وبخصوص بداية الأجل، فإن المدة تبتدئ من وقت تسليم المبيع إن لم يحدد لبدايتها أو نهايتها تاريخ معين كأن يقول إلى شهر أو سنة، وذلك بغية إعطاء المشتري الفرصة الكافية ليحصل على الفائدة المرجوة من التأجيل، وهو الانتفاع بالمبيع في مدة الأجل، فإن تأخر البائع عن تسليم المبيع طول المدة المذكورة لسبب ما فللمشتري حق التأجيل لمدة أخرى تبتدئ عقب التسليم.
أما لو تعذر التسليم بسبب من جهة المشتري كامتناعه من التسلم، فالمدة تحتسب عندئذ من وقت الامتناع دفعًا للضرر.
ولو أن المتعاقدين قد حددا للمدة بداية ونهاية، كأن يقول البائع لصاحبه: بعتك هذه العربة بألف دينار إلى شهر يبتدئ من كذا أو ينتهي بيوم كذا أو إلى عيد الفطر المقبل أو نحو ذلك، فمتى حلّ الأجل وجب أداء الثمن، سواء قبض المشتري المبيع أم لا، وسواء كان المتسبب في عدم القبض هو البائع أو هو المشتري، لأن المدة متى تعينت فليس له غيرها. والأجل يحلّ بأحد أمرين، إما بانتهاء المدة على الوجه المذكور أو بموت المشتري (١)
وحذا المقنن العراقي حذو المجلة عندما اعتبر ابتداء مدة الأجل والقسط في عقد البيع من وقت تسليم المبيع، وذلك بموجب الفقرة (٢) من المادة (٥٧٤) من القانون المدني التي نصت على ما يلي:
(٢- ويعتبر ابتداء مدة الأجل والقسط المذكورين في عقد البيع من وقت تسليم المبيع ما لم يتفق على غير ذلك) .
وما جاء في المجلة والقانون المدني العراقي بخصوص تحديد مواعيد للأقساط معلومة لدى المتعاقدين وعند عدم دفع القسط في ميعاده، يجب تعجيل كل الثمن واعتبار ابتداء المدة من وقت تسليم المبيع، يتفق مع وجهة نظر الفقهاء، كما رأينا.
والله أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 8017
خلاصة البحث
التقسيط: بعني تأجيل أداء الدين مفرّقًا إلى أوقات معينة.
مظانّ مسألة بيع التقسيط في الفقه الإسلامي:
إن أصل مسألة بيع التقسيط يرد في كتب الفقه تحت عنوان (البيوع الفاسدة أو البيوع المنهي عنها، أو في باب بيوع الآجال) ، وقد استدل الفقهاء على فساد بعض البيوع بما صح لديهم من الآثار الواردة بهذا الخصوص.
ومن أجل الوقف على معرفة رأيهم في هذا البيع، يجدر بنا أن نتلمس مظانّ بيع التقسيط في الأحاديث النبوية الشريفة التي لها صلة بهذا البيع، لنقف على الدليل الذي استندوا عليه في تحريمهم لمثل هذه البيوع، وما إذا كان هذا النوع من البيوع يدخل ضمن هذه الآثار أم لا؟
أولًا – النهي عن شرطين في بيع: ومن الآثار الواردة عن النهي لهذا البيع حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: ((لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك)) . وقد اختلف شرّاح الحديث في صورة هذا البيع، وقد اخترت التفسير الذي يعني: أن يشترط البائع حقوق البيع ويشترط شيئًا خارجًا منها، كأن يشترط لقاء المبيع أن يهبه شيئًا أو أن يشفع له إلى فلان، ونحو ذلك فهذان شرطان في صفقة واحدة.
ثانيًا – النهي عن بيعتين في بيعة: ومن الآثار الواردة عن النهي لهذا البيع حديث سماك الذي قال فيه: ((نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة، قال سماك: هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنسأ بكذا، وهو بنقد بكذا وكذا)) .
وقد فسر الشرّاح الحديث بتفاسير عديدة، وأوجه التفاسير عندي هو تفسير سماك راوي الحديث. وهذه الصورة هي الأساس لبيع التقسيط.
стр. 8018
تفسير الفقهاء لحديث البيعتين في بيعته:
اتفق الفقهاء على تفسير هذا البيع الوارد في الحديث بما فسره بعض شراح الحديث، من أن صورته أن يقول البائع للطرف المقابل: أبيعك هذه السلعة بالثمن الحالّ بكذا وبالنسيئة بكذا. وعلّة النهي عن هذا البيع: هي:
(أ) الجهالة بالثمن، وهذا يتحقق فيما إذا افترق المتعاقدان دون أن يحدد أحد البيعتين وثمن المبيع المتعاقد عليه، فأشبه من هذه الناحية البيع بالرقم المجهول.
(ب) عدم الجزم في بيع واحد، فأشبه ما لو قال: بعتك هذا أو هذا.
(ج) ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم.
وحكم البيع بالصيغة المذكورة، البطلان، أعني بها صورة عدم الجزم ببيع معين وينفض المجلس دون أن يحدد المتعاقدان نوعًا معينًا من البيع.
حكم الزيادة في الثمن نظير الأجل
لو انصرفت إرادة المتعاقدين إلى بيع معين مما ورد في الإيجاب، وقد اتفقا على الزيادة لقاء تأخير الثمن، سواء اتفق على دفعه مرة واحدة في المستقبل أو على دفعات، وقد تم ذلك بقبول الموجه إليه العرض إحدى الصفقتين، فيكون هذا بمثابة الإيجاب من المشتري فإذا اقترن ذلك بقبول البائع، فهل يتم العقد عندئذ وهل يصح الاعتياض عن الأجل بالمال؟
للفقهاء رأيان في المسألة:
١- ذهب أصحاب الرأي الأول إلى القول: إن الزيادة في الثمن نظير الأجل، كالزيادة في الدين نظير الأجل، فكما أن الزيادة الأخيرة تعتبر ربا كذلك الأولى. هذه وجهة نظر زين العابدين علي بن الحسين والهادوية والإمام يحيى وأبو بكر الجصاص
. وقد استدل أصحاب هذا الرأي بأدلة من الكتاب والسنة والقياس والمعقول.
(أ) فمن الكتاب عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ، فالآية أفادت تحريم البيوع التي يؤخذ فيها زيادة مقابل الأجل، لدخولها في عموم كلمة الربا وهي تفيد الإباحة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . فإن كل العقود الربوية مقيدة لهذه الإباحة.
(ب) واستدلوا بالروايات التي وردت عن النبي ﷺ في نهيه عن بيعتين في بيعة والتي فصلنا الكلام فيها مسبقًا.
(ج) قاس أصحاب هذا الرأي زيادة الثمن مقابل زيادة المدة على إنقاص الدين عن المدين مقابل تعجيل الدفع فلا فرق بين أن تقول سدد الدين أو تزد في نظير للأجل وأن تبيع بزيادة في الثمن لأجل التأجيل، فالمعنى فيهما جميعًا أن الأجل له عوض، وهو بمعنى الربا.
стр. 8019
(د) أن هذه الزيادة بسبب الأجل، والزيادة لهذا السبب خالية عن العوض فتنطبق عليها كلمة الربا الذي يعني الزيادة بدون عوض فتندرج تحت التحريم.
الرأي الثاني، وهو رأي الجمهور، وقد أجازوا فيه الزيادة في ثمن العرض مقابل تأجيل دفعه، فعلى هذا تصح على رأيهم صورة البيع مدار البحث وذلك عند انصراف إرادة المتعاقدين إلى صيغة معينة من البيعتين وهي صيغة زيادة ثمن السلعة مقابل تأجيل دفع ثمنها على أن يكون الدفع على وجبات يتفق عليها الطرفان عند إبرام العقد، وهذه وجهة نظر المالكية والشافعية والحنفية والحنابلة والزيدية والإمامية والإباضية.
ومن أدلة الجمهور على جواز هذا البيع:
(أ) أن صورة البيع مدار البحث داخلة في عموم كثير من الآيات الكريمة التي تقضي بجواز هذه البيوع، منها قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ . وقوله تعالى ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ .
(ب) واستدلوا ببعض الأحاديث والآثار المروية التي دلت على جواز جعل المدة عوضًا عن المال وأن الزيادة في الثمن المؤجل جائزة. منها: ((أن رسول الله ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يجهز جيشًا فكان يشتري البعير بالبعيرين إلى أجل)) . ومنها، أن النبي ﵊ لما أمر بإخراج بني النضير، جاء ناس منهم إلى النبي ﷺ فقالوا يا نبي الله إنك أمرت بإخراجنا، ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال لهم ﷺ : ((ضعوا وتعجلوا)) .
(ج) واستدلوا كذلك بالمعقول، حيث قالوا: إن الزيادة لا تتعين عوضًا عن الزمان بدليل أن بعض الناس قد يبيع سلعته بالأجل بأقل مما اشتراها به لقلة الطلب على البضاعة وللخوف من كسادها ورخصها.
وقالوا أيضًا: إن الأصل في الأشياء والعقود والشروط الإباحة متى تمت برضا المتعاقدين الجائزي التصرف فيما تبايعا إلا ما ورد عن الشرع ما يبطله، ولما لم يرد دليل قطعي على تحريم البيع بالتقسيط، فيبقى على الأصل وهو الإباحة، ومن ادعى الحظر فعلية الدليل.
وقد أجاب الجمهور على أدلة القائلين بعدم جواز الزيادة في الثمن مقابل الأجل بأجوبة مقنعة فصلتها في البحث، مما دعاني لترجيح مذهبهم.
وجوب تحديد الأجل عند البيع بالتقسيط:
حصل الاتفاق بين القائلين بجواز البيع بالتقسيط بوجوب تحديد الأجل بوقت يتفق عليه المتعاقدان وأن لا يكون الأجل مجهولًا كهبوب الريح ونزول المطر وما أشبه ذلك.
هذا وإن رجال القانون قد نحوا منحى جمهور الفقهاء عندما أجازوا البيع بالتقسيط والزيادة في الثمن مقابل تأجيله. والله أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور إبراهيم فاضل الدبو
стр. 8020
أهم مراجع البحث
بعد القرآن الكريم:
١-سنن أبي داود – للإمام سليمان بن الأشعث بن إسحاق الإزدي السجستاني، المتوفي سنة ٢٧٥ هـ. طبع بمطبعة البابي الحلبي ١٣٧١ هـ – ١٩٥٢ م.
٢-سنن ابن ماجه – أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، المتوفى سنة ٢٧٥ هـ.
٣-نبيل الأوطار – للشوكاني محمد بن على بن محمد، المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ. مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثالثة ١٣٨٠هـ ١٩٦١م.
٤-بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع – لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكساني، المتوفي ٥٨٧هـ , مطبعة الإمام بالقاهرة.
٥-الدر المختار شرح تنوير الأبصار – للشيخ علاء الدين الحصكفي، المتوفى سنة ١٠٨٨ هـ. مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، ١٣٨٦ هـ – ١٩٦٦ م.
٦-رد المحتار على الدر المختار – للشيخ محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الدمشقي، الشهير بابن عابدين، المتوفى سنة ١٢٥٢ هـ. طبع مع الدر المختار.
٧-المهذب – لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي الشيرازي، المتوفى سنة ٤٧٦ هـ. مطبعة عيسى البابي الحلبي، بمصر.
٨-مغني المحتاج إلى معاني ألفاظ المنهاج – للشيخ محمد بن أحمد الشربيني الخطيب، المتوفى سنة ٩٧٧هـ. مطبعة مصطفى البابي الحلبي، سنة ١٣٧٧ هـ – ١٩٥٨ م.
٩-شرح الخرشي على مختصر سيدي خليل – لأبي عبد الله محمد الخرشي، المتوفى سنة ١١٠١هـ. المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق- مصر، الطبعة الثانية ١٣١٧ هـ، ومعه حاشية الشيخ العدوي.
١٠-الشرح الكبير – لأبي البركات أحمد بن محمد الشهير بالدردير، المتوفى سنة ١٢٠١ هـ. مطبعة عيسى البابي الحلبي.
١١-حاشية الدسوقي – للشيخ محمد عرفة الدسوقي، والمطبوع مع الشرح الكبير.
١٢- المغني – لابن قدامة: أبي محمد عبد الله أحمد بن محمد بن قدامة، المتوفى سنة ٦٢٠ هـ، على مختصر أبي القاسم عمر بن حسين بن عبد الله أحمد الخرقي المتوفى سنة ٣٣٤ هـ. مطابع سجل العرب.
١٣- منتهى الإرادات – لابن النجار تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي، المتوفى سنة ٩٧٢ هـ. عالم الكتب.
١٤- الفتاوى الكبرى لابن تيمية – أحمد بن عبد الحليم أبي العباس تقي الدين بن تيمية، الإمام المتوفى سنة ٧٢٨ هـ دار الكتب الحديثة، ١٤ شارع الجمهورية، مطبعة دار الجهاد، القاهرة ١٣٨٥ هـ – ١٩٦٥ م.
стр. 8021
١٥- مجموع الفتاوى – لابن تيمية أيضًا. الطبعة الأولى، مطابع الرياض – السعودية.
١٦- المحلي – للإمام ابن محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، المتوفى سنة ٤٥٦ هـ. منشورات المكتب التجاري للطباعة والتوزيع – بيروت.
١٧- أحكام القرآن – لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص. تحقيق محمد الصادق قمحاوي، الناشر: دار المصحف، شركة مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد، القاهرة، الطبعة الثانية.
١٨- شرح النيل وشفاء العليل – للعلامة محمد بن يوسف أطفيش. مكتبة الإرشاد بجدة- المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية.
١٩- البحر الزخام الجامع لمذهب علماء الأمصار – للإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى، المتوفى ٨٠٤ هـ. مطبعة السنة المحمدية بمصر، ١٣٦٨ هـ – ١٩٤٩ م.
٢٠- لسان العرب – لأبي الفضل جمال الدين محمد مكرم بن منظور الإفريقي، المتوفي سنة ٧١١ هـ. دار بيروت للطباعة.
٢١- شرح المجلة – للأستاذ منير القاضي. الطبعة الأولى مطبعة العاني ببغداد ١٩٤٩ م.
٢٢- الروض النضير شرح مجموع الفقة الكبير – للعلامة شرف الدين الحسين بن أحمد السياغي. مكتبة المؤيد بالطائف – السعودية، الطبعة الثانية ١٩٦٨ م.
٢٣- المراسم في الفقه الإمامي – تأليف حمزة بن عبد العزيز الديلمي. تحقيق محمود البستاني، دار الزهراء للطباعة والنشر – بيروت.
٢٤- الروضة الندية شرح الدرر البهية – للعلامة أبي الطيب صديق بن حسن بن على الحسيني القنوجي البخاري – دار الندوة الجديدة بيروت، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٤هـ- ١٩٨٤ م.
٢٥- الإمام زيد – تأليف محمد أبو زهرة. دار الفكر العربي، شارع بور سعيد – القاهرة.
٢٦- الوسيط – للأستاذ المرحوم السنهوري.
٢٧- متن القانون المدني العراقي.
٢٨- حكم بيع التقسيط في الشريعة والقانون بحث منشور في مجلة الشرعية والدراسات الإسلامية التي تصدر عن جامعة الكويت. تأليف الدكتور محمد عقلة الإبراهيم.
стр. 8022
البيع بالتقسيط: نظرات في التطبيق العملي
إعداد
فضيلة الدكتور علي أحمد السالوس
الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة قطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونسأله أن يجنبنا الزلل في القول والعمل. ونصلي ونسلم على رسله الكرام، وعلى أولهم، وخاتمهم المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن قرار المجمع الموقر في دورته الخامسة بجواز بيع المرابحة الذي تجريه المصارف الإسلامية بضوابط الشرعية يغنينا عن بحث جواز البيع بالتقسيط من حيث المبدأ ما دام مستوفيًا هذه الضوابط الشرعية.
والبحث الذي قدمته للدورة السابقة في بيع المرابحة كان تحت عنوان:
(نظرات في التطبيق العملي)
وكان من توصيات المجمع: أن تدرس الحالات العملية لتطبيق (المرابحة للآمر بالشراء) لدى المصارف الإسلامية، لوضع أصول تعصم من وقوع الخلل في التطبيق، وتعين على مراعاة الأحكام الشرعية العامة أو الخاصة ببيع المرابحة للآمر بالشراء.
فرأيت أن أجعل هذا البحث مستمدًّا من هذه التوصية، فأنظر إلى الجانب العملي التطبيقي لبيع التقسيط بصفة عامة، ليضع المجمع الكريم الأصول التي جاء ذكرها في التوصية.
وقسمت البحث إلى خمسة فصول:
الأول: زيادة البيع الآجل عن الحال.
الثاني: التأخر في دفع الأقساط.
الثالث: ضع وتعجل.
الرابع: الاحتفاظ بملكية المبيع أو رهنه.
الخامس: أثر الموت في حلول الأجل.
ونسأل الله أن يمدنا بعون منه، وأن يهدينا سواء السبيل، إنه نعم المولى ونعم النصير وهو المستعان.
стр. 8023
الفصل الأول
زيادة البيع الآجل عن الحال
ذكر النقد والنسيئة:
الشائع المنتشر في بيع التقسيط زيادة ثمن المبيع عن البيع الحالّ، وإذا لم يشر إلى البيع الحالّ، واتفق البيعان من البداية على بيع التقسيط بالضوابط الشرعية، فالبيع صحيح عند المذاهب الأربعة والجمهور. وقال زين العابدين على بن الحسين، والناصر والمنصور بالله، والهادوية، والإمام يحيى، يحرم بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء (١)
ولعل الصواب مع الجمهور، وما يأتي من الأدلة يبين الجواز ويمنع التحريم، وإن كان التاجر الذي ينزل بالنسيئة إلى سعر النقد يعتبر ذا فضل ومروءة، إذا كان مراعاة لحل المشتري.
والغالب في بيع التقسيط أن يذكر أيضًا سعر البيع نقدًا، فما الحكم هنا؟ روى أحمد، بسند رجاله ثقات، عن ابن مسعود ﵁، قال " ((نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة)) .
قال سماك – راوي الحديث: هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنسأ بكذا، وهو بنقد بكذا وكذا.
قال الشافعي وأحمد في تفسير هذا: بأن يقول بعتك بألف نقدًا أو ألفين إلى سنة، فخذ أيهما شئت أنت وشئت أنا. ونقل ابن الرفعة عن القاضي أن المسألة مفروضة على أنه قبل على الإبهام. أما لو قال: قبلت بألف نقدًا، أو بألفين بالنسيئة، صح ذلك (٢) .
قال الخطابي وابن الأثير: لا يجوز أن يقول: بعتك هذا الثوب نقدًا بعشرة أو نسيئة بخمسة عشر، لأنه لا يدري أيهما الثمن الذي يختاره منهما فيقع به العقد، وإذا جهل الثمن بطل البيع.
وحكي عن طاوس أنه قال: لا بأس أن يقول له: بعتك هذا الثوب نقدًا بعشرة، وإلى شهرين بخمسة عشر، فيذهب به إلى إحداهما (٣)
стр. 8024
وما رواه عبد الرازق عن الثوري، يفسر ما رواه ابن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)) .
والحديث بإسناده رواه أبو داود عن ابن شيبة (١)
وفي الإسناد محمد بن عمرو بن علقمة، وقد تكلم فيه غير واحد. والمحفوظ هو لفظ: ((نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة)) . رواه أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه، والشافعي، ومالك في بلاغاته (٢) .
قال الخطابي بعد أن ذكر أن المشهور هو الرواية الأخيرة.
وأما رواية يحيى بن زكريا عن محمد بن عمرو على الوجه الذي ذكره أبو داود فيشبه أن يكون ذلك في حكومة في شيء بعينه، كأنه أسلفه دينارًا في قفيز بر إلى شهر، فلما حل الأجل، وطالبه بالبر، قال له: يعني القفيز الذي لك على بقفيزين إلى شهرين. فهذا بيع ثانٍ، وقد دخل على البيع الأول، فصار بيعتين في بيعة، فيردان إلى أوكسهما – أي أنقصهما – وهو الأصل. فإن تبايعا البيع الثاني قبل أن يتقابضا الأول كانا مربيين.
وبعد أن انتهى صاحب عون المعبود من شرح حديث أبي داود، ونقل كثيرًا من الأقوال، قال: وبهذا يعرف أن رواية يحيى بن زكريا فيها شذوذ كما لا يخفى (٣)
والشوكاني بعد أن شرح الروايات التي ذكرت حت باب بيعتين في بيعة، قال: وقد جمعنا رسالة في هذه المسألة وسميناها " شفاء العلل في حكم زيادة الثمن لمجرد الأجل ". والعلة في تحريم بيعتين في بيعة: عدم استقرار الثمن في صورة بيع الشيء الواحد بثمنين، والتعليق بالشرط المستقبل في صورة بيع هذا على أن ييع منه ذاك، ولزوم الربا في صورة القفيز الحنطة (٤) .
стр. 8025
ويؤخذ مما سبق أن المنع ليس زيادة الثمن في بيع التقسيط، وإنما في جهالة الثمن إذا لم يقع البيع باتا على النقد أو النسيئة، أما إذا اتفق البيعان على بيعة واحدة من البيعتين في مجلس العقد صح البيع.
ومما يؤيد ما سبق ما رواه عبد الرزاق في مصنفه (٨/١٣٦) تحت باب البيع بالثمن إلى أجلين:
فروى عن الزهري، وطاوس وابن المسيب، أنهم قالوا: لا بأس بأن يقول: أبيعك هذا الثوب بعشرة إلى شهر، أو بعشرين إلى شهرين، فباعه على أحدهما قبل أن يفارقه، فلا بأس به. وروى مثله عن قتادة.
وروى عن الثوري قال: إذا قلت: أبيعك بالنقد إلى كذا، وبالنسيئة بكذا وكذا، فذهب به المشتري، فهو بالخيار في البيعين ما لم يكن وقع بيع على أحدهما. فإن وقع البيع هكذا فهذا مكروه وهو بيعتان في بيعة وهو مردود وهو الذي ينهى عنه فإن وجدت متاعك بعينه أخذته، وإن كان قد استهلك فلك أوكس الثمنين، وأبعد الأجلين.
وفي كتاب البيوع والأقضية من مصنف ابن أبي شيبة (٦/١١٩) جعل بابًا عنوانه: الرجل يشتري من الرجل المبيع فيقول: إن كان نسيئة فبكذا، وإن كان نقدًا فبكذا.
ومما رواه في هذا الباب:
عن ابن عباس ﵄ قال: لا بأس أن يقول للسلعة: هي بنقد بكذا وبنسيئة بكذا، ولكن لا يفترقا إلا عن رضا، وعن شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا عن الرجل يشتري من الرجل الشيء فيقول: إن كان بنقد فبكذا، وإن كان إلى أجل فبكذا، قال: " لا بأس إذا انصرف على أحدهما. قال شعبة: فذكرت ذلك للمغيرة، فقال: كان إبراهيم لا يرى بذلك بأسًا إذا تفرق على أحدهما.
تحديد الثمن وفوائد التقسيط:
من العقود التي اطلعت عليها وجدت البائع يذكر ثمن السلعة، ثم يذكر فوائد مدة التقسيط، فيقول مثلًا: ثمن السيارة خمسون ألفًا، يدفع عند التعاقد خمسة آلاف ويقسط الباقي على عشرة أشهر، وبعد هذا نجد عبارة: فوائد التأخير خمسة آلاف.
فيكون قيمة القسط الشهري خمسة آلاف.
وهذا يعني ربط الزيادة بالدين ومدته، ولذلك إذا رأى المشتري أن يعجل بأداء الدين تخصم منه الفوائد، ويدفع الباقي كأنه اشترى نقدًا من بدء التعاقد، وإذا أراد أن يدفع بعض الأقساط فقط قبل موعدها، تخصم فوائد هذه الأقساط، وإذا تأخر في دفع الأقساط – كلها أو بعضها – عن موعدها، تحسب فوائد تأخير إضافية تعادل سعر الفائدة السائد، وهكذا. وأعتقد أن التحريم هنا واضح جلي.
خصم البائع كمبيالات الأقساط المؤجلة لدى بنك ربوي:
يقصد بالخصم (١) (أو القطع) دفع البنك لقيمة الكمبيالة قبل ميعاد استحقاقها، بعد خصم مبلغ معين يمثل فائدة القيمة المذكورة عن المدة بين تاريخ الخصم وميعاد الاستحقاق، مضافًا إليها عمولة البنك ومصاريف التحصيل.
والخصم عقد قرض ربوي كما بينت بالتفصيل في البحث الذي قدمته للمؤتمر الثاني للمجمع، وفي أكثر من كتاب من كتبي.
وعند الشراء بالتقسيط قد يأخذ البائع من المشتري كمبيالات بقيمة الأقساط، وهي قابلة للتظهير، أي نقل الملكية، ثم يقوم بعملية (الخصم أو القطع) لدى بنك ربوي، فتصبح العلاقة بين المشتري وبين البنك، وهي علاقة مدين بدائن، ويخضع المدين هنا لسعر الفائدة الربوية التي يحددها البنك في ظل القانون الوضعي.
стр. 8026
العينة والتورق:
تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية عن الحيل الربوية، ومما قاله:
ومن ذرائع ذلك: " مسألة العينة " وهو أن يبيعه سلعة إلى أجل، ثم يبتاعها منه بأقل من ذلك. فهذا مع التواطؤ يبطل البيعين: لأنها حيلة. وقد روى أحمد وأبو داود بإسنادين جيدين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ ((إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله: أرسل الله عليكم ذلًّا لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم)) . وإن لم يتواطآ فإنهما يبطلان البيع الثاني سدًّا للذريعة. ولو كانت عكس مسألة العينة من غير تواطؤ: ففيه روايتان عن أحمد، وهو أن يبيعه حالًّا، ثم يبتاع منه بأكثر مؤجلًا. وأما مع التواطؤ فربا محتال عليه.
ولو كان مقصود المشتري الدرهم وابتاع السلعة إلى أجل لبيعها ويأخذ ثمنها. فهذا يسمى: (التورق) . ففي كراهته عن أحمد روايتان. والكراهة قول عمر بن عبد العزيز ومالك، فيما أظن: بخلاف المشتري الذي غرضه التجارة، أو غرضه الانتفاع أو القنية، فهذا يجوز شراؤه إلى أجل بالاتفاق.
ففي الجملة: أهل المدينة وفقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعًا محكمًا، مراعون لمقصود الشريعة وأصولها، وقولهم في ذلك هو الذي يؤثر مثله عن الصحابة، وتدل عليه معاني الكتاب والسنة. اهـ. (الفتاوى ٢٩/٣٠ –٣١) .
وقد فصل تلميذه العلامة ابن القيم القول في العينة والتورق وأثبت هنا من قاله بتمامه: قال عن العينة:
روى محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين في كتاب البيوع له عن أنس أنه سئل عن العينة، فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله.
وروى أيضًا في كتابه عن ابن عباس قال: اتقوا هذه العينة، لا تبع دراهم بدراهم وبينهما حريرة.
стр. 8027
وفي رواية أن رجلًا باع من رجل حريرة بمائة، ثم اشتراها بخمسين، فسئل ابن عباس عن ذلك، فقال دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة، وسئل ابن عباس عن العينة – يعني بيع الحريرة – فقال: " إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله، وروى ابن بطة بإسناده إلى الأوزاعي قال: قال رسول الله ﷺ ((يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع)) ، يعنى العينة، وهذا المرسل صالح للاعتضاد به والاستشهاد، وإن لم يكن عليه وحده الاعتماد.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته: أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم، وامرأة أخرى، فقالت لها أم ولد زيد: إني بعت من زيد غلاما بثمانمائة نسيئة واشتريته بستمائة نقدا فقالت: أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ ، إلا أن يتوب، بئسما شريت، وبئسما اشتريت. رواه الإمام أحمد وعمل به، وهذا حديث في شعبة، وإذا كان شعبة في حديث فاشدد يديك به، فمن جعل شعبة بينه وبين الله، فقد استوثق لدينه.
وأيضًا فهذه امرأة أبي إسحاق السبيعي – وهو أحد أئمة الإسلام الكبار – وهو أعلم بامرأته وبعدالتها، فلم يكن ليروي عنها سنة يحرم بها على الأمة وهي عنده غير ثقة ولا يتكلم فيها بكلمة، بل يحابيها في دين الله، هذا لا يظن بمن هو دون أبي إسحاق.
وأيضًا فإن هذه امرأة من التابعين قد دخلت على عائشة وسمعت منها وروت عنها، ولا يعرف أحد قدح فيها بكلمة، وأيضًا فإن الكذب والفسق لم يكن ظاهرًا في التابعين بحيث ترد به روايتهم.
وأيضًا فإن هذه المرأة معروفة، وسمها العالية، وهي جدة إسرائيل، كما رواه حرب من حديث إسرائيل: حدثني أبو إسحاق عن جدته (العالية) يعني جدة إسرائيل، فإنه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، والعالية امرأة أبي إسحاق، وجدة يونس وقد حملا عنها هذه السنة – وإسرائيل أعلم بجدته وأبو إسحاق أعلم بامرأته.
وأيضًا لم يعرف أحد قط من التابعين أنكر على العالية هذا الحديث ولا قدح فيها من أجله، ويستحيل في العادة أن تروي حديثًا باطلًا ويشتهر في الأمة ولا ينكره عليها منكر.
وأيضًا فلو لم يأت في هذه المسألة أثر لكان محض القياس ومصالح العباد وحكمة الشريعة تحريمها أعظم من تحريم الربا، فإنها ربا مستحل بأدنى الحيل.
وأيضًا فإن في الحديث قصة، وعند الحفاظ إذا كان فيه قصة دلهم على أنه محفوظ، قال أبو إسحاق: حدثتني امرأتي العالية، قالت: دخلت على عائشة في نسوة فقالت ما حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم محبة فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء، وإنه أراد بيعها، فابتعتها منه بستمائة درهم نقدًا، فأقبلت عليها، وهي غضبى، فقالت بئسما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب، وأفحمت صاحبتنا، فلم تتكلم طويلًا، ثم إنها سهل عليها فقالت: يا أم المؤمنين، أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلت عليه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] .
وأيضًا فهذا الحديث إذا انضم إلى تلك الأحاديث والآثار أفادت بمجموعها الظن الغالب إن لم تفد اليقين.
وأيضًا فإن آثار الصحابة كما تقدم موافقة لهذا الحديث، مشتقة منه، مفسرة له.
стр. 8028
وأيضًا فكيف يليق بالشريعة الكاملة التي لعنت آكل الربا وموكله، وبالغت في تحريمه، وآذنت صاحبه بحرب من الله ورسوله، أن تبيحه بأدنى الحيل مع استواء المفسدة؟ ولولا أن عند أم المؤمنين ﵂ علمًا من رسول الله ﷺ لا تستريب فيه ولا تشك بتحريم مسألة العينة لمات أقدمت على الحكم بإبطال جهاد رجل من الصحابة باجتهادها، لا سيما إن كانت قصدت أن العمل يبطل بالردة، واستحلال الربا ردة، ولكن عذر زيد أنه لم يعلم أن هذا محرم، كما عذر ابن عباس بإباحته بيع الدرهم بالدرهمين، وإن لم يكن قصدها هذا، بل قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد ويصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئًا، ولو كان هذا اجتهادًا منها لم تمنع زيدًا منه، ولم تحكم ببطلان جهاده، ولم تدعه إلى التوبة، فإن الاجتهاد لا يحرم الاجتهاد، ولا يحكم ببطلان عمل المسلم المجتهد بمخالفته لاجتهاد نظيره، والصحابة – ولا سيما أم المؤمنين – أعلم بالله ورسوله وأفقه في دينه من ذلك.
وأيضًا فإن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس أفتوا بتحريم مسألة العينة، وغلظوا فيها هذا التغليظ في أوقات ووقائع مختلفة، فلم يجئ عن واحد من الصحابة ولا التابعين الرخصة في ذلك، فيكون إجماعًا.
فإن قيل: فزيد بن أرقم قد خالف عائشة ومن ذكرتم، فغاية الأمر أنها مسألة ذات قولين للصحابة، وهي مما يسوغ فيها الاجتهاد.
قيل: لم يقل زيد قط إن هذا حلال، ولا أفتى بها يومًا ما، ومذهب الرجل لا يؤخذ من فعله، إذ لعله فعله ناسيًا أو ذاهلًا أو غير متأمل ولا ناظر أو متأولًا أو ذنبًا يستغفر الله منه ويتوب أو يصر عليه وله حسنات تقاومه، فلا يؤثر شيئًا، قال بعض السلف: العلم علم الرواية، يعني أن يقول: رأيت فلانًا يفعل كذا وكذا، إذ لعله قد فعله ساهيًا، وقال أياس بن معاوية: لا تنظر إلى عمل الفقيه، ولكن سله يصدقك، ولم يذكر عن زيد أنه أقام على هذه المسألة بعد إنكار عائشة، وكثيرًا ما يفعل الرجل الكبير الشيء مع مع ذهوله عما في ضمنه من مفسدة فإذا نبه انتبه، وإذا كان الفعل محتملًا لهذه الوجوه وغيرها لم يجز أن يقدم على الحكم، ولم يجز أن يقال: مذهب زيد بن أرقم جواز العينة، لا سيما وأم ولده قد دخلت على عائشة تستفتيها فأفتتها بأخذ رأس مالها، وهذا كله يدل على أنها لم يكونا جازمين بصحة العقد وجوازه، وأنه مما أباحه الله ورسوله.
وأيضًا فبيع العينة إنما يقع غالبًا من مضطر إليها، وإلا فالمستغني عنها لا يشغل ذمته بألف وخمسمائة في مقابلة ألف بلا ضرورة وحاجة تدعوا إلى ذلك وقد روى أبو داود من حديث علي: ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمرة قبل أن تدرك)) .
стр. 8029
وفي مسند الإمام أحمد عنه قال: ((سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه، ولم يؤثر بذلك)) قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٧] وينهر الأشرار، ويستذل الأخيار، ويبايع المضطرون، وقد ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، وبيع الثمر قبل أن يطعم)) . .
وله شاهد من حديث حذيفة عن النبي ﷺ ، رواه سعيد، عن هشيم، عن كوثر بن حكيم، عن مكحول: بلغني عن حذيفة أنه حدث عن رسول الله ﷺ : إن بعد زمانكم هذا زمانًا عضوضًا، يعض الموسر على ما في يديه، ولم يؤثر بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سورة سبأ: الآية ٣٩] وينهر شرار خلق الله، يبايعون كل مضطر، ألا إن بيع المضطر حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخونه، إن كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده هلاكًا إلى هلاكه، وهذا من دلائل النبوة، فإن عامة العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة يضن بها عليه الموسر بالقرض حتى يربح عليه في المائة ما أحب. اهـ. هذا حديث ابن القيم عن العينة. وانتقل بعد هذا للحديث عن التورق فقال:
وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره فهو التورق، وإن رجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل الربا، والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون، وأخفها: التورق وقد كرهه عمر بن عبد العزيز، وقال: هو أخيه الربا.
وعن أحمد فيه روايتان، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر، وهذا من فقهه ﵁، قال: فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر، وكان شيخنا ﵀ يمنع من مسألة التورق، وروجع فيها مرارًا وأنا حاضر، فلم يرخص فيها وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه. اهـ.
انتهى كلام ابن القيم ﵀. (أعلام الموقعين: ٣/٢١٥ – ٢٢٠) ، وحديث ((إذا تبايعتم بالعينة ...)) بين الشيخ أحمد شاكر صحة إسناده (١) .
وذكره البيهقي وقال: روي من وجهين ضعيفين عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر، فتعقبه ابن التركماني بقوله: ذكره ابن القطان، من وجه صحيح عن عطاء، عن ابن عمر فقال:. . . (وذكر الحديث) . ثم قال بعد ذكر الحديث " " ثم صححه – أعني ابن القطان – وقال: هذا الإسناد كل رجاله ثقات " (٢)
стр. 8030
وقال العلامة المناوي بعد شرح الحديث الشريف:
وهذا دليل قوي لمن حرم العينة، ولذلك اختاره بعض الشافعية، وقال: أوصانا الشافعي باتباع الحديث إذا صح بخلاف مذهبه (١) . وأحب أن أشير هنا إلى مذهب الشافعية في تصحيح العقود:
فهم يقولون مثلًا: التدليس حرام، وإذا وقع البيع فالعقد صحيح، ويرون صحة بيع التلجئة، والسلاح في الفتنة، والعنب لمن يتخذه خمرًا، وزواج التحليل، وهكذا.
فهم لا يدخلون النيات في العقود، فما دام العقد قد استوفى الشكل الظاهري فهو صحيح، وإن قصد منه الحرام، أي أن آثار العقد تترتب عليه وإن كان حرامًا، وليس معنى هذا أنهم يحلون الحرام – وحاشاهم – ولكنهم يجعلون ما يتعلق بالنية عند الله ، ويحكمون على العقود بظاهرها.
ولعل هذا يوضح موقفهم من العينة، ومخالفتهم للجمهور.
стр. 8031
الفصل الثاني
التأخر في دفع الأقساط
زيادة الدين:
من المعلوم أن من ربا الجاهلية ربا الديون الناشئة عن بيع آجل، فكان إذا حل الموعد، وعجز المشتري المدين عن أداء الدين، تطبق القاعدة الجاهلية المعروفة: " إما أن تقضي وإما أن تربي ". وهذه القاعدة الجاهلية نراها في عصرنا، حيث يطبقها البائعون الذين لا يلتزمون بأحكام الشريعة الإسلامية، وعادة يطبق سعر الفائدة الذي تأخذه البنوك الربوية.
وأمر هؤلاء معلوم، والتحريم واضح جلي، ولكن الذين يريدون تحكيم شرع الله ماذا يفعلون؟
فمن المشكلات الكبرى التي تؤثر في مسيرة المصارف الإسلامية عدم التزام كثير من المدينين بدفع أقساط الديون في مواعيدها المتفق عليها، وقليل من هؤلاء ذو عسرة، وأكثرهم يماطلون مع القدرة على الأداء نظرًا لأن المصارف الإسلامية لا تأخذ فوائد التأخير التي يلتزم بها هؤلاء مع البنوك الربوية.
وكثير من المصارف لم تجد علاجًا لهذه المشكلة، ووجدت حلا جزئيًّا في اللجوء إلى المزيد من الضمانات، غير أن بعض المصارف لجأت إلى حلول أخرى نرجو أن يقول المجمع فيها رأيه، ونذكر منها ما يأتي:
(أ) عند عجز المدين (المشتري) عن الدفع، وعلم المصرف بهذا، رأى – تقديرًا لظروفه ورأفة به – أن يدخل مع هذا المدين في شركة بقيمة الدين! وربما كان هذا التصرف يتعارض مع قول الحق ﵎ ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ .
(ب) ومن المصارف من لجأ إلى إعادة الاتفاق على نسبة الربح، بحيث تزيد هذه النسبة لصالح المصرف تبعًا للزمن الذي يتأجل إليه الدفع.
ولعل هذا مثل إعادة جدولة الديون الربوية، وربما كان فيه شبه من المبدأ الجاهلي: " إما تقضي وإما أن تربي ".
(ج) وبعض المصارف الإسلامية – وهي ليست قليلة – استحدثت إلزام المدين المماطل دفع تعويض عن الضرر الذي ألحقه بالمصرف نتيجة مماطلته، وحجز المال عن الاستثمار وتحقيق الربح.
ولعل هذا الموضوع يحتاج إلى وقفة، نبين فيها وجهة نظر القائلين بهذا الرأي، المدافعين عنه وأثر هذا في التطبيق العملي.
стр. 8032
هل للمصرف مطالبة المدين المماطل بالتعويض؟
رأى المجيزون أن الغني المماطل أوقع الضرر بالمصرف، فلولا مماطلته لضم هذا المال لباقي الأموال المستثمرة، ويمكن أن يقدر الضرر بمقدار الربح الذي حققه المصرف فعلًا في مدة المماطلة، ولذلك أجازوا للمصرف أخذ تعويض بمقدار نسبة الربح التي كان يمكن أن يحققها دين المماطل لو استثمره المصرف، فمتى تبين المصرف الإسلامي أن المدين المماطل مليء غني أضاف إلى دينه نسبة تعادل النسبة التي حققها خلال مدة بقاء الدين في ذمته.
وقد ناقشت بعض هؤلاء المجيزين، ووجدتهم يستدلون بثلاثة أحاديث شريفة، وبالمصلحة المرسلة التي يرون أنها تتفق مع مقاصد التشريع الإسلامي.
والأحاديث الثلاثة هي:
((-مطل الغني ظلم))
((-لي الواجد يحل عرضه وعقوبته))
٣- ((لا ضرر ولا ضرار))
والحديث الأول متفق عليه.
قال ابن حجر في الفتح (٤/٤٦٦ – الباب الأول من كتاب الحوالة) : في الحديث الزجر عن المطل، واختلف هل يعد فعله عمدًا كبيرة أم لا؟ فالجمهور على أن فاعله يفسق، لكن هل يثبت فسقه بمطله مرة واحدة أم لا؟ قال النووي: مقتضى مذهبنا اشتراط التكرار، ورده السبكي في شرح المنهاج بأن مقتضى مذهبنا عدمه، واستدل بأن منع الحق بعد طلبه، وابتغاء العذر عن أدائه، كالغصب، والغصب كبيرة، وتسميته ظلمًا يشعر بكونه كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التكرر، نعم لا يحكم عليه بذلك إلا بعد أن يظهر عدم عذره.
والحديث الثاني: ((لي الواجد. . .)) ذكره السيوطي وأشار إلى روايته، وهم: أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم. ورمز للحديث بالصحة.
وقال المناوي في فيض القدير (٥/٤٠٠) :
" عرضه بأن يقول له المدين: أنت ظالم، أنت مماطل، ونحوه مما ليس بقذف ولا فحش.
وعقوبته: بأن يعزره القاضي على الأداء بنحو ضرب أو حبس حتى يؤدي ".
ثم قال: " قال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي، ولم يضعفه أبو داود ".
والحديث ذكره البخاري تعليقًا. قال في " باب لصاحب الحق مقال " من كتاب الاستقراض في صحيحه.
стр. 8033
ويذكر عن النبي ﷺ : ((لي الواجد يحل عقوبته وعرضه)) . قال سفيان: عرضه: يقول مطلتني وعقوبته: الحبس.
وفي تعليق التعليق لابن حجر (٣/٣١٨ – ٣٢٠) ذكر طرقه المختلفة الموصولة، وقال كما قال في الفتح: إسناده حسن.
والحديث الثالث: ((لا ضرر ولا ضرار)) :
ذكر السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٤٦٨) أن الحديث أخرجه مالك والشافعي مرسلًا، وأحمد وعبد الرزاق وابن ماجه والطبراني، وفيه جابر الجعفي، وابن أبي شيبة من وجه آخر أقوى عنه، والدارقطني من وجه ثالث.
وقال المناوي في فيض القدير (٦/٤٣٢) : الحديث حسنه النووي وقال: له طرق يقوي بعضها بعضًا، وقال العلائي: للحديث شواهد ينتهي مجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به.
والحديثان الأول والثاني ظاهران في ظلم الغني المماطل، واستحقاقه للعقاب، وهما مما يحتج به، والعقوبة هنا تعزيرية، وذهب الجمهور إلى أن العقوبة هنا هي الحبس، وإن جاز في التعزير غيره كالضرب والتوبيخ، وما دام الهدف من العقوبة التعزيرية الردع والزجر وأداء الحقوق، وليس في العقوبة هنا حد مقرر، فالأمر إذن فيه متسع أمام القاضي أو ولي الأمر، فقد يرى في التوبيخ الكفاية، وقد يرى ضرورة الضرب مع الحبس، والأمر لا يستدعي كبير خلاف ما دام الحكم يصدر من عادل غير محكم للهوى والتشهي.
والحديث الثالث ينهى عن الضرر، ومن القواعد الشرعية المعروفة أن الضرر يزال، والمصرف لحقه ضرر فيجب أن يزال.
ومن المعروف أن الدائن ليس له إلا دينه، سواء أخذه وقت استحقاقه، أم بعد مدة المطل، وما أجاز أحد من الفقهاء أن يدفع المدين قدرًا زائدًا عن الدين كعقوبة تعزيرية، ولو قيل يدفع مقابل الزمن فهذا هو عين الربا.
قال المجيزون: إن المصلحة تقتضي منع المماطل من استغلال أموال المسلمين ظلمًا وعدوانًا، وإذا كانت الفائدة الربوية تمنع المطل مع البنوك الربوية، فإن الإسلام لا يعجز عن أن يوجد حلًا لمشكلة المطل التي تعاني منها المصارف الإسلامية، وإذا كان الفقهاء السابقون رأوا أن تكون العقوبة الحبس، وهذا غير مطبق الآن، فعلى فقهاء العصر أن يجتهدوا لإيجاد الحل.
стр. 8034
ثم أضافوا: والقدر الذي نرى أن يتحمله المماطل هو ما يقابل الربح الفعلي للمصرف، فهذا ليس من باب الربا، ولكنه من باب منع الضرر الذي يلحق بالمصرف.
وربما كان من الصعب التفرقة بين ما ذهب إليه هؤلاء وبين الربا.
ويبقى هنا كذلك أن نسأل:
ما الهدف من العقوبة التعزيرية؟
ومن الذي يحدد هذه العقوبة؟
ومن الذي يأمر بإيقاعها؟ أو يقوم بتنفيذها؟
أفيمكن أن يكون شيء من هذا للمصرف؟
لو جاز أن يكون للمصرف استحداث عقوبة تعزيرية يوقعها بالعميل وهي تشتبه بالربا، إن لم تكن هي الربا بعينه، فمن باب أولى أن يكون له الحق في العقوبة التعزيرية المقررة كالحبس أو الضرب.
ونأتي إلى الجانب التطبيقي لنرى هل تحقق الهدف من هذه العقوبة؟
بعض المصارف رأت أن المتعاملين معها الذين لا يؤدون الأقساط في مواعيدها بلغوا من الكثرة حدًّا يصعب معه النظر في كل حالة، والتفرقة بين مطل الغني وعجز الفقير، كما توجد عوامل أخرى تزيد الأمر صعوبة، ولذلك عند تأخر أي مدين عن الأداء يضاف على دينه ما يقابل الربح الذي يعلنه المصرف في حينه، ولا يستطيع أي أحد أن يفرق بين هذا وبين الربا المحرم، وقد يقال إن هذا خطأ في التطبيق لا في الفتوى، ولكن على المفتي أن ينظر إلى ما يمكن تطبيقه.
وبعض المصارف الأخرى تمسكت بنص الفتوى، فكانت ترسل للعميل أولًا حتى تتأكد من المطل قبل إنزال العقوبة، ويلاحظ هنا أن الأرباح التي تحققها المصارف الإسلامية أقل من الفوائد الربوية في أوقات كثيرة، فالذين يستحلون هذه الفوائد استمروا في مطلهم غير عابئين بما يضيفه المصرف الإسلامي وبذلك تحولت العقوبة التعزيرية إلى زيادة ترتبط بربح المصرف والزمن، ورضي بهذا الطرفان!
فهل تحقق الهدف من العقوبة التعزيرية؟
أم تحولت العقوبة إلى نوع جديد من الربا؟
ويبقى هنا أيضًا أن نسأل:
إذا لم يكن هذا التصرف مشروعًا – وأظنه غير مشروع – فهل نجد عند مجمعكم الموقر حلًّا لمشكلة الأموال الضخمة التي يستحلها الأغنياء القادرون المماطلون؟
نرجو أن يتسع وقت المجمع لبحث هذا الموضوع.
стр. 8035
حلول الأقساط قبل موعدها:
المصارف الإسلامية التي لا تأخذ بالنظام السابق، حيث لم تجزه هيئات الرقابة الشرعية لديها، رأت أن اتخاذ الإجراءات ضد المدين المماطل يكلفها الكثير، فنصت في عقود البيع على أن المشتري إذا تأخر في دفع قسطين متتاليين فإن باقي الأقساط تحل فورًا، ويحق للمصرف المطالبة بجميع الأقساط، واتخاذ ما يراه لازمًا للوصل إلى حقه.
اللجوء إلى التحكيم
ورأت هذه المصارف كذلك أن تلجأ إلى التحكيم لرفع الضرر: فيختار المصرف حكمًا، ويختار المشتري حكمًا، ويختار الحكمان حكمًا ثالثًا، وينظر المحكمون في الموضوع من جميع جوانبه، ويكون حكمهم ملزمًا للطرفين غير قابل للنقض، سواء صدر بالإجماع أم بالأغلبية.
* * * *
стр. 8036
الفصل الثالث
ضع وتعجل
يلجأ بعض التجار إلى ما يعرف في الفقه الإسلامي باسم " ضع وتعجل " والمراد من " ضع وتعجل " التنازل عن جزء من الدين المؤجل، ودفع الجزء الباقي في الحال.
وروي أن ابن عباس سئل عن الرجل يكون له الحق على الرجل إلى أجل، فيقول: عجل لي وأضع عنك، فقال: لا بأس بذلك.
وروي أيضا أن ابن عباس قال: إنما الربا أًخِّر لي وأنا أزيدك، وليس عَجِّل لي واضع عنك (انظر مصنف عبد الرزاق ٨/٧٢) .
ويذكر أن الذين أجازوه كذلك هم:
النخعي: وهو من التابعين , توفي سنة ٩٦هـ
وزفر: من أصحاب أبي حنيفة، توفي سنة ١٥٨ هـ.
وأبو ثور: من أصحاب الشافعي، وتفي سنة ٢٤٠ هـ.
(انظر المغني ٤/١٧٤، وبداية المجتهد ٢/١٤٣، والأول ذكر النخعي وأبا ثور والآخر ذكر زفر، وراجع ترجمة الثلاثة في كتب الرجال) .
أما الذين لم يجيزوا " ضع وتعجل " فهم عامّة الصحابة والتابعين ﵃، والأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء.
ومما رواه الحافظ عبد الرزاق (المتوفى سنة ٢١١ هـ) في مصنفه تحت " باب الرجل يضع من حقه ويتعجل " ما يأتي:
أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب وابن عمر قالا: من كان له حق على رجل إلى أجل معلوم فتعجل بعضه وترك له بعضه فهو ربا قال معمر: ولا أعلم أحدًا قبلنا إلا وهو يكرهه.
أخبرنا عبد الرزاق عن الثوري عن ابن ذكوان عن بسر بن سعيد عن أبي صالح مولى السفاح قال: بعت بزا إلى أجل، فعرض علي أصحابي أن يعجلوا لي، وأضع عنهم، فسألت زيد بن ثابت عن ذلك فقال: لا تأكله ولا تؤكله.
أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: أخبرني أبو المنهال عبد الرحمن بن مطعم قال: سألت ابن عمر عن رجل لي عليه حق إلى أجل، فقلت: عجل لي وأضع لك فنهاني عنه.
وقال: نهانا أمير المؤمنين أن نبيع العين بالدين.
стр. 8037
أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن قيس مولى ابن يامين، قال: سألت ابن عمر، فقلت: إنا نخرج بالتجارة إلى أرض البصرة وإلى الشام، فنبيع بنسيئة ثم نريد الخروج، فيقولون: ضعوا لنا وننقدكم، فقال: إن هذا يأمرني أن أفتيه أن يأكل الربا ويطعمه، وأخذ بعضد لي ثلاث مرات، فقلت: إنما استفتيك، قال: فلا.
أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت للشعبي: إن إبراهيم قال في الرجل يكون له الدين على الرجل فيضع له بعضًا ويعجل له بعضًا: أنه ليس به بأس وكرهه الحكم بن عتيبة، فقال الشعبي: أصاب الحكم وأخطأ إبراهيم (راجع المصنف ٨ /٧١- ٧٥) .
والإمام مالك – ﵁ – تحدث عن هذا الموضوع في الموطأ فجعله تحت " باب ماجاء في الربا في الدين " ونقرأ في هذا الباب ما يأتي
حدثني يحيى عن مالك عن أبي الزناد، عن بسر بن سعيد، عن عبيد أبي صالح مولى السفاح، أنه قال: بعت بزا لي من أهل دار نخلة، إلى أجل، ثم أردت الخروج إلى الكوفة، فعرضوا علي أن أضع عنهم بعض الثمن وينقدوني، فسألت عن ذلك زيد بن ثابت فقال: لا آمرك أن تأكل هذا ولا توكله.
وحدثني عن مالك، عن عثمان بن حفص بن خلدة، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، أنه سئل عن الرجل يكون له الدين على الرجل إلى أجل فيضع عنه صاحب الحق ويعجله الآخر، فكره ذلك عبد الله بن عمر، ونهى عنه.
وحدثني مالك، عن زيد بن أسلم، أنه قال: كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل، فإذا حل الأجل، قال: أتقضي أم تربي؟ فإن قضى أخذ، وإلا زاده في حقه، وأخر عنه في الأجل.
قال مالك: والأمر المكروه الذي لا اختلاف فيه عندنا، أن يكون للرجل على الرجل الدين إلى أجل، فيضع عنه الطالب ويعجله المطلوب، وذلك عندنا بمنزلة الذي يؤخر دينه بعد محله عن غريمه ويزيده الغريم في حقه، قال: فهذا الربا بعينه، لا شك فيه.
(راجع الباب في كتاب البيوع من الموطأ)
وابن رشد الحفيد يبين سبب الخلاف فيقول في بداية المجتهد (٢/١٤٤) :
وعمدة من لم يجز " ضع وتعجل " أنه شبيه بالزيادة مع النظرة المجمع على تحريمها ووجه شبهه بها أنه جعل للزمان مقدارًا من الثمن بدلًا منه في الموضعين جميعًا وذلك أنه هناك لما زاد له في الزمان زاد له عوضه ثمنًا، وهنا لما حط عنه الزمان حط عنه في مقابلته ثمنا وعمدة من أجازه ما روي عن ابن عباس " أن النبي ﷺ لما أمر بإخراج بني النضير، جاءه ناس منهم، فقالوا: يا نبي الله: إنك أمرت بإخراجنا، ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال رسول الله ﷺ : ((ضعوا وتعجلوا)) فسبب الخلاف معارضة قياس الشبه لهذا الحديث. ١ هـ.
стр. 8038
ولعل الصواب مع الذين لم يجيزوا " ضع وتعجل " للأسباب الآتية:
١- الحديث الذي استدل به – مع اشتهاره – غير ثابت قال الحافظ ابن كثير: روى البيهقي وغيره أنه كانت لهم – أي لنبي النضير – ديون مؤجلة، فقال رسول الله ﷺ : ((ضعوا وتعجلوا)) وفي صحته نظر، والله أعلم ٠ البداية والنهاية ٤/٧٥) .
وفي سنن البيهقي (٦/٢٧) نجد " باب من عجل له أدنى من حقه قَبْل محله فقَبِلَه ووضع عنه طيبة به أنفسهما ".
وتحت الباب يذكر بسنده أن الرسول ﷺ قال: ((من أحب أن يظله الله في ظله فلينظر معسرًا، أو ليضع عنه)) وحديثًا آخر: ((من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينظر معسرًا أو ليضع عنه)) .
ثم يذكر أن ابن عباس كان لا يرى بأسًا أن يقول: أعجل لك وتضع عني قال: وقد روي فيه حديث مسند في إسناده ضعف، وذكر هذا الحديث الضعيف.
وبعد هذا الباب السابق يأتي " باب لا خير في أن يعجله بشرط أن يضع عنه " (٦/٢٨) .
وتحت الباب ذكر عدة أخبار تتفق مع روايات عبد الرزاق التي أثبتناها من قبل.
٢- لو صح الحديث يمكن أن يدل على حكم خاص لا يقبل التعميم، فالأمر هنا لليهود، وهم الذين قال الله تعالى فيهم:
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [سورة النساء: الآيتان ١٦٠-١٦١] .
فيما يضعونه قد يكون من الربا، ومن أموال الناس التي أكلوها بالباطل، وهذا لا ينطبق على المسلمين.
٣- ابن عباس – ﵄ – حبر الأمة وترجمان القرآن، ولكنه عندما يجتهد وينفرد بالرأي دون الصحابة الكرام، فقد لا نجد حرجًا في عدم الأخذ بهذا الرأي، ولذلك خالفه التابعون، والأئمة الأعلام.
٤- قد لا نجد فرقًا بين أن يأخذ الدائن مائة لتأجيل ألف، وأن يعطي مائة لتعجيل ألف. والحالة الثانية في حقيقتها هي " ضع وتعجل " ولذلك كان قول الإمام مالك: " هذا الربا بعينه، لا شك فيه ".
стр. 8039
الفصل الرابع
الإحتفاظ بملكية المبيع أو رهنه
يلجأ بعض التجار ضمانًا لحقهم إلى الاحتفاظ بملكية المبيع إلى أن يتم دفع جميع الأقساط. وإذا كان من حق البائع أن يستوثق لحقه فيمكنه أن يلجأ لعقود الاستيثاق كالرهن والضمان، ولكن ليس من حقه أن يمنع أهم الآثار المترتبة على العقد.
وقد لا يلجأً البائع إلى الطريقة المباشرة للاحتفاظ بالمبيع، وإنما يلجأ إلى عقد آخر، وهو ما يسمى بالبيع التأجيري، أو الإجارة المنتهية بالتمليك.
وكل العقود التي رأيتها لا تخرج عن كونها حيلة للاحتفاظ بملكية المبيع.
فيما يسمى بالإيجار يتناسب مع ثمن المبيع لا أجرة العين المؤجرة.
والتزامات ما سمي بالمستأجر هي التزامات المشتري. . وهكذا.
أما اللجوء إلى الرهن، فهو يتنافى مع مقتضى العقد، غير أنه قد يكون ضروريًا، إذا لم يقدم المشتري للبائع ضمانات كافية.
ومما يقلل من أضرار الرهن في عصرنا عدم ضرورة حبس العين تحت يد المرتهن في كثير من الحالات، حيث تسلم العين للمشتري، ويكتفى بتسجيل أنها مرهونة مقابل مبلغ كذا للبائع وهذا التسجيل يمنع المشتري من التصرف في المبيع بأي عقد من العقود الناقلة للملكية، أو تعلق حق لأي أحد يتعارض مع حق البائع، حتى يفك الرهن.
стр. 8040
الفصل الخامس
أثر الموت في حلول الأجل
إذ مات البائع قبل استيفاء الثمن انتقلت الملكية للورثة، فإذا كان الثمن أقساطًا مؤجلة فليس للورثة المطالبة بها قبل موعدها.
ولكن إذا مات المشتري قبل أداء الأقساط، كلها أو بعضها، أفللبائع أن يطالب بحقه قبل توزيع التركة، أم توزع التركة على الورثة، ويكون الدين في ذمتهم، يؤدونه في موعده؟
إذا لم يوثق الورثة الدين برهن أو غيره فللبائع أن يطالب بدينه قبل توزيع التركة.
أما إذا وثقوه بما يضمن حق البائع، وأداء الأقساط في مواعيدها، فليس له أن يسقط حقهم في الأجل، وعلى الأخص أن الأجل له نصيب من الثمن كما رأينا، وهو المتبع عادة.
ولعل هذا أولى من الرأي الآخر الذي ذهب إليه بعض الفقهاء من حلول أجل الدين بموت المدين، وأخذ الدائن حقه قبل توزيع التركة.
والله تعالى أعلم بالصواب، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
" سبحان ربك رب العزة يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ".
стр. 8041
الخلاصة
يعتبر إقرار المجمع لبيع المرابحة للآمر، بالشراء بضوابطه الشرعية إقرارًا لبيع التقسيط، ولهذا كان البحث نظرات في التطبيق العملي.
والموضوعات التي تناولها البحث، رجاء أن يتخذ المجمع الموقر فيها قراره هي ما يأتي:
١- ذكر ثمن البيع نقدًا، وثمنه نسيئة.
٢- تحديد الثمن وفوائد التقسيط.
٣- خصم البائع كمبيالات الأقساط المؤجلة لدى بنك ربوي.
٤- العينة.
٥- التورق.
٦- زيادة الدين عند التأخر في دفع الأقساط.
٧- مطالبة البائع المدين المماطل بالتعويض.
٨-حلول الأقساط قبل موعدها عند تأخر بعضها.
٩- اللجوء إلى التحكيم لإزالة ضرر مطل المليء.
١٠- ضع وتعجل.
١١- الاحتفاظ بملكية البيع.
١٢- رهن البيع.
١٣- أثر الموت في حلول الأجل.
الدكتور علي السالوس
стр. 8042
تقسيط الدين في الفقه الإسلامي
إعداد
فضيلة الدكتور محمد رضا عبد الجبار العاني
الأستاذ المساعد بكلية الشريعة بجامعة بغداد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لثبوت الدين في الذمة أسباب متعددة، وأكثرها اشتهارًا البيع والقرض، ومن ثبت في ذمته دين لزمه أداؤه لمستحقه (الدائن) .
وقد يكون أداء الدين حالًا وقد يكون مؤجلًا، والمؤجل قد يؤدى قسطًا واحدًا وقد يؤدى أقساطًا.
والذي نريد البحث فيه هنا هو أداء الدين تقسيطًا، وهذا يستدعي منا دراسة الأمور التالية:
١- تعريف التقسيط.
٢- مشروعية التأجيل والتقسيط.
٣- أحكام التقسيط.
٤- مقابلة تأجيل الدين بزيادة فيه.
٥- تعجيل أداء الدين مقابل إسقاط جزء منه.
وسوف أخصص لكل من هذه الأمور مبحثًا خاصًّا.
стр. 8043
المبحث الأول
تعريف التقسيط
التقسيط يقال له التنجيم أيضا.
ومعنى التنجيم في اللغة: أداء الدين نجومًا أي على دفعات.
ففي مختار الصحاح: النجم: الوقت المضروب، ومنه سمي المنجم. ويقال نجم المال تنجيمًا إذا أداه نجومًا (١) .
وفي مختار الصحاح أيضًا: القسط: الحصة والنصيب يقال تقسطنا الشيء بيننا (٢) وهو يعني في موضوعنا جعل الدين حصصًا تدفع حصة حصة.
أما تعريفه في المصطلح الشرعي: فقد قالوا.
التنجيم: هو التأخير لأجل معلوم نجمًا أو نجمين (٣) أو: هو المالك المؤجل بأجلين فصاعدًا (٤) .
والتعريف الثاني أصدق وأدق في التعبير عن المراد بالتنجيم (التقسيط) لأنه أخرج الدين المؤجل ليدفع نجمًا واحدًا فهذا ليس مقسطًا، لأن الدين لكي يسمى مقسطًا ينبغي أن يطلب أداؤه في دفعتين فأكثر، وهذا كما هو ظاهر بخلاف التعريف الأول فهو شامل للدين المؤجل مطلقا سواء كان مطلوب الأداء دفعة واحدة أو دفعات.
والتعريف الأول تميز عن الثاني بتقييد الأجل بالمعلومية وهو شرط ضروري لدفع الجهالة عن المعاملة.
стр. 8044
المبحث الثاني
مشروعية تأجيل الدين وتقسيطه
إن تأجيل الدين مشروع وإن كان خلاف الأصل.
ومشروعيته ثبتت بالقرآن الكريم والسنة النبوية واتفاق الأمة.
ففي القرآن الكريم جاء قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] (١) فالنص يصرح بجواز تأجيل الدين، ومقتضى تسمية الأجل معلوميته، أما الكتابة فقد حملت على الندب لا الوجوب.
ومن السنة النبوية المطهرة ((أن النبي ﷺ اشترى طعامًا وأجل الثمن)) (٢) ، كما أن الأمة زاولت وما تزال تزاول هذه الصيغة من التعامل لا يعلم مخالف في هذا (٣) .
وإذا ثبت جواز تأجيل الثمن ثبت جواز تأجيله ليدفع قسطًا واحدًا أو أقساطًا لأن الحالتين مشمولتان بالتأجيل.
وقد نصت مجلة الأحكام العدلية في المادة (٢٤٥) على أن (البيع مع تأجيل الثمن وتقسيطه صحيح) .
وينبغي أن يلاحظ أن تأجيل الدين أو تقسيطه لا يثبت إلا بالنص عليه عن طريق الشرط في العقد أو بعده، لذا فإنه مع الإطلاق لا يثبت التأجيل إلا إذا كان العرف يقتضي التأجيل (مادة ٢٥١ مجلة الأحكام العدلية) .
على أنه ينبغي أن يعلم أن تأجيل الدين المتولد عن البيع حين يشترط في العقد أو بعده، فإنه لازم للبائع وليس له إلزام المشتري بأداء الدين قبل حلول موعد أدائه.
ويمكن أن يقال هذا في دين متولد عن ضمان المتلفات أو بدل الإيجار أو غيره (٤) .
أما دين القرض فقد حصل خلاف بين العلماء في لزوم أجله إذا اشترط تأجيله، فالجمهور على أن دين القرض يثبت في الذمة ويكون تأجيله تبرعًا من المقرض فإذا اشترط الأجل فيه فإنه لا يلزم، ويجوز للمقرض أن يطالب بالقرض متى شاء.
أما الإمام مالك يوافقه الليث بن سعد فقد ذهبا إلى أن القرض يلزم إلى أجله إذا أجل، فلا يطالب المقرض المدين قبل حلول الأجل لأن المؤمنين عند شروطهم (٥)
* * * *
стр. 8045
المبحث الثالث
أحكام التقسيط
يمكن إيجاز أحكام تقسيط الدين بناء على القول بلزوم الأجل في البيع اتفاقًا أو في غيره على الخلاف الذي ذكرناه بالنقاط الآتية (١) :
أولا: إذا اقترن التقسيط بالعقد أو اتفق عليه بعد العقد لزم بيان المدد الزمنية للأقساط، لأن إطلاقها جهالة تفضي إلى المنازعة، وهي جهالة مخلة بالعقد، ويلاحظ أنه إذا كان في البيع خيار، فإن حساب المدد الزمنية يبدأ حين سقوط الخيار، لأن الخيار مؤثر في لزوم البيع.
كما يلاحظ أنه لو امتنع البائع عن تسليم المبيع وتأخر تسليمه فإن حساب المدة يبدأ من حين تسليم المبيع وإلا فمن وقت الانعقاد.
ثانيا: إذا مات البائع، فإن الدين لا يحل على المشتري ويبقى حق المدين في دفع الأقساط على ما اتفق عليه، أما إذ مات المشتري فإن الدين المؤجل سواء كان مقسطًا أم لا يصبح حالًّا واجب الدفع من تركة المشتري لما عرف من أن تركة المشتري تنتقل بموته إلى الورثة، وهذا الانتقال لا يتم قبل وفاء ديون الميت وتنفيذ وصاياه.
ثالثًا: لا يجوز للمشتري الامتناع عن دفع الأقساط في مواعيدها المقررة فإن فعل ألزمه القاضي بالدفع إلا إذا كان المشتري معسرًا فإنه ينظر إلى الميسرة.
رابعًا: ينتهي زمن القسط بحلول الأجل المضروب لأدائه، فعلى المدين أداء كل قسط في أجله وليس له التمسك بالتأجيل إلا فيما لم يحل أجله من الأقساط.
خامسًا: لا يجوز بيع الدين بالدين كأن يبيع دينًا له (أي الدائن) على رجل من رجل آخر بالتأخير، وكذلك لا يجوز فسخ الدين بالدين مثل أن يدفع الغريم لصاحب الدين ثمرة يجنيها أو دارًا يسكنها لتأخر القبض في ذلك، وكذلك إن باع الدين من المدين بالتأخير وفي المسألة بعض خلاف (٢) .
стр. 8046
المبحث الرابع
اقتران تأجيل الدين بزيادة فيه
إذا أدى المدين دينه فالأصل أن يؤديه بلا زيادة أو نقص.
أما إذا أدى زيادة طابت بها نفسه بدون اشتراط فلا غبار على صحة زيادته ويأخذها الدائن حلالًا، لأن ذلك من حسن القضاء الذي ندب إليه النبي ﷺ بقوله: ((خياركم أحسنكم قضاء)) (١) ، وسواء كان الدين حالًّا أم مؤجلًا وهذا الذي قلنا هو محل اتفاق العلماء إذا كان الدين متولدًا عن بيع (٢) .
أما لو اشترطت الزيادة في الدين مقابل تأجيله فإن له صورًا ثلاثًا:
الصورة الأولى: أن تشترط الزيادة بعد تمام العقد، كما لو باع شخص لآخر سلعة بألف ثم قال للمشتري: إن شئت أجلت لك الدين ويكون الدين ألفًا وخمسين وهذا التصرف باطل وهو ربا الجاهلية المحظور شرعًا.
الصورة الثانية: أن يقترن شرط الزيادة في العقد فيقول البائع: بعتك السلعة بألف نقدًا وإن شئت نسيئة بألف وخمسين، وهذه كالصورة التي قبلها إذ هو بيع اقترن بشرط فاسد، وهذا الشرط الفاسد متمثل في كونه (بيعتين في بيعة) وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، فقد فسر قوله ﷺ ((بيعتين في بيعة)) (٣) ، أو صفقتين في صفقة على عدة أوجه أشهرها قول البائع: بعتك نقدًا بعشرة ونسيئة بعشرين، هذا التفسير نقله ابن قدامة عن مالك والثوري وإسحاق وهو رأي الجمهور، وقرروا بطلان مثل هذا العقد، كما أنه تفسير منقول عن أبي عبيد القاسم بن سلام وهو تفسير سماك راوي الحديث (٤) .
стр. 8047
وعلة فساد هذا التصرف أنه تضمن جهالة فإنه مثل قوله: بعتك هذا أو هذا، أو مثل بيع أحد مثمونين بثمن واحد.
وهذا التفسير (لبيعتين في بيعة) نفاه السبكي عن الإمام الشافعي وأصحابه إذ يقول في فتاواه (١) : اعلم أن الشافعي والأصحاب تكلموا في بيعتين في بيعة مفسرين الحديث بتفسيرين:
أحدهما – أن يقول بعتك داري هذه بألف على أن تبيعني عبدك هذا بألف، إذا وجبت لك داري وجب لي عبدك.
الثاني – أن يقول بعتك بألف على أن تبيعني أو تشتري مني.
إلا أن الإمام النووي وكذلك البيضاوي قد فسرا بيعتين في بيعة بصورتين (٢) .
الأولى - أن يقول بعتك بألف نقدا أو ألفين إلى سنة
الثانية - أن يقول بعتك ذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا وهذه الصورة كالتي قالها السبكي كما لا يخفى
وقد نقل الصنعاني الصورة الأولي قولًا للشافعي (٣) .
وعند الحنفية – كما فسره المرغناني – أن صفقتين في صفقة: أن يتضمن العقد عقدين كاجتماع إجارة وبيع أو إعارة وبيع (٤) وعند ابن الهمام أن كون الثمن على تقدير النقد ألفًا وعلى تقدير النسيئة ألفين ليس في معنى الربا (٥) ، وقد سبق تعليل منع بيعتين في بيعة على تفسيرها: بعتك بالنقد بعشرة وبالنسيئة بعشرين، بناء على الجهالة لا على أنها ربا.
على أن كلام ابن الهمام ينبغي أن يفسر على التخيير لا على الجزم، أما أن يقترن بالعقد مثل هذا الشرط جزفًا فإنه الجهالة، ويمكن أن يقال بالربوية لأن العقد تضمن زيادة مشروطة لأحد المتعاوضين مقابل أجل الذي هو ربا الجاهلية.
стр. 8048
الصورة الثالثة: أن تشترط الزيادة في الدين مقابل تأجيله قبل العقد، كما لو قال البائع: أبيعك هذه السلعة نقدًا بمائة ونسيئة بمائة وعشرين، فيلاحظ أنه قد استخدم لفظ الفعل المضارع وهو يفيد التخيير لا الجزم، فإن اختار المشتري أحد الطريقين للشراء ووافقه البائع فإن البيع ينعقد على أحد الوجهين بالنقد أو بالنسيئة مع قرينة إرادة الحال لا الاستقبال.
وهذا الوجه صححه طاوس والحكم وحماد (١) ، وهو اختيار المالكية حسب شرح العدوي على الخرشي (٢) ، وهو مقتضى توجيه الشافعية حسب ما صرح به السبكي من أن الشرط المبطل للتصرفات هو الشرط المقارن فلو تقدم لم يبطل (٣) .
وخرج ابن قدامة وجهًا في الصحة (٤) .
ويبدو لي أن هذه الصورة هي الشائعة في سوق التعامل اليوم، إذ أن المشتري مخير بين أمرين: إما أن يشترى بالنقد كذا، أو بالنسيئة بكذا ويتعاقد على هذا الأساس، وهذه الزيادة لا يبدو أنها تسبب جهالة أو أنها من الربا، لأنه جاز للمشتري أن يشتري نقدًا بثمن النسيئة، فلو كان ثمن النقد وثمن النسيئة مائة وعشرين فإنه يجوز للمشتري أن يشتري بمائة وعشرين نقدًا أو نسيئة.
فلما كان الأمر كذلك وأنه مبني على تخيير المشتري في المضي على أحد السبيلين في التعاقد – ولاشك أن للأجل اعتبارًا في تقدير الأثمان في نظر العلماء – لذلك فإن الجواز في هذه الصيغة يمكن المصير إليه والله أعلم.
على أن الإمام الأوزاعي يوافقه عطاء بن أبي رباح يذهبان إلى أنه إذا اقترن العقد بالنقد بعشرة وبالنسيئة بخمسة عشر فإنه صحيح على أن لا يفارقه قبل المباتّة باختيار إحدى البيعتين، فإن أخذ السلعة قبل المباتّة وقع البيع بأقل الثمنين لأبعد الأجلين (٥) .
فيلاحظ أنه قد اعتبر من النقد الثمن ومن النسيئة الأجل فروعي جانب المشتري. لكن يمكن أن يقال إن الحكم بني على إيجاب وقبول غير متفقين، لأن الثمن تقرر من صيغة البيع نقدًا، والأجل تقرر من صيغة البيع نسيئة، وهذا لا يخلو من النظر والله أعلم.
стр. 8049
المبحث الخامس
تعجيل أداء الدين مقابل إسقاط جزء منه
إذا تقرر جواز تأجيل الدين أقساطًا أو قسطًا واحدًا فهل يجوز تعجيل قضاء الدين مقابل إسقاط بعضه فيقول المدين للدائن: ضع بعض دينك وتعجل الباقي، أو يقول الدائن للمدين: عجل لي بعضه وأضع عنك باقيه؟
هذه المسألة بحثها الفقهاء تحت قاعدة (ضع وتعجل) .
قال ابن جزي (١) (قاعدة – ضع وتعجل – حرام عند الأربعة بخلاف عن الشافعي وأجازها ابن عباس وزفر، وهي أن يكون له عليه دين لم يحل فيجعله قبل حلوله على أن ينقص منه، ومثل ذلك أن يعجل بعضه ويؤخر بعضه إلى أجل آخر، وأن يأخذ قبل الأجل بعضه عينًا وبعضه عرضًا، ويجوز ذلك كله بعد الأجل باتفاق، ويجوز أن يعطيه في دينه عرضًا قبل الأجل وإن كان يساوي أقل من دينه) .
والتحقيق أن في المسألة ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول – عدم جواز هذه المعاملة:
وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابن عبد الله وزيد بن ثابت والمقداد والحسن وسالم والحكم والشعبي وهشام بن عروة والثوري وابن عيينة وابن علية وإسحاق وهو رواية عن سعيد بن المسيب وإليه ذهب الأئمة الأربعة (٢) لكن أشير هنا إلى أنه وإن نقلت بعض المراجع رأي الحنفية والشافعية على المنع مطلقًا إلا أن هذا لا يبدو مسلمًا فقد رأيت أن ابن جزي نقل عن الإمام زفر القول بالجواز، كما أن السبكي يقول: إني كلمت الحنفية – يعني في هذه المسألة – فرأيتهم مضطربين في تحرير مذهبهم وضبط ما يمتنع فيه مما لا يمتنع (٣) .
стр. 8050
أدلة هذا الفريق:
يدل على رأي الجمهور ما يأتي:
أولا: ما روي عن المقداد بن الأسود، قال: أسلفت رجلًا مائة دينار، ثم خرج سهمي في بعث بعثه رسول الله ﷺ فقلت له: عجل لي تسعين دينارًا وأحط عشرة دنانير فقال: نعم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ((أكلت ربا المقداد وأطعمته)) ، قال السبكي رواه البيهقي بسند ضعيف (١) .
وقريب من ذلك عن المقداد جاء في الطبراني الكبير وفي سنده أبو المعارك قال في مجمع الزوائد ٤/١٣٠ لا أعرف أبا المعارك وبقية رجال الحديث ثقات.
ثانيًا: سئل ابن عمر ﵄ عن هذه المعاملة فكرهها ونهى عنها كما أنه قد نسب النهي لأبيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (٢) .
ثالثًا: روي في الموطأ النهي عن زيد بن ثابت ﵁ (٣) .
فمن هذه الأدلة تلخص للجمهور أن تعجيل الأداء مقابل إسقاط جزء من الدين ربا، فكما تحرم الزيادة على مقدار الدين في مقابلة تأجيله، فكذلك يحرم النقص عنه مع تعجيله.
المذهب الثاني – الجواز مطلقًا:
وهو كما ذكر ابن جزي وغيره منقول عن ابن عباس وزفر كما أنه رواية عن سعيد بن المسيب وبه قال النخعي وأبو ثور (٤) .
قال هؤلاء من يفعل ذلك فلا أكثر من أنه قد أخذ بعض حقه وترك بعضه وهذا جائز كما لو كان الدين حالًّا.
ويدعم مذهب هؤلاء: أن النبي ﷺ لما أمر بإخراج بني النضير من المدينة جاءه أناس منهم فقالوا: يا رسول الله: إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال النبي ﷺ : ((ضعوا وتعجلوا)) قال السبكي ضعفه. البيهقي وقال الحاكم صحيح الإسناد (٥) .
стр. 8051
المذهب الثالث – التفصيل بين المنع والجواز:
ذهب الشافعية كما حرره السبكي: إذا جرى تعجيل الدين مقابل إسقاط جزء منه بالشرط بطل، وإن لم يشترط بل عجل بغير شرط وأبرأ الآخر وطابت بذلك نفس كل منهما فهو جائز وهذا مذهبنا، والشرط المبطل هو المقارن فلو تقدم لم يبطل وهو مقتضى تصريح جميع الأصحاب.
والدليل كما يقول السبكي: أن فقهاء الشافعية حملوا اختلاف الآثار الواردة في ذلك حظرًا وجوازًا، فذهبوا إلى التفصيل المذكور.
وهذا الرأي يبدو لي هو الأقرب للقبول، لأن الشرط يجعل المعاملة محفوفة بشائبة الربا فلا سبيل إلى الجواز مطلقًا، فبقي الجواز مع عدم الشرط لأن النفوس قد تطيب بالتبرع والأعمال بالنيات فلماذا نمنع معروفًا يبدو للدائن فعله؟
والله أعلم.
محمد رضا عبد الجبار العاني
стр. 8052
مراجع البحث
١- القرآن الكريم.
٢- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير.
٣- المغني والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي.
٤- كشاف القناع للبهوتي.
٥- القوانين الفقهية لابن جزي.
٦- شرح الخرشي وحاشية العدوي عليه.
٧- فتح القدير / شرح الهداية.
٨- فتاوى السبكي.
٩- الروضة الندية شرح الدرر البهية.
١٠- مغني المحتاج للخطيب الشربيني.
١١- الغاية القصوى في دراية الفتوى للبيضاوي.
١٢- فتح العزيز للرافعي بهامش المجموع.
١٣- الموطأ للإمام مالك.
١٤- سبل السلام للصنعاني.
١٥- فقه الإمام الأوزاعي للدكتور عبد الله الجبوري.
١٦- فقه سعيد بن المسيب للدكتور هاشم جميل عبد الله.
١٧- شرح مجلة الأحكام العدلية للمرحوم منير القاضي.
١٨- المعاملات الشرعية المالية للمرحوم أحمد إبراهيم بك.
١٩- الموسوعة الفقهية الكويتية.
٢٠- مختار الصحاح للرازي.
стр. 8053
بيع التقسيط: تحليل فقهي واقتصادي
إعداد
سعادة الدكتور رفيق يونس المصري
الباحث بمركز الاقتصاد الإسلامي –جامعة الملك عبد العزيز
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
فإن عهدي ببيع التقسيط (= بيع النسيئة) قديم نسبيًّا، إذ يعود إلى اثني عشر عامًا خلت، عرضت له أول مرة في كتابي " مصرف التنمية الإسلامي "، في طبعته الأولى ١٣٩٧ هـ، ثم حاولت تنقيحه قليلًا في الطبعتين: الثانية عام ١٤٠١هـ، والثالثة عام ١٤٠٧هـ.
ثم طفت قريبًا من الموضوع، في مقال لي بمجلة حضارة الإسلام السورية، عام ١٣٩٨هـ.
ثم عدت إليه عام ١٤٠٥هـ، في مجلة المال والاقتصاد الصادرة عن بنك فيصل الإسلامي السوداني بالخرطوم.
ثم عام ١٤٠٥هـ ثانية في كتابي " الربا والحسم الزمني ".
ثم عام ١٤٠٦هـ، في مجلة الأمة القطرية.
ثم عام ١٤٠٩هـ، في مجلة الوعي الإسلامي الكويتية.
فمنذ عام ١٣٩٧هـ وأنا أعود إلى بحثه، بين الحين والآخر، بالتنقيح والزيادة.
وأرجو أن لا يعدم القارئ فوائد إضافية لدى قراءة هذا البحث الجديد.
وإذا عرضت للقارئ الكريم أسئلة أو تساؤلات في موضع، فأرجو أن يصبر قليلًا حتى يجد جوابها في مواضع أخرى من هذا البحث، إن شاء الله.
стр. 8054
الفصل الأول
تعريف بيع التقسيط وأهمية بحثه
١-١ بيع التقسيط بيع مؤجل:
البيع في الفقه الإسلامي قد يكون معجل البَدَلَيْن (يدًا بيد) ، أو مؤجل البدلين (وهو من الكالئ بالكالئ) ، أو أحد بدليه معجلًا والآخر مؤجلًا، فإن عُجِّل الثمن وأُجِّل المبيع فهو بيع السَلَم (السلف) ، وإن عجل المبيع وأجل الثمن فهو بيع النسيئة.
وعلى هذا فإن البيوع المؤجلة تشتمل لفظًا على ما تأجل أحد بدليه أو كلاهما، وقد أجازت الشريعة تأجيل أحد البدلين إجازة صريحة، عندما أجازت الأحاديث النبوية الشريفة بيع السلم وبيع النسيئة.
وبيع التقسيط عبارة حادثة لمعاملة قديمة، فهو ليس إلا لونا من ألوان بيع النسيئة، إنه بيع يعجل فيه المبيع، ويتأجل الثمن، كله أو بعضه، على أقساط (= نجوم) معلومة، لآجال معلومة، وهذه الأقساط قد تكون منتظمة المدة، في كل سنة مثلًا قسط، أو غير ذلك، كما قد تكون متساوية المبلغ أو متزايدة أو متناقصة، وهذا معروف لدى المطلعين على طرق سداد الديون (= استهلاكها، إطفائها) .
والأقساط جمع قسط، والقسط في اللغة هو الحصة أو النصيب يقال: تقسطنا المال بيننا، أي أخذ كل منا نصيبه منه، والقسط أيضا: العدل يقال: أقسط الرجل فهو مقسط، أي عادل، ولعل بين المعنيين صلة، إذ النصيب يفترض فيه أن يكون عادلًا بوجه من الوجوه وإذا قال الفقهاء: إن للزمن قسطًا من الثمن، فإنما يعنون أن للزمن حصة عادلة من الثمن، ولكن الناس قد يجورون، فإذا جاروا فهو القسوط، ومنه القاسط: العادل عن العدل (الجائر) ، والمقسط: العادل (= مزيل الجور) الذي يزن بالقسطاس (= لغة في القسط، بمعنى الميزان) المستقيم.
هذا ولا يقصد ببيع التقسيط أن التقسيط هو المبيع، بل إن التقسيط هو طريقة البيع، أو بعبارة أدق: طريقة سداد ثمن البيع.
стр. 8055
١-٢ أهمية بحث بيع التقسيط:
قد يتساءل البعض: ما فائدة النظر المجدد في بيع التقسيط، وقد عرفنا أنه ليس إلا ضربًا من ضروب بيع النسيئة، وهذا البيع جائز بنص الحديث النبوي؟
الواقع أن لهذا النظر المجدد: أهمية نظرية، وأخرى عملية.
١- الأهمية النظرية: تتمثل في أن بيع التقسيط ينطوي على تأجيل، كما ينطوي على زيادة في الثمن لأجل هذا التأجيل، وثمة بيوع نصت الأحاديث النبوية على حرمة الأجل فيها، كبيع الذهب بالذهب، أو الذهب بالفضة، أو القمح بالشعير، وثمة بيوع نصت الأحاديث النبوية على حرمة الزيادة (= الفضل) فيها للأجل، كبيع الذهب بالذهب، أو القمح بالقمح، فلابد إذن من بيان الفروق الدقيقة التي تفصل بين بيع يجوز فيه الأجل والزيادة للأجل، وبيع لا يجوز فيه أجل ولا زيادة.
وبعبارة أخرى فإن في بيع التقسيط نساء وفضلًا، وهذا قد يلتبس بربا النساء وربا الفضل المحرمين في بعض البيوع، وبعبارة ثالثة فإن نظرية الربا في الإسلام لا يتكامل فهمها إلا بفهم هذه البيوع المؤجلة وتفسيرها، إلى جانب فهم ربا القروض وربا البيوع.
هذا فضلًا عن فائدة نظرية أخرى، تضاف إلى ما تقدم، وهي الرغبة في التأكد من بيع التقسيط: هل يكون حكمه هو نفس حكم بيع النسيئة؟
٢- الأهمية العملية: تتمثل في أن بيع التقسيط قد انتشر انتشارًا كبيرًا في معاملات الأفراد والأمم، بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما في مجال السلع المعمرة اللازمة للأسر والمنشآت، كالآلات والأدوات والتجهيزات والسيارات. . . فتشتري هذه المنشآت من مورديها بالتقسيط، وتبيع إلى زبائنها بالتقسيط، وربما لجأت إلى المصارف لتمويل هذه العمليات (بيوع التقسيط) .