← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

ضمانات: هذا ومع اختلاف طرق تحديد الربح – كما رأينا – يختلف مقدار الربح المضاف إلى قيمة التكلفة تبعا لاختلاف طريقة تحديده من بنك إلى آخر. وإن هناك اختلافا ثالثا بين البنوك الإسلامية فيما أخذت من ضمانات. فإن هذه الضمانات تتكون من أمور – وإن اختلف في الأخذ بها جميعًا من بنك إلى آخر – منها ما يمثل مجرد توثيق لحق الممول ولا يأتي بمزيد الربح إليه، ومنها ما هو أكثر من مجرد توثيق لحقه، بل يأتي بمزيد الربح إلى الممول فوق الأرباح المضاعفة التي جاءت بها طريقة تحديدها. فالمجموعة الأولى هي: الضمان الشخصي المتعلق بسمعة العميل ومركزه المالي. الحصول على رهن بقيمة الثمن أو رهن البضاعة ذاتها رهنا تأمينيا. طلب كفالة شخص آخر مليء لضم ذاته إلى ذمة المشتري. الحصول على سندات إذنية للتحصيل أو سندات إذنية بالاطلاع. تحفظ البنك على وديعة للمشتري طرف البنك. توقيع المشتري على إيصال أمانة أو شيكات مؤجلة السداد بقيمة المبلغ. إعطاء البنك حق امتياز البائع على السلعة المباعة. إلى غير ذلك من ضمانات من هذا القبيل. والمجموعة الثانية هي: ١تقديم المشتري خطاب ضمان مصرفيًا بقيمة البضاعة للبنك. التأمين على البضاعة محل العقد من كافة الأخطار لصالح البنك. ٣- عقد البيع مرابحة ذاته (١) (١) . ٤-إيداع ما بين ٣-٦ أقساط مثلا من أول مدة سريان مفعولية العقد في حساب الودائع الاستثمارية في البنك الذي يقوم بالتمويل، وتقتسم فيه الأرباح بين الطرفين الممول والعميل مضاربة. إلى غير ذلك من ضمانات من هذا القبيل: الذي يمكن أن يأتي بمزيد الربح إلى الممول.

стр. 7912

الطريقة المختارة: ولهذا كله أرى أن علينا أن نركز في مناقشة طرق تحديد الربح وما يجوز أخذه كضمان حتى لا يأتي هو الآخر بمزيد الربح فوق الأرباح المضاعفة التي قد أضيفت إلى قيمة التكلفة تبعا لطريقة تحديد هذه الأرباح، وهي في أحيان كثيرة قد أثقلت كاهل العميل المسكين المحتاج إلى مسكن يقيه هو وأهله من مخاطر الجو وأعين الناس، مع أن البنك الإسلامي ما أنشئ إلا وكان من أوائل أهدافه هو أن يكون بديلا للبنوك الربوية التي طالما أثقلت كواهل الناس بما فرضت من فوائد ربوية وغيرها. هذا وإذا كان لي أن أختار من تلك الطرق المختلفة لتحديد الربح فالطريقة التي تنبئ عن الإنصاف والرحمة والتوسط في جمع الأرباح هي الأفضل وهي الطريقة التي لا يمكن أن تأتي بربح أكثر من الثمن الحالي للفائدة في السوق المحلي، من غير ضربه في عدد السنوات المتفق عليها لدفع الأقساط، وذلك حتى لا تأتي بأضعاف مضاعفة من الربح الذي يشبه الربا الجاهلي المطبق على الناس في عهد نزول القرآن الكريم بتحريم الربا. ومن ناحية الضمانات نرى أن نختار من الضمانات كذلك ما لا يمكن أن يأتي بمزيد الربح والمكاسب لطرف الممول دون غيره خاصة إذا كان يتم بالشرط المفروض على العميل. وبهذا أكتفي. وصلى الله وسلم على رسول الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. الدكتور عبد الله ابراهيم

стр. 7913

التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها إعداد فضيلة الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين وقائد الغر المحجلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن البحث الذي طرحه مجمعنا الموقر للمناقشة وتشرفت باختياره للكتابة فيه هنا هو: (التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها) . وهذا البحث على أهميته وخطورته اليوم في عالمنا المعاصر لم يفرده فقهاؤنا القدامى – رحمهم الله تعالى وأجزل مثوبتهم – بكتاب فيما أعلم، حتى ولا برسالة أو بحث منفرد على حدة، لا تقصيرًا منهم، بل لأن هذه المشكلة وهي مشكلة السكن لم تكن موجودة في عصرهم بشكلها الحالي المخيف، فلم تكن نازلة، بل الأمر عندهم كان أيسر مما نتصور، لذلك تجد أحكامًا للمساكن والدور والعقار بعامة مبثوثة هنا وهناك في طيات كتبهم ومدوناتهم وثنايا عباراتهم، هي على قصورها مفاتيح لبحثنا اليوم لا يستغنى عنها فجمعت هذا إلى ذاك وزدت من توفيق الله ما أفاد, هذا, ولقد أقمت البحث هنا على مدخل ومقصد وخاتمة، ودونك التفصيل: المدخل إلى البحث يدخل التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها تحت كليات فقهية (ثلاث) هن على الترتيب التالي: كلية الاستصناع عقدًا من العقود المسماة عند الحنفية وله شروطه وضوابطه. كلية بيع العقار قبل قبضه وأقاويل العلماء فيه. كلية التمويل المصرفي وضوابطه في الفقه الإسلامي.

стр. 7914

ودونك التفصيل: * أولا: (كلية الاستصناع) لدى الحنفية. وهو (التعاقد على صنع شيء معين) (١) (١) وعرفه الأستاذ الدكتور وهبه الزحيلي فقال: " هو عقد مع صانع على عمل شيء معين في الذمة " (٢) . وينعقد بالإيجاب والقبول من المستصنع والصانع، ويقال للمشتري (مستصنع) وللبائع (صانع) وللشيء (مصنوع) والراجح لدى الحنفية أنه بيع لا وعد ولا إجارة، وأن المعقود عليه هو العين الموصى بصنعها لا عمل الصانع، ويجوز عند الحنفية استحسانًا لتعامل الناس وتعارفهم عليه في سائر الأعصار من غير نكير فكان إجماعًا منهم على الجواز، ويصح الاستصناع عند الجمهور، المالكية والشافعية والحنابلة على أساس عقد السَّلَم وعُرف الناس. ويشترط فيه لديهم ما يشترط في السلم، ويصح عند الشافعية سواء حدد فيه الأحل لتسليم الشيء المصنوع أم لا بأن كان حالا. أما شروط الاستصناع عند الحنفية فأبرزها: بيان جنس المصنوع وقدره وصفته لأنه مبيع، فلا بد من أن يكون معلوما، والعلم يحصل بذلك. أن يكون مما يجري فيه التعامل بين الناس من أوان وأحذية وأمتعة الدواب ونحوها، ولا يجوز الاستصناع في الثياب لعدم تعامل الناس به، فإذا تعاملوا به وصار متعارفًا صح. ألا يكون فيه أجل عند الإمام أبي حنيفة لأنه بتحديد الأجل انقلب سلمًا عنده، وقال الصاحبان ليس هذا بشرط، والعقد استصناع على كل حال حدد فيه أجل أم لم يحدد، لأن العادة جارية بتحديد الأجل في الاستصناع، ورجح الدكتور الزحيلي قول الصاحبين فقال: "ونرى أن قولهما هو المتمشي مع ظروف الحياة العملية فهو أولى بالأخذ " (١) (٣) . والراجح في صفة عقد الاستصناع هو قول الإمام أبي يوسف بأن العقد لازم إذا رأى المستصنع المصنوع ولا خيار له إذا جاء موافقًا للطلب والشروط، لنه مبيع بمنزلة المسلم فيه فليس له خيار الرؤية لدفع الضرر عن الصانع، ورجح الدكتور الزحيلي هذا القول الذي أخذت به المجلة فقال: " وفي تقديرنا أن هذا الرأي الذي أخذت به المجلة سديد منعًا من وقوع المنازعات بين المتعاقدين ودفعًا للضرر عن الصانع "، ثم قال " ولأن هذا الرأي يتفق مع مبدأ القوة الملزمة للعقود بصفة عامة في الشريعة الإسلامية، ويتناسب مع الظروف الحديثة التي يتفق فيها على صناعة أشياء خطيرة وغالية الثمن جدًّا كالسفن والطائرات، فلا يعقل أن يكون عقد الاستصناع فيها غير لازم " (٢) (٤) .

стр. 7915

أما حكم الاستصناع في حق المستصنع إذا أتى الصانع بالمصنوع على الصنعة المشروطة فهو ثبوت الملك غير لازم في حقه، حتى يثبت له خيار الرؤية إذا رآه: إن شاء أخذه وإن شاء تركه. وأما في حق الصانع فحكمه ثبوت الملك اللازم إذا رآه المستصنع ورضي به ولا خيار له، هذا كله إذا رأى المستصنع المصنوع، أما إذا لم يره فالعقد غير لازم قبل الصنع وبعد الفراغ من الصنع، ولكل من العاقدين الخيار في إمضاء العقد أو فسخه والعدول عنه قبل رؤية المستصنع للشيء المصنوع فلو باع الصانع المصنوع قبل أن يراه المستصنع جاز، لأن العقد غير لازم، والمعقود عليه ليس هو عين المصنوع وإنما مثله في الذمة، فإذا جاء الصانع بالمصنوع إلى المستصنع سقط خيار الصانع لأنه رضي بكونه للمستصنع حيث جاء به إليه (٣) (١) . هذه هي الكلية الأولى. * ثانياً: أما الكلية الثانية، وهي بيع العقار قبل فيضه وأقاويل العلماء فيه إلى اتجاهين: الاتجاه الأول: يجوز بيع العقار قبل قبضه من المشتري عند الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف – رحمهما الله تعالى – بخلاف المنقول فلا يجوز بيعه قبل القبض أو التسليم، لأن المنقول عرضة للهلاك كثيرا بعكس العقار. (ب) الاتجاه الثاني: وقال جمهور الفقهاء الإمام محمد من الحنفية والأئمة الثلاثة: لا يجوز بيع العقار قبل القبض من المشتري كالمنقول؛ لورود النهي عن بيع الإنسان ما لم يقبض. (١) (٢) . ثالثاً: وأما الكلية الثالثة، وهي التمويل المصرفي لبناء المساكن وشرائها. فالذي يحصل في هذه الأيام في أواخر القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس عشر الهجري، بالنظر لأزمات السكن ومشكلاتها فهو حالة من الحالات الثلاث التالية. حصرًا بالاستقراء التام.

стр. 7916

* الحالة الأولى: التمويل لبناء المساكن وشرائها بالجهود الفردية أو شبه الفردية، مثل تجار تعمير العقارات والشركات الخاصة المؤسسة لهذا الغرض من مجموعة من الأفراد، أو جمعيات أسرية ليس لها طابع رسمي، هؤلاء يتعهدون تعمير العقارات بعد شرائهم الأرض وبيع أكثرهم المساكن على الخارطة قبل بنائها، وربما باعوا البناء كله قبل البدء بعمارته واستوفوا أرباحهم ثم عمروه من هذه الأرباح وأبقوا رأسمالهم إلى بناء جديد وهكذا، وربما احتاجوا إلى قرض من المصرف العقاري فأقرضهم بالفائدة مع كفالة. * والحالة الثانية: التمويل لبناء المساكن وشرائها بالجهود الجماعية الرسمية لكن ليس من الدولة، بل بإشراف الدولة وترخيصها واطلاعها، بل ومحاسبة هذه المؤسسات التي تأخذ اسم (الجمعيات السكنية) ، وهي عبارة عن مجموعة أفراد مؤسسين يجب أن يبلغوا الثلاثين عدًّا في الأنظمة السورية المعمول بها حاليا، فما فوق، لا ما دون ذلك، ثم يتقدمون لوزارة الإسكان في قطرنا العربي السوري – وهي وزارة من وزارات الدولة – فإن حازوا الشروط والثقة أجيزوا على عملهم برخصة جمعية سكنية ينشئونها هم في مكان ما من المدينة أو الريف، ثم ينشرون ذلك في أجهزة الإعلام فيكتتب الناس بها تقسيطا وبعد اكتمال نصاب عدد معين يجتمع هؤلاء فينتخبون مكتبا إداريا له مدير ونائبه ومحاسب وأمين سر وما شابه، فإن وافقت عليهم السلطات المختصة ذهبوا إلى المصرف العقاري فأودعوا أسهم الاكتتاب التي دفعها الأعضاء المسهمون حتى يجدوا عقارا مناسباً فيأخذون ما أودعوا ويستقرضون من المصرف العقاري بالفائدة إن لزمهم الأمر، وهكذا حتى يقوم البناء، فيخصص كل عضو مكتتب بشقة أو مساحة طابقية حسب أسهم اكتتابه، فإذا خصص يخير هذا العضو بين طريق من طريقين: الطريق الأول: أن يوافي الجمعية بالأموال التي تزيد على ما دفعه من أسهم الاكتتاب حتى يصل إلى السعر المقرر لدى الجمعية. والطريق الثاني: أن يأذن للجمعية أن تستقرض على اسمه من البنك مبلغا مع الفائدة يوفيه هو من راتبه إن كان له راتب أو من دخله مع كفالة في بعض الحالات. هذه خلاصة مكثفة لطريقة الجمعيات السكنية في قطرنا العربي السوري لتمويل المساكن وشرائها. هذا، ولا يجوز للمشتري أن يبيع ما اشتراه من عقار إلا بعد مضي مدة معلومة حددتها الدولة كي لا تصير هذه المساكن تجارة لمن شاء أن يتجر بها. * والحالة الثالثة: تمويل الدولة في قطرنا العربي السوري ومن سار على نهجه من الدول العربية في خطة ترسمها الدولة وتنفذها وزارة الإسكان أصولا، وبما أن المصارف كلها بيد الدولة فإن المصارف العقارية هي التي تمول هذه المشاريع السكنية مع وزارة الإسكان بقصد سد حاجة المواطن أولا ثم الاسترباح ثانيا (١) (١) .

стр. 7917

المقصد من البحث أحكام التمويل العقاري المذكور آنفا لبناء المساكن وشرائها في الفقه الإسلامي على ضوء ما ذكرت من الكليات الثلاث، يجب أن نفرق بين التكييف الفقهي لهذا التمويل العقاري بالذات وبين ملابسات هذا التمويل من ربا وما شابه الربا (شبهة الربا) . ودونك التفصيل: (أ) التكييف الفقهي بالذات لهذا التمويل العقاري: هلهذا العقد وهو بيع المساكن وشراؤها على الطريقة المذكورة آنفا (أي قبل بنائها) هل هذا العقد هل هو عقد صحيح مشروع أم لا؟ يدخل في هذه المسألة: ١-أن نعتبره (أي هذا العقد) عقد استصناع ونشترط له ما اشترطه ففقهاء الحنفية للاستصناع، وهو التعامل بين الناس. وأن نعتبره بيعا بالتقسيط إلى أجل. فإذا اعتبرناه بيعا بالتقسيط إلى أجل جاز لدى جمهور الفقهاء بشرط جواز بيع التقسيط ليخلوا من شبهة الربا، وهو أن يخلو مجلس العقد عن السوم، فلا يقول له في مجلس العقد (إن كان نقدا فبكذا، وإن كان تقسيطا فبكذا) فينتج عن ذلك شبهة الربا، بل إذا حصل هذا الكلام في مجلس السوم فقط وخلا عنه مجلس العقد كان العقد صحيحا وخاليا عن شبهة الربا بأن يقول له قولا فصلا (بعتك هذا المبيع بكذا تقسيطا كل شهر بكذا) إلى سنة مثلا، لكن بقي أن هذا السعر الموضوع المقرر في مجلس العقد إذا كان البيع مقسطا - كما ذكرنا – سعر قطعي غير قابل للزيادة ولا للنقص، ولا يجوز اعتماد التكلفة على هذا الأساس مطلقا. وإذا اعتبرناه عقد استصناع – وهو الأشبه – وجب أن يجري به التعامل بين الناس، وأن يتعارفوه بحيث تشتد إليه الحاجة العامة ويصبح من عموم البلوى، وإذا ضاق الأمر اتسع، وبهذا التخريج نُلْحِق هذا العقد الجديد (وهو البيع على الخارطة) بعقد الاستصناع، فنجيزه بشروطه.

стр. 7918

وإننا اليوم أصبحنا في عصر تغيرت فيه أوضاع الناتس وأعرافهم، وتبدلت كثير من معالم التعامل بينهم، بحيث صار من الحرج الشديد اشتراط قيام المسكن لصحة بيعه وشرائه، بل ربما ألغي هذا الاعتبار بالكلية فلم يعد معمولا به، بل إن العكس هو المعمول به المعتبر بل وأصبح هو القاعدة وما عداه هو الاستثناء وفي ظل هذه الأعراف الجديدة والتحولات الجذرية التي غيرت وبدلت من أوضاع المعاملات المالية مما تعدى إلى المساكن بيعا وشراء من جريان التعامل اليوم على أساس البيع على الخارطة سواء كانت الجهة الممولة الدولة أو الجمعيات السكنية أو الأفراد، وجب النظر إلى هذه العقود نظرا جديدا بحيث نعدها (استصناعا) ونشترط لها ما نشترطه للاستصناع، ونلحق به أحكام الاستصناع آنفة الذكر في طالعة البحث، وهذا الذي يطمئن إليه القلب، وترتاح إليه النفس، وعلى هذا فالسعر مقطوع لا يخضع للتكلفة. وقبل الرؤية والتخصيص كل مع البائع والمشتري غير ملزَم، فإذا تخصص المشتري بسكنه ورآه صار ملزَمًا إذا وافق عليه وجاء مطابقا للشروط والمواصفات المطلوبة وإلا – بأن كان مخالفا لما اشترطوه من شروط ومواصفات – فالمشتري غير ملزم وله حق خيار الوصف أو الرؤية. وإذا لم نفعل ذلك نكون قد ضيعنا الناس ووضعناهم في متاهة الجهل ومتاهة الحرج، وإذا ضاق الأمر اتسع، وما جعل عليكم في الدين من حرج. وتأسيساً على ما ذكرت، فالخلاف جارٍ في بيع العقار قبل القبض على ما نوهت به في طالعة البحث، والرأي لدي الراجح اليوم هو عدم جواز ذلك وهو ما أرجحه وهو قول الجمهور والإمام محمد من الحنفية لأن هذا يفتح علينا بابا من الفساد والذرائع الفاسدة يجب سده، حتى إذا حصل البيع وانتهى الأمر أخذنا بقول الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف من الحنفية بجواز ذلك تصحيحا للعقد من الإبطال ورحمة بالناس، ولا سيما المبتلين (١) (١) وهو استحسان مقبول. (ب) وأما ملابسات هذا التمويل وما يصحبه أو يخالطه من الربا أو من شبهة الربا فمسألة أخرى هنا مجال بحثها ومن المعلوم أن العقد لا يكون محرما شرعا إذا خالطه محرم يمكن التنزه عنه، فكل العقود يمكن أن يخالطها الربا أو شبهته كالبيع والإجارة والمزارعة والمساقاة والوكالة وغير ذلك، فهل تصبح محرمة منهيًّا عنها لهذا الافتراض وحده؟ ! اللهم لا ...

стр. 7919

وفي التمويل العقاري الذي ألحقناه فيما ذكرنا بعقد الاستصناع استحسانا يدخل الربا أو شبهته في جميع الحالات في صوره المعاصرة حال غياب الفقه الإسلامي عن التعامل في الساحة العامة لدى المسلمين بعامة. ولكن الربا ليس بشرط في تمام هذا العقد ولا في نشوئه فقها ولا قانونا، إذ بإمكاننا إقامة عقد استصناع في بناء المساكن وشرائها غير ربوي. وقبل ذلك يجدر بنا أن نحصر الملابسة الربوية في العقود الجارية لبناء المساكن وشرائها في هذه الأيام في حالة الجمعيات السكنية في مشكلتين، إما الربا الصراح أو شبهة الربا. فالربا الصراح هو أن تخصص الجمعية السكينة الدار بأحد المشتركين من أعضائها المكتتبين وليس معه ما يتمم ثمن الدار بعد دفع الأقساط المترتبة فيفوض هذا المشترك المكتب الإداري للجمعية بالاستقراض على اسمه من البنك الربوي بحيث يكون هو ذاته مسئولا عن تسديد هذا المبلغ من ماله الخاص بالتقسيط قولا واحدا، وبهذا يتسلم الدار ويتمم هو للبنك دفع الأقساط المترتبة عليه مع فوائدها، وهذا عين الربا وهو حرام، والعقد هنا حرم القيام به على هذه الصورة لأنه جاوره محرم وهو الربا فصار قبيحا لغيره. وأما شبهة الربا فهي أن يدفع العضوالمشترك الأقساط المترتبة عليه حتى إذا خصصوه بدار وخيروه بين الاستقراض على اسمه بالتوكيل منه من البنك الربوي وبين دفع بقية الذمم المترتبة عليه من ثمن الدار من ماله، ففي هذه الصورة نجا العقد من حقيقة الربا، ولكن شابته شبهة الربا وهي كون البنك اقترض منه المكتب الإداري للجمعية سلفا باسم أعضائه ما نقصهم من المال وهو بنك ربوي، وهذه هي شبهة الربا، هي شبهة قوية تجعل العقد مكروها كراهة تجريمية لمخالطته شبهة محرمة شرعا. فالحالة الأولى: وهي حقيقة الربا المخالطة للعقد لا تجوز إلا للضرورة القصوى بحيث لم يجد المبتلى من يقرضه ولا من يسكنه ولا من يدعمه حتى ولا بالأجرة ليسكن مع عائلته بوجه من وجوه الدعم فإما أن يبيت في الشارع العام يلتحف السماء ويفترش الأرض وإما أن يسلك هذا السبيل جاز له ذلك بقدر الضرورة، وبقدر ما يدفع الهلاك عن نفسه وعياله. وأما الحالة الثانية: فتجوز لغير القدوة من العلماء والفهاء في حالة الحاجة والحرج وهي حالة دون الضرورة وفوق الحالة العادية، وبقدر ما يدفع الحرج والحاجة. . والله أعلم.

стр. 7920

اقتراح من صاحب هذا البحث لحل مشكلة الربا وشبهته في عقود الإسكان ولقد فكرت مليا في هذا الأمر فوجدت أنه لا يجوز لنا نحن معاشر خدام هذه الشريعة وحملتها من أهل الفقه والاجتهاد في المسائل أن نترك هذه العقود الإسكانية الاستصناعية يتخللها الربا فيفسدها أو شبهته فيلوثها. . والناس اليوم في أزمات إسكانية في أنحاء العالم، لتفجر المشكلة السكانية، فالمشكلة في تزايد، والربا إذا دخل أفسد كل شيء ولوث بأوضاره كل شيء، فما هو الحل؟ ١! أجد الحل يكمن في تخليص هذه العقود الإسكانية الاستصناعية بعد استكمال شروطها وضوابطها – في تخليصها من الربا ومن شبهته، وذلك يكون بأحد حالتين اثنتين ظهرتا لي الآن: (أ) الحالة الأولى: في تسلم الدولة حصرا حل مشكلة الإسكان بالتزامها بإنشاء المساكن وبيعها للمواطنين بيعا على الخارطة دون اللجوء إلى بنوك ربوية أو ما شباه ذلك فالدولة بائع والمواطن مشتر والعقد استصناع مستكمل شروطه وضوابطه، والبيع هنا ولو كان بالتقسيط أو نقدا فهذا لا يهم ما دام المشتري لا علاقة له بالبنك توكيلا ولا قبضا ولا صرفا، لا سيما إذا كانت البنوك الربوية ملكا خالصا للدولة فإنها تلحق بالخزينة العامة، ويجب أن ينص على أن التعامل مع البنك الربوي ولو اضطرت إليه الدولة فهو بلا فائدة قطعا قرضا أو إقراضا لهذه المشكلة الإسكانية حصرا. (ب) والحالة الثانية: وتعتمد قيام بنوك إسلامية غير متوفرة في بلادنا، فيتولى البنك الإسلامي غير الربوي هذه المشاريع الإسكانية ويشرف على عقودها إشرفا كاملا فيصبح بائعا والأفراد مشترين، ويكون ذلك كله عن طريق شركات المضاربه وينبغي أن ينص في وثائق تأسيس هذه البنوك على ذلك صراحة. ولعل هناك حلولا أخرى لم أوفق إليها فأنا هنا باحث ولست مستقصيا، والمقصود هو تنقية هذه العقود من شوائب الربا ورجسه ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، لأن الأصل فيها أنها عقود غير ربوية، والربا أو شبهته أمران طارئان وليسا أصليين، فيستبعدان، ليبقى العقد صالحا للعمل ويرجع كما كان عقدا غير ربوي، هذا والله تعالى أعلم.

стр. 7921

خاتمة بتوفيق الله تعالى استطعت أن أجول في روضات الفقه الإسلامي وأقطف من زهوره ياسمينه ونسرينه ما يفي بالحاجة ويزيد، وتوصلت إلى نتائج جديدة لا أدعي أنها حكم الله في الواقعة، بل هي جهد، والمجتهد إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد، وهو بحث معروض على المجمع الموقر، وقول المجمع هو القول الفصل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور

стр. 7922

أبرز مصادر البحث ومراجعه في الفقه الإسلامي ١- ابن عابدين (محمد أمين) : رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين) ، ط. بولاق سنة ١٢٧٢ هـ. ٢- الكساني (علاء الدين) : بدائع الصناع في ترتيب الشرائع (شرح نحفة الفقهاء للسمرقندي) . ٣- ابن الهمام (كمال الدين) : فتح القدير شرح الهداية مع تكملة الفتح للطوري. ٤- عالم كير (مجموعة من علماء الهند) : الفتاوى الهندية. ٥- السرخسي (شمس الأئمة) : المبسوط شرح الكافي، للحاكم الشهيد. ٦- الزحيلي (د. وهبه) : الفقه الإسلامي وأدلته، ط. دار الفكر بدمشق. ٧- الفرفور (د. محمد عبد اللطيف) : نظرية الاستحسان في التشريع الإسلامي وصلتها بالمصالح المرسلة، ط. دار دمشق.

стр. 7923

الطرق المشروعة للتمويل العقاري إعداد فضيلة القاضي محمد تقي العثماني عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن السكن من الحاجات الأصلية التي لا يمكن المرء أن يعيش بدونها. قال الله : ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ وروي عن عائشة، عن رسول الله ﷺ أنه قال " ((ثلاث من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والمركب الهنيء)) (١) (١) . وإن الحصول على المسكن الواسع المناسب أصبح اليوم في مقدمة المشاكل التي يجابها المرء في حياته، ولا سيما في المدن الكبيرة المزدحمة بالعمران، وذلك لتعقد الحياة وكثرة السكان، وغلاء الأسعار، والذين يستطيعون أن يشتروا أو يبنوا لأنفسهم مسكنا يفي بحاجاتهم قلة قليلة بالنسبة إلى الذين لا يستطيعون ذلك. ونظرا إلى هذا، ظهرت في معظم البلاد مؤسسات تقوم بتمويل الناس لشراء المساكن أوبنائها، ولكن أكثرها إنما تعمل في إطار النظام الربوي، فتقدم إلى عملائها قروضا، وتطالبهم على ذلك بالفائدة المعينة المتفق عليها في عقد التمويل، وبما أن هذا العقد يقوم على أساس الربا، وهو من أكبر المحرمات التي نهى عنها الله في كتابه المجيد، فأنه لا يجدر بأي مسلم أن يدخل في عقد يقوم على هذا الأساس الفاسد. وحينئذ، يجب على علماء المسلمين أن يقترحوا للناس طرقا للتمويل العقاري لا تعارض أحكام الشريعة الغراء، والتي يمكن أن تتخذ كبديل للتمويل الذي يقوم على أساس الربا المحرم شرعا.

стр. 7924

ونريد في هذه العجالة أن نذكر طرقا شرعية للتمويل العقاري، مع ذكر أدلة إباحتها، وبيان الثمرات الناتجة عنها، والله سبحانه هو الموفق للصواب. إن الأصل في الدولة الإسلامية أن تقوم بواجبها في توفير الحاجات الأساسية لشعبها، وتهيئ لهم هذه الحاجات، دون أن تطالبهم على ذلك بربح. وبما أن السكن من الحاجات الأساسية لكل إنسان، فمن حقه أن يحصل عليه في حدود إمكانياته المالية، ومن كانت إمكانياته ضيقة لا يستطيع بها أن يشتري مسكنا أو يبنيه من جيبه، فعلى الدولة أن تقوم بقضاء حاجته إما بأن تساعده من صندوق الزكاة، إن كان مستحقا لها، وإما بأن تبيع إليه المسكن على أساس التكلفة الفعلية، دون أن تطالبه على ذلك بربح، وإما بأن توفر له قرضا حسنا لا تتقاضى عليه أية فائدة. وإن هذه الطرق الثلاثة هي الأصل في التمويل العقاري، وهي التي توافق الروح الإسلامية، وطبيعة المجتمع الإسلامي الذي يقوم على أساس المواساة، والمساعدة على الخير، والتعاون على البر، والتألم بألم الآخرين، والارتياح براحتهم، والأخذ بأيدي الضعفاء ليرتفعوا إلى مستوى معيشة مقتصدة هنيئة. ولكن العمل بهذه الطرق الثلاثة، أو بواحدة منها، إنما يمكن لدولة تكون لديها موارد ضخمة ووسائل جمة، فإن كلا من هذه الطرق يتطلب أموالا غزيرة، ولاسيما في عصرنا هذا الذي تضاعف فيه عدد السكان، وغلت فيه الأسعار، ولا شك أن إمكانيات الدولة يمكن – وينبغي – أن تزداد بالتقليل في مصاريف غير منتجة، والتحرز عن النفقات الباهظة التي لا يقصد منها إلا الرياء أو الترف، ولكن معظم الدول اليوم لا تستطيع أن توفر السكن لجميع سكانها بهذه الطرق، ولو بتخفيف مثل هذه النفقات. فحينئذ، لا بد من اختيار بعض الطرق التي لا تكلف الدول بالتبرع المحض لتوفير المساكن، ولا بتحمل النفقات التي لا تطاق، وتكون في الوقت نفسه سالمة من الربا، أو المحظورات الشرعية الأخرى، وهي كالتالي:

стр. 7925

١- البيع المؤجل: فالطريق الأول هو أن يتملك الممول بيتا، ثم يبيعه إلى العميل (١) بربح بيعا مؤجلا ويستلم منه الثمن بأقساط معلومة في عقد البيع، يمكن أن يعفيه هذا البيع المؤجل مطلقا عن بيان نسبة الربح، وحينئذ يكون تعيين تلك النسبة بيد الممول. ويمكن أيضا أن يعقد البيع عن طريق المرابحة، وذلك بأن يصرح في العقد بنسبة الربح الذي يتقاضاه الممول زائدا على تكاليفه الفعلية. فإن كان البيت موجودا عند التمويل، ولا يحتاج إلى بناء، فللممول أن يشتريه، ويبيعه إلى العميل بالطريق المذكور، وإن لم يكن هناك بيت مبني، ويريد العميل أن يبنيه، فحينئذ يستطيع الممول أن يوكل العميل ببناء البيت، ويكون بناؤه على ملك الممول، وإنما يشرف عليه العميل كوكيل له، وحينما يتم البناء يبيعه الممول إلى العميل بيعا مؤجلا. هذا إذا كان العميل لا يمكن له أن يستخدم شيئا من ماله نقدا في شراء البيت أو بنائه. أما إذا كان العميل يستطيع أن يقدم حصة من تكاليف البيت نقدا، غير أن السيولة الموجودة عنده لا تفي بجميع النفقات اللازمة للشراء أو البناء، فيريد أن يطلب من الممول الحصة الباقية فقط، كما هو الحال في أكثر التمويلات العقارية اليوم، فيمكن له أن يتملك جزءا من البيت بمال نفسه، بأن يقع شراء البيت مشتركا من الممول والعميل، فيقدم الممول نصف ثمن البيت مثلا، ويقدم العميل نصفا أخر، ويكون البيت بينهما مشاعا بالنصف، ثم يبيع الممول نصفه إلى العميل بيعا مؤجلا بثمن أكثر من الثمن الذي دفعه إلى بائع البيت. أما إذا كان المقصود بناء البيت على أرض خالية، فيمكن استخدام نفس الطريق في شراء الأرض، بأن يقع شراؤها على سبيل الاشتراك من الممول والعميل، ثم يبيع الممول حصته في الأرض إلى العميل مؤجلا بثمن أكثر. فإن كانت الأرض مملوكة للعميل، أو صارت ملكا له بهذا الطريق وأراد العميل التمويل للبناء عليها، فإنه يمكن للممول والعميل أن يبنيا البيت على أساس المشاركة، فيدفع هذا نصف نفقة البناء، ويدفع ذلك النصف الآخر، فيقع البناء مشاعا بينهما بالنصف، وحينما يتم البناء يمكن للممول أن يبيع حصته من البناء إلى شريكة العميل مؤجلا بربح، وبيع الرجل حصته من البناء إلى شريكه مما لا نزاع في جوازه، وإن كان هناك خلاف في بيعها إلى الأجنبي، يقول ابن عابدين في رد المحتار:

стр. 7926

" ولو باع أحد الشريكين في البناء حصته لأجنبي، لا يجوز، ولشريكه جاز " (١) . ولضمان أداء الثمن المؤجل يجوز أن يطلب الممول رهنا من العميل، وبالإمكان أن يمسك مستندات ملك البيت كرهن عنده، وإن هذا الطريق لا غبار عليه شرعا، غير أن الممول لا يستطيع أن يقدم مثل هذه التمويلات إلا إذا كان على ثقة كاملة بأن العميل سوف يشتري منه ما سيتملكه الممول من البيت أو البناء، لأنه إن امتنع العميل من الشراء بعدما أنفق عليه الممول نفقات باهظة، فإن ذلك لا يحدث ضررا بالممول فحسب، بل سوف يخيب هذا النظام بأسره. وبما أن البيع لا يجوز أن يضاف إلى زمن مستقبل، فلا بد لنجاح هذا الطريق أن يتعهد العميل مسبقا، بأنه يلتزم بشراء حصة الممول بعدما يمتلكها. وإن هذا التعهد من العميل، وإن كان وعدا محضا، والوعد عند أكثر الفقهاء لا يكون ملزما في القضاء، ولكنَّ هناك عددا من الفقهاء جعلوا الوعد ملزما في الديانة والقضاء جميعا، وهو المذهب المشهور عند مالك ﵀، فإنه يجعل الوعد ملزما، لاسيما إذا دخل الموعود له بسببه في مؤنة، يقول الشيخ محمد عليش المالكي رحمه الله تعالى: " فالوفاء بالعدة مطلوب بلا خلاف. واختلف في وجوب القضاء بها على أربعة أقوال حكاها ابن رشد في كتاب جامع البيوع، وفي كتاب العارية، وفي كتاب العدة، ونقلها عنه غير واحد. فقيل: يقضى بها مطلقا، وقيل: لا يقضى بها مطلقا، وقيل: يقضى بها إن كانت على سبب، وإن لم يدخل الموعود بسبب العدة في شيء كقولك أريد أن أتزوج. . . فأسلفني كذا. . . والرابع: يقضى بها إن كانت على سبب، ودخل الموعود بسبب العدة في شيء وهذا هو المشهور من الأقوال " (٢) وقال القرافي رحمه الله تعالى: " قال سحنون: الذي يلزم من الوعد: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبني به، أو اخرج إلى الحج وأنا أسلفك، أو اشتر سلعة، أو تزوج امرأة وأنا أسلفك، لأنك أدخلته بوعدك في ذلك. أما مجرد الوعد، فلا يلزم الوفاء به، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق. (٣) .

стр. 7927

وقال ابن الشاط في حاشيته: " الصحيح عندي القول بلزوم الوفاء بالوعد مطلقا، فيتعين تأويل ما يناقض ذلك. . . إلخ " (١) . وكذلك اختار المتأخرون من الحنفية لزوم الوعد قضاءً في عدة من المسائل، كما في مسألة البيع بالوفاء، قال قاضي خان ﵀ في البيع بالوفاء: " وإن ذكرا البيع من غير شرط، ثم ذكر الشرط على وجه المواعدة جاز البيع ويلزمه الوفاء بالوعد لأن المواعدة قد تكون لازمة فتجعل لازمة لحاجة الناس " (٢) وقال ابن عابدين ﵀: " وفي جامع الفصولين أيضا: لو ذكرا البيع بلا شرط، ثم ذكر الشرط على وجه العقد جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد إذا المواعيد قد تكون لازمة، فيجعل لازما لحاجة الناس (٣) . فبناء على هذه النصوص الفقهية، يجوز أن تجعل مثل هذه المواعيد لازمة في القضاء، فإذا تعهد العميل في الاتفاقية الموقع عليها من قبل الفريقين أنه سوف يشتري حصة الممول من البناء أو العقار، فإنه يكون ملزما بوفاء هذا الوعد قضاءً وديانةً. ولكن يجب أن لا يقع البيع إلا بعدما يمتلك الممول حصته ‘فإن البيع لا يضاف إلى المستقبل، وعلى هذا يجب أن يقع عند ذلك عقد البيع بالإيجاب والقبول.

стр. 7928

٢- الشركة المتناقصة: والطريق الثاني للتمويل العقاري يبتنى على أساس الشركة المتناقصة. وإن هذا الطريق يتلخص في نقاط تالية: إن الممول والعميل يشتريان البيت على أساس شركة الملك، فيكون البيت مشاعا بينهما بنسبة حصة الثمن التي دفعها كل واحد منهما، فإن دفع كل منهما نصف الثمن، يكون البيت مشاعا بينهما بالنصف، وإن دفع أحدهما الثلث والآخر الثلثين، كان البيت بينهما أثلاثا، وهكذا. ثم يؤجر الممول حصته من البيت إلى العميل بأجرة شهرية أو سنوية معلومة بينهما. ج- وتقسم حصة الممول على سهام متعددة معلومة، كالعشرة مثلا. د- وبعد كل فترة دورية متفق عليها بين الفريقين (كستة أشهر مثلا) يشتري العميل سهما من هذه السهام بحصة من الثمن، فإن كانت حصة الممول مثلا تساوي ستة أشهر يشتري العميل سهما بعشرين ألف ربية. هـ – وبعد شراء سهم من حصة الممول تنتقص ملكيته في البيت، وتزداد ملكية العميل. و وبعد شراء كل سهم من حصة الممول تنتقص الأجرة بحساب ذلك السهم، فإن كانت أجرة حصة الممول بكاملها ألف ربية مثلا، فإنها تنتقص بعد شراء كل سهم بقدر مائة ربية،، فتصير الأجرة بعد شراء السهم الأول تسعمائة ربية، وبعد شراء السهم الثاني ثمانمائة ربية، وهكذا. ز- حتى إذا اشترى العميل سهام الممول كلها صار البيت كله مملوكا للعميل، وانتهت الشركة والإجارة معا. وإن هذا الطريق من التمويل العقاري، يشتمل على عقود ثلاثة: العقد الأول: لإحداث شركة الملك. والثاني: إجارة حصة الممول. والثالث: بيع السهام المتعددة من حصة الممول إلى العميل. فلنتكلم أولا على كل عقد على حدة، ثم لنبحث عن مدى شرعية هذا الطريق بمجموعه. أما شراء البيت بمالهما المشترك، فلا مانع منه شرعا، ويحدث بذلك شركة الملك بينهما، فإن شركة الملك عرفها الفقهاء كالتالي: " شركة الملك هي أن يملك متعدد عينا أو دينا بإرث أو بيع أو غيرهما " (١) . فهذه الشركة في البيت قد حدثت بالشراء بمالهما المشترك.

стр. 7929

وأما إجارة حصة الممول من العميل، فهذه إجارة جائزة أيضا. لأن إجارة المشاع من غير الشريك وإن كان في جوازه خلاف بين الفقهاء، فلا خلاف في جواز إجارة المشاع من الشريك. قال ابن قدامة ﵀: " ولا تجوز إجارة المشاع لغير الشريك، إلا أن يؤجر الشريكان معا وهذا قول أبي حنيفة وزفر، لأنه لا يقدر على تسليمه فلم تصح إجارته. . . واختار أبو حفص العكبري جواز ذلك، وقد أومأ إليه أحمد، وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد، لأنه معلوم يجوز بيعه، فجازت إجارته كالمفروز، ولأنه عقد في ملكه يجوز مع شريكه، فجاز مع غيره " (١) وجاء في الدر المختار للحصكفي: " وتفسد – أي الإجارة – أيضا بالشيوع. . . إلا إذا آجر كل نصيبه أو بعضه من شريكه، فيجوز، وجوازه بكل حال " (٢) وبما أن إجارة الحصة المشاعة تقع في الطريق المذكور من الشريك، فإنها جائزة بإجماع الفقهاء. أما بيع الحصة الشائعة من الدار، فإنه يجوز أيضا، فإن كان المبيع حصة في العرضة والبناء كليهما، فلا خلاف في جواز البيع، وأما إذا كان المبيع الحصة الشائعة في البناء فقط، فيجوز البيع مع شريكه بالإجماع، وفي جواز البيع من الأجنبي خلاف، وقدمنا ما ذكره ابن عابدين في رد المحتار من قوله " ولو باع أحد الشريكين في البناء حصته لأجنبي لا يجوز، ولشريكه جاز " (٣) وبما أن البيع ههنا لا يقع إلا من الشريك، فلا خلاف في جوازه، فظهر بهذا أن هذه العقود الثلاثة من المشاركة في الملك، والإجارة، والبيع، كل واحد منها صحيح في حد ذاته، فإن وقعت هذه العقود من غير أن يشترط أحدها في الآخر، بل يعقد كل منها مستقلا، فلا غبار على جوازها. وأما إذا وقعت هذه العقود باتفاق سابق بين الفريقين، فربما يبدو أن ذلك لا يجوز، لكونه صفقة في صفقة، أو لكون العقد الواحد شرطا زائدا في العقد الآخر، وإن الصفقة في الصفقة لا تجوز، حتى عند من يجوز بعض الشروط في البيع، كالحنابلة، قال ابن قدامة ﵀:

стр. 7930

" الثاني – أي النوع الثاني من الشرط – فاسد، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: أن يشترط على صاحبه عقدا آخر، كسلف أو قرض، أو بيع أو إجارة، أو صرف الثمن أو غيره، فهذا يبطل البيع، ويحتمل أن يبطل الشرط وحده، المشهور في المذهب أن هذا الشرط فاسد يبطل به البيع، لأن النبي ﷺ قال: ((لا يحل بيع وسلف، ولا شرطان في بيع)) . قال الترمذي: هذا حديث صحيح، ((ولأن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة)) حديث صحيح وهذا منه، قال أحمد: " وكذلك كل ما في معنى ذلك، مثل أن يقول: على أن تزوجني بابنتك، أو على أن أزوجك ابنتي. فهذا كله لا يصح، قال ابن مسعود صفقتان في صفقة ربا، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور العلماء، وجوزه مالك وجعل العوض المذكور في الشرط فاسدا " (١) . ولكن هذا المحظور إنما يلزم إذا كان العقد الواحد مشروطا بالعقد الآخر في صلب العقد، أما إذا وقعت هناك مواعدة بين الفريقين، بأنهما يعقدان الإجارة في الوقت الفلاني، والبيع في الوقت الفلاني، وانعقد كل عقد في وقته مطلقا عن أي شرط، فالظاهر أنه لا يلزم منه الصفقة في الصفقة وقد صرح به الفقهاء في عدة مسائل ولا سيما في مسألة البيع بالوفاء وقدمنا عن الفتاوى الخانية: (وإن ذكرا البيع من غير شرط، ثم ذكر الشرط على وجه المواعدة جاز البيع، ويلزمه الوفاء بالوعد، لأن المواعدة قد تكون فتجعل لازمة لحاجة الناس) . وبمثله صرح علماء المالكية في مسألة البيع بالوفاء الذي يسمى عندهم " بيع الثنايا "، فإنه لا يجوز عندهم في الأصل. قال الحطاب: " لا يجوز بيع الثنايا، وهو أن يقول: أبيعك هذا الملك، أو هذه السلعة على أن آتيك بالثمن إلى مدة كذا، أو متى آتيك به فالبيع مصروف عنى " (٢) ولكن إذا وقع البيع مطلقا عن هذا الشرط، ثم وعد المشتري البائع بأنه سوف يبيعه إن جاءه بالثمن، فإن هذا الوعد صحيح لازم على البائع، قال الحطاب ﵀: " قال في معين الحكام: ويجوز للمشتري أن يتطوع للبائع بعد العقد بأنه إن جاء بالثمن إلى أجل كذا، فالمبيع له ويلزم المشتري متى جاءه بالثمن في خلال الأجل أو عند انقضائه أو بعده على القرب منه، ولا يكون للمشتري تفويت في خلال الأجل، فإن فعل ببيع أو هبة أو شبه ذلك نقض إن أراده البائع، ورد إليه " (٢) (٣)

стр. 7931

هذا إذا انعقد البيع مطلقا من غير شرط ووقعت المواعدة بعد انعقاد البيع، وقد صرح عدة من الفقهاء بأن الحكم كذلك لو وقعت المواعدة قبل انعقاد البيع، ثم انعقد البيع مطلقا من غير شرط. قال القاضي ابن سماوة الحنفي ﵀: " لو شَرَطا شرْطًا فاسدًا قبل العقد، ثم عَقَدا، لم يبطل العقد، ويبطل لو تقارنا) (١) . وقال في مسألة البيع بالوفاء: " وكذا لو تواضَعَا الوفاء قبل البيع، ثم عقَدا بلا شرط الوفاء فالعقد جائز، ولا عبرة بالمواضعة السابقة " (٢) . وحكاه ابن عابدين في رد المحتار، واعترض عليه، قال: " في جامع الفصولين أيضا: لو شرطا شرَطًا فاسدًا قبل العقد ثم عقدا، لم يبطل العقد. اهـ. قلت: وينبغي الفساد لو اتفقا على بناء العقد عليه كما صرجوا به في بيع الهزل كما سيأتي آخر البيوع " (٣) . ولكن تعقبه العلامة محمد خالد الأتاسي رحمه الله تعالى بقوله: " أقول: هذا بحث مصادم للمنقول (أي ما هو منقول في جامع الفصولين) كما علمت، وقياسه على بيع الهزل قياس مع الفراق، فإن الهزل، كما في المنار، هو أن يراد بالشيء ما لم يوضع له ولا ما يصلح له اللفظ استعارة، ونظره بيع التلجئة، وهو كما في الدر المختار، أن يظهرا عقدًا وهما لا يريدانه. وهو ليس ببيع في الحقيقة، فإذا اتفقا على بناء العقد عليه فقد اعترفا بأنهما لم يريدا إنشاء بيع أصلا، وأين هذا من مسألتنا؟ . . . وعلى كل حال، فاتباع المنقول أولى " (٤) . ولهذا أفتى جماعة من متأخري الحنفية بأن المواعدة المنفصلة عن عقد البيع، سواء كانت قبل العقد أو بعده، لا يلتحق بأصل العقد، ولا يلزم عليه البيع بشرط، أو صفقة في صفقة، فلا مانع حينئذ من جواز العقد (٥) وربما يقع هاهنا إشكال، وربما يقع هاهنا إشكال، وهو أن المواعدة إذا وقعت قبل العقد، فالظاهر أنها ملحوظة عند العقد لدى الفريقين ولو لم يتلفظا بها صراحة عند الإيجاب والقبول، وأنهما لا يبنيان العقد المطلق إلا على أساس ذلك الوعد السابق، فلم يبق هناك فرق بين هذا العقد المطلق الذي سبقه مواعدة من الفريقين، وبين العقد الذي شرط فيه العقد الآخر صراحة، وينبغي أن يكون الحكم دائرًا على حقيقة المعاملة دون صورته، وأن تكون المواعدة السابقة في حكم الشرط في البيع في عدم الجواز.

стр. 7932

والجواب عن هذا الإشكال على ما ظهر لي – والله سبحانه أعلم – أن الفرق بين المسألتين ليس في الصورة فحسب، بل هناك فرق دقيق في الحقيقة أيضا وذلك أن العقد الواحد إن كان مشروطا بالعقد الآخر، والذي يعبر عنه بالصفقة في الصفقة، لا يكون عقدا باتا، وإنما يتوقف على عقد آخر بحيث لا يتم العقد الأول إلا به، فكان في معنى العقد المعلق أو العقد المضاف إلى زمن مستقبل، فإذا قال البائع للمشتري بعتك هذه الدار على أن تؤجر الدار الفلانية لي بأجرة كذا، فمعناه: أن البيع موقوف على الإجارة اللاحقة، ومتى توقف العقد على واقع لاحق، خرج من حيز كونه باتًّا، وصار عقدا معلقا، والتعليق في عقود المعاوضة لا يجوز، ولو حكمنا بمقتضى هذا العقد، وامتنع المشتري من الإجارة، فإن ذلك يستلزم أن يرتفع البيع تلقائيا، لأنه كان مشروطا بالإجارة، وعند فوات الشرط يفوت المشروط. فالعقد إذا شرط معه عقد آخر، كان ذلك في معنى تعليق العقد الأول على العقد الثاني، وصار كأنه قال: (إن اجرتني الدار الفلانية بكذا فداري بيع عليك بكذا) . وهذا مما لا يجيزه أحد، لأن البيع لا يقبل التعليق. وهذا بخلاف ما لو ذكرا ذلك على سبيل المواعدة في أول الأمر، ثم عقدا البيع مطلقاً عن شرط، فإن البيع ينعقد من غير تعليق بيعا باتا ولا يتوقف تمامه على عقد الإجارة، فلو امتنع المشتري من الإيجارة بعد ذلك، فإنه لا يؤثر على هذا البيع البات شيئا، فيبقى البيع تامًّا على حاله. وغاية الأمر أن يجبر المشتري على الوفاء بوعده على القول بلزوم الوعد. لأنه أدخل البائع في البيع بوعده، فلزم عليه أن يفي بذلك الوعد قضاء عند المالكية. وهذا شيء لا أثر له على البيع البات الذي حصل بدون أي شرط، فإنه يبقى تامًّا، ولو لم يف المشتري بوعده. وبهذا تبين أن البيع إذا اشترط فيه العقد الآخر مترددًا بين التمام والفسخ، وإن هذا التردد يورث فيه الفساد، بخلاف البيع المطلق الذي سبقه الوعد بالشيء، فإنه لا تردد في تمام البيع، فإنه يتم في كل حال، وغاية الأمر أن يكون الوعد السابق لازمًا على المشتري على قول من يقول بلزوم الوعد. فالطريق المشروع للشركة المتناقصة الذي لا غبار عليه أن تقع هذه العقود الثلاثية في أوقاتها مستقلة بحيث يكون كل عقد منفصلا عن الآخر، ولا يشترط عقد في عقد، نعم، يجوز أن تحدث بينهما اتفاقية يتواعدان فيها بالدخول في هذه العقود، فيتفقان على أنهما يشتريان الدار الفلانية بمالهما المشترك، ثم يؤجر الممول حصته إلى العميل بأجرة معلومة، ثم يشتري العميل حصة الممول بأقساط متعددة إلى أن يتملك الدار كلها. ولكن هذه الاتفاقية لا تكون إلا وعدًا من الفريقين بإنشاء هذه العقود، ولا ينشأ أحد من هذه العقود إلا في وقته الموعود بإيجاب وقبول، ويقع العقد حينئذ مطلقًا من أي شرط فلا يشترط الإجارة في البيع، ولا البيع في الإجارة. القاضي محمد تقي العثماني

стр. 7933

المناقشة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها الرئيس: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. أعمال هذه الدورة مجدولة أمامكم، والظاهر أنه لا اعتراض على ترتيب أعمال هذا الجدول، وكذلك بالنسبة للعارضين والمقررين عرضت عليكم أو زُوِّدتم بها في بيان يضم أسماء العارضين وأسماء المقررين وتعداد الباحثين لكل قضية فقهية ستدرس في هذه الدورة بإذن الله تعالى. في هذه الجلسة الصباحية لدينا موضوع " التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها " وكان من المقرر أن يكون العارض هو فضيلة عضو المجمع الشيخ محمد عبد اللطيف الفرفور، لكن لشيء من الصداع ألم به – شفاه الله – سيكون العارض فضيلة الشيخ محمد تقي العثماني. قبل أن يتفضل الشيخ محمد تقي بالعرض أحب أن أعيد إلى ذاكرة أصحاب الفضيلة أن الوقت محدد وأن المناقشات أحيانًا تتكرر وتتسع وتخرج عن الموضوع، فمثلا إذا كان البحث في قضية عينية لها تعلق بالمصارف الإسلامية يأتينا البحث من أحد الإخوان – وهو مشكور على كل حال – في قضية المصاريف الإسلامية ككل أو في قضية الربا ككل أو في أي قضية من القضايا التي تخرج عن ذات الموضوع إلى الإطار الكلي، وهذا لا يخدم الموضوع لأن المراد هو بيان المدرك الفقهي لذات القضية المبحوثة محافظة على الوقت ومحافظة على قيمة البحوث، وأنتم تعلمون أن المداولات والمناقشات تسجل وتنشر وهي تعطي انطباعًا عن نفس الباحث أو المناقش في أي موضوع من هذه الموضوعات. لهذا أرجو أن تجدوا لي عذرًا حينما يتبين – وحسب رغبة كثير من أصحاب الفضيلة الأعضاء – أن بعض الأخوة في المناقشة قد يطيل وقد يكون هناك خروج عن الموضوع مما يكون على حساب وقت هذه الجلسة، فأرجوا أن تجدوا لي عذرًا في أن نشير إلى الاختصار ونعطي الكلمة لأحد الباحثين من أصحاب الفضيلة المشايخ وشكرًا. الشيخ محمد تقي، تفضل.

стр. 7934

القاضي محمد تقي العثماني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبى الأمي وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فإن الموضوع المطروح لدى هذه الجلسة هو موضوع " التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها " وإن البحوث المقدمة في هذا الموضوع أربعة: بحث للدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور، وبحث لفضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي، وبحث للأستاذ الدكتور عبد الله إبراهيم، وبحث لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه. أريد في هذا العرض أن آتي بخلاصة ما كتب في هذه الأبحاث الأربعة. ويدور الكلام في هذا الموضوع على نقاط ثلاثة: الأولى التعريف بالموضوع، والثانية الطرق المستخدمة في البنوك العقارية التقليدية وبيان ما يجري فيها من الحكم الشرعي من الناحية الشرعية، والثالثة ذكر الحلول الشرعية والبدائل الشرعية التي بها أتى الباحثون في بحوثهم لغرض التمويل العقاري.

стр. 7935

فأما التعريف بالموضوع: فإن التمويل العقاري يتعلق بحاجة من الحاجات الأصلية للإنسان وهي السكن التي لا يمكن للمرء أن يعيش بدونها، قال : ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ وروي عن عائشة – رضي الله تعالى عنها – عن رسول الله ﷺ أنه قال ((ثلاث من السعادة، المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والمركب الهنيء)) ، وأن الحصول على المسكن الواسع المناسب أصبح اليوم في مقدمة المشاكل التي يجابهها المرء في حياته ولا سيما في المدن الكبيرة المزدحمة بالعمران، وذلك لتعقد الحياة وكثرة السكان وغلاء الأسعار، ونظرًا إلى هذا ظهرت في معظم البلاد اليوم مؤسسات تقوم بتمويل الناس لشراء المساكن أو بنائها، ولكن أكثرها إنما تعمل في إطار النظام الربوي، فتقدم إلى عملائها قروضًا وتطالبهم على ذلك بالفائدة المعينة المتفق عليها في عقد التمويل. وبما أن هذا العقد يقوم على أساس الربا وهو من أكبر المحرمات التي نهى عنها الله في كتابه المجيد، فإن لا يجدر بأي مسلم أن يدخل في عقد يقوم على هذا الأساس الفاسد، وأن البحوث الأربعة المقدمة في هذا الموضوع كلها متفقة على أن هذا الطريق الذي تتعامل به البنوك العقارية التقليدية لا يجوز شرعا، ومحرم على كل مسلم أن يتعامل بها، وحينئذ يجب على علماء المسلمين أن يقترحوا للناس طرقًا للتمويل العقاري لا تعارض أحكام الشريعة الغراء، والتي يمكن أن تتخذ كبديل للتمويل الذي يقوم على أساس الربا المحرم شرعًا، وإن الأصل في الدولة الإسلامية أن تقوم بواجبها في توفير الحاجات الأساسية لشعبها، وتهيئ لهم هذه الحاجات دون أن تطالبهم على ذلك بربح أو فائدة وبما أن السكن من الحاجات الأساسية لكل إنسان فمن حقه أن يحصل عليه في حدود إمكانياته المالية، ومن كانت إمكانياته ضيقة لا يستطيع بها أن يشتري مسكنًا أو بينيه، فعلى الدولة أن تقوم بقضاء حاجته، إما بأن تساعده من صندوق الزكاة إن كان مستحقًا لها، وإما بأن تبيع إليه المسكن على أساس التكلفة الفعلية دون أن تطالبه على ذلك بربح، وإما بأن توفر له قرضًا حسنًا لا تتقاضى عليه أية فائدة، وإن هذه الطرق الثلاثة هي الأصل في التمويل العقاري، وهي التي توافق الروح الإسلامية وطبيعة المجتمع الإسلامي الذي يقوم على أساس المواساة والمساعدة على الخير والتعاون على البر، ولكن العمل بهذه الطرق الثلاثة أو بواحدة منها إنما يمكن لدولة تكون لديها موارد ضخمة ووسائل جمة، فإن كلًّا من هذه الطرق يتطلب أموالا غزيرة ولا سيما في عصرنا هذا الذي تضاعف فيه عدد السكان وغلت فيه الأسعار، ولا شك أن إمكانيات الدولة يمكن وينبغي أن تزاد بالتقليل من المصاريف غير المنتجة، والتحرس من النفقات الباهظة التي لا يقصد منها إلا الرياء أو الترف، ولكن معظم الدول اليوم لا تستطيع أن توفر السكن لجميع سكانها بهذه الطرق ولو بتخفيض مثل هذه النفقات، فحينئذ لابد من اختيار بعض الطرق التي لا تكلف الدولة بالتبرع المحض لتوفير المساكن، ولا بتحمل النفقات التي لا تطاق، وتكون في الوقت نفسه سالمة من الربا أو المحظورات الشرعية الأخرى، وإن البدائل التي تقدم بها الباحثون – البدائل لهذا النظام الربوي ٠ تتلخص في ستة بدائل، وهي:

стр. 7936

الأول: البيع المؤجل. الثاني: الشركة المتناقصة (وهذان البديلان عما اللذان ركزت عليهما في بحثي) . الثالث: (وقد أتى به الأستاذ الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور) وهو الاستصناع. الرابع: التأجير المنتهي بالتمليك (وهو الذي ذكره الأستاذ الدكتور عبد الله إبراهيم) . الخامس: ذكره أيضًا (الدكتور عبد الله إبراهيم) باسم الإقراض برسم التمليك. السادس: ذكره كذلك (الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور) ، وهو رائج في بعض البنوك العقارية السورية. فلنتحدث عن البدائل الستة:

стр. 7937

*أما البديل الأول: فهو (البيع المؤجل) وهو أن يتملك الممول بيتًا ثم يبيعه إلي العميل – وإني في عرضي هذا حينما أستعمل كلمة الممول أريد به من يقدم التمويل العقاري، وحينما أستعمل لفظ العميل فإني أقصد من يستفيد بذلك التمويل – فالبيع المؤجل هو أن يتملك الممول بيتًا ثم يبيعه للعميل بربح بيعًا مؤجلا، ويستلم منه الثمن بأقساط معلومة في عقد البيع، ويمكن أن يعقد هذا البيع المؤجل مطلقًا عن بيان نسبة الربح، وحينئذ يكون تعيين تلك النسبة بيد الممول، ويمكن أيضا أن يعقد البيع عن طريق المرابحة وذلك بأن يصرح في العقد بنسبة الربح الذي يتقاضاه الممول زائدا على تكاليفه الفعلية، فإن كان البيت موجودا عند التمويل ولا يحتاج إلى بناء، فللممول أن يشتريه ويبيعه إلى العميل بالطريق المذكور، وإن لم يكن هناك بيت مبني ويريد العميل أن يبنيه فحينئذ يستطيع الممول أن يوكل العميل ببناء البيت، ويكون بناؤه على ملك الممول وإنما يشرف عليه العميل كوكيل له، وحينما يتم البناء يبيعه الممول إلى العميل بيعا مؤجلا، وهذا إذا كان العميل لا يمكن له أن يستخدم شيئا من ماله نقدا في شراء البيت أو بنائه، أما إذا كان العميل يستطيع أن يقدم حصة من تكاليف البيت نقدا غير أن السيولة الموجودة عنده لا تفي بجميع النفقات اللازمة للشراء أو للبناء فيريد أن يطلب من الممول الحصة الباقية فقط كما هو الحال في أكثر التمويلات العقارية اليوم، فيمكن له أن يتملك جزءا من البيت بمال نفسه، بأن يقع شراء البيت مشتركا من الممول والعميل، فيقدم الممول نصف ثمن البيت – مثلا – ويقدم العميل النصف الآخر ويكون البيت بينهما مشاعا بالنصف، ثم يبيع الممول نصفه إلى العميل بيعا مؤجلا بثمن أكثر من الثمن الذي دفعه إلى بائع البيت، أما إذا كان المقصود بناء البيت على أرض خالية فيمكن استخدام نفس الطريق في شراء الأرض، بأن يقع شراؤها على سبيل الاشتراك بين الممول والعميل ثم يبيع الممول حصته في الأرض إلى العميل مؤجلا بثمن أكثر، فإن كانت الأرض مملوكة للعميل أو صارت ملكًا له بهذا الطريق المذكور وأراد العميل التمويل للبناء عليها، فإنه يمكن للممول والعميل أن يبنيا البيت على أساس المشاركة فيدفع هذا نصف نفقة البناء ويدفع ذاك النصف الآخر فيقع البناء مشاعا بينهما بالنصف، وحينما يتم البناء يمكن للممول أن يبيع حصته من البناء إلى شريكه العميل مؤجلا بربح، وبيع الرجل حصته في البناء إلى شريكه لانزاع في جوازه ـ ولضمان أداء الثمن المؤجل يجوز أن يطلب الممول رهنًا من العميل وبالإمكان أن يمسك مستندات ملك البيت كرهن عنده، وإن هذا الطريق لا غبار عليه شرعًا، غير أن الممول لا يستطيع أن يقدم مثل هذه التمويلات إلا إذا كان على ثقة كاملة بأن العميل سوف يشتري منه ما سيتملكه الممول من البيت أو البناء، لأنه إن امتنع العميل من الشراء بعدما أنفق عليه الممول نفقات باهظة فإن ذلك لا يحدث ضررا بالممول فحسب بل سوف يخيب هذا النظام بأسره، وبما أن البيع لا يجوز أن يضاف إلى ثمن المستقبل فلا بد لنجاح هذا الطريق أن يتعهد العميل مسبقًا بأنه يلتزم بشراء حصة الممول بعدما يمتلكها. وإن هذا التعهد من العميل، إن كان وعدًا محضًا، والوعد عند أكثر الفقهاء لا يكون ملزما في القضاء، ولكن هناك عددًا من الفقهاء جعلوا الوعد ملزمًا في الديانة والقضاء جميعًا، وهو المذهب المشهور عند مالك ﵀، فإنه يجعل الوعد ملزما، وقد أتيت ببعض النصوص الفقهية في هذا الصدد، لا حاجة بنا أن نقرأها لأن هذا الموضوع قد فرغ منه في الدورة السابقة للمجمع.

стр. 7938

فبناء على هذه النصوص الفقهية، يجوز أن تجعل مثل هذه المواعيد لازمة في القضاء فإذا تعهد العميل في الاتفاقية الموقع عليها من قبل الفريقين أنه سوف يشتري حصة الممول من البناء أو العقار، فإنه يكون ملزمًا بوفاء هذا الوعد قضاء وديانة، ولكن يجب ألا يقع البيع إلا بعدما يمتلك الممول حصته، فإن البيع لا يضاف إلى المستقبل، وعلى هذا يجب أن يقع عند ذلك عقد البيع بالإيجاب والقبول. وهناك نقطة أخرى في هذا الموضوع قد أثارها وتناولها بالبحث الدكتور عبد الله إبراهيم في بحثه وهي مسألة تتعلق بتحديد نسبة الربح التي يتقاضاها الممول من العميل، وقد أشار فضيلته إلى أن المعمول به في أكثر المصارف الإسلامية في عمليات المرابحة، أنها تحدد نسبة الربح على نفس الأساس الذي يحدد به البنوك الربوية نسبة فوائدها وهذا شيء ينبغي أن تبتعد عنه المصارف الإسلامية والمؤسسات المالية التي تسير على أسس شرعية، لأنها تشابه عقد الربا ولا سيما في التمويل العقاري، فإن التمويل المقدم فيه إنما يقدم لسد حاجة أصلية وليس للاستثمار، فلا ينبغي للممول أن يطالب عميله بنفس المبلغ الذي تتقاضاه الجهات المرابية. هذا بالنسبة للبديل الأول وهو (البيع المؤجل) .

стр. 7939

* والبديل الثاني: هو (الشركة المتناقصة) وإن هذا الطريق يتلخص في النقاط التالية: ١-إن الممول والعميل يشتريان البيت على أساس شركة الملك، فيكون البيت مشاعا بينهما بنسبة حصة الثمن التي دفعها كل واحد منهما، فإن دفع كل منهما نصف الثمن، يكون البيت مشاعا بينهما بالنصف، وإن دفع أحدهما الثلث والآخر الثلثين، وكان البيت بينهما أثلاثا، وهكذا. ٢-ثم يؤجر الممول حصته من البيت إلى العميل بأجرة شهرية وسنوية معلومة بينهما. ٣- وتقسم حصة الممول على سهام متعددة معلومة، كالعشرة مثلا. ٤- وبعد كل فترة دورية متفق عليها بين الفريقين (كستة أشهر مثلا) يشتري العميل سهما من هذه السهام بحصتها من الثمن. فإن كانت حصة الممول مثلا تساوي مائتي ألف روبية، فإن كل سهم من سهامها العشرة يقوم بعشرين ألف روبية فبعد كل ستة أشهر يشتري العميل سهما بعشرين ألف روبية. ٥- وبعد شراء كل سهم من حصة الممول تنتقص ملكيته في البيت، وتزداد ملكية العميل. ٦- وبعد شراء كل سهم من حصة الممول، تنتقص الأجرة بحساب ذلك السهم، فإن كانت أجرة حصة الممول بكاملها ألف روبية مثلا، فإنها تنتقص بعد شراء كل سهم بقدر مائة روبية، فتصير الأجرة بعد شراء السهم الأول تسعمائة روبية، وبعد شراء السهم الثاني ثمانمائة روبية، وهكذا. ٧- حتى إذا اشترى العميل سهام الممول كلها صار البيت كله مملوكا للعميل، وانتهت الشركة والإجارة معا. وإن هذا الطريق من التمويل العقاري يشتمل على عقود ثلاثة: العقد الأول: لإحداث شركة الملك. والثاني: إجارة حصة الممول. والثالث: بيع السهام المتعددة من حصة الممول إلى العميل. فلنتكلم أولا على كل عقد على حدة ثم لنبحث عن مدى شرعية هذا الطريق بمجموعه: أما شراء البيت بمالهما المشترك، فلا مانع منه شرعًا، ويحدث بذلك شركة الملك بينهما، فإن شركة الملك عرفها الفقهاء كالتالي: " شركة الملك هي أن يملك متعدد عينًا أو دينًا بإرث أو بيع أو غيرهما ". فهذه الشركة في البيت قد حدثت بالشراء بمالهما المشترك، فكان البيت مشتركًا بينهما بشركة الملك.

стр. 7940

وأما إجارة حصل الممول من العميل، فهذه إجارة جائزة أيضًا، لأن إجارة المشاع من غير الشريك وإن كان في جوازه خلاف بين الفقهاء ولكنه لا خلاف في جواز إجارة المشاع من الشريك. وذكرت النصوص الفقهية في هذا الشأن عن المغني لابن قدامة وعن رد المحتار وما إلى ذلك. فظهر بهذا أن هذه العقود الثلاثة من المشاركة في الملك، والإجارة، والبيع، كل واحد منها صحيح في حد ذاته، فإن وقعت هذه العقود من غير أن يشترط أحدها في الآخر، بل يعقد كل منها مستقلًا، فلا غبار على جوازها. وأما إذا وقعت هذه العقود باتفاق سابق بين الفريقين، فربما يبدو أن ذلك لا يجوز، لكونه صفقة في صفقة، أو لكون العقد الواحد شرطًا زائدًا في العقد الآخر، وإن الصفقة في الصفقة لا تجوز، حتى عند من يجوز بعض الشروط في البيع، كالحنابلة، وقال ابن قدامة ﵀: " الثاني (أى النوع الثاني من الشرط) فاسد، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: أن يشرط على صاحبه عقدًا آخر، كسلف أو قرض، أو بيع أو إجارة أو صرف الثمن أو غيره، فهذا يبطل البيع ". والنص مذكور بكامله في بحثي. ولكن هذا المحظور – يعني محظور الصفقة في صفقة – إنما يلزم إذا كان العقد الواحد مشروطًا بالعقد الآخر في صلب العقد، أما إذا وقعت هناك مواعدة بين الفريقين، بأنهما يعقدان الإجارة في الوقت الفلاني، والبيع في الوقت الفلاني، وانعقد كل عقد في وقته مطلقًا من أي شرط، فالظاهر أنه لا يلزم منه الصفقة في الصفقة وقد صرح به الفقهاء في عدة مسائل، ولا سيما في مسألة البيع بالوفاء، وقد ذكر في الفتاوى الخانية: " وإن ذكرا البيع من غير شرط، ثم ذكر الشرط على وجه المواعدة، جاز البيع ويلزمه الوفاء بالوعد، لأن المواعدة قد تكون لازمة فتجعل لازمة لحاجة الناس ". فالبيع بالوفاء كان غير جائز عند الحنفية، ولكنهم جوزوا أن تقع المواعدة قبل البيع أو بعده فينعقد البيع مطلقًا عن الشرط ثم يقع الوعد الملزم، وهذا ما صرح فقهاء الحنفية بجوازه، وبمثله صرح علماء المالكية في مسألة البيع بالوفاء الذي يسمى عندهم " بيع الثنيا " فإنه لا يجوز عندهم في الأصل. ولكن إذا وقع البيع مطلقًا عن هذا الشرط، ثم وعد المشتري البائع بأنه سوف يبيعه إن جاءه بالثمن، فإن هذا الوعد صحيح لازم على البائع، كما ذكره الحطاب وذكرت نصه.

стр. 7941

هذا إذا انعقد البيع مطلقًا من غير شرط، ووقعت المواعدة بعد انعقاد البيع. وقد صرح عدة من الفقهاء، بأن الحكم كذلك لو وقعت المواعدة قبل انعقاد البيع، ثم انعقد البيع مطلقًا من غير شرط، قال القاضي ابن سماوة الحنفي ﵀: " شَرَطا شرطًا فاسدًا قبل العقد، ثم عقدا، لم يبطل العقد، ويبطل لو تقارنا ". وقال في مسألة البيع بالوفاء: " وكذا لو تواضعا الوفاء قبل البيع، ثم عقدا بلا شرط الوفاء فالعقد جائز، ولا عبرة بالمواضعة السابقة ". وحكاه ابن عابدين في رد المحتار واعترض عليه، ولكن أجاب عنه العلامة محمد خالد الاتاسي – ﵀ – في شرح المجلة، وقد ذكرت نص كل واحد منهما. ولهذا أفتى جماعة من متأخري الحنفية بأن المواعدة المنفصلة عن عقد البيع، سواء كانت قبل العقد أو بعده، لا تلتحق بأصل العقد، ولا يلزم منها البيع بشرط أو صفقة في صفقة، فلا مانع حينئذ من جواز العقد. وربما يقع ههنا إشكال، وهو أن المواعدة إذا وقعت قبل العقد، فالظاهر أنها ملحوظة عند العقد لدى الفريقين ولو لم يتلفظا بها صراحة عند الإيجاب والقبول، وإنهما لا يبنيان العقد المطلق إلا على أساس ذلك الوعد السابق، فلم يبق هناك فرق بين هذا العقد المطلق الذي سبقه مواعدة من الفريقين وبين العقد الذي شرط فيه العقد الآخر صراحة، وينبغي أن يكون الحكم دائرًا على حقيقة المعاملة دون صورتها، وأن تكون المواعدة السابقة في حكم الشرط في البيع في عدم الجواز، وهذا هو المنهج الذي سار عليه ابن عابدين – ﵀ – في رد المحتار. والجواب عن هذا الإشكار على ما ظهر لي – والله سبحانه أعلم – أن الفرق بين المسألتين ليس في الصورة فحسب، بل هناك فرق دقيق في الحقيقة أيضًا – وهذا شيء مهم – وذلك أن العقد الواحد إن كان مشروطًا بالعقد الآخر، والذي يعبر عنه بالصفقة في الصفقة، لا يكون عقدًا باتًّا، وإنما يتوقف على عقد آخر بحيث لا يتم العقد الأول إلا به، فكان في معنى العقد المعلق أو العقد المضاف إلى زمن مستقبل، فإذا قال البائع للمشتري – مثلًا – بعتك هذه الدار على أن تؤجر الدار الفلانية لي بأجرة كذا، فمعناه: أن البيع موقوف على الإجارة اللاحقة، ومتى توقف العقد على واقع لاحق، خرج من حيز كونه باتًّا، وصار عقدًا معلقًا، والتعليق في عقود المعارضة لا يجوز، ولو حكمنا بمقتضى هذا العقد، وامتنع المشتري من الإجارة، فإن ذلك يستلزم أن يرتفع البيع تلقائيًّا، لأنه كان مشروطًا بالإجارة، وعند فوات الشرط يفوت المشروط.

стр. 7942

فالعقد إذا شُرِط معه عقد آخر، كان ذلك في معنى تعليق العقد الأول على العقد الثاني، وصار كأنه قال: إن آجرتني الدار الفلانية بكذا فداري بَيْع عليك بكذا. وهذا مما لا يجيزه أحد؛ لأن البيع لا يقبل التعليق. وهذا بخلاف ما لو ذكرا ذلك على سبيل المواعدة في أول الأمر، ثم عقدا البيع مطلقًا عن الشرط، فإن البيع ينعقد من غير تعليق بيعًا باتًّا ولا يتوقف تمامه على عقد الإجارة، فلو امتنع المشتري من الإيجار بعد ذلك، فإنه لا يؤثر على هذا البيع الباتّ شيئًا فيبقى البيع باتًّا على حاله وغاية الأمر أن يجبر المشتري على الوفاء بوعده، على القول بلزوم الوعد، لأنه أدخل البائع في البيع بوعده، فلزم عليه أن يفي بذلك الوعد قضاء عند المالكية. وهذا شيء لا أثر له على البيع الباتّ الذي حصل بدون أي شرط، فأنه يبقى تامًّا ولو لم يف المشتري بوعده. وبهذا يتبين أن البيع إذا اشترط فيه العقد الآخر يبقى مترددًا بين التمام والفسخ، وإن هذا التردد يورث فيه الفساد، بخلاف البيع المطلق الذي سبقه الوعد بالشيء، فإنه لا يتردد في تمام البيع، فإنه يتم على حال. وغاية الأمر أن يكون الوعد السابق لازمًا على المشتري على قول من يقول بلزوم الوعد. فالطريق المشروع للشركة المتناقصة الذي لا غبار عليه أن تقع هذه العقود الثلاثة في أوقاتها مستقلة بحيث يكون كل عقد منفصلًا عن الآخر، ولا يشترط عقد في عقد. نعم، يجوز أن تحدث بينهما اتفاقية يتواعدان فيها بالدخول في هذه العقود، فيتفقان على أنهما يشتريان الدار الفلانية بمالهما المشترك، ثم يؤجر الممول حصته إلى العميل بأجرة معلومة، ثم يشتري العميل حصة الممول بأقساط متعددة إلى أن يتملك الدار كلها. ولكن هذه الاتفاقية لا تكون إلا وعدًا من الفريقين بإنشاء هذه العقود، ولا ينشأ أحد من هذه العقود إلا في وقته الموعود بإيجاب وقبول، ويقع العقد حينئذ مطلقًا من أي شرط، فلا يشترط الإجارة في البيع، ولا البيع في الإجارة، هذا بالنسبة للبديل الثاني وهو (الشركة المتناقصة) , * والبديل الثالث: الذي ذكره الأستاذ الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور هو (الاستصناع) والفرق بين هذا العقد – يعني عقد الاستصناع – وبين ما ذكرناه من البيع المؤجل، أن البيع المؤجل إنما يكون بعد تمام البناء أو بعد شراء الأرض أو البيت من قِبَل الممول، وأما الاستصناع فيمكن عقده قبل أن يشتري الممول الأرض أو البناء، وإن الاستصناع عقد مقبول شرعًا وقد ذكر الأستاذ عبد اللطيف الفرفور شروطًا لجوازه وهي الشروط التي ذكرها الفقهاء في كتبهم ويمكن استخدام هذا الطريق بعد توفير هذه الشروط ولكن الذي أراه أن هذا العقد إنما يمكن في الصور التي يبذل فيها الممول كل المبلغ المطلوب لبناء المسكن أو شرائه. وأما في الصور التي يتقدم فيها الممول بجزء من المبلغ المطلوب فقط، والجزء الآخر يتقدم به العميل بنفسه فإنه من العسير استخدام هذا الطريق في تلك الصور.

стр. 7943

*والبديل الرابع: الذي ذكره الأستاذ الدكتور عبد الله إبراهيم، هو (التأجير المنتهي بالتمليك) وهذا موضوع لعنا قد فرغنا منه في الدورة السابقة فلا يحتاج إلى مزيد من التفصيل. * وبالنسبة للبديل الخامس: هناك صورة ذكرها أيضًا الأستاذ عبد الله إبراهيم وهي (الإقراض برسم التمليك) وقد ذكر أنه لا يجوز شرعًا، ولكنني لم أستطع أن أفهمه حق الفهم لأنه طريق يتبع في ديار ماليزيا ولم أتمكن من فهمه تمامًا، فيمكن لسيادة الدكتور أن يشرحه في مناقشته. أما البديل السادس: الذي ذكره الأستاذ محمد عبد اللطيف الفرفور فإنه متبع في البنوك العقارية السورية، وهو أيضًا لم أتفهمه حق الفهم، فألتمس من فضيلته حينما يتدخل في مناقشاته أن يشرح لنا هذه الصورة. وهذا ما أردت أن أبينه وألخصه لكم من البحوث الأربعة. والله أعلم، وعلمه أتم وأحكم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 7944

الدكتور عبد الله إبراهيم: بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. شكرًا لفضيلة الرئيس ولأصحاب الفضيلة، وأحب أن أشارك في العرض فضيلة الشيخ محمد تقي العثماني، خاصة وقد أشار إلى أحد الأوجه للتمويل باسمي، وهو (الإقراض برسم التمليك) فإنه – كما سمعنا – يطلب أن يفهم طريقة تطبيق هذا الوجه. والواقع أن هذا الوجه ليس تطبيقًا ماليزيًّا، لا يوجد في ماليزيا هذا التطبيق وإنما ذكرت ذلك نقلًاعن بحث للدكتور أوصاف أحمد، وهو بحث قدمه في المؤتمر السنوي السادس للمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت – عمان) ما بين ١٨-٢١/٦/١٩٨٧م. فقد ذكر الدكتور أوصاف أحمد هذا الوجه باسم (الإقراض برسم التمليك) كوجه من أوجه التمويل، وهذا يعني أن البنك يتملك أشياء منقولة أو غير منقولة ويؤجرها للعميل مقابل تعهد الأخير بدفع أقساط متساوية في آجال معينة، ولمدة يتفق عليها في حساب توفير يفتحه البنك لهذه الغاية، ويعطي البنك تفويضًا بحق استثمار موجدات الحساب، ويمكن إضافة الأرباح إلى هذا الحساب، وعندما تتكامل الأقساط يلغى العقد وتنتهي الإجارة وتنتقل الملكية من البنك إلى العميل، هذا ما ذكره الأستاذ الدكتور أوصاف أحمد، تعريفًا لهذا الوجه وهو (الإقراض برسم التمليك) ، ولكني كما قلت هنا لا أدري ما إذا كان المشتركون بالمؤتمر قد تناولوا هذا الوجه من أوجه التمويل بالمناقشة واتخاذ موقف معين سابق؟ ومهما كان الأمر فإنني وجدت – كما يظهر لي – أن هذا الوجه لا يخرج عن دائرة القروض بالفائدة الربوية، لأن الشيء حينما يؤجر بتلك الأقساط المدفوعة في تلك الآجال المعينة، وباعتبار أنها إقراض يكون الرسم المضاف إلى القرض فائدة عليه، وما دام العقد يتم باعتبار أنه إقراض، وهناك رسم يضاف باسم الفائدة، فهذا طبعًا وجه لا يخرج عن التطبيق الربوي. ولهذا أرى أن هذا الوجه لا يكون صالحًا لتطبيقه في مسألتنا (مسألة تمويل بناء المساكن وشرائها) ، اللهم إلا إذا صحح مساره ويعقد عقد بربح أو يعقد عقد بيع بثمن آجل على أقساط متساوية لآجال معينة بقيمة التكلفة المضاف إليها المقدار المناسب من الربح، فإذا صحح على هذا، فأنا أوافق أن يكون هذا الوجه صالحًا بأن يكون أحد أوجه التمويل الشرعي. وشكرًا.

стр. 7945

الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شكرًا أيها السيد الرئيس، كان بودي أن أقرأ العرض لولا ما تفضلتم به من العذر الذي أسأل الله بدعواتكم ودعوات زملائي في المجمع أن يعجل لنا جميعًا بالشفاء. بالنسبة لما تفضل به أخي وزميلي فضيلة القاضي الأستاذ الشيخ محمد تقي العثماني من الحلول التي أوردها عن بحثه القيم وعن بحث زميلي الأستاذ عبد الله إبراهيم، هذا لا كلام لي ولا تدخل لي فيه، ولكن ربما نسي فضيلته بحث الأستاذ السيد طنطاوي وأنا لم أقرأه ولم أتشرف بقراءته. ولعلكم أنتم تنظرون في هذه المسألة. أما بالنسبة لبحثي بالذات فربما العجلة حالت دونه ودون تعمقه في هذا البحث المتواضع. فأنا – العبد الضعيف – بالنسبة لهذا البحث قسمت المسألة قسمين: قسمًا يعالج الموضوع كأمر واقع – وقسمًا أرتئي فيه من الحلول أو أقترح حلولًا لأمور في المستقبل. أما بالنسبة للبحث حول الأمر الواقع فجعلت ما هو واقع الآن إما أن يكون استصناعًا – كما تفضل أخي الأستاذ القاضي حفظه الله – بشروطه، وإما أن يكون بيعًا بالتقسيط إلى أجل – أيضا – بشروطه وضوابطه، هذا فيما هو واقع. ثم بينت أن ما هو واقع إذا جعلناه استصناعًا أو جعلناه بيعًا بالتقسيط أو جعلناه أيًّا ما كان، فأنه لا يخلو أبدًا عن شبهة الربا إن لم تكن حقيقة الربا، هذا ما بينته بشكل واضح جدًّا وحتى ربما بتوسع، فإن المسألة في بلادنا – حسب ما هو موجود الآن – عبارة عن مدخل إلى العقد ثم هناك شبهة الربا، فتظل هذه المسألة حتى يخصص البيت أو المنزل من الجمعية السكنية - لأنه تقوم جمعيات سكنية بإشراف الدولة، وليست هي الدولة التي تقوم ولكن بإشراف إداري – ثم إما أن تظل شبهة الربا وهو اختلاط الأموال الربوية واستقراض الجمعية من البنوك الربوية بالفائدة، وحينما يخصص المنزل يقال للشاري: إما أن تأتينا بما بقي من المال ويتخلص من حقيقة الربا – تقريبا – وتبقى الشبهة، أو ربما وَكَّلَهُم الشاري فقال لهم: ادفعوا لي أنتم استقرضوا لي من البنك وأنا أدفع لكم الكمالة، في جميع الأحوال حتى لو أننا كيفناه بعقد استصناع أو ببيع إلى أجل فلا يخلو الأمر أبدًا من شبهة الربا إن لم يكن حقيقة الربا. لذلك اقترحت في بحثي – وهذا جهد المقل – حالتين:

стр. 7946

الحالة الأولى: أن تتولى الدولة حصرًا حل مشكلة الإسكان بأن تلتزم الدولة باعتبارها ولي الأمر – وأنها يجب عليها أن توفي الناس مساكنهم لأن المسكن هو الحاجة الدنيا أو الحاجة الأولى، على الأقل مسكن عادي جدًّا، ليس شرطًا أن يكون فيه ترف أو رفاهية – وأن يكون ذلك بيعًا بالتقسيط وعلى الدولة أن تتلخص من المعاملات الربوية قدر الاستطاعة، لأن الربا هنا مسألة تداخلت في الموضوع وليست أصلًا فيه، فيمكن تخليص العقد من الربا. الحالة الثانية: وهذا لم يتوفر في بلدنا وهو وجود بنوك إسلامية ولعله توفر في المملكة العربية السعودية وفي الأردن – كما سمعت – وفي مصر، ونرجو الله أن يتوفر في بلدنا، فإذا قامت البنوك الإسلامية على هذا الموضوع فإنها تلخص المشكلة كلها من الربا وتجعل له – لهذا الموضوع – حلًّا إيجابيًّا فقهيًّا إسلاميًّا مثمرًا على أحد الطريقين: إما الاستصناع، أو البيع إلى أجل. هذا ما اقترحته في بحثي، وهذا مجرد رأي، وكما قال الإمام أبو حنيفة – رضي الله تعالى عنه – فيما تعلمون علمًا: " هذا رأي وهو أحسن ما استطعنا أن نأتي به، فمن جاءنا بأحسن منه قبلناه ". والله تعالى أعلم، وشكرًا.

стр. 7947

الدكتور محمد رضا عبد الجبار العاني: بسم الله الرحمن الرحيم. شكرًا سيادة الرئيس. فيما ذكره الشيخ تقي العثماني – حفظة الله - في الطريقة الأولى للتمويل العقاري وهو البيع المؤجل، ذكر الطريقة الأولى ولا غبار عليها أن يتملك الممول ثم يبيع بربح أو مرابحة إلى أجل مسمى. أما الطرق الأخرى التي بناها على الوكالة، فالحقيقة أن هذا ليس مسلمًا، وذلك لأن الوكالة عقد غير لازم، وإدخاله في مثل هذه المعاملة لا يجدي نفعًا، ثم إن الموكل هنا يوكل في بناء دار، والموكل المفروض فيه أن يدفع الثمن أو يثبت الثمن في ذمته، والأمر هنا ليس متحققًا إنما سيبيع الوكيل القائم بالعمل لمن وكله، وهذه الطريقة لا تسلم هنا أيضًا. الحل الثاني – أيضًا – في هذا الباب ذكر الوعد، والوعد هنا أيضًا كما دار في المناقشات السابقة وعند المالكية – بالذات – أنهم يلزمون في التبرعات لا في المعاوضات، فبناء المسألة على الوعد – أيضًا – لا يسلم. بالنسبة للطريق الثاني في قضية شركة الملك، والملك المشاع ثم التأجير، ثم بيع الملك أقساطًا أو أجزاءً: الحقيقة نحن أمام مسألة خطيرة جدًّا، ونفترض ثلاثة عقود ثم نقول إنه ينبغي أن يكون كل عقد منها مستقلًّا، كيف يتم هذا؟ تتم شركة ثم إجارة ثم بيع لأجزاء، ويريدها أيضًا على طريق المواعدة، وهذا الحل محل نظر شديد لأنه لكي تسلم المعاملة لابد من أن تكون العقود الثلاثة في عقد واحد وملزمة، وهذا طبعًا سيكون صفقات في صفقة وليس صفقة، ثم بناها أيضًا على المواعدة مرة أخرى، وأتى بالمواعدة في بيع الوفاء وأنها تلزم عند الحنفية، والحقيقة أن هذه خاصة في بيع الوفاء وليس في بيع العقار هنا على هذه الطريقة. لذلك لا يكون مسلَّمًا هنا إلى القول بأن الممول يشتري ثم يبيع بربح أو على طريقة المرابحة. والله أعلم، وشكرًا.

стр. 7948

الدكتور عبد السلام داود العبادي: بسم الله الرحمن الرحيم. فيما يتعلق بالنقطة التي طرحها فضيلة الرئيس في البداية، وهي موضوع عام أرجو أن أشير فيه إلى أنه لعله نستطيع في هذه الجلسة – أقصد في هذه الدورة – أن نتفق على أسلوب لإعداد البحوث حيث تخرج توجيهات للباحثين تطلب منهم التركيز على القضايا المطلوب التركيز عليها، لتحقيق ما تفضلتم به بحيث يكون البحث في إطار بيان الحكم الشرعي، لأنه يلاحظ على بعض البحوث أنها تخرج عن الموضوع وتقدم عرضًا لقضايا أخرى لا علاقة لها بصلب الموضوع، يجب في الواقع أن نميز في هذا الأمر بين أمرين: من حيث المساكن ومن حيث الجهات التي تتولى هذا الموضوع أيضًا بين جهتين. فيما يتعلق بموضوع المساكن هنالك مساكن للفقراء الذين لا يجدون ما يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء وعيون المارة – كما عبر ابن حزم – أي بعبارة أخرى تأمين حد الكفاية من حاجة السكن الذي لا يصح أن لا يوفر للإنسان في المجتمع الإسلامي، والأمر الآخر الذي هو مساكن فوق هذا الحد مما يحرص عليه الناس لمزيد من الراحة والتمتع، وهذا – ما دام لم يخرج إلى إطار الترف – لا تجد الشريعة فيه حرجًا. أما من حيث الجهات: - جهة الدولة كما أشارت بعض البحوث وجهة المؤسسات الاستثمارية التي تعالج هذا الموضوع وتشتغل به – فيما يتعلق بأمر الدولة هنا لا نستطيع أن ننيط بها أكثر من النوع الأول من المساكن، وهو مساكن الذين لا يجدون ما يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء وعيون المارة، باعتبار مسؤولية الدولة في تحقيق الحد الأدنى أو حد الكفاية بالنسبة للحاجات الأساسية ضمن التشريعات المقررة في هذا المجال ويقف على رأسها تشريع الزكاة كما نعلم جميعًا. لذلك أنا مع أستاذنا الشيخ محمد العثماني من حيث إن من الأمور التي يجب أن نركز عليها في مجتمعاتنا المعاصرة موضوع تحصيل الزكاة، وبالتالي يكون الإعطاء من الزكاة لحاجة السكن، باعتبار أن حاجة السكن حاجة أساسية يجب أن توفر للناس الذين لا يستطيعون أن يجدوا ذلك من الفقراء والمساكين، ويمكن أن تقوم الدولة بهذا الأمر عن طريق مؤسسة الزكاة أو صندوق الزكاة ببناء مشاريع توزع على الفقراء أو تدفع إليهم أموالًا منها لغرض بناء المساكن كما أن للدولة إمكانية استخدام مواردها الأخرى بأن تبني أو توزع على الفقراء ما يمكنهم من تأمين هذه الحاجة، وكذلك صورة القرض الحسن أيضًا في هذا المجال ممكنة، لكن الموضوع الآخر، إذا لم تجد الدولة المال الذي يكفيها لتحقيق هذه الحاجة الأساسية للفقراء، فمن المعلوم أن فقهاءنا قد عالجوا هذه القضية ونصوا بكل وضوح على أن من حق الدولة أن تفرض على الأغنياء ما يفي بحاجات الفقراء الأساسية، ومنها حاجة السكن، ولعل هذه الموضوع – موضوع فرض ضرائب جديدة – من الموضوعات التي يمكن أن تعالج باستفاضة في دورات قادمة، وقد أوضحت في إحدى الدراسات الخاصة بي حول هذا الموضوع أن حق الفقراء – حق الفقراء بالكفاية ومنها كفاية المسكن – متعلق بأموال الأغنياء، وأن للدولة أن تضع من التشاريع والأنظمة لتحقيق هذا الجهد.

стр. 7949

هذا في إطار الحاجة الأساسية لكل إنسان في المجتمع فيما يتعلق بحاجة السكن، ولكن فيما يتعلق بالموضوع الآخر: وهو تأمين مساكن فوق ذلك وتحقيق هذا عن طريق جهات تمويلية سواء أكانت من القطاع الخاص أو مؤسسات متخصصة بهذا الغرض تشرف عليها الدولة. ذكر الإخوة مجموعة من الصور بعضها في ظني محل اتفاق من حيث الجواز كأن تبني الشركة العقارية أو المؤسسة مشروعًا عقاريًّا وتبيعه بالتقسيط – والبيع بالتقسيط من الموضوعات المطروحة في هذه الدورة ولعله يصل فيها المجمع إلى قرار واضح – شريطة أن يكون السعر كما هو معلوم عند كثير من الذين أجازوا هذا من البداية ملحوظًا على أساس الكلفة والربح بدون أي إضافات مستقبلية إذا تم العجز عن تسديد الأقساط. وكذلك الصورة الثانية التي حاول أستاذنا الشيخ الفرفور أن يستفيد من عقد الاستصناع فيها وهي بيع بناء لم يقم بعد وفق مخططات ومواصفات واضحة، وهذا أيضًا في ظني من الصور الجائزة. هنا أريد أن أشير لقرارات الدورة الماضية التي يبدو أنها لم تلحظ في بحث الأستاذ العثماني عندما تحدث عن المرابحة للآمر بالشراء في هذا الموضوع، في ظني أن موضوع الرابحة للآمر بالشراء من الموضوعات التي يجب أن نحذر باستمرار ونحن نتحدث عنها حتى لا نكون أداة ووسيلة للربا، وفي الصورتين اللتين طرحتا لم يُنْتبه إلى هذا، لا في صورة المشاركة المتناقصة ولا في صورة المرابحة للآمر بالشراء، لأنه إذا تم الاتفاق مسبقًا على كل هذه الترتيبات، فيمكن أن تكون الصيغة ملحوظًا فيها عملية تمويلية زائد فوائد ربوية، فيكون الظاهر أنها عقود تستخدم الاصطلاحات الشرعية في عرضها، ولكن حقيقتها أن المؤسسة العقارية كل ما تريده أن تمنح هذا الإنسان قرضًا من المال ثم تضيف عليه فائدة معينة وتستوفيه على أقساط، لذلك لابد من التنبيه هنا – خاصة إذا أخذنا بلزوم الوعد – إلى أن العملية لا تنقلب إلى وسيلة للربا، وفي ظني أنه إذا تم الاتفاق مسبقا على هذا الترتيب، وبخاصة في عقود المرابحة التي محلها العقارات، أي مخاطرة تقع على الممول هنا فيما إذا قام بشراء أرض طلبت منه أو عقار، طلب منه أحد الأشخاص شراءها فقام بشرائها وتسجيلها باسمه ثم نقلها إلى ملك ذلك الإنسان بزيادة على ما دفع من ثمن لهذا العقار؟ في الواقع العملية أخرجت بهذه الصورة بدلا من أن يدفع المال مباشرة للآمر بالشراء دفع إلى صاحب العقار وما كانت الصورة إلا لإخراج هذا الأمر من إطار شكلية معارضته للربا.

стр. 7950

أما في موضوع المشاركة المتناقصة فيبدو أن الأستاذ العثماني قد طرح القضية خارج الاصطلاح الذي استقر عندنا في معنى المشاركة المتناقصة، وقد ركز في بحثه على قضية صفقة في صفقة، وكنت أود أن يركز أيضًا على أنه: كيف تحمى هذه الصورة من أن تقع في الربا أيضًا؟ لأن العملية عندما يقسط المبلغ الذي دفعه الشريك لتجري عملية سداده أولًا بأول على أقساط على أساس أنه ثمن لحصته في الشركة، هذا المبلغ إذا أضيف إليه ربح لحظ معدلات الفائدة ولحظ أن ٠الأجرة جزء منها يسدد كأجرة ثم حسم الأمر على هذا الأساس وأخرج كمعاملة أساسها قرض يجر نفعًا أو يجر فائدة، كيف يمكن أن نجيزه؟ لذلك الذي أرجوه أن يعاد النظر في النقطتين: نقطة المرابحة للآمر بالشراء، والمشاركة المتناقصة، ملاحظين ما تم إقراراه من شروط في بيع المرابحة للآمر بالشراء في الدورة الماضية، وخاصة فيما يتعلق بالحيازة والتملك وتحمل تبعة الهلاك، هذه القضايا التي تجعل العقد في إطار المخاطرة والتجارة الحلال، وملاحظين أيضًا التمييز الذي انتهى إليه المجمع في الدورة الماضية بين الوعد والمواعدة، والصورة التي أشير إليها في اتفاق فريقين على الوعد فهذه هي المواعدة وهذا ما نبه إليه المجمع في المرة الماضية. هنا أيضًا أحب أن أشير إلى الإقراض برسم التمليك. في ظني بشأن الإقراض برسم التمليك هناك استعجال من الأستاذ الكريم الدكتور عبد الله بالتحريم، وإذا تم الإمعان في هذه الصورة فإنه يمكن أن تكون جائزة شرعًا بشروط معينة، وشكرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →