ولذلك ترى الثلة المؤمنة الموقنة القائمة بالحق والداعية إليه: "تتخذ القرآن منهجًا لها – كما قال البنا – تتلوه وتتدبره، وتقرؤه وتتفحصه، وتنادي به وتعمل له، وتنزل على حكمه، وتوجه أنظار الغافلين عنه من المسلمين وغير المسلمين". وتردد بين الناس فخورة معتزة معلنة: "نحن مسلمون وكفى ومنهاجنا منهاج رسول الله وكفى، وعقيدتنا مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله وكفى"، وقد اعتبر القائمون على هذا الأمر في الشرق الأقصى والشرق الأوسط وفي بلاد المغرب أنهم مهما اختلفت هيآتهم وأشكال عملهم وطرق المعالجة لقضاياهم سواء كانوا من المعتدلين أو من المتطرفين أنهم يحملون أمانة ويبلغون رسالة:
تتمثل في إخلاص الوجه لله والخضوع لإرادته في كل ما أمر به أو نهى عنه.
وفي الممارسة الشاملة للإسلام عبادة وقيادة، دينًا ودولة، روحانية وعملًا، صلاة وجهادًا، مصحفًا وسيفًا، فلا ينفك واحد من الأمرين عن الآخر.
وفي تنبيه الغافلين من الناس إلى ما في الإسلام من قيم وإلى وجوب عودة الإسلام إلى الحياة بعد غيبته الطويلة عنها.
وفي بناء الفرد المسلم والأسرة المسلمة والشعب المسلم والأمة المسلمة بناء يقوم على الاحتكام إلى شريعة الله لا إلى أي حكم سواها.
وفي تجهيز المؤمنين بقوة في الاعتقاد والتصور، وبقوة الخلق والتكوين النفسي، وبقوة التنظيم والبناء الجماعي، وقوة الصمود والتصدي، وقوة التغلب على جميع المعوقات.
وفي التضحية والبذل والجهاد وفي سبيل الحق، فما الوهن الذي أذل المسلمين إلا حب الدنيا وكراهية الموت.
وفي التناصر والتعاون والتكافل والتضامن وتقوية الروابط وتعزيزها بين الأقطار الإسلامية جميعًا وبخاصة العربية منها تمهيدًا للتفكير الجدي العملي في توحيدها وجمع كلمتها راية واحدة وجعلها وإن اختلفت بها المناطق والآفاق دولة متكاملة متلاحمة تعود بها الخلافة الضائعة.
ولو أتيح بلوغ هذه الأهداف الغالية بتربية الأمة وتغيير العرف العام وتزكية النفوس وتطهير الأرواح والقضاء على الأفكار والحلول المستوردة التي لا يقرها الإسلام لتغيرت الأرضية التي يمكن للإسلام أن ينطلق منها قويًّا مجددًا ليتبوأ مرة أخرى مكانته التي أرادها الله له في هذا العالم. وإن هذا كما قال الدكتور القرضاوي لرهين قيام مجتمع إسلامي توجهه عقائد الإسلام، وتحكمه شرائع الإسلام، وتقوده مفاهيم الإسلام، وتسوده أخلاق الإسلام، وتسيطر عليه تقاليد الإسلام، وتسري في كل جنباته روح الإسلام، ويصبغ كل شيء فيه بصبغة الإسلام: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ ٍ (١) . مجتمع عقيدة وفكر، مجتمع دعوة ورسالة، لا بد أن تتمثل في جميع نواحي حياته: روحية ومادية، فكرية وسلوكية، تربوية وثقافية، نفسية واجتماعية، اقتصادية وسياسية (٢) .
стр. 7807
وهذا الأمر العظيم الجليل الذي هو قوام الأمانة وموضوع الرسالة ليحتاج دون شكل إلى تضافر الجهود وإسهام كل الطاقات الفعالة في المجتمع الإسلامي.
فإن على الحكومة أو الحكومات الإسلامية أن تنهض بجزء كبير من أعبائه لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
وعلى الهيئات أن تسهم فيه بفعالية لأنها هي التي تتولى إصدار القوانين للناس فتلتزم فيها مراقبة الله ومراعاة مصالح المسلمين.
وعلى الأغنياء والسراة لما خولهم الله من قدرات على التمويل والإصلاح.
وعلى العلماء والطلبة المسلمين بما يدعون إليه ويلتزمون به فيرفعهم مقامًا عليًا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) .
السيادة والسلطة:
على أساس شمولية الدين الإسلامي للجانبين الروحي والزمني واقتضاء نظامه الجمع ين الدين والسياسة خلافًا لما لحق المجتمع المسيحي في ظل الثورات والأنظمة اللائكية من تصدع سببه الفلسفات المادية والتوترات الاجتماعية والنزعات الطبقية رفض دعاة الاتجاه الإسلامي وأعلام الصحوة في كل بلد عربي مسلم وفي سائر الأقطار الإسلامية الاستجابة للعلمانيين من قادة ومفكرين وساسة في أي شكل ظهروا وعلى أي وجه انقلبوا لافتضاح أمرهم وانكشاف مؤامراتهم ضد الإسلام والمسلمين. وهل العلمنة إلا قضاء على الإسلام كدين ومنهج حياة وتدخل في شؤون المسلمين بما يفسد عليهم عقيدتهم وحياتهم ويجعلهم في ديارهم غرباء لا يقدرون على ممارسة شعائرهم ولا على القيام بأدنى الواجبات من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفاظًا على كيانهم وصيانة لجماعتهم لأن في ذلك عند خصومهم تضييقًا للحريات وتدخلًا في الحياة الشخصية ومشاغبة وتعطيلًا لكل مظهر أو سبب من أسباب التطور والتقدم في نظرهم.
стр. 7808
هذا، ومن المسلم أن لكل جماعة الحق في اختيار من تؤمر عليها وتوكل إليه تصريف شؤونها وتدبير أحوالها. والأمة الإسلامية أو الشعوب الإسلامية من حقها أن تختار ولا يجوز أبدًا أن يفرض عليها من يحكمها لأن حاكم المسلمين – كما كان الخليفة – من أهم واجباته وأقدسها صيانة الدين والعقيدة والاجتهاد في تحقيق المصلحة العامة للأمة أو الجماعة التي يلي أمرها. ولذلك، فإن السلطة عند المسلمين لا تطلب لذاتها وإنما تطلب من أجل أنها الأداة الفعالة في سبيل الدعوة إلى الله ومن أجل الحفاظ على المجتمع الإسلامي سليمًا معافى متكافلًا ناميا متطورًا متقدمًا. وهل يتحقق ذلك مع القوميات أو الوطنيات؟ وهي مدعاة إلى تقسيم الأمة الواحدة إلى طوائف متباغضة متناحرة تحكمها مناهج وضعية أملتها الأهواء، وتفصل بين وحداتها حدود مصطنعة وأجناس متغايرة مفوتة عليها الأخوة في الله والمواطنة الصادقة النابعة من العقيدة المشتركة.
إن المسلمين لا يفرقون بين ملكية وجمهورية إذا كان الحاكم مسلمًا أمينًا تتوفر فيه شروط الإمامة التي نص عليها الفقهاء في كتب السياسة الشرعية كالماوردي في الأحكام السلطانية واختارته الأمة عن رضا وأسلمته مقاليد أمورها. ولكنهم يخلعون حكمه ويرفضونه إن كان ديكتاتوريًّا لأن النظام الإسلامي يقوم على الشورى والبيعة، وتقييد سلطة الحاكم والحق في عزله، والحكومة الإسلامية لا هي ثيوقراطية دينية، كما كانت تدعي الكنيسة أنها تستمد سلطتها من الله، لأنها تستمدها من الجماعة الإسلامية التي بايعتها ولا هي ديمقراطية لأن هذه وإن اتفقت مع الإسلامية في حرصها على تحقيق العدالة والحرية والمساواة، فإنها تختلف عنها من حيث عدم تقييد الحاكمين والمحكومين في تصرفاتهم وأعمالهم وعلاقاتهم بما أنزل الله.
وإنما هي نظام متميز تسوده الشورى لقوله جل وعلا لنبيه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١) . ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٢) .
وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٣) .
ويحفظه تقييد سلطة الحاكم خلافًا لما كان عليه الحكم المطلق الاستبدادي الذي لا حد له ولا قيد عليه والذي كان مهيمنًا في كثير من البلاد قبل الإسلام.
وهكذا بعد أن كانت علاقة الحاكمين والمحكومين تقوم على القوة البحتة أصبح أساسها في ظل الإسلام تحقيق المصلحة العامة لا قوة الحاكمين ولا ضعف المحكومين، وأعطيت الجماعة حق اختيار راعيها ووضعت لسلطة الحاكم حدود لا يتعداها، فإن تجاوزها كان عمله باطلًا وجاز للجماعة عزله. ومبدأ الحكم في الإسلام: الاستخلاف في الأرض لإقامة حكم الله فيها.
стр. 7809
ومن ثم كان للحكم الإسلامي القائم في أصوله على الاستقامة ومراقبة الذات والمحاسبة وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ما يحقق الأهداف منه وييسر على المجتمع الإسلامي نيل حقوقه وبلوغ عزته في ظل الإسلام وتعاليمه ونهجه ونظامه.
وللشريعة اعتبار مهم في حياة المسلمين لا يثني عنها انحراف المنحرفين ولا جحود الجاهلين وهي دستورهم الذي يحكم الأمة جميعها فيحمي مصالحها ويضع قواعد المعاملة بين أفرادها وهي النظام الإلهي الذي اختاره الله لها وتمت به النعمة عليها وهي وحي منزل من خالق العباد البصير بعباده لإقامة العدل بينهم لا يرقى إليها ما تواضع الناس عليه من الأحكام لثباتها ودوامها وسموها وكمالها ودرئها ما يغلب على أحكام الناس من نزعات وميول وشهوات وأهواء. وهي لكونها من الدين ولبابه قد فرض الشارع الاحتكام إليها. ومن خرج من هذا الحد يكون ظالمًا وفاسقًا وكافرًا بتصريح القرآن لكونها إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادًا لله. وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وقف أهواء النفوس وطلب منافعها العاجلة كيف كانت. وقد قال ربنا سبحانه: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ والأَرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ (١) .
وهي بحكم أصولها العامة وقواعدها الكلية قد هيأت للعلماء المحققين والفقهاء المبرزين الاجتهاد فيما لا نص فيه بحمل المسائل المستجدة والقضايا المحدثة على نظائرها على وفق ما يقتضيه روح التشريع وسماحة الدين ومقاصد الشريعة وأسرارها، تشهد لذلك هذه الحركة العجيبة، التي نلمسها في كل بلد إسلامي بمجالس الفتوى والمجالس العليا الإسلامية ومعاهد البحوث ومجامع الفقه، وإنها لحركة جد مباركة لأنها لا تخدم المسلمين وحدهم، بل تنير الطريق للفقهاء ولرجال القانون في العالم، وقد اعترف بفضلها المنصفون من قضاة الغرب وعلماء القانون مثل كوهلر الذي لم يتردد أن صدع بقوله: إن الشريعة الإسلامية لتحتوي على أحكام لم يصل إليها القانونيون الغربيون إلا بعد عشرة قرون (٢) .
واللقاءات الدراسية التي عقدت بلاهاي في السنوات ١٩٣٢م، ١٩٣٧م، ١٩٤٨م، وبباريس في أسبوع الفقه ١٩٥١م توصيات من أهمها: أن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة حقوقية تشريعية لا يمارى فيها، وإن اختلاف المذاهب الفقهية لينطوي على ثروة من المفاهيم والأصول الحقيقية هي مناط الإعجاب. وبها يتمكن الفقه الإسلامي من أن يستجيب لجميع مطالب الحياة والتوفيق بين حاجاتها، وإن التشريع الإسلامي يعد في طليعة المصادر الصالحة لسد حاجات التشريع الحديث (٣) .
стр. 7810
هذه صورة من الحرب المقنعة ضد الإسلام يتهجم فيها المبطلون والجهلة الضالون في القديم والحديث على عقيدة الإسلام ومصادر شريعته وتاريخه. وهي متناسقة بعضها مع بعض، رغم تطور الأزمان واختلاف الظروف، تستهدف أمرًا جللًا هو تغيير العقيدة والتحلل من كل القيود والقيم والمبادئ وإحداث الفوضى وزلزلة الكيان في المجتمع الإسلامي. ولكن المؤمنين لم يعدموا لا ماضيًّا ولا حاضرًا صوتًا مجلجلًا يقوم الله بالحجة ويدفع عن دين الله الباطل ويكشف عن أعمال المفسدين المحاربين: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ (١) .
الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة.
стр. 7811
الوثائق
تطبيق الشريعة
إعداد
الدكتور صالح بن حميد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله المتوحد بالعظمة والجلال المتعالي عن الأشباه والأفعال. أحمده سبحانه وأشركه من علينا بواسع الفضل وجزيل النوال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الخلق والأمر وله الحكم وهو الكبير المتعال، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله مصطفاه من خلقه، كتب الفلاح لمن اتبعه واحتكم إلى شرعه ففاز في الحال والمآل ﷺ وبارك عليه وعلى آله وصحبه خير صحب وآل التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فاتقوا الله أيها المؤمنون فبتقوى الله تزكو الأعمال وتنال الدرجات وارغبوا فيما عنده فبيده الخير وهو على كل شيء قدير. اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتعبوا من دونه أولياء.
أيها المؤمنون:
من حق هذه الأمة أمة الإسلام: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ أن تفخر بدينها وتعتز بتشريعها حيث توحدت به الصفوف وأتلفت به القلوب. أنقذها، من مهاوي الرذيلة إلى مشارف الفضيلة ونقلها من الذل والاستعباد والتبعية إلى العزة والكرامة وصحيح الحرية. دين الأمن والأمان وشريعة العدل والرحمة. دين أكمله الله فلن ينقص أبدا ورضيه فلن يسخط عليه أبدًا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ .
عباد الله:
شريعة الله هي المنهج الحق الذي يصون الإِنسانية من الزيغ ويجنبها مزالق الشر ونوازع الهوى شفاء الصدور وحياة النفوس ومعين العقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) ﴾ .
منبع الشريعة ومصدرها كتاب الله ﵎ وسنة نبيه محمد ﷺ .
كتاب الله أساس الدين ومصدر التشريع حجة الله على العالمين حوى أصول الشريعة وقواعدها في عقائدها وأخلاقها وحلالها وحرامها يضيء للأئمة مسالك الاستنباط في معرفة أحاكم الحوادث والمستجدات في كل زمان ومكان.
стр. 7812
(فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلاَّ في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها) ، كما قال الإِمام الشافعي ﵀، يقول الشاطبي: (الكتاب كل الشريعة وعمدة الملة وينبوع الحكمة وآية الرسالة ونور البصائر والأبصار، لا طريق إلى سواه ولا نجاة إلاَّ لمن استضاء بهداه) . اهـ.
يفتح مغاليق القلوب وتستنير به الأفئدة.
كتاب الله الحكيم فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينبكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم.
أما سنة المصطفى ﷺ في أقواله وأفعاله وتقريراته المعزة للقرآن الدالة عليه والمبينة لمجمله والمفصلة لأحكامه، فرضٌ اتباعها وحرام مخالفتها: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ , ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ , ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
أيها المؤمنون:
الإِسلام عقيدة وشريعة. إيمان بالله وتوحيد له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. عبودية تامة وخضوع مطلق ورضى بدين الله وتصديق برسول الله ﷺ من غير شك ولا ريب ولا حرج. التزام في المنهج والعمل في التعامل والقضاء والحكم والإِدارة في الأفراد والجماعات.
إن الإِسلام حياة تعبدية تجعل المسلم موصول القلب بربه يبتغي رضوانه في شؤونه كلها.
نظام خلقي يقوم على إشاعة الفضيلة واستئصال الرذيلة. نظام سياسي أساسه إقامة العدل وتثبيت دعائم الحق. نظام اجتماعي نواته الأسرة الصالحة وعماده التكافل بين أبناء المجتمع. دين عمل وإنتاج منهج كامل متكامل لكافة أنماط النشاط البشري على نور من الله ابتغاء مرضاة الله.
من هنا – أمة الإِسلام – فإن هذا الدين بأصوله ومبادئه وفَّى ويفي بحاجات البشرية في كل عصر ومصر، انتشر في أنحاء الدنيا ودخل تحت سلطانه أجناس البشر فوسع بمبادئه وقواعده كل ما امتد إليه نفوذه من أصقاع المعمورة، عالج كافة المشكلات على اختلاف البيئات وما عجز في يوم من الأيام عن أن يقدم لكل سؤال جوابًا ولكل واقعة فتوى ولكل قضية حكمًا. ومدونات الفقه والفتاوى برهان للمتشككين.
стр. 7813
وكيف يكون ذلك والشريعة – كما قال الحافظ ابن القيم ﵀:
(مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد عدل كلها رحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، وكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة) .
لقد كانت هذه الشريعة أساس الحكم والقضاء والفتيا في العالم الإِسلامي كله أكثر من ثلاثة عشر قرنًا انضوى تحت لوائها أعراق شتى وامتزجت بها بيئات متعددة فما ضاقت ذرعًا بجديد ولا قعدت عن الوفاء بمطلوب.
ولماذا نرجع إلى الماضي وبين يدينا ولله الحمد والمنة حجة قائمة وبرهان ظاهر، فهذه بلاد الحرمين الشريفين المملكة العربية السعودية قائمة على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ محكمة شرع الله قادتها وحكومتها وأهلها ومجتمعها يعيشون في ظلال الشريعة ونور الكتاب والسنة في أمن وطمأنينة وخير ونعمة ملء القلوب الرضى وما يرجى من الله خير وأبقى أدام الله علينا نعمه وزادنا إيمانًا وتوفيقًا ورضى وتسليمًا.
أيها الإخوة في الله:
إن من مقتضيات الإِيمان الإِقرار بحق التشريع لله وحده فالحكم لله وحده: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ، والتولي والإِعراض عن تحكيم شرع الله من مسالك المنافقين والظالمين: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (٥٠) ﴾ . ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ الآية.
أمة الإِسلام:
على الرغم من هذا الوضوح والجلاء إلاَّ أن أعداء الإِسلام أبوا إلاَّ وضع العراقيل وتلفيق التهم واختلاق الشبه حول الشريعة وشمولها وصلاحيتها، بل لقد استطاع الغزو الفكري أن يجعل من بعض المسلمين حتى المثقفين يستحيون أو يشمئزون من ذكر بعض شرائع الإِسلام كالحدود والقصاص والحجاب وكأنهم لا يرون مانعًا أن تكون ديار الإِسلام ميدانًا فسيحًا تنمو فيه الدنايا وسفاسف الأخلاق وموطنًا رحبًا يجد فيه المرجون والمتوحشون فرصًا للاعتداء والاغتيال – بل إنك ترى في بعض من يخوض فيها ويلوك أناسًا لا يعرفون الطريق إلى المساجد ولا يتورعون عن الموبقات والمزالق فتراهم يسرون أو يعلنون أن تحريم الخمر والزنا وقطع دابر اللصوصية والمفسدين تشدد وهمجية. أما سمعوا قول الله في المنافقين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ .
أيها الأخوة في الله:
ليس الإِيمان بالتحلي ولا بالتمني وليس الإِسلام مجرد الانتساب الاسمي ولكنه ما استيقن والقلب وصدقه العمل.
ومن هنا فحين يصدق المسلمون ويخلصون لدينهم فيجعلون كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ أساس الحكم وتبنى عليهما مناهج التربية والتوجيه حينئذٍ يتحقق الوعد ويتأكد التمكين وينزل النصر.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) ﴾ .
نفعني الله وإياكم بهدى كتابه وسنَّة نبيه محمد ﷺ .
الدكتور صالح بن حميد.
стр. 7814
مناقشة البحُوث
تطبيق الشريعة الإسلامية
الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سيدي الرئيس، السادة العلماء، الإخوة الزملاء.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا يخفاكم ما تعيشه أمتنا الإِسلامية في وقتنا الحاضر، من صحوة واسعة يشارك فيها سائر طبقات المجتمع الإِسلامي جميعهم، تتوحد اتجاهاتهم ومطالباتهم إلى تطبيق الشريعة الإِسلامية المطهرة بينهم في كافة شؤون الحياة دون استثناء، كانت هذه الطموحات والتطلعات في الماضي تصطدم بقوة المستعمرين الغاشمين، وتلك مرحلة تاريخية، مهما اشتدت وطأتها، فقد عرفت الأمة عدوها، وما كان متوقعًا من مستعمر أجنبي غير هذا، ويهون ذلك الماضي أمام واقع مؤلم، تسدد فيه الطعنات نحو الشريعة المطهرة، ويطالب بإبعادها ويحاربها على كل منبر وميدان فئة من أبنائها اتخذت العلمانية شعارًا، والجحود لمبادئ الدين دفاعًا.
وظلم ذوي القربى أشد غضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند
إن هذا الموضوع هو موضوع الساعة، وهاجس الأمة الذي يعيش في نفسها وفي بالها، ولأهمية هذا البحث وضع هذا الموضوع على جدول أعمال مجمعكم الفقهي الموقر. الأعمال المقدمة في هذا الموضوع ثلاثة:
الأول: بحث ضافٍ بعنوان: "مواجهة بين الشريعة والعلمنة".
الثاني: خطبة رصدها المجمع ألقاها إمام وخطيب المسجد الحرام.
الورقة الثالثة: بعنوان تطبيق الشريعة الإِسلامية "لعبد الوهاب أبو سليمان" وهنا استعرض في خطوط عريضة الموضوعات الرئيسية للبحث الأول، بعنوان "المواجهة بين الشريعة والعلمنة" من إعداد فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة، الأمين العام لمجمع الفقه الإِسلامي: جاء هذا البحث في تسع وعشرين صفحة، وهو بحث ضاف تناول جوانب موضوعية عديدة، ذات علاقة وثيقة بالموضوع كلَّه، وبجزئيات كل طرف فيه، ولا أعتقد أن تقديم هذا الموضوع بعرض خطوطه العريضة كافٍ لتقديم صورة كاملة عنه، أو إعطاء انطباع صادق عما حواه من أفكار ومبادئ وقيم ومناقشات علمية هادفة في تسلسل منطقي وعبارة جزلة، ولكنه الالتزام بامتثال الأمر، وكل هذا لا يغني عن قراءته وتأمله.
стр. 7815
اشتمل الموضوعُ البحث عن القضايا الرئيسية التالية:
أولًا: بيان طبيعة الإسلام وماهيته، وفي هذا يقول فضيلة الأستاذ الدكتور الباحث: فالإسلام ليس دين عبادة فحسب، ولكنه عقيدة وشريعة وسلوك على أساسها جميعًا بنى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة الفرد المسلم والجماعة المسلمة.
هذه العبارات هي القضية الحقيقية التي يدور حولها – لإثباتها – البحث بالأدلة والبراهين وبالمقولات، ثم يوضح أن المؤمنين يعلنون ولاءهم بصدق، وأنهم يتميزون عن الجاحدين بالولاء التام والإذعان الصادق لشريعة الله، وأن شعارهم ما وصفه القرآن عن سلفهم الصالح: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
ثانيًا: اقتباس الدولة العثمانية القوانين الأوروبية وأسباب هذا ونتائجه.
ثالثًا: تقويم الدارسين الأوروبيين لعدول الدولة العثمانية إلى القوانين الغربية.
ولا أرى بأسًا من قراءة جزء من هذه الاقتباسات، فقط للتذكير ببعض هذه المقولات، يستشهد فضيلة الأستاذ الدكتور الحبيب بمقولة الأستاذ الدكتور انكلهارد الدبلوماسي الغربي المعاصر في كتابه (تاريخ إصلاحات الدولة العثمانية) ، أن الحل الذي اختاره العلمانيون المتآمرون مع المستعمرين للقضاء على الإسلام في البلاد الإِسلامية هو التخلص التدريجي من الحدود والقيود الدينية للاحتزار من الحالات الموجبة لاشمئزاز الشعوب الإسلامية، ويحكم الغربيون أنفسهم على هذه التجربة التركية، بكل هزء وسخرية، فيقول رئيس معهد القانون في جامعة لندن أندرسون: "إن اقتباس تركيا للقانون السويسري وتطبيقه في بلادها أشبه ما يكون بارتداء القزم ثوبًا فضفاضًا"، وتعبر عن انطباعات الغربيين (مس: هنشف كلف) في قولها: "اقتباس الدولة العثمانية للقانون الفرنسي بدافع من الرغبة في رفع معنوياتها وهيبتها في عين الدول الغربية، التي نظرت إلى قانون العقوبات والقصاص، وقطع اليد والرجم، بكثير من الدهشة والاشمئزاز". ويعلق الأستاذ الدكتور الحبيب بن الخوجة على هذا بقوله: إن هذا لم يصرف كثيرًا من المثقفين ممن استولى الغزو الفكري على عقولهم وسيطر على ألبابهم عن طلب العدول عن هذا الانحراف الذي ضاعت به مقومات الأمة، ورابطة من روابط وحدتها وأساس ذاتي لشخصيتها.
стр. 7816
رابعًا: في الموضوع الرابع أو العنصر الرابع، يعلق الأستاذ الدكتور الحبيب على هذا، ويقول إن العلمانية لم يأخذوا درسًا من هذه الموافقة.
خامسًا: رصد فضيلته شُبَهَ العلمانيين القديمة والحديثة، وتتبعها بالتعقيب والرد عليها وإبطالها في تحليل وتفصيل، ووضح الآثار السيئة لكل دعوة ومقابلها من الحقائق في الشريعة الإِسلامية وفوائدها على المجتمع الإسلامي.
سادسًا: بعد الانتهاء من عرض ودراسة الموضوعات السابقة، بين أن الهدف من هذا، ومن هذه الدراسة والعرض، هو كشف المؤامرة المقنعة المستمرة ضد الإسلام من قبل هؤلاء العلمانيين.
سابعًا: وفي القسم الثاني من البحث يعدد شُبَهَ واتهامات المستشرقين ويجيب على كل واحدة واحدة بالنقض والإبطال شرحًا واستدلالًا.
ثامنًا: وتحت عنوان جانبي "العلمنة" يعرفها، ويكشف نوايا أصحابها، ومنهجهم وفلسفتهم، كما يكشف جوانب اللائكية قرينتها ومماثلتها، ويذكر ما يجب اتخاذه نحو هذه الدعوات المنتشرة، التي أفسح لها المجال كتابة وإذاعة وتلفزة وصحافة، ثم يقوم طالبًا تقويم أعمال هؤلاء، وتوضيح نتائج وآثار دعوتهم السيئة على المجتمع والأجيال.
تاسعًا: ذكر نقاط مشروع ممارسة العلمنة الإسلامية، وقد عرض نقاط هذا المشروع الثماني الرئيسية، وذكر مواجهته التي حدثت بينه وبين بعض أنصارها والداعين لها، وأن هؤلاء لا يكتمون تخوفهم من الصحوة الإسلامية.
عاشرًا: وتحت عنوان جانبي "الصحوة الإسلامية" قام الأستاذ الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة، بمقارنة علمية بينت الاتجاه الإسلامي، والاتجاه الإلحادي، كما وضح أسباب الصحوة الإسلامية، وبين أن خصومها يسمونها تارة فتنة وتارة ثورة.
الحادي عشر: وتحت عنوان "الدعوة إلى تحديد الذات" يدعو المسلمين إلى وجوب مراجعة النفس ومحاسبتها، ونقدها نقدًا ذاتيًّا ومراقبتها، ثم يبين طرق الخلاص والعزة، وأن ما احتواه الإسلام من معانٍ ومبادئ يغني عن الأخذ بالمذاهب الفكرية أيًّا كان نوعها، ثم تناول بالتفصيل نتائج الممارسة الشاملة للإسلام، وأن على كل فرد وهيئة وحكومة، وعالم وطالب علم، مسؤولية تجاه التبشير بالإسلام، والإعلان عن خصائصه، والمطالبة بتطبيقه، كل في موقعه ومن مكانه.
стр. 7817
الثاني عشر: وتحت عنوان " السيادة والسلطة" بين أسباب رفض دعاة الاتجاه الإِسلامي وأعلام الصحوة الإِسلامية استجابة العلمانيين، كما وضح حق الأمة في اختيار من يحكمها، لأن من أهم واجباته صيانة الدين والعقيدة، والاجتهاد في تحقيق المصلحة العامة للأمة، ولا يمكن أن يتحقق هذا مع الدعوة للقوميات والوطنيات، ثم ينتهي فضيلته أخيرًا إلى أن الحرب المستعرة تحتاج إلى صمود وإلى وقوف أمام هذه الحرب المقنعة ضد الإسلام، التي يتهجم فيها المبطلون والجهلة الضالون في القديم والحديث، على عقيدة الإِسلام ومصادر شريعته وتاريخه، وينتهي إلى القول بأن هذه دعوة متناسقة بعضها مع بعض، في القديم والحديث، رغم تطور الأزمان واختلاف الظروف تستهدف أمرًا جليلًا، هو تغيير العقيدة والتحلل من كل القيود والقيم والمبادئ، وإحداث الفوضى وزلزلة الكيان في المجتمع الإسلامي، ولكن المؤمنين لم يعدموا – لا ماضيًا ولا حاضرًا – صوتًا مجلجلًا يقوم لله بالحجة ويدفع عن دين الله الباطل، ويكشف عن أعمال المفسدين المخربين، هذه خلاصة مقتضبة وعرض سريع لما تضمنه هذا البحث الضافي.
أنتقلُ بعد هذا لعرض خطبة إمام المسجد الحرام، والتي في مفهومها ومضمونها وفحواها، تستثير مشاعر الأمة الإِسلامية لإنقاذ مجتمعها من مهاوي الرذيلة، وتطالب وتحاول ما بوسعها الطلب والمحاولة بالعودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، فدين الإسلام هو دين الأمن والأمان، وشريعة العدل والرحمة، ثم ذكر خصائص الشريعة الإسلامية، وما حواه كتابها من تفصيل ومن أحكام تضمن لهم العزة والسعادة.
أما الورقة الثالثة: فإن موضوعها تحدث أولًا عن ما فعله المستعمر من إقصاء الشريعة الإِسلامية عن مجال التطبيق، وكانت كما يقول: وكان اختياره للتشريع الإِسلامي كما نقول في المثل (ضربة معلم) ، فقد أحكم المستعمرون الحاقدون المؤامرة ابتداء بإلغاء العمل بالشريعة، وإلغاء الشريعة تعاملًا وقضاء حقق لهم أكثر مما كان يدور بخلدهم، تلك هي البداية التي أوصلتهم إلى أبعد من الهدف والغاية وحينما أقصى الشريعة عن العمل وعن المجتمع، فإنه لم يترك الأمة فراغًا، بل أحل محلها مبادئه الروحية، وتشريعاته الوضعية، وسلوكياته وقوانينه، حتى لا تنتبه إلى المؤامرة وحتى لا تشعر بالفراغ، وخَلصَ الحديث إلى أن الدرس الذي نعيه من ذلك الفصل التاريخي هو ثلاث أمور:
أولًا: إقصاء العمل بالشريعة تعاملًا وقضاء في المجتمعات الإِسلامية هو البداية التي تهاوت بعدها عقده، وتحطمت قيمه.
ثانيًا: إيجاد فئة من المثقفين متحمسة لقيم المستعمرين وقوانينهم، تتحدث بمنطقهم وتجادل بلسانهم.
ثالثًا: بث الشُّبه والشكوك بين المثقفين المسلمين، لزعزعة إيمانهم بصلاحية الشريعة وقدرتها على مواكبة الحضارة الحديثة.
وانطلاقًا من هذا الدرس فإن هذه الورقة تقدم مقترحات للبداية الصحيحة، فاقترحت العمل في ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: إصلاح التعليم الديني في معاهده ومؤسساته، والخروج به من أسر الطرق التلقينية، وحشد المعلومات التي تعتمد على الكم والحفظ والترديد دون وعي.
стр. 7818
ولا يتحقق الإصلاح في هذا المجال إلا بتحسس الدارسين للمعاني والحكم لتعاليم الشريعة، وتنمية ملكات الطلاب، وإثارة مواهبهم.
العمل في الاتجاه الثاني: هو الاعتراف والقناعة الكاملة بأن الفقه الإِسلامي نظام قانوني عظيم، وثروة فكرية ثرّة، ولكن تحتاج إلى صقل وحسن إخراج وفهرسة، ليسهل تناوله للمثقفين وللمتعلمين.
ثالثًا: وثالثة الأثافي لإِحكام خطة تطبيق الشريعة بين الشعوب الإِسلامية عن قناعة تامة، وفهم كامل، يكون بالقيام بدراسة علمية جادة لإزالة الشُّبه والشكوك في صحته وفاعليته، ومواكبته للتقدم الحضاري في العصر الحديث.
أيها السادة: تعليقًا على هذه الأوراق، كانت الآمال معلقة في تكوين هيئات متخصصة، تمتلك الإمكانيات المادية والطاقات الفكرية، لمواجهة تلك المخططات بتأنٍ وعقلانية، وعلى نفس المستوى من الإحكام كالذي فعله المستعمرون إن لم يكن أحكم وأضبط.
وتشاء إرادة المولى الذي تكفل بحفظ هذا الدين، وإظهاره على الدين كله، أن أصبحت الآمال أعمالًا بارزة، ومؤسسات شامخة، ومجامع فقهية وهيئات علمية هنا وهناك بتمويل مادي وتعضيد معنوي من الدول الإسلامية، صدقت وعدها ليتحقق التخطيط والتنفيذ، وهكذا تهيأت أسباب العمل الناجح.
والمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي أنجز في السنوات القليلة الماضية، الأبحاث والدراسات للموضوعات الفقهية الملحة، وخطط لمشروعات علمية فقهية ما يعد إنجازًا في فترة قياسية.
ومجمع الفقه الإِسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي، وقد اضطلع بهذه الأمانة الكبيرة وأثبت قدرته في هذا الميدان، بما تحقق على أيدي المسؤولين والأكفاء فيه، قادرة بمشيئة الله ثم بكفاءة نخبة الفقهاء المخلصين، أن يسد الفراغ القانوني في العالم الإِسلامي، بتأليف مدونة فقهية كاملة، في المعاملات والأحوال الشخصية والجنايات والمحاكمات، تلبي حاجة العصر، وتواكب التقدم الحضاري في تخطيط سليم، ومسار شرعي مستقيم، يسجل به إنجازًا تاريخيًّا على مستوى العالم الإِسلامي، كالذي تحقق بظهور مجلة الأحكام العدلية العثمانية، يجد فيه العالم الإِسلامي – حكومات وشعوبًا – بغيتهم، تقوم به الحجة على عامتهم وخاصتهم، فتقطع به اتهامات المبغضين، وتدحض به تبريرات المستسلمين المنهزمين.
ومما يعزز هذا المشروع ويعضده، أن يخصص جانب من نشاط هذا المجتمع المبارك، لتجميع كافة دراسات المستشرقين والقانونيين والباحثين في الفقه الإِسلامي، لدراستها وفحصها فحصًا علميًّا دقيقًا، للإفادة من نقدها، في سبيل إيجاد مدونة فقهية كاملة، ونقض ما يتخللها من نقائض ونقائص قد أُسيء فيها فهم الشريعة قصدًا أو بغير قصد، بمنطق واعتدال.
إن تعبئة الطاقات البشرية، والإمكانات المادية لهذين المشروعين المتكاملين، في المرحلة الجديدة القادمة، تعد خدمة جليلة في سبيل مساعدة الدول الإِسلامية، للحكم بما أنزل الله، وتطبيق الشريعة بصورة كاملة في جميع الجوانب التشريعية.
إذا تحقق هذا – بمشيئة الله – بالخطى والخطوات المطلوبة على مستوى العصر، فكرًا وتنظيمًا، فسيكون علامة بارزة في تاريخ هذا المجمع، وأمجاد هذا الجيل من الفقهاء والمفكرين، والدول الإِسلامية المعاصرة تحمده لهم الأجيال الحاضرة والقادمة.
وإن أمانة المجتمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي، بما هيأ الله لها من رئاسة وأمانة مخلصة يساندهم، ويقوي من أزرهم الفقهاء والمفكرون ورؤساء الدول الإِسلامية، جديرة بإنجاز هذه المهمات، وتحقيق الطموحات والتطلعات في سبيل إنجاز هدف سامٍ، وغاية نبيلة، وذلك هو بذل كل جهد من شأنه أن يساعد على تطبيق الشريعة لتعود للمجتمعات الإِسلامية فضائلها وتسترد بالاحتكام إليها عزتها وكرامتها، والله الموفق، وهو الهادي إلى الحق، وإلى الطريق المستقيم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 7819
الدكتور محمد عطا السيد:
الحمد لله رب العالمين، اللهم صلَِّ على محمد عبدك ورسولك.
كم كنت أود يا سيادة الرئيس أن لو أرسل هذا الموضوع مسبقًا عندما أعلنت المواضيع التي ستناقش في هذا المجمع، ولكنا أعددنا له عدة كبيرة، وما كتبت أنا شخصيًّا وما ركزت إلا على هذا الموضوع، ولكن على كل حال أحمد الله حمدًا كثيرًا أن أثير هذا الموضوع الآن، وجزى الله خيرًا كثيرًا من اقترحه ومن أدرجه للمناقشة، وأحب أن أذكر نفسي يا سيادة الرئيس وكل عضو من أعضاء هذا المجمع أن هذا يكاد يكون أهم موضوع أثير لهذا المجمع للنقاش، منذ أن بدأنا إلى يومنا هذا، ولذلك أذكر نفسي وأذكر كل عضو من أعضاء هذا المجمع، أن يولي هذا الموضوع كل أهمية، لأنه موضوع مصيري، هو موضوع أساسي وموضوع مستقبلي لنا مع الله تعالى، ولذلك أرجو أن يولى هذا الموضوع كل عناية وكل اهتمام من كل أعضاء المجمع وأن يخرجوا فيه بقرار واضح شافٍ كافٍ، للشعوب الإِسلامية ولحكام المسلمين فيما ينبغي العمل فيه في هذه المسألة، فجميع القرارات التي نناقشها الاقتصادية وتحديد النسل، وموضوع الجنين وما إلى ذلك، كل هذه الموضوعات تأتي تبعًا لهذا الأمر، ولذلك ما أراه إلا كالبند الأساسي في أي دستور، موضوع تطبيق الشريعة الإِسلامية هو البند الإساسي، ثم تأتي كل هذه المواضيع التي ناقشناها تبعًا لهذا الموضوع، ولذلك – يعني لا أملك – يعني كل لغة أستطيع أن أقولها في تأكيد أهمية هذا الموضوع وإيلائه كل أهمية وكل اهتمام من جانبنا – ونحن الآن – أنا الآن أمثل دولة تعاني معاناة شديدة، وتجاهد جهادًا مستمرًا في هذه المسألة، طائفة من المؤمنين وهبوا أنفسهم لله تعالى، يريدون إقرار شرع الله تعالى في دولتنا، ونجد مقاومة شديدة ومقاومة عنيفة من داخل بلادنا نفسها، ومن الخارج، وحربًا لا هوادة فيها في هذه المسألة، ولذلك أرجو أن نولي هذا الموضوع عناية كبيرة، واهتمامًا كبيرًا، ونصدر فيه قرارًا شافيًا كافيًا في هذه المسألة، هنالك مسائل: ليس الموضوع أن أي عضو من أعضاء هذا المجمع يناقش أننا نطبق الشريعة الإسلامية أو لا نطبق، وهذه المسألة من بلايانا الكبيرة في يومنا الحاضر، وأكبر مسألة بلينا بها أننا نعتقد في الله تعالى أنه هو المشرع الحكيم وأنه هو الخالق البارئ، وهو الحكيم العليم، ومع ذلك لا نطبق شريعته في بلادنا، أو على الأقل في كثير من بلاد المسلمين، ولذلك أرى أن هنالك مواضيع كثيرة يجب أن نناقشها، وهي مثلًا موضوع تطبيق الشريعة على غير المسلمين في البلاد الإِسلامية، هذا الموضوع الآن يثار في السودان إثارة عنيفة لمواجهة تطبيق الشريعة، جزء من السودان عدد كبير، أو نسبة معينة من المواطنين غير مسلمين، فهل نطبق عليهم الشريعة الإِسلامية أم لا؟ وأنا كما أعلم أن المذاهب الأربعة مجمعة على أن تطبيق حدود الشريعة الإِسلامية وتفصيلات الشريعة الإِسلامية كالقوانين الجنائية وما إلى ذلك، يجب أن تطبق على كل مواطن في البلاد الإِسلامية بغير استثناء، هذا ما أعلمه، ولذلك أرجو من المجمع أيضًا أن يبين في هذه التفصيلات بيانًا كافيًا شافيًا والله كما تعلمون، لا شك، يعني الآيات كثيرة وآيات محكمة. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ , ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ , ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ , ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ، ولذلك أرى يا سيدي الرئيس – هذه الكلمات التي قلتها على عجالة وعلى غير استعداد – أرى وأذكر نفسي والأعضاء أن يولوا هذا الموضوع غاية الأهمية، وأن يصدروا فيه قرارًا واضحًا شافيًا يبين لحكام المسلمين الذين لا يطبقون الشريعة الإِسلامية، وكذلك هذا قرار ينتظره كثير من شعوبنا الإِسلامية، ليسمعوا فيه رأي هذا المجمع. والسلام عليكم.
стр. 7820
الدكتور أحمد محمد جمال:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
أرجو أن يعذرني أصحاب الفضيلة، الذين قدموا الأبحاث الثلاثة تحت عنوان يغاير المضمون، العنوان هو (تطبيق الشريعة الإِسلامية) ، تصورت أن المضمون هو أن يطالب المجمع بتطبيق الشريعة الإِسلامية، يطالب الحكام وولاة الأمر، ويدلل على ذلك بالقرآن والسنة، فإذا بالموضوعات الثلاثة، تخلو من هذه الدعوة وهذا الطلب وهذا الوجوب، وإذا بها تبحث أو تطلب أن تقنن الشريعة الإِسلامية، يعني البحث الثالث الذي قدمه سعادة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان يطالب فيه تقريبًا بتقنين الشريعة، بتوضيحها، بإثبات قواعدها للشعوب الإسلامية، لكن التصور الأول كما قلت: إنه المطلوب هو تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد العربية والإِسلامية، لا بد أن يتضمن البحث المقدم للمجمع وجوب التطبيق قرآنًا وسنة، والاستدلال بالآيات القرآنية الواردة في ذلك، والأحاديث النبوية الواردة في ذلك، وأن تذكر معارضات الذين عارضوا في تطبيق الشريعة الإِسلامية في مصر، في السودان، في باكستان، الآن هناك نزاع وصراع كبير في مصر وفي السودان وفي باكستان، حيث بدأت الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإِسلامية في مصر، فقابلها العلمانيون بكتب ومؤلفات ومقالات، وانعقدت ندوات في مصر بين العلمانيين وبين الشرعيين، وكما ذكر الأستاذ عطا، في السودان الآن بدأ بتطبيق الشريعة أجزاء منها في عهد النميري، ثم ألغيت بما سمي قوانين سبتمبر، والآن يلقى المسلمون في السودان أو دعاة تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان مقاومة عنيفة من الوثنيين أو غير المسلمين، فأنا ما أتصور أن الأبحاث التي قدمت تخلو من الدعوة إلى إقامة الشريعة الإسلامية، الدعوة كما أوضحها الأستاذ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان – هي دعوة إلى تقنين الشريعة الإِسلامية، إلى تقعيد قواعدها، لكن نحن هنا فهمنا أن المطلوب أو المنتظر بحثه هو دعوة ولاة الأمر في المجتمعات الإِسلامية إلى ضرورة تطبيق الشريعة الإِسلامية، ويجب ألا ننتظر أن تطبق الشريعة الإسلامية على الشعوب، عن طريق الكتب والمؤلفات والمحاضرات والندوات والمجامع، إذا لم يطبق الرأس الشريعة الإِسلامية، لا ننتظر من الأعضاء تطبيق الشريعة الإِسلامية، فإذا كان للمجمع عمل منتظر – كا يرجو الأستاذ عطا في كلمته – إذا كان للمجمع عطاء منتظر، فهو الدعوة الصريحة لحكام المسلمين بتطبيق الشريعة الإِسلامية، والاستدلال على ذلك بالآيات القرآنية التي جاءت في سورة المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ , ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ , ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فالله هنا جمع الكفر والظلم والفسق على من لم يحكم بشريعته. وهناك آيات أخرى تعلمونها أيضًا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ، إلى آخر آيات كثيرة لا نحصيها في هذا التعليق الوجيز وأحاديث أخرى أيضًا وآراء للعلماء السابقين واللاحقين.
стр. 7821
الرئيس:
هذه ما فيها آراء يا شيخ.
الدكتور أحمد محمد جمال:
لا، فيه آراء، أمر ...
الرئيس:
أقول يعني معلومة من الضرورة بالإسلام.
الدكتور أحمد محمد جمال:
يا سيدي العزيز، لكن هناك معارضات أيضًا وهناك من كبار المفسرين القدامى، يفسرون هذه الآيات على أهل الكتاب، فلذلك أقول آراء معناه اتباع لما جاء في القرآن رأي، ومخالفة لما جاء في القرآن رأي، الإمام الطبري يقول: إن هذه الآيات نزلت في أهل الكتاب أي لا تطبق على المسلمين، وأنا رددت عليه في كتابي "القرآن أحكمت آياته". فهو رأيي طبعًا، أنا أرى أن تطبق الشريعة، غيري يرى ألا تطبق لأنها لا تصلح لهذا الزمن، فرأيي لا بد من رأي عالم يؤيد وعالم يعارض، وهذا الإِمام الطبري يقول: إن هذه الآيات التي في سورة المائدة، إنما هي خطاب لأهل الكتاب، ماذا تقول في هذا؟ إذن فلا تؤاخذني فيما قلت.
الرئيس:
لا ما في مؤاخذة.
الدكتور أحمد محمد جمال:
فأرجوكم أنا إنما أردت أن أقول: إن الأبحاث التي قدمت مع – الأسف الشديد – لا تدعو إلى تطبيق الشريعة، إنما تدعو إلى تقنينها وتقعيدها. فأضيف صوتي إلى صوت الأستاذ عطا السيد، بأن هذه القضية قائمة وظاهرة ومحل نزاع وصراع شديدين في المجتمعات الإِسلامية، فلا بد من إعطاء المجمع حكمًا فيها ودعوة إلى ولاة الأمر، وأرجو الله أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.
стр. 7822
الأمين العام:
بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أشكر لأخي الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان عرضه الدقيق الوجيز، وهو دقيق لأنه تناول العناصر وأحاط بها، وهو وجيز لأن الوقت لا يسمح بأكثر من هذا، وأشكر الأستاذ عطا السيد تأكيده على هذا الموضوع، الذي يقتضي منا موقفًا عمليًّا في هذا المجتمع الذي نعيشه، وفي هذه الفترة من حياتنا كأمة إسلامية، وأشكر للأستاذ أحمد جمال على هذه الملاحظات الطيبة، ولكني أدعوه قبل إصدار حكمه على الدراسات أن يقرأها، وهي كما ترون لم تصلنا إلاَّ الآن، وما كنا نتصور أننا سنتحدث عن هذا الموضوع الليلة، كان البرنامج أنه سيعرض بعد غد أو على الأكثر غدًا، فأنا أريد أن أطمئن أستاذنا أحمد جمال، إلى أن القضايا التي أشار إليها جميعها قد بحثناها وتعرضنا لها، وهي موجودة، ذكرنا المراحل التي مرت بها الأمة الإِسلامية، واحتكامها إلى كتاب الله وسنة رسوله، والتزامها بشريعتها، حين كانت الأمة الإِسلامية غير ممزقة بين عقيدة تؤمن بها وشريعة تتحلل منها، ثم رأينا أن نشير إلى التغير الجذري الذي وقع تدريجيًّا في مجتمعاتنا الإِسلامية، بسبب التدخل الأجنبي الذي حكم العالم الإِسلامي، وركز للقوانين الوضعية وجودها، حتى أصبح كل الناس منصرفين عن الشريعة الإِسلامية، ومحتكمين إلى هذه القوانين الوضعية، إلاَّ في مسائل معدودة، ثم ذكرنا هذه الحملة الشنيعة التي نجدها في بيوتنا، في دورنا، في أوطاننا، في كل رقعة من أراضي العالم الإِسلامي، ونجدها في أوروبا وفي أمريكا، وهي متظاهرة مع بعضها، تريد أن تقضي نهائيًّا على الفكر الإِسلامي وعلى التشريع الإِسلامي، على التشريع الإِسلامي في الدولة، وعلى التشريع الإِسلامي في القضايا العامة المدنية والجزائية والأحوال الشخصية وما إليها، هذه الحركة المدبرة كانت تعتمد آراء بعض المستشرقين مرة، وهم يجهلون الفقه الإِسلامي، وتعتمد السياسة التوجيهية الاستعمارية في البلاد الإِسلامية، والتي تدعو إلى التخلص من هذه الأشياء التي تريد باسم الدين أن تحكم كل شيء، وأقام العلمانيون منهجهم على التذكير بالفصل بين الدين والدولة، ويقولون: إن المسيحية تخلصت من هذه الأشياء، وأصبحت تكل إلى الناس ما يعنيهم، وتكل إلى اللاهوت ما يتصل به من عبادة فقط، ولذلك ينبغي أن نكون أحرارًا في حياتنا العملية، لا نخضع لما يأتينا من فوق، فوقع الردّ على كل هذه الاتهامات، وعلى كل هذه الاتجاهات، ووقع بيان خطرها على الإسلام وعلى المجتمع الإِسلامي، والرد على من يتهم الشريعة الإِسلامية بالجمود، وعلى من يتهمها بعدم مسايرة العصر ومواكبة المراحل الحضارية التي نعيشها، فالإطار الذي بحث فيه الموضوع – هو كما تفضلتم – دعوة صريحة إلى تطبيق الشريعة، ونريد من هذا أن ننتهي إلى قرار في الالتزام بأحكام الشريعة، كلنا يعلم بأن البلاد الإِسلامية المتعددة، بعضها يجعل في دستوره، القول بأن الحكم في هذه البلاد يستمد أصوله من الشريعة الإِسلامية، والآخر يقول: نحن نُحَكِّم الشريعة الإِسلامية، لكن في الواقع العملي لا تحكيم ولا استمداد ولا التفات إلى الشريعة الإِسلامية ولا إلى أصولها، فكيف الطريق إلى معالجة هذا؟ أنا أعتقد أن هناك مراحل ومشاكل عديدة، من أولها حالة الفكر عند المسلمين، حالة الفكر في المجتمعات الإِسلامية، الفكر عند الشباب اليوم، الشباب الذي انتزع منا، الذي وقع التغلب عليه بألوان الدعاية، بالجامعات الغربية، بالاتجاهات الفكرية الهدامة، في الحركات الهدامة التي كانت في الماضي هي أقل شرًّا من الحركات الهدامة الموجودة في عصرنا الحاضر. هذا يدعو إلى معالجة الوضع وإلى التنبيه على الأخطاء، لنرد شبابنا إلينا ومجتمعاتنا إلينا، ثم بعد ذلك نوصيهم بالطريق الذي ينبغي أن نسلكه، لتحقيق تطبيق هذه الشريعة، الذي ندعو إليه ونقرره كمجمع، هذه كلمة مختصرة ولعلكم سيدي تستطيعون بوقوفكم على البحث أن تجدوا بعض ما يتطلبه الوضع من عناية بمشاكل معينة. وشكرًا.
стр. 7823
الشيخ علي التسخيري:
بسم الله الرحمن الرحيم.
شكرًا سيدي الرئيس. أعتقد أن المتحدثين قبلي نابوا عن قلوبنا جميعًا، وتحدثوا عن شوقنا جميعًا لغد القرآن الحاكم في كل وجودنا الإِسلامي، والموضوع مهم وحبذا لو كنا أخبرنا به من قبل، إذن لصرفنا له كل طاقاتنا وهو أهل لذلك، الموضوع مهم في جوانب كثيرة. هناك موضوع على الصعيد النظري نتحدث فيه عن وضع الأمة الإِسلامية الطبيعي الذي يريده القرآن وخصائص هذه الأمة.
وهناك موضوع آخر، وهو دراسة الوضع القائم اليوم في عالمنا الإِسلامي، ومقارنة هذا الوضع بالصورة الإِسلامية الأصيلة، موضوع دراسة الشبهات التي تطرح أمام تطبيق الشريعة الإِسلامية، وادعاء أنها غير قابلة للتطبيق، وأنها إذا طبقت لا تفيد، وقد صرح بذلك بعض من ينتسبون إلى الإسلام كذبًا وزورًا.
ثم بعد ذلك هناك موضوع وضع الخطوات العملية الواقعية الصحيحة للسير إلى هذا الغد الأمثل، من مسألة تقديم الشريعة الإِسلامية وعرضها بشكل طبيعي وقانوني قابل للتطبيق، ومنها مسألة التخطيط لتطبيق نظام اقتصادي يتناسب مع الإِسلام، منها مسألة التخطيط لتطبيق النظام الأخلاقي الإِسلامي، هذه أمور تحتاج إلى دراسة يا سيدي الرئيس.
وأصل إلى النقطة المهمة: أنا أقترح على ضوء ما قلته من هذه الأمور، وعلى ضوء ما قاله إخوتي وسادتي أقترح، أن نؤجِّل هذا الموضوع إلى العام الآتي لنكتب فيه ويطرح بشكل علمي دقيق، أعلم أننا نحتاج إلى تطبيق الشريعة غدًا، اليوم، الآن. ولكن أعلم أن الأمر كبير يحتاج منا إلى مزيد من الاهتمام، وتخطيط دقيق وقرار حكيم مفيد وليكن مستمرًّا معنا في كل مجمع وشكرًا.
стр. 7824
الأمين العام:
اسمحوا لي، أريد أن أتدخل، لأبين سبب تحديد أو اقتراح هذا الموضوع الذي وقع إقراره بعد الجلسة الافتتاحية، والذي لم يكن لكم حضرات الإخوان سابق علم به، لماذا؟ كانت الموضوعات كما وصلتكم في المرة الأولى، تشتمل على قضية مهمة جدًّا هي قضية " الأسواق المالية " وكنا نظن أننا نستطيع أن نعقد الندوة الممهدة لدراسة الأسواق المالية، حتى تكونَ النتائج واضحة كما فعلنا بالنسبة لندوة " سندات المقارضة " التي أفدنا منها، حين اجتمعنا في الدورة السابقة، فلما تعطل هذا الموضوع، ونحن قد قررنا عشرة موضوعات، كانت هناك القضية التي يتحدث عنها الناس كلهم، وكانت الصحافة كما تفضل الأستاذ أحمد، في كل بلد حتى في السعودية في صحيفة الشرق الأوسط، تطالعنا من يوم إلى آخر، بما يكتبه العلمانيون وبما يرد به له كثير من الإخوان العلماء الملتزمين من المسلمين على هؤلاء العلمانيين، والقضية الأساسية هي قضية الشريعة، فأردنا أن نطرح هذه الفكرة، وأن نتخذ فيها قرارًا لا ينبغي أن يكون منفصلًا، وهو يقرر مبدأ، ولكن ليس معنى هذا أن الموضوع مقصور على هذه الدورة، ونحن في الدورات القادمة لا بد أن نعني بهذا الموضوع عناية كاملة، وعندما تتوافر الدراسات لا ينبغي – في اعتقادي – أن تكون الدراسات نقولًا، ولا اعتمادًا على كثير مما نؤمن به نحن من مسلمين وملتزمين، والقضية هي إقناع الضالين من إخواننا، وهدايتهم إلى الحقِّ، والقضية هي صرف هؤلاء الإخوان عن تهجمات وهيمنة التفكير العلماني الغربي، الذي يكاد يفصلهم عن مجتمعاتهم، ويجعلهم غرباء في ديارهم، أو يجعلنا نحن غرباء معهم في ديارنا، هذه هي القضية، ولذلك فإننا في كل دورةٍ – بإذن الله – يمكن أن نأخذ جانبًا من جوانب هذا الموضوع الهام، الذي يتصل بعقيدتنا وبكياننا وبحياتنا وبمعاملاتنا، وكما تفضل الأستاذ الدكتور عطا: الموضوعات التي نطرحها لماذا؟ لنعرف حكم الله في هذه القضية، وعندئذٍ فنحن نبحث عن تطبيق الشريعة في القضايا المستجدة، فلأن نكون مؤمنين بهذه القاعدة وهي تطبيق الشريعة الإِسلامية – والدعوة لها من باب أولى. وشكرًا لكم.
стр. 7825
الشيخ وهبة الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحقيقة كنت سأبادر إلى التحدث بما تحدث به فضيلة الأمين العام، فلا يصح بحال من الأحوال، أن نجعل هذا الموضوع مجال تأجيل على الأقل من حيث المبدأ، فتطبيق الشريعة أمر معروف وواجب وفرض، وأمر مقرر بداهة، ومن الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، فحينئذٍ ينبغي أن يكون لنا الآن صرخة واضحة وعالية ومدوية، لكل هذه الدول التي تنتسب إلى الإسلام دينًا وحكمًا وشرعًا، وإن قصرت في تطبيق أحكامه، ثم هناك رسائل التطبيق، فهناك لا بدّ أن يبحث هذا الموضوع من النواحي المختلفة في الإسلام والجوانب الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والجوانب التشريعية، فكلنا عندما نجادل الحكام في هذا الموضوع، يدّعون أين نظامكم الاقتصادي؟ أين نظامكم الاجتماعي؟ أين التقنين؟ التقنين الذي إلى الآن لم تقتنع بعض الدول العربية أو الإِسلامية، بضرورة تقديم بضاعة جاهزة، ومشروع كامل للقوانين المدنية والجنائية، في صورة ميسرة ومعبدة الطريق لتأخذ سبيلها إلى التطبيق، هم يتذرعون بهذه الذرائع الواهية لا شك، ولكن ينبغي أن نقطع دابر الاحتجاج بمثل هذه الذرائع... هذا شيء. الشيء الآخر طبعًا أرجو ألا يكون هذا الموضوع فيه إثارة حساسية، فهناك دول في هذه المنظمة ودول في هذا المجمع منبثقة من منظمةالمؤتمر الإِسلامي، لا أجد دولة من هذه الدول تقول بمبدأ الإِلحاد، فهناك فرق بين الإِلحاد والعلمانية، فالعلمانية هي مبدأ فصل الدين عن الدولة، أما الإِلحاد فلا أجد دولة لا عربية ولا إِسلامية تجاهر بمبدأ الإِلحاد، وإلا وَجَب شرعًا وجوبًا قاطعًا على أهل ذلك البلد أن يقتلعوا حاكم تلك الدولة من جذوره، إلاَّ أن يكون كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه نور وحجة وبرهان، فهناك أرجو ألا يثير هذا الموضوع حساسية، فلا نقرن الإِلحاد بالعلمنة، فهناك فرق، الشيء الذي أقترحه: أنه منذ عشر سنوات دعينا إلى جامعة الإِمام محمد بن سعود، وطرح هذا الموضوع طرحًا، وعرضت فيه دراسات وافية، واليوم منذ شهرين جدد الطلب في العام القادم في ربيع الآخر سيكون الموضوع، وقد وزع على مختلف العلماء في البلاد الإِسلامية لبحث موضوع "تطبيق الشريعة" من مختلف جوانبه، فأرجو من السادة القائمين على المجمع، أن يكون بينهم وبين جامعة الإِمام محمد بن سعود تنسيق في هذا الموضوع، لأن اليد يجب أن تتعاون مع الأيدي الأخرى، فلا نحن نصرخ في وادٍ وغيرنا في واد وكلها جهود جزئية مبعثرة – يجب أن تكون دائمًا – أثبتت الأحداث فشل المواجهات أو الجمعيات أو التكتلات الإسلامية، بسبب تفرقها وعدم إعلان كلمة واحدة لها أمام الدول.
وعندما يكون القرار نابعًا من الجامعات الإِسلامية، والمجامع الفقهية والمسلمين قاطبة، عندئذٍ لا بدَّ أن يفكر الحاكم بأن هناك قوة هائلة ينبغي أن يذعن لها يومًا ما، فالمطالبة ينبغي أن تنظم وتنسق، ويكون هناك دور بيننا وبين جامعة الإِمام محمد بن سعود، في الواقع دراسات عظيمة ومخطط لها من الآن تخطيط رائع، ينبغي أن تنسق هذه الجهود، ويكون للمجمع دور فيها وتطبع حينئذٍ هذه البحوث بشكل موحد بين الجامعة وبين المجمع. وشكرًا.
стр. 7826
الدكتور إبراهيم الغويل:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
هناك ثلاثة جوانب في هذه القضية يجب أن نفرق بينها.
الأول: أن موضوع " تطبيق الشريعة الإسلامية " وهو موضوع كما قال أخي الشيخ عطا الله والشيخ علي التسخيري، لو علمنا به – ولكن السيد معالي الأمين العام أوضح السبب – لكان الجميع قد اهتم به لأننا نعتبر أنه نقطة الأساس في هذا المجمع، والاهتمام به كان سيمكن من دراسات معمَّقة لمشاكل عملية واجهناها، فقد كان – من فضل الله علي – أن قضيت خمس سنوات في اللجنة العليا لتقنين الشريعة الإِسلامية في بلدي، وواجهتنا مشكلات التقنين، سواء في المجال الجنائي والحدود وما يتعلق بها، ومراجعة القانون المدني على ضوء الشريعة الإِسلامية ومراجعة القانون التجاري على ضوء الشريعة الإِسلامية وقانون المصارف الذي أشير إليه، فلم يفت فيه أحد بأن للدولة أن تعمل، إنما كان الأمر أمر التدرج في التطبيق، فمنع على مجال الأفراد والشركات الخاصة، ولكن بحكم العلاقات المعينة التي كانت تربط الدول الإسلامية، في ظل النظام العالمي الذي يفرض هيمنته عليها أرجئ هذا الأمر، ولكن لم يقل أحد بحليته، وأطمئن أخي الدكتور وهبة الزحيلي على ذلك لأنني عضو هذه اللجنة العليا، وأعرف ما دار فيها جيدًا، وفيما يتعلق بالربا، هذا جانب، ولا زلت أكرر أنه فعلًا قد لا نقول بالإِرجاء، ولكن يجب أن نقول بالاستمرار، الاستمرار في بحث هذا الموضوع، وأن يكون موضوعًا أساسيًّا للدعوة، الأمر الآخر يتعلق بما قدم من بحوث، قطعًا سيستغرب معالي الأمين العام أن أقول له أني اطلعت على بحثه، ولديَّ ملاحظات عديدة، طبعًا هو جهد، ومعالي الأمين العام ليس في مكان أن يثني عليه، ولكني كنت أتمنى أن يتم التوقف أمام كثير من الأفكار التي وردت في هذا البحث، فالتفرقة بين الشريعة والفقه، لا أعتقد أنه يمكن أن ينظر إليها بالصورة التي رأى بها معالي الأمين العام، وكأنها إحدى المحاولات للهجوم على الشريعة، فشريعة الله وما شَرَع الله من دين غير ما فهمه واستنبطه الفقهاء: باختلاف الزمان والمكان والظروف، المذهبية أيضًا والنظر إليها، لا يمكن أن ينظر إليه والقول بالموقف من المذهبية، أمر لا يمكن أن ينظر إليه بالصورة التي نظر إليها معالي الأمين العام، والأمر يحتاج إلى تفسير وتوسيع ومناقشات موسعة حول هذه القضايا، أيضًا النظر بالنسبة للعَلْمانية: للأسف ساد في العالم الإِسلامي تفسير العَلْمانِيّة، وذهب كثير من الناس إلى استعمال كلمة "العَلْمانِيّة": وهي في الواقع آتية من الاهتمام بهذا العالم فسميت العَلْمانِية وأراد الذين سموها أن يتلاعبوا بقربهم من كلمة العلمانية: يظن الناس أنها عِلمانية وأنها متصلة بالعالم، أصل كلمة "العلمانية" في الغرب هي "سيكيوار" (الآن وهذا العالم) ، وتهدف بالأصل إلى مواجهة ما كان في الرهبنة من الالتفات عن العالم الذي يعيشه الناس، ونفي التقديس عن مظاهر الطبيعة، أي اعتبار مظاهر الطبيعة مسخَّرة وليست هي عفاريت وجن وما إليها، ونفي القداسة أو العصمة على الأفراد الذين كانوا يدعونها في الحكم، وهي قد وصلت إلى الغرب من عين الحضارة الإِسلامية، ولكنهم ولم يؤمنوا بأنه "لا إله إلا الله" أرادوا أن يؤسسوها على (الاهتمام بالعالم والآن) فالعَلْمانية في أساسها وفي جذورها هي نبع الفكر الإِسلامي، ولكنها بحكم عدم اتصالها بكلمة "لا إله إلا الله" جرت، وحينما جاءت إلى الوطن العربي أراد من جاؤوا بها عن جهل – كما فعلوا في قضايا كثيرة – أن يربطوها بالعلم ويربطوها بمناقشة الدين، ولم يعرفوا أن الإسلام في حقيقته يؤكد أن للمسلمين حتى في دعائهم أن يقولوا: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
стр. 7827
الرئيس:
ممكن يا شيخ إبراهيم تذكر لنا سلفك في هذا التفسير للعلمانية من أهل العلم.
الدكتور إبراهيم الغويل:
في كتاب هارفي عن العلمانية.
الرئيس:
لا لا، أنا أقول من أهل العلم في الإسلام، من المسلمين.
الدكتور إبراهيم الغويل:
سيدي، أنا قلت لك: إنه حينما نقل الذين بشروا بالعَلْمانية إلى هذه الكلمة، اختاروا لها هذه التسمية، لكي يحدثوا التباسًا، وأرادوا أن يفسروها تفسيرات مخالفة.
الرئيس:
المهم الاصطلاح. المعنى المراد من هذا الاصطلاح على أرض العالم الإِسلامي.
الدكتور إبراهيم الغويل:
في العالم الإِسلامي في الوطن العربي حقيقة ...
الرئيس:
هل يراد أنها ترادف كلمة إسلام؟
الدكتور إبراهيم الغويل:
ولكن سبيل تجهيل الناس أن يبين لهم: أنهم حينما نقلوا عن هذا الفكر لم يعرفوا مصادره.
الرئيس:
لا، لا ما نستطيع يا شيخ إبراهيم. نحن نعني في أقل الأحوال أن العرف يقضي بالاصطلاح، هذا أقل الأحوال وأضعفها، فأصبح لفظ علمانية، تعني فصل العلم عن الدين، هؤلاء أولاد المسلمين في المدارس يعرفون هذا وينابذونه ولله الحمد، ولا زال في المسلمين خير إلى يومنا هذا.
الدكتور إبراهيم الغويل:
على العموم – سيدي – إذا أردتم أن تصطلحوا عليها بهذا الاصطلاح ...
الرئيس:
لا، ما اصطلحنا عليها. أبدًا.
الأمين العام:
يا سيدي، أنا في حديثي قد ذكرت شخصًا ولا أريد ...
الدكتور إبراهيم الغويل:
هذه النقطة التي كنت أريد ...
стр. 7828
الأمين العام:
لحظة. قد ذكرت شخصًا هو الداعية الأكبر للعلمنة على حد تعبيره، وقد ناقشه المسلمون في كل مكان، وظل شره مستطيرًا في كثير من البلاد العربية والجامعات الإِسلامية – أي القائمة في بلاد الإسلام – يدعو فيها صراحة إلى نبذ القرآن والتشكيك فيه.
الدكتور إبراهيم الغويل:
معالي الأمين العام، أنا ...
الأمين العام:
سامحني، أكمل جملتي. فهذا الرجل في كتابته وهو فرنسي عربي.
الدكتور إبراهيم الغويل:
أنا، جايه، جايه. هذا الرجل.
الأمين العام:
هذا الرجل الفرنسي العربي، هو الذي جعلت موضوع النقاش بيني وبينه، تعرض للعلمانية ففسرها بهذه التفاسير، فنحن نأخذ الكفر عن الكافر بمقولته، ونحدده على الصورة التي يريد أن يشيعها في الناس.
نحن لا نريد أن نلتمس له حجة نقول بها إن الإسلام فيه علمنة، هو ذهب يدعو إلى أن القرآن فيه عَلْمَنة.
الدكتور إبراهيم الغويل:
هذا الرجل أكثر من ذلك، هذا الرجل تبنى فكرة اللغة الميتية "الميتزم" الخرافية، واعتبر أنه يفسر بها كلمات القرآن، هذا الرجل بدأت قصته قبل أن يتولى هذا الموضع الأخير، حينما بدأ أول كتاب حول مفهوم ... وهو أمر يسود للأسف في الجامعات الإِسلامية وردده بعض علماء اللغة، علماء الاجتماع، والتفسيرات الاجتماعية للدين، فتبين مفهوم "الميتزم" أو مفهوم "الخرافة" في تتبع الألفاظ القرآنية.
الأمين العام:
موجود في البحث.
الدكتور إبراهيم الغويل:
وهذا الرجل بهذه القضية وأمثاله خطيرون، ولكن القضية أنا أتصور أن يحدد لها – كما أشار الشيخ على التسخيري – أن هناك عدة مجالات في قضية تطبيق الشريعة الإِسلامية، في مجال الفكرة والتمهيد الكفري، وخطورة الذين يتبنون أفكارًا محددةً، وأنتم أشرتم إلى الذين يتبنون آراء (فرويد) ، و (داروين) والذين يتبنون آراء (ماركس) ورؤى كثيرة في التاريخ، وفي الاجتماع وفي النفس، وأن يحدد لها جانبًا فيما يتعلق بالتشريعات، وأن يحدد لها جانبًا فيما يتعلق بجوانب مناهج التعليم والإطار العام للتعليم، فالقضية ضخمة وتحاج إلى مزيد ... أنا هذا الذي أقوله، ولكن فيه بعض النقاط تحتاج إلى وقفات يصحح فيها بعضنا البعض، والله يهدينا إلى سبيل الرشاد. وشكرًا.
стр. 7829
الدكتور عمر سليمان الأشقر:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أقترح على المجمع الكريم أن يجعل هذا الموضوع في دورة كاملة.
هذا الموضوع جدير أن يعطى وقتًا أكثر من الإِيجار المنتهي بالتمليك، ومن تحديد النسل وما أشبهه من موضوعات، وهذه الدعوة نابعة من رؤية فأنا قد قمت بدراسة فترة طويلة من الزمان، لأتتبع جذور هذا الموضوع، فتتبعت جذور القوانين الوضعية في الديار الإِسلامية قديمًا، منذ التتار وما قبل التتار، ثم وصلت إلى العصر – القرن الأخير – الذي ألغيت فيه الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، الذي هو بمثابة القانون الذي يحكم الديار الإِسلامية، وقد رأيت المؤامرة الكبرى من خلال التتبع لاستئصال المسلمين واستئصال دين المسلمين، نحن في سنة ١٩٨٨م، في سنة ١٨٨٨م ألغيت الشريعة الإِسلامية في مصر الإلغاء الأول كان في سنة ١٨٨٢م بعد دخول الإنجليز، ثم بعد أن طبقت جزئيًّا ألغيت كليًّا وثار الشعب المسلم في تلك الديار، ولكن السلطات والقوة أخضعت المسلمين لحكم الطاغوت، في سنة ١٩٢٣م قبل خمس وستين سنة ألغيت الشريعة الإسلامية في تركيا، وزال سلطان الإِسلام، وألغيت الحروف العربية، وألزم المسلمون بأن يضعوا (البرنيطة) فوق رؤوسهم، مآسي في هذه القضية أعلمها، عندما اجتمع وزير الخارجية التركي والوفد التركي بوزير الخارجية البريطاني في المفاوضات، كان أحد الشروط الرئيسية أن تلغوا الشريعة الإِسلامية، والقانون الإِسلامي، والخلافة الإِسلامية، ثم تتابع المسلسل في البلاد العربية التي كانت تخضع للشريعة الإِسلامية، لا أريد أن أستطرد في هذا، ثم تبينت المخطط الذي وضعه الكفار لإلغاء الشريعة، وقد تبين لي هذا المخطط، ودرست أبعاده، وكان يمثل إحدى عشرة خطوة بينتها في كتابي "الشريعة الإلهية" وليس هناك مجال لتفصيل هذه القضايا، لكن أرى أن هذا الموضوع، إما أن تخصص له دورة كاملة وإما كما اقترح بعض الإخوة، أن يجعل له مخطط متكامل، وفي كل دورة من الدورات يطرح موضوع أو يطرح موضوعان، فنستكمل على مدى الدورات القادمة، نستكمل خطوط هذا الموضوع، وشكرًا.
стр. 7830
الشيخ إبراهيم زيد الكيلاني:
بسم الله الرحمن الرحيم.
أحب أن أعلق أولًا على كلمة " العِلْمانية " أو "العَلْمانية" كما رآها الأخ الكريم، وأقول: إنها تؤدي إلى الإلحاد وتقضي إليه وتشترك معه في أمور كثيرة، من أخطرها إبعاد الدين كليًّا عن الحياة، عن التوجيه وعن التربية والتعليم، العَلْمانية تعني حياد الدولة، إنها ليست مع الدين وليست ضد الدين، فليس لأحد أن يقول: "إنني أريد أن أضع المناهج في التربية والتعليم على أسس إسلامية، وليس لأحد أن يقول: إنني أريد أن أعمق فكرة الإِيمان بالله واليوم الآخر في مؤسسات الدولة أو في المؤسسات الإِعلامية، لأن حياد الدولة يقتضي ألا تتدخل في أمر الدين، هذا الذي تمشي عليه الدول الغربية، وتمشي عليه الدول العربية، التي اتخذت العلمنة طريقًا لها، وأذكر على سبيل المثال أنه كان بيننا في الأردن، وبين دولة عربية شقيقة، صار خطوة لتوحيد المناهج، في فلسفة التربية والتعليم في الأردن العبارة التالية: "تنبثق فلسفة التربية والتعليم من الإِيمان بالله والقيم العليا للأمة العربية" فيها هذه العبارة، من وحي هذه العبارة مؤلف كتاب الطبيعيات للصفوف الابتدائية – كتب وأذكر للصف الرابع الابتدائي – خلق الله السمكة، خلق الله الشجرة، فقال له المؤلف العَلْماني أو العِلْماني: نحن لا توجد عندنا فكرة "الله" نحن لا نوافق أن نضع "خلق الله" قال له: يا أخي أنا فلسفة التربية عندي تقول: "خلق الله" قال: لا نحن لا نوافق عليها يجب أن تحذفها فصارت مشادة ومصارعة انتهت بأن بُني الفعل للمجهول، فقالوا: "خُلِقَتْ السمكة، وخلقتْ الشجرة" فالذين يدافعون عن العَلْمانية ويقولون: لا، ليست هي إلحادًا، هي تفضي إلى الإِلحاد وهي مظلة للإِلحاد، وهي مظلة للكفر وهي كفرٌ وضلال انتشرت في بلاد المسلمين تدريجيًّا لإِبعاد الإسلام عن الحياة، أحب أن أشير إلى نقطة ثانية: إلى دور كليات الحقوق في البلاد العربية والإِسلامية في العلمنة، وفي إبعاد الشريعة الإِسلامية عن الحياة، وما تتلقاه من مساعدات من الدول الغربية، القانون الفرنسي، والقانون السكسوني، كل كلية حقوق: هذا مختص في السكسوني، هذا مختص في الفرنسي، ويجدون دعمًا ومساعدات سخية لأجل تقويتها حتى لا تتصل الشريعة الإِسلامية وتعود إلى الحياة. النقطة الثالثة: التي أحب أن أشير إليها – وقد أشار إليها الأخ الأستاذ إبراهيم – أن تطبيق الشريعة أوسع من التطبيق القانوني، هو إعداد للأمة لتستقبل شريعة الله وتطبيقها بتسليم كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فتطبيق الشريعة الإِسلامية في باكستان، تطبيق الشريعة الإِسلامية في السودان، كان من الذين عارضوه المستغربون الذين تلقوا الدراسة في جامعات الغرب، وعشقوا مناهجه ومذاهبه، وما زالوا يعارضونه – الشريعة الإِسلامية التي كانت مطبقة في كثير من البلاد العربية من الذي حاربها؟ ومن الذي يحاربها؟ أبناء البلد العلمانيون الذين تربوا على أن العلمانية طريق الحياة، ولذلك إذا أردنا أن نعيد الشريعة الإِسلامية فلا بد أن نبدأ بالمناهج، بالكتب والتعليم، بالإِعلام لإِعداد الأمة إعدادًا يستقبل شريعة الله ويقتنع بها، وعلى سبيل المثال أذكر أنه عندما طبقت الشريعة الإِسلامية في السودان، تخصصت إذاعة لندن بمحاربتها وبرصدها، ويعرف إخواننا السودانيون ضغوط الدول الكبرى لإِبعادها، عندما أرادت سوريا أن تجعل قانونًا مدنيًّا مستمدًا من الفقه الإِسلامي بديلًا عن المجلة، كان انقلاب حسني الزعيم – الذي كما تعلمون وكما اعترفت أمريكا نفسها بأنه انقلاب أمريكي – الذي كان أول خطواته أو الخطوة الوحيدة التي عملها، أن ألغى خطوة تطبيق قانون مدني إسلامي، أو تشكيل لجنة لوضع قانون مدني مستمد من الفقه الإِسلامي، واستمدوا قانون مصر الفرنسي، مع العلم كان في تطبيقه طفرة هائلة لا يقبلها أهل القانون، ولكنهم وضعوه وطبقوه، ثم جاؤوا ليطبقوه في الأردن، وفي يوم وليلة: مجلس النواب الأردني أقر القانون السوري،.
стр. 7831
وعندما أرسلوه إلى مجلس النواب نقلوه نقلًا حرفيًّا ونسوا أن يحذفوا العبارة الأخيرة "وهو صدر عن قصرنا الجمهوري" فكان للعلماء دور هنا، كان للعلماء دور مجيد فعلًا، واستطاعوا أن يبعثوا في الشعب روح الإِيمان وروح الإِسلام، وطالبوا الحكومة، واستجاب ملك البلاد لهذه الرغبة، وأمر بتشكيل لجنة لوضع قانون مدني مستمد من الفقه الإِسلامي، وفعلًا وضع هذا القانون وطبق – والحمد لله – في الأردن، وعندما أرادت جامعة الدول العربية أن تضع قانونًا مدنيًّا عربيًّا مُوَحدًا للدول العربية، وجدوا في القانون المدني الأردني أساسًا وقاعدة ليمشوا عليها، وساروا واستطاعوا أن يؤصلوا هذا القانون ويضعوا النظرية العامة للالتزامات، ثم يؤصلونه، والأستاذ الكريم محمد ميكو الأمين العام لوزراء العدل العرب، من خير الأعضاء الذين يعون هذه المسألة ويواكبونها وهو أعرف بالمشكلات التي يجدها من العلمانيين، الذين يقفون في وجه الاستمرار في هذا العمل. ولذلك أرى أن نعرف الجهود التي قطعناها في السبيل وأن نعرف كيف ندعم بعضنا بعضًا. القانون المدني المصري الذي وضعه السنهوري مستمد من القانون الفرنسي وبعض القوانين الأجنبية، شرحه شرحًا وأصبح مسيطرًا في أكثر المنطقة العربية، بينما القانون المدني المستمد من الفقه الإِسلامي، حتى الآن لم يجد الشروح الواسعة، وكما ذكر الإِخوان مصادر الفقه الإِسلامي يصعب على كثير من القانونيين أن يرجعوا إليها، فلا بد من تيسيرها وتذليلها، ولكن ليس هذا الذي يعيق تطبيق الشريعة، الذي يعيق تطبيق الشريعة هي القوى العلمانية والماسونية والغربية، في بلاد المسلمين التي ترصد كل حركة تريد تطبيق الشريعة الإِسلامية وتحاول لتجهضها بالسرعة الممكنة وتنفر الناس منها، ومن هنا أرى أن تتكاتف الجهود لبعث الشريعة الإِسلامية، وأن يكون كل عالم في بلده داعية إلى الله ﵎، يعتبر نفسه جنديًّا من جنود الإِسلام، قبل أن يعتبر نفسه موظفًا يقبض الراتب، ويقف لتطبيق الشريعة الإِسلامية في بلده، والله قد أخذ العهد على العلماء أن يكونوا أنصار دينه وأن يكونوا المدافعين عن تطبيق شريعته، من الأشياء التي تعيق تطبيق الشريعة، وقد وجدت عقبات كثيرة في باكستان – كما أذكر – التعصب – المذهبي، ولذلك البعد عن التعصب المذهبي والاتصال بفقه الكتاب والسنة والمذاهب الإِسلامية، الثانية: مواكبة تطور الزمن وفهم الأحداث، وأهم الأمور: العزيمة الصادقة عند الشعوب، بإقناعها ودعوتها للقيام بواجبها، والعزيمة الصادقة عند الحكام، وأحب قبل ذلك – يحسن ونحن ندعو إلى تطبيق الشريعة – أن نرصد ونعرف القوى الكبرى التي تخشى من تطبيقها وأن نحاول جهدنا لنعمل على مواجهتها، وإقناع الناس بها، وتحقيق أهدافنا بحكمة وقوة وإقناع، والله المستعان، وشكرًا للأستاذ الكريم.
стр. 7832
الشيخ مصطفى العرجاوي:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وجميع العلماء الأفاضل ما عدا الزميل الأستاذ الدكتور عمر الأشقر، وأستاذنا الفاضل الدكتور إبراهيم الكيلاني، تكلم الجميع في الفروع، ما عداهما تكلما عن بعض جذور المشكلة، ما أصل المشكلة؟ أصل المشكلة يحلها ما نحن فيه الآن، عندما أراد أحد الحكام وضع قانون معين يحكم العلاقات التجارية، وهو بالتحديد محمد علي في مصر، طلب من العلماء أن يضعوا هذا القانون، فاحتكموا إلى المذهبية، هذا يريده مالكيًّا وأخر شافعيًّا وآخر حنفيًَّا وأخر حنبليًّا، فماذا صنع؟ جاء بالقانون كما هو من الغرب، وقال نضعه بصفة مؤقتة – في عام ١٨٣٠م – إلى أن تتفقوا على رأي، ثم بعد ذلك نطبق الشريعة الإِسلامية، وهذه هي البذرة الأولى لتطبيق النظم الغربية كاملة شاملة، الميلاد غير المشروع للقوانين الغربية في البلاد الإِسلامية، بداية جذور المشكلة المذهبية، عندما تقول لي هذا حرام ما هو الرد؟ أقول لك: أين الحلال؟ أعطني حلًّا، أريد حلًّا، معاملات الناس وحياة الناس لن تنتظر، والأحكام الشرعية مبثوثة وموزعة وتحتاج إلى تجميع، خصوصًا في نطاق المعاملات، والأمور الخلافية، إذا تم وضعها في نظام قانوني معتمد لرأي معين صارت مقرة ومطبقة، ثم بعد ذلك جذور المشكلة، بدأت بهذا القانون، ثم أخذت القوانين الأخرى تتسلل شيئًا فشيئًا، لماذا؟ أيضًا بسبب المذهبية، ومن الذي يقول أن الشريعة الإِسلامية في حاجة الآن إلى إعادة نظر فيها، لوضع قوانين ولوضع كذا أو كذا؟ القوانين موجودة والذين تحدثوا عن القانون الفرنسي، وقالوا إن القانون المدني الفرنسي هو قانون فرنسي، لو دققوا وراجعوا لوجدوا أن جذور هذا القانون مأخوذة من أين؟ مأخوذة من إسبانيا أي بلاد الأندلس، من بلاد الأندلس وبلاد الأندلس ماذا كان فيها؟ كان فيها الفقه المالكي، ولذلك بعض نصوص القانون المدني بدراسة وتحليل وتدقيق فيها نفس العبارات الموجودة في كتب الفقه المالكي، وكلها لا تتعارض مع الشريعة الإِسلامية في المعاملات، إلاَّ في باب الربا، وبعض الأبواب الأخرى المتعلقة بالمقامرة، وبعض الشروط الفاسدة، لو رفعنا هذا الفساد من داخل القانون لكان كما هو، كذلك أيضًا في مصر، الشريعة الإِسلامية منصوص عليها أنها المصدر الرئيسي للتشريع، واجتمع العلماء وبحثوا ودققوا، بل إن الكليات تطورت، صارت كلية الشريعة والقانون، بهدف ماذا؟ بهدف تطبيق الشريعة الإِسلامية، واكتمل القانون بصورة تامة، وذهب إلى مجلس الشعب ثم نام نومة كبرى، لكنه في الواقع موجود، القانون موجود، القانون الإِسلامي موجود، وكذلك أيضًا القانون الجنائي الموجود الآن، إذا طبقنا الحدود والقصاص ورفعنا ما يناقضهما، باقي العقوبات تعد تعازير، ما هو التعزير؟ التعزير عقوبة غير مقدرة شرعًا، متروكة للإِمام أو للمجتهدين، ثم بعد ذلك تصاغ وتوضع، فليست هناك مشكلة، المشكلة هي أن أولياء الأمور يخشون الحاكمية يخشون ماذا؟ إذا نجحت الشريعة الإِسلامية في الاقتصاد، ونجحت في المعاملات المالية، ونجحت في الجنايات، إذًا لا بد أن تطبق في الحكم، لماذا؟ - لأننا – أفنؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض؟ ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ؟.
стр. 7833
ولذلك تسعون في المائة من المشاكل التي طرحت علينا والموضوعات التي طرحت علينا، موضوعات غربية جاءتنا مستوردة، بعض الأفكار المستوردة، ونريد حلًّا، كأن الإسلام دين تبرير لا دين تدبير، هل الإسلام دين تبرير؟ يبرر؟ تأتينا المسائل لنبررها؟ نحلها أو نحرمها؟ نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، فأساس المشكلة – سيدي الرئيس – الأساس الأساس، هو عدم وجود هيئة علمية تعطي رأيًّا واضحًا وحكمًا واضحًا في قضية معينة، وكثرة الفتاوى الفردية التي في بعض الأحيان تعتمد بعض الآراء الداخلية، لكن الشريعة موجودة، بها القوانين ومنصوص عليها، في الدستور المصري: الشريعة الإِسلامية المصدر الرئيسي، قالوا: مصدر رئيسي، فاعترضنا قلنا: إنها كلمة ربما تكون أحد المصادر فوضعت لها الألف واللام "المصدر الرئيسي للتشريع" والآن محظور حظرًا تامًّا صدور أي قانون يخالف الدستور، لماذا؟ لأن بمعيارهم الدستور هو سيد القوانين، والدستور لا يلغى إلاَّ بدستور، إذن الشريعة الإِسلامية موجودة ولكنها معطلة. قانونها يحتاج فقط إلى العرض على مجلس الأمة، ليطبق، لكنه موجود، وشارك فيه كثيرٌ من العلماء ومواده القانونية موجودة، ومن الممكن أن نأتي بنسخة نعطيها إياكم ... موجود القانون ... القانون الإِسلامي موجود، وكذلك أيضًا في العقوبات، موجود القانون الإِسلامي لا يحتاج منا إلى شيء، أما أن نقول نعد الأمة الإِسلامية لاستقبال الإِسلام، هذا مستحيل، إنها فطرة الله، كيف نعدهم؟ أنمشي على هواهم؟ هذه مشكلة كبرى، يجب علينا أن نضع القواعد والقوانين، وجاء الإسلام ليحكم لا ليحكم عليه، وجاء ليسود لا يحكم عليه ولا يتحكم فيه، فهذه هي لب المشكلة، لب المشكلة وجذور المشكلة أن القوانين الغربية جاءت لماذا؟ لأن العلماء تمسكوا بمذاهبهم ولأن بعضهم لم يحاول أن يجتمع مع أخيه ويعطي رأيا مأخوذًا من روح الشريعة الإِسلامية، ومرحلة ثانية – يا سيدي – المرحلة الثانية الاستشراق: بدأ المستشرقون يشككون فكشفناهم، فماذا صنعوا؟ أخذوا من بيننا بعض الأفراد أنفقوا عليهم، لمعوهم وأظهروهم وملؤوا رؤوسهم بأفكارهم الخبيثة، فصاروا يطعنون على الشريعة، ويبحثون عن كل أمر فيه شذوذ، ويحاولون خلق الفتنة وعندما يظهر رأي غير شرعي تحتاج إلى الرد عليه، كيف ترد عليه إذا كانت وسائل الإِعلام في يد العلمانيين، وإذا كانت الصحف في أيدي من أغلبهم علمانيون؟ فماذا تصنع؟ كيف تُبَلَّغُ كلمتك للمسلمين؟ كيف تقول كلمة الحق؟ لأن العلماني بيده وسائل وبيده طرق، لذلك الشريعة الإِسلامية لا يمكن أن تؤجل، بل ينبغي علينا أن نحث جميع المسلمين وجميع حكام المسلمين أن يخرجوها، فهي موجودة، نصوصها موجودة وبحثت، يكفي أن القانون المدني في مصر أخذ سنوات حتى تم استقاؤه من الشريعة الإِسلامية، وكان ينبغي أن يصدق عليه، ولكنه لم يصدق عليه حتى الآن، لماذا؟ لا ندري! وعندما قال رئيس مجلس الشعب واكتفى: "إن القانون غير موجود"، احتجوا عليه. فقال: لم أعلم، فإذا كان رئيس المجلس لا يعلم. ما نقول وقد علم. فماذا تم لا شيء. لأني كما قلت لكم القضية منذ البداية نية مبيتة بعدم تطبيق الشريعة الإِسلامية، وما لا يدرك كله لا يترك جُلُّه، فعلى قدر الاستطاعة نطبق ما نستطيع، وشكرًا جزيلًا.
стр. 7834
الشيخ يوسف القرضاوي:
بسم الله الرحمن الرحيم. شَكَرَ الله للإخوة الكرام والأخ الأستاذ مصطفى.
أحببت أن أوضح بعض النقاط. من هذه النقاط: ما قيل من أن العلماء طلب إليهم أن يضعوا قانونًا مستمدًا من الشريعة الإِسلامية، فاختلفوا ولم يضعوا هذا القانون. هذا أمر ذكره المرحوم الشهيد عبد القادر عودة في رسالةٍٍ له اسمها " الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه"ولكن بالتتبع والبحث والاستقراء لم يوجد لهذا أي مصدر. أوَّلًا قيل: إنه في عهد محمد علي، والمعروف أن عهد محمد علي كانت فيه الشريعة الإِسلامية تطبق، الشريعة الإِسلامية ظلَّت في مصر تطبق إلى عهد إسماعيل، فالقضية تنسب إلى إسماعيل، هذه القضية، الحقيقة بعد التتبع لم يوجد لها إلاَّ مصدر واحد، هو أن العلامة الشيخ رشيد رضا – ﵀ – ذكر أنه كان قد قال له رافع ابن الشيخ رفاعة الطهطاوي، إن الخديوي إسماعيل ذكر له أنه طلب من بعض العلماء أن يجتمعوا ليضعوا قانونًا ولكنهم اختلفوا، هذا هو المصدر الوحيد لهذه القضية، يعني مصدر إذا نظرنا في سنده أو نظرنا في دلالته لا نعرف هل هذا صحيح؟ لأن الكلام كله منسوب إلى إسماعيل بهذا السند، وهل إسماعيل كان جادًّا حقيقة؟ وكيف طلب منهم؟ هل طلب واحدًا منهم أو اثنين؟ ولذلك لا ينبغي أن ننسب إلى علمائنا هذه القضية الكبيرة، بهذه السهولة دون أن توثق التوثيق الكافي، ولو صح أنهم أرادوا تطبيق الشريعة الإِسلامية – والأخ نفس كلامه يرد بعضه على بعض.
стр. 7835
لو أردوا أن يطبقوا الشريعة لوجدوا ألف وسيلة ووسيلة لتطبيقها ولتقنينها إن كان لا بد من التقنين، هذه واحدة، الأخرى: هي مسألة اتفاق القوانين الوضعية في معظمها مع الشريعة الإِسلامية، هذه قضية تذكر دائمًا، ونقول إن الاتفاق لا يكفي لأنه لا بد أولًا من تحديد المنطلقات، منطلقات الشريعة غير منطلقات القانون الوضعي، الفلسفة مختلفة، والدليل مختلف، وقطع النص القانوني عن مصدره الإِسلامي يجعله قانونًا وضعيًّا، لا يكون هناك قيمة ما لم يقل: إن هذا الأمر مستمد من كذا أو كذا، من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، ومما قاله الفقهاء وبناء على كذا حتى القوانين التي تبنى على المصالح المرسلة أو على سد الذرائع، يجب أن تؤصل تأصيلًا إِسلاميًّا وإلاَّ رفضت، هذا يعني لا بد من توضيح هذه المسألة، قضية أخرى: وهي قضية التدريج في تطبيق الشريعة، والذين يقولون إن الشريعة تطبق بالتدريج، طيب سلمنا بالتدريج، وبعضهم يقول: أتريدنا أن نطبق الشريعة فيما بين عشية وضحاها؟ طيب طبقوها بالتدريج، ولكن ما معنى التدريج؟ التدريج أن تكون هناك مراحل كل مرحلة تسلم إلى مرحلة، تريد أن نطبق الشريعة في خلال خمس سنوات أو عشر سنوات؟ إذن ضعوا خطة زمنية بحيث إنه بعد سنتين نخلص من القانون المدني، وبعد كذا نخلص من مناهج التربية، هذا معنى التدريج، إنما هؤلاء لا يريدون التدريج، يريدون التمويت، فنحن إذا سلمنا بالتدريج – وقد قال به مثل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الذي قال له ابنه الورع التقي عبد الملك: يا أبي ما لي أراك تتباطأ في إنفاذ الأمور؟ والله لا أبالي لو غلت بي وبك القدور في سبيل الله، فقال يا بني: إن الله ذم الخمر في آيتين ثم حرمها في الثالثة، وإني أخشى أن أدفع الناس إلى الحق جملة فيدعوه جملة، ولكن أما ترضى ألاَّ يمر على أبيك يوم إلاَّ وهو يميت فيه بدعة ويحيي سنة؟ - فهذا هو التدريج أن تمات كل يوم بدعة وتحيا سنة، أما أن يقولوا بالتدريج ولا يفعلون شيئًا وتمر السنين وراء السنين، وهم في موقعهم، فليس هذا من التدريج في شيء، المهم أيها الإخوة أن تكون هناك نية – فعلًا – صادقة للحياة حياة إسلامية، وهذا هو المراد من كلمة "تطبيق الشريعة"، ليس الجانب القانوني فقط، وليس جانب الحدود والعقوبات فقط، ولكن أن تحيا مجتمعاتنا حياة إِسلامية، حياة توجهها العقيدة الإِسلامية، وتضبطها الأخلاق الإِسلامية، وتحكمها التشريعات الإِسلامية، وهذا ما تريده، الأمة، وما يريده الله تعالى منها: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 7836
الشيخ طيب سلامة:
بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بلسان الثناء والشكر، أتوجه إلى هذا المجمع الكريم، لوضع الإِصبع على الداء، وهو أكبر داء، وكنت أستمع إلى حضراتكم وأنا أتخيل لو فتح على مجمعنا هذا جهاز التلفاز لالتهت الأكف في الدنيا وفي العالم الإِسلامي بالتصفيق، ولصفرَّت الوجوه القليلة التي عادت هذه الشريعة وتعاديها وهي مصرة على معاداتها، اسمحوا لي أن أعود إلى أصل الداء لأنني أعتقد أن الجسم إذا سكنته الجراثيم لا يبحث الطبيب عن تقويته قبل أن يبحث عن القضاء على الجراثيم الفتاكة التي تنخره من الداخل، وأقول: إن عملية تكريه العالم الإِسلامي في الإِسلام، هي عملية غربية، عملية عداء غربي، عملية عداء للإسلام قديمة ومعروفة، والصهيونية والتي نسميها الصهيونية العالمية الموجودة اليوم هي موجودة من عهد خيبر، وهي مستمرة، ثم انضافت إليها المسيحية بتخطيط من الصهيونية حتى تعضد جانبها، وبرزت الأمور في ميدان تطبيقي عملي إثر الحروب الصليبية، وكان ما كان مما انتاب الخلافة العثمانية، وبقي الصليب يحقد على الإسلام ولم يجدوا سبيلًا، فقاموا بحركة التبشير، وكنا نرى في القرى والمدن في البلاد الإِسلامية الآباء البيض يطوفون متظاهرين بالرحمة والإِشفاق على الصغار، كما أنهم أخذوا من أبناء البلاد الإسلامية شبابًا يربونهم على الطريقة التي يريدونها. أعطيناهم أبناءنا، ومكنَّاهم منهم، وبذلك كرهوا إليهم دينهم، وحببوا إليهم حياة المدنية، وأقنعوهم بطرقهم بأن الإسلام هو سبب تأخر المسلمين، ولو تخلى المسلمون عن إسلامهم، ولو انحصر – على الأقل – الإسلام في المساجد والجوامع كما فعلت المسيحية مع المسيحيين، لآل الأمر إلى تقدم، وإلى مماشاة المسلمين للعالم العصري المتقدم – وقد اقتنع الكثير – بأنه لا يجوز لنا إذا رمنا الخير لأطفالنا أن نحفظ القرآن، كما قال الغربيون، ونظرية تربوية عقيمة، نشروها فينا بدعوى أن الحفظ يقوي الحافظة، فتطغى الحافظة على الفكرة، وبذلك يصبح الطفل عندما يشب وعندما يصير كهلًا، لا شخصية له لأنه عبارة عن آلة حاكي لا تحسن شيئًا، والنتيجة رأيناها بالعكس، رأينا بالعكس أن جميع من حفظوا القرآن هم من العلماء العلام الأعلام السلف الصالح من علمائنا ما من واحد منهم في ترجمته إلاَّ وهو يحفظ القرآن زيادة على ما يحفظه من آلاف الأحاديث بأسانيدها، فكانت هذه الحافظة، التي هي منطلق التربية الإِسلامية، أصبحت عيبًا كما أراد الغرب أن يصوِّرها، هذه مثلًا صورة من الصور، وبذلك تعليمنا اليوم خالٍ أو أشد ما يتبرم منه الطلاب والتلاميذ أن تأمرهم بحفظ شيء، وزالت الكتاتيب، وحذفت الكتاتيب، بهذه الدعوة لأن الأمر تقليدي وأمر لا يمكن أن نبقى عليه في هذا العصر، وهكذا: ما أردت أن أقوله إخواني من غير أن أطيل، هو أن القضية قضية هامة جدًّا، والقضية تحتاج إلى عناية كبرى، ولكن تحتاج إلى إقناع شبابنا اليوم: الدعوات التي توجه إليهم باسم التكنولوجيا، وباسم جلب العلوم العصرية، باعتبار أن الحياة ما كانت تقوم إلاَّ على ما أوجدته الحياة العصرية من علوم مادية، اقتنعوا بهذا، وانصرفوا إلى هذه العلوم، وتخلوا عن دينهم وعن تعاليم دينهم، فأصبحنا نكون مديري المصارف والمهندسين، ولكن بدون ضمائر إسلامية، هذا الذي ينقصنا، وهذا الذي جعلنا في تخلف، ومهما تكن ثرواتنا – نحن ثرواتنا – والحمد لله – أغدق الله علينا من الثروات الشيء الكثير، ولكن ثرواتنا لم تنفعنا، العلم والتكنولوجيا قد أتينا بذلك، ولكن أيضًا لم نستفد من ذلك شيئًا ولا يتم نفع إلاَّ إذا قامت على القيم الإسلامية، وتعاليم الشريعة الإِسلامية، هذا ما أردت أن أقوله وشكرًا سيادة الرئيس.
стр. 7837
الرئيس:
شكرًا في الواقع بقي نحو عشرين متحدثًا، فهل ترون أن نستمر في هذه الكلمات ونعطي خمس دقائق فقط؟
مناقش:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بناء على ما تقدم من كلام الأساتذة الأفاضل ومن الضروري أن نوجد المناخ المناسب لتطبيق الشريعة الإِسلامية، في عالمنا العربي والإِسلامي، إذ أن من المعلوم أن تطبيق الشريعة الإِسلامية أمر معروف من الدين بالضرورة – كما تفضل الأساتذة الأفاضل – فأرى – وكما يقال خير البر عاجله – أن تؤلف لجنة من هذا المؤتمر الكريم، لوضع خطة لبحث المواضيع المناسبة، لإِيجاد الوسائل الكفيلة بتطبيق الشريعة الإِسلامية، أو نقول الوسائل الكفيلة بإيجاد المناخ المناسب، لتطبيق الشريعة الإِسلامية، وشكرًا.
الرئيس:
هل ترون أن نكتفي بهذا، أم بقية الكلمات؟
بعض المناقشين:
لا نوافق على هذا، نعترض.
الرئيس:
إذن لو رأيتم أن يتنازل البعض للآخر، لأن عشرين متحدثًا، والوقت عندنا ما بقي الآن إلاَّ عشرون دقيقة، أمر ليس في الإِمكان.
مناقش:
كان من الممكن تدبير الوقت منذ البداية وتقسيمه على الراغبين في الحديث.
الرئيس:
الآن حصل شيء من الخطابة وطالت وطولت، والله نحن سبق أن نبهنا في مرتين وثلاث وأربع، يعني ما فيه داع للإِكثار.
مناقش:
دقيقتين لكل متكلم.
الرئيس:
لا: خمس دقائق، ممكن؟ بس خلاص نمضي يا شيخ.
стр. 7838
الأستاذ يوسف محمود القاسم:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله.
هذا الموضوع في غاية الأهمية، وفي غاية الخطورة، وشكرًا للعلماء الأفاضل الذين كتبوا في هذا الموضوع، وشكرًا للأخ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان الذي عرض عرضًا وافيًا للأبحاث الثلاثة.
القضية – قضية تطبيق الشريعة – تعتبر هي كل شيء بالنسبة لمجمع الفقه الإِسلامي، فلا بد أن تأخذ العناية اللائقة بخطورة هذا الموضوع.
فكرة التدوين أو التقنين، التي أشار إليها الأخ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان فكرة جيدة لكنها في الواقع فكرة جانبية تتخذ أو اتخذت فعلًا سبيلًا للمرواغة في تطبيق الشريعة الإِسلامية، فالتقنين قائم: مشروعات خاصة قدمت لمجلس الشعب المصري، تزيد عن عشرة مشروعات في السبعينات، ثم مشروع محكمة النقض المصرية – قدم سنة ١٩٧٥م – ثم مشروعات لجان مجلس الشعب الكاملة المتكاملة، في كل فرع من فروع القانون (في المدني، في الجنائي، في المرافعات، في التجاري، في البحري) في كل فرع من فروع القانون، وضعت القوانين الإِسلامية الكاملة المتكاملة، وليست فقط مجرد النصوص، بل والمذكرات التفسيرية الخاصة بكل مادة، حتى لا يقال إن القاضي الذي يدرس الحقوق، كيف يطبق الشريعة وهو لا يعلم منها شيئًا؟ وضعت له المذكرة التفسيرية، لتبين له مصدر كل مادة من أي مذهب من المذاهب الفقهية على اختلافها، هذا كله فضلًا عن مشروعات الأزهر الشريف، لدرجة أن أعضاء هذا المجلس الموقر يندهشون عندما يعلمون أن مجمع البحوث الإِسلامية وضع مشروعات قوانين في كل فرع من فروع القانون مأخوذة من كل مذهب، نقول القانون المدني الإِسلامي من المذهب المالكي، نصوص كاملة متكاملة خاصة، القانون المدني الإِسلامي من المذهب الحنفي، نصوص كاملة متكاملة خاصة، يقول له: ربما بعض البلاد الإِسلامية يريد أن يطبق المذهب المالكي، فلنضع له قانونًا، ولا تزال هذه القوانين قائمة وموجودة وينسخ كثيرة جدًّا، أيضًا مجمع البحوث الإِسلامية، دخل في مجال تنقية القوانين، فوضع مشروعًا يسمي "تنقية القوانين" حتى لا يدع حجة لأي متحجج مبطل، لأنه حينما قيل: إننا نكتفي بالقوانين القائمة، وننقيها مما يخالف الشريعة، وضعت مشروعات بهذه الموضوعات، أحد الزملاء الأفاضل – العلماء الكبار الذي تكلموا – أشار إلى الآيات الكريمة الواردة في سورة المائدة وأنها نزلت في حق أهل الكتاب، في الواقع هذا حق، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ , ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ , ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ، هذه نزلت في حق أهل الكتاب، لكن الآية التي بعدها والآيات التالية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ، ثم يقول سبحانه في الآية التالية: ﴿وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ واحْذَرْهُمْ أن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ فَإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وإنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .
стр. 7839
ما أشار إليه الزميل الأخ الدكتور مصطفى، مما قيل من أن محمد علي جمع العلماء، وهم تنازعوا فكرًا مذهبيًّا، هذا باطل لا أساس له كما أشار الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي، هذا في الواقع لا أساس له، بل يثبت النقيض، لأن علماء مصر بل العلماء في كل الدنيا أحرص الناس على تطبيق شرع الله ، ولم يثبت هذا على الإِطلاق، ولا أساس له مطلقًا، وإنما الاستعمار الغربي، اختار هذا الرجل ليكون الخطوة الأولى في تغيير المنهج، بعد فشل الحملة الفرنسية، أعداء الإسلام فكروا أن الحلول العسكرية والمواجهة العسكرية بينهم وبين الإسلام لن تجدي، ففكروا في الدهاء والخبث، فاختير رجل معين، وكان أول ما عمله، ينزع قاعدة إسلامية ويضع محلها قاعدة من القانون الفرنسي دون أن يعلن بين العلماء هذا، إلى أن جاء عهد إسماعيل كما أشار الأخ الدكتور يوسف القرضاوي، في الواقع إسماعيل غير مُبَرّأ، شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا.
стр. 7840
الشيخ خليل محيي الدين الميس:
بسم الله الرحمن الرحيم.
مؤتمركم الكريم له عنوان " منظمة المؤتمر الإِسلامي "، نحن مفوضون قانونًا ودينًا بهذه المهمة الكبيرة، فإذن مؤتمر وزراء الخارجية الدول الإِسلامية، طبعًا عندما أصدروا هذا القرار لم يكن في ذهنهم أحكام الوضوء وهي هامة، إنما كان في ذهنهم كيف نعيش مسلمين قانونًا وحياة كاملة، فإذن هذا الموضوع هو صلب مهام المؤتمر، نرجو، لا نقول أن نخرج بقرار توصية، ولكن أن تشكل لجنة لوضع خطة مرحلية – أظن لا يكون الجواب في مؤتمر واحد – على مراحل متعددة، كيف نمهد لهذه الفكرة بأبحاث موزعة ومدروسة. وشكرًا.
الدكتور طه جابر العلواني:
بسم الله الرحمن الرحيم.
هذه الموجة العاطفية العارمة، التي قوبل بها هذان البحثان وخطبة إمام الحرم، موجة تدل على مدى تعلق هذه الأمة بشريعتها والحمد لله، ولكن الذي أود أن أشير إليه وأنبه الأذهان له، أن الصراع بين أعداء الإسلام والمسلمين قد أخذ أطوارًا عديدة منذ البداية، وقد كان الصراع الفكري الحلقة الأهم والأخطر، والثغرة الكبرى التي أتي المسلمون منها، ففي القديم استدرج العقل المسلم إلى متاهات التأويل ودهاليز الباطنية، التي شوهت العقيدة السليمة النقية، وحولت الفقه الإِسلامي من علم يضبط حياة المسلمين بضوابط الشريعة، ويمد ظل حاكمية الله جل شأنه على سائر شجون وشؤون الحياة، إلى علم تستثمر بعض قضاياه في إثارة الخلافات وعقد المناظرات والمنافرات والجدل، حتى لم يجد عقلاء الأمة حلًّا لمصائب تلك الاختلافات والحروب الأهلية، التي كانت تقع أحيانًا في شوارع بغداد، بين أرباب المذاهب المختلفة بدافع التعصب إلا الدعوة إلى الالتزام بتراث الأئمة الأربعة الفقهي، والتوقف عن الاجتهاد خارج ذلك الإِطار، ثم سيادة التقليد المطلق بعد ذلك، لا بالمفهوم الأصولي وحده، ألا وهو قبول قول الغير بلا حجة، بل بمعناه اللغوي والعام، وتحولت الأمة بعد ذلك إلى أمة تحمل عقلية عوام، وطبيعة قطيع، ونفسية عبيد، تسير خلف كل ناعق، وتوقف العقل المسلم عن العطاء، واجتاح الصليبيون أجزاء كثيرة من ديار الإِسلام، ثم استمرت الحروب مائتي عام، ولكن الله جلَّ شأنه قد نصر الأمة بعد ذلك نتيجة اصطلاحات فكرية، وعلمية، وثقافية، وإدارية، وتشريعية، وعسكرية، قام بها المرحوم محمود زنكي ثم صلاح الدين، وتحقق الانتصار العظيم، ثم طال على المسلمين الأمد بعد ذلك وقست منهم القلوب مرة أخرى، وبدأت دورة تراجع ثانية أدت إلى سقوط بغداد بأيدي التتار سنة ٦٥٦هـ.
стр. 7841
ثم هيأ الله لهذه الأمة دورة انتعاش أخرى على أيدي آل عثمان، فاستردت أنفاسها، وبدأت دورة انتصار جديدة، ولكن على الصعيدين العسكري والسياسي، لا على الصعيدين الفكري والعقيدي والاجتهادي والثقافي، ورغم الانتصارات الهائلة، فإن الدولة العثمانية لم تستطع مواجهة التحديات الحضارية، التي فرضتها النهضة الأوروبية وحاول العثمانيون بقيادة سليم الثاني تطوير الدولة، والاستفادة من التصنيع، الذي نستطيع قوله: إن اليسار الذي أشار معالي الأمين في ورقته إليه، بعد أن نضجت الصحوة الإِسلامية، وبدأ المسلمون يفيقون من سباتهم، ويحاولون أن يبحثوا عن أصالتهم في كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ بدأ اليسار بكل فصائله يقذف هذه المرة لا بفكر مستشرقين، ولكن بفكر تلامذة لهم، معظمهم قد تخرج في أديرة النصارى، وتنصر بالفعل، وهناك وثائق تثبت تنصر هؤلاء الذين ذكرهم فضيلته في مقالته، فهذا التيار الجارف، قذف به ليدرس الفكر الإِسلامي والثقافة الإِسلامية وعلم الكلام والفقه، يبحث عن كل شبهة، وعن كل ثغرة، ليعرضها بين شباب المسلمين، المقترح الذي أود الوصول إليه: أن يخصص محور دائم في كل دورة من دورات هذا المجمع، للبحث في جميع القضايا التي تشكل تحديًّا للفكر الإِسلامي والثقافة الإِسلامية، والشريعة الإِسلامية، ويكشف سائر المحاولات المعادية للإسلام، في الفكر والثقافة والشريعة، سوف يكون ذلك – إن شاء الله – نافعًا في تحذير المسلمين وتوعيتهم، ومن أولى من المجمع الفقهي الدولي الإِسلامي بتحذير المسلمين وتوعيتهم؟ وشكرًا.
стр. 7842
الدكتور عمر جاه:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.
شكرًا سيدي الرئيس. لقد استمعت إلى البحوث، وإلى التعليقات التي تفضل بها الإِخوة، ومما لا شك فيه أن قضية تطبيق الشريعة هي أساسية أو هي القضية الأساسية، ولولاها لما أنشئ هذا المجمع، فالمجمع أنشئ لإِيجاد وسائل عملية لتطبيق الشريعة الإِسلامية، وأذهب إلى أبعد من هذا وأقول: إن كل عمل، كل بحث، كل موضوع ناقشناه في هذا المنبر إنما هدف إلى تطبيق الشريعة، وأنا أرى أنه حتى مسائل البنوك، ومسألة الأسهم، ومسألة طفل الأنابيب، هذه كلها موضوعات تتعلق بوضع نظام شرعي يعيش عليه المسلمون، إذن فالمسألة لا ينبغي أن نفهمها كما يريد آباؤنا أن نفهم الشريعة فيها، فالشريعة هي دين الإسلام، الدين هو الشريعة، والشريعة هي الدين، وأتعاطف كثيرًا مع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي حينما ذهب إلى القول: إن تطبيق الشريعة لا ينبغي أن أحصرها على مسألة الحدود أو القوانين، إنما الشريعة تعني سلوك الفرد، سلوك الفرد المسلم على المستوى الفردي، على المستوى الأسري، على المستوى الدولي، وعلى جميع المستويات، ويبقى لنا يا فضيلة الرئيس، أن نكون واقعيين مع أنفسنا، المطلوب هنا ليس توجيه دعوة أو استعطاف إلى رؤساء الدول، إلى القائمين بالأمر في دول الإسلام لتطبيق الشريعة، هذا لا يكفي، وأعتقد أننا كلنا نتفق، كلنا يتفق على أن رؤساء الدول يفهمون هذه القضية فهمًا دقيقًا، ولا يجهلون أبدًا أن الأمة الإِسلامية تريد أن تعيش مسلمة، لكن، كيف الطريق إلى ذلك؟ هذا مجمع علمي، فقهي، كون الوضع قواعد، وتسهيل الأمور، لكن يتسنى للحاكمين القائمين بالأمر ليتقيدوا وليطبقوا الشريعة، فأتناول قضية واحدة بسيطة لكنها قضية خطيرة، ولماذا نرى أن أجهزة الإِعلام في الغرب – نذكر إذاعة لندن داتشي فيلا وصوت أمريكا – هذه الأجهزة تركز تركيزًا كبيرًا على كل شيء يشير إلى تطبيق الشريعة الإِسلامية، المشكلة في السودان، تطبيق الشريعة في السودان، أخرط سلاح مسلط على الحكومة السودانية، هي هذه وسائل الإِعلام، وما هي الطريقة التي نريد أن نستعملها نحن في هذا المجال؟ لأننا ينبغي أن نقوم بعملية توعية أساسية، حتى يقتدي الفرد المسلم بأنه من غير تطبيق الشريعة لا يعيش مسلمًا، أنا لا أتصور أن يكون هناك مسلم يعتقد أنه مسلم حقيقي إذا لم تعش الشريعة في اسمه، الشريعة في المسجد، الشريعة في وظيفته، الشريعة في كل ظاهرة من ظواهر حياته، ونقول: نتوجه إلى الحكام ليطبقوا الشريعة، فما بالنا بمئات الملايين إن لم يكن أكثر من خمسمائة مليون يعيشون خارج نطاق الدول المسلمة في الدول العربية الإِسلامية؟ ينبغي أن يُعنى بهم، ينبغي أن يستمر هذا الموضوع في كل جلسة من جلساتنا، وفي كل مرة نجتمع فيها نخصص وقتًا كافيًا لدراسة الموضوع من جميع نواحيه، ووضع حلول عملية منطقية نستعين بها لأن تطبق الشريعة، أكرر مرة ثانية أن الشريعة ليست حدودًا وليست قوانين إنما الشريعة هي دين، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 7843
الشيخ أحمد بازيع الياسين:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه وبعد:
الدين مثل ما قال الشيخ الأمين الخوجة "النصيحة" ومجمعنا هنا مجمع فقهي، ولا بد أن نؤدي النصيحة، وأن ما تعانيه الأمة الإِسلامية من مآسي سببها الرئيسي وسببها الأول هو عدم تطبيق الشريعة الإِسلامية، فأعتقد أن هذا الموضوع تأخيره بعد طرحه إثم، نأثم في الحقيقة إذا أخرناه ولو لحظة واحدة، ولذا أرى وأقترح ثلاثة أمور أو أربعة.
الأمر الأول: بأن ننادي وندعو المجتمع الإِسلامي شعوبًا – قبل الحكومات – شعوبًا وحكومات بتطبيق الشريعة الإِسلامية.
ثانيًا: أقترح بأن يقوم المجتمع – حالًا – في وضع الشريعة الإِسلامية بشكل مواد ميسرة للتطبيق مع التعاون مع من سبق في الأزهر، في جامعة الإِمام محمد بن سعود، في الإِمارات.
ثالثًا: الدعوة بالاعتناء بالمعاهد الشرعية لتخريج القضاة والفقهاء ليقوموا بالمهام القضائية.
رابعًا: تكوين لجنة من العلماء الأعلام والفقهاء البارزين، لوضع خطة عامة شاملة متكاملة لقواعد تطبيق الشريعة الإِسلامية، في المجتمع الإِسلامي، ثم بعد ذلك ندعو أيضًا المجتمع غير الإِسلامي لأنا نحن أمة – في الحقيقة – مطالبة بأن ندعو إلى دين الله والله خلقنا في هذا الكون وفي هذه الأرض لعبادته حيث قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . والعبادة عقيدة وشريعة ومنهج حياة وسلوك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 7844
الدكتور أحمد محمد جمال:
بسم الله الرحمن الرحيم.
لي تعليقات خفيفة أرجو أن أوفق لها، لا أريد أن نضيع الوقت في الحديث عن الاستعمار وعن كونه سببًا لعدم تطبيق الشريعة الإِسلامية في بلادنا، ولا نتحدث عن تاريخ هذا الاستعمار، لأننا نضيع الوقت في هذا الحديث الطويل العريض، ولا نريد أيضًا أن نتجه إلى المجتمعات – أي إلى الشباب والشعوب – كما جاء ذلك في بعض تعقيبات الإِخوة الأفاضل، لأن الشريعة الإِسلامية إذا لم تطبق من الرؤوس كما قلت في كلمتي السابقة: انحراف الشباب، انحراف النساء، انحراف الإِعلام الإِسلامي، كل هذه مرجعها إلى انحراف الرؤوس، نطبق الشريعة الإِسلامية من فوق: يصلح الإِعلام ويصلح التعليم وتصلح التربية ويصلح الشباب إذا بدأ التطبيق من الأعلى، وما لم نطبق الإسلام من الأعلى فلا يزال الشباب منحرفًا، والإِعلام منحرفًا والنساء منحرفات، وكل أمورنا تبقى كما هي، لنبدأ من الرؤوس وَلنَدْعُ الرؤوس أولًا قبل كل شيء أن تطبق شريعة الله ، هذا ما أريد أن أقوله، ولي تعليق بسيط على الأخ قاسم، فهم كلمتي خطأ عن الآيات التي وردت في سورة المائدة، أنا قلت: إن الإِمام الطبري
يرى أنها خطاب لأهل الكتاب فقط، وأنها ليست خطابًا للمسلمين، وهذا خطأ في نظري لم أقل إنها لم تنزل في أهل الكتاب، وهي نزلت في خواتيم آيات تتعلق بأهل الكتاب، لكن الإِمام الطبري يرى أنها ليست خطابًا للمسلمين، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ , ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ , ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . يقول إن هذه ليست خطابًا للمسلمين، ورأيي أنها خطاب للمسلمين. هذا الذي قلته، ولم أقل إنها لم تنزل في أهل الكتاب، أنا الحمد لله حافظ القرآن ومؤلف فيه. وشكرًا.
الدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين:
بسم الله الرحمن الرحيم.
ينبغي أن نلاحظ أولًا، أن المسلمين لم يحسب لهم أي حساب، إلا في الفترة التي حكَّموا فيها شريعة الله، وجعلوا القرآن دستورهم، والسنة قوانينهم المطبقة التنظيمية، واليوم ومجلسكم الموقر ومعقد آمال كل المسلمين، شعوبًا وحكومات ينبغي ألا يؤخر مستقبل المسلمين، وتطلعات أبناء المسلمين، قبل أن يتخذ فيها قرارًا حاسمًا يضع فيه الحاكمين والمحكومين أمام مسؤولياتهم، إن أولئك الذين يظنون أن الشريعة الإِسلامية لم تستجب، وليست قادرة على أن تستجيب لكل التطلعات، هم مخربون أكثر دسًّا من الصهاينة، وأكثر دسًّا من الكنيسة للمسلمين، وعلى هذا الأساس فإنما نتغاضى عن الشارع الإِسلامي، ولم يصبح شارعًا إسلاميًّا، فتبرج النساء أصبح الشباب يجهل أنه محرم، وشرب الخمر أصبح شباب المسلمين يجهلون أنه حرام، وقد أوشك الربا أن يصبح التعامل به، يجهل المسلمون أنه حرام. ولذا، انطلاقًا من هذه المعطيات التي لا يجادل فيها أحدنا إلا إذا كان يخادع نفسه، فإنني أقترح – نظرًا لضيق الوقت، ولكون كلماتي التي كنت أود أن أقول، قالها بعض الإخوان من قبلي بعض السادة العلماء الفضلاء أساتذتي – أقترح:
أولًا: أن تصدر هذه الندوة قرارًا كما قال الشيخ الحبيب يناشد الحكومات والشعوب بأن تطبق الشريعة الإِسلامية.
стр. 7845
ثانيًا: أن تخصص ندوة يعلن تاريخها من الآن، على أن يبقى للأمانة العامة والرئاسة التداول مع دول الإسلام في مكانها، تخصص لتطبيق الشريعة الإِسلامية، على أن تكون البحوث المنصبة في تلك الندوة هي تعنى بوسائل تطبيق الشريعة الإِسلامية.
ثالثًا: قيام المجمع بإعداد مدونة تعنى بالمعاملات المدنية والتجارية، والقوانين الجنائية، لا كالتي سبقت لأن المدونات التي سبقت كان يعدها رجال القانون الذين تعلموا في الجامعات الأوروبية، وأتفق مع بعض الإِخوة الذين قالوا: إن المنطلق ليس واحدًا والأهداف ليست واحدة والغايات ليست واحدة، فتكون هذه من علماء المسلمين، ومن وضع الصورة الأساسية لقيام مجتمع يرضي الله ورسوله.
رابعًا: هو أن تقوم الأمانة العامة بمراسلات كل الجامعات الإِسلامية، لتعقد ندوات إقليمية، تدرس فيها وسائل تطبيق الشريعة الإِسلامية ميدانيًّا، ثم تبعث بما لديها إلى الأمانة العامة، قبل انعقاد الدورة القادمة تأسيًّا بما تقوم به جامعة الإِمام محمد ابن سعود جزاها الله خيرًا عن الاهتمام بالإِسلام.
وشكرًا لكم سيدي الرئيس.
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم.
اللجنة إذا رأيتم: تتألف من المشايخ الآتية أسماؤهم:
عبد الوهاب أبو سليمان، وهبة الزحيلي، إبراهيم الكيلاني، عمر الأشقر، مصطفى العرجاوي، طه العلواني، مصطفى الغزالي مقررًا.
بهذا تنتهي هذه الجلسة، ونذكركم بأن هناك لجنة الصياغة مدعوة إلى الاجتماع في هذه الليلة في الساعة الثامنة والنصف في قاعة الروضة من هذا الفندق، وهم المشائخ الآتية أسماؤهم:
حسن الشاذلي، العاني، سامي حمود، محمد الأشقر، الأمين عبد الله محمد، عبد الله ابن منيع، محمد عطا، عمر الأشقر، مصطفى الغزالي.
وصلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وَعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ.