طبقه. ٥- العرف لا يقف في وجه النص. جاء في كتاب المنافع شرح المجامع، ص ٣٢٤: " إن العرف إنما يكون حجة إذا لم يخالف نص الفقهاء".

стр. 7713

ويستثني الإِمام أبو يوسف النص المبني على العرف العام. والقانون يشترط أن يكون العرف مخالفًا للقانون أو للآداب أو النظام العام. فالعرف المعتبر حينئذٍ هو الموافق لمقاصد الشريعة وللأدلة الأصولية المعتبرة، أما ما جاء على خلاف ذلك وابتعد عن روح الشريعة وحكمتها ونصوصها فهو مردود لا يقبل ولا يطبق ولا يقضى به. يقول علامة تونس وفقيهها ومفتيها الشيخ إبراهيم الرياحي: والعرف المعتبر هو ما يخصص العام ويقيد المطلق، وأما عرف يبطل الواجب أو يبيح الحرام فلا يقول به أحد من أهل الإسلام (١) . أنواع العرف: هناك عرف نهى عنه الشارع وألغاه، وهناك عرف أقره وأذن فيه. وهناك قسم ثالث لم يلغه الشارع ولم يعتبره بدليل خاص وهذا محط الاجتهاد ومرجع فقه القضاء ومناط البحث والدرس. وهو عام وخاص: فالعام هو ما تعارفه أهل البلاد عامتهم وخاصتهم في زمن من الأزمنة. والخاص هو ما تعارفه أهل مدينة دون أخرى. ومن المعروف أن الحكم الشامل لا يثبت بالعرف الخاص. ثم إن العرف لفظي وفعلي؛ فالعادة اللفظية أن ينقل اللفظ ويصبح استعماله في معنى آخر هو الغالب والمتبادر منه عند الإِطلاق وهي الحقيقة العرفية المقدمة على الحقيقة اللغوية مراعاة للعرف العام، وهذا هو مفهوم قولة الفقهاء: "إن العرف يقدم على اللغة عند التعارض". وقد عرف ابن عابدين في رسالة نشر العرف هذا النوع بقوله: "تعارف قوم إطلاق لفظ لمعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه غيره" (٢) . وأما العادة الفعلية فهي أن يتعارف الناس التعامل على وجه من الأوجه لغرض معين أو لمصلحة بذاتها وهو مباح إذ لا نهي عنه. ومنه ما ذكروه في جواز انتفاع المستأجر بمصعد وضعه المالك لمنزل ذي شقق عديدة ولم يكن منصوصًّا عليه في عقد الإِجارة فجريان العرف به كاف في ثبوت حق المستأجر.

стр. 7714

الفرق بين العادة والعرف: ما نشأ عن تصرف شخصي أو عن عوامل طبيعية أو غير ذلك من العوامل هو عادة. فإذا استأنس الفرد ثم الجماعة بذلك ومالوا إليه وكرروه وألفوه وارتضوه تكون عندئذٍ العرف فهو عادة الجماعة وعنوان الرضا عن تصرف معروف. ورجال القانون يفرقون بين العادة والعرف، بأن الأولى غير ملزمة بذاتها إلاَّ إذا وقع الاتفاق عليها وهي مرجع لتفسير إرادة الطرفين وتعرية نيتهما الغامضة. بخلاف العرف فهو ملزم ذاتيًّا والمحكمة تقضي به بخلاف مجرد العادة فلا بد من التمسك بهما وإثباتها ثم إن محكمة التعقيب – النقض والإِبرام- تراقب قاضي الموضوع في شأن العرف وحسن تطبيقه بخلاف العادة إذا استأنس بها قاضي الموضوع فهي تدخل تحت سبر الوقائع وفحصها ويرجع ذلك لاجتهاد قاضي الموضوع الذي لا يدخل تحت رقابة محكمة النقض. ولذا فمن واجب القاضي فحص الأمر لتحقيق الفرق الدقيق بين مجرد العادة والعرف ليكون قضاؤه سليمًا لا يناله النقد ولا النقض. أمثلة العرف: عقد القرافي في كتابه الفروق فصلًا قيمًا في بيان أثر العرف في العقود التي تتأثر به. فعقد الشركة إن كان مطلقًا انصرف إلى المناصفة، والعقد على الأرض يدخل فيه الشجر والبناء، والعقد على البناء تدخل في الأرض، والعقد على الدار يشمل الأبواب والسلالم والرفوف، وعقد المرابحة يدخل في أصل الثمن أجرة الخياطة والتطريز وكل تحسين.. والعقد على الشجرة كما يشمل الأرض يشمل الثمرة التي تؤبر (١) . والقرافي يذكر في كتابه الإِحكام في تمييز الفتوى من الأحكام في الجواب عن السؤال التاسع والثلاثين ما ملخصه: "إن كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد في تمييز الفتوى من الأحكام في الجواب عن السؤال التاسع والثلاثين ما ملخصه: "إن كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة، ثم ذكر على سبيل المثال أحكامًا نص على أن المدرك فيها العادة وأنه يتعين تغير الحكم على ما تقتضيه العادة المتجددة ومنها ما سبيله اللفظ ومنها ما سبيله في الفعل. فأما الأول وهي العادة اللفظية فهو أن ينقل اللفظ ويصير استعماله في معنى آخر هو الغالب والمتبادر منه عند الإِطلاق وهي الحقيقة العرفية فيقدم على الحقيقة اللغوية مراعاة للعرف العام وهي معنى قول الفقهاء: إن العرف يقدم على اللغة عند التعارض. وأما الثاني وهي العادة الفعلية فهي أن يتعارف الناس التعامل على وجه من الأوجه لغرض ومصلحة فيكون سبيله الإِباحة حيث لا نهي".

стр. 7715

ثم ذكر أمثلة توضح هذا المبدأ فمن ذلك أن الوكيل يتصرف في الأمر الذي وكل عليه لفائدة موكله، فإذا أوكله على أن يشتري له ثوبًا فاشترى له ثوبًا لم يعتد لبسه كان تصرفه مردودًا عليه. ذكر شيخنا العلامة المرحوم محمد الهادي ابن القاضي أن الغيبة وإن كانت من الكبائر فإنها لا تقدح في الشهادة لأنها غلبت على الناس، فالشرع يأذن بإلغائها في إسقاط الشهادة خشية ضياع الحقوق. ويقول ﵀ في محاضرة له ألقاها على منبر ودادية القضاة: "وأذكر هنا قصة لطيفة كنت سمعتها من المنعم المبرور العلامة النظار الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر سابقًا أنه لما كان قاضيًا بمدينة بنزرت جاءته رسالة من المحكمة الشرعية العليا بتونس بأن يقبل التجريح في شهود وثيقة تجرح بعضهم بأنه يؤخر الصلاة عن وقتها. قال ﵀: فالتقيت بأستاذنا الشيخ محمد النجار المفتي وعضو المحكمة العليا فقال لي: إن تأخير الصلاة عن وقتها كالغيبة لا يجرح به في الشهود لأنه صادر غالبًا في الناس". اهـ. ومن الأمثلة التي اعتبرت مثالًا للعرف المنظور إليه موضوع خلو الحوانيت، فإن المالك لا يملك إخراج المستأجر منها ولا إجارتها لغيره بدون مقابل (١) . ومن هذه الأمثلة ما تحدثنا عنه في دراستنا حول الأصل التجاري في بعض الأنظمة وقيام هذا الحق على العرف. والأمثلة كثيرة يصعب حصرها خاصة في نطاق دراسة أريد لها أن تكون مختصرة موجزة. ففي الأيمان والنذور يقع الرجوع إلى العرف، وكذلك في الوقف الذي يلعب فيه العرف دورًا مهمًّا.

стр. 7716

وفي شؤون الأسرة "الحالة الشخصية" للعرف دور مميز ففي القيروان مثلًا جرى العرف أن تشترط الزوجة على زوجها أن لا يتزوج عليها وأن يجعل لها حق طلاقها إن خالف هذا الشرط – انظر رسالة التمليك لعظوم بمكتبه الجامعة الزيتونية. وفي النفقة والمهر والسكنى واللباس للعرف دور كذلك. قال خليل: "يجب للزوجة قوت وأدام وكسوة ومسكن بالعادة بقدر وسعه وحالها والبلد والسعر". وقال ابن عاصم: وكل ما يرجع للافتراض موكول إلى اجتهاد القاضي بحسب القوت والأعيان والسعر والزمان والمكان ونجد العرف له دور كذلك في المعاملات المالية من بيع وشراء وكراء وإجارة. ومن ذلك بيع المعاطاة الذي يقول من يجيزه إن الله أحل البيع ولم يبين كيفيته فوجب الرجوع فيه إلى العرف، ولم ينقل عن النبي ﵊ ولا عن أصحابه مع كثرة وقوع البيع بينهم استعمال الإِيجاب والقبول، ولو استعملوا ذلك في بيوعاتهم لنقل لنا ذلك نقلًا شائعًا لأن البيع مما تعم به البلوى، فلو اشترط له الإِيجاب والقبول لبينه ﷺ بيانًا عامًّا ولم يخف حكمه. والعرف له دخل كبير في الخصومة والقضاء. وقال ابن عاصم: فالمدعي في قوله مجرد من أصل أو عرف بصدق يشهد والمدعى عليه من قد عضدا مقاله عرف أو أصل شهدا العرف في الاصطلاح القانوني وفي التطبيق: كانت للعادات أهمية كبرى، ثم تناقصت حتى حل محلها التقنين لكن القانون المبني عليها لم يتلاشَ حتى الآن. فالقانون المبني على العادات والأعراف يسمى قانون العرف، وأما القانون المبني على التشريع والذي مصدره السلطة البشرية فيسمى القانون المكتوب أو القانون المدون. والعرف عبارة عن عادة أو سنة معينة، فإن صاحبها الاعتقاد باللزوم فهي عرف تام وهو حينئذٍ عبارة عن قاعدة قانونية غير مكتوبة ولا مدونة. ويستمد هذا العرف إلزامه من تلقاء نفسه باعتباره مصدرًا من مصادر القاعدة القانونية ولذا فهو يلزم الأفراد لذاته دون أن يتوقف هذا اللزوم على إرادتهم وقبولهم بشرط أن يكون عامًّا.

стр. 7717

أما إذا لم يكن مع العادة ركن الاعتقاد باللزوم فهي حينئذ العادة الاتفاقية وقد تكون خاصة بمجموعة ما. وهي قواعد تعارف الناس على اتباعها في معاملاتهم فأصبحت صالحة لتفسير نية المتعاقدين عند الخلاف دون أن تكون بذاتها ملزمة إلاَّ إذا اتفق عليها الطرفان. والفرق بين العادة الاتفاقية والعرف زيادة عما ذكر هو أن العرف وهو قاعدة قانونية يمكن أن يكون آمرًا ومقررًا أي مكملًا ومفسرًا بخلاف العادة الاتفاقية التي يمكن الرجوع إليها عند تفسير الاتفاقات وشرحها من طرف المحاكم وهي واجبة التطبيق إذا نص القانون على ذلك. ثم إن العرف باعتباره قاعدة قانونية لا يعذر أحدٌ بجهله والحاكم يطبقه من تلقاء نفسه ولو لم يتمسك به أحد الطرفين، بخلاف العادة الاتفاقية فإن إثباتها على من يدعيها وعليه إثبات شمولها وعمومها ودوام استعمالها. والعرف الذي يكون القاعدة والمعتبر كمصدر من مصادر القانون لا بد أن يكون قديمًا مضى على تواتر استعماله أمد طويل حتى استقر العمل به وأن يكون ثابتًا وقع استعماله باطراد، وللحاكم أمر تقدير القدم والثبوت، والاستمرار في الاستعمال. ثم إن العرف يشترط فيه أن لا يتعارض مع القانون المكتوب، فإن خالف نصًّا صريحًا من القانون فهو ملغى لا يقضى به. ولا بد أن يكون العرف عامًّا ملزمًا، أما إذا كان خاصًّا بجهة دون أخرى أو كان مبنيًّا على التسامح والتساهل فهو خارج عن موضوع العرف المكون للقاعدة القانونية. ونحن نعلم أنه توجد في بعض الجهات دون الأخرى أعراف ملزمة تعتمدها المحاكم كهدايا الختان والأعراس والمآتم. وهي وإن كانت خاصة بجهة دون أخرى إلاَّ أنها عمت جهتها واستقرت بين الناس وتقادم عهدها ووصفت باللزوم، ولذا فقد توفرت فيها الشروط، والمحاكم وحدها مؤهلة لفحص ذلك والتطبيق. * * *

стр. 7718

مظاهر تطبيق أحكام العرف في القانون جاءت غالب القوانين الوضعية المدنية والتجارية ناصة على اتباع العادات والأعراف. فالقانون المصري جاءت مادته الأولى قائلة: "تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في ألفاظها أو في فحواها". فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه، حكم القاضي بمقتضى العرف. فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإِسلامية، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة. وجاء في المذكرة التمهيدية للمشروع: "العرف هو المصدر الشعبي الأصيل الذي يتصل اتصالًا مباشرًا بالجماعة، ويعتبر وسيلتها الفطرية لتنظيم تفاصيل المعاملات ومقومات المعايير التي يعجز التشريع عن تناولها بسبب تشعبها أو استعصائها على النص. ولذلك ظل المصدر وسيظل إلى جانب التشريع مصدرًا تكميليًّا خصبًا لا يقف إنتاجه عند حدود المعاملات التجارية بل يتناول المعاملات التي تسري في شأنها قواعد القانون المدني وسائر فروع القانون الخاص والعام على السواء. والقانون المصري يقول في مادته ١٦٤: " العادة محكمة عامة كانت أو خاصة " كما يقول في المادة (١٦٥) : " إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت والعبرة للغالب الشائع لا للنادر ". وجاءت عدة مواد في القانون المدني المصري تشير إلى العرف وتنبه القاضي إلى اتباعه. فالمادة (١٥٠) تقول: إذا كان هناك محل لتفسير العقد وجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقًا للعرف الجاري في المعاملات.

стр. 7719

والمادة (١٤٨) تقول: لا يقتصر العقد على إلزام المتعاقد بما ورد فيه ولكن يتناول أيضًا ما هو من مستلزماته وفقًا للقانون والعرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام. والمادة (٤٣٣) تقول: إذا عين في العقد مقدار البيع كان البائع مسؤولًا عن نقص هذا المقدار بحسب ما يقضي به العرف. والمادة (٤٤٨) تقول: لا يضمن البائع عيبًا جرى العرف على التسامح فيه. أما القانون السوري: فقد جاءت مادته الأولى هو الآخر قائلة: تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها. فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه، حكم القاضي بمقتضى مبادئ الشريعة الإِسلامية، فإذا لم توجد فبمقتضى العرف، وإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة. وتلاحظون التشابه بين القانون السوري والمصري في هذه المادة غير أن السوري أحسن لمّا قدم مبادئ الشريعة الإِسلامية على العرف. والقانون السوري يتضمن في مواد الإِشارة إلى العرف وإلى الأخذ به لترجيح كفة الخلاف في حالات معينة. والقانون العراقي: جاءت مادته الأولى قائلة: " تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها. فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه، حكمت المحكمة بمقتضى العرف فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإِسلامية الأكثر ملاءمة لنصوص هذا القانون دون التقيد بمذهب معين، فإذا لم توجد فبمقتضى قواعد العدالة. وتسترشد المحاكم في كل ذلك بالأحكام التي أقرها القضاء والفقه في العراق، ثم في البلاد الأخرى التي تتقارب قوانينها مع القوانين العراقية". وقد تضمنت بعض مواده الأخرى التركيز على العادة والعرف. فالمادة (١٦٤) تقول: " العادة محكمة عامة كانت أو خاصة. واستعمال الناس حجة يجب العمل بها ". والمادة (١٦٥) تقول: " إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت والعبرة للغالب الشائع لا للنادر ". والمادة (١٦٣) تقول: " المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، والتعيين بالعرف كالتعيين بالنص والمعروف بين التجار كالمشروط بينهم ".

стр. 7720

النظام الإنجليزي: بدأت الشريعة الإنجليزية كالرومانية عادات متأصلة في القبائل الأنجلو سكسونية، وهي القبائل التي كانت تسكن الجزيرة من قديم، ثم اقترنت في القرن الحادي عشر بعادات القبائل النورماندية التي فتحت الجزيرة الإنجليزية في ذلك الحين، ولما تطورت المدنية الإنجليزية وتقدمت، وأصبح المجتمع في حاجة إلى مصدر رسمي للقانون قام قضاء المحاكم وأصبحت الأحكام القضائية تقر قواعد العرف وتطبقها تطبيقًا مستفيضًا وتتكرر الأحكام فتتأكد المبادئ القانونية بتكررها إلى أن صار القضاء هو المصدر الرسمي للقانون في الشريعة الإنجليزية وقام مقام العرف (١) . والقانون الفرنسي: شمل التقنين المدني الفرنسي ٣٦ قانونًا كان العمل جاريًا بها إذ بدأ هذا القانون عرفًا ينظم الروابط الاجتماعية، وامتزج القانون الروماني بالعادات، ثم وجد القانون الكنسي وكان القسم الشمالي يطبق العرف والقسم الجنوبي يطبق القانون الروماني. وقد جمعت الملوكية بفرنسا قواعد العرف واعتبرت مصدرًا رسميًّا للقانون حتى جاءت مجموعة نابليون وسميت المجموعة المدنية. وقد نص القانون المدني على العرف في المادة (٥٩٠) وما بعدها.

стр. 7721

مظاهر تطبيق أحكام العرف في القانون التونسي علمنا بأن أحكام العرف معتمدة في القوانين المدنية الوضعية المعمول بها وأردنا هنا أن نبرز مظاهر تطبيق ذلك حتى تتجلى الصورة ويتضح الحال. ونقتصر على إبراز مظاهر تطبيق تلك الأحكام بصورة جلية في المدونة المدنية التونسية الموضوعة منذ قرن ونيف بإشراف لجنة من الفقهاء العلماء الزيتونيين وكذلك على الإِشارة إلى ما جاءت به المجلة التجارية التونسية، وفي ذكر ذلك تقريب لما جاءت به بقية القوانين العربية الأخرى المضارعة والمماثلة والنابعة من معين واحد والصابة في مصب واحد. ١- تأثير العرف على نتائج العقود وآثارها: جاءت المادة (٢٤٣) من المدونة المدنية قائلة: "يجب الوفاء بالالتزامات مع تمام الأمانة ولا يلزم ما صرح به فقط بل يلزم كل ما ترتب على الالتزام من حيث القانون أو العرف أو الإِنصاف حسب طبيعته". والمادة (٢٤٦) تقول: ليس لأحد أن يقوم بحق ناتج من الالتزام ما لم يثبت أنه قد وفى من جهته أو عرض أن يوفي بما أوجبه عليه ذلك الالتزام بمقتضى شروطه أو بمقتضى القانون والعرف. وجاءت المادة (٢٤٧) ناصة: إذا كان الالتزام من الطرفين فلأحدهما أن يمتنع من إتمام ما عليه حتى يتمم الآخر ما يقابل ذلك من العقد إلا إذا اقتضى العقد أو العرف تعجيل أحد الطرفين بما عليه. ٢- تأثير العرف على الوفاء بالعقود: المادة (٢٥٤) : لا تبرأ ذمة المدين إلا بتسليمه ما التزم به في العقد قدرًا وصفة ولا يسوغ له أن يلزم الدائن بقبول شيء آخر عوضًا عنه ولا بكيفية غير الكيفية المقررة في العقد أو التي جرى بها العرف.

стр. 7722

٣- تفسير العقود بالعرف: المادة (٥١٦) : "المعمول به عادة بمحل الكتب كالمشروط نصًّا وكذلك ما هو من طبيعة الأمر المقصود". المادة (٥٢٦) : "ما ذكر على وجه التقريب من عد أو كيل أو وزن أو غيرهما، من المقادير كنحو كذا أو زهاء كذا، عبارة عن القدر المتسامح فيه عرفًا أو عادة بالمكان". والقانون بعد أن سمح بالمادة (٥١٤) بتأويل العقد المبرم بين الطرفين، جاء مبينًا الأسس التي يعتمدها القاضي عند التأويل والتفسير فقال: المادة (٥٣٢) : "نص القانون لا يحتمل إلا المعنى الذي تقتضيه عبارته بحسب وضع اللغة وعرف الاستعمال ومراد وضع القانون". ٤- شروط الأخذ بالعرف: "العادة والعرف لا يخالفان النص الصريح". وهذا تطبيق للقاعدة القانونية العامة في عدم السماح بمعارضة العادة والعرف للنص القانوني المكتوب لكن وفي نفس الوقت إقرار للعمل بالعادة والعرف عند فقد النص مع توفير الشروط طبعًا. المادة (٥٤٤) : "من استند على عرف كان عليه إثباته ولا يحتاج به إلا إذا كان عامًا أو غالبًا غير مناف للنظام العمومي والأخلاق الحميدة". وبصرف النظر عن حمل عبء الإِثبات على المتمسك بالعرف فإن هذه المادة جاءت جامعة وبينت القاعدة الأساسية في القانون المدني لاعتماد العرف وبيان شروطه. ٥- تأثير العرف في أحكام البيع: بين القانون أحكام التسليم في البيع وجعل ذلك يحصل بكيفيات مختلفة في العقار بالتخلي عنه وفي الربع بإخلائه وبين أنه في المنقولات حسب المادة (٥٩٣) : "في المنقولات بالمناولة من يدٍ إلى يد أو بتسليم مفتاح المحل أو الصندوق الموضوعة فيه أو بأي وجه جرت به العادة والعرف في التسليم" ثم بين بالمادة (٥٩٧) : أجل التسليم عند عدم الاتفاق عليه وأنه يتبع العرف فقال: "التسليم يكون أثر العقد مع المهلة التي يقتضيها نوع المبيع أو العرف". وأشار في المادة (٦٠٣) إلى المصاريف فقال: "جميع مصاريف تسليم المبيع كأجرة كيله ووزنه وعده وقيسه على البائع وإذا كان المبيع حقًّا مجردًا كان على البائع أيضًا مصاريف الرسوم اللازمة لإِثبات ذلك الحق أو إحالته كل ذلك ما لم يكن هناك اتفاق أو عرف يخالفه".

стр. 7723

وانتقل بعد ذلك يبين على من تحمل أجرة الوسيط السمسار في عقود البيع فقال: المادة (٦٠٤) : إذا تم البيع بواسطة السمسار فإن أجرته تكون على البائع إلا إذا كان في عرف البلاد أو في اتفاق الفريقين ما يخالف ذلك. وشرح المقنن أن مصاريف العقد من نقل وأجرة عدول وغيرها تعتمد هي الأخرى عرف البلاد فقال: المادة (٦٠٥) : على المشتري مصاريف نقل المبيع من محل تسليمه ومصاريف قبوله وأداء ثمنه مع الصرف وأجر العدول عن كتب رسم الشراء والتأجير والتسجيل ولف البضائع ووسقها ونقلها وتشمل مصاريف القبول معاليم القمرق والمكس والمراكز المتوسطة أثناء النقل وعند وصلها للمكان المقصود كل ذلك ما لم يكن في العقد أو العرف ما يخالفه.

стр. 7724

ثم يتعرض المقنن إلى شرح التوابع للمبيع وتسليمها فيقول: المادة (٦١٠) : "لزوم تسليم المبيع يتضمن تسليم توابعه والتبعية إما بحسب العرف أو بمقتضى اشتراط المتعاقدين. وإذا لم يكن في ذلك شرط أو عرف فالعمل على مقتضى القواعد التالية". ثم يشرح قضية أخرى هي حصول زيادة أو نقص في المبيع فيقول: المادة (٦٢٠) : إذا كان المبيع جزافًا أو عينًا معينة وبين في العقد قدره كيلًا أو عدًّا أو وزنًا فليس للبائع أن يطلب الزيادة في الثمن إذا ظهر أن المبيع زائد في قدره عن القدر المسمى في العقد ولا للمشتري أن يطلب التنقيص في الثمن إذا ظهر أن المبيع بعكس ذلك إلا إذا كان الفرق زيادة أو نقصًا مما يبلغ نصف العشر، وهذا الشرط يعمل به أن لم يكن منافيًا للعرف ولم يحصل تراضٍ بين البائع والمشتري على خلافه. ثم يفصل النزاع في شأن وزن الظرف الحاوي للبضاعة اعتمادًا على العرف فيقول: المادة (٦٢٨) : "وفي جميع الأحوال المقررة سابقًا يلزم اعتبار وزن الظرف فارغًا مع مراعاة ما يغتفر فيه العرف التجاري إلا إذا وجد بين المتعاقدين شرط يقضي بخلاف ذلك". وفي باب ضمان عيوب المبيع وواجبات البائع تقول: المادة (٦٤٧) : البائع يضمن للمشتري سلامة المبيع من العيوب التي تنقص من قيمته نقصًا محسوسًا أو نصيره غير صالح لاستعماله فيما أعد له بحسب نوعه أو بمقتضى العقد. والعيوب التي لا تنقص قيمته أو الانتفاع به إلا ما لا بال له لا ضمان فيها على البائع وكذلك العيوب المغتفرة بحسب العادة والعرف. ثم يتعرض المقنن إلى العيب الخفي وهل يضمنه البائع حسب العرف فيقول: المادة (٦٤٨) : "لكن إذا كان المبيع مما لا يمكن الاطلاع على حقيقة حاله إلا بتغيير في ذاته كالثمار في قشرها فإن البائع لا يضمن العيب الخفي إلا إذا التزم بذلك في العقد أو كان ضمانه واجبًا بمقتضى عرف المحل. وفي الرد من أجل العيب يلعب العرف دوره ويؤثر فالمادة (٦٥٥) تقول: إذا وجب الرد لثبوت العيب أو لفوات الوصف كان للمشتري أن يطلب فسخ البيع ورد الثمن فإن اختار عدم رد المبيع فلا حق له في تنقيص الثمن، وإنما يكون له الحق في طلب تعويض الخسارة في الصور الآتية: أولها: إذا كان البائع عالمًا بعيوب المبيع أو بعدم وجود الوصف الموعود به ولم يشترط البراءة منه والبائع محمول على العلم بذلك إن كان تاجرًا أو صانعًا وباع شيئًا من متعلقات تجارته أو صناعته. ثانيها: إذا صرح بعدم وجود العيب في المبيع إلا إذا كان ذلك العيب لم يظهر إلا بعد البيع أو كان البائع معتقدًا سلامته. ثالثها: إذا كان المبيع خاليًا عن الوصف الذي اشترط فيه صراحة أو الذي يوجب عرف التجارة وجوده فيه. وأوجب القانون اتباع العرف في أداء الثمن فقال: المادة (٦٧٧) : إذا جرى العرف في محل بأداء الثمن مؤجلًا أو منجمًا حمل المتعاقدان على اتباع العرف ما لم يصرحا بخلافه في العقد. وفي شأن تاريخ ومكان تسليم المبيع يتداخل العرف، فالمادة (٦٧٩) تقول: على المشتري أن يتسلم المبيع في التاريخ والمكان المتفق عليهما في العقد فإن كان العقد عاريًا عن شرط في ذلك ولم تكن فيه عادة فعلى المشتري أن يتسلم المبيع في الحال مع مراعاة ما يغتفر في ذلك طبيعة. وهو في باب بيع السلم الواقع إبطاله الآن يقول بالمادة (٧١٤) : إذا لم يعين المتعاقدان أجلًا لتسليم المبيع حملًا على أنهما اعتمدا عرف البلد. والعرف يتداخل لفسخ عقدة البيع إذا ماطل المشتري في دفع الثمن وتأخر عن تسليمه وهو هنا يقوم مقام الاتفاق بين الطرفين على ذلك وهذا ما جاء به القانون. المادة (٦٨٠) : إذا اشترط فسخ العقد بمجرد عدم أداء الثمن أو كان العرف كذلك فالعقد مفسوخ بمجرد عدم دفع الثمن في الأجل المعين.

стр. 7725

وقد أبرز حكم قضائي صادر عن أعلى المحاكم أهمية دور العرف في هذه الناحية. فقد جاء القرار التعقيبي عدد (١٢) المؤرخ في (٢٣) جويلية ١٩٢٩، المنشور بمجلة القضاء والتشريع عدد (٩ – ١٠) ، لعام ١٩٦٠، (ص ٢٧) قائلًا: اقتضى الفصل (٦٨٠) من المجلة المدنية أن العقد لا يفسخ قانونًا بمجرد عدم دفع الثمن في الأجل المتفق عليه إلا إذا نص على الفسخ المذكور بالعقد أو أن ذلك يتضح جليًّا من عادة المكان وأن العرف بتونس يقتضي أن البيوعات المتعلقة بالحبوب لا تفسخ عادة لعدم أداء المشتري الثمن وذلك بقطع النظر عما إذا اشترط أن الثمن المذكور يدفع معجلًا أو مؤجلًا أو أنه وقع دفع عربون أم لا وأن البائع لا يتفصى من التزامه ولا تعتبر العقدة مفسوخة إلا إذا وجه للمشتري مكتوبًا مضمون الوصول يقتضي إلزامه بالتنفيذ مع التنصيص بأنه حاضر من طرفه لتنفيذ ما التزم به. انتهى. فالعرف هنا يعطل محاولة البائع التفصي من التزامه ويمنع إقدامه على المطالبة بالفسخ لمجرد التأخر. وفي شأن بيع الأشجار فإنه يشمل الأرض الثابتة وما فيها من ثمرة لم تعقد فإن عقدت فهي للبائع إلا أن يشترطها المبتاع؛ المادة (٦١٨) من المدونة المدنية. فهذه المادة تنص على أن الثمرة الناضجة هي للبائع المالك إلا إذا اشترطها المشتري منه لنفسه أي المالك الجديد. ولم تنص هذه المادة على أنه (أو كان عرف يقتضي خلاف ذلك) . وقد حدث خلاف ين شخصين احتج المشتري بأن العرف بجهته يقتضي أن الثمرة الناضجة تكون للمشتري أي أن الثمرة مطلقًا عقدت أم لا هي للمشتري خلاف القانون حسب النص في المادة (٦١٨) السابق ذكرها. فقالت محكمة التعقيب – النقض والإِبرام – في قراراها (١٣٦٥) المؤرخ في ١٧ ديسمبر ١٩٣١م إن العادة والعرف لا يخالفان النص الصريح طبق أحكام الفصل ٥٤٣، ولذا لا حق للمشتري في التمسك بالعرف لأنه مخالف لأحكام الفصل (٦١٨) الذي ينص على أن الثمرة الناضجة للبائع إلا إذا اشترطها المشتري وهذا لم يحصل الفصل (٦١٨) لم يستثن العرف حتى يمكن الاحتجاج (١) . ولم تقدر محكمة التعقيب أن العرف يخصص العام وتمسكت بحرفية النص. وفي شأن بيع الخيار سوغت المادة (٧٠٠) ذلك لأجل يتفق عليه وهي بيع موقوف لكن إذا لم يصرح الطرفان بأجل الخيار، فالعرف يعينه حسب التصريح التالي: المادة ٧٠٢: إذا لم يكن في العقد أجل للخيار حمل ذلك على الأجل المعتبر قانونًا أو عرفًا. ٦- تأثير العرف في أحكام الكراء – كراء اِلأشياء – مصاريف التسليم: المادة (٧٤١) : "مصاريف التسليم على المكري ومصاريف رسم الكراء على الفريقين كل يؤدي أجر نسخته، ونقل المأجور وتسلمه على المكتري كل ذلك ما لم يكن في العقد أو العرف ما ينافيه".

стр. 7726

وفي شأن إصلاح المكري تقول المادة (٧٤٢) : " ... وفي كراء الربع تكون مصاريف الإِصلاحات الجزئية على المكتري حسب عرف المكان". وتقول المادة (٧٤٣) : بعدها: "إن الإِصلاحات الجزئية تلزم المكتري إذا جرى بها العرف". وفي شأن جهر الآبار وتنظيفها وكذلك مجارى المياه والموازيب جاءت المادة (٧٤٥) قائلة: المادة (٧٤٥) : تنظيف الآبار والمراحيض والموازيب ومجاري المياه على المكري ما لم يكن ذلك مخالفا للعرف. والمادة (٧٨٤) : تنص على أن مصاريف إرجاع المأجور تلزم المستأجر ما لم يوجد في العقد أو العرف ما يخالف ذلك. وفي شأن الضرائب والأداءات جاءت المادة (٧٤٦) بحملها على المؤجر ما لم يكن ذلك مخالفًا للعرف. وفي ضمان العيوب جاءت المادة ٧٥٨ ناصة بأنه لا ضمان على المكري للعيوب التي يتسامح فيها عرفًا. وفي تاريخ الأداء إذا لم يعين فالمادة (٧٦٨) تقول: "على المكتري أداء الكراء في الأجل المعين في العقد وإلاَّ فالمعتبر عرف المكان". وفي التمكين من المكري تنص المادة (٧٧١) على الظروف التي يقتضيها العرف. وتنص المادة (٧٧٥) على أن المكتري الثاني مطلوب للمكري بقدر ما عليه للمكتري الأول وقت إنذاره بأن لا يدفع للأول ولا يقام له ما دفعه معجلًا إلاَّ كان التعجيل عرف المكان.

стр. 7727

وفي شأن تعيين مدة الكراء إذا لم يتفق عليها الطرفان تقول المادة (٧٩٢) : "إذا لم تعين مدة الكراء حملت على أنها هي التي وقع عليها التسعير إلاَّ إذا كان في العرف ما يخالف ذلك". وهو في المادة (٧٩٣) يجعل العرف هو الذي يعين المدة المناسبة لإِخلاء المكري عند فسخ الكراء. وأخيرًا في شأن المكري إذا لم يكن في الكراء كتب ثابت التاريخ جاء للممالك الجديد أن يخرج المكتري من المحل بعد أن يضرب له أجلًا حسب العرف. المادة (٧٩٩) . كراء الأراضي الفلاحية: جاءت المادة (٨١٢) ناصة على أن جميع الأشغال اللازمة للانتفاع بالبناءات بالأراضي الفلاحية لا تكون على المكتري إلاَّ بشرط أو عرف، وجاءت المادة (٨٢٣) قائلة: ليس للمكتري – الخارج – أن يتصرف في الأرض بما يكون منقصًا أو مؤخرًا لانتفاع من يستغلها بعده فلا يجوز له حرثها مدة شهرين قبل انقضاء مدته وعليه أن يبيح لمن سيستغلها بعده الشروع في الخدمات الابتدائية في وقتها بعد اجتناء المتحصل كل ذلك إذا كان غير مخالف لعرف المكان. والقانون يحدد علاقة المكتري الجديد بالقديم في شأن الأرض الفلاحية وتوابعها طبق عرف المحل فيقول: المادة (٨٢٤) : على المكتري الخارج أن يتخلى للذي يخلفه قبل دخوله بمدة مناسبة عن ما يلزمه من مساكن وغيرها مما يساعده على خدمة الفلاحة في العام القابل، وكذلك يجب على المكتري الجديد أن يتخلى للمكتري الخارج عن قدر ما يحتاجه من مساكن وغيرها لوضع نتائج الفلاحة وفي كلا الحالتين يتبع عرف المحل. وفي المادة (٨٢٥) يحدد واجب المكتري الخارج فيقول: المادة (٨٢٥) : من اكترى أرضًا وكان بها تبن وعلف وسماد لزمه أن يترك فيها عند انقضاء كرائه مثل القدر الذي تسلمه وليس له أن يعتذر بطروء أمر سماوي كما للمكري أن يحجز من الأصناف المذكورة ما يكون كافيًا له بسعر الوقت ولو لم يدخل عليها المكتري كل ذلك ما لم يخالفه عرف المكان. ومراجعة بسيطة لكل هذه النصوص في شأن كراء الأراضي الفلاحية وعلاقة الأطراف بها توضح مدى امتداد كل هذه الأحكام ومعانيها في أعماق الفقه الإِسلامي.

стр. 7728

٧- العرف والإِجارة على الخدمات أو الصنع: حدد القانون شروط إجارة الآدمي لنفسه بما يحفظ كرامته ويصون إنسانيته وجعل العرف حكمًا في ذلك. المادة (٨٣٢) : "ليس لأحد أن يؤجر نفسه من غيره إلاَّ لمدة معلومة وعلى عمل معلوم أو خدمة معينة شرطًا أو عرفًا وإلاَّ فالعقد باطل". وإذا لم يحصل الاتفاق مقدمًا على أصل الأجر فالقانون يوجب ذلك إذا كان العمل مما لم تجر العادة بإتمامه مجانًا. المادة (٨٣٧) . فالعرف هنا هو الفيصل بين الأطراف والقاضي مقيد به في قضائه عند حدوث النزاع ورفع الخصومة إليه وهو يعتمد في تقدير الأجرة حسب العرف الجاري بالبلد ورأي أهل الخبرة. المادة (٨٣٨) . ومن يؤدي أجر الأجير يعتمد القاضي في ذلك على الاتفاق إن وجد وإلاَّ التجأ إلى العرف. المادة (٨٣٩) . وإذا لم تعين مدة الإِجارة أو نوعها، فالإِجارة تفسخ بطلب من هذا أو ذاك طبق العرف أي الأجل الذي تعارفه الناس وساروا عليه. المادة (٨٦١) . والقانون يحفظ للطرفين حقهما بوضعه علامة تنير الطريق حسب عرف المكان فيقول: المادة (٨٦٢) : إجراء الخدمة وخدام المساكن وخدم المحلات العمومية والصناع والمباشرون لخدمة التجارة بالحوانيت والمخازن تكون خدمتهم في الخمسة عشر يومًا الأولى على وجه التجربة والاختبار بحيث يجوز لكل من المتعاقدين فسخ الاتفاق في أثنائها بدون غرم وإنما يلزم أجر الأجير عما خدمه، والإِعلام قبل الخروج كل ذلك ما لم يخالف اتفاق الطرفين أو عرف المكان. ولا ينسى القانون الاهتمام بحصول خلل في الوفاء وحدوث خسارة فيقول في: المادة (٨٦٥) : ... وعلى الحاكم أن ينظر في وجود الخسارة وأهمية الضرر بحسب نوع الخدمة وظروف الحال وعرف المكان. وإذا استأجر أحدهم شخصًا لصنع شيء فهل عليه إحضار الآلات اللازمة لذلك؟ القانون يجعل العادة محكمة فيقول في المادة: المادة (٨٦٨) : على أجير الصنع الآلات والأدوات اللازمة للصنع الذي استؤجر عليه ما لم يكن ذلك مخالفًا للعرف.

стр. 7729

٨- العرف في نقل الأشياء: جاءت المادة (٩٠١) قائلة: نقل الأشياء في المدة التي عينها المتعاقدان أو عرف التجارة. ٩- العرف والوديعة: الوديعة شيء منقول يتسلمه شخص من آخر بمقتضى عقد ليحفظه ويرده بعينه. المادة (٩٩٥) . فهل يستحق المستودع أجرًا عن هذا العمل والحفظ. تقول المادة (١٠٠٢) : "في شأن الوديعة أن لا يؤدى عليها أجر إلاَّ إذا اشترطه المستودع أو العرف". فالعرف محكم هنا والاعتماد عليه واجب من طرف المحاكم، وهذا ما أيدته المادة (١٠٢٨) في نفس المدونة. وكذلك المادة (١٠٣٧) . ١٠- العارية والعرف: استعارة الشيء تارة تكون لاستعماله وتارة تكون لاستهلاكه فالأولى العارية والثانية القرض. فإذا استعار أحدهم شيئًا على وجه العارية فمتى يرده؟ تجيب عن ذلك المادة (١٠٦٦) قائلة: إذا لم يعين أجل لرد العارية كان للمستعير أن لا يردها إلاَّ بعد انتفاعه بها حسب الاتفاق أو العرف. فإذا استعار أحدهم مثردًا آنية كبيرة يوضع بها الطعام عند اجتماع بمناسبة موت، فإنه يرده بمجرد انتهاء مراسم الاحتفال بالموت. وإذا استعار أحد مائدة لضيوف الزفاف فلا يمكن أن يطالب بإرجاعها قبل انتهاء المأدبة. ١١- آثار العرف في أحكام الوكالة: الوكيل يستحق أجرة بالاتفاق فإذا لم يوجد اتفاق فيستحق الأجرة "إذا جرت العادة بالمكان بإعطاء أجرة في مثل ما وكل فيه الوكيل". المادة (١١١٤) من المدونة المدنية. وما هو موضوع التوكيل الخاص وما هي مشمولاته؟ تجيب عن ذلك المادة (١١١٧) : التوكيل الخاص هو الذي يتعلق بنازلة أو نوازل مخصوصة أو الذي يقتصر على مأمورية مخصوصة، فلا يباشر الوكيل في ذلك إلاَّ النوازل أو الأعمال المعينة له مع ما يتعلق بها تعلقًا ضروريًّا بحسب العادة.

стр. 7730

ثم ما هو التوكيل العام وما هي حدوده التي يقف عندها وهل للعرف دخل في ذلك؟ تقول المادة (١١١٩) : "التوكيل العام هو إطلاق يد الوكيل في جميع أمور موكله أو التفويض له في أمر خاص. وله بمقتضى هذا التوكيل أن يفعل ما كان في مصلحة الموكل بحسب نوع النازلة وعرف التجارة". والقانون يجعل العرف حكمًا في أجل قيام الوكيل بواجب إعلام موكله تقول المادة (١١٣٥) : "إذا أتم الوكيل ما وكل عليه لزمه المبادرة بإعلام موكله بما فعله تفصيلًا حتى يمكن للموكل الاطلاع التام على فعله. وإذا تأخر الموكل عن الجواب بعدم بلوغ الخبر إليه تأخرًا زائدًا عما يقتضيه حال النازلة أو العرف فهو محمول على الموافقة ولو تجاوز الوكيل حدود وكالته". أما فيما يتعلق بواجب الموكل نحو وكيله فالعرف له دخل أيضًا. تقول المادة (١١٤١) : "على الموكل أن يمد موكله بالدراهم وغيرها مما يحتاج إليه لإتمام وكالته إلاَّ إذا اقتضى الاتفاق أو العادة خلافه". وفي شأن أجر الوكيل يتداخل العرف أيضًا حسب المادة (١١٤٣) "لا يستحق الوكيل الأجر إذا لم يتحقق ما وكل عليه إلاَّ إذا اقتضى خلاف هذه الصورة عرف التجارة أو عادة المكان". وإذا لم يقع الاتفاق على أجرة الوكيل عينه العرف. تقول المادة (١١٤٤) : "إذا لم يعين الأجر كان تعيينه بمقتضى عادة المكان الذي باشر فيه الوكيل وكالته". وإذا تجاوز الوكيل حدود وكالته، فذلك لا يلزم موكله إلاَّ إذا كان مما يتسامح فيه في التجارة أو في عرف المكان مكان العقد. المادة (١١٥٥) . وإذا تنازع الوكيل مع موكله وفسخ أحدهما الوكالة وحصلت خسارة، فالقانون يحكم عرف المكان. المادة (١١٧١) .

стр. 7731

١٢- وللعرف داخل في أحكام الشركات: كشركة القراض الفصول: (١٢٠٠) وما بعدها والشركة بوجه عام الفصل (١٢٩٣) ، وشركة الخماس المادة (١٣٨١) وهي مواد لها مساس بالقانون التجاري. ١٣- العرف في أحكام المساقاة: عرفت المادة (١٣٩٥) المساقاة بقولها: " المساقاة عقد تكليف شخص لآخر بتعاطي ما يلزم لخدمة شجر قد بلغ الإِطعام أو زرع قد ظهر إلى وقت اقتطاف الغلة أو جمع الصابة بجزء معين من ثمره – أي من نتاجه – والمباشر للخدمة يسمى العامل". فما هو هذا الجزء الراجع للعامل؟ للعرف دخل في تعيينه وتحديده حسب المادة (١٤٠٠) ونصها: "إذا خلا العقد من بيان حصة العامل حمل المتعاقدان على ما جرى به عرف المكان المغارسة والعرف: جاءت المادة (١٤١٦) بتعريف المغارسة قائلة: "إذا كان موضوع الشركة أشجارًا مثمرة أو نحوها من ذوات الدخل وتكلف الشريك العامل بغرسها في أرض شريكه على أن يكون له مناب شائع في الأرض والأشجار عند بلوغها إلى حد ملعوم أو حد الأثمار سمي العقد عقد مغارسة. فإذا أطعم الشجر وجاء إبان القسمة واتضح أن الطرفين غفلا عن تحديد مناب العامل فالعرف هو الحكم وعليه يجري العمل المادة (١٤٢١) . وهكذا وبعد هذه البسطة حول المواد القانونية المدنية التي أبرزت دور العرف – تطبيقيًّا – في حياة الناس الاجتماعية والتنظيمية وتعاملهم في حياتهم اليومية أبرزت دور العرف كمادة قانونية أقرها المقننون وخططوا لها ونظموا سيرها وهذَّبوا من أمرها. وهي مواد تعم أوجه الحياة العملية المدنية العاملة وتغطي الساحة الاجتماعية للتعامل بين الناس. بعد ذلك يمكن لنا أن نلاحظ امتداد جذور تلك المواد في حضارتنا الإِسلامية وتقاليدنا العربية وأنها مقتبسة في الغالب من الفقه الإِسلامي الذي كان المصدر الأول لما سنن وقنن في هذا الصدد. ويمكن أن يلاحظ الدارس المقارن وجه الشبه وعاملات الاقتباس في أجلى صورها. ولولا خشية الطول والملل لأبرزنا صورًا منها نضربها مثلًا تؤيد ذلك. ولربما فعلنا في وقت آجر إحقاقًا للحق وإظهارً للصدق.

стр. 7732

المجلة التجارية: نجد أن العادة والعرف لها أهمية كبرى في المسائل التجارية ضرورة أن مرد القانون التجاري إلى العادة والعرف. وقد أشارت المجلة التجارية التونسية بالرجوع إلى العرف التجاري في كثير من موادها. منها المادة (٥٩٧) ونصها: "جميع العقود التجارية خاضعة لأحكام هذا القانون، وإذا لم يوجد به نص فتكون خاضعة لمجلة الالتزامات والعقود وإلاَّ كانت متماشية مع أصول العرف التجارية". والمادة (٦٢٠) تقول: "إذا لم يكن هناك اتفاق أو عرف كانت أجرة السمسار على من كلفه". والمادة (٦٢١) جاءت ناصة: "إذا لم يتعين مقدار أجرة السمسار اتفاقًا أو عرفًا عين المجلس حسبما يراه أهل الخبرة ..." إلخ. أما في ميدان الأسرة فمجلة الأحوال الشخصية زاخرة بالمواد المشيرة إلى العرف وتطبيقه. وإتمامًا للفائدة نذكر كلمة حول الفرع الثاني للعرف وهو: فقه القضاء وأحكام المحاكم فالقضاء هو مجموع أحكام المحاكم القضائية الصادرة فيما يعرض عليها من خلافات ومنازعات. والفرق بين أحكام المحاكم وأراء الفقهاء هو أن مهمة الفقهاء وشراح القانون تفسير القانون ذاته والنص الموجود. وإذا طرأت حالة لم يكن لها نص فالفقهاء يجتهدون في استنباط حكمها قياسًا على القواعد القانونية الموضوعة لأمثالها. وأما أحكام المحاكم فهي تفحص الوقائع المعروضة عليها وتسير النصوص وتبحث خلالها عن المنطبق على ما بين يديها من أقضية ليكون القضاء والحكم يعتمد أساسًا صحيحًا من القانون المكتوب. فإذا لم يكن هناك نص ولم تجد المحكمة قانونًا واضحًا ينطبق على القضية المطروحة عليها فلها حينئذ حرية الاستنباط للقاعدة التي يمكن تطبيقها في نطاق روح القانون العامة واعتمادًا على الأسس القانونية والمبادئ والقواعد المعتمدة من المقنن. فالقضاء قد لا يعتبر مصدرًا رسميًّا للقاعدة القانونية إذا ما اقتصر دوره على تفسير القاعدة القانونية بإزالة الغموض عنها وإزاحة اللبس عن الاتفاق في حدود أحكام الفصل (٥١٣) وما بعده من المدونة المدنية التونسية في تفسير النص.

стр. 7733

فإذا لجأ إلى التفسير بمفهومه الواسع، فإنه يكون الحل ويبتدعه ويكون بذلك قاعدة قانونية قابلة للتطبيق والاتباع. ومن هنا فإنه يمكن أن يكون لفقه القضاء دور هام يجعله في منزلة مصادر القانون لكن في زاوية ضيقة جدًّا (١) . وإذا تواردت الأحكام القضائية وتكررت مع تعدد المحاكم في مادة معينة وموضوع بذاته، فإنها تسمو إلى مرتبة القواعد القانونية. ويحدث كثيرًا أن يضغط القضاء باتجاهاته المتعددة المتكررة في فقد مادة ما كانت مضادة لما يحدث بصفة عامة من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية فيضطر المقنن تحت وطأة وفرة هذه الأحكام وتكاثفها وتعدد مصادرها إلى تناول النص بالتغيير والتنقيح والشرح. ولا يفهم من وضوح قوة الأحكام ونفاذ مفعولها أنها بالغة قوة القانون نفسه. ومحكمة التعقيب – النقض والإبرام – خول لها القانون قوة إلزامية في فصل قضية معينة لكن لا على معنى إبدال أو تغيير النص القانوني أو الانحراف به عن معناه الواضح الصريح فهي تحاول توحيد الآراء والمفاهيم بين دوائرها طبق أحكام الفصل ١٩٢ منها. هذا ما أمكن اختصاره في هذا الموضوع ولا أحسب أني أطلت ومعذرة إن أنا فعلت وصفحًا وعفوًا إن أخطأت أو قصرت، ونرجو من الله التوفيق والغفران وحسن العاقبة والسلام. محمد شمام عفي عنه.

стр. 7734

العرف ودوره في عملية الاستنباط إعداد الشيخ محمد علي التسخيري بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تعريفه: ذكروا للعرف تعريفات نذكر منها: ما ذكره الجرجاني من أنه (ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطبائع بالقبول) . وعرفه الأستاذ علي حيدر من شرح المجلة بأنه (الأمر الذي يتقرر بالنفوس ويكون مقبولًا عند ذوي الطباع السليمة بتكراره المرة بعد المرة) . وحكى ابن عابدين الحنفي عن المستصفى أن العادة والعرف هي (ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول) . وغيرها إلا أنها تعاريف مبتلاة ببعض الإشكالات. ولعل أقرب التعاريف ما ذكره الأستاذ عبد الوهاب خلاف من أنه (ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك) ثم قال: ويسمى العادة. ولا داعى للدخول في النقض والإبرام لأنها تعاريف لفظية. ويفترق العرف عن الإجماع بأن الإجماع يعني الاتفاق السائد بينما يكفي في العرف سلوك الأكثرية وسيرة المجتمع. تقسيماته: أولًا: قسم تارة إلى العرف العام والعرف الخاص. أما العرف العام فيراد منه ما يشترك فيه غالبية البشر دون ملاحظة زمان أو مكان أو ثقافة أو مستوى يقرب بذلك من (بناء العقلاء) . ويمكننا أن نمثل له بالأمثلة التالية: (أ) بناؤهم على رجوع الجاهل للعالم. (ب) بناؤهم على عدم نقض اليقين بالشك. (ج) شيوع بعض الألفاظ بينهم إلى الحد الذي يقدم هذه العادة على المعنى الحقيقي للفظ - كما يقول ابن عابدين. (١) ويؤكد ذلك أيضا الشيخ الطوسي. (٢) .

стр. 7735

ويرى مؤلف كتاب (نظرية العرف) أن كثيرًا من الظواهر الاجتماعية المنتشرة في العالم تنظم في هذا القسم. (١) . العرف الخاص: وهو العرف المخصوص بحدود زمانية أو مكانية أو ثقافية معينة وتدخل هنا بعض المعاملات المتداولة في بعض الأعراف، وكذلك الألفاظ الخاصة بالبلدان، والعادات المحلية. ثانيًا: قسموه إلى العرف القولي والعرف العملي: أما القولي فيعطي الألفاظ عند العرف معان خاصة كإطلاق لفظ الولد عند بعضهم على خصوص الذكر، وأما العملي فهو ما يمارسونه بشكل عرفي وقد مثل له في (الأصول العامة) بشيوع البيوع المعاطاتية في بعض البيئات. (٢) . ثالثًا: قسموا العرف إلى الصحيح والفاسد: أما الصحيح: فهو ما ينطبق والموازين الشرعية كتعارفهم على تقديم بعض المهر. وأما الفاسد: فهو خلاف ذلك كتعارفهم على لعب القمار وشرب المسكرات وشيوع القوانين الوضعية. مجالات العرف: ذكروا للعرف مجالات أربعة هي: أولًا: ما يستكشف منه حكم شرعي فيما لا نص فيه مثل عقد الاستصناع ويتم الاستكشاف من خلال الامتداد بهذا العرف إلى زمان المعصوم ﵇ وإثبات إقراره لهذا العرف ويصبح بذلك سُنَّة عبر هذا الإقرار. ثانيًا: ما يرجع فيه لتشخيص بعض المفاهيم التي أوكل الشارع أمر تحديدها للعرف كلفظ (الإناء) و (الصعيد) و (القرء) مما أخذ موضوعًا في لسان الأدلة. وهذا الباب مهم جدًّا يكشف عن جانب من المرونة في الإسلام فمثلًا نجد أن مفاهيم (الغنى) و (الإسراف) و (التبذير) ترتبت عليها أحكام، ولكنها تختلف باختلاف الأزمة والأمكنة مما يجعلها ملائمة لتطورات المجتمع وتعقيداته وإمكاناته. وهكذا بالنسبة لمفاهيم أخرى كمفهوم (في سبيل الله) في مجال مصاريف الزكاة و (القوة) وغير ذلك.

стр. 7736

ثالثًا: ما يرجع فيه لاستكشاف مرادات المتكلمين عندما يطلقون الألفاظ ويدخل في هذا القسم ما يرجع للدلالات الالتزامية إذا كان منشأ الدلالة الملازمة العرفية كحكم الشارع مثلًا بطهارة الخمر إذا انقلب إلى خل الملازم عرفًا للحكم بطهارة جميع أطراف إنائه. رابعًا: ما يستكشف به ما يمكن الاحتجاج به وهو بناء العرف العام على الأخذ بالظواهر أو الأخذ بقول الثقة أي ما يستكشف به الحجة الأصولية. ويختلف هذا القسم الرابع عن القسم الأول بأن هذا يشير إلى الأصول المستكشفة بينما يركز الأول على الفروع الفقهية ويمكن جمعها تحت عنوان واحد فيقال ما يستكشف به الحجة أو الحكم الفرعي. هل العرف أصل قائم برأسه؟ إذا استعرضنا مجالات العرف الماضية وجدنا أنه لا يشكل أصلًا قائما برأسه في قبال الأصول الفهية الأخرى. فالمجالان الأول والرابع يرجعان إلى السنة عبر اعتمادهما على الإقرار والإمضاء الشرعي والسنة قامت على معقد العرف (أي الحجة أو الحكم) ولم تقم على العرف نفسه حتى نقول بحجية كل ما قام العرف عليه، وأما المجالان الآخران فهما يشخصان صغيرات السنة. ولكن يبدو من البعض اعتبار العرف دليلًا مستقلًا برأسه. قال ابن عابدين: واعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا فقالوا في الأصول في باب ما نترك به الحقيقة، تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة هكذا، ذكر فخر الإسلام انتهى كلام الأشباه وفي شرح الأشباه للبيري قال في المشرع: الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، وفي المبسوط: الثابت بالعرف كالثابت بالنص. (١) . ولا يمكن الشك في عدم صحة كونه أصلًا مستقلًا في الكشف عن واقع التشريع الإسلامي، لأن العرف يخطئ بلا شك ولا يعرف الكثير من المصالح والمفاسد الواقعية فليس له حجية مستقلة وإنما هو كما مر يكشف عن السنة إذا امتد إلى عصر المعصوم ولم يتم ردع عنه – وبتعبير آخر يبقى العرف دليلًا ظنيًّا وكاشفًا ناقصًا إلا أن يتم تتميم كشفه وسد نقصه بدليل آخر. والذي أعتقده أن مصطلح (الأصل) يستعمل استعمالات متنوعة وربما كان المراد هنا أن العرف قد يكون مرجعًا يحتاج إليه للوصول إلى الحكم لا أن يراد به كونه أصلًا في قبال أصول الفقه الأخرى، والشاهد على ذلك ما عبروا عنه بقولهم: (تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعبادة) وهم بذلك يشيرون إلى مجال استكشاف مراد المتكلمين.

стр. 7737

الأدلة على حجية العرف: والمقصود بها الأدلة على اعتباره أصلًا بذاته وهي متعددة: منها: ما استدل به بعض العلماء – كما ذكر ابن عادبين – من قوله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٩٩] ، باعتبار أن المراد بالعرف هو عادات الناس وممارستهم. إلا أن الآية كما هو ظاهر تشير إلى ما ارتكزت عليه النفوس والعقول من تصورات عن العدالة، وما عاد معروفًا لدى الجميع بالحسن وهو بعيد عن مسائل الأعراف حتى لو كانت عامة وأكثر التصاقًا بمسألة الفطرة المرتكزة في جميع النفوس، ولا أقل من الاحتمال فيبطل الاستدلال، وربما يؤيد هذا الاحتمال برواية صحيح البخاري عن عبد الله بن الزبير في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ قال: " ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس ". ومنها: رواية عبد الله بن مسعود ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)) وقد استدل به السرخسي في المبسوط وابن الهمام وقد أشكل على الرواية بأنها مقطوعة يحتمل أن تكون كلامًا، لابن مسعود لا رواية عن النبي صلى الله علية وسلم، وهذا ما أكده ابن عابدين حين نقل قول العلاء إذ قال: لم أجده مرفوعًا في شيء من كتب الحديث أصلًا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا عليه أخرجه الإمام. أحمد في مسنده. (١) . على أن الاستدلال هنا أضيق من المدعى فما أكثر الأعراف غير المعللة بالحسن ومع ذلك فالحديث يشير إلى صغريات حكم العقل أو الإجماع. ومنها: قولهم أن الشارع راعى الكثير من أعراف العرب واعتبر الإمام مالك عمل أهل المدينة إجماعًا كافيًا ودليلًا شرعيًّا عند عدم النص. والحقيقة أن ذلك لتوافق تلك الأعراف مع تعاليم الشارع وكشفها عنها لا غير لا لأنها مراجع أصلية يرجع إليها كمقررة للحكم الشرعي. ولم أجد أدلة قوية أخرى يعتمد عليها في البين. وخلاصة البحث: إن العرف ليس أصلًا من أصول الفقه وإنما يرجع إليه في بعض المجالات للكشف عن السنة أو تشخيص المرادات. الشيخ محمد علي التسخيري.

стр. 7738

العرف إعداد الدكتور أبو بكر دوكوري بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مباحث العرف: تشتمل هذه المباحث على الموضوعات التالية: ١- تعريف العرف – الفرق بين العرف والعادة – الفرق بين العرف والإجماع. ٢- تقسيمات العرف. ٣- حجية العرف ومذاهب العلماء في اعتباره. ٤- شروط اعتبار العرف وتحكيمه. العرف في الفقه: من عرف الشيء إذا علمه فهو عارف به وعريف وتدور مادة عرف على معان كثيرة جدًّا. أما العرف بضم العين فراء ساكنة فيطلق في اللغة على عدة معان كذلك منها: الجود واسم ما تبذله وتعطيه. وكذلك يطلق على موج البحر وعلى ما تعرفه النفس وتطمئن إليه، قال في اللسان " والعرف والعارفة والمعروف ضد المنكر وهو كل ما تعرفه النفس من الخير وتبسأ به وتطمئن إليه". (١) ، ولعل هذا المعنى للعرف هو الذي يتناسب مع معناه الاصلاحي. أما العرف في اصطلاح الفقهاء فقد عرفوه بتعريفات متقاربة فقال بعضهم: "هو ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول. وهذا التعريف اختاره الجرجاني. (٢) ، أما أبو زهرة فقد عرف العرف بأنه: ما اعتاده الناس من معاملات واستقامت عليه أمورهم. (٣) . وعرفه الشيخ خلاف، فقال: هو ما تعارف عليه الناس وصار عندهم شائعًا سواء كان في جميع البلدان أو بعضها قولًا كان أو فعلًا. (٤) .

стр. 7739

الفرق بين العرف والعادة: من العلماء من لم يفرق بين العرف والعادة، بل اعتبرهما مترادفين، قال ابن عابدين: "العادة والعرف بمعنى واحد". وقال خلاف: "والعرف والعادة في لسان الشرعيين لفظان مترادفان معناهما واحد". كما ورد من عطف أحدهما على الآخر كقول بعض الفقهاء هذا الحكم ثابت بدلالة العرف والعادة، إنما هو من باب تعاطف المترادفات لإفادة التأكيد إذ لا تفيد كلمة العادة معنى غير معنى العرف وممن ذهب إلى هذا الجرجاني. (١) . ومن العلماء من خص العرف بالقول، والعادة بالفعل نسبه بعضهم إلى البخاري في كشف الأسرار. (٢) . ومن العلماء من يرى أن الصلة بين العرف والعادة هي العموم والخصوص المطلق بمعنى أن العادة أعم مطلقًا من العرف إذ كل عرف عادة وليس كل عادة عرفًا. (٣) . الفرق بين العرف والإجماع: هناك شبه بين الإجماع والعرف وخاصة العرف العام، لذلك دأب بعض العلماء على ذكر فوارق بينهما من ذلك: أولًا: إن العرف يكفي في إثباته توافق غالب الناس على قول أو فعل بما فيهم العامة والخاصة. والإجماع لا يكون إلا من مجتهدي الأمة. ثانيًا: إن العرف لا يقدح فيه مخالفة البعض إذا اتفق عليه غالب الناس، أما الإجماع فإنه لا يتحقق إلا باتفاق جميع المجتهدين. ثالثًا: إن الحكم الثابت بالإجماع كالحكم الثابت بالنص، بل أقوى منه فلا مجال لتغييره، أما المستند إلى العرف فيتغير بتغير العرف. رابعًا: إن العرف قد يكون فاسدًا وذلك إذا خالف نصًّا شرعيًّا أو غير ذلك مما يجعله غير معتبر بخلاف الإجماع، فإنه لا يكون فاسدًا بأي حال من الأحوال لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة. (٤) .

стр. 7740

تقسيمات العرف: للعرف أقسام باعتبارات مختلفة: ينقسم العرف – قسمة أولى – إلى عرف قولي وعرف عملي، فالعرف القولي هو أن يتفق أهل العرف على أن يراد من اللفظ غير معناه الأصلي الذي وضع له اللفظ في اللغة بحيث يتبادر إلى الذهن ذلك المعنى عند سماعه، مثال ذلك: تعارف الناس على إطلاق لفظ الولد على الذكر دون الأنثى مع أنه لغة يشمل الاثنين بشهادة الآية القرآنية: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ . (١) . وكتعارفهم على إطلاق لفظ اللحم على غير السمك مع أنه موضوع لما يشمل السمك أيضًا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ . (٢) . والعرف العملي: هو ما جرى عليه الناس وتعارفوه في معاملاتهم وتصرفاتهم كتعارف الناس على البيع بالتعاطي دون صيغة لفظية لعقد البيع وتعارفهم على أن ما يدفعه الرجل لخطيبته يعتبر هدية لا يدخل في نطاق المهر. وينقسم العرف بنوعيه القولي والفعلي – قسمةً ثانية – إلى عرف عام وعرف خاص. فالعرف العام: هو ما تعارف عليه أهل البلاد جميعًا كتعارفهم على الاستصناع واستعمال لفظ الطلاق في إنهاء رابطة الزوجية. وهذا النوع من العرف يترك به القياس عند الحنفية ويخص به العام. والعرف الخاص: هو ما تعارف عليه أهل بلد معين أو طائفة معينة من الناس كتعارف التجار على إثبات الديون في دفاتر خاصة من غير إشهاد عليها واعتبار هذا حجة فيما بينهم، وهذا النوع من العرف ليس له قوة النوع الأول. وينقسم العرف باعتبار أنواعه المتقدمة – قسمة ثالثة – إلى عرف فاسد وعرف صحيح. فالعرف الفاسد ما كان مخالفًا لأدلة الشرع وأحكامه الثابتة التي لا تتغير كتعارف الناس على شرب الخمور والتعامل بالربا ولعب القمار وخروج المرأة إلى الأماكن العامة بدون حجاب وغير ذلك من الأمور التي حرمتها الشريعة لما يترتب عليها من المفاسد الدينية والاجتماعية. فمثل هذا العرف لا يعتد به ولا تبنى على مثله الأحكام لأن اعتباره إهمال لنصوص قاطعة واتباع للهوى وإبطال للشرائع ما جاءت لتقرير المفاسد، وإن تكاثر الآخذين بها يدعو إلى مقاوتها لا إلى الإقرار بها.
следующие страницы →