الرئيس:
في الواقع إن الوقت تجاوز بنحو نصف ساعة، ويوجد من الذين يطلبون الكلام والذين مقيدة أسماؤهم أحد عشر من أصحاب الفضيلة الأعضاء، فهل ترون أن نختم الجلسة
الأعضاء والخبراء:
موافقون:
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من خلال هذه المداولات ومجموع الأبحاث التي قدمت في موضوع التمويل العقاري لبناء المساكن تبين أمامنا ثماني صور، والصورة التاسعة التي أشار إليها الشيخ بشار، جائز أن تكون صورة تاسعة، وجائز أن تكون هي على سبيل المناشدة للدول.
الذي أحب أن ألخصه في هذا أن هناك ثلاثة صور: الصورة الأولى وهي البيع بالأجل أو البيع بالتقسيط هذه داخلة في إطار موضوع الجلسة المسائية، البيع بالتقسيط، الشركة المتناقصة، وبعض الصور كذلك داخلة في بعض جزئياتها تحت بحث المواعدة أو الوعد هل هو ملزم أو غير ملزم – وأذكركم بهذا بأن قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة المنعقدة في الكويت توصل في قراره إلى أن الوعد غير ملزم – وأما ما يتعلق بالإيجار المنتهي بالتمليك سبق أن صدر قراره المجمع الفقهي بذلك في قراره السادس في دورته الثالثة إضافة إلى هذا هنالك بعض الصور حصل حولها شيء من المناقشات وبعضها لم يحصل حوله شيء من المناقشات فيما يحضرني الآن لأنني لم أقيد حولها شيئًا إلا إذا كان فات علي.
النقطة المهمة هو أنه ينبغي أن يلاحظ في صياغة وإعداد القرار أن لا تكون الحلول نظرية وإنما يكون لها واقع عملي لمعرفة مدى إمكانيات أو الوضع للعالم الإسلامي ومدى انسحاب هذه الحلول وتطبيقها في دول العالم الإسلامي أو في بعض دول العالم الإسلامي، نظرًا لارتباط هذا الموضوع ببيع التقسيط في بعض صوره فقد ترون الموافقة على تأليف لجنة من كل من: الشيخ تقي العثماني، الشيخ الصديق الضرير، الشيخ المختار السلامي، الشيخ رفيق المصري، الشيخ العاني، الشيخ أحمد بن حميد. هل أنتم موافقون على هذا؟ هي صورة ثمانية التي تلخصت لدينا منها الاستصناع ومنها الإقراض برسم التمليك، وقلت أنا إنه جرى حولها مناقشات ولكن لم أذكر أعيانها إنما ذكرت الصور التي برزت في هذا الموضوع.
إذن تمت الموافقة على ذلك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 7982
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (٥٢/١/٦)
بشأن
التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها
إن هذا مجلس الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ الموافق ١٤-٢٠ آذار (مارس) ١٩٩٠م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها)
واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.
قرر:
١-إن المسكن من الحاجات الأساسية للإنسان، وينبغي أن يوفر بالطرق المشروعة بمال حلال، وإن الطريقة التي تسلكها البنوك العقارية والإسكانية ونحوها، من الإقراض بفائدة قلت أو كثرت، هي طريقة محرمة شرعًا لما فيها من التعامل بالربا.
٢- هناك طرق مشروعة يستغنى بها عن الطريق المحرمة، لتوفير المسكن بالتملك (فضلًا عن إمكانية توفيره بالإيجار) ، منها:
أن تقدم الدولة للراغبين في تملك مساكن قروضًا مخصصة لإنشاء المساكن، تستوفيها بأقساط ملائمة بدون فائدة سواء أكانت الفائدة صريحة أم تحت ستار اعتبارها (رسم خدمة) على أنه إذا دعت الحاجة إلى تحصيل نفقات لتقديم عمليات القروض ومتابعتها وجب أن يقتصر فيها على التكاليف الفعلية لعملية القرض على النحو المبين في الفقرة (أ) من القرار رقم (١) للدورة الثالثة لهذا المجمع
أن تتولى الدول القادرة على إنشاء المساكن وتبيعها للراغبين في تملك مساكن بالأجل والأقساط بالضوابط الشرعية المبينة في القرار (٥٣/٢/٦) لهذه الدورة.
أن يتولى المستثمرون من الأفراد أو الشركات بناء مساكن تباع بالأجل.
أن تملك المساكن عن طريق عقد الاستصناع – على أساس اعتباره لازمًا – وبذلك يتم شراء المسكن قبل بنائه، بحسب الوصف الدقيق المزيل للجهالة المؤدية للنزاع، دون وجوب تعجيل جميع الثمن، بل يجوز تأجيله بأقساط يتفق عليها، مع مراعاة الشروط والأحوال المقررة لعقد الاستصناع لدى الفقهاء الذين ميزوه عن عقد السلم.
ويوصي:
بمواصلة النظر لإيجاد طرق أخرى مشروعة توفر تملك المساكن للراغبين في ذلك.
стр. 7983
قرار التأجيل للدورة السادسة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (٧)
بشأن
التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ إلى ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩هـ/١٠ إلى ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨م.
بعد عرض موضوع (التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها)
قرر:
تأجيل النظر في موضوع (التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها) لإصدار القرار الخاص به إلى الدورة السادسة من أجل مزيد من الدراسة والبحث.
والله الموفق.
стр. 7984
بيع التقسيط
إعداد
فضيلة الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور
عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
في النصوص الواردة من الشارع الحكيم
وأقوال الفقهاء المجتهدين الأولين
في بيع التقسيط
من نصوص التشريع:
قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ . [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] . ومعنى الدين البيع أو الشراء بأجل: من تداين: تبايع بالأجل.
وصح عن النبي ﷺ أنه اشترى بالأجل: فعن عائشة ﵂ قالت: ((توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير)) . [رواه مسلم] .
وعن عائشة ﵂ قالت: ((اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعامًا بنسيئة – أي بالأجل - ورهنه درعًا له من حديد)) [متفق عليه] .
من أقوال الفقهاء:
قال الإمام البغوي: (إذا باتّه على أحد الأمرين في المجلس فهو صحيح به لا خلاف فيه) انظر ص ١٤٢، مجلد ٨: شرح السنة، للبغوي.
وقال الشيخ ابن قدامة: " وقد روي عن طاوُس والحكم وحماد أنهم قالوا " لا بأس أن يقول: أبيعك بالنقد كذا، والنسيئة كذا، فيذهب على أحدهما، وهذا محمول على أنه جرى بينهما بعدما يجري في العقد، فكأن المشتري قال: أنا آخذه بالنسيئة بكذا، فقال: خذه، أو: قد رضيت، ونحو ذلك، فيكون عقدًا كافيًا، فهم قد أجازوا هذا البيع حيثما تحدد الثمن ". اهـ. انظر ص ٢١١، مسألة ٣١٣٠ مجلد ٤: المغني.
وقال الشيخ الشوكاني: " نقل ابن الرفعة عن القاضي أنه قال عن هذه المسألة: لو قال البائع: بعتك بألف نقدًا أو ألفين إلى سنة، قال القاضي: لو قال المشتري: قبلت بألف أو ألفين بالنسيئة صح ذلك ". اهـ. انظر ص ١٦١ – ١٦٢، ج ٥: نيل الأوطار.
وقال الإمام الترمذي (أبو عيسى) : " إذا قال البائع: أبيعك هذا الثوب بنقد عشرة، وبنسيئة بعشرين، فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على أحد منهما ". اهـ. انظر ص ٥٣٣، حديث ١٢٣١: سنن الترمذي، مج ٣.
وقال الإمام الأوزاعي عن البيع: " لا بأس بذلك، ولكن لا يفارقه حتى يباتّه بأحد المعنيين ". اهـ. انظر ص ٧٣٩ – ٧٤٠، مج ٣: سنن أبي داود.
стр. 7985
مدخل
أولًا: الأصل في الثمن الحلول، وهذا متفق عليه بين الفقهاء في الجملة، فالثمن إما أن يكون عينًا أو دينًا في الذمة ثم الثمن بالدين يجوز أن يكون معجلًا وهو الأصل.
وأن يكون مؤجلًا. . .
والثمن المؤجل إما أن يكون إلى موعد معين لجميع الثمن، وإما أن يكون (منجمًا) مقسطًا على مواعيد معلومة.
ففي الثمن الدين يختلف الحكم في أدائه بحسب كونه معجلًا أو مؤجلًا أو منجمًا، فإذا كان مؤجلًا أو منجمًا يتعين أن يكون الأجل معلومًا للمتعاقدين على تفصيل في ذلك سأذكره إن شاء الله بالتفصيل المذهبي (١)
ثانيا: جاء جاء في مختار الصحاح: (النجم لغة: الوقت المضروب، ويقال: نجم المال تنجيمًا إذا أداه نجومًا (أقساطًا) والتنجيم اصطلاحًا هو (التأخير لأجل معلوم نجمًا أو نجمين) أو هو: [المال المؤجل بأجلين فصاعدًا، يعلم كل نجم ومدته من شهر أو سنة أو نحوها] .
فالتنجيم نوع من الأجل يرد على الدين المؤجل ويوجب استحقاق بعضه عند زمن مستقبل معين، ثم يليه البعض الآخر لزمن آخر معلوم يلي الزمن الأول وهكذا. . . وهو جائز في البيع إذا اتفق عليه المتعاقدان باتفقا الفقهاء ومن أبرز العقود التي برز فيها التنجيم الإجارة – وهي بيع المنافع استحسانًا – جاء في المغني أنه " إذا شرط تأجيل الأجر فهو إلى أجله، وإن شرطه منجمًا يومًا يومًا، أو شهرًا شهرًا، أو أقل من ذلك أو أكثر، فهو على ما اتفقا عليه، لأن إجارة الدين كبيعها، وبيعها يصح بثمن حال أو مؤجل، فكذلك إجارتها (٢) . اهـ.
ثالثًا: تأجيل الدين: هو (مال حكمي يحدث في الذمة ببيع أو استهلاك أو غيرهما) .
وقد شرع تأجيل الدين بالكتاب والسنة والإجماع:
- أما الكتاب، فقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] . فهذه الأية وإن كانت لا تدل على جواز تأجيل سائر الديون، إلا أنها تدل على أن من الديون ما يكون مؤجلًا، وهو ما نقصده هنا من الاستدلال بها على مشروعية الأجل.
- وأما السنة، فما روي عن السيدة عائشة ﵂: ((أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل، ورهنه درعًا له من حديد)) . [رواه مسلم، واللفظ له] . فهذا يدل على مشروعية تأجيل الأثمان. وقد أجمعت على ذلك (٣) .
стр. 7986
وحكمة قبول الدين التأجيل دون العين: ما قرره الفقهاء من أن الفرق بين الأعيان والديون من حيث جواز التأجيل في الثانية دون الأولى: أن الأعيان معينة ومشاهدة، والمعين حاصل وموجود، والحاصل والموجود ليس هناك مدعاة لجواز ورود الأجل عليه.
أما الديون فهي مال حكمي يثبت في الذمة، فهي غير حاصلة ولا موجودة، ومن ثم شرع جواز تأجيلها رفقًا بالمدين، وتمكينًا له من اكتسابها وتحصيلها في المدة المضروبة، حتى إن المشتري لو عين النقود التي اشترى بها لم يصح تأجيلها.
والديون من حيث جواز التأجيل وعدمه: قرر الفقهاء أن الديون في الأصل تكون حالّة وأنه يجوز تأجيلها إذا قبل الدائن واستثنى جمهور الفقهاء من هذا الأصل عدة ديون:
(١) رأس مال السلم، (٢) وبدل الصرف، (٣) والثمن بعد الإقالة، (٤) وثمن المشفوع فيه على خلاف. واختلفوا في جواز اشتراط تأجيل القروض، فيرى جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة وغيرهم أنه يجوز للمقرض المطالبة ببدله في الحال، وأنه لو اشترط في التأجيل لم يتأجل وكان حالًّا.
وذلك لأنه سبب يوجب رد المثل في المثليات، فأوجبه حالًّا، كالإتلاف، ولو أقرضه بتفاريق، ثم طالبه بها جملة له ذلك، لأن الجميع حالٌّ، فأشبه ما لو باعه بيوعًا حالًّة ثم طالبه بثمنها جملة، ولأن الحق يثبت حالًّا، والتأجيل تبرع منه ووعد، فلا يلزم الوفاء به، كما لو أعاره شيئًا، وهذا لا يقع عليه اسم الشرط، ولو سمي شرطًا مجازًا (١) .
جاء في اللباب شرح القدوري ما نصه: "ويجوز البيع بثمن حالٍّ وهو الأصل، ومؤجل إذا كان الأجل معلومًا لئلا يفضي إلى المنازعة، وهذا إذا بيع بخلاف جنسه ولم يجمعها قدر، لما فيه من ربا النساء كما سيجيء، وابتداء الأجل من وقت التسليم، ولو فيه خيار فمنذ سقوطه عنده خانية، ويبطل الأجل بموت المديون لا الدئن " (٢) .، ومثل ذلك في الدر بحاشية رد المحتار لابن عابدين فلينظر (٣) .
وجاء في الدر المختار للحصكفي ووافقه عليه ابن عابدين: " عليه ألف ثمن جعله ربه نجومًا، إن أخل بنجم حل الباقي، فالأمر كما شرط ". اهـ ومعنى (حل) أي صار حالًّا (٤)(٤) .
стр. 7987
المقصد إلى البحث
حكم البيع بالتقسيط وضوابطه الفقهية
تلخص مما ذكرت اتفاق الفقهاء في المذاهب الأربعة الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة على جواز البيع بالتقسيط إلى أجل معلوم مهما طال الأجل ولو إلى عشرات السنين.
ولآجل خلو هذا العقد عن الربا أو شبهته، وعن الجهالة الفاحشة، وجدت بعد الاستقراء ضوابط فقهية معتبرة لهذا العقد الذي تفشى اليوم تفشيًا ملحوظًا حتى صار أكثر وقوعًا من البيع النقدي في كثير من البلدان والحالات.
وهذه الضوابط – استخلصتها كما ذكرت بالاستقراء من كتب الفقه المقارن وعلم الخلاف - تنحصر فيما يلي
١- الضابط الأول: افتراق مجلس السوم عن مجلس العقد في هذا النوع من البيوع (بيع التقسيط) كي لا تقع في شبهة الربا (زدني أجلًا أزدك مالًا) .
وعلى هذا:
فللمشتري أن يقوم أولًا بمجلس سوم يعرف فيه ثمن السلعة المباعة نقدًا وثمنها تقسيطًا وما الفرق بينهما من حيث قدر الثمن، ويعرف كذلك النجوم وآجالها. فإذا عرف ذلك غير المجلس تغييرًا حقيقيًا وهو الأفضل بالانصراف بنفسه عن المجلس أو حكميًا بالانصراف عن الكلام في الموضوع والتحدث بأمر آخر لا علاقة له بما ذكرت ثم يعود بعد فاصل أجنبي إلى الحديث في إيجاد العقد على مبدأ التقسيط بالنجوم والآجال المذكورة (حصرًا) ، أما إذا خلط المشتري ذلك كله في مجلس واحد وقع في شبهة الربا.
٢- الضابط الثاني معلومية الأجل، ومعلومية النجوم، فالجهالة الفاحشة مفسدة للعقد، وقد صرح المالكية بأنه لا بأس ببيع أهل السوق على التقاضي، وقد عرفوا قدر ذلك بينهم، والتقاضي: (تأخير المطالبة بالدين إلى مدى متعارف عليه بين المتعاقدين) (١) .
هذا: ومن حق المشتري إذا كان المبيع معيبًا أو ظن أنه مستحق أن يمتنع من أداء الثمن، إلى أن يستخدم حقه في العيب فسخًا أو طلبًا للأرش إلى أن يتبين أمر الاستحقاق.
ويجوز تأخير الدين الحالّ، أو المؤجل بأجل قريب إلى أجل بعيد، وأخذ مساوي الثمن أو أقل منه من جنسه، لأنه تسليف، أو تسليف مع إسقاط البعض، وهو من المعروف، ولكن لا يجوز تأخير رأس مال السلم عند الجمهور خلافًا للمالكية حيث أجازوا تأخيره في حدود ثلاثة أيام ولو بشرط.
стр. 7988
هذا، وقد أفتى الحنفية أن الجهالة اليسيرة لا تؤثر في صحة الأجل فيعد كالأجل المعلوم ولكن اشترطوا لذلك أن لا يذكر هذا الأجل المجهول جهالة يسيرة في العقد ـ بل يكون بيعًا مطلقًا، ثم يذكر الأجل بعد ذلك لم يفسد العقد وكان له أخذ الكل جملة، ولو باع مؤجلًا بلا ذكر مدة في العقد انصرف لشهر أو للعرف العام الذي تعارفه الناس (١) .
٣- والضابط الثالث: المؤيد الفقهي في حال إخلال المشتري بأداء الثمن المؤجل، أي أخل بالوفاء بقسط أو بأقساط حل أجلها.
فقد اتفق الفقهاء على أنه: إذا كان المشتري موسرًا فإنه يجبر على أداء الثمن الحالِّ، كما ذهب الجمهور في الجملة إلى أن للبائع حق الفسخ إذا كان المشتري مفلسًا، أو كان الثمن غائبًا عن البلد مسافة القصر.
وذهب الحنفية إلى أنه ليس للبائع حق الفسخ، لأنه يمكنه التقاضي للحصول على حقه، وهو في هذه الحالة دائن كغيره من الدائنين، لكن يسقط الأجل وله المطالبة بكل الأقساط من الثمن المتبقية حالّة.
وهذا عندهم ما لم يشترط لنفسه خيار النقد، بأن يقول مثلًا (إن لم تدفع الثمن في موعد كذا فلا بيع بيننا) ، واختلف في مقتضى هذا الشرط، هل هو انفساخ البيع، أو استحقاقه الفسخ باعتباره فاسدًا، والمرجح عند الحنفية أنه يفسد ولا ينفسخ (٢)
وللشافعية والحنابلة تفصيل في حال إخلال المشتري بأداء الثمن الحالّ لا للعكس ينظر في مدوناتهم.
وقالت المالكية بِشأن خيار النقد الذي أثبته الحنفية في تصريح لهم بمثله فيما إذا قال البائع للمشتري: (بعتك لوقت كذا) أو (على أن تأتيني بالثمن في وقت كذا، فإن لم تأت به في ذلك الوقت فلا بيع بيننا) ، فقد جاء في المدونة تصحيح البيع وبطلان الشرط، وروي عن الإمام مالك قولان آخران. صحة البيع والشرط، وفسخ البيع (٣)
ذيل البحث
وإذا كان الثمن منجمًا، فإن على البائع تسليم المبيع ولا يطالب المشتري بالثمن إلا عند حلول الأجل الأول فيما بعده بالاتفاق، وأما إذا كان بعض الثمن معجلًا وبعضه مؤجلًا، فإن للبعض المعجل حكم تعجيل الثمن كله، فلا يطالب المشتري البائع بتسليم المبيع إلا بعد تسليم الجزء المعجل من الثمن (٤) .
خاتمة البحث
في هذه العجالة اللطيفة استطعت إلى حد أن أسلط الأضواء على مسألة ظلت تختلف فيها الآراء وتتقاذفها الأهواء، وهي بعد من النوازل المهمة في عصرنا هذا، جرى بها التعامل وتعارف عليها الناس بل وعقدوا كثيرًا من معاملاتهم المالية بمقتضاها ألا وهي بيع التقسيط.
لعلي أكون قد وفقت إلى الخير وهديت إلى الرشد، وأصبت فيما اجتهدت. . . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور
стр. 7989
أبرز مصادر البحث ومراجعه
١- رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين) ، العلامة ابن عابدين.
٢- الشرح الصغير مع حاشية الدسوقي، الدسوقي والدير.
٣- شرح المجلة، خالد الأتاسي.
٤- اللباب شرح الكتاب، عبد الغني الغنيمي الميداني.
٥- الموسوعة الفقهية في الكويت، مجموعة من العلماء المعاصرين.
٦- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الكساني.
٧- الاختبار شرح المختار، ابن مودود الموصلي.
٨- البحر الرائق وحاشيته منحة الخالق، زين الدين ابن نجيم وابن عابدين.
٩- ابن عابدين وأثره في الفقه. دراسة مقارنة بالقانون، د. محمد عبد اللطيف صالح الفرفور.
١٠- نظرية الاستحسان في التشريع الإسلامي وصلتها بالمصالح المرسلة، د. محمد عبد اللطيف صالح الفرفور.
١١- مختار الصحاح، الرازي.
стр. 7990
بيع التقسيط
إعداد
فضيلة الدكتور محمد عطا السيد
عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اتفق الفقهاء على مشروعية البيع على سبيل الجواز، دل على جوازه الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة] : الآية ٢٧٥] ، وقوله : ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٩] .
وأما السنة فمنها: أن النبي ﷺ سئل: أي الكسب أطيب؟ فقال: ((عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ)) (١)
والإجماع قد استقر على جواز البيع.
أما المعقول: فلأن الحكمة تقتضيه لتعلق حاجة الإنسان بما في يد صاحبه ولا سبيل إلى المبادلة إلا بعوض غالبًا. ففي تجويزالبيع وصول إلى الغرض ودفع للحاجة (٢)
هذا هو الحكم الأصلي للبيع، ولكن قد تعتريه أحكام أخرى، فيكون محظورًا إذا اشتمل على ما هو ممنوع بالنص، لأمر في الصيغة، أو العاقدين، أو المعقود عليه. وكما يحرم الإقدام على مثل هذا البيع فإنه لا يقع صحيحًا بل يكون باطلًا أو فاسدًا على الخلاف المعروف بين الجمهور والحنفية ويجب فيه التراد. . .
وقد يكون الحكم الكراهة، وهو ما فيه نص غير جازم ولا يجب فسخه. (٣) وحكمة مشروعية البيع ظاهرة، فهي الرفق بالعباد والتعاون على حصول معاشهم.
والسؤال عن بيع التقسيط يفترض صحة العقد باعتبار الصيغة والعاقدين ومحل العقد ولكن الخلاف في كيفية الوفاء بالثمن ويمكن لنا أن نثير الجوانب التالية فيما يتعلق بالبحث في حكم صحة بيع التقسيط.
أولًا: هل يجوز البيع بالثمن المؤجل وهو ما يسمى البيع بالنسيئة؟
ثانيًا: هل يمكن تقسيط الثمن، وكيف يكون التقسيط؟
ثالثًا: هل يمكن زيادة الثمن في التقسيط عن الثمن المنجز؟
رابعًا: ما الحكم إذا أخل المشتري بدفع الأقساط؟ هل تسترد السلعة المباعة له أم يعامل باقي الثمن كدين عادي؟
واليك التفصيل في هذه الجوانب.
стр. 7991
أولًا: هل يجوز البيع بالنسيئة؟
انعقد الإجماع على صحة تأجيل الثمن إلى أجل معلوم، روى البخاري من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعامًا بنسيئة ورهنه درعه. وفي رواية أخرى: ((أن النبي ﷺ اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل فرهنه درعه)) .
ذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري بشرح صحيح البخاري: " قوله: باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة أي بالأجل – قال ابن بطال: الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع. قلت: لعل المصنف تخيل أن أحد يتخيل أنه ﷺ لا يشتري بالنسيئة لأنها دين فأراد دفع ذلك التخيل " (١) .
وجاء في المغني والشرح الكبير في معرض الكلام عن بيع العينة والبيع نسيئة: وقد روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) وهذا وعيد يدل على التحريم، وقد روي عن أحمد أنه قال: (العينة أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا نسيئة فإن باع بنقد ونسيئة فلا بأس) . وقال: (أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة لا يبيع بنقد) . قال ابن عقيل: " إنما كره النسيئة لمضارعته الربا فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة بالأجل غالبًا، ويجوز أن تكون العينة اسمًا لهذه المسألة وللبيع نسيئة جميعًا لكن البيع بنسيئة مباح اتفاقًا ولا يكره إلا أن لا يكون له تجارة غيره " (٢)
وجاء في حاشية رد المحتار لابن عابدين: " اختلف المشايخ في تفسير العينة التي ورد النص عنها. قال بعضهم: تفسيرها أن يأتي الرجل المحتاج إلى آخر ويستقرضه عشرة دراهم ولا يرغب المقرض في الإقراض طمعًا في فضل لا يناله بالقرض فيقول لا أقرضنّك ولكن إن شئت أبيعك هذا الثوب إن شئت باثنى عشر درهمًا وقيمته في السوق عشرة ليبيعه في السوق بعشرة فيرضى به المستقرض فيبيعه كذلك، فيحصل لرب الثوب درهمان وللمشتري قرض عشرة. وقال بعضهم: هي أن يدخل بينهما ثالثًا فيبيع المقرض ثوبه من المستقرض باثنى عشر درهمًا ويسلمه إليه ثم يبيعه المستقرض الثالث بعشرة ويسلمه إليه ثم يبيعه الثالث من صاحبه وهو المقرض بعشرة ويسلمه إليه ويأخذ منه العشرة ويدفعها المستقرض فيحصل للمستقرض عشرة ولصاحب الثوب عليه أثنا عشر درهمًا كذا في المحيط " (٣)
стр. 7992
وفي البيع بالنسيئة لا بد لصحة البيع من تحديد الثمن، وتحديد الأجل الذي يدفع فيه لعموم قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ . [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] .
وحقيقة الدين عبارة عن كامل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدًا والأخر في الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرًا، والدين ما كان غائبًا، قال الشاعر:
وعدتنا بدرهمينا طلاءً
وشواءً معجلًا غير دين
وقال آخر:
لترم بي المنايا حيث شاءت
إذا لم ترم بي في الحفرتين
إذا لم أوقدوا حطبًا ونارًا
فذاك الموت نقدًا غير دين
وقد بين الله تعالى هذا المعنى بقوله الحق: ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (١)
فالدين إلى أحل غير مسمى يقود إلى المنازعة، ودلت سنة رسول الله ﷺ على مثل معنى كتاب الله تعالى. ثبت أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وهم يستلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله ﷺ ((مَن أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)) ، رواه ابن عباس. أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
والحكمة في ذلك أن جهالة الأجل تفضي إلى المنازعة في التسلم والتسليم فهذا يطالبه في قريب المدة وذاك في بعيدها وكل ما يفضي إلى المنازعة فيجب إغلاق بابه. ولأنه سيؤدي إلى عدم الوفاء بالعقود التي أمرنا بالوفاء بها حيث قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة: الآية ١] .
وإذا لم يحدد أجلًا فسد البيع عند بعضهم وصح عند البعض إن كانت الجهالة يسيرة، وجاء في حاشية ابن عابدين (ولو باع مؤجلًا أي بلا بيان مدة بأن قال بعتك بدرهم مؤجل صرف قوله لشهر لأنه المعهود في الشرع في السلم واليمين. . . ويبطل الأجل بموت المديون) (٢)
وإذن لابد لصحة بيع التقسيط من تحديد مدة الأقساط تحديدًا وافيًا.
стр. 7993
ثانيًا: هل يمكن تقسيط الثمن؟
لم أعثر على بيان واضح في هذه المسألة إلا أن ابن عابدين يقول في حاشيته: " ومنها – أي جهالة الأجل – اشتراط أن يعطيه الثمن على التفاريق أو كل أسبوع البعض، فإن لم يشترط في البيع بل ذكر بعده لم يفسد وكان له أخذ الكل جملة (١)
فظاهر عبارة ابن عابدين هذه وهي من العبارات النادرة في هذه المسألة أن دفع الثمن على التفاريق (التقسيط) يصح إذا شرط في البيع أو بعده. والذي أراه أن هذه من الشروط والاتفاقات المباحة ويحكمها حديث الرسول ﷺ ((المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا)) . ولا نرى في اتفاق المتبايعين على تفريق الثمن لآجال معدودة ومعلومة أي شبهة بل هو من التيسير الذي حث عليه النبي ﷺ حين قال ((رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى)) . البخاري. وقال ((غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلًا إذا باع)) . الترمذي. وقال: ((إن الله يحب سمح البيع، سمح الشراء سمح القضاء)) . الترمذي والحاكم. وقال: ((إن الله أدخل الجنة رجلًا كان سهلًا مشتريًا وبائعًا وقاضيًا ومقتضيًا)) . النسائي.
وكل من المتعاقدين ملزم بالوفاء بما تعهد به كاملًا لأنه مأمور بذلك.
стр. 7994
ثالثًا: هل يمكن زيادة الثمن بسبب النسيئة في الأجل؟
وهو هل يمكن أن يكون للسلعة ثمنان: ثمن حالّ وثمن أكثر منه إذا اشترى بثمن مؤجل؟ وبعبارة أخرى: هل يجوز أن يكون الثمن المؤجل أكثر من الثمن الحالّ؟
جاء في الموسوعة الفقهية: الاعتياض عن الأجل بالمال:
يرد الاعتياض عن الأجل بالمال في صور، منها ما يلي:
* الصورة الأولى:
صدور إيجاب مشتمل على صفقتين، إحداهما بالنقد، والأخرى بالنسيئة، مثل أن يقول بعتك هذا نقدًا بعشرة، والنسيئة بخمسة عشر.
يرى جمهور العلماء أن هذا البيع إذا صدر بهذه الصيغة لا يصح، ((لأن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة)) جاء في الشرح الكبير: (وكذلك فسّره مالك والثوري، وإسحاق. وهذا قول أكثر أهل العلم، لأنه لم يجزم له ببيع واحد، أشبه ما لو قال بعتك أحد هذين ولأن الثمن مجهول فلم يصح، كالبيع بالرقم المجهول) .
وقد روي عن طاوس والحكم وحماد أنهم قالوا: لا بأس أن يقول: أبيعك بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا، فيذهب إلى أحدهما. فيحتمل أنه جرى بينهما بعدما يجري في العقد، فكأن المشتري قال: أنا آخذه بالنسيئة بكذا، فقال: خذه، أو قال: قد رضيت ونحو ذلك، فيكون عقدًا كافيًا، فيكون قولهم كقول الجمهور.
فعلى هذا: إن لم يوجد ما يدل على الإيجاب أو ما يقوم مقامه لم يصح لأن ما مضى من القول لا يصلح أن يكوم إيجابًا.
فهذا الخلاف الوارد في صحة هذا البيع مصدره الصيغة الصادرة مشتملة على صيغتين في آن واحد، فلم يجزم البائع ببيع واحد، ولأن الثمن مجهول هل هو عشرة أو خمسة عشر. وإذا كان الإيجاب غير جازم لا يصلح، ويكون عرضًا، فإذا قبل الموجه إليه العرض إحدى الصفقتين كان إيجابًا موجهًا إلى الطرف الأول فإن قبل تم العقد، وإلا لم يتم.
стр. 7995
الصورة الثانية:
وهي بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء، يرى جمهور الفقهاء جواز بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء، وذلك لعموم الأدلة القاضية بجواز البيع. قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ . وهو عام في إباحة سائر البياعات إلا ما خص بدليل، ولا يوجد دليل يخصص هذا العموم.
* الصورة الثالثة:
وهي تأجيل الدين الحالّ في مقابل زيادة: وهذه الصورة تدخل في باب الربا (إذ الربا المحرم شرعًا شيئان: ربا النساء، وربا التفاضل. وغالب ما كانت العرب تفعله، من قولها للتغريم: أتقضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في المال، ويصبر الطالب عليه، وهذا كله محرم باتفاق الأمة) . قال الجصاص: " معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضًا مؤجلًا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلًا من الأجل، فأبطله الله تعالى وحرمه، وقال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ حظر أن يؤخذ للأجل عوض. ولا خلاف أنه لو كان عليه ألف درهم حالّة، فقال له أجلني وأزيدك فيها مائة درهم، ولا يجوز، لأن المائة عوض عن الأجل (١)
والذي أرجحه في هذه المسألة: أنه إذا عرف لدى المتبايعين ثمن للبيع حالّ وثمن له مؤجل هو أكثر من الثمن الحالّ ثم تراضيا على إحدى الحالتين والثمن المعين فيها جاز
وقد جاء في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية – طيب الله ثراه – أنه قد سئل عن شخص عنده صنف، دفع له فيه رجل ألفين ومائة بالوزن، ودفع له آخر ألفين وسبعمائة إلى أجل معلوم أثناء الحول فأجاب: " إن كان الذي يشتريها إلى أجل، يشتريها ليتجر فيها أو ينتفع بها جاز للبائع أن يبيعها إن شاء بالنقد إن شاء إلى أجل. وإن كان المشتري مقصده الدراهم، وهم يريد أن يبيعها إذا اشتراها ويأخذ الدراهم، فهذا يسمى (التورق) وهو مكروه في أظهر قولي العلماء " (٢) -
وإذا تبايعا بثمن معين واتفقا عليه ثم طلب المشتري من البائع أن يقسط له الثمن بدون زيادة في السعر الذي اتفقا عليه جاز ويلحق هذا الاتفاق بالعقد الأصلي.
أما إذا انعقد البيع على ثمن حال ثم طلب المشتري تأجيله أو تقسيطه ووافق البائع على ذلك بشرط زيادة في السعر فإن تلك الزيادة تكون ربا وهي حرام ولا عبرة بتسمية الزيادة فائدة أو اسمًا آخر فأن العبرة بالمعاني لا بالمسميات.
стр. 7996
رابعًا: ما الحكم إذا أخل المشتري بدفع الأقساط
بعد أن تسلم العين المباعة واستعملها أو استهلكها أو باعها
في حالة البيع بالتقسيط يجب على البائع تسليم المبيع ولا يطالب المشتري بتسليم الثمن
إلا عند حلول الأجل وذلك لرضى البائع بتأجيل الثمن، ولا يمنع من انتقال ملكية المبيع إلى المشتري كون الثمن مؤجلًا ولا يصح اشتراط عدم انتقال الملكية، وإذا اشترط البائع حق الفسخ لعدم الأداء في الموعد المحدد وهو ما يسمى " خيار النقد " أثبت له الحنفية ذلك واختلفت الروايات عن الإمام مالك ﵁، فقد جاء في المدونة تصحيح البيع وبطلان الشرط وروت كتب المالكية الأخرى عن الإمام مالك قولين آخرين: " صحة البيع والشرط، وفسخ البيع " (١)
وإذا تسلم المشتري السلعة ولم يدفع الأقساط أو أخل بدفعها فلا يخلو المشتري من أن يكون موسرًا أو معسرًا فإن كان موسرًا والثمن معه أجبر على تسليمه، فإن لم يكن معه نقدًا أو معه نقد لا يكفي حجر عليه في المبيع وسائر ماله حتى يسلم الثمن خوفًا من أن يتصرف في ماله تصرفًا يضر بالبائع، فإن لم يوجد لدى المشتري شئ فالبائع مخير بين أن يصبر إلى أن يوجد وبين فسخ العقد لأنه قد تعذر عليه الثمن فهو كالمفلس، وبفسخه العقد يجوز له أن يسترد السلعة ويطالب بالتعويض نظير استعمالها إن كانت قد استعملت.
وإن كان المشتري قد دفع بعض الأقساط ثم توقف عن الدفع فللبائع أن يثبت ذلك لدى السلطات القضائية ولها أن تجبر المشتري على دفع الباقي من الأقساط إن كان موسرًا أو الحجر على ممتلكاته حتى يدفع أو تباع لسداد الدين، وإن كان معسرًا بيع المبيع وقضى ما تبقى من أقساط وما فضل فهو للمشتري وإن أعوز ففي ذمته. . . هذا من الناحية القضائية.
ولا بد من تذكير البائع وهو الدائن هنا بتوجيه الله تعالى وهو من الأخلاق الإسلامية الكريمة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ .
стр. 7997
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: " وقال جماعة من أهل العلم: قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ عامة في جميع الناس، فكل من أعسر أنظر ". وهذا قول أبي هريرة والحسن وعامة الفقهاء. .
وقال ابن عباس وشريح: " ذلك في الربا خاصة، فأما الديون وسائر المعاملات فليس فيها نظرة بل يؤدي إلى أهلها أو يحبس فيه حتى يوفيه وهو قول إبراهيم ". واحتجوا بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١) .
وروى مسلم عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ ((حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرًا فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال: قال الله : نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه)) وروي عن أبي قتادة أنه طلب غريمًا له فتوارى عنه ثم وجده فقال: إني معسر. فقال: آلله؟ قال: آلله. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه)) .
وليس للمشتري أن يبيع السلعة قبل تسلمها للنهي الوارد في ذلك، وإذا تسلمها فهلكت عنده فهي تهلك عليه ولا رجوع له على البائع وعليه سداد جميع الأقساط إلا أن يكون البائع هو الذي تسبب في هلاكها.
وأما إذا هلكت السلعة قبل تسليمها إلى المشتري فتهلك على البائع وعليه أداء مثلها أو إرجاع ما تسلمه من ثمن.
стр. 7998
ملخص البحث
تناول البحث الحكم الأصلي للبيع وهو مشروعيته على سبيل الجواز، ولكن قد تعتريه أحكام أخرى، فيكون محظورًا إذا اشتمل على ما هو ممنوع بالنص فيقع باطلًا أو فاسدًا على الخلاف المعروف بين الجمهور والحنفية، وقد يكون الحكم الكراهة وهو ما فيه نص غير جازم ولا يجب فسخة، وحكمة مشروعية البيع ظاهرة، فهي الرفق بالعباد والتعاون على حصول معاشهم.
والسؤال عن بيع التقسيط يفترض صحة العقد باعتبار الصيغة والعاقدين ومحل العقد ولكن الخلاف في كيفية الوفاء بالثمن وبناء على ذلك تناول البحث الجوانب التالية.
* أولًا: هل يجوز البيع بالثمن المؤجل وهو ما يسمى البيع بالنسيئة؟
* ثانيا: هل يمكن تقسيط الثمن وكيف يكون التقسيط؟
* ثالثًا: هل يمكن زيادة الثمن عن الثمن المنجز؟ وهو هل يمكن زيادة الثمن بسبب النسيئة في الأجل؟ وهل في هذه الزيادة شبهة الربا أو أنه بيع العينة المنهي عنه؟
رابعًا: ما الحكم إذا أخل المشتري بدفع الأقساط؟ هل تسترد السلعة المباعة له أم يعامل باقي الثمن كدين عادي فيحجر عليه إذا كان موسرًا أو ينتظر إذا كان معسرًا؟
وخلص البحث إلى جواز البيع بالتقسيط والزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن المنجز إذا تراضيا على ذلك ابتداء، ويجب على المتبايعين أن يحددا مدى التأجيل والتفاريق التي تدفع بها الأقساط وأن هذا من التسهيل الذي ندب الشارع الكريم إليه وعلى المتعاقدين أن يفيا بالتزاماتهما وهما مأموران بذلك، وانتهى البحث بوصف الإجراءات التي تتخذ إذا أخل المشتري بالدفع وهي على عدة أحوال. ثم نصيحة الشارع الكريم للبائع نحو المشتري إذا كان معسرًا.
الدكتور محمد عطا السيد
стр. 7999
بيع التقسيط
إعداد
فضيلة الدكتور إبراهيم فاضل الدبور
الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة بغداد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد:
من القضايا التي تواجه الإنسان على الدوام، المعاملات المالية، والبيوع من أكثر ميادين التعامل تداولًا إذ لا يستغني عنها الإنسان في أغلب حياته اليومية، لذا نراها قد حظيت باهتمام فقهائنا القدامى والمحدثين.
ومن البيوع التي تعامل بها الناس في الماضي والحاضر ما عرف ببيوع الآجال، وهي التي يكون فيها أحد العوضين مؤخرا عن مجلس العقد خروجًا عن الأول المقررة التي تفترض وجود البدلين عندما تتوجه إرادة طرفين لإبرام العقد، والبيوع المذكورة تيسر على الناس سبل التعامل فيما بينهم، والبيع بالتقسيط أحد تلك البيوع. وحرصًا من فقهاء أئمتنا الأعلام في مراعاة مصلحة الناس والتيسير عليهم، فقد تناولت كتبهم تلك البيوع بالبحث، وها أنا في بحثي هذا المتواضع أستعرض أقوال أئمتنا – رحمهم الله تعالى – بغية الوقوف على ما قالوه في هذه الصورة من صور التعامل المالي، مختارًا ما هو الأوجه دليلًا والأقوى حجة.
والله حسبي وهو نعم المولى ونعم الوكيل.
التقسيط لغة:
يطلق التقسيط في اللغة على معان منها:
(أ) التفريق وجعل الشيء أجزاء، يقال قسط الشيء، بمعنى فرقه وجعله أجزاء، والدين جعله أجزاء معلومة تؤدي في أوقات معينة (١)
(ب) الاقتسام بالسوية، يقول الليث: " تقسطوا الشيء بينهم أي اقتسموه بالسوية وفي العباب على القسط والعدل، وفي اللسان على العدل والسواء (٢) .
(ج) التقتير، يقال: قسّط على عياله النفقة تقسيطًا إذا قترها عليهم، قال الطرماح:
" كفاه كف لا يرى سبيها
مقسطًا رهبة إعدامها
(٣)
(د) والقسط الحصة والنصيب، يقال تقسطنا الشيء بيننا، أي أخذ كل حصته ونصيبه، ويقال وفاه قسطه أي نصيبه وحصته.
стр. 8000
التقسيط في الاصطلاح الفقهي:
إن البيع بالتقسيط وصيغته المعهودة حاليًا من البيوع الحديثة، لذا لم يرد في كتب الفقهاء القدامى – رحمهم الله تعالى – تعريف نستطيع أن نحدد بموجبه هذا النوع من البيوع، لأن البيع كما ورد عندهم إما أن يكون حالًّا بمعنى تسليم الثمن في مجلس العقد أو مؤجلًا، بمعنى تسليمه في وقت لاحق يحدده المتعاقدان في العقد، سواء كان تسديد الثمن جملة واحدة أم على دفعات.
إلا أن بعض الفقهاء المحدثين قد أعطوا مفهومًا للتقسيط يمكن أن نعتبره بيانًا للمراد، جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام (التقسيط: تأجيل أداء الدين مفرقًا إلى أوقات معينة) (١)
وعرّفه الأستاذ منير القاضي بقوله: (الثمن المقسط هو: ما اشترط أداؤه أجزاء معلومة في أوقات معينة) (٢) .
بيع التقسيط في القانون الوضعي:
عرف رجال القانون البيع بالتقسيط بعدة تعاريف منها: " أنه أحد ضروب البيع الائتماني الذي يشترط فيه أن يكون سداد الثمن على أجزاء متساوية ومنتظمة خلال فترة معقولة من الزمن " (٣)
ومنها: " أنه العقد الذي يكون موضوعه الاستيلاء على شيء في مقابل دفع أقساط معينة في مدة معينة يصبح المشتري في نهايتها مالكًا للشيء (٤)
صورة هذا البيع:
تتم صورة بيع التقسيط بالشكل التالي: يقصد المستهلك إلى صاحب متجر بقصد شراء حاجة ما فيخيره صاحب السلعة بثمنها إذا أراد أن يدفعه حالًّا وثمنها إذا أراد دفعه مجزءًا، وهو بطبيعة الحال أعلى من الثمن الحالّ، لأن البائع في هذه الحالة يحسب لتأخير الثمن حسابه، بمعنى أنه يزيد في ثمن السلعة مقابل تأجيل دفع الثمن، ودوافع ذلك معروفة، منها:
(أ) خوف البائع من إفلاس المشتري في المستقبل أو وفاته، وعندئذ يفوت عليه رأس المال، وخسارته في هذه الحالة محققة.
(ب) أن عدم دفع الثمن في الحال يفوت عليه استغلاله في أعماله التجارية مما يحرمه من فوائد ربح هذا الجزء من المال.
стр. 8001
مظان مسألة بيع التقسيط في الفقه الإسلامي:
إن أصل مسألة بيع التقسيط يرد في كتب الفقه تحت عنوان (البيوع الفاسدة) أو (البيوع المنهي عنها) في كتب البيوع أو في باب بيوع الآجال، وقد استدل الفقهاء على فساد بعض البيوع التي تناولوها في كتبهم بما صح لديهم من الآثار الواردة بهذا الخصوص.
ومن أجل الوقوف على معرفة رأيهم في البيع، يجدر بنا أن نتلمس مظان بيع التقسيط في الأحاديث النبوية الشريفة التي لها صلة بهذا البيع، لنقف على الدليل الذي استندوا عليه في تحريمهم لمثل هذه البيوع، وما إذا كان هذا النوع من البيوع يدخل ضمن هذه الآثار أم لا؟
أولًا – النهي عن شرطين في بيع:
ومن الآثار الواردة عن النهي لهذا البيع حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: ((لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك)) (١)
وقد اختلف شراح الحديث في صورة هذا البيع، فمنهم من قال: " هو أن يقول البائع للمشتري: بعتك هذا بألف إن كان نقدًا وبألفين إن كان نسيئة.
وقيل هو أن يقول بعتك هذا الثوب بكذا وعلي صباغته وخياطته، وقيل معنى الشرطين في بيع، هو أن يشترط حقوق البيع ويشترط شيئًا خارجًا منها، مثل أن يشترط البائع على المشتري لقاء بيعه المبيع أن يهبه شيئًا أو أن يشفع له إلى فلان، أو أن احتاج إلى بيعه لم يبع إلا منه ونحو ذلك، فهذان شرطان في صفقة واحدة.
والتفسير الأخير يبدو لي هو الصحيح لهذا البيع، لأنه عقد بيع شرط فيه شرطان (٢)
стр. 8002
ثانيًا – النهي عن بيعتين في بيعة:
ومن الآثار الواردة عن هذا البيع ما يلي:
(أ) ما رواه أبو هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ ((من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)) (١) وفي لفظ ((نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة)) (٢) وعن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: ((نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة)) قال سماك: هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنسأ بكذا وهو بنقد بكذا وكذا (٣)
شرح الحديث: لقد فسر سماك راوي الحديث بما ورد في متن الحديث وقد وافقه على مثل ذلك الشافعي فقال: " بأن يقول بعتك بألف نقدًا أو ألفين إلى سنة فخذ أيهما شئت أنت وشئت أنا " (٤) . فالمسألة مفروضة على أن المشتري قبل البيع على الإبهام، أما لو قال: قبلت بألف نقدًا أو بألفين بالنسيئة صح ذلك (٥) .
ونقل صاحب الروضة الندية شرحًا مماثلًا عن بعض شراح الحديث حيث قال: " فسروا البيعتين في بيعة على وجهين، أحدهما: أن يقول بعتك هذا الثوب بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة إلى سنة فهو فاسد عند أكثر أهل العلم، فإذا باعه على أحد الأمرين في المجلس فهو صحيح لا خلاف فيه (٦) وبهذا المعنى فسره كثير من شراح الحديث، منهم النسائي والبيهقي والمناوي أيضًا (٧)
стр. 8003
وقد فسر الشافعي المسألة بتفسير آخر، فقال: هو أن يقول: بعتك هذه الأرض بألف على أن تبيعني دارك بكذا (١) . ومثل هذا البيع فاسد أيضا لأنه جعل ثمن الأرض الفا وشرط بيع الدار وهذا شرط لا يلزم وإذا لم يلزم ذلك، بطل بعض الثمن فيصير ما بقي من المبيع في مقابلة الباقي مجهولًا وهذا غير جائز.
وقد حكى صاحب الروضة الندية عن بعض شراح الحديث شرحًا مماثلًا لما قاله الشافعي في تفسيره الآخر للرواية مدار البحث (٢) .
إلا أن التفسير الأخير لحديث البيعتين في بيعة أمر لا يتفق مع منطوق رواية أبي هريرة الأولى، فإن قوله ﵊ ((فله أوكسهما)) يدل كما قال الشوكاني: " على أنه باع الشيء الواحد بيعتين بيعة بأقل وبيعة بأكثر، وإنما يصلح تفسيرًا للرواية الأخرى من حديث أبي هريرة لا للأولى (٣)
وقيل في تفسير البيعتين في بيعة (هو أن يسلف الرجل صاحبه دينارًا في قفيز حنطة إلى شهر، فلما حل الأجل وطالبه بالحنطة، قال: " بعني القفيز الذي لك على إلى شهرين بقفيزين، فصار ذلك بيعتين في بيعة، لأن البيع الثاني قد دخل على الأول فيرد إليه أوكسهما وهو الأول " وقد أسند الشوكاني هذا التفسير لابن رسلان، وعقب على ذلك بقوله: إن هذا التفسير يتمشى مع ظاهر الحديث لأن الحكم للمشتري بالأوكس، يعني الأنقص والأقل، يستلزم صحة البيع به، أو يكون المتعاقدان قد دخلا في الربا المحرم إذا لم يأخذ المشتري وهو المسلف الأوكس بل أخذ الأكثر (٤)
مما تقدم من تفسير لحديث البيعتين في بيعة، يتضح أن أكثر المعاني شيوعًا له، هو أن يذكر البائع للمشتري ثمنين أحدهما عاجل والآخر آجل أكثر منه مقدارًا، وهذه الصورة هي الأساس لبيع التقسيط.
стр. 8004
تفسير الفقهاء لحديث البيعتين في بيعة:
بعد أن ذكرنا تفسير بعض شراح الحديث لمعنى بيعتين في بيعة، يجدر بنا أن نقف على وجهة نظر فقهائنا الأقدمين – رحمهم الله تعالى – في معنى الرواية مدار الكلام، وفيما إذا كانت تنطبق على مسألة البيع بالتقسيط. فأقول: " اتفق الفقهاء على تفسير هذا البيع الوارد في الحديث بما فسره بعض شراح الحديث، من أن صورته أن يقول البائع للطرف المقابل: أبيعك هذه السلعة بالثمن الحالّ بكذا أو بالنسيئة بكذا، جاء ذلك في العديد من كتب الفقه فقد ذكر الكاساني الحنفي من جملة البيوع الفاسدة ما إذا قال بعتك هذه الدابة بمائة درهم إلى سنة وبمائة وخمسين إلى سنتين، وذلك للجهالة في الثمن، وقيل هو الشرطان في بيع (١) . وإلى هذا المعنى ذهب الشيخ الدردير المالكي ذكر ذلك عند كلامه عن البيوع الفاسدة حيث قال: وكبيعتين في بيعة، أي عقد واحد، وذلك بأن يبيع السلعة بإلزام بعشرة نقدًا أو أكثر لأجل، ويأخذها المشتري على السكوت ولم يعين أحد الأمرين ويختار بعد ذلك الشراء بعشرة نقدًا أو بأكثر لأجل، وإنما منع للجهل بالثمن حال البيع (٢)
وبهذا المعنى فسرها الخطيب الشربيني الشافعي، فقد عد من البيوع المنهي عنها، بيعتين في بيعة، ومثل لها بما لو قال: بعتك هذا بألف نقدًا أو ألفين إلى سنة، وخير البائع المشتري، فهذا باطل للجهالة (٣)
وحكى ابن قدامة الحنبلي مثل ذلك عن الحنابلة أيضًا، فقد ذكر في تفسير بيعتين في بيعة، وجهين، أحدهما، أن يقول الرجل لصاحبه: بعتك هذا الشيء بعشرة نقدًا أو بخمسة عشر نسيئة أو بعشرة مكسرة أو تسعة صحاحًا، ومثل هذا البيع باطل، لجهالة الثمن.
والوجه الآخر لصورة هذا البيع، أن يقول: بعتك هذه السلعة بكذا بشرط أن آخذ منك الثمن دنانير سعرها كذا أقل من سعرها الحقيقي، أو باعه بذهب على أن يأخذ عوضها دراهم بصرف يتفقان عليه في هذا العقد (٤) .
وحكى ابن قدامة عن الثوري وإسحاق تفسير البيع المنهي عنه مدار البحث تفسيرًا مشابهًا لما ذكره أولًا (٥)
وبهذا المعنى أيضًا فسره الظاهرية (٦) . والإمامية (٧) . والإباضية (٨) والزيدية (٩) .
стр. 8005
علة النهي عن هذا البيع:
مما مضى يتبين لنا أن الفقهاء متفقون على أن علة النهي عن بيعتين في بيعة هو:
(أ) الجهالة بالثمن، وهذا يتحقق فيما إذا افترق المتعاقدان دون أن يحدد أحد البيعتين وثمن المبيع المتعاقد عليه، فأشبه في هذه الناحية البيع بالرقم المجهول.
(ب) عدم الجزم في بيع واحد، فأشبه ما لو قال: بعتك هذا أو هذا.
(ج) (ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم فلم يصح (١) . وصار بمثابة ما لو قال: بعتك أحد داري هاتين.
حكم البيع بهذه الصورة:
لقد تبين لنا من خلال تفسير الفقهاء لحديث بيعتين في بيعة – المنهي عنها – بطلان البيع بالصيغة المذكورة، أعني بها صورة عدم الجزم ببيع معين، وينفض المجلس دون أن يحدد المتعاقدان نوعًا معينًا منه.
وقد حكى ابن قدامة وغيره من الفقهاء اتفاق وجهة نظر الجمهور هذه، حيث قال من قال لغيره، بعتك هذا الثوب بعشرة نقدًا أو بخمسة عشر نسيئة، فالبيع باطل وهو قول الجمهور (٢) وقد روي عن طاوس والحكم وحماد من فقهاء السلف أنهم أجازوا مثل هذه الصورة من البيع. إلا أن ابن قدامة نفسه وجه قولهم هذا بأنه يحمل على أنه قد جرى بين المتعاقدين ما يجري في العقد، فكأن المشتري قال: أنا آخذه بالنسيئة بكذا، فقال خذه أو قد رضيت ونحو ذلك، فيكون عقدًا كافيًا، أما إذا لم يصدر من المشتري ما يقوم مقام الإيجاب صراحة أو دلالة، فلا يصح العقد عندئذ، لأن ما مضى من القول لا يصلح أن يكون إيجابًا (٣)
وذهب الإباضية في رأي لهم إلى جواز ذلك أيضًا، فقد ذكر صاحب شرح النيل أن المختار منع البيع في الصورة مدار الكلام، وهو قول أبي الحسن، لأنه لم يقع عن ثمن معين ولا على أجل مقطوع به أو نقد أو عاجل مقطوع به، ثم أضاف قائلًا: وجوز البيع في هذه الصورة وفي غيرها من الصور الأخرى المشابهة لها مثل الجمع في عقد واحد بين شرط وبيع، واختار ذلك صاحب المنهاج (٤)
وما ذهب إليه الجمهور هو المختار لما ذكروه من تدليل.
стр. 8006
حكم الزيادة في الثمن نظير الأجل:
ذكرنا قبل قليل رأي الفقهاء في مسألة بيعتين في بيعة الوارد النهي عنها في الحديث النبوي الشريف، ووقفنا على تفسير المحدثين والفقهاء لهذا البيع، ونريد أن نتعرف على رأيهم هنا في مسألة الزيادة في ثمن السلعة نظير تأخير الدين، وهي مسألة البيع بالتقسيط مدار البحث، وفي هذه الحالة نستبعد الصورة الأولى للبيع، وهي صورة التردد وعدم الجزم لإحدى البيعتين، حيث سنوضح هنا موقفهم فيما لو انصرفت إرادة المتعاقدين إلى بيع معين مما ورد في الإيجاب وقد اتفق على الزيادة لقاء تأخير الثمن سواء اتفق على دفعه مرة واحدة في المستقبل أو على دفعات، وقد تم ذلك بقبول الموجه إليه العرض إحدى الصفقتين، فيكون هذا بمثابة الإيجاب من المشتري، فإذا حصل القبول من البائع، هل يتم العقد عندئذ؟ وهل يصح الاعتياض عن الأجل بالمال؟
أقول: للفقهاء رأيان في هذه المسألة:
١- ذهب أصحاب الرأي الأول إلى القول: إن الزيادة في الثمن نظير الأجل، كالزيادة في الدين نظير الأجل، فكما أن الزيادة الأخيرة تعتبر ربا، كذلك الأولى.
هذه وجهة نظر زين العابدين علي بن الحسين والناصر والمنصور بالله والهادوية والإمام يحيى (١) وبهذا قال أبو بكر الجصاص من الحنفية أيضًا (٢)
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بأدلة من الكتاب والسنة والقياس والمعقول.
(أ) فمن الكتاب عموم قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] فالآية أفادت تحريم البيوع التي يؤخذ فيها زيادة مقابل الأجل لدخولها في عموم كلمة الربا، وهي تقيد الإباحة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٩] .
فإن كل العقود الربوية مقيدة لهذه الإباحة.
وأضاف أصحاب هذا الرأي قائلين: لو قيل إن البيوع بأثمان مؤجلة داخلة في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ، إذ هي بيع.
فالجواب على هذا: أنها تحتمل الاثنين، فكما أنها تحتمل أن تكون داخلة في عموم البيع، تحتمل أيضًا أن تكون داخلة في عموم الربا، وعند الاحتمال من غير ترجيح يقدم احتمال الحظر على احتمال الإباحة، وخصوصًا أن إحلال البيع ليس على عمومه، بل خرجت منه البيع الربوية، والبيع محل النزاع منها (٣)
(ب) واستدلوا بالروايات التي وردت عن النبي ﷺ في نهيه عن بيعتين في بيعة والتي فصلنا الكلام فيها مسبقًا.
стр. 8007
(ج) إن البيع مع زيادة في الثمن، يعتبر من قبيل بيع المضطر، وهو منهي عنه، ولا يصدق عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾
(د) إن هذه الزيادة بسبب الأجل، والزيادة لهذا السبب خالية عن العوض فتنطبق عليها كلمة الربا الذي يعني الزيادة بدون عوض، فتندرج تحت التحريم.
(هـ) قاس أصحاب هذا الرأي زيادة الثمن مقابل زيادة المدة، على إنقاص الدين عن المدين مقابل تعجيل الدفع، فلا فرق بين أن تقول سدد الدين أو نزد في نظر الأجل، وأن تبيع بزيادة في الثمن لأجل التأجيل، فالمعنى فيهما جميعًا أن الأجل له عوض وهو بمعنى الربا، قال الجصاص: " حظر أن يؤخذ للأجل عوض، فإذا كانت عليه ألف درهم مؤجلة فوضع عنه على أن يعجله، فإنما جعل الحط بحذاء الأجل فكان هذا هو معنى الربا الذي نص الله تعالى على تحريمة (١)
وقد دلل الجصاص على تحريم أخذ العوض مقابل الأجل بما قاله أبو حنيفة فيمن دفع إلى خياط ثوبًا فقال له: إن خطته اليوم فلك دينار مثلًا وإن خطته غدًا فلك نصف دينار، أن الشرط الثاني باطل. فإن أجل خياطته لليوم الثاني، فله أجر مثله، لأنه جعل الحط بحذاء الأجل والعمل في الوقتين على صفة واحدة فلم يجزه، لأنه بمنزلة بيع الأجل وذلك غير جائز (٢)
مما تقدم يتبين لنا أن عمدة أدلة القائلين بعدم جواز بيع التقسيط هو أن ذلك ضرب من الربا المحرم، ومستندهم الرئيسي في ذلك أن الزيادة في ثمن هي في مقابل الأجل، والأجل ليس بالشيء الذي يستحق عوضًا فتكون زيادة بلا عوض وهو عين الربا الذي نهى الشرع عنه وحرمه.
٢- أجاز جمهور الفقهاء الزيادة في ثمن العرض مقابل تأجيل دفعة، فعلى هذا تصح على رأيهم صورة البيع مدار البحث - البيع بالتقسيط – وذلك عند انصراف إرادة المتعاقدين إلى صيغة معينة من البيعتين، وهي صيغة زيادة ثمن السلعة مقابل تأجيل دفع ثمنها، على أن يكون الدفع على وجبات يتفق عليها الطرفان عند إبرام العقد.
стр. 8008
هذا ما ذهب إليه المالكية، جاء في الشرح الكبير بعد ذكره لصورة البيعتين في بيعة وفسادها عند أخذ المشتري السلعة دون أن يعين إحدى البيعتين ويختار ذلك بعد انفضاض المجلس، قال الشيخ الدردير بعد هذا: فإن وقع العقد لا على الإلزام، بل أعطي الخيار للمشتري، وقال: اشتريت بكذا، فلا منع (١) . وقد عقب الشيخ العدوي على ما قاله الخرشي ببطلان البيع على وجه يتردد النظر فيه في مسألة بيعتين في بيعة، قال " احترز بذلك عن أن يقول البائع ذلك ويقول المشتري: اشتريت بكذا فإنه لا منع حينئذ. (٢) . وهذا ما ذهب إليه الحنفية، فقد ذكر الكاساني أن العلة في تحريم بيعتين في بيعة، هي الجهالة في الثمن، فإذا علم ورضي به جاز البيع، لأن سبب الفساد قد زال في المجلس وله حكم حالة العقد، فأصبح كأنه معلوم عند العقد (٣) وبجواز البيع في هذه الحالة قال الشافعية أيضًا،: نص على ذلك النووي في الروضة حيث قال: " لو قال: بعتك بألف نقدًا وبألفين نسيئة أو قال بعتك نصفه بألف ونصفه بألفين، فيصح العقد " (٤) .
معنى هذا، أن المشتري رضي بإحدى صورتي البيع في المجلس، وانفض المجلس عن تراضٍ من المتعاقدين على نوع معين من البيع. وهذا ما صرح به الحنابلة في كتبهم، فقد نص الشيخ ابن النجار على ما يلي: " ولا بعشرة نقدًا أو عشرين نسيئة، إلا إن تفرقا فيهما على أحدهما " (٥) .
وفي فتوى لابن تيمية – رحمه الله تعالى – أنه سئل عن رجل عنده فرس شراه بمائة وثمانين درهمًا، فطلبه منه إنسان بثلاثمائة درهم إلى مدة ثلاثة شهور، فهل يحل ذلك؟ فأجاب: " الحمد لله، إن كان الذي يشتريه لينتفع به أو يتجر به، فلا بأس في بيعه إلى أجل، لكن المحتاج لا يربح عليه الربح المعتاد، لا يزيد عليه لأجل الضرورة وأما إذا كان محتاجًا إلى دراهم، فاشتراه ليبيعه في الحال ويأخذ ثمنه، فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء" (٦)
стр. 8009
وكذا أجاز الإمامية الزيادة في ثمن العرض مقابل تأجيل دفعه بشرط أن يكون الأجل محددًا، ذكر ذلك صاحب المراسم بقوله: " وما علق بأجلين، وهو أن يقول بعتك هذه السلعة إلى عشرة أيام بدرهم وإلى شهرين بدرهمين، باطل لا ينعقد، وما علق بأجل واحد صحيح، ويلزم الشرط الذي يشترط المتبايعان في النسيئة، حتى لا يكون ضمان المال مدة الأجل على المبتاع " (١) وهذه وجهة نظر الزيدية أيضًا، فقد حكى صاحب الروض النضير عن الإمام زيد، أن بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء جائز، بدليل أنه قد أثبت للمشتري الآخر الخيار في المرابحة فيمات لو اشترى رجل سلعة إلى أجل ثم باعها مرابحة، والمشتري لا يعلم أنه اشتراها إلى أجل ثم علم بعد ذلك، فله في هذه الحالة الخيار إن شاء أخذ وإن شاء رد، إذ لولا زيادة الثمن في شراء الأجل، لم يظهر لإثبات الخيار وجه (٢)
وقد أكد صاحب الروضة الندية ذلك حيث قال: " إن بيع الشيء بأكثر من سعر يومه مؤجلًا ليس من الربا في ورد ولا صدر (لأن الربا زيادة أحد المتساويين على الآخر ولا تساوي بين الشيء وثمنه مع اختلاف جنسهما فلا يصح أن يكون تحريم هذه الصورة لكونها ربا " (٣)
وبخصوص مسألة البيع بالتقسيط قال: لو تعاقد المتبايعان على أحد الأمرين – النقد أو النسيئة – في المجلس فهو صحيح لا خلاف فيه (٤) . وهذه وجهة نظر الإباضية أيضًا، جاء في شرح النيل ما نصه: " وإن قطع المشتري للبائع بواحد مما ردد فيه البائع في حينه جاز " (٥)
وقد دلل هؤلاء الفقهاء – رحمهم الله تعالى – على وجهة نظرهم هذه بما يلي:
١-إن صورة البيع مدار البحث داخلة في عموم كثير من الآيات الطريقة التي تقضي بجواز هذه البيوع، منها قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ . وهو نص عام يدل على جواز البيوع بأجمعها إلا التي ورد النص بتحريمها، فإنها تصبح حرامًا بالنص مستثناة من العموم، ولم يرد نص يقضي بتحريم جعل ثمنين للسلعة ثمن معجل وثمن مؤجل، فيكون حلالًا أخذًا من عموم الآية (٦) .
ومنها قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . وإن من أعمال التجارة البيع بالنسيئة، ولا بد من أن تكون له ثمرة، وتلك الثمرة داخلة في باب التجارة، وليست داخلة في باب الربا، والرضا ثابت، لأن البيع بالمؤجل طريق من طرق ترويج التجارة، فهو إجابة لرغبة وليس اضطرارًا، إذ قصد البائع من هذه الزيادة تلافي ما قد يصيب الدين من آفات، كما أن المشتري قد تسلم العين دون أن يدفع ثمنًا مقابلها في الحال، فهو قد تسلم عينًا مغلة منتفعًا بها وهي موضع اتجار، فما يأخذه البائع من زيادة في الثمن بسبب التأجيل، إنما يأخذ ثمن غلة (٧)
стр. 8010
٢- واستدلوا ببعض الأحاديث والآثار المروية التي دلت على جواز جعل المدة عوضًا عن المال، وأن الزيادة في الثمن المؤجل جائزة، منها:
(أ) ما روي ((أن رسول الله صلى الله علية وسلم أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يجهز جيشًا فكان يشتري البعير بالبعيرين إلى أجل)) (١) ، والدليل واضح هنا على جواز أخذ زيادة على الثمن نظير الأجل.
(ب) لقد سوغ الشارع ﷺ جعل المدة عوضًا عن المال وذلك فيما رواه ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ ((لما أمر بإخراج بني النضير جاء ناس منهم إلى النبي ﵊ فقالوا: يا نبي الله إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل فقال ﵊: (ضعوا وتعجلوا)) (٢)
يقول السيّاغي بعد ذكره لهذه الرواية: " لما كان الوضع لأجل التعجيل ثبت أنه في مقابل عدم استيفاء مدة الأجل، فيكون تأخير الأجل في مقابل الزيادة في المال مثله سواء لا بأس به " (٣)
٣-واستدل الجمهور بالمعقول أيضًا، حيث قالوا: إن الأصل في الأشياء والعقود والشروط الإباحة متى ما تمت برضا المتعاقدين الجائزي التصرف فيما تبايعا، وإلا ما ورد عن الشرع ما يبطله، ولما لم يرد دليل قطعي على تحريم البيع بالتقسيط، فيبقى على الأصل وهو الإباحة، ومن ادعى الحظر فعليه الدليل. بل قد ورد العكس من ذلك، فقد نص الشارع على الوفاء بالعهود والشروط والمواثيق، وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورًا به، علم أن الأصل صحة العقود والشروط، إذ لا معنى للصحيح إلا ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده، ومقصود العقد هو الوفاء به، فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العقود، دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة (٤)
٤- ومن استدلالهم بالمعقول أيضًا، أن الزيادة لا تتعين عوضًا عن الزمان، بدليل أن بعض الناس قد يبيع سلعته بالأجل بأقل مما اشتراها به لقلة الطلب على البضاعة وللخوف من كسادها ورخصها، بل قد يضطر لبيعها أحيانًا بأقل من قيمتها الحقيقية بالآجل أو بالعاجل، فعلى هذا لا تتعين الزيادة للزمان، بل الزيادة في أكثر الأحيان غير متعنية (٥)
٥- وفوق ذلك أن العقود في الشريعة الإسلامية ينظر إليها غير موازنة بغيرها، فالعقد مع تأجيل الثمن عقد قائم بذاته ينظر إليه من حيث سلامة العقد وليس فيه أي شائبة للربا من غير نظر إلى غيره من العقود الأخرى.
وهذه النظرة تجعل العقد صحيحًا بذاته، وكون البيع معجلًا بعقد آخر بثمن أقل لا يؤثر في العقد الأول، لأنها عقدان متغايران يتميز كل واحد منهما عن صاحبه (٦)
стр. 8011
مناقشة أدلة المانعين زيادة الثمن مقابل تأجيل دفعه:
أجاب الجمهور عن أدلة الفريق القائل: بعدم جواز زيادة ثمن السلعة مقابل تأجيله، وبالتالي يترتب على هذا القول، عدم جواز البيع بالتقسيط، بما يلي:
١-إن قولهم هذا البيع يعتبر من قبيل الربا للزيادة في الثمن، يجاب عليه: أن الشارع ﷺ نص فيما يحرم من الربا على الأجناس الستة، فبعض الفقهاء اقتصر عليها، وبعضهم ألحق بها غيرها مما يظن أنها داخلة تحت عموم العلة، وهي محل خلاف بين الفقهاء. والمسألة محل النزاع خارجة عن المنصوصة وعما ألحق بها قياسًا، إذ هي مفروضة في مبيع اختلف فيه الجنس والتقدير، وجوازه لا ينبغي أن يخالف فيه أحد الفريقين (١)
ومن هنا جاء اعتراض بعض فقهاء الزيدية على الترجمة للمسألة مدار البحث، إذ يرى المعترض أن الترجمة الصحيحة للمسألة هي: " لا يجوز بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء بما اختلفا جنسًا وتقديرًا ". لأن ما اتفق فيه العوضان جنسًا مع التقدير أو الطعم أو القوت على خلاف الفقهاء في موضوع العلة، يحرم فيه التفاضل والنساء، وما اختلفا فيه كذلك يجوز فيه التفاضل والنساء (٢)
والمسألة مدار البحث من القسم الثاني وهو موضوع اتفاق.
٢-أما الاحتجاج بآية الربا من حيث أنه لغةً الزيادة، والزيادة في الثمن لأجل النساء داخلة تحت هذا العموم فيسري عليها التحريم، فالجواب على هذا من عدة وجوه.
(أ) إن الزياة لا يكاد يخلو منها كل بيع، فالآية على هذا تصبح مجملة في تعيين الأنواع المحظورة، وقد بينتها السنة في الأشياء الستة المنصوصة، أو فيها وما ساواها في العلة، والمسألة محل النزاع خارجة عن كل منهما.
(ب) إن الزيادة المعتبرة ما كانت فرع الاشتراك في المزيد كالصاع بالصاعين، ولا يتحقق في مختلف الجنس والتقدير.
(ج) وأيضًا ليس للسعر استقرار كالتقدير بالكيل والوزن لما فيه من التفاوت بحسب الغلاء والرخص والرغبة وعدمها وداعي الحاجة وعدمه، فعلى هذا لا يصلح أصلًا ومناطًا يرجع إليه في تعليق الحكم به.
(د) إن الزيادة المحظورة في مقابلة المدة إنما منعها الشارع إذا كانت ابتداء كما كان عليه أمر الجاهلية في قولهم: (إما أن تقضي وإما أن تربي) . وأما إذا كانت تابعة للعقد كما في مسألتنا هذه فهو من البيوع المباحة ولو زاد على سعر يومه.
قال في المنار: " وليس هناك زيادة محققة إذ المجموع يقابل البدل الآخر وإنما جعل البدل أكثر لغرض هو تأخير الثمن، كما يفعل مثله لأي غرض من الأغراض العارضة ولا مساواة بينهما وبين ربا النسيئة التي استقل فيها رأس المال وانفصل عن الربا، ونظيره البيع بأقل من سعر سوقه، هل يقسم المبيع في ذلك إلى زيادة ومزيد عليه، ويقال: لم يقابل الزيادة شيء " (٣)
стр. 8012
٣-أما الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ ، فيجاب عليه: أن الرضا في البيع مدار البحث أمر لا ينكر (وهو باعث عليه وبمثله لا يصير البائع مكرها وإلا لزم مثله في كل بيع وشراء) ، إذ لابد من حامل له كحاجة المشتري إلى المبيع والبائع إلى الثمن والفرق بين الباعث والمكره , أن الأول أمر متعلق بما يوجبه العقد من آثاره ,والثاني أمر متعلق بالعقد فقط إذ الإكراه إنما يتحقق على العقد , والإكراه معارض للباعث. فمتى غلبه صار مغيِّرا للاختيار فيكون البيع لا عن فلا حكم له (١) .
٤- وأما استدلالهم بحديث النهي عن صفقتين في صفقة وتفسير سماك له بما يفيد منعه، فيجاب عنه: أن هذا الحديث يحتمل أكثر من تفسير، فكما يحتمل أن يكون المراد به أبيعك هذه السلعة بألف نقدًا، وبألفين نسيئة، يحتمل أن يراد به بعتك هذه الدابة على أن تبيعني عربتك بكذا مثلا أو أن يسلف دينارا في قفيز حنطة إلى شهر فلما حلّ الأجل وطالبه بالحنطة قال بعني القفيز الذي لك عليّ إلى شهرين بقفيزين فصار بيعتين في بيعة، واحتمال الحديث لتفسير خارج عن محل النزاع يقدم في الاستدلال به على المتنازع فيه.
على أن غاية ما في الحديث من دلالة هو المنع من البيع إذا وقع على صورة أبيعك نقدًا بكذا ونسيئة بكذا، لا إذا تم البيع نسيئة من أول العقد وكان أكثر من سعر يومه، مع أن المتمسكين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة ولا يدل الحديث على ذلك، فالدليل أخص من الدعوى.
ومن جهة أخرى، فالنهي في الحديث محلّه فيما إذا قبل المشتري على الإبهام دون أن يعين أحد الثمنين، أما لو قال قبلت بألف نقدًا أو بألفين نسيئة صح ذلك (٢) .
أما استدلالهم بقوله ﷺ ((من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)) . وأنه يفيد أن من باع بثمن مؤجل أكثر من الثمن الحالّ فعليه أن يأخذ بالأقل منهما، وإلا دخل في الربا المحرم، فجوابه: أن في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم فيه غير واحد، والمشهور عنه أنه ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة (٣)
ومن جهة أخرى، فإن ابن القيم قد فسر الحديث بأن يبيع الرجل السلعة بمائة مؤجلة ثم يشتريها منه بمائتين حالّة، فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ بالربا، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما وهو من أعظم الذرائع إلى الربا. وأنه لا يعني النهي عن البيع بخمسين حالّة أو بمائة مؤجلة، فهي ليست قمارًا ولا جهالة ولا غررًا ولا شيئًا من المفاسد، فإن خُيِّر المشتري بين أي الثمنين شاء، وليس هذا بأبعد من تخييره بعد البيع بين الأخذ والإمضاء ثلاثة أيام (٤)
стр. 8013
الرأي المختار:
بعد هذا العرض لرأي الفريقين في مسألة البيع بالتقسيط ومناقشة أدلة القائلين بعدم صحة هذا البيع، يترجح لنا رأي الجمهور القائلين بجوازه لقوة أدلتهم من جهة ولوجاهة رأيهم من جهة أخرى، إذ المصلحة تقضي بالأخذ برأيهم، فمن المعروف أن كثيرًا من الناس يتعذر عليه شراء بعض السلع لا سيما ذات الأسعار العالية إلا عن هذا الطريق، فلو أخذنا برأي القائلين بالمنع، لألحقنا الضرر بفئة كبيرة من المجتمع وهم أصحاب الدخل المحدود، وربما تكون هي الفئة الغالبة فيه، فمن الأولى أن نجيز مثل هذا التعامل دفعًا للحرج عنهم ولتذليل سبل العيش أمامهم. والله أعلم.
تحديد الأجل شرط لجواز البيع بالتقسيط:
إن القائلين بجواز البيع بالتقسيط من الفقهاء – رحمهم الله تعالى – اشترطوا لجوازه أن يكون دفع القسط محدد الوقت ومعلومًا عند المتعاقدين، لأن جهالة الوقت تفضي إلى المنازعة، فيفسد البيع. قال الكاساني: اشترط في البيع المؤجل الثمن، أن يكون الأجل فيه معلومًا، لأن جهالته تفسد البيع، سواء كانت الجهالة فاحشة كهبوب الريح ومطر السماء مثلًا، أو متقاربة كالحصاد والدياس وقدوم الحاجّ. وذكر، أن العقد لو تم بثمن دين إلى أجل مجهول جهالة متقاربة، ثم أبطل المشتري الأجل قبل محله وقبل أن يفسخ العقد بينهما لأجل الفساد جاز العقد عند أبي حنيفة والصاحبين، وعند زفر لا يجوز.
ولو مضى العاقدان في العقد ولم يبطل المشتري الأجل حتى حل وأخذ الناس في الحصاد ثم أبطله، لا يجوز العقد باتفاق أئمة المذهب.
ولو أن الجهالة في الأجل كانت فاحشة فأبطل المشتري الأجل قبل الافتراق من المجلس ونقد الثمن، جاز البيع عند الإمام وصاحبيه، وعند زفر لا يجوز، ولو افترق المتعاقدان قبل إبطال الأجل، لا يجوز باتفاق فقهاء المذهب (١)
وبفساد العقد عند جهالة موعد تسديد الثمن قال المالكية أيضًا، فقد عد الدردير من جملة البيوع الفاسدة ما لو اشترى شيئًا بنقد كذا وأجل ثمنه لحين ولادة الجنين الذي في بطن ناقته (٢) . وهذه وجهة نظر الشافعية أيضًا (٣) . وبه قال الحنابلة، ذكر ذلك ابن قدامة عند كلامه عن شرط الخيار إلى مدة مجهولة كقدوم زيد أو هبوب ريح ونحو ذلك (٤) وتأجيل دفع الثمن لمثل ما ذكرنا يفسد العقد للجهالة أيضًا.
وحكى صاحب الروض النضير عن الزيدية مثل هذا الرأي، حيث نقل عن زيد بن على عن أبيه عن جده عن علي ﵁ أنه قال: "لا يجوز البيع إلى أجل لا يعرف " وقال في موضع آخر: لا يجوز البيع إلى الحصاد ولا إلى الدياس للعلة نفسها (٥) . وإلى هذا ذهب الإمامية (٦) والإباضية (٧) . والظاهرية.
فعلى هذا يكون الاتفاق قد حصل بين القائلين بجواز البيع بالتقسيط بوجوب تحديد الأجل بوقت يتفق عليه الطرفان، وأن لا يكون الأجل مجهولًا كهبوب الريح ونزول المطر وما أشبه ذلك.
стр. 8014
رأي القانون في البيع بالتقسيط:
وكما أجاز جمهور الفقهاء البيع بالتقسيط والزيادة في الثمن مقابل تأجيله، أجازه رجال القانون أيضًا.
فقد جاء في المادة (٢٤٥) من مجلة الأحكام العدلية، أن البيع مع تأجيل الثمن وتقسيط صحيح (١)
وقد ذكر المرحوم منير القاضي في شرحه للمجلة أن الثمن الحالّ ما يجب أداؤه عقب إبرام العقد، والأصل في الثمن أن يكون حالًّا ولهذا لو أطلق العقد ولم يذكر فيه تعجيل الثمن أو تأجيله، يكون حالًّا إلا إذا كان العرف يقضي بخلاف ذلك فيصار إليه. والمؤجل (ما يتأخر وجوب أدائه زمنًا معينًا) . ولا يتأجل الثمن إلا إذا نص عليه في العقد أو بعده أو قضى العرف بذلك.
أما المقسّط فهو ما اتفق على أدائه بصورة دفعات في أوقات محدودة.
ولو اشترط البائع على المشتري عند العقد، أنه إذا تأخر عن دفع أي قسط، فإن الأقساط الأخرى تحل، صح الشرط، ووجب العمل به. وإذا لم يشترط ذلك وتأخر المشتري عن أداء قسط في موعده لاتحل بقية الأقساط.
وكذا أجاز المقنن العراقي تأجيل ثمن المبيع بشرط أن يكون الأجل معلومًا، كما أجاز للمتعاقدين أن يتفقا على تقسيطه بأقساط معلومة تدفع في مواعيد معينة، وأجاز الاشتراط في العقد على أن المشتري إذا أخل بالتزامه في تسديد أقساط الثمن في موعدها المحدد، فإنه ملزم بتسديد جميع الثمن، بذلك قضت الفقرة (١) من المادة (٥٧٤) من القانون المدني. والتي نصت على ما يلي: (١- يصح البيع بثمن حالّ أو مؤجل إلى أجل معلوم، ويجوز اشتراط تقسيط الثمن إلى أقساط معلومة تدفع في مواعيد معينة، كما يجوز الاشتراط بأنه إن لم يوف القسط في ميعاده يتعجل كل الثمن) .
والمرحوم الأستاذ السنهوري قد وافق الجمهور أيضًا في المسألة مدار البحث فقد نص في الوسيط على ما يلي: (يقع كثيرًا أن يبيع شخص عينًا بثمن مقسط. . . وأكثر ما يقع ذلك في بيع السيارات والآلات الميكانيكية. . .وفي بيع المحلات التجارية والأراضي والدور. . . فيجمع إلى أصل الثمن فوائده، ويقسم المجموع أقساطًا على عدد الشهور أو السنين، إذا وفّاها المشتري جميعها خلصت له ملكية المبيع) (٢)
أفاد النص المذكور جواز إضافة فوائد على الثمن الحال عند تأجيله، وتضاف الفوائد على أصل الثمن ويقسم المجموع أقساطًا على عدد الشهور أو السنين.
وإذا كانت الفوائد هي ما تستعمله القوانين الوضعية من اصطلاح للتعبير عن الفرق بين الثمن المعجل والمؤجل بسبب إقرارها لمبدأ الفائدة الربوية، فإن ما يقابل ذلك في اصطلاح الشرع هو زيادة الثمن بالنسيئة عنه في النقد مقابل الأجل. ومن هنا يتضح لنا أن القانون يوافق الشرع في أصل الفكرة وهي زيادة الثمن نظير الأجل، وإن كان الشرع لا يوافق القانون في التسمية والحكم (٣) .
стр. 8015
شروط صحة العقد بالأجل أو التقسيط في القانون:
حذا المقنن في المجلة حذو فقهاء المسلمين عند اشتراطه لصحة البيع بالأجل أو التقسيط تحديد مدة الأجل، وإذا أبرم العقد بدون ذكر مدة، ففي هذه الحالة تكون المدة شهرًا واحدًا، فتصبح مدة التأجيل بهذه الصورة معلومة. أما إذا ذكر للأجل مدة مجهولة، فالبيع فاسد، بذلك قضت المادة (٢٤٩) من المجلة والتي نصت على ما يلي: (إذا باع نسيئة بدون بيان مدة تنصرف المدة إلى شهر واحد فقط) . وقد ذكر المرحوم منير القاضي عند شرحه لهذه المادة، أن الجهالة في الأجل على نوعين، يسيرة متقاربة، أو فاحشة متفاوتة، والمتقاربة على حد قوله، إن الأجل فيها معلوم ولكن تعيين حلوله فيها مجهول , أو بعبارة أخرى (أن لا يمكن حصول الأجل في أي زمن بعد العقد، بل له وقت محدود معلوم كالتأجيل إلى الحصاد) . فالحصاد لا يحصل في كل الأوقات بل في مدة من الزمن محدودة يتردد وقوعه بين أولها وآخرها. أما المتفاوتة فالأجل فيها مجهول، وبعبارة أخرى (ما يمكن حصوله في كل وقت بعد العقد) . وذلك كالتأجيل بهبوب الريح وأمطار السماء (١)
ويجنح الأستاذ إلى القول: إن الجهالة اليسيرة لا تفسد العقد بخلاف الفاحشة فإنها تفسده إلا إذا ألغي التأجيل بها في مجلس العقد وقبل أن يفترق المتعاقدان.
والأستاذ في رأيه هذا يخالف رأي جمهور الفقهاء الذين لم يفرقوا بين فساد العقد بالجهالة اليسيرة أو الفاحشة إذا ذكرت في صلب العقد كما تبين لنا ذلك من خلال ما حكيناه عنهم.
ويمضي المرحوم القاضي في قوله: إذا حصل التأجيل بعد العقد فإن كانت مدة دفع الثمن مجهولة جهالة يسيرة فلا يضر ويعتبر، أما لو كانت فاحشة، فلا يعتبر التأجيل ولا يختل العقد، والظاهر من إطلاق المجلة كما يقول الأستاذ الجري على هذا الرأي، حيث إن المادة (٢٤٨) التي عالج المقنن فيها هذه المسألة لم تفصل، بل جاءت مطلقة حيث نصت على ما يلي: (تأجيل الثمن إلى مدة غير معينة كإمطار السماء يكون مفسدًا للبيع) .
стр. 8016
وبخصوص بداية الأجل، فإن المدة تبتدئ من وقت تسليم المبيع إن لم يحدد لبدايتها أو نهايتها تاريخ معين كأن يقول إلى شهر أو سنة، وذلك بغية إعطاء المشتري الفرصة الكافية ليحصل على الفائدة المرجوة من التأجيل، وهو الانتفاع بالمبيع في مدة الأجل، فإن تأخر البائع عن تسليم المبيع طول المدة المذكورة لسبب ما فللمشتري حق التأجيل لمدة أخرى تبتدئ عقب التسليم.
أما لو تعذر التسليم بسبب من جهة المشتري كامتناعه من التسلم، فالمدة تحتسب عندئذ من وقت الامتناع دفعًا للضرر.
ولو أن المتعاقدين قد حددا للمدة بداية ونهاية، كأن يقول البائع لصاحبه: بعتك هذه العربة بألف دينار إلى شهر يبتدئ من كذا أو ينتهي بيوم كذا أو إلى عيد الفطر المقبل أو نحو ذلك، فمتى حلّ الأجل وجب أداء الثمن، سواء قبض المشتري المبيع أم لا، وسواء كان المتسبب في عدم القبض هو البائع أو هو المشتري، لأن المدة متى تعينت فليس له غيرها. والأجل يحلّ بأحد أمرين، إما بانتهاء المدة على الوجه المذكور أو بموت المشتري (١)
وحذا المقنن العراقي حذو المجلة عندما اعتبر ابتداء مدة الأجل والقسط في عقد البيع من وقت تسليم المبيع، وذلك بموجب الفقرة (٢) من المادة (٥٧٤) من القانون المدني التي نصت على ما يلي:
(٢- ويعتبر ابتداء مدة الأجل والقسط المذكورين في عقد البيع من وقت تسليم المبيع ما لم يتفق على غير ذلك) .
وما جاء في المجلة والقانون المدني العراقي بخصوص تحديد مواعيد للأقساط معلومة لدى المتعاقدين وعند عدم دفع القسط في ميعاده، يجب تعجيل كل الثمن واعتبار ابتداء المدة من وقت تسليم المبيع، يتفق مع وجهة نظر الفقهاء، كما رأينا.
والله أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 8017
خلاصة البحث
التقسيط: بعني تأجيل أداء الدين مفرّقًا إلى أوقات معينة.
مظانّ مسألة بيع التقسيط في الفقه الإسلامي:
إن أصل مسألة بيع التقسيط يرد في كتب الفقه تحت عنوان (البيوع الفاسدة أو البيوع المنهي عنها، أو في باب بيوع الآجال) ، وقد استدل الفقهاء على فساد بعض البيوع بما صح لديهم من الآثار الواردة بهذا الخصوص.
ومن أجل الوقف على معرفة رأيهم في هذا البيع، يجدر بنا أن نتلمس مظانّ بيع التقسيط في الأحاديث النبوية الشريفة التي لها صلة بهذا البيع، لنقف على الدليل الذي استندوا عليه في تحريمهم لمثل هذه البيوع، وما إذا كان هذا النوع من البيوع يدخل ضمن هذه الآثار أم لا؟
أولًا – النهي عن شرطين في بيع: ومن الآثار الواردة عن النهي لهذا البيع حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: ((لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك)) . وقد اختلف شرّاح الحديث في صورة هذا البيع، وقد اخترت التفسير الذي يعني: أن يشترط البائع حقوق البيع ويشترط شيئًا خارجًا منها، كأن يشترط لقاء المبيع أن يهبه شيئًا أو أن يشفع له إلى فلان، ونحو ذلك فهذان شرطان في صفقة واحدة.
ثانيًا – النهي عن بيعتين في بيعة: ومن الآثار الواردة عن النهي لهذا البيع حديث سماك الذي قال فيه: ((نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة، قال سماك: هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنسأ بكذا، وهو بنقد بكذا وكذا)) .
وقد فسر الشرّاح الحديث بتفاسير عديدة، وأوجه التفاسير عندي هو تفسير سماك راوي الحديث. وهذه الصورة هي الأساس لبيع التقسيط.
стр. 8018
تفسير الفقهاء لحديث البيعتين في بيعته:
اتفق الفقهاء على تفسير هذا البيع الوارد في الحديث بما فسره بعض شراح الحديث، من أن صورته أن يقول البائع للطرف المقابل: أبيعك هذه السلعة بالثمن الحالّ بكذا وبالنسيئة بكذا. وعلّة النهي عن هذا البيع: هي:
(أ) الجهالة بالثمن، وهذا يتحقق فيما إذا افترق المتعاقدان دون أن يحدد أحد البيعتين وثمن المبيع المتعاقد عليه، فأشبه من هذه الناحية البيع بالرقم المجهول.
(ب) عدم الجزم في بيع واحد، فأشبه ما لو قال: بعتك هذا أو هذا.
(ج) ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم.
وحكم البيع بالصيغة المذكورة، البطلان، أعني بها صورة عدم الجزم ببيع معين وينفض المجلس دون أن يحدد المتعاقدان نوعًا معينًا من البيع.
حكم الزيادة في الثمن نظير الأجل
لو انصرفت إرادة المتعاقدين إلى بيع معين مما ورد في الإيجاب، وقد اتفقا على الزيادة لقاء تأخير الثمن، سواء اتفق على دفعه مرة واحدة في المستقبل أو على دفعات، وقد تم ذلك بقبول الموجه إليه العرض إحدى الصفقتين، فيكون هذا بمثابة الإيجاب من المشتري فإذا اقترن ذلك بقبول البائع، فهل يتم العقد عندئذ وهل يصح الاعتياض عن الأجل بالمال؟
للفقهاء رأيان في المسألة:
١- ذهب أصحاب الرأي الأول إلى القول: إن الزيادة في الثمن نظير الأجل، كالزيادة في الدين نظير الأجل، فكما أن الزيادة الأخيرة تعتبر ربا كذلك الأولى. هذه وجهة نظر زين العابدين علي بن الحسين والهادوية والإمام يحيى وأبو بكر الجصاص
. وقد استدل أصحاب هذا الرأي بأدلة من الكتاب والسنة والقياس والمعقول.
(أ) فمن الكتاب عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ، فالآية أفادت تحريم البيوع التي يؤخذ فيها زيادة مقابل الأجل، لدخولها في عموم كلمة الربا وهي تفيد الإباحة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . فإن كل العقود الربوية مقيدة لهذه الإباحة.
(ب) واستدلوا بالروايات التي وردت عن النبي ﷺ في نهيه عن بيعتين في بيعة والتي فصلنا الكلام فيها مسبقًا.
(ج) قاس أصحاب هذا الرأي زيادة الثمن مقابل زيادة المدة على إنقاص الدين عن المدين مقابل تعجيل الدفع فلا فرق بين أن تقول سدد الدين أو تزد في نظير للأجل وأن تبيع بزيادة في الثمن لأجل التأجيل، فالمعنى فيهما جميعًا أن الأجل له عوض، وهو بمعنى الربا.
стр. 8019
(د) أن هذه الزيادة بسبب الأجل، والزيادة لهذا السبب خالية عن العوض فتنطبق عليها كلمة الربا الذي يعني الزيادة بدون عوض فتندرج تحت التحريم.
الرأي الثاني، وهو رأي الجمهور، وقد أجازوا فيه الزيادة في ثمن العرض مقابل تأجيل دفعه، فعلى هذا تصح على رأيهم صورة البيع مدار البحث وذلك عند انصراف إرادة المتعاقدين إلى صيغة معينة من البيعتين وهي صيغة زيادة ثمن السلعة مقابل تأجيل دفع ثمنها على أن يكون الدفع على وجبات يتفق عليها الطرفان عند إبرام العقد، وهذه وجهة نظر المالكية والشافعية والحنفية والحنابلة والزيدية والإمامية والإباضية.
ومن أدلة الجمهور على جواز هذا البيع:
(أ) أن صورة البيع مدار البحث داخلة في عموم كثير من الآيات الكريمة التي تقضي بجواز هذه البيوع، منها قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ . وقوله تعالى ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ .
(ب) واستدلوا ببعض الأحاديث والآثار المروية التي دلت على جواز جعل المدة عوضًا عن المال وأن الزيادة في الثمن المؤجل جائزة. منها: ((أن رسول الله ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يجهز جيشًا فكان يشتري البعير بالبعيرين إلى أجل)) . ومنها، أن النبي ﵊ لما أمر بإخراج بني النضير، جاء ناس منهم إلى النبي ﷺ فقالوا يا نبي الله إنك أمرت بإخراجنا، ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال لهم ﷺ : ((ضعوا وتعجلوا)) .
(ج) واستدلوا كذلك بالمعقول، حيث قالوا: إن الزيادة لا تتعين عوضًا عن الزمان بدليل أن بعض الناس قد يبيع سلعته بالأجل بأقل مما اشتراها به لقلة الطلب على البضاعة وللخوف من كسادها ورخصها.
وقالوا أيضًا: إن الأصل في الأشياء والعقود والشروط الإباحة متى تمت برضا المتعاقدين الجائزي التصرف فيما تبايعا إلا ما ورد عن الشرع ما يبطله، ولما لم يرد دليل قطعي على تحريم البيع بالتقسيط، فيبقى على الأصل وهو الإباحة، ومن ادعى الحظر فعلية الدليل.
وقد أجاب الجمهور على أدلة القائلين بعدم جواز الزيادة في الثمن مقابل الأجل بأجوبة مقنعة فصلتها في البحث، مما دعاني لترجيح مذهبهم.
وجوب تحديد الأجل عند البيع بالتقسيط:
حصل الاتفاق بين القائلين بجواز البيع بالتقسيط بوجوب تحديد الأجل بوقت يتفق عليه المتعاقدان وأن لا يكون الأجل مجهولًا كهبوب الريح ونزول المطر وما أشبه ذلك.
هذا وإن رجال القانون قد نحوا منحى جمهور الفقهاء عندما أجازوا البيع بالتقسيط والزيادة في الثمن مقابل تأجيله. والله أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور إبراهيم فاضل الدبو
стр. 8020
أهم مراجع البحث
بعد القرآن الكريم:
١-سنن أبي داود – للإمام سليمان بن الأشعث بن إسحاق الإزدي السجستاني، المتوفي سنة ٢٧٥ هـ. طبع بمطبعة البابي الحلبي ١٣٧١ هـ – ١٩٥٢ م.
٢-سنن ابن ماجه – أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، المتوفى سنة ٢٧٥ هـ.
٣-نبيل الأوطار – للشوكاني محمد بن على بن محمد، المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ. مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثالثة ١٣٨٠هـ ١٩٦١م.
٤-بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع – لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكساني، المتوفي ٥٨٧هـ , مطبعة الإمام بالقاهرة.
٥-الدر المختار شرح تنوير الأبصار – للشيخ علاء الدين الحصكفي، المتوفى سنة ١٠٨٨ هـ. مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، ١٣٨٦ هـ – ١٩٦٦ م.
٦-رد المحتار على الدر المختار – للشيخ محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الدمشقي، الشهير بابن عابدين، المتوفى سنة ١٢٥٢ هـ. طبع مع الدر المختار.
٧-المهذب – لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي الشيرازي، المتوفى سنة ٤٧٦ هـ. مطبعة عيسى البابي الحلبي، بمصر.
٨-مغني المحتاج إلى معاني ألفاظ المنهاج – للشيخ محمد بن أحمد الشربيني الخطيب، المتوفى سنة ٩٧٧هـ. مطبعة مصطفى البابي الحلبي، سنة ١٣٧٧ هـ – ١٩٥٨ م.
٩-شرح الخرشي على مختصر سيدي خليل – لأبي عبد الله محمد الخرشي، المتوفى سنة ١١٠١هـ. المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق- مصر، الطبعة الثانية ١٣١٧ هـ، ومعه حاشية الشيخ العدوي.
١٠-الشرح الكبير – لأبي البركات أحمد بن محمد الشهير بالدردير، المتوفى سنة ١٢٠١ هـ. مطبعة عيسى البابي الحلبي.
١١-حاشية الدسوقي – للشيخ محمد عرفة الدسوقي، والمطبوع مع الشرح الكبير.
١٢- المغني – لابن قدامة: أبي محمد عبد الله أحمد بن محمد بن قدامة، المتوفى سنة ٦٢٠ هـ، على مختصر أبي القاسم عمر بن حسين بن عبد الله أحمد الخرقي المتوفى سنة ٣٣٤ هـ. مطابع سجل العرب.
١٣- منتهى الإرادات – لابن النجار تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي، المتوفى سنة ٩٧٢ هـ. عالم الكتب.
١٤- الفتاوى الكبرى لابن تيمية – أحمد بن عبد الحليم أبي العباس تقي الدين بن تيمية، الإمام المتوفى سنة ٧٢٨ هـ دار الكتب الحديثة، ١٤ شارع الجمهورية، مطبعة دار الجهاد، القاهرة ١٣٨٥ هـ – ١٩٦٥ م.