← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

وحرى بنا ونحن نقدم العدد السادس من " مجلة مجمع الفقه الإسلامي" أن نؤكد للقارئ الكريم أن سنة مجلس المجمع التي جرى عليها منذ تأسيسه قد اعتمدت المنهج العلمي للوصول إلى اتخاذ قراراته الشرعية، وتوصياته المجمعية، فهو لا يفتأ يدرس واقع المسائل والمشكلات والنوازل، ويعرضها على أنظار العلماء والباحثين والخبراء، ويوازن بصددها بين الآراء ويفيد من اختلاف المذاهب الفقهية حتى يظهر له الدليل الشرعي بشأنها بالاستناد إلى مصادره الأساسية من القرآن الكريم، والسنة الشريفة، والإجماع، والقياس، مع مراعاة مصالح المسلمين في إطار المقاصد الشرعية، لتحقيق الحياة الإسلامية في شتى شئون الحياة المعاصرة. ومما تجدر الإشارة إليه - ونحن نقدم للقراء الأكارم هذا العدد السادس بأجزائه الثلاثة من: مجلة مجمع الفقه الإسلامي " - هو أن هذه البحوث التي أعدت حول الموضوعات التي طرحت على مجلس المجمع هي نتاج جهود مخلصة بذلها أصحاب الفضيلة العلماء والفقهاء، والأساتذة الخبراء والمتخصصون الذين نتقدم إليهم بخالص الشكر والثناء على ما يبذلونه من جهد في سبيل تبصير أمتهم بأمور دينها ويعملون ابتغاء مرضاة الله لتحقيق نهضتها، فجزاهم الله عنا وعن المسلمين بما يجزي به عباده الصالحين، وضاعف لهم - ولكل من أسهم في إنجاز هذا العمل الشريف - الأجر والمثوبة، إنه سميع كريم ودود رحيم. أسأل الله تعالى أن يسلكنا في زمرتهم، وأن يمدنا بالقوة لخدمة الإسلام والمسلمين، وأن يحفظ أمتنا ويأخذ بيدها للالتزام بخط الإسلام وتطبيق شرائعه وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبة وسلم. الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة

стр. 7877

كلمة صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة نيابة عن خادم الحرمين الشريفين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله خلق الإنسان علمه البيان، زوده بالفكر الثاقب والدراية الحميدة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي إلى الحق المبين وعلى آله وصحبه أجمعين: أيها الإخوة الأعزاء السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: إن من دواعي سروري أن أفتتح نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز الدورة السادسة للمجمع الفقهي، كما يسرني أن أرحب بكم في بلدكم وبين إخوانكم وإننا في المملكة العربية السعودية نستبشر كلما اجتمع علماء وفقهاء وحكماء الأمة الإسلامية، فبالأمس القريب اجتمع في القاهرة مندوبو الدول الإسلامية وتوصلوا إلى نتائج عظيمة في مقدمتها بل من أهمها التوصية بتطبيق الشريعة الإسلامية وأنتم هنا في المجمع الفقهي تواجهون شئون الحياة المتغيرة المتطورة بالكلمة الطيبة الحكيمة ودراسة القضايا المطروحة أمامكم بالبحث والتقصي علميًا ودينيًا لتحقيق مستقبل أفضل للمجتمعات الإسلامية. وبتطبيق الدول الإسلامية لقراراتكم وتوصياتكم تستطيع المجتمعات الإسلامية أن تكيف نفسها وعلاقاتها حسب تغير الزمن وتغير أوضاع الحياة دون أن تفقد الأمة الإسلامية خصائصها ومقوماتها الذاتية وحتى يتمكن المجتمع المسلم من أن يعيش ويستمر ويرتقي ثابتاً على أصوله وقيمه وغاياته متطوراً في معارفه وأساليبه وأدواته. أيها الإخوة الأعزاء: لقد مرت بنا فترة من الزمن نرى حولنا من ينظر بنظرة إعجاب إلى المعتقدات النظرية والأيدلوجيات الفكرية ويتمنون أن يسود هذا الفكر المجتمعات الإسلامية والإنسانية كلها شرقاً وغرباً باعتقاد أنه الحل السليم والوحيد للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيشها الإنسان ويعاني منها في جميع أدوار الحياة. ورأينا كيف انهار هذا الفكر المضاد لشريعة الله في الأرض بسرعة عجيبة فقد ثبت زيف هذه الأفكار والمعتقدات التي لا تنبع من واقع الإيمان لعدم انسجامها مع طبيعة الإنسان وفطرة الله التي فطره عليها. أيها الإخوة الكرام: إننا في المملكة العربية السعودية مع تمسكنا بكتاب الله وشرعه ومع التزامنا بهدى نبينا ﵊ نتابع ما يجري في العالم من متغيرات وتطورات ونأخذ منها ما يتمشى وديننا الحنيف وما يتناسب وتقاليدنا وأخلاقنا الإسلامية ونؤيد ما يصدر من مجمعكم الفقهي ونسأل الله أن يوفق المسلمين في كل مكان لتطبيق كتاب الله وشرعه في كل أمر من أمورهم. . كما نسأل الله ﵎ أن يلهم الأمم الإسلامية ما فيه رضاه وأن يوفقنا إلى الهدى والرشاد , والسلام عليكم. ماجد بن عبد العزيز

стр. 7878

كلمة معالي الأستاذ خالد أحمد الجسار وزير الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز آل سعود أمير مكة المكرمة معالي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي فضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجلس المجمع فضيلة الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام للمجمع أصحاب الفضيلة أعضاء المجمع وخبرائه الكرام السادة الضيوف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه. . وبعد: فإن أبرز خصائص شريعتنا الإسلامية السمحة الوفاء بحاجات الناس في كل عصر ومكان، مهما تطورت مرافق الحياة وتنوعت وسائلها، ولا سيما في المجالات التي شهدت وثبة أشبه ما تكون بالطفرة بفعل أدوات البحث وأجهزة الاستبصار بالحقائق الطبية ووسائل الاتصال والصيغ المبتكرة للتعامل في الأنشطة الاقتصادية، والانفجار الفكري في المقولات العقدية والتربوية، كل ذلك على أصعدة مشتركة ووفق تصورات جديدة ومعطيات فريدة. . وبالرغم من هذا كله لم تضق بها شريعتنا الغراء ولا عجز عنها ديننا الكامل، فهما العروة الوثقى وحبل الله المتين لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وبكتاب الله وسنة رسوله الأمان من الضلال، ومنهج الفوز والفلاح. إن مجمع الفقه الإسلامي كما يحقق صورة جلية من صور التعاون والتكامل في عالمنا الإسلامي فإنه عودة مدروسة للاجتهاد بصورة جماعية، وهو لون من ألوان الإجماع على الوجه المتاح عصرياً لوقوعه، ولا يخفى ما في ذلك من قطع دابر الخلاف الفكرى وتضييق شقة الاختلاف العملي، لمواجهة متطلبات العصر بما تستحق من طاقات علمية وثقافية، ومعالجة القضايا المستجدة بما يواكب آفاقها التشريعية والإجرائية للأجيال المتلاحقة.

стр. 7879

ولقد يسر الله لدولة الكويت أن تستضيف الدورة الخامسة للمجمع ـ تعبيرًا عن اهتمامها بدعم المشاريع العلمية الإسلامية على أوسع نطاق ـ وتحقيقًا لأهداف مؤسساتها وأنشطتها التي تعنى بخدمة الإسلام ونفع المسلمين، ولا سيما مشروع الموسوعة الفقهية التي صدر منها ثلاثة وعشرون جزءًا فضلا عن مشروع آخر علمي إسلامي تخطط وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت للمضي فيه مع البنك الإسلامي للتنمية في جدة لوضع كشاف آلي لمائة كتاب من أشهر مصادر الفقه الإسلامي بواسطة الحاسب الآلي، مع إعادة نشر تلك المصادر بما يضمن ملاءمتها مع ما انتهت إليه أصول الإخراج والنشر. وإذا كان هذان المشروعان يتعلقان بالفقه والتشريع فإن سمو أمير دولة الكويت – حفظة الله – قد رعى مشروعًا آخر أهداه للعالم الإسلامي وهو الموسوعة الإسلامية التي تشتمل على دراسة مستفيضة لأحوال وأوضاع العالم الإسلامي التاريخية والسكانية والغذائية والصحية والجغرافية والاجتماعية والثقافية وكل ما يحقق التكامل بين طاقات الأمة الإسلامية لتزداد تقدمًا وازدهارًا في شتى المجالات، وبهذا التعريف وتسليط الأضواء على أحوال المسلمين في بلادهم تتوثق علاقاتهم القائمة على أخوة الإيمان. إن هذا المجمع الفقهي الدولي الذي نشهد اليوم افتتاح دورته السادسة لهو أحد ثمرات منظمة المؤتمر الإسلامي – التي ترعى الكويت شئونها منذ ثلاث سنوات ويتولى سمو أميرها الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح رئاستها وتسيير دفتها بما آتاه الله من قوة وحرص على تحقيق ما فيه مصلحة الإسلام وخير المسلمين. . ولم تزل حية تلك الدعوة الحقة التي أعلنها من أعلى منصة دولية لحل مشكلة الديون العالمية، بإسقاط الفوائد عن الدول النامية التي تعاني من غلبة الدين ومعضلاته، وأن يشمل الإسقاط جزءا من أصول الديون عن الدول الأشد فقرا، فضرب بذلك مثلا للتكافل الاقتصادي في ظل مبادئ الإسلام، وطالب بالاحتكام إلى ما فيه من حلول لإحدى المشكلات العالمية التي تصيب الاقتصاد الدولي بالشلل إن لم يبادر إلى حلها. وإذا كان فيما مضى نمط من التحدث بنعمة الله، واستجماع الجهود والطاقات لنجاح المبادرات لتأخذ عمقها في مظلة التعاون الإسلامي المثمر فإن إزجاء الشكر لمستحقه واجب إذ لا يشكر الله من لا يشكر الناس. فلا يخفى الدور الكبير للملكة العربية السعودية بقيادة رائدها وقائد مسيرتها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله – في توفير ما يتطلبه هذا المجمع من مقومات ودعم مستمر، ومن خلال العناية التي توليها المملكة لتنفيذ مشروعاته ونشر إنتاجه وهي مأثرة تتواءم مع حرص المملكة على تجلية مبادئ الإسلام ودعم روابطه وإمداد مؤسساته داخل وخارج العالم الإسلامي. ولا يفوتني أن أشكر القائمين على المجمع فضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد والعالم الفاضل الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة لجهودهما المبرورة في الإعداد للدورات والتفاني في توثيق علاقات المجمع بالمؤسسات المشابهة في شتى أنحاء العالم الإسلامي. وفي الختام أسأل الله – – أن يبارك في أوقات هذه الدورة وأن يعين أعضاء المجمع وخبراءه ورئاسته على أداء الأمانة التي حملوها للحفاظ على أصالة هذا الدين وتحقيق خصائص هذه الشريعة بما يجدد للأمة دينها ويبعث فيها النهضة ويستثمر صحوتها، ويحقق آمالها، إنه سميع مجيب. . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. خالد أحمد الجسار

стр. 7880

كلمة معالي الدكتور حامد الغابد الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، وتفقه في دينه إلى يوم الدين. حضرة صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة وممثل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز صاحب الفضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجمع الفقه الإسلامي صاحب الفضيلة الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة أمين عام المجمع أصحاب المعالي أصحاب السعادة أصحاب الفضيلة أيها السادة الحضور السلام عليكم ورحمه الله وبركاته: يشرفني أن أشارك لأول مرة منذ تحملت مسئوليتي في الأمانة العامة في جلسة افتتاح هذه الدورة السنوية السادسة لمجمع الفقه الإسلامي التي يرعى أعمالها خادم الحرمين الشريفين مثلما رعى - حفظه الله - الدورات الأولى، والثانية، والرابعة لهذا الصرح الإسلامي العظيم. وإني لأشعر بسعادة غامرة لوجودي بينكم خاصة وأن هذه الدورة السادسة لمجمعكم الموقر تلتئم بعد أسابيع قليلة من احتفال المنظمة بعيدها العشرين الذي أقيم تحت الرعاية السامية لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، وبإشراف صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام. ويشرفني أن أنوه برعاية خادم الحرمين الشريفين، ودعمه المادي والمعنوي لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ولجميع المؤسسات المنبثقة عنها، وأود أن أؤكد بهذه المناسبة الكريمة بأن هذه الرعاية السامية للعمل الإسلامي المشترك ما هي إلا إمتداد للمنهج الذي اختطه المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ حيث حمل أبناؤه الكرام الراية من بعده، وبذلوا كل ما يملكون من جهد ومال في سبيل الدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية، وتوفير الأمن والراحة لضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين القادمين من كل فج عميق.

стр. 7881

واسمحوا لي أن أرفع لمقام خادم الحرمين الشريفين أسمى آيات الشكر والتقدير، وأن أشيد بما تحظى به منظمة المؤتمر الإسلامي وكافة أجهزتها من كريم رعايته، ودعمه السخي مما يمكنها من ممارسة أنشطتها في جو من الطمأنينة والأمان، فجزى الله خادم الحرمين الشريفين عن الأمة الإسلامية كل خير. كما أود أن أتقدم أيضاً إلى صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز، أمير منطقة مكة المكرمة، بوافر التقدير وأصدق عبارات الشكر لما قدمته جميع المصالح المختصة في منطقة مطلقة مكة المكرمة حتى أقيم الاحتفال بالذكرى العشرين لإنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي في أحسن الظروف، فأرجو أن أعبر من خلال سموه إلى كل المسئولين عن هذه المصالح عن مشاعر التقدير والامتنان. صاحب السمو الملكي حضرات السادة لقد أتيح لي أن أطلع عن كثب على أنشطة مجمع الفقه الإسلامي، وأن أتعرف على المهام التي يضطلع بها والأعمال التي أنجزها في هذه الفترة القصيرة وفي ظروف لم تخل من الصعوبات – فوجدتها إنجازات بالغة الأهمية فاسمحوا لي بهذا الصدد بأن أنوه بالجهود الخيرة التي يبذلها فضيلة الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام للمجمع، تلك الجهود المتواصلة التي آتت أكلها وتكللت – بفضل الله – بالنجاح، وبتحقيق النتائج الإيجابية المرجوة حيث أصبح للمجمع مكانته العلمية المرموقة، وصار يمثل ركيزة أساسية من ركائز منظمة المؤتمر الإسلامي، فامتد أثره إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي والجاليات الإسلامية التي تعيش في دول غير إسلامية. ولقد كان من رواء كل ذلك، هذا الإدراك العميق الذي تميز به فضيلة أمين عام المجمع وبتحريه للمشكلات المعاصرة التي تواجه الشعوب الإسلامية، وبمتابعة التيارات المناهضة للإسلام، ولا يفوتني أن أنوه بالجهود العظيمة التي يبذلها معالي الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجلس المجمع وأصحاب الفضيلة العلماء الأجلاء وأصحاب السعادة الخبراء والباحثون حيث تضافرت جهودهم وأعمالهم لمعالجة القضايا المعاصرة، ولمواجهة تحديات العصر. ولقد وجدت خير دليل على هذا المستوى الرفيع لاهتمامات مجلسكم الموقر فيما يحتويه جدول أعمال هذه الدورة من موضوعات حية ذات صلة مباشرة بحياة المسلمين اليومية مثل: التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها، وبيع التقسيط، وحكم إجراء العقود بالآت الاتصال الحديثة، وفن التمثيل، وزراعة الأعضاء، والقبض والأسواق المالية، هذه الموضوعات تعد كلها من قضايا الساعة.

стр. 7882

صاحب السمو الملكي أصحاب المعالي والسعادة والفضيلة أيها الإخوة إن شعوبنا الإسلامية بحاجة إلى التوعية بالثقافة الإسلامية المستنيرة التي توازي ما يشهده العالم بأسره من تطور، وللوقوف في وجه التيارات الخطيرة المناهضة للإسلام، تلك التيارات التي لا تدخر وسعاً في تشويه الصورة المشرفة لشريعتنا الإسلامية السمحة، حيث تكمن وراءها تنظيمات وحركات مشبوهة تعمل على توفير الإمكانات لها، وتعنى بتأطير المفكرين ورجال التعليم والأطباء وكبار المسئولين في العديد من المؤسسات ومختلف الشرائح الاجتماعيه في بلدانها لتحقيق أهدافها ودسائها عن طريق مختلف وسائل الإعلام التي تتوافر لها بصورة مذهلة، وليس من شيء أدل على ذلك من الإعلام الصهيوني العنصري الذي يعمل على محو تراثنا الإسلامي في القدس الشريف والأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة. ولكن الانتفاضة الفلسطينية الباسلة التي يقودها أبطال الحجارة على أرض فلسطين، استطاعت أن تكشف زيف هذا الإعلام، وأن تقف في وجه مخططات الاستيطان والتهويد الصهيونية، وأن تبرز للعام عنصرية الكيان الصهيوني حيث قدم أبناء الشعب الفلسطينى المجاهد عبر انتفاضتهم الشجاعة عشرات الألوف من ضحايا القتل والإبعاد والاعتقال. صاحب السمو الملكي. أصحاب المعالي والسعادة والفضيلة أيها الإخوة لقد سعدت بمبادرة المجمع في ترجمة مجموعات القرارات والتوصيات الصادرة عن مجلسكم الموقر في دوراته الخمس السابقة إلى اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وآمل أن يتصل هذا العمل، وأن يتسع مداه إلى اللغات الأخرى التي ينطق بها المسلمون حتى يدركوا مقاصد الشريعة الإسلامية بالاستناد إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وليعملوا بالحلول والأحكام الشرعية التي تصدر عن هذا المعلم الإسلامي الكريم. ولذلك فإن دعوتي للسادة العلماء في هذا المجمع هي المزيد من الاهتمام بالشعوب الإسلامية غير الناطقة بالعربية، فإنها – ولله الحمد – تتميز بصادق الإيمان والحرص الأكيد للحصول على ما يدعم كيانها وبناء شخصيتها الإسلامية التي ظلت صامدة بفضل الله، ثم بتمسكها بعقيدتها في مواجهة التيارات العاتية. إن العمل الإسلامي من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي ومختلف أجهزتها من خلال مجمع الفقه الإسلامي لقادر على تحقيق إنجازات ضخمة لفائدة الشعوب الإسلامية وعلى اختراق الحواجز ليشع على العالم بأسره فيعم نفعه البشرية قاطبة وبخاصة المجتمعات التي طغت المادية على حياتها فأضحت في حيرة من أمرها تتقاذفها التناقضات والأزمات المادية والروحية. إننا معشر المسلمين مطالبون ببذل الجهد على صعيد العالم الإسلامي وخارجه، لأننا أصحاب رسالة خالدة، رسالة الإسلام التي يمتد إشراقها إلى البشرية قاطبة , فلنعمل متضامنين في هذا السبيل.. ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ صدق الله العظيم والله ولي التوفيق. . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حامد الغابد

стр. 7883

كلمة فضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبوزيد رئيس مجلس المجمع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: بسم الله الرحمن الرحيم. . الحمد لله بكل نعمة أنعم الله بها علينا في قديم أو حديث أو في سر أو علانية وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته ولا في أسمائه وصفاته، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم عليه كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ورضي الله عن الصحابة والتابعين ومن يتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. . أما بعد: فعلى خمس سنوات مضت من عمر هذا المجمع المبارك المجيد، تم عقد دورات خمس له في بعض من دول العالم، في المملكة العربية السعودية، وفي المملكة الأردنية الهاشمية، وفي دولة الكويت، واليوم تعقد دورته السادسة على أرض المملكة العربية السعودية في ضيافة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله ورعاه – ملك المملكة العربية السعودية، مفتتحة بنيابة صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز آل سعود – حفظة الله ورعاه – أمير منطقة الحرم الحرام حرسه الله تعالى. صاحب السمو الملكي أصحاب المعالي الوزراء أيها العلماء الأجلاء أيها الجمع الكريم ما أسعدها من لحظات قضيتها مع صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز آل سعود – حفظة الله – بين يدي هذه الدورة منذ لحظات وكان أن سمعت مع بعض أصحاب الفضيلة المشايخ لفتة كريمة واهتماما كريما بشئون العالم الإسلامي وبخاصة فيما يتعلق بأحوال غير المسلمين في البلاد غير الإسلامية وما ينبغي من اليسر والسهولة وإبلاغهم دين الله وشرعه على أتم وجه وأحسنه. وإن من المنافذ التي تصد دون ذلك تعدد الفتوى واضطرابها وبين يدي ذلك أقوال: إن الأمة وإن اعتراها ضروب من المذاهب المادية في جل ديارها، ثم كتب لها أن تكشفت أو تحطمت على صخرة الإسلام وتسللت عن ديار الإسلام لواذا، وما بقي إلا فلول جمع مهزوم مقهور مغلوب يعلنون إفلاسهم وفشل مبادئهم وانتماءاتهم، فإن هناك طلائع أنوار الكتاب والسنة التي تنتشر على أيدي رجال ما ساروا مسيرا إلا كانوا من السنن حيث كانت مضاربها، ومع الشريعة حيث كانت مساكنها، يدلون على الله بهديهم وصالح أعمالهم قبل أن يدلوا عليه بأقوالهم، فأحيوا سيرة السلف الصالحين من الصحابة والتابعين، فكأنما ألحقوا الأحفاد بالأجداد ووطئا على أعقابهم الرجال، ضاربين شوطا بعيد المدى، متغلغلا في حقب التاريخ ومسارب الحياة ليمتاح من هدي أمته في سيرتها الأولى. شاهد المسلمون واستبشروا بذلك ميلاد يقظة إسلامية مباركة علا فيها الحق على الباطل ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [سورة الرعد: آية ١٧] .

стр. 7884

إذا كانت الحال كذلك فإنه بدا في الصف المقابل عنق سوادي يلفح بسموم لا بارد ولا كريم، يجمع ذلك ما نشاهده من دخول عير المختصين في غير اختصاصهم، أنها وثبات على الشريعة تفرز للأمة الهوس الفكري والعبث التراثي والضرب في المقامات والتعدي على الحرمات إلى أخر تلك المنظومة العدائية الفسلة والذي تولى كبرها ونفخ في كيرها دخول غير المختصين في غير اختصاصهم، فهل سمعت الدنيا بطبيب يباشر عملاً هندسياً وهل سمعت وسمعت؟ ولكن كم رأى الراءون وسمع السامعون، الخوض من أناس في لجب الشريعة وحضارها، فحللوا وحرموا، وأمروا ونهوا وبدأوا وأعادوا، وقالوا على الله ورسوله ما لم يسعه دليل من كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ، ذلك أنا نشاهد في الساحة عدة وثبات من التجاسر على دين الله وشرعه يجمعها كما أسلفت وثبة التجاسر من غير المختصين في غير اختصاصهم، وثبة الذين لم يثافنوا بالركب للتفقه في الدين على أحكام الله وشرعه، وأخت لها وثبة الاعتداء بأقلام مأجورة مأزورة على مقام السنة المشرفة المرفوعة، إلى آخر تلكم الوثبات التي تمثل الاسترسال مع الأهواء والأغراض والأغراض والتخبط في مضاجع الفساد والتقلب في عدة أوجاع، فأثاروا – والله حسيبهم – بذلك عقدة الخصومة الملدة والشطط، وأثاروا مرض الشبهة وحركوا الشبهات، وأثاروا تحويل أحكام الكتاب والسنة إلى قضايا فكرية تحول حسب لغة الحامل والمحمولة إليه، فأبقوا بذلك نائم الأهواء، وأخضعوا العلوم الشرعية لفروضات العقل، وأخضعوها للتذوق، والتذوق أو الذوق مصدر سيال متحرك من شخص إلى آخر، ولكن نقول لهم أمام ذلك إن فطرة المسلمين وإن علماء المسلمين يقول لسان حالهم لكل هذه البدوات الآثمة التي تخالف دين الله وشرعه – يقول لسان حالهم – يا أوراق يا أقلام ارجعي أدراجك، فإنك لم تهتكي الستر على نيام ولم تطرقي الحمى على سواد مغفل، ولا يهولنك هملجة البراهين ولا تصعيد المعتلين، فإنك بذلك نسألك بالله أن تنزعي هذا البرقع وهلم نحتكم على سفور ومكاشفة عائذين بالله أن نقول بالسفور في نساء المسلمين، لأن كل واحد من المسلمين ينشد لمحارمه ما قاله حسان ﵁ لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ فَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ وفوق ذلك: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [سورة الأحزاب: آية ٥٣] وعائذين بالله أن نطلب على تلكم المناظرة قرضاً فضلاً عن أن يكون بفائدة لأن شيمة المسلمين هي الكسب الحلال.

стр. 7885

صاحب السمو الملكي أيها العلماء الأجلاء أيها الجمع الكريم لا بد لأبناء النشأة الآخرة من علاج لهذه العلل الفاقرة، ألم يأن للذين أمنوا أن تكون لهم قلوب واعية وآذان صاغية ليردوا تلكم الهجمات الشرسة فيثبوا على أولاء وثبة رجل واحد بأقلام يمدها العلم والإيمان وبألسنة تنطق بالسنة والقرآن ليعيش المسلمون تحت سرادق السعادة مستظلين تحت لواء الشريعة لا يزاحمهم فيه مزاحم؟ إن المسلمين يقلبون أبصارهم في الحجب لينظروا كوة تنفتح منها بوارق الشريعة، فتحرق تلكم الهجمات الشرسة، وتقيم دين الله وشرعه، وتنشر راية التوحيد، وتنشر أحكام الكتاب والسنة بلا عوج ولا أمت، ولا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. وأنتم أيها العلماء الأجلاء، أيها المجمعيون، محل أمل لأمتكم، فابصروا رحمكم الله تعالى واقع أمتكم وأوفوا بعقدكم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة: آية ١] ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة:١١١] ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [سورة الكهف: آية ٤٦] وما هذه الحياة الدنيا إلا لحظات، فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويذهب هذا كله ويزول وصدق الله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت: آية ٦٤] . ثبتنا الله وإياكم على الإسلام ورزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بكر بن عبد العزيز أبو زيد

стр. 7886

كلمة معالي الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الودود الكريم، الرءوف الرحيم، ذي المنن السابغة والآلاء الباطنة والظاهرة. أمد أمتنا الإسلامية بسر حياتها، وضمان عزتها وسبب بقائها وتجددها كتابه الذي أوحى به إلى رسوله، والحكمة التي ميزه الله بها، فأقبلت على دينه الذي ارتضاه الله لها، وكانت خير أمة أخرجت للناس، وهي بقدر تمكن هذا الدين منها وتمسكها به، تصمد في وجه الأعاصير والتقلبات، وتواجه المحن والتحديات، وبثبات وعزم، متواصية بالحق ومتواصية بالصبر، باذلة أقصى جهدها في الدعوة إلى الله، ابتغاء إعلاء كلمته، ونشر الخير والهدى، وتركيز المبادئ العالية والقيم الخالدة بين الناس، والتعريف بالصراط السوي وسبل الصالحين ومن اهتدى، ما تعاقبت فيها الأجيال والأزمان واختلف على أبنائها ومنتسبيها الملوان: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) ﴾ [سورة الشورى] . فله الحمد كفاء نعمه ووفاء مننه لا يبلغ مدحته القائلون ولا يؤدي حقه المجتهدون، نحمده ونثني عليه بما هو أهله وبما أثنى به على نفسه , فله الحمد كله وله الملك كله بيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، إمامنا ونبينا سيد المرسلين وخاتم النبيين وقائد الغر المحجلين، الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ودعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة وعبد ربه حتى أتاه اليقين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 7887

حضرة صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز الموقر أمير منطقة مكة المكرمة حضرة صاحب المعالي الأستاذ خالد أحمد الجسار المحترم وزير الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت حضرة صاحب المعالي الدكتور حامد الغابد المبجل الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي أصحاب المعالي والسماحة والفضيلة المكرمين ضيوفنا الأكارم وإخواننا الأماجد أيها الحفل الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: نزولاً عند التقاليد الملتزمة والآداب المرعية في مثل هذا المقام، يسعدني أن أتناول الكلمة في هذا الحفل البهيج المقام لافتتاح أعمال الدورة السادسة لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة الذي يزدان بهذا الحضور الواسع ويزيده سنا وسناء إشراف صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز حفظه الله، وإن فيما استمعتم إليه الساعة من خطب شريفة وكلمات بليغة ما يغني بحق عن تدخلي ولكن الفضل الذي طوقتم به عنقي وكريم استجابتكم لدعوة مجمعكم وحضوركم من كل بلد وصقع للمشاركة الفعلية والعملية في مداولات مجلسكم الموقر، لتحملني توا على أن أتقدم إلى حضراتكم شاكرا ومحييا متمثلا في هذا الموقف قول أبي الطيب: " لا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهْدِيهَا وَلا مَالَ فَلْيُسْعدِ النُّطْقُ إِنْ لَمْ تُسْعِدِ الْحَالُ " وإنى لأبادر فأهنئكم جميعا بسلامة الوصول وأتمنى لكم طيب الإقامة داعيا المولى أن يسدد خطاكم ويجعل ما تقومون به من جهود في خدمة الشريعة الإسلامية في صحائفكم يوم القيامة، وأن يهدي بكم المسلمين ويوحد على أيديكم وبفضل اجتهاداتكم صفوفهم ويجمع على تقوى الله والالتزام بهديه كلمتهم إنه سميع مجيب. وإني في افتتاح هذا الموسم العلمي الفقهي الذي نلتقي فيه بحمد الله كل عام وفي بداية حديثي هذا إليكم ليشرفني أن أنوه بالخطاب المنهجي لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز نصره الله الذي خصنا به هذا اليوم على لسان صاحب السمو الملكي أمير مكة المكرمة، وإنه لرعاية سامية وتنوية وتصديق وتوجيه على طريق الخير لمؤسستكم الموقرة التي يرجع إليه الفضل في تأسيسها. وتقوم الشواهد تلو الشواهد منه على عنايته الفائقة بها، فكم لفتة كريمة أولى، وكم من مكرمة سنية أعطى حتى يقوم مجمعكم الفقهي هذا برسالته العظيمة، ويعقد في الموعد المحدد مؤتمره على أديم هذه الأرض المباركة الطيبة، المملكة العربية السعودية بلاد المكارم والأمجاد التي يعتز بالانتساب إلى حرميها الشريفين كل مسلم ويفاهر بما حققته من خطى عملاقة في مجالات التنمية كل مؤمن. بلاد ضمت الطريف من ثمار جهودها وبذلها وعطائها إلى التليد من محاسنها ومفاخرها. ونحن شاكرون للمقام السامي ما نلقاه دوما من لدنه ومن حكومته الرشيدة ومن أبناء هذا الشعب السعودي الأكارم من مساندة أدبية عالية، ودعم مادي غير ممنون.

стр. 7888

هذا وإن نظرة في نشاط مجمعكم خلال الفترة الفاصلة بين مؤتمره الخامس الذي انعقد بالكويت في العام الماضى بدعوة كريمة من حضرة صاحب السمو الأمير الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح رئيس القمة الخامسة – حفظه الله – وبين مؤتمره السادس هذا الذي يقام من جديد باستضافة سخية سامية من خادم الحرمين الشريفين – أيده الله – بجدة البوابة البحرية للحرمين الشريفين ومأم قصاد بيت الله العتيق لتدل على جهود المجمع المكثفة وسعيه المتواصل لتحقيق ما ينشده من غايات وبلوغ ما يتطلع إلى إنجازه من أهداف. فقد رفع رئيسه الجليل فضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد في هذه الأيام الأخيرة كتاب التراث الفقهي الأول الذي فرغ المجمع من إعداده وتحقيقه وهو " عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة " للمجاهد أبي محمد عبد الله بن نجم بن شاس الجذامي السعدي الذي استشهد في معارك دمياط سنة ٦١٠. وهذا التأليف الحسن العبارة المصنف على ترتيب وجيز الإمام الغزالي، والقائم على المقارنة أحيانا كثيرة بين المذهبين المالكي والشافعي، ليعد من أنفس وأحسن ما صنف في الفقه المالكي في عصره. وقام مجمعكم الموقر بجمع القرارات والتوصيات التي صدرت عنه من حين تأسيسه إلى اليوم وأعاد ترجمتها إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، وطبعها في كتيب في نشرات ثلاث تيسيرا على المسلمين في أكثر الأقطار والأقاليم والأوطان للاستفادة منها ومعرفة حكم الله في كثير من القضايا الدينية التعبدية والسلوكيات الاجتماعية والممارسات الطبية والاقتصادية، وقد صدرت هذه الأحكام والفتاوى عن أهل الاختصاص المسئولين عن حكم الله فيما عرض ويعرض من المسائل الجارية والقضايا الدقيقة المستجدة.

стр. 7889

وتولى المجمع إثر ذلك جمع بحوث الدورة الخامسة وإفراغ تسجيلاتها وإعدادها ومراجعتها وتقديمها للطبع وتصحيحها بغاية التثبت والحيطة، وذلك حرصاً منه على إخراج وإصدار العدد الخامس من المجلة الواقع كسائر أعدادها في ثلاثة أجزاء، وقد تولى الإنفاق على طبع هذا العدد الخامس من المجلة الواقع كسائر أعدادها في ثلاثة أجزاء، وقد تولى الإنفاق على طبع هذا العدد والإشراف عليه فنيا معالي السري الماجد صاحب المشاريع الخيرة والأيدي البرة الكريمة الشيخ أحمد جمجوم أجزل الله إحسانه وكافأ بمنه مبادراته الخالصة الصادقة للخير والعمل الصالح، ولسوف يصلنا هذا العدد إن شاء الله بين حين وآخر. ومن الأعمال التي قام بها مجمعكم هذه السنة تمحيصا ودرسا وإعدادا لبحث بعض القضايا المعروضة عليكم في هذه الدورة، ندوتان علميتان: الأولى الندوة الفقهية الطبية التي انعقدت بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية والتي عكفت فيما بين ٢٣ – ٢٦ ربيع الأول ١٤١٠هـ / أكتوبر ١٩٨٩م بالكويت على بحث زراعة خلايا المخ والجهاز العصبي، ومدى الاستفادة من المولود اللادماغي والأجنة المجهضة، ونقل بعض الأجهزة التناسلية وأعدت في ذلك كله توصيات يتولى عرضها على حضراتكم المقرر العام للندوة سعادة الدكتور أحمد رجائي الجندي في الموعد المحدد لذلك. والثانية الندوة الفقهية الاقتصادية حول " الأسواق المالية " التي أقيمت بالرباط في المملكة المغربية فيما بين ٢٠ –٢٥ ربيع الثاني ١٤١٠ هـ / ١٩٨٩م بالتعاون مع معهد البحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية ورعاية فائقة من رئيسه الموقر معالي الدكتور أحمد محمد علي واستضافة كريمة من وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب، وقد استهدفت البحوث والمناقشات فيها استخلاص المبادئ والضوابط الشرعية التي يجب أن تحكم المعاملات في الأسواق المالية والأدوات المشروعة للاستخدام فيها، كما طرحت تساؤلات واقتراحت بدائل للمشبوه فيه من الممارسات، وكانت نتيجة ما عرض بهذه المناسبة توصيات صدرت عن الندوة هي التي سيتولى في إبانه تقديمها إلى حضراتكم مقررها العام سعادة الدكتور منذر قحف. إلى جانب ذلك استكتب المجمع عددا من الفقهاء والخبراء في مواضيع دينية واجتماعية واقتصادية هي: حكم تعدد كفارة القتل مع تعدد المقتول، وزراعة عضو استؤصل في حد، وفن التمثيل، والتمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها، وبيع التقسيط، وحكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة، والقبض وصوره وبخاصة المستجدة منها وأحكامها. وقد شارك في إعداد ذلك وبحثه أكثر من مائة وثلاثين فقيها، وخمسة عشر طبيبا مختصا، وثمانية عشر باحثا وإخصائيا في العلوم الاقتصادية، وما زال الإقبال على المجمع والتعاون معه يزداد مع الأيام خيرا يضاعف من جهوده ويسهم في نشاطاته.

стр. 7890

فقد أنجز من مشروع الموسوعة الفقهية ثمانية بحوث تتصل بالمعاملات الاقتصادية القديمة والمعاصرة كالمزارعة والمضاربة والتخارج وأنواع الشركات، وكان للأساتذة الجامعيين من جامعة الإمام وجامعة أم القرى وجامعة الملك عبد العزيز وجامعة بغداد وجامعة دمشق وجامعة الزيتونة وللباحثين بمركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي بجدة دور أي دور في القيام بها ومعالجة بقية الزمرة الأولى من بحوث الموسوعة. وتفرغت ثلة من علماء وفقهاء المملكة المغربية من القرويين لوضع وتحديد المصطلحات الشرعية في الفقه المالكي، وقد أتوا الآن على النصف من ذلك مستوعبين جملة أقسام الفقه ولم يبق بأيديهم سوى ما يرجع منه إلى قسم العبادات وأبواب البيوع وما يتصل بها من المعاوضات، وبانتهائهم قريبا بإذن الله من ذلك كله، يعرض عملهم على لجنة فقهية قانونية منهم للمراجعة والضبط، وبهذا نكون قد أنجزنا عملا مهما ننتقل منه إلى وضع معجم عام للمصطلحات الفقهية في سائر المذاهب المعتمدة كما كان مقررا في أصل المشروع الذي أقره مجلس المجمع. وإلى جانب الدراسات المعمقة والبحوث العلمية المتخصصة سهر المجمع على كتابة الفقه حسب طريقة سهلة ومنهج ميسر يمكن عامة الناس من معرفة أحكام دينهم في أي مجال من مجالات الحياة، وقد أعدت لذلك نماذج نوقشت وعدلت لتكون أمثلة يحتذيها المستكتبون في هذه المادة، ووجدنا سندا لهذا المشروع معالي الشيخ صالح عبد الله كامل وأخانا معالي الدكتور محمد عبده يماني أجرى الله الخير على أيديهما وجازاهما أحسن الجزاء، فاستكتبنا عددا كبيرا من الأساتذة في نحو اثنين وسبعين موضوعا أنجزت الدفعة الأولى منها في قضايا العبادات وبعض مسائل الأحوال الشخصية، وهي عبارة عن أربع عشرة رسالة فقهية ترتكز على المهم من الأحكام وعلى أدلتها وبيان المقصد الشرعي منها تيسيرا للوعي وأحياء للدين.

стр. 7891

ونحن في كل هذه الجهود المبذولة، والاجتهادات التي يصدر عنها المجمع في توصياته، محكمون للنصوص الثابتة القطعية، مقارنون بين الآراء الفقهية المذهبية في الأحكام الظنية مراعون للأحوال المتطورة والملابسات القائمة، حريصون على الاستفادة من الاختلاف بين الأئمة ونبذ الخلاف في الدين، وقد نادى معالي الشيخ محمد بن جبير وزير العدل بالحكومة السعودية في توصية له جزاه الله خيرا بوجوب التنسيق بين المجامع والهيئات والمراكز المماثلة لها، حتى لا تتفرق الأمة ولا يحصل خلاف في الدين، وإنا حين نشيد بموقفه ونثني عليه شاكرين له حماسه وصائب نظره وصدق موقفه، ندعوا أعضاء مجمعنا والهيئات المماثلة له كلها إلى وجوب التنسيق فيما بينها بتبادل الوثائق والدراسات والمجلات العلمية والنشرات، حتى تكون الآراء الصادرة عنها آراء دقيقة وسليمة قائمة على أساسين ضروريين في هذا الزمن هما: الاستيعاب الكامل وعمق النظر، ولعل ذلك مما تدفعنا إلى القيام به والتثبت منه السنة النبوية الشريفة، روى أبو عبد الله النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) . وإن مهمة المجمع ليست مقصورة على بيان الحلال والحرام في الأمور المشتبهات حماية للمسلمين بالذود عن شريعتهم والحفاظ على دينهم وتيسيرا عليهم بمراعاة ظروفهم وتحقيق مصالحهم، بل هي أشمل من ذلك وأوسع يكتنفها مبدءان أساسيان هما: الحيطة في الأمر، وواجب النصيحة، يتمثل الأول فيما حفظنا عن رسول الله ﷺ من قوله ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الخير طمأنينة والشر ريبة)) . ويتمثل الثاني فيما رواه تميم الداري عن النبي ﷺ ((الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله، قال: لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم)) . وإن على أعضاء المجمع وخبرائه أن يعملوا فرادى ومجتمعين على نشر الهدي الديني وتطبيق أحكام شريعة الله، وذلك بالسعي للقضاء على أنواع التحلل والتفسخ وبتثبيت الإيمان وتركيز الخلق الإسلامي في النفوس، وشد أواصر الأخوة وبيان ما على الإنسان من واجبات وماله من حقوق في نظر الإسلام وإقامة العدل بين الناس، وإن ذلك لن يتحقق في مجتمعات سطت عليها الانحرافات وغزاها الفكر الغربي بأسوأ مقوماته حتى يعود المسلمون إلى أصول مناهجهم الفكرية والتربوية. ويبرز ذلك في الآباء والأمهات وفي حياة الأسرة بما ينبغى أن يكون لديهم من التزام بالإسلام وغرس للقيم السامية الخلقية والمبادئ الفاضلة الدينية في الأطفال الذين ينشئون بينهم.

стр. 7892

وتعود للمسجد الجامع وظيفته الاجتماعية التي سما بها في الأعصر الأول عند بناء الشخصية الإسلامية، ويعود التعليم في البلاد الإسلامية إلى تكوين أجيال مسلمة متطورة تملك العقيدة الصحيحة والتقنية الصالحة الفاعلة. وما من شك في أن الدول الإسلامية قاطبة تعمل جاهدة لتوفير منعتها وتحقيق عزتها وبلوغ أهدافها من أجل الانطلاقة الشاملة والثابتة، كما أنه لا شك في أمانة ورفعة مستوى من انتدبتهم من الفقهاء والعلماء ومن انضم إليهم من أصحاب الاختصاصات المختلفة من الخبراء لتحقيق التحول المدروس وإدخال الإصلاحات الضرورية اللازمة في كل مجال من مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عند المسلمين. وإن على حضرات أعضاء المجمع الأكارم والعلماء المختصين الذين ينتسبون إليه ويعملون في رحابه أن يفكروا ويخططوا لتذليل المعوقات واجتياز العقبات والسير قدما لتحقيق التغيير الشامل في الأمة الإسلامية بتركيز الثوابت ودراسة وتوجيه المتغيرات والتحديات والانتصار عليها بإيجاد البدائل والتمكين لها. وإني في ختام كلمتي هذه لأزجي الشكر مجددا لحضرة صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز على تفضله بالإشراف على حفلنا هذا، ولأصحاب المعالي ولضيوفنا الكرام على تشريفهم لنا بالحضور، كما أتقدم بالثناء والشكر لمعالي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الدكتور حامد الغابد على عنايته البالغة بالمجمع ورعايته لجهوده، ولمعالي الدكتور عبد الله عمر نصيف الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الذي لا يدخر وسعا في التعاون مع المجمع، وللثلة الكريمة من الإخوة الأعزاء السراة الأماجد المقدرين لدور مؤسستنا العلمية الفقهية الدولية، المنوهين برسالتها والمتجاوبين مع مشاريعها أمثال أصحاب المعالي المشايخ أحمد زينل وعبد المقصود خوجة وإبراهيم أفندي جزاهم الله عنا أحسن الجزاء. ولا يفوتني كذلك أن أنوه بالجهود الخيِّرة والعلمية المتواصلة التي يقدمها للمجمع رئيس المجلس فضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد، وبما يقوم به مكتب المجمع وأعضاء المجلس والخبراء الذين هم الأسس والدعائم الثابتة لتحقيق أفضل النتائج والبلوغ بأعمالنا أرقى مستوى، وبما نجده من تعاون كبير وخدمة فائقة متجددة من أجهزة الإعلام السعودية والعربية والإسلامية التي تعنى جميعها بالفكر العربي الإسلامي. وإني بعد أن أوفيهم وأوفيكم جميعا حقكم من التقدير والإكبار والثناء والشكر، أرحب بكم ثانية برحاب مجمعكم في هذا البلد الأمين، وأسأل الله لكم المثوبة وخير الجزاء، وأدعوه سبحانه أن يسدد خطانا ويكلل أعمالنا بالنجاح وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه إنه سميع مجيب. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. محمد الحبيب ابن الخوجة

стр. 7893

كلمة الأعضاء لسعادة الدكتور عبد الله إبراهيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة ونائب خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود – حفظة الله – في افتتاح الدورة السادسة لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي. معالي الأستاذ خالد أحمد الجسار وزير الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت معالي الدكتور حامد الغابد الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي معالي الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجلس المجمع معالي الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي أصحاب المعالي الوزراء أصحاب السعادة أعضاء السلك الدبلوماسي بالمملكة أصحاب الفضيلة والسعادة الخبراء من مختلف التخصصات المدعوين للمشاركة في أعمال هذه الدورة السادسة أصحاب الفضيلة العلماء ورجال العلم والتعليم والأدب والصحافة زملائى أعضاء مجلس المجمع من دول منظمة المؤتمر الإسلامي والمجتمعات الإسلامية السادة الحاضرون جميعا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: الحمد لله الذي منَّ علينا بنعم لا تحصى وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله المصطفى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، وبعد:

стр. 7894

يا صاحب السمو الملكي الكريم: يسرني ويشرفني أن أقف هنا بين يدي سموكم لألقي كلمة بالأصالة عن نفسي ونيابة عن زملائي أعضاء مجلس مجمع الفقه الإسلامي، مندوبي دول منظمة المؤتمر الإسلامي ومندوبي المجتمعات الإسلامية في أوروبا وأمريكا وغيرهما من القارات الأخرى وكذلك عن أعضاء المجمع الخبراء من مختلف التخصصات الذين وقع عليهم الاختيار للمشاركة في اجتماعات هذه الدورة السادسة لمؤتمر المجمع ـ التي تبدأ اليوم والتي تبدأ مراسم افتتاحها في هذه الساعة على يدي سموكم ونيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، ونرجو أن يكون افتتاحا مباركا يؤتي ثماره بتزويد العالم الإسلامي خاصة والعالم الإنساني أجمع بالحلول الفقهية لمختلف المشكلات التي تواجهها الإنسانية والمجتمعات الإسلامية في كل مكان وهي مشكلات يسبب ظهورها في كثير من الأحيان إعراض هذه المجتمعات عن كتاب الله وسنة رسوله المصطفى ﷺ بالإضافة لما فرضته الحياة المعاصرة من أوضاع وممارسات مما يتطلب بيان الحكم الشرعي فيها طبقا لقواعده ومبادئه. فهذه الكلمة ما هي إلا لتعرب عن شكرنا جميعا والمسلمين جميعا في بقاع الأرض مشارقها ومغاربها لسموكم على تفضلكم وإشرافكم بالحضور معنا هنا وعلى تفضلكم نيابة عن جلالة الملك في افتتاح مؤتمرنا اليوم وهو مؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الذي كان ولا يزال يجد المساندة الكاملة التامة من خادم الحرمين ومن حكومته، ولا غرابة في ذلك إذ أن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد هو صاحب الفكرة لإنشاء هذا المجمع وهو – حفظه الله - أول من قام بمساندته منذ إنشائه ولا يزال هو السبَّاق في رعاية هذه المؤسسة العتيدة التي تمثل قمة العطاء الفقهي في العالم الإسلامي بما تقدمه من اجتهاد جماعي في قضاياه المعاصرة وبما توفره من حلول لمشكلاته المستجدة، جزاه الله عن الأمة الإسلامية كل خير. ولقد كانت إقامة هذه المؤسسة خطوة رائدة تبناها قادة الأمة الإسلامية لتأكيد أصالة هذه الأمة وارتباطها بدينها الذي أراده الله لتحقيق خيرها وسعادتها في الدنيا والآخرة. نسأل الله أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين ويوفقه دائما لخدمة الإسلام والمسلمين وقضاياهم المختلفة وعلى رأسها قضية التضامن الإسلامي وقضية فلسطين وأفغانستان وأمثالها، كما نسأله جل وعلا أن يحفظ سموكم ويرعاكم وأنتم أمير هذا البلد الأمين، والحمد لله رب العالمين. . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عبد الله إبراهيم

стр. 7895

التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها إعداد سماحة الشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوي مفتي جمهورية مصر العربية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه. وبعد: فلعل من المناسب قبل أن أتكلم في الموضوع الذي اخترت الكتابة فيه، وهو: " التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها "، أن أعرض الحقائق التالية، التي أرجو أن تكون محل اتفاق بيننا ألا وهي: أولاً: إن من شأن العقلاء في كل زمان ومكان، أنهم يتحرون الحلال الطيب، في جميع تصرفاتهم ومعاملاتهم. امتثالاً لقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) ﴾ [سورة البقرة] واستجابة لقول الرسول ﷺ في حديثه الصحيح الذي أخرجه الشيخان عن النعمان بن بشير – ﵄ قال: سمعت رسول الله صلى الله علية وسلم يقول: ((إن الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن، وبينهما شبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. ألا وأن لكل ملك حمى. ألا وإن حمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة. إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) . ثانيا: إن من شأن العقلاء – أيضاً - أنهم إذا ناقشوا مسألة فيها مجال للاجتهاد، بنوا مناقشاتهم على النية الطيبة، والكلمة المهذبة، وعلى تحري الحق والابتعاد عن التعصب، وعن الحكم بالهوى وعن سوء الظن بلا مبرر. ولقد بشر النبي ﷺ الذين يجتهدون – فيما يقبل الاجتهاد من الأمور – بنية طيبة، بالأجر الجزيل. فقال في حديثه الصحيح: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد)) . والأمم السعيدة الرشيدة هي التي يكثر فيها عدد الأفراد الذين يتعاونون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. أما الأمم الشقية الجاهلة فهي التي يكثر فيها التنابذ والتراشق بالتهم بدون دليل أو برهان. ثالثاً: إن الكلام في الأحكام الشرعية بصفة خاصة، وفي غيرها بصفة عامة، يجب أن يكون مبنياً على العلم الصحيح، والفهم السليم، والدراسة الواسعة الواعية لأصول الدين وفروعه ولمقاصده وأهدافه.

стр. 7896

ويجب أن يكون المتحدث في هذه الأمور، غايته الاهتداء إلى الحق والصواب، فإذا خفي عليه شيء سأل أهل العلم والخبرة، استجابة لقوله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٧] . والمراد بأهل الذكر هنا: الخبراء وأهل الاختصاص في كل علم وفن. ففي مجال الطب نسأل الأطباء، وفي مجال الفقه نسأل الفقهاء. وهكذا في كل علم نسأل الخبراء فيه. وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضى الله عنهما – قال: سمعت النبي ﷺ يقول ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من قلوب الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضَلُّوا وأَضَلُّوا)) . رابعاً: إن الأصل في العبادات أنها مبنية على الاتباع والاقتداء بدون زيادة أو نقصان، لما جاء عن النبي ﷺ ، لأنها لا تقبل الابتداع أو الاختراع أو الاجتهاد. ففي شأن الصلاة – مثلا – يقول الرسول ﷺ ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) . أما المعاملات فإنها مبنية على التيسير والتوسعة وتعدد الوسائل، ورعاية مصالح الناس، في حدود شريعة الله تعالى، وفي النطاق الذي لا يتعارض مع آداب الإسلام ومع سماحته. وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن تيمية – ﵀: الأصل في العبادات: التوقيف أي الدقة في الاتباع، فلا يشرع فيها إلا ما شرعه الله. وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ . والأصل في المعاملات: العفو والحل. فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ... ﴾ (١) الآية (١) . .

стр. 7897

ولقد قالوا: الأصل في الأشياء الإباحة، وأنه لا تحريم إلا بنص من كتاب الله، أو من السنة النبوية أو من أقوال الصحابة ومن تبعهم بإحسان، الذين استنبطوا من الكتاب والسنة ما استنبطوا من أحكام شرعية. خامسا: إن تجاربي الشخصية جعلتني أقتنع اقتناعا تاما، بأننا في عصرنا هذا الذي تشابكت فيه المصالح، وتنوعت المقاصد، وتعددت الوسائل، وتعقدت الأمور لا يمكن أن نصل إلى معاملات اقتصادية سليمة، إلا عن طريق التعاون الصادق، بين رجال الفقه ورجال الاقتصاد والقانون وغيرهم، وما خفي على الفقهاء من أمور اقتصادية أو قانونية، سألوا عنها الخبراء في ذلك، وما خفي على هؤلاء من أحكام شرعية، سألوا عنها العلماء وبهذا التعاون الصادق، الذي ينبع عن النيات الطبية، والعزائم القوية، والعقول الراجحة، والنفوس النقية، نحصل على معاملات صحيحة. سادساً: بعد هذه المقدمات أقول: إن كلامي في هذا البحث ينصب على المعاملات التي يجريها البنك العقاري المصرى، الذي يعتبر – كما جاء في التعريف به – أقدم البنوك المصرية قاطبة، فقد تم إنشاؤه في ١٥ من فبراير سنة ١٨٨٠، كشركة مساهمة مصرية، غرضها: إقراض مالكي العقارات في مصر، قروضا مضمونة. وقد رأيت من الخير قبل أن أكتب في هذا الموضوع، أن ألتقي بالمسئولين عن إدارة هذا البنك لكي أحصل منهم على ما أحب الحصول عليه من معلومات، تتعلق بوظيفة هذا البنك وبمجالات نشاطه. سابعا: وقد جاء في النظام الأساسي للبنك المذكور – الباب الأول – المادة الثانية – ما يلي: (غرض البنك القيام بأعمال الائتمان (١) (١) . العقاري، وما يتصل بها من تمويل مشروعات التعمير، والبناء، والتشييد والإسكان، والمرافق، واستصلاح الأراضي، أو المساهمة فيها. وللبنك في سبيل تحقيق أغراضه القيام بما يأتي: (١) منح القروض وغيرها من التسهيلات (٢) . الائتمانية المرتبطة بأغراض البنك، وذلك على الوجه الآتي: قروض أو تسهيلات ائتمانية لآجال لا تتجاوز خمس سنوات، بضمان رهن عقارى. ويجوز أن يكون الضمان ودائع، أو خطابات (٣) . ضمان، أو أوراق مالية – أي: أسهم وسندات. (ب) قروض أو تسهيلات ائتمانية لآجال تتجاوز خمس سنوات، بضمان رهن عقاري، وأوراق مالية. (ج) يجوز لمجلس الإدارة منح قروض أو تسهيلات ائتمانية إلى الأشخاص الاعتبارية العامة، ووحدات القطاع العام، والشركات التي تساهم فيها وغيرها من الشركات المساهمة بضمانات أخرى إضافية يحددها المجلس.

стр. 7898

وفي جميع الأحوال يجب أن تصرف القروض في الأغراض التي منحت من أجلها. (٢) استثمار أموال البنك في مختلف أوجه الاستثمار بما يكفل تحقيق أغراضه، وتنمية موارده. (٣) القيام بدراسات الجدوى المتعلقة بالمشروعات التي يشارك فيها، أو يساهم في تمويلها. (٤) إدارة القروض والأموال وتسويقها وتوظيفها في حدود أغراض البنك. (٥) قبول الودائع، وإصدار شهادات الادخار والإيداع ـ وفقا للشروط التي يحددها البنك المركزي المصري. (٦) القيام بأعمال أمناء الاستثمار (١) . ويجوز للبنك أن يساهم في تأسيس شركات لتحقيق كل أو بعض أغراضه كما يجوز أن تكون له مصلحة أو أن يشترك بأي وجه من الوجوه مع الهيئات والجهات التي تزاول أعمالا شبيهة بأعماله، أو التي قد تعاونه على تحقيق أغراضه في مصر أو في الخارج أو أن يندمج معها، أو يشتريها أو يلحقها به. كما يجوز للبنك المشاركة في مشروعات التعمير والإسكان واستصلاح الأراضي في إطار الشريعة الإسلامية. ثامناً: وبعد هذا العرض لجانب من النظام الأساسي للبنك العقاري المصرى، يتبين لنا بوضوح أن الأغراض والأهداف التي قام من أجلها، متعددة الأنواع، مختلفة الوسائل، مترامية الأطراف، وأنها تشمل ما يأتى: المساهمة في تمويل عمليات استصلاح الأراضي، وتحويلها من أرض جدباء إلى أرض خضراء، تنبت من كل زوج بهيج، وينتفع الناس والدواب والأنعام والطيور بما تخرجه هذه الأرض المستصلحة من زروع وثمار. ولا شك أن هذا العمل في ذاته عمل نافع، حضت عليه شريعة الإسلام، في عشرات الآيات القرآنية وفي كثير من الأحاديث النبوية. أما الآيات القرآنية فمنها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [سورة الملك: الآية ١٥] . ومنها قوله سبحانه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ... ﴾ الآية [سورة هود: الآية ٦١] .

стр. 7899

وأما الأحاديث النبوية، فمنها ما أخرجه الشيخان عن أنس – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة)) . ومنها قوله ﷺ ((من أحيا أرضا ميتة فهي له ولعقبه)) . وفي رواية: ((من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العوافي فهو له صدقة)) . وفي رواية ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق)) ، أي: ليس لمن يغتصب أرض غيره حق فيها. وبذلك نرى أن العمل على تحويل الأرض من أرض جدباء إلى أخرى خضراء من أجل الأعمال التي تدعو إليها شريعة الإسلام. (ب) المساهمة في تمويل بناء المساكن التي تأوي من هم في أشد الحاجة إلى الإيواء والستر ونحن نعلم أن قلة المساكن في معظم البلاد الإسلامية قد أصبحت تمثل مشكلة خانقة. فملايين الفتيان والفتيات الذين صاروا في سن الزواج لم يتمكنوا من تحقيق ما يرجونه من ارتباط شرعي، بسبب عدم استطاعتهم الحصول على المسكن المناسب، أو حتى غير المناسب. وكلنا نعلم ما يترتب على ذلك من انحرافات في السلوك والأخلاق ومما لا شك فيه – أيضا – أن المساهمة في إنشاء المساكن التي تستر الناس، وتصون أعراضهم، من الأعمال الجليلة التي ترضي الله – – لأنها لون من التعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان عن ابن عمر – ﵄ – أن رسول الله ﷺ – قال: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه. ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج على مسلم كربة فرَّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة،ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)) . وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. . . (ج) المشاركة مع الأفراد والهيئات في إقامة المشروعات المتنوعة النافعة، التي أباحتها – بل حضت عليها – شريعة الإسلام، لأن خيرها يعود على الأفراد والجماعات، ولأن المشاركة فيها تفتح أبواب العمل لمن لا عمل لهم بعد أن صارت مشكلة البطالة من أشد المشاكل التي تعاني منها كثير من الدول العربية والإسلامية، بل صارت هذه المشكلة تنذر بشر مستطير، وبخطر جسيم، نسأل الله تعالى النجاة منه.

стр. 7900

وقد جاء في الفقرة السادسة من المادة الثانية من النظام الأساسي للبنك العقاري المصري ما يأتي (كما يجوز للبنك المشاركة في مشروعات التعمير والإسكان واستصلاح الأراضي، في إطار الشريعة الإسلامية) . ولا يختلف عاقلان في أن هذه المشاركة، في إطار الشريعة الإسلامية، من الأعمال الصالحة التي تدعو إليها شريعة الإسلام. (د) تقديم المساعدة الفنية، والخبرة النافعة، لمن يقومون بأعمال التعمير، والبناء والتشييد والإسكان والمرافق واستصلاح الأراضي. فمن وظائف البنك – كما جاء في نظامه -: (القيام بدراسة الجدوى للمشروعات العقارية على اختلاف أنواعها، وتقديم المشاورات الفنية، والقانونية، والهندسية. . . إلخ) . ومن المتفق عليه أن هذه الدراسات النافعة، التي يقدمها البنك لطالبيها تمثل لونا من التعاون النافع، متى أداها البنك بصورة صحيحة، لا يشوبها غش أو خداع أو استغلال أو ربا. . . وما يأخذه البنك في نظير ذلك من أجور يقدرها الخبراء العدول جائز شرعا. تاسعا: هذه أهم الأغراض التي قام من أجلها البنك العقاري، وتلك أهم وظائفه. وهي- كما سبق أن قلنا – أغراض شريفة في ذاتها، ولا يختلف عاقلان في سلامتها ونفعها، ولكن يأتي بعد ذلك سؤال هام وهو: ما الوسائل التي يستخدمها البنك في تحقيق هذه الأغراض وتلك الوظائف؟ وللإجابة على ذلك أقول: هناك وسائل متعددة تسلكها تلك البنوك لتحقيق أغراضها، وهذه الوسائل منها ما هو جائز شرعا ومنها ما ليس كذلك فأما الوسائل التي اتفق الفقهاء على جوازها شرعا، فمن أبرزها: (أ) أن تقدم الدولة للبنوك العقارية ما هي في حاجة إليه من أموال كافية لتلبية مطالبها الذاتية كأجور العمال والموظفين. . إلخ ولتلبية مطالب الراغبين في استصلاح الأراضي أو في بناء المساكن، دون أن تأخذ البنوك من هؤلاء الراغبين في إقامة تلك المشروعات، أية مبالغ تزيد عما قدمته لهم.

стр. 7901

وتكون وظيفة البنوك العقارية في تلك الحالة، هي الوكالة عن الدولة في تنظيم وتنسيق وتنفيذ تقديم هذه الأموال، لأصحاب تلك المشروعات، ثم استردادها منهم بعد ذلك على أقساط، لا تزيد في مجموعها على ما قدمته لهم من أموال، بل ربما تتنازل الدولة عن جزء كبير منها في بعض الأحيان. . . وهذه الطريقة تتبعها – في العادة – الدول الغنية الرشيدة، لكي تساعد أبناءها على امتلاك المسكن المناسب، وعلى التوسع في إحياء الموات من الأرض، وقد ترتب على هذه السياسة الحكيمة أن زاد العمران وكثر عدد العاملين في مجالات النشاط الاقتصادي على اختلاف ألوانه، وأنفقت الأموال في وجوه الخير التي يعود نفعها على الجميع، كما ترتب على هذه السياسة الحكيمة – أيضاً – أن كثرت المساكن، وصار المعروض منها أكثر من المطلوب، فرخصت أسعارها، وأصبح المسكن الذي كان يؤجر منذ عشر سنوات في المملكة العربية السعودية – مثلاً – بثلاثين ألف ريال في السنة، أصبح الآن – كما بلغني – يؤجر بأقل من هذا المبلغ بنسبة قد تصل إلى الثلث. ومما لا شك فيه أن هذه الطريقة التي اتبعتها بعض الدول، هي من السنن الحسنة، التي لأصحابها من أولي الأمر، أجرها وأجر من عمل بها من بعدهم. (ب) أما الطريقة الثانية من الطرق التي اتفق العلماء على إباحتها، فهي: أن تقدم البنوك العقارية لأصحاب مشروعات استصلاح الأرض، أو تشييد المساكن، الأموال التي هم في حاجة إليها لإقامة مشروعاتهم، ولكن على سبيل المشاركة لهم بالنصف أو بالثلث أو بعير ذلك. . . والمشاركة – كما نعلم – جائزة شرعاً، بدليل قوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [سورة النساء: الآية ١٢] . وبدليل ما أخرجه الإمام أبو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁ – أن رسول الله ﷺ – قال: ((يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإن خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما)) . أي أن الله – تعالى – يبارك للشريكين في المال، ويحفظه لهما ما لم تحدث خيانة من أحدهما للآخر، فإن حدثت نزع الله – تعالى –البركة من مالهما. وقد جاء في الفقرة السادسة من المادة الثانية من النظام الأساسي للبنك العقاري المصري ما نصه: (كما يجوز للبنك المشاركة في مشروعات التعمير والإسكان واستصلاح الأراضي في إطار الشريعة الإسلامية) . (ج) والطريقة الثالثة التي يمكن للبنوك العقارية أن تسلكها لتمويل المشروعات العقارية النافعة تتلخص في الرهن. وهو في اللغة يطلق على الثبات والدوام، ومنه قولهم: نعمة راهنة، أي ثابتة ودائمة كما يطلق أيضاً على الحبس، كما في قوله – تعالى -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أي: محبوسة بكسبها وعملها ومعناه شرعا: إعطاء الدائن ضمانا ذا قيمة معلومة، يضمن له حقه في ذمة المدين.

стр. 7902

والرهن جائز شرعا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٣] . أي: وإن كنتم – أيها المؤمنون – مسافرين، وتداينتم بدين إلى أجل مسمى، ولم تجدوا كاتبا يكتب لكم ديونكم، أو لم تتيسر لكم أسباب الكتابة، فإنه في هذه الحالة يقوم مقام الكتابة رهان مقبوضة، يقبضها صاحب الدين ضمانا لحقه عند تعذر أخذه من المدين. ومن الأحكام التي أخذها الفقهاء من هذه الآية الكريمة: أن تعليق الرهان على السفر ليس لكون السفر شرطا في صحة الرهان، فإن التعامل بالرهان مشروع في حالتي السفر والحضر. وإنما علق هنا السفر لأنه مظنة تعسر الكتابة، لما فيه من التنقل وعدم الاستقرار وقد ثبت في الصحيحين عن أنس – ﵁ – أن رسول الله ﷺ توفى ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير، رهنها قوتًا لأهله. (١) . ومن الواضح أن الرسول – ﷺ – عندما رهن درعه لليهودي، كان مقيما ولم يكن مسافرا. قال القرطبي: " ولم يرد عن أحد منع الرهن في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود، متمسكين بظاهر الآية، ولا حجة لهم فيها، لأن الكلام وإن خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال. . . " (٢) . وإذًا فمن الوسائل المشروعة التي يمكن أن تستعملها البنوك العقارية لضمان حقها بالنسبة لمن سلمتهم شيئًا من أموالها لاستصلاح الأرض، أو لبناء المساكن، أن تأخذ منهم على سبيل الرهن ما يناسب قيمة تلك الأموال التي دفعتها لهم. وقد جاء في الفقرة الأولى من المادة الثانية من النظام الأساسي للبنك العقاري المصري ما نصه / (وللبنك في سبيل تحقيق أغراضه القيام بما يأتي: منح القروض وغيرها. . . وذلك على الوجه الآتي: قروض أو تسهيلات ائتمانية لآجال لا تتجاوز خمس سنوات، بضمان رهن عقاري ويجوز أن يكون الضمان ودائع، أو خطابات ضمان، أو أوراق مالية. . .) . (د) كذلك من الوسائل التي نرى إباحتها للبنوك العقارية التي تقدم الأموال اللازمة لأصحاب تلك المشروعات العقارية النافعة أن تأخذ منهم مقابل خدماتها لهم، مبالغ مناسبة، يقدرها الخبراء العدول كأجور للموظفين وللعمال ولغير ذلك من المرافق التي تكلف البنوك الكثير من الأموال، والتي تخلت الدولة عن دفعها، وأذنت للبنوك في تحصيلها من المتعاملين معها نظير ما تقدمه لهم من خدمات متنوعة، لا تستطيع القيام بها إلا بتحصيل تلك المبالغ.

стр. 7903

ويبدو لي أنه لا يوجد مانع شرعي يمنع البنوك من أن تأخذ تلك المبالغ من المتعاملين معها ما دامت هذه المبالغ مقدرة من جهة الخبراء العدول ولا جشع معها ولا استغلال، وما دامت تؤخذ على أنها في مقابل خدمات معينة يقدمها البنك للمتعاملين معه في سبيل تبادل المنافع المشروعة. عاشرا: هذه في نظري أبرز الوسائل التي أرى أن البنوك العقارية يجب عليها أن تأخذ بها أو ببعضها عند تمويلها للمشروعات التي وجدت من أجل المساهمة في تحقيقها وهي: التعمير، والبناء والتشييد، والإسكان، واستصلاح الأراضي. لأن هذه الوسائل مع جوازها من الناحية الشرعي، سيترتب عليها – بإذن الله – ما يأخذ بالأمة إلى طريق الخير والرقي والأمان. وأما الوسائل التي اتفق العلماء على حرمتها وعلى وجوب التخلي عنها، فهي كل وسيلة تسلكها هذه البنوك في تعاملها مع غيرها وتكون هذه الوسيلة مصحوبة بالغش أو بالتدليس، أو بالاستغلال أو بالربا، أو بغير ذلك من المعاملات المحرمة. فمثلا ما تأخذه هذه البنوك من فوائد باهظة على المبالغ التي تقرضها لمن هم في حاجة إليها لسد ضرورات حياتهم، هي من قبيل الظلم، والاستغلال والربا المحرم. وما تأخذه من فوائد مضاعفة على المعسرين، هو – أيضا – من قبيل الظلم البين، والربا الجلي الذي أعلن القرآن الكريم حرب الله ورسوله لمن يتعاطاه، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ – أي: فإن لم تتركوا التعامل بالربا – ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٩] . حادي عشر، وهنا أحب أن أنبه إلى أن الوسائل المنحرفة عن الحق في التعامل، هي محرمة شرعاً سواء أصدرت عن البنوك أم عن المتعاملين معه، بقصد استغلاله لمصالحهم الخاصة، وبقصد أخذ جزء من أمواله – التي هي ملك للأمة – لا من أجل حاجتهم الماسة إليها وإنما من أجل الزيادة في ثرواتهم الضخمة ومن أجل إشباع مطامعهم التي لا نهاية لها.

стр. 7904

ويحضرني بهذه المناسبة أن رجلا أرسل إلى دار الإفتاء المصرية سؤالا ملخصه: أنه يأخذ من أحد البنوك التي هي ملك للدولة مبالغ معينة بفائدة معينة، ثم يضع هذه المبالغ في بنك آخر بفائدة أعلى وأكبر. . ويسأل: هل عليه زكاة على هذا المال؟ ولا شك أن هذا السلوك يمثل لونًا من التحايل القبيح الذي يدل على انطماس البصيرة، وضعف الدين وسوء الخلق. ثاني عشر: وبعد فهذه كلمة عن (التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها) ذكرنا فيها بعض المقدمات التي لا بد منها، ثم ثنينا ببيان جانب من النظام الأساسي للبنك العقاري المصري، ثم ثلثنا بتوضيح الأغراض والأهداف التي قامت من أجلها هذه البنوك، وأنها أهداف شريفة في ذاتها، ثم ختمنا كلمتنا ببيان الوسائل التي لو استخدمتها هذه البنوك، وأنها أهداف شريفة في ذاتها، ثم ختمنا كلمتنا ببيان الوسائل التي لو استخدمتها هذه البنوك لكانت معاملاتها سليمة وخالية من الربا ومن كل ما يتنافى مع شريعة الله، وكذلك لو سلكها الذين يتعاملون مع هذه البنوك. ويعجبني في هذا المقام قول فضيلة الدكتور محمد عبد الله دراز – ﵀: " قضية الربا في زمننا هذا، إنما هي قضية (تطبيق) وهي فوق ذلك ليست – فيما أرى – من الشئون التي يقضي فيها فرد أو بضعة أفراد، بل ينبغى أن يتداعى لها طوائف من الخبراء في القانون والسياسة والاقتصاد والفقه، وأن يدرسوها دراسة دقيقة مستفيضة، من جميع نواحيها الحاضرة والمستقبلة. . . " (١) . وأن التمويل العقاري لبناء المساكن وما يشبهها لهو في ذاته عمل جليل، إذا قامت به البنوك وفق الأحكام الشرعية، التي لا ظلم فيها لأحد، لأنها من عند أحكم الحاكمين. وبالله التوفيق الدكتور محمد سيد طنطاوي

стр. 7905

التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها إعداد سعادة الدكتور عبد الله إبراهيم عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد عبد الله ورسوله وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم على نهجهم إلى يوم الدين. ١-مقدمة: هذا البحث موضوعه هام جدا وهو التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها وهو موضوع تطلع إليه – ولا يزال يتطلع إليه – المجمع الإسلامي في كل مكان إلى حل أو حلول عادلة نزيهة من أية شبهة بالربا للمسألة التي تتعلق بإحدى حاجاته الأساسية وهي المسكن اللائق المناسب للفرد ومن يعولهم من أفراد أسرته، فقد اضطر المجتمع الإسلامي – بل الإنساني – في كل مكان إلى مواجهة هذه المشكلة مع جهات التمويل القائمة والتي تطبق في تعاملها مع أفراد المجتمع النظام المستورد من النظام الرأسمالي القائم على الربا ـ لاشتماله على معاملات تعتمد على فرض فائدة ربوية على خدمات التمويل التي تقدمها لمن يحتاج إلى التمويل للحصول على أية حاجة من الحاجات الأساسية كقطعة أرض ومسكن وسيارة ومكائن وأدوات زراعية وصناعية وغيرها وكذلك الحاجات الاستثمارية من رأس المال وغيره. على أن مما يبعث على الحيرة والأسى للمجتمع الإسلامي أنه توجد هناك بين حين وآخر فتوى من أشخاص أو جهات معينة لها مكانتها في المجتمع بأن هذه الفائدة المفروضة على القروض لشراء الحاجات الاستهلاكية أو لاستخدامها في أوجه الاستثمارات المختلفة ليست بربا محرم بل هي أجرة خدمة أو خدمات تقوم بها جهات التمويل سواء كانت عامة حكومية كوزارة المالية والإسكان والزراعة وما إليها من المؤسسات الحكومية أو أهليه خاصة كالبنوك التجارية والجمعيات التعاونية ونحوها. كما توجد هناك فتوى بأن هذه الفائدة الربوية ما هي إلا ربح حلال يعود لصاحب المال نتيجة استخدام ماله ووضعه بعيدا عن متناول يديه في أغراضه مدة من الزمن.

стр. 7906

وجدت كل هذه الفتاوى مع إغماض العين عن أوجه التفرقة بين الربا وكل من أجرة الخدمات والربح، وهي أوجه تفرقة ظاهرة واضحة لا تقبل الجمع بين الربا وكل من أجرة الخدمات والربح، في حال من الأحوال. وقد ذكر العلماء الكثيرون – علماء الشريعة وعلماء المال والاقتصاد – مع الأدلة والحجج الواضحة أن هذه الفائدة ربا محرم سواء كانت على القروض بنوعيها الاستهلاكية والاستثمارية أو على الودائع الثابتة في البنوك وأمثالها. ولهذا كله اتفق المسئولون في عالمنا الإسلامي وغيره في أوروبا وأمريكا على إقامة البنك الإسلامي الذي تجرى المعاملات فيه طبقا لقواعد الشريعة ومبادئها في المعاملات وقدمت حلول كثيرة لتكون بديلة عن تلك المعاملات الربوية التي تتبعها البنوك الربوية خاصة في التمويل لمختلف الأغراض الاستهلاكية والاستثمارية معا وغير ذلك من خدمات كانت تتضمن الربا أو شبهة منه وأغرقت الأسواق والمكتبات بالكتب التي تبحث عن هذه الحلول البديلة للمعاملات الربوية. إذن فلا يصح أن تعتبر تلك الفائدة أجرة خدمات كما لا يصح أن تعتبر ربحا لما بين الربا وكل من أجرة الخدمات والربح من فروق واضحة، ولسنا هنا في موضع بيان لتلك الفروق، وأكتفي هنا بأن نركز مناقشتنا في الحلول الإسلامية لمسألة التمويل الربوي المذكور واختيار الأوجه الصالحة لتطبيقها في تمويل بناء المساكن وشرائها ونحوها من الحاجات الأساسية الاستهلاكية مع التركيز على نقطة من النقاط التي لم تنل حظا وافرا من العناية من كثير من الباحثين في موضوعات التمويل. ٢- تعريف للموضوع: والموضوع هو التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها، وتعني كلمة التمويل قيام الجهة المالكة للمال – بنكا كان أو مؤسسة مالية عامة أو خاصة – بتقديم المال اللازم للمتعامل معها من أجل الحصول على حاجة ما أساسية أو غيرها كالمسكن ونحوه، وليس المراد قصر ذلك على بناء المساكن وشرائها فحسب، فإن غيرها من الأغراض مثلها، إلا أن الغرض من البحث هنا الاقتصار على التمويل لبناء المساكن وشرائها نظرا لأهميتها باعتبار أن المسكن من الحاجات الأساسية للإنسان في كل مكان وزمان، ومع هذا يجوز أن يقاس غيره من الحاجات على المسكن كالسيارة وماكينة زراعية أو صناعية وغيرها. هذا والمفروض في مثل هذا البحث أن يتناول الباحث كالعادة ذكر أوجه التمويل الصالحة المناسبة وبيان التعريف عن كل وجه من جميع جوانبه، إلا أني أرى في هذا البحث أن أقتصر وأركز على بعض النقاط التي تراءى لي أنها تحتاج إلى المناقشة وبت الحكم الشرعي فيها حيث إنها لم يسبق أن اتخذ قرار بشأنها وأترك بقية الجوانب التي كثر النقاش في شأنها ووضح أمرها وأحكامها الشرعية وذلك حتى لا يتكرر النقاش خاصة إذا كانت قد سبق أن اتخذ في شأنها قرار أو قرارات من قبل في مجمعنا في دورة من دوراته.

стр. 7907

٣- أوجه التمويل الصالحة: بعد النظر إلى مختلف التمويل التي قامت بها مختلف بنوكنا الإسلامية نجد أن هناك عدة أوجه صالحة لأن تكون أوجه تمويل لبناء المساكن وشرائها وذلك لأنها قد قدمت على أنها حلول بديلة لأوجه التمويل الربوي التي تطبقها البنوك الربوية. وهذه الأوجه هي البيع بثمن آجل والمرابحة للآمر بالشراء والمشاركة المنتهية بالتمليك والتأجير المنتهي بالتمليك إلى جانب القرض الحسن. ويمكن إجمال التعريف عن هذه الأوجه بأنها جميعا تجمع معنى المرابحة للآمر بالشراء، وذلك لأن الأول يعني قيام الجهة الممولة بشراء مسكن عينه العميل بمواصفات خاصة والتزم بشرائه منها بقيمة التكلفة مضافا إليها ربح معين يدفعها في أقساط خلال مدة متفق عليها. والوجه الثاني كذلك كما هو واضح، إلا أن القيمة المتفق عليها بين الطرفين (وهي مكونة طبعا من قيمة التكلفة والربح) ، قد تدفع في الحال، إلا أن الغالب أنها تدفع في أقساط خلال مدة معلومة أيضا. وأما الثالث فهو مبني أيضا على المرابحة للآمر بالشراء، إلا أن التمويل في المرحلة الأولى هنا لا يكون كليا بل جزئيا حيث يشترك الطرفان في شراء المسكن، ثم تبيع الجهة الممولة نصيبها للعميل بقيمة التكلفة مضافا إليها الربح أيضا ويدفع العميل هذه القيمة في أقساط خلال مدة متفق عليها. وأما الأخير وهو التأجير المنتهي بالتمليك فكذلك بناء على اختيار وطلب من العميل للمسكن وبمواصفات خاصة، سواء كان مسكناً جاهزاً أو غير جاهز ولم يتم بناؤه بعد والمطلوب بناؤه وتأجيره بهذه الصفة، وسواء كان المسكن المذكور من أملاك الممول أو من غيرها فيتملكه الممول ويؤجره له بهذه الصفة أيضا. ومهما كان الأمر فإن هذا التأجير يعقبه تمليك للممول بالبيع – كما هو الغالب الواقع عملا – بقيمة التكلفة المضاف إليها الربح وبناء على أمر من العميل في بداية الأمر إلا أنه يختلف من الأوجه الأولى في أنه لابد أن يشتمل على عقدين مستقلين الأول عقد إجارة والثاني عقد بيع بعد انتهاء مدة الإجارة أو في خلال المدة على أن يسري مفعوله بعد انتهاء مدة الإجارة أو بعد العقد مباشرة إذا اتفق الطرفان على فسخ الإجارة.

стр. 7908

على أن يراعى في جميع هذه الأوجه القيمة المناسبة وإن أضيف إليها مقدار معين من الربح، وفي مسألة الإجارة يكون ثمن الإيجار مناسبا للمسكن طبقا لنظام العرض والطلب في المكان والزمان الذين تم فيهما عقد إجارته ومناسبا أيضا لحجمه والمنفعة المستفادة منه ويقترن بهذا العقد وعد بالبيع من قبل الممول المؤجر ووعد بالشراء من قبل العميل المستأجر بعد انتهاء مدة الإجارة وإتمام دفع إيجاراته حسب المتفق عليه، ويتفق الطرفان حول اعتبار قيمة الإيجار المدفوعة أو جزء منها قسما من قيمة البيع، كما أن للطرفين الاتفاق على إضافة مقدار معين إلى ثمن الإيجار حين عقد الإجارة مقابل البيع الموعود به، ويودع هذا المبلغ – وهو يدفع على أقساط من ثمن الإيجار الشهري طول مدة الإجارة – في حساب الودائع الاستثمارية في البنك الإسلامي ليكون ضمانا للممول ويستفيد منه بأرباحه بعد إتمام عقد البيع مباشرة ويتسلمه عاجلا باعتبار أنه جزء من قيمة البيع الذي تم العقد عليه، لا على أنه ربح من قبل أن يتم عقد البيع عليه، ويدفع العميل بقية القيمة مخصوما منها الإيجار السابق الذي دفعه أو جزءا منه تبعا للاتفاق بين الطرفين، في أقساط خلال مدة معينة، وتتخذ جميع الإجراءات اللازمة الأخرى على حسب قوانين البلاد. وأحيلكم بعد هذا إلى قراءة بحثي عن موضوع التأجير المنتهي بالتمليك لمعرفة بقية التفاصيل عنه وهو مقدم أيضا إلى مجمعنا هذا. هذا ويوجد هناك بعض البنوك الإسلامية يمارس ما يسمى باسم: (الإقراض برسم التمليك) كوجه من أوجه التمويل، ويعنى أن البنك يتملك أشياء منقولة أو غير منقولة ويؤجرها للعميل مقابل تعهد الأخير بدفع أقساط متساوية في آجال معينة ولمدة يتفق عليها في حساب توفير يفتحه البنك لهذه الغاية ويعطي البنك تفويضا بحق استثمار موجودات الحساب ويمكن إضافة الأرباح إلى هذا الحساب وعندما تتكامل الأقساط يلغى العقد وتنتهي الإجارة وتنتقل الملكية من البنك إلى العميل. (بحث د. أوصاف أحمد موضوعه: الأهمية النسبية لطرق التمويل المختلفة في النظام المصرفي الإسلامي: أدلة عملية من البنوك الإسلامية، مقدم إلى المؤتمر السنوي السادس للمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت) ، عمان ١٨ – ٢١ /٦ /١٩٨٧ ص٦) ذكره الدكتور أوصاف أحمد بعد ذكر الإجارة مباشرة وقال عنه: (هذه طريقة أخرى من التعامل تقوم بها البنوك الإسلامية، وهي وجه آخر من أسلوب الإجارة السابق) ، ثم عرفه كما نقلت عنه أعلاه.

стр. 7909

فالدكتور شحاته – ذكر ضمن العناصر والأسس والقواعد السليمة في عملية بيع المرابحة – ذكر حول الربحية أمرين: ملاءمة الربحية لذات السلعة أو النشاط في ضوء أسعار السوق أو العمليات السابقة. مدى الالتزام بالقرارات الخاصة بنسب تحديد نسب الربح، وقوانين الاستيراد واللوائح التنفيذية (بحثه المقدم إلى ندوة خطة استراتيجية الاستثمار في البنوك الإسلامية, الجوانب التطبيقية والقضايا والمشكلات في عمان، الأردن ١٨/٦/١٩٨٧ ص١٧) . وتناولها الدكتور محمد عبد الحليم عمر بشيء من التفصيل حول عنصر الربح كأحد عناصر الثمن الثلاثة: الثمن الأساسي أو الأول، المصروفات ثم الربح، فقال: " إن هذا العنصر هو مقصود العملية " وقال: " والعلم به وذكره في العقد شرط من شروط المرابحة "، وذكر عن بعض البنوك الإسلامية: " فإن بعض البنوك تذكره والبعض الآخر لا يذكره بل يذكر الثمن إجماليا متضمنا الربح دون إشارة إلى ذلك ". فقال عن هذا: " وهذا أمر يجب تعديله بضرورة ذكر الربح في عقد البيع حتى يحقق شرط العلم بالربح كأحد شروط المرابحة ". وقال: " ولا يكفي في ذلك ذكره في عقد الوعد حتى ولو أشير إليه صراحة في عقد البيع على هذه الحالة، أولا لأن عقد الوعد لا ينعقد به بيع. . . وثانيا لأنه ربما يتم تغيير الربح بين مرحلة المواعدة ومرحلة البيع لأية ظروف مثل صدور قوانين أو قرارات من الدولة تنظم ذلك) . وتناول كيفية حساب الربح فذكر أولا اختلاف البنوك الإسلامية في كيفية حسابه فقال: " يحسب الربح كنسبة مئوية من ثمن الشراء وجميع المصروفات في بعض البنوك، ومصروفات محددة في بنوك أخرى ". ويلفت النظر بعد ذلك إلى " أن نسبة الربح يجب أن تختلف بحسب نوع البضاعة وأجل السداد بما يؤثر على إجمالي الثمن الذي يريد في البيع الآجل عنه في البيع النقدي. . مع ضرورة الإشارة إلى أن ذلك يجب أن يكون محددا بصفة قاطعة عند إبرام عقد البيع ولا يقال مثلا إن نسبة الربح لسعلة ما ٥ % إذا كان السداد على شهرين، و٧ % إذا كان السداد على أربعة شهور) .

стр. 7910

وقال: " فإذا كان يجوز أن يكون هذا واضحا قبل التعاقد فإذا تم العقد على نسبة ٥ % مثلا والسداد لمدة شهرين ثم تأخر المشتري عن السداد في الموعد المحدد أن لا تزاد نسبة الربح مقابل الأجل في هذه المرة، بل يعالج الموقف بأحد الإجراءات المقررة للتوقف عن الدفع ". على أن بعض البنوك تلتزم في تحديد الربح بالنسب المقررة بالدولة عندما تحدد الدولة بقرارات نسب الربح لكل سلعة مستوردة أو محلية لكل من المستورد أو تاجر الجملة والتجزئة. وذكر أن بعض البنوك تحدد الربح بنسب ثابتة على جميع أنواع السلع (١٨ % مثلا) مسترشدة في ذلك بسعر الفائدة الربوي السائد في السوق. وهي بذلك تفرغ عملية المرابحة من مضمونها الاقتصادي والشرعي وتصبح كأنها عملية إقراض الثمن للمشتري مرابحة خاصة إذا علمنا أنها توكل العملية كلها – شراء أول وبيع مرابحة للمشتري – (بحثه المقدم إلى المؤتمر السنوي السادس للمجمع الملكي بالأردن ١٨-٢١/٦/١٩٨٧ في موضوع التفاصيل العملية لعقد المرابحة في النظام المصرفي الإسلامي ص ٢٦-٢٧) . هذا وتحدد بعض البنوك الإسلامية نفس الطريقة التي اتبعتها البنوك الربوية في تحديد مقدار الفائدة المطلوبة على القروض وذلك بضرب نسبة الفائدة السنوية في عدد السنوات المتفق عليها لدفع أقساطها خلال أشهرها، مثلا ٦ % ×١٠ سنوات =٦٠ % من قيمة التكلفة. بينما سلكت بعض مؤسسات التمويل سلوك التخفيف والرحمة فاكتفت بمقدار ما يساوي ١٠ % من الربح مضافا إلى قيمة التكلفة بدون ضربها في عدد السنوات ولكن يوجد البعض الآخر يزيد على قيمة التكلفة مبلغا كبيرا من الربح بدون ضابط مثل أن يكون المقدم في بيع بثمن آجل للغسالة: ١٥ دولار والقسط الشهري ٢٤ دولار في ٣٦ شهرا = ٨٦٤ دولار مع أن قيمتها نقدا ٤١٤ دولار فقط. ويكون الفرق ٤٥٠ دولار أي مقدار الربح المضاف إلى قيمة التكلفة أكثر من مائة في المائة.

стр. 7911

ضمانات: هذا ومع اختلاف طرق تحديد الربح – كما رأينا – يختلف مقدار الربح المضاف إلى قيمة التكلفة تبعا لاختلاف طريقة تحديده من بنك إلى آخر. وإن هناك اختلافا ثالثا بين البنوك الإسلامية فيما أخذت من ضمانات. فإن هذه الضمانات تتكون من أمور – وإن اختلف في الأخذ بها جميعًا من بنك إلى آخر – منها ما يمثل مجرد توثيق لحق الممول ولا يأتي بمزيد الربح إليه، ومنها ما هو أكثر من مجرد توثيق لحقه، بل يأتي بمزيد الربح إلى الممول فوق الأرباح المضاعفة التي جاءت بها طريقة تحديدها. فالمجموعة الأولى هي: الضمان الشخصي المتعلق بسمعة العميل ومركزه المالي. الحصول على رهن بقيمة الثمن أو رهن البضاعة ذاتها رهنا تأمينيا. طلب كفالة شخص آخر مليء لضم ذاته إلى ذمة المشتري. الحصول على سندات إذنية للتحصيل أو سندات إذنية بالاطلاع. تحفظ البنك على وديعة للمشتري طرف البنك. توقيع المشتري على إيصال أمانة أو شيكات مؤجلة السداد بقيمة المبلغ. إعطاء البنك حق امتياز البائع على السلعة المباعة. إلى غير ذلك من ضمانات من هذا القبيل. والمجموعة الثانية هي: ١تقديم المشتري خطاب ضمان مصرفيًا بقيمة البضاعة للبنك. التأمين على البضاعة محل العقد من كافة الأخطار لصالح البنك. ٣- عقد البيع مرابحة ذاته (١) (١) . ٤-إيداع ما بين ٣-٦ أقساط مثلا من أول مدة سريان مفعولية العقد في حساب الودائع الاستثمارية في البنك الذي يقوم بالتمويل، وتقتسم فيه الأرباح بين الطرفين الممول والعميل مضاربة. إلى غير ذلك من ضمانات من هذا القبيل: الذي يمكن أن يأتي بمزيد الربح إلى الممول.

стр. 7912

الطريقة المختارة: ولهذا كله أرى أن علينا أن نركز في مناقشة طرق تحديد الربح وما يجوز أخذه كضمان حتى لا يأتي هو الآخر بمزيد الربح فوق الأرباح المضاعفة التي قد أضيفت إلى قيمة التكلفة تبعا لطريقة تحديد هذه الأرباح، وهي في أحيان كثيرة قد أثقلت كاهل العميل المسكين المحتاج إلى مسكن يقيه هو وأهله من مخاطر الجو وأعين الناس، مع أن البنك الإسلامي ما أنشئ إلا وكان من أوائل أهدافه هو أن يكون بديلا للبنوك الربوية التي طالما أثقلت كواهل الناس بما فرضت من فوائد ربوية وغيرها. هذا وإذا كان لي أن أختار من تلك الطرق المختلفة لتحديد الربح فالطريقة التي تنبئ عن الإنصاف والرحمة والتوسط في جمع الأرباح هي الأفضل وهي الطريقة التي لا يمكن أن تأتي بربح أكثر من الثمن الحالي للفائدة في السوق المحلي، من غير ضربه في عدد السنوات المتفق عليها لدفع الأقساط، وذلك حتى لا تأتي بأضعاف مضاعفة من الربح الذي يشبه الربا الجاهلي المطبق على الناس في عهد نزول القرآن الكريم بتحريم الربا. ومن ناحية الضمانات نرى أن نختار من الضمانات كذلك ما لا يمكن أن يأتي بمزيد الربح والمكاسب لطرف الممول دون غيره خاصة إذا كان يتم بالشرط المفروض على العميل. وبهذا أكتفي. وصلى الله وسلم على رسول الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. الدكتور عبد الله ابراهيم

стр. 7913

التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها إعداد فضيلة الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين وقائد الغر المحجلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن البحث الذي طرحه مجمعنا الموقر للمناقشة وتشرفت باختياره للكتابة فيه هنا هو: (التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها) . وهذا البحث على أهميته وخطورته اليوم في عالمنا المعاصر لم يفرده فقهاؤنا القدامى – رحمهم الله تعالى وأجزل مثوبتهم – بكتاب فيما أعلم، حتى ولا برسالة أو بحث منفرد على حدة، لا تقصيرًا منهم، بل لأن هذه المشكلة وهي مشكلة السكن لم تكن موجودة في عصرهم بشكلها الحالي المخيف، فلم تكن نازلة، بل الأمر عندهم كان أيسر مما نتصور، لذلك تجد أحكامًا للمساكن والدور والعقار بعامة مبثوثة هنا وهناك في طيات كتبهم ومدوناتهم وثنايا عباراتهم، هي على قصورها مفاتيح لبحثنا اليوم لا يستغنى عنها فجمعت هذا إلى ذاك وزدت من توفيق الله ما أفاد, هذا, ولقد أقمت البحث هنا على مدخل ومقصد وخاتمة، ودونك التفصيل: المدخل إلى البحث يدخل التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها تحت كليات فقهية (ثلاث) هن على الترتيب التالي: كلية الاستصناع عقدًا من العقود المسماة عند الحنفية وله شروطه وضوابطه. كلية بيع العقار قبل قبضه وأقاويل العلماء فيه. كلية التمويل المصرفي وضوابطه في الفقه الإسلامي.

стр. 7914

ودونك التفصيل: * أولا: (كلية الاستصناع) لدى الحنفية. وهو (التعاقد على صنع شيء معين) (١) (١) وعرفه الأستاذ الدكتور وهبه الزحيلي فقال: " هو عقد مع صانع على عمل شيء معين في الذمة " (٢) . وينعقد بالإيجاب والقبول من المستصنع والصانع، ويقال للمشتري (مستصنع) وللبائع (صانع) وللشيء (مصنوع) والراجح لدى الحنفية أنه بيع لا وعد ولا إجارة، وأن المعقود عليه هو العين الموصى بصنعها لا عمل الصانع، ويجوز عند الحنفية استحسانًا لتعامل الناس وتعارفهم عليه في سائر الأعصار من غير نكير فكان إجماعًا منهم على الجواز، ويصح الاستصناع عند الجمهور، المالكية والشافعية والحنابلة على أساس عقد السَّلَم وعُرف الناس. ويشترط فيه لديهم ما يشترط في السلم، ويصح عند الشافعية سواء حدد فيه الأحل لتسليم الشيء المصنوع أم لا بأن كان حالا. أما شروط الاستصناع عند الحنفية فأبرزها: بيان جنس المصنوع وقدره وصفته لأنه مبيع، فلا بد من أن يكون معلوما، والعلم يحصل بذلك. أن يكون مما يجري فيه التعامل بين الناس من أوان وأحذية وأمتعة الدواب ونحوها، ولا يجوز الاستصناع في الثياب لعدم تعامل الناس به، فإذا تعاملوا به وصار متعارفًا صح. ألا يكون فيه أجل عند الإمام أبي حنيفة لأنه بتحديد الأجل انقلب سلمًا عنده، وقال الصاحبان ليس هذا بشرط، والعقد استصناع على كل حال حدد فيه أجل أم لم يحدد، لأن العادة جارية بتحديد الأجل في الاستصناع، ورجح الدكتور الزحيلي قول الصاحبين فقال: "ونرى أن قولهما هو المتمشي مع ظروف الحياة العملية فهو أولى بالأخذ " (١) (٣) . والراجح في صفة عقد الاستصناع هو قول الإمام أبي يوسف بأن العقد لازم إذا رأى المستصنع المصنوع ولا خيار له إذا جاء موافقًا للطلب والشروط، لنه مبيع بمنزلة المسلم فيه فليس له خيار الرؤية لدفع الضرر عن الصانع، ورجح الدكتور الزحيلي هذا القول الذي أخذت به المجلة فقال: " وفي تقديرنا أن هذا الرأي الذي أخذت به المجلة سديد منعًا من وقوع المنازعات بين المتعاقدين ودفعًا للضرر عن الصانع "، ثم قال " ولأن هذا الرأي يتفق مع مبدأ القوة الملزمة للعقود بصفة عامة في الشريعة الإسلامية، ويتناسب مع الظروف الحديثة التي يتفق فيها على صناعة أشياء خطيرة وغالية الثمن جدًّا كالسفن والطائرات، فلا يعقل أن يكون عقد الاستصناع فيها غير لازم " (٢) (٤) .

стр. 7915

أما حكم الاستصناع في حق المستصنع إذا أتى الصانع بالمصنوع على الصنعة المشروطة فهو ثبوت الملك غير لازم في حقه، حتى يثبت له خيار الرؤية إذا رآه: إن شاء أخذه وإن شاء تركه. وأما في حق الصانع فحكمه ثبوت الملك اللازم إذا رآه المستصنع ورضي به ولا خيار له، هذا كله إذا رأى المستصنع المصنوع، أما إذا لم يره فالعقد غير لازم قبل الصنع وبعد الفراغ من الصنع، ولكل من العاقدين الخيار في إمضاء العقد أو فسخه والعدول عنه قبل رؤية المستصنع للشيء المصنوع فلو باع الصانع المصنوع قبل أن يراه المستصنع جاز، لأن العقد غير لازم، والمعقود عليه ليس هو عين المصنوع وإنما مثله في الذمة، فإذا جاء الصانع بالمصنوع إلى المستصنع سقط خيار الصانع لأنه رضي بكونه للمستصنع حيث جاء به إليه (٣) (١) . هذه هي الكلية الأولى. * ثانياً: أما الكلية الثانية، وهي بيع العقار قبل فيضه وأقاويل العلماء فيه إلى اتجاهين: الاتجاه الأول: يجوز بيع العقار قبل قبضه من المشتري عند الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف – رحمهما الله تعالى – بخلاف المنقول فلا يجوز بيعه قبل القبض أو التسليم، لأن المنقول عرضة للهلاك كثيرا بعكس العقار. (ب) الاتجاه الثاني: وقال جمهور الفقهاء الإمام محمد من الحنفية والأئمة الثلاثة: لا يجوز بيع العقار قبل القبض من المشتري كالمنقول؛ لورود النهي عن بيع الإنسان ما لم يقبض. (١) (٢) . ثالثاً: وأما الكلية الثالثة، وهي التمويل المصرفي لبناء المساكن وشرائها. فالذي يحصل في هذه الأيام في أواخر القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس عشر الهجري، بالنظر لأزمات السكن ومشكلاتها فهو حالة من الحالات الثلاث التالية. حصرًا بالاستقراء التام.
следующие страницы →