مدخل إلى البحث
(أ) التعريف بالقبض في الفقه الإسلامي:
التسليم أو القبض معناه عند الحنفية: هو التخلية أو التخلي، وهو: (أن يخلي البائع بين المبيع وبين المشتري، برفع الحائل بينهما، على وجه يتمكن المشتري من التصرف فيه، فيجعل البائع مسلماً للمبيع، والمشتري قابضاً له) (١) وكذلك تسليم الثمن من المشتري إلى البائع.
(ب) طرق القبض في الفقه الإسلامي:
قال فقهاء الشريعة الإسلامية: القبض يتم بطرق:
١- أولها التخلية: وهي (أن يتمكن المشتري من المبيع بلا مانع " أي أن يكون مفرزاً " ولا حائل " أي في حضرة البائع " مع الإذن له بالقبض) .
وعلى هذا، فإن القبض عند الحنفية يكون بالتخلية، سواء أكان المبيع عقاراً أو منقولاً إلا المكيل والموزون فإن قبضه يكون باستيفاء قدره، أي بكيله أو وزنه، فالتخلية بين المشتري وبين المبيع قبض وإن لم يتم القبض حقيقة فإذا هلك يهلك على المشتري (٢) وقال المالكية والشافعية: قبض العقار يكون بالتخلية بين المبيع وبين المشتري وتمكينه من التصرف فيه بتسليم المفاتيح إن وجدت، وقبض المنقول بحسب العرف الجاري بين الناس (٣) ، وقال الحنابلة قبض كل شيء بحسبه، فإن كان مكيلاً أو موزوناً فقبضه بكيله ووزنه، أي يجب الرجوع في القبض إلى العرف (٤) .
٢- الإتلاف: والتعييب مثله، فلو أتلف المشتري المبيع في يد البائع صار قابضاً للمبيع وتقرر عليه الثمن، وكذلك لو عيبه كأن يحدث المشتري في المبيع عيباً، وكذا لو أمر المشتري البائع بالإتلاف ففعل (٥) .
стр. 8192
٣- إيداع المبيع عند المشتري أو إعارته منه، وكذا لو أودع المشتري المبيع عند أجنبي أو أعاره وطلب من البائع تسليمه إليه يصير قابضاً، أما لو أودع المشتري من البائع أو أعاره له أو آجره لم يكن ذلك قبضا (١) .
٤- اتباع الجاني بالجناية على المبيع عند الإمام أبي يوسف خلافاً للإمام محمد، فلو جنى أجنبي على المبيع فاختار المشتري اتباع الجاني بالضمان كان اختياره بمنزلة القبض عند أبي يوسف، حتى لو هلك المبيع يكون الهلاك على المشتري ويتقرر عليه الثمن ولا يبطل البيع، وقال محمد: لا يصير قابضاً ويبقى المبيع في ضمان البائع، ويؤمر بالتسليم إليه، ويكون الهلاك على البائع، ويبطل البيع ويسقط الثمن عن المشتري والأدلة تؤخذ من المطولات (٢) .
٥- القبض السابق: كل ما مر ذكره فيما إذا كان المبيع في يد البائع، فإن كان في يده المشتري بقبض سابق ثم باعه المالك له، فهل يعد قابضاً بمجرد الشراء، أو لا بد من تجديد القبض ليتم التسليم؟ قبل الإجابة على هذا السؤال لا بد من تفصيل في القبض وأقسامه لدى الفقهاء فلقد قسم الفقهاء القبض من حيث قوة أثره وضعفه إلى قسمين: قبض الضمان وقبض الأمانة (٣) .
(أ) فقبض الضمان هو: (ما كان فيه القابض مسئولا عن المقبوض تجاه الغير فيضمنه إذا هلك عنده، ولو بآفة سماوية) ، كالمغصوب في يد الغاصب، والمبيع في يد المشتري.
(ب) وقبض الأمانة: هو (ما كان فيه القابض غير مسئول عن المقبوض إلا بالتعدي، أو التقصير في الحفظ) كالوديعة في يد المودَع عنده والعارية في يد المستعير، وعدّوا قبض الضمان أقوى من قبض الأمانة بسبب الضمان المترتب، والأصل عند الفقهاء أن القبض السابق ينوب عن القبض اللازم في البيع إذا كانا متجانسين في الضمان وعدمه، أو كان السابق أقوى، بخلاف ما إذا كان أضعف، فقبض الضمان ينوب عن قبض الأمانة فلا ينوب إلا عن قبض الأمانة فقط، ولا ينوب عن قبض الضمان، لأن الأدنى لا يغني عن الأعلى (٤) .
стр. 8193
وتأسيساً على ذلك إذا كان الشيء المبيع موجوداً في يد المشتري قبل البيع، إما أن تكون يده يد ضمان أو يد أمانة.
(أ) فإذا كانت يد المشتري يد ضمان:
١- فإما أن تكون يد ضمان بنفسه، كيد الغاصب، فيصير المشتري قابضاً للمبيع بنفس العقد، ولا يحتاج إلى تجديد القبض، ويبرأ البائع من التزام التسليم، سواء أكان المبيع حاضراً في مجلس العقد أو غائبا.
٢- أو تكون يد ضمان لغيره، كيد الرهن، بأن باع الراهن المرهون من المرتهن، فإنه لا يصير قابضاً، إلا أن يكون الرهن حاضراً في مجلس العقد، أو يذهب إلى حيث يوجد الرهن، ويتمكن من قبضه.
(ب) وإن كانت يد المشتري يد أمانة، كيد المستعير أو المودَع عنده، فلا يصير قابضاً، إلا أن يكون المبيع بحضرته، أو يذهب إليه، فيتمكن من قبضه بالتخلي لأن يد الأمانة ليست من جنس يد الضمان فلا يتناوبان (١) .
(ج) القبض وأثره في العقود في الفقه الإسلامي:
العقد في الشرع الإسلامي يتم وتثبت أحاكمه بمجرد الإيجاب والقبول.
لكن طائفة من العقود لا تعد تامة إلا إذا حصل تسليم العين التي هي موضوع العقد، ولا يكفي فيها الإيجاب والقبول، وتسمى هذه العقود بلغة الحقوق اليوم (العقود العينية) ، أي التي يتوقف فيها تمام الالتزام على تسليم العين وهي خمسة:
(الهبة، والإعارة، والإيداع، والقرض، والرهن) (٢) .
стр. 8194
ويعلل الفقهاء اشتراط القبض لتمامها بأنها تبرع.
وعلى ذلك وضعت القاعدة القائلة (لا يتم التبرع إلا بالقبض) ، فالعقد اللفظي في هذه المواضيع يعد قبل القبض عديم الأثر.
على أنه يستثنى من ذلك (عقد الوصية) فهي هبة مضافة إلى ما بعد الموت، فبمجرد وفاة الموصي وقبول الموصى لها أو عدم رده بعد الوفاة تتم الوصية، ويصبح المال ملكاً له بلا حاجة إلى تسليم، لأن الشخص المنشئ للوصية لم يعد يتصور منه بعد الوفاة تسليم، فبنيت الوصية على التسامح والاستثناء من القواعد القياسية في كثير من أحكامها تسهيلاً لأعمال البر والخير، هذا إذا عددنا الوصية عقداً، فإن لم نعدها عقداً وهو ما يذهب إليه الآخرون من فقهاء الشريعة فلا ضرورة لاستثنائها من قاعدة القبض.
(د) شرط صحة القبض في عقد البيع:
يجب فيه تسليم المبيع خاليا غير مشغول بحق لغير المشتري، ويدخل في شغل المبيع بحق الغير المانع من صحة التسليم في نظر الفقهاء ما لو كانت الدار المبيعة مأجورة، لأنها عندئذ تحت سلطة المستأجر صاحب اليد المشروعة عليها، فلا يصح تسلم المشتري لها وإن كان بيعها صحيحاً، وليس للبائع مطالبة المشتري بالثمن لعدم تهيئة المبيع للقبض إلا إذا اشتراها المشتري على حالها واشترط البائع في العقد بقاء المستأجر لعجزه عن إخراجه مثلاً وقبل المشتري هذا الشرط، كان التسليم بالتخلية فقط لا بإخراج المستأجر (١) .
стр. 8195
المقصد
نستطيع في هذا العصر في أواخر القرن الرابع عشر الهجري وأوائل الخامس عشر زيادة صورة من صور القبض في عقد البيع أصبحت الآن هي الصورة الأصل، وما عداها فرع عنها، وتلك الصورة هي صورة التسجيل العقاري في السجل العقاري في بلاد يوجد فيها سجل ونظام عقاريان.
يقول الأستاذ الجليل العلامة مصطفى أحمد الزرقا – حفظه الله – في المدخل الفقهي العام ما نصه [ج١، حاشية الصفحة ٦٥٦، ف ٣٤٥] :
(يجب الانتباه اليوم إلى أنه في البلاد التي يوجد بها سجل ونظام عقاريان بحيث تكون قيود السجل هي المعتبرة في ثبوت الحقوق العقارية وانتقالها كما في بلادنا يعتبر تسجيل بيع العقار في صحيفته من السجل العقاري في حكم التسليم الكافي، ولو كانت الدار مشغولة بأمتعة البائع أو بحقوق مستأجر، ذلك لأن قيد السجل عندئذ يغني عن التسليم الفعلي، ويقطع علاقة البائع فيصبح أجنبياً، وعلى هذا استقر اجتهاد محكمة التمييز السورية، وإذا ظل بائع العقار شاغلاً له بعد التسجيل وممتنعاً عن تفريغه وتسليمه تنزع يده عنه بقوة القضاء، كما لو شغله غصباً بلا حق بعد التسليم) .
وانظر الصفحة (٢٦١) من الجزء الأول أيضا وما قبلها، حيث قال في (ف ١٢٦) في آخرها:
(وذلك لأن نظام السجل العقاري أغنى عن قبض العقار المرهون بمجرد وضع إشارة الرهن عليه في صحيفته من السجل العقاري لمنع الراهن من التصرف فيه ببيع ونحوه مع بقاء العقار المرهون في يد مالكه الراهن كما في الإقليم السوري) ثم يقول – حفظه الله – في الحاشية: (وقد استقر أخيراً رأي محكمة التمييز السورية (محكمة النقض) واجتهادها على أن تسجيل العقد العقاري في السجل العقاري يعتبر تسليمًا قانونيًّا يقوم مقام التسليم الفعلي في نتائجه) قلت وهذا عند فقهاء الشريعة من المصالح المرسلة التي تحقق مصلحة عامة فاعتبرت عندهم وصار الحكم الشرعي في هذه المسألة هو الحكم القانوني ذاته.
أما التسجيل بكاتب العدل فليس له هذا الاختصاص ولا قوته فلا يأخذ حكمه ولا يكون وحده تسليمًا ولا قبضًا ما لم تصحبه التخلية المعتبرة أو إحدى صور القبض السابقة، بيد أنه يكون مثبتًا للعقد تجاه الغير بمنزلة الإشهاد فهو بينة وليس تسليمًا ولا قبضًا.
والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 8196
خاتمة البحث
هذا ما توصلت إليه في هذا الشأن باذلًا الجهد كله في استنباط عويصات المسائل لا آلو جهدًا في تتبع العلة والحكمة، راجيًا الله تعالى أن أوفق للصواب فيما ذهبت إليه، وصدق الله تعالى إذ يقول:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت]
صدق الله العظيم
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور
стр. 8197
أبرز مصادر البحث ومراجعه
١- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الإمام الكاساني.
٢- رد المحتار شرح الدر المختار، العلامة ابن عابدين.
٣- الشرح الكبير على متن خليل، العلامة الدردير.
٤- المجموع شرح المهذب، الإمام النووي.
٥- المغني في فقه الحنابلة، الإمام ابن قدامة المقدسي.
٦- مجمع الضمانات، العلامة ابن غانم البغدادي.
٧- الفوائد البهية والقواعد الفقهية، الشيخ محمود حمزة.
٨- المدخل الفقهي العام، الأستاذ الدكتور مصطفى أحمد الزرقا.
٩- عقد البيع، الأستاذ الدكتور مصطفى أحمد الزرقا.
١٠-الفقه الإسلامي وأدلته، الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي.
١١- الوسيط شرح القانون المدني، الدكتور عبد الرزاق السنهوري.
стр. 8198
القبض:
صوره، وبخاصة المستجدة منها، وأحكامها
إعداد
فضيلة الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير
عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. . وبعد:
فهذا بحث عن: (بيع الإنسان ما اشتراه قبل قبضه) ، أقدمه لمجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة، استجابة لطلبه الكتابة في موضوع:
"القبض: صوره، وبخاصة المستحدثة منها، وأحكامها"
وقد رأيت أن اقصر بحثي في مسألة واحدة من مسائل الموضوع المطلوب الكتابة فيه، هي – في نظري – الصورة التي تحتاج إلى بيان حكم الشرع فيها؛ لأنها كثيرة الوقوع في المعاملات التجارية في وقتنا هذا.
وسأكتب هذا الموضوع في ثلاثة مباحث:
* المبحث الأول: النصوص الواردة في الموضوع وما يستفاد منها.
* المبحث الثاني: آراء الفقهاء في حكم بيع الإنسان ما اشتراه قبل قبضه.
* المبحث الثالث: بعض الصور المستخدمة وحكمها.
стр. 8199
المبحث الأول
النصوص الواردة في الموضوع، وما يستفاد منها
١- عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى أن يبيع الرجل طعامًا حتى يستوفيه، قلت لابن عباس: كيف ذلك؟ قال: ذلك دراهم بدراهم، والطعام مرجأ (١)
٢- عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال النبي ﷺ : ((من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه)) (٢)
٣- عن ابن عمر ((أن رسول الله ﷺ نهى أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه)) (٣)
٤- عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اشترى طعامًا بكيل، أو وزن، فلا يبيعه حتى يقبضه)) (٤)
٥- مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: كنا في زمان رسول الله ﷺ نبتاع الطعام فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه (٥)
٦- عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((من اشترى طعامًا فلا يبيعه حتى يكتاله)) (٦)
٧- عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كان رسول الله ﷺ يقول: ((إذا ابتعت طعامًا فلا تبعه حتى تستوفيه)) (٧)
стр. 8200
٨- عن ابن عمر قال: كانوا يتبايعون الطعام جزافًا بأعلى السوق فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى ينقلوه (١)
٩- عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله. إني أشتري بيوعًا فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: ((فإذا اشتريت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه)) (٢)
١٠- عن ابن عمر قال: ابتعت زيتًا في السوق فلما استوجبته لنفسي لقيني رجل فأعطاني به ربحًا حسنًا فأردت أن اضرب على يده فاخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفت، فإذا زيد بن ثابت فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، ((فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم)) . (٣)
ما يستفاد من الأحاديث:
تدل هذه الأحاديث على نهي من اشترى طعامًا أن يبيعه قبل قبضه، سواء أكان الطعام معينًا، بأن اشتراه جزافًا، أم غير معين بأن اشتراه على الكيل أو الوزن، وذلك لأن بعض الأحاديث ذكر فيها الطعام مطلقًا، وهي أكثر الأحاديث، وكلها متفق على صحتها، وبعضها ذكر فيه مقيدًا بالجزاف، وهو حديث ابن عمر المتفق على صحته أيضا، وفي حديث آخر لابن عمر جاء الطعام مقيدًا بالكيل، وفي حديث له أيضًا جاء مقيدًا بالكيل والوزن، وهذان الحديثان مقبولان أيضًا، وإن كانا دون مرتبة الأحاديث المطلقة والمقيدة بالجزاف، فمن أجل هذا أخذنا بها جميعا.
стр. 8201
هل النهي للتحريم أم للكراهة؟
النهي الوارد في الحديث للتحريم، لأن الأصل في صيغة النهي أن تكون للتحريم إلاَّ إذا وجدت قرينة تصرفها إلى الكراهة، وليست هنا قرينة صارفة عن التحريم، بل قد جاء في بعض الروايات الصحيحة ما يؤكد التحريم، وهو أن الناس كانوا يضربون في عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا طعامًا جزافًا أن يبيعوه قبل تحويله من مكانه، والعقوبة بالضرب لا تكون إلاَّ على أمر محرم.
بيع الطعام قبل قبضه غير صحيح:
وإذا ثبت أن النهي للتحريم فإن بيع الطعام قبل قبضه يكون غير صحيح، وهذا هو ما جرى عليه العمل في عهد الصحابة، فقد كان عمر بن الخطاب ينهى عن بيع الطعام قبل قبضه ويرد البيع إذا وقع، ولا يكون الرد إلاَّ إذا كان البيع غير صحيح. فقد روى مالك عن نافع أن حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر بن الخطاب للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فرده عليه، وقال: لا تبع طعامًا ابتعته حتى تستوفيه (١)
стр. 8202
وكذلك روي أن مروان بن الحكم أمر برد البيع في الصكوك التي بيعت قبل أن تستوفى بعد استنكار من زيد بن ثابت وأبي هريرة. فقد روى مالك في الموطأ أنه بلغه أن صكوكًا (١) ، خرجت للناس في زمان مروان بن الحكم من طعام الجار (٢) ، فتبايع لناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها، فدخل زيد بن ثابت، ورجل من أصحاب النبي ﷺ على مروان بن الحكم فقالا: أتحل الربا يا مروان؟ فقال: أعوذ بالله، وما ذاك؟ فقال: هذه الصكوك تبايعها الناس، ثم باعوها قبل أن تستوفى، فبعث مروان بن الحكم الحرس يتبعونها ينزعونها من أيدي الناس، ويردونها إلى أهلها (٣) .
وجاء مثل هذا الخبر في المعنى عن أبى هريرة (٤) ، ولعله هو الصحابي الذي كان مع زيد بن ثابت، وأشار إليه مالك من غير ذكر اسمه.
ما المراد بالطعام؟ وما المراد بالقبض؟
وإذا كنا قد انتهينا إلى أن بيع الطعام قبل قبضه غير صحيح، فعلينا أن نحدد المراد بهاتين الكلمتين: الطعام والقبض.
стр. 8203
المراد بالطعام:
يرى بعض الفقهاء أن الطعام يطلق على القمح خاصة، ويؤيدون رأيهم بما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: (كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب) (١) . فإن ظاهر هذا الخبر أن الطعام غير الشعير وما ذكر بعده، وقد حكى الخطابي: أن المراد بالطعام هنا الحنطة أي القمح، وان الطعام اسم خاص للقمح، وقد كانت لفظة الطعام تستعمل في القمح عند الإطلاق، حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام فهم منه سوق القمح (٢)
ويرى آخرون أن الطعام لا يختص بالقمح، وإنما يشمل كل ما تعارف الناس على إطعامه، ويؤيدون رأيهم بما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري أيضًا، قال: كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعًا من طعام، وقال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر. فهذا نص في أن الطعام يطلق على غير القمح، فلعل أبا سعيد أجمل الطعام في الحديث الأول ثم فسره، أو أراد طعامًا آخر غير القمح، لأن القمح لم يكن قوتًا في زمن النبي ﷺ وإنما كان في زمن معاوية (٣)
والذي أرجحه أن الطعام في الحديث يشمل كل ما يطعم من قمح وشعير وسائر أنواع المطعومات، سواء كانت مأكولات كالتمر والفاكهة، أو كانت من الأدم كالزيت والعسل؛ لأنه يستعمل لغة في كل هذا. وإن كان العرب أطلقته على القمح أحيانًا، كما أطلقت المال على الإبل.
ولم أجد تعليلا مقبولا لقصره على القمح في هذا الحديث، وكون الطعام قد أطلق في بعض الأحاديث على القمح لا يعني أنه قد أصبح خاصًا به، لأنه أطلق في أحاديث أخرى على غير القمح أيضًا (٤)
المراد بالقبض:
نهت بعض الأحاديث عن بيع الطعام قبل كيله أو وزنه، وهذا لا يكون إلاَّ فيما بيع على الكيل أو الوزن، ونهت بعضها عن بيعه قبل تحويله من مكانه، وخصصت بعضها هذا الحكم بالجزاف، في حين أن بعضًا آخر نهى عن بيع ما اشتري جزافًا من الطعام قبل أن يحوزه التجار إلى رحالهم، وجاء في بعض الأحاديث النهي عن بيع الطعام قبل الاستيفاء، وفي بعضها النهي قبل القبض من غير تقييد بهيئة خاصة للقبض أو الاستيفاء.
ونستطيع أن نأخذ من هذا أن القبض في المكيل والموزون ونحوهما يكون باستيفاء قدره، وان القبض في الجزاف يكون بتحويله إلى رحل المشتري، أو إلى أي مكان آخر غير المكان الذي بيع فيه، ولم تتعرض الأحاديث للقبض في غير الجزاف والمكيل والموزون، فيرجع فيه إلى العرف.
هل النهي خاص بالطعام؟
خصصت كل الأحاديث المتفق على صحتها النهي عن البيع قبل القبض بالطعام، وهذا يدل بمفهومه على إباحة بيع ما عدا الطعام قبل قبضه، لأن تخصيص النبي ﷺ بالطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه دليل على مخالفة غيره له، وهذا رأي له وجاهته، ولكن مع هذا لا أرى الأخذ به، للأسباب الآتية:
١- علة النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، سواء كانت الربا أو الغرر، موجودة في بيع غير الطعام قبل قبضه فيجب أن يسوى بينهما في الحكم.
٢- قول ابن عباس "ولا أحسب كل شيء إلاَّ مثله" يعني أن غير الطعام ينبغي أن يقاس على الطعام الثابت النهي عن بيعه قبل قبضه بالسنة، وهذا من تفقه ابن عباس، كما يقول ابن حجر (٥) ، وابن عباس هو راوي الحديث وهو أعرف بمرماه.
٣- حديث حكيم بن حزام الذي جاء فيه: ((إذا اشتريت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه)) وحديث زيد بن ثابت الذي ورد فيه النهي عن بيع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. فإن كلمة (بيع) و (السلع) عامة تشمل الطعام وغيره.
стр. 8204
وهذان الحديثان وإن كان في كل منهما مقال إلاَّ أن القياس الصحيح، وقول ابن عباس يقويان الأخذ بهما، ولا يصح تخصيصهما بمفهوم الحديث الخاص، لأن الطعام، كما يقول ابن القيم، وإن كان مشتقًا، فاللقبية أغلب عليه حيث لم يرد معنى يقتضي اختصاص النهي به دون سواه، كما لا يصح تقديم حديث النهي عن بيع الطعام على هذين الحديثين، لأنه لا تعارض بينهما، إذ لا مانع من ذكر الشيء بحكم، وذكر بعضه بذلك الحكم، فالعمل ممكن بكل هذه الأحاديث فوجب الأخذ بها كلها.
لهذا فإني أرى أن ذكر الطعام لم يقصد به التخصيص، وإنما خرج مخرج الغالب، لأنه أكثر ما يتعامل فيه الناس، فالنهي إذن يتناول الطعام وغيره، منقولًا كان أو عقارًا.
هل النهي عن البيع قبل القبض خاص فيما ملك بالشراء؟
كل الأحاديث تدل على أن النهي عن البيع قبل القبض هو فيما ملك بالشراء خاصة، ما عدا حديث ابن عباس فإنه لم يصرح فيه بذلك، ولكن تعليل ابن عباس للنهي يشير إشارة واضحة إلى أنه فيما ملك بالشراء، فإن قوله: (ذلك دراهم بدراهم والطعام مرجأ) يعني أن الشخص إذا دفع مائة درهم في طعام ثم باعه قبل أن يقبضه بمائة وعشرين درهمًا فكأنما باع مائة درهم بمائة وعشرين، وهذا واضح في بيع ما اشترى قبل قبضه، ولهذا فإنى أرى حمل حديث ابن عباس على سائر الأحاديث، فيكون المنهي عنه بالنص هو البيع قبل القبض فيما ملك بعقد البيع، وأما ما ملك بالعقود الأخرى أو ما ملك بغير عقد كالإرث فإن النص لا يتناوله، ولكن القياس يقضي بإلحاق ما تتحقق فيه العلة بالبيع، وإذا نظرنا إلى علة المنع، وهى الغرر أو الربا أو هما معًا، نجد أن العلتين تتحققان معًا فيما ملك بعقد البيع، وأن علة الربا مقصورة على البيع لا تتعداه لغيره من العقود، أما علة الغرر، فإنها تتحقق في كل أسباب الملك حتى الإرث، لأن المال الموروث إذا بيع قبل قبضه قد يهلك قبل القبض، فيعجز البائع عن التسليم، ولكن علة الغرر هذه أقوى فيما ملك بالبيع منها في غيره، لأن فيه غرر انفساخ العقد بهلاك المحل، كما يقول الحنفية، وغرر انفساخه بجحود البائع الأول واحتياله إذا رأى البائع الثاني ربح فيه ربحًا كثيرًا كما يقول ابن تيميه (١) ، ولهذا فإني أرى الوقوف عند النص فلا نمنع البيع قبل القبض إلاَّ فيما ملك بالشراء وحده، وذلك لضعف علة المنع فيما ملك بأسباب التملك الأخرى.
وننتقل بعد هذا إلى بيان ما قاله الفقهاء في هذا الموضوع:
стр. 8205
المبحث الثاني
آراء الفقهاء في حكم بيع الإنسان ما اشتراه قبل قبضه
يستحسن أن نبين أولًا المراد بالقبض عند الفقهاء ثم نذكر الحكم بعده:
المراد بالقبض:
في العقار: إذا كان محل العقد عقارًا فإن قبضه يكون بالتخلية بينه وبين من انتقل إليه الملك، بحيث يتمكن من الانتفاع به الانتفاع المطلوب عرفًاً، وهذا لا خلاف فيه لأنه هو الممكن (١)
في المنقول: أما إذا كان محل العقد مما يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر، فقد اختلف الفقهاء في تحديد القبض بالنسبة له. فقال الحنفية: القبض في المنقول كالقبض في العقار يكون بالتخلية إلاَّ في المكيل والموزون ونحوهما، فإن قبضه يكون باستيفاء قدره (٢) ، والمشهور عن المالكية أن المنقول إن كان جزافًا فقبضه بالتخلية (٣) ، وإن كان مقدرًا فباستيفاء قدره، وإن كان حيونًا أو ثيابًا أو دراهم ونحوها فالمرجع فيه إلى العرف (٤) .
وقال الشافعية: القبض في المنقول يرجع فيه إلى العرف، فما جرت العادة بنقله وتحويله من مكانه، كالأخشاب والحبوب فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به، وما جرت العادة بتناوله باليد كالدراهم والثوب والكتاب ونحوها فقبضه بالتناول (٥) .
стр. 8206
وعند الحنابلة: قبض كل شيء بحسبه، فما ينقل ويحول إن كان جزافًا فقبضه بنقله، وإن كان مكيلًا فقبضه بكيله، وإن كان دراهم ونحوها فقبضه بتناوله باليد، وذلك لأن القبض ورد مطلقًا في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف، والعرف جرى بقبض هذه الأشياء بهذه الصفة، وقد جاء في الحديث ما يدل على أن قبض الجزاف بنقله وتحويله من مكانه.
وروى أبو الخطاب عن أحمد: أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز، لأنه ما دام البائع قد خلى بين المشتري والمبيع من غير حائل، فإن المشتري يعتبر قابضًا للبيع كما في العقار (١) .
والقبض عند الشيعة الزيدية، والإمامية يكون بالتخلية فلا فرق عندهم بين العقار والمنقول، لأن الاستيلاء يحصل بالتخلية وفي مذهب الإمامية قول بأن القبض في القماش هو الإمساك باليد، وفي الحيوان هو نقله (٢) .
ويفرق الظاهرية بين الطعام وغيره، والطعام عندهم هو القمح خاصة، فالقبض في غير الطعام يكون بأن يطلق البائع يد المبتاع عليه بألاَّ يحول بينه وبين ما اشتراه، أي بالتخلية. أما الطعام فلا يتم قبضه إلاَّ إذا نقل من مكانه الذي هو فيه إلى مكان آخر إن يبع جزافًا، وإلاَّ إذا كاله المبتاع إن بيع على الكيل (٣)
والذي أرجحه من هذه الآراء أن المنقول إذا كان مقدرًا فقبضه يكون باستيفاء قدره، وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، وإذا كان جزافًا فقبضه بنقله من مكانه، وهو مذهب الحنابلة ورواية عند المالكية، وفيما عدا الجزاف والمقدر يكون القبض ما يعتبره العرف قبضًا، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة وذلك عملًا بالأحاديث الصحيحة المصرحة بالأمر بالكيل فيما بيع بالكيل، والأحاديث المصرحة بالنهي عن بيع الجزاف حتى ينقل، وعملًا بالعرف فيما لم يرد فيه نص.
стр. 8207
حكم بيع ما لم يقبض:
المجوزون:
ذهب بعض الفقهاء إلى أن القبض ليس شرطًا في صحة البيع فيجوز عندهم بيع كل شيء قبل قبضه، نقل هذا الرأي عن عطاء (١) ، وعثمان البتي (٢) ، من غير استدلال عليه وللشيعة الإمامية قولان في بيع ما لم يقبض قول بالكراهة وحجته أن النهي الوارد في الأحاديث الصحيحة محمول على الكراهية، جمعًا بينها وبين ما دلّ على الجواز، وقول بالحرمة، وقد رجح الشيخ الحلي القول بالكراهة، وهذا نص عبارته: (ولا بأس ببيع ما لم يقبض، ويكره فيما يكال أو يوزن، وتتأكد الكراهية في الطعام، وقيل: يحرم) (٣) . ورجح الشهيد الثاني القول بالحرمة وها هي عبارته: (والأقوى التحريم وفاقًا للشيخ ﵀ في المبسوط مدعيًا الإجماع، والعلامة ﵀ في التذكرة والإرشاد، لضعف روايات الجواز المقتضية لحمل النهي في الأخبار الصحيحة على غير ظاهره) (٤) .
المانعون:
اتفق جمهور الفقهاء على أن هناك أشياء لا يجوز يبعها قبل قبضها، عملًا بالأحاديث الصحيحة المصرحة بالنهي عن بيع بعض الأشياء قبل قبضها، بل إن ابن المنذر قد حكى الإجماع على هذا، ولكن جمهور الفقهاء اختلفوا بعد ذلك في تحديد هذه الأشياء التي لا يجوز بيعها قبل قبضها، كما اختلفوا في هل هذا الحكم عام في كل أسباب التملك أم خاص ببعضها دون بعض؟ (٥) .
وسنذكر فيما يلي آراءهم مفصلة في هذين الموضوعين:
стр. 8208
ما يجوز بيع قبل قبضه وما لا يجوز:
لا يجوز عند الحنفية أن يبيع المشتري المنقول قبل القبض، لأن في هذا البيع غررًا، لأنه لا يدرى هل يبقى المبيع أم يهلك قبل القبض، فيبطل البيع الأول، فينفسخ الثاني، لأنه مبني على الأول، ولا فرق بين أن يبيعه من بائعه أو من غيره، لأن علة المنع تصدق على الحالين.
أما العقار (١) فيجوز بيعه قبل قبضه عند الشيخين استحسانًا؛ لأن تلف العقار غير محتمل فانتفى الغرر. وقال محمد، وزفر: لا يجوز بيعه قبل قبضه كالمنقول، لأن الحديث الوارد فيه النهي عن بيع ما لم يقبض لم يفرق بين العقار والمنقول، أما الشيخان فيريان أن النهي معلل بخشية هلاك المبيع قبل تسليمه، وهذا محتمل في المنقول دون العقار، لذا لو كان العقار يخشى هلاكه قبل القبض، بأن كان على شط النهر أو في موضع لا يؤمن أن تغلب عليه الرمال، فهو كالمنقول لا يجوز بيعه قبل قبضه عند الجميع (٢) .
ويفرق المالكية بين الطعام وغيره، فغير الطعام يجوز بيعه قبل قبضه عقارًا كان أو منقولًا، مكيلًا أو غير مكيل، مستدلين بحديث: (من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يستوفيه) ووجه الاستدلال أن النبي ﷺ خص هذا الحكم بالطعام فدل ذلك على أن غير الطعام مخالف له، غير أنه إذا بيع على الكيل أو الوزن فلا يجوز للمشتري أن يبيعه قبل قبضه بثمن مؤجل، وذلك لأن ضمان المكيل والموزون من البائع حتى يستوفى، فإذا باعه للمشتري بثمن مؤجل قبل أن يستوفى كان ذلك من بيع الكالئ بالكالئ (٣) .
أما الطعام (٤) ، فإن بيع جزافًا يجوز للمشتري أن يبيعه قبل قبضه، أي قبل أن ينقله من مكانه، وذلك لأن الجزاف عندهم يدخل في ضمان المشتري بنفس العقد، لأن استفياءه يكون بتمام العقد، وقد روى الوقار، عن مالك: أنه لا يجوز بيع شيء من المطعومات، بيع على الكيل أو الوزن أو العدد أو على الجزاف، قبل قبضه، وحكى القاضي أبو محمد: أن مالكًا استحب أن يباع بعد نقله، ليخرج من الخلاف (٥) . وإن لم يبع الطعام جزافًا بأن بيع مكايلة أو موازنة أو عدًّا فلا يجوز بيعه قبل قبضه، سواء أكان الطعام ربويًّا أم غير ربويّ على الأشهر، وروى ابن وهب عن مالك جواز بيع غير الربوي قبل قبضه (٦) .
стр. 8209
أما الشافعية فلا يجوز عندهم بيع أي مبيع قبل قبضه طعامًا أو غيره، منقولًا أو عقارًا، إلا بإذن البائع ولا بغير إذنه، لا بعد أداء الثمن ولا قبله، وذلك لحديث حكيم بن حزام، وحديث زيد بن ثابت (١) .
وأما الحنابلة فقد اختلفت الروايات في مذهبهم، فروي عنهم أن القبض شرط في المقدرات، فمن اشترى مكيلًا أو موزونًا، أو مزروعًا لم يجز تصرفه فيه قبل قبضه، سواء كان متعينًا كالصبرة أو غير متعين كقفيز منها.
أما غير المقدرات فيجوز تصرف المشتري فيها قبل قبضها على المشهور، وقال القاضي وأصحابه، إذا كان المقدر معينًا كالصبرة يبيعها من غير تسمية كيل، فإنه يجوز للمشتري التصرف فيها قبل قبضها، وقال ابن عبد البر: الأصح عن أحمد أن الذي يمنع من بيعه قبل قبضه هو الطعام وحده، معينًا أو غير معين، للأحاديث الدالة على ذلك وحكى أبو الخطاب عن أحمد: أن القبض شرط في كل مبيع، فلا يجوز بيع شيء قبل قبضه، واختار هذه الرواية ابن عقيل، لقول ابن عباس: "أرى كل شئ بمنزلة الطعام" (٢)
والشيعة الزيدية كالشافعية لا يجوز عندهم بيع شيء قبل قبضه لحديث حكيم: "إذا ابتعت مبيعًا فلا تبعه حتى تستوفيه" وهو عام في جميع المبيعات (٣) ، ومثلهم الظاهرية (٤) .
وروي عن عثمان بن عفان، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، والحسن، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور أن كل ما بيع على الكيل والوزن لا يجوز يبعه قبل قبضه (٥) ، وروي عن عبد العزيز بن أبي سلمة، وابن حبيب، وربيعة، ويحيى بن سعيد: أن القبض شرط لصحة البيع في كل مكيل أو موزون أو معدود (٦) ، وعن الثوري روايتان: رواية بأن القبض شرط في كل مبيع (٧) ، وأخرى بأنه شرط في المطعومات خاصة سواء بيعت جزافًا أو بيعت على الكيل أو الوزن، أو العدد (٨) .
وقد أيد ابن القيم رأي من يمنع بيع كل شيء قبل قبضه (٩) .
وأنا أؤيده أيضًا، لأنه اقرب الآراء إلى ما يفهم من الأحاديث (١٠)
стр. 8210
العقود التي يشترط قبض المحل فيها قبل بيعه
والعقود التي لا يشترط فيها ذلك:
القاعدة العامة في هذا عند الحنفية أن كل عوض ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بهلاكه قبل القبض لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه كالمهر وبدل العتق، وبدل الصلح عن دم العمد، وفقه هذه القاعدة، أن الصحة هي الأصل في التصرفات الصادرة من الأهل في المحل، وإن الفساد هنا جاء من عارض غرر الانفساخ، وهو غير متوهم في التصرفات التي لا تحتمل الفسخ فبقيت على الأصل، ولهذا جاز بيع الميراث، والموصى به قبل القبض، أما الميراث فلأن معنى الغرر لا يتقرر فيه، ولأن الوارث خلف المورث، ولو كان المورث موجودًا لجاز تصرفه فيه، فكذلك خلفه، وأما الوصية فلأنها أخت الميراث (١)
والحنابلة يوافقون الحنفية في هذه القاعدة، قال ابن قدامة: وكل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض لم يجز التصرف فيه قبل قبضه، كالأجرة وبدل الصلح إذا كانا من المكيل أو الموزون أو المعدود، وما لا ينفسخ العقد بهلاكه جاز التصرف فيه قبل قبضه، كعوض الخلع والعتق على مال وبدل الصلح عن دم العمد وأرش الجناية وقيمة المتلف (٢) .
والشيعة الزيدية يتفقون مع الحنفية والحنابلة، فقد جاء في البحر الزخار: "كل ما يبطل العقد بتلفه حرم بيعه قبل قبضه، فخرج المهر وجعل الخلع والصلح على دم العمد" (٣) .
стр. 8211
ومذهب المالكية أن عقود المعاوضات التي يقصد بها المكايسة والمغابنة لا يجوز بيع ما ملكت به قبل قبضه. وتلك العقود هي البيع، والإجارة، والزواج بالنسبة للمهر، والصلح ونحو ذلك. . . وأن عقود المعاوضات التي لا يقصد منها المغابنة، وإنما تكون على جهة الرفق يجوز بيع ما ملكت به قبل قبضه، ويشمل هذا القسم القرض فقط، وأن عقود المعاوضات التي تتردد بين قصد المغابنة والرفق، وهي الشركة والتولية والإقالة، يجوز بيع ما ملكن به قبل قبضه إذا لم تدخل هذه العقود زيادة أو نقصان، وذلك للأثر الذي رواه مالك من مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: ((من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه)) إلاَّ ما كان من شركة، أو تولية، أو إقالة ولأن هذه العقود إذا لم تدخلها زيادة أو نقصان، فإنما يراد منها الرفق لا المغابنة، فانتفت العلة التي من أجلها منع بيع الطعام قبل استيفائه، وهي مشابهته للعينة (١)
وعند الشافعية لا يجوز بيع ما ملك بعقد من عقود المعاوضات قبل قبضه، وذلك كالمبيع، والأجرة، والعوض المصالح عليه عن المال، والصداق على الأصح، ومثله بدل الخلع، وبدل الصلح عن دم العمد (٢) . فالشافعية يتفقون مع المالكية في منع بيع الصداق وما بعده، وإن كان تعليل الشيرازي للمنع يستلزم أن يكون رأيهم كرأي الحنفية، وذلك حيث يقول: "ولا يجوز بيع ما لم يستقر ملكه عليه كبيع الأعيان المملوكة بالبيع والإجارة والصداق وما أشبهها من المعاوضات قبل القبض. . . لأنه ربما هلك فانفسخ العقد" (٣)
هذا بالنسبة لعقود المعاوضات، وأما ما ملك بعقد لا معاوضة فيه فيجوز عند جمهور الفقهاء بيعه قبل قبضه، وذلك كالوصية، وكذلك ما ملك بغير عقد كالإرث (٤)
ويرى الظاهرية أن الطعام، والطعام عندهم هو القمح خاصة، لا يجوز بيعه قبل قبضه سواء أملك بعقد معاوضة كالشراء، أم بغير معاوضة كالهبة، أم بغير عقد كالميراث، وذلك لحديث ابن عباس: أما الذي نهى عنه رسول الله ﷺ أن يباع حتى يقبض فهو الطعام، فهذا يدل على أن الطعام: بأي وجه ملك لا يجوز بيعه قبل قبضه، أما غير الطعام فلا يجوز بيعه قبل قبضه إذا ملك بالشراء خاصة، وذلك لحديث حكيم بن حزام: "إذا ابتعت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه"، فإنه يدل على أن المنهي عنه هو البيع فقط قبل القبض فيما ملك بالشراء فقط (٥) .
стр. 8212
علة منع بيع الإنسان ما اشتراه قبل قبضه:
يعلل الحنفية منع بيع الإنسان ما اشتراه قبل قبضه بالغرر، جاء في تنوير الأبصار وشرحه: صح بيع عقار لا يخشى هلاكه قبل قبضه من بائعه لعدم الغرر لا بيع منقول، قال في الحاشية: أي غرر انفساخ العقد على تقدير الهلاك (١) ، ويقول الكاساني: "ومنها، أي من شروط الصحة، القبض في بيع المشترى المنقول فلا يصح بيعه قبل قبضه، ولأنه بيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه، لأنه إذا هلك المعقود عليه قبل القبض يبطل البيع الأول، فينفسخ الثاني، لأنه بناه على الأول، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع فيه غرر (٢)
ويعلل المالكية منع بيع الطعام قبل قبضه بأنه قد يتخذ ذريعة للتوصل إلى الربا، فهو عندهم من باب سد الذرائع، وذلك كما يقول الباجي: إن صاحب العينة يريد أن يدفع دنانير في أكثر منها، فإذا علم بالمنع في ذلك توصل إليه بأن يذكر حنطة بدينار، ثم يبتاعه بنصف دينار دون استيفاء، ولا قصد لبيعه ولا لابتياعه، فلما كثر هذا وكانت الأقوات مما يتعامل بها في كثير من البلاد، ولاسيما في بلاد العرب، وكان ذلك مما يقصد لهذا المعنى كثيرًا، لمعرفة جميع الناس لثمنه وقيمته، منع ذلك فيها وشرط في صحة توالي البيع فيها القبض، لأن ذلك نهاية التبايع فيها وإتمام العقد ولزومه، ولم يشترط ذلك في سائر المبيعات، لأنه لم يتكرر تعامل أهل العينة بها، لأن ثمنها يخفى في الأغلب ويقل مشتريها (٣) .
والشافعية يعللون المنع بالغرر كالحنفية، يقول الشيرازي: (ولا يجوز بيع ما لم يستقر ملكه عليه. . . لأنه ربما هلك فانفسخ العقد، وذلك غرر من غير حاجة) (٤) .
стр. 8213
والحنابلة يتفقون مع الحنفية في أن علة منع بيع الشيء قبل قبضه هي غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه فيقول ابن قدامة: لكن ما يتوهم فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه لم يجز بناء عقد آخر عليه، تحرزًا من الغرر، وما لا يتوهم فيه ذلك الغرر انتفى المانع فجاز العقد عليه (١) .
والعلة عند الشيعة الزيدية هي ضعف الملك قبل القبض (٢) .
ويعلل ابن تيمية المنع: بعدم القدرة على التسليم، لأن البائع الأول قد يسلم البائع الثاني المبيع، وقد لا يسلمه، لاسيما إذا رآه قد ربح، فيسعى في رد البيع إما بجحد، أو باحتيال في الفسخ.
وكل هذه العلل ترجع إلى علتين في الواقع:
إحداهما: الربا، وهو ما يراه المالكية، وقد ذهب إلى هذا من قبلهم ابن عباس حين قال: "ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ" (٣)
كما ذهب إليه أبو هريرة، وزيد بن ثابت حين قالا لمروان: "أحللت بيع الربا" (٤) .
وثانيهما: الغرر الناشئ عن عدم القدرة على التسليم، وهو رأي سائر الأئمة، غير أن عدم القدرة على التسليم، وهو رأي سائر الأئمة، غير أن عدم القدرة على التسليم سببها احتمال هلاك المحل عند الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وضعف الملك عند الزيدية، واحتمال عدم تسليم البائع الأول عند ابن تيمية، وكلتا العلتين متحققتان في عقد البيع.
ونضيف إلى هذا: أن في النهي عن بيع السلع قبل قبضها إيجاد فرص للعمل، وذلك لأن في بيع السلع قبل قبضها حرمانًا لعدد كبير من العمال الذين يقومون بالكيل والحمل، فإن التاجر يفضل أن يبيع السلعة وهي في مكانها ما دام يجد ربحا، ثم إنا لو أبحنا للتجار بيع السلع قبل قبضها، فإن أسعارها ترتفع وهي في مكانها فتعود الفائدة كلها إلى طبقة التجارة، ولا ينال العامل فائدة من هذه العمليات، في حين أنه يناله ضرر ارتفاع السعر، وفي هذا مصلحة للتاجر، وضرر للعامل، أما منع بيع السلع قبل قبضها فإن فيه مصلحة للعمال ولا ضرر فيه على التجار.
стр. 8214
المبحث الثالث
بعض الصور المستحدثة وحكمها
أذكر في هذا المبحث بعض الصور الممارسة في بيع المرابحة للآمر بالشراء بالنسبة للقبض في بيع المطلوب منه السلعة لطالبها، لأن هذا البيع كثر استعماله في البنوك الإسلامية، وكثيرًا ما يدخله الفساد بسبب التساهل في قبض المطلوب منه السلعة من بائعها قبل أن يبيعها لطالبها.
السلعة المطلوبة في بيع المرابحة للآمر بالشراء قد تكون موجودة في السوق المحلي، فيأتي شخص ويطلب من البنك شراءها وبيعها له مرابحة، وقد يقدم طالب السلعة للبنك فاتورة مبدئية من مالك السلعة تعين فيها السلعة وثمنها، وقد ظهر لي من مراقبتي لأعمال البنوك في هذا البيع أن تطبيقه يتم في أربع صور، اثنتان منهما صحيحتان، واثنتان غير صحيحتين:
فالاثنتان الصحيحتان إحداهما أن يتسلم الموظف المسئول في البنك الفاتورة المبدئية ويذهب إلى مالك السلعة ويشتريها منه للبنك، وينقلها إلى مخازن البنك ثم يعرضها على طالبها، فإذا رغب في شرائها وقَّع معه عقد البيع.
فهذه الصورة لا شبهة في صحتها. والصورة الأخرى أن يتسلم الموظف الفاتورة ويذهب إلى مالكها ويشتريها منه للبنك، ولكنه بدلًا من أن ينقلها إلى مخازن البنك يطلب من البائع أن يتركها عنده إلى أن يرسل له من يتسلمها، فتكون السلعة بعد هذا أمانة عند البائع وتنقلب يده عليها من يد ضمان، بعد البيع وقبل التسليم، إلى يد أمانة، لأنه خلى بين المشتري والسلعة، فإن شاء تسلمها، ولكنه لم يشأ وتركها عند بائعها.
ثم يتصل الموظف بطالب السلعة، ويخبره بأنه اشترى السلعة وهي بمكان كذا، وقد يكون طالب السلعة مع الموظف، فيعرض عليه السلعة، فإذا رغب في شرائها وقع معه عقد البيع، وسلمه السلعة، أو أعطاه إذنًا بتسلمها.
فهذه الصورة شبيهة بالأولى، لأن بيع البنك السلعة لطالبها وقع بعدما تسلَّم موظف البنك السلعة من بائعها بالتخلية بين الموظف والسلعة بعد شرائها منه.
стр. 8215
والصورتان غير الصحيحتين، إحداهما أن يتسلم الموظف الفاتورة المبدئية من طالب الشراء، ويشتري السلعة للبنك حسب الفاتورة، وقد يكون هذا الشراء بالتلفون، ثم يبرم عقد البيع مع طالب السلعة، ويعطيه شيكًا بالمبلغ المبين في الفاتورة ليسلمه للبائع، ويتسلم منه السلعة.
هذه الصورة غير صحيحة لأن البنك، وإن كان قد تملك السلعة قبل أن يبيعها لطالبها، إلاَّ أنه لم يتسلمها، لا حقيقة ولا حكما، ولم تدخل في ضمانه.
والصورة الأخرى أن يتسلم الموظف الفاتورة المبدئية من طالب الشراء، ثم يبرم معه عقد البيع للسلعة المبينة في الفاتورة بربح ١٠ % مثلا، ويعطيه شيكًا بالثمن المبين في الفاتورة ليسلمه للبائع، ويتسلم منه السلعة.
هذه الصورة غير صحيحة قطعًا؛ لأن البنك باع السلعة قبل أن يتسلمها، بل قبل أن يتملكها، فهي عقد قرض بفائدة في صورة بيع.
ويجب على المسئولين في البنوك الإسلامية تحذير الموظفين من ممارسة هاتين الصورتين في بيع المرابحة للآمر بالشراء.
هذا ما يتعلق بالسلعة الموجودة في السوق المحلي، أما السلعة المطلوب استيرادها من بلد آخر فلها حكم مختلف، وسأذكر فيما يلي بالنسبة للسلع المستوردة عن طريق البيع البحري في صوره المعترف بها دوليًّا، والمقصود بالبيع البحري الذي يستلزم نقل البضاعة المبيعة عن طريق البحر، واهم صوره هي:
١- البيع مع شرط التسليم في ميناء الوصول:
وهذا الشرط يعني أن البائع ملزم بشحن البضاعة على السفينة التي يتفق عليها الطرفان، أو في الموعد الذي يتفقان عليه على أي سفينة يختارها البائع، ولا يتم تسليم البضاعة إلاَّ بعد وصول السفينة إلى الميناء المعنية، ويترتب على هذا الشرط أن البضاعة تكون في ضمان البائع إلى أن يتسلمها المشتري، فإذا هلكت في الطريق هلكت على البائع، ولا تدخل في ضمان المشتري إلاَّ بعد وصول السفينة إلى الميناء، وتسلمه البضاعة تسلمًا حقيقيًّا أو حكميًّا بأن يكون متمكنًا من التسلم، ولو لم يتسلم بالفعل.
في هذه الصورة من البيع لا يجوز لمشتري البضاعة أن يبيعها قبل أن تصل السفينة إلى الميناء، ويتم تسلمه البضاعة على النحو الذي ذكرته.
стр. 8216
٢- البيع مع شرط التسليم في ميناء القيام:
في هذه الصورة من البيع يتم تسليم البضاعة للمشتري أو وكيله بعد أن ينقلها البائع إلى الميناء ويشحنها على السفينة التي يعنيها المشتري، وعلى المشتري أو وكيله إبرام عقد النقل مع السفينة ودفع المصاريف، وقد يتولى البائع إبرام عقد النقل بتوكيل من المشتري لحسابه أو بإتفاق في عقد البيع على أن يبرم البائع عقد النقل على السفينة التي يعنيها المشترى، ويدفع جميع المصاريف التي تكون جزءًا من ثمن الشراء.
وفي جميع هذه الحالات يكون المشتري متسلمًا للبضاعة في ميناء القيام، وتدخل في ضمانه، ويتحمل تبعة هلاكها في الطريق فيجوز له على هذا أن يبيعها وهي في الطريق على ظهر السفينة، ويكون البيع بعد تسلم المشتري سند الشحن من البائع الذي يصله عادة قبل وصول البضاعة ويتم البيع بينه وبين المشتري الجديد بتسلمه سند الشحن، لأن هذا السند يمثل البضاعة في العرف التجاري.
وينبغي أن يطبق على هذا النوع من البيع حكم بيع العين الغائبة؛ لأن البائع، وإن كان مالكًا للبضاعة وقابضًا لها، إلاَّ أن البضاعة ليست حاضرة، وسند الشحن فيه وصف للبضاعة المبيعة فيكون هذا البيع من قبيل بيع العين الغائبة على الصفة، وهو جائز عند جمهور الفقهاء، مع اختلافهم في لزومه وعدمه، والرأي المقبول عندي هو أن مشتري العين الغائبة على الصفة إذا وجدها متفقة مع الصفة لزمته، وإذا كانت مختلفة فله الخيار في إمضاء البيع وفسخه، وهذا هو رأي أكثر القائلين بجوز بيع العين الغائبة على الصفة (١)
وينبغي التنبيه أيضًا إلى أن جواز بيع البضاعة في الطريق بعد تسلم سند الشحن خاص بالمشتري الأول، أما المشتري الثاني فلا يجوز له بيع البضاعة التي اشتراها بناء على سند الشحن إلاَّ بعد وصول السفينة، وتسلم البضاعة؛ لأنه لو باعها في السفينة في الطريق يكون قد باع ما اشتراه قبل قبضه.
والله الموفق والهادي إلى الصواب.
стр. 8217
ملخص البحث
وردت أحاديث صحيحة في هذا الموضوع تدل على نهي من اشترى طعامًا أن يبيعه قبل قبضه سواء أكان الطعام معينًا، بأن اشتراه جزافًا، أم غير معين بأن اشتراه على الكيل أو الوزن، والنهي الوارد في الحديث للتحريم فيكون بيع الطعام قبل قبضه غير صحيح، وهو ما جرى عليه العمل في عهد الصحابة.
والمراد بالطعام كل ما يطعم من قمح وشعير وسائر أنواع المطعومات سواء أكانت مأكولات أو كانت من الأدم.
والقبض يكون في المكيل والموزون ونحوهما باستيفاء قدره وفي الجزاف بتحويله إلى مكان آخر غير المكان الذي بيع فيه، وفي غيرها بحسب العرف.
والنهي ليس خاصًا بالطعام، وإنما يتناول الطعام وغيره، منقولا كان أو عقارا لحديث حكيم بن حزام: "إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه". وحديث زيد بن ثابت الذي ورد فيه النهي عن بيع السلع، حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، ويقول ابن عباس: ولا احسب كل شيء إلاَّ مثله، ولأن علة النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، وهي الربا والغرر، متحققة في بيع غير الطعام قبل قبضه.
وكل الأحاديث تدل على أن النهي عن البيع قبل القبض هو فيما ملك بالشراء خاصة، ولهذا فإني أرى الوقوف عند نص هذه الأحاديث.
هذا ما فهمته من الأحاديث، أما آراء الفقهاء فتتلخص في الآتي:
اتفق جمهور الفقهاء على أن هناك أشياء لا يجوز بيعها قبل قبضها بل إن ابن المنذر حكى الإجماع على هذا، واختلف الجمهور بعد ذلك في تحديد هذه الأشياء.
كما اختلفوا في هل المنع عام في كل أسباب المتملك أم خاص ببعضها دون بعض؟
стр. 8218
فالحنفية لا يجوز عندهم أن يبيع المشتري المنقول قبل قبضه، أما العقار فيجوز بيعه قبل قبضه عند الشيخين استحسانًا، ولا يجوز عند محمد وزفر.
والمالكية يفرقون بين الطعام وغيره، فغير الطعام يجوز بيعه قبل قبضه عقارا كان أو منقولا، مكيلا أو غير مكيل، أما الطعام فإن بيع جزافًا يجوز للمشتري أن يبيعه قبل قبضه، وإن بيع مكايلة أو موازنة أو عدًا فلا يجوز بيعه قبل قبضه.
والشافعية لا يجوز عندهم بيع أي مبيع قبل قبضه، طعامًا أو غيره، منقولا أو عقارا
واختلفت الروايات في مذهب الحنابلة فروي عنهم أن القبض شرط في المقدرات، أما غير المقدرات فيجوز تصرف المشتري فيها قبل قبضها على المشهور، وقال ابن عبد البر: الأصح عن أحمد أن الذي يمنع من بيعه قبل قبضه هو الطعام وحده، وحكى أبو الخطاب عن أحمد: أن القبض شرط في مكان كل مبيع، واختار هذه الرواية ابن عقيل.
وأيد ابن القيم رأي من يمنع بيع كل شيء قبل قبضه.
واتفق الفقهاء على أن القبض في العقار يكون بالتخلية بينه وبين المشتري، واختلفوا في قبض المنقول، فقال الحنفية: القبض في المنقول كالقبض في العقار، يكون بالتخلية إلاَّ في المكيل والموزون ونحوهما، فإن قبضه يكون باستيفاء قدره، والمشهور عن المالكية أن المنقول إن كان جزافا فقبضه بالتخلية، وإن كان مقدرا فباستيفاء قدره، وإن كان حيوانا أو ثيابا أو دراهم ونحوها فالمرجع فيه إلى العرف.
وقال الشافعية القبض في المنقول يرجع فيه إلى العرف.
وعند الحنابلة قبض كل شيء بحسبه. . وروى أبو الخطاب عن أحمد أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز.
واتفق الأئمة الأربعة على أن كل ما ملك بعقد لا معاوضة فيه يجوز بيعه قبل قبضه، وذلك كالوصية، وكذلك ما ملك بغير عقد كالإرث.
أما ما ملك بعقد من عقود المعاوضات فالقاعدة العامة عند الحنفية والحنابلة "أن كل عوض ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بهلاكه قبل القبض لا يجوز بيعه قبل قبضه" ومذهب الشافعية متفق مع هذه القاعدة.
стр. 8219
ومذهب المالكية أن عقود المعاوضات التي يقصد بها المكايسة والمغابنة لا يجوز بيع ما ملكت به قبل قبضه، وأن عقود المعاوضات التي لا يقصد منها المغابنة، وإنما تكون على جهة الرفق يجوز بيع ما ملكت به قبل قبضه، وأن عقود المعاوضات التي تتردد بين قصد المغابنة والرفق، وهي الشركة والتولية والإقالة، يجوز بيع ما ملكت به قبل قبضه، إذا لم تدخلها زيادة أو نقصان.
وعلة منع بيع الإنسان ما اشتراه قبل قبضه هي الربا عند المالكية، والغرر الناشئ عند عدم القدرة على التسليم عند الأئمة الثلاثة، لاحتمال هلاك المحل.
والصور المستحدثة في هذا الموضوع التي رأيت التنبيه إليها في هذا البحث تتصل ببيع المرابحة للآمر بالشراء، الذي كثر العمل به في البنوك الإسلامية، وكثيرًا ما يدخله الفساد بسبب تساهل المطلوب منه السلعة في قبضها من البائع، قبل بيعها لطالبها.
فمن الصور الفاسدة في هذا البيع أن يقدم طالب السلعة للبنك فاتورة مبدئية بما يطلب شراءه، فيشتري الموظف السلعة للبنك حسب الفاتورة، وغالبًا ما يتم هذا الشراء بالتلفون، ثم يبرم عقد البيع مع طالب السلعة ويعطيه شيكًا بالمبلغ المبين في الفاتورة ليسلمه للبائع، ويتسلم منه السلعة، قبل أن يتسلم هو السلعة أو يراها.
وقد يتساهل بعض الموظفين بأكثر من هذا فيبرم عقد البيع مع طالب الشراء بمجرد تقديمه للفاتورة المبدئية بربح ١٠ % مثلا، ويسلمه شيكًا بالثمن المبين في الفاتورة. فهذا عقد قرض بفائدة، وليس بيعًا.
ومن صور البيع الفاسدة بيع السلعة وهي في الطريق على ظهر السفينة، بناء على تسلم مستند الشحن، إذا كان البيع الأول تم بشرط التسليم في ميناء الوصول، فإن المشتري لا يجوز له أن يبيع السلعة قبل وصولها الميناء وتسلمها، ولو تسلم سند الشحن.
الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير
стр. 8220
القبض:
أنواعه، وأحكامه في الفقه الإسلامى
إعداد
فضيلة الدكتور محمد رضا عبد الجبار العاني
الأستاذ المساعد بكلية الشريعة بجامعة بغداد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تعريف القبض:
القبض الأخذ قبض الشيء: أخذه. وصار الشيء في قبضتك وفي قبضتك أي: صار في ملكك وقبضه المال: أعطاه إياه (١) . هذا معنى القبض في اللغة.
أما تعريف القبض في الاصطلاح فيمكن القول أنه: حيازة الشيء حقيقة أو حكمًا.
فوضع اليد على الشيء حقيقة كأخذ الشيء وتسلمه، أما حيازة الشيء حكمًا فإنه التخلية بين مستحق الشيء وحقه، فإنه في حكم المقبوض وإن لم يقبض حقيقة.
الواقع أن القبض من المسائل المهمة بالنسبة للأموال. فهو تارة يكون صحيحًا وتارة غير صحيح هذا من جهة. ومنه جهة أخرى يكون للقبض تأثيره في انعقاد العقود وتمامها. ومن جهة ثالثة فإن صوره متعددة وقد اختلف فيها حسب طبيعة الأموال ذات العلاقة. ومن ثم فإن للقبض أثره في تقييد تصرفات المالكين في أملاكهم.
وقد عقدت للبحث في هذه الأمور أربعة مباحث:
стр. 8221
المبحث الأول
القبض من حيث الصحة وعدمها
(١) .
القابض لمال غيره لا يخلو: إما أن يقبضه بإذن مالكه أو بغير إذنه. فإن قبض المرء أموال غيره بدون إذن المالك، فهذا القبض إما أن يكون مستندًا إلى إذن شرعي أو عرفي، أو لا يستند إلى مثل هذا الإذن.
فإذا كان القابض يستند إلى إذن شرعي فإن قبضه قبض صحيح لا يترتب عليه ضمان لمالكه الأصلي، كما هو حال ملتقط اللقطة، فإنه يقبض اللقطة بدون إذن مالكها لكنه مستند إلى إذن شرعي بأخذه اللقطة لحفظها فلا ضمان عليه ما لم يكن مقصده أخذ اللقطة لتملكها.
وقد يكون الإذن للقابض أموال غيره عرفيًا. مثاله من قبض أموال غيره لينقذها من التلف. فهذا القبض يكتسب الصحة فلا ضمان على القابض ما لم يقترن بالأخذ القصد السيئ.
أما إذا افتقر القبض إلى الإذن الشرعي أو العرفي، فإن مثل هذا القبض قبض المتعدي كالغاصب والسارق وأمثالهما، وفي هذه الحال وجب على الآخذ رد المال إلى مالكه مع تحمل مسئولية الضمان.
إن دوام القبض واستمراره بدون إذن له أحوال ثلاثة:
أولًا: امتناع من وجب عليه تسليم ما وجب تسليمه إلى مستحقه بدون وجه حق. ومثاله امتناع البائع عن تسليم المبيع للمشتري بلا مبرر شرعي، وحكم البائع الممتنع هنا حكم الغاصب فعليه تبعة الضمان.
стр. 8222
ثانيًا: استمرار المال المعقود عليه الذي وجب رده بسبب انتهاء العقد أو فسخه تحت يد من وجب عليه رده إلى مستحقه. مثاله بقاء العين المستأجرة تحت يد المستأجر مع أن مدة الإجارة قد انتهت. ومنه بقاء المبيع المعيب الموجب للفسخ تحت يد المشتري. ومثاله أيضا طلاق المرأة القابضة لصداقها قبل الدخول وجب عليها رد نصفه.
وفي وجود الضمان على أمثال هؤلاء خلاف بين العلماء.
ثالثا: حصول القبض بدون فعل القابض ومثاله: من مات مورثه وكان في يده لهذا المورث أموال مودعة أو أموال شركة أو مضاربة. ومنه أيضًا من ألقت الريح في بيته ثوبًا أو ألقى النهر في حوضه مالًا.
إن الإمساك في مثل هذه الأحوال يفتقر إلى إعلام المالك، لأن المالك لم يأتمن هؤلاء على حفظ الأموال وهذه الحكم على خلاف بين العلماء أيضا.
والقول بعدم ضمان هؤلاء أولى، إلا إذا قارن استدامة القبض ما يفيد توجه نيتهم إلى تملك أموال الغير.
أما إذا أخذ القابض أموال غيره بإذن المالك، فله نوعان:
النوع الأول: يفيد نقل ملكية المقبوض إلى القابض كقبض المشتري للمبيع وقبض الموهوب له الهبة.
النوع الثاني: لا يحصل بأخذ القابض ملك المال المقبوض وهو أقسام:
١- قسم يتم قبضه لمنفعة القابض كقبض المستعير العين المستعارة. فإذن المعير بالقبض متعلق بالانتفاع بالعين.
وضمان المستعير قد اختلف الفقهاء فيه فالشافعية والحنابلة على مشهور المذهبين يكون المستعير ضامنًا وعند الحنفية تقرر أمانة المستعير فلا يضمن إلا بالتعدي، والمالكية لهم تفصيل بين ما يمكن تغييبه فيضمن كالحلي وما لا يمكن تغييبه كالدواب فهو أمانة.
٢- قسم يتم القبض فيه لمصلحة المالك لا القابض كالوديع فإنه أمين لا يضمن إلا بالتعدي.
٣- قسم يتم القبض فيه لمنفعة القابض والمالك معًا وهو نوعان:
الأول: قبض على وجه الملك كالمقبوض بعقد فاسد. أو ما قبض على سوم الشراء. وفي ضمان القابض هنا خلاف العلماء.
الثاني: ما قبض لمصلحتهما لا على وجه التمليك. كما في المضاربة والشركة والوكالة. فالقابض أمين وفي أمانة قابض الرهن خلاف.
ويلاحظ أخيرًا أن هناك مقبوضات يجب تخليتها ولا مالك لها من الناس، مثاله صيد الحرم إذا قبضه المحرم.
كما أن هناك مقبوضات وهي لمالك غير معين كالزكاة الواجبة في العين يجب أن تدفع لمستحقها.
* * * *
стр. 8223
علاقة القبض بالعقد
(١)
للقبض علاقة وثيقة بالعقد وانعقاده. وله بهذا الاعتبار حالان:
الحال الأول: يكون القبض أثرًا من آثار العقد وواحدًا من موجباته. كما هو الحال في البيع اللازم والرهن اللازم والهبة اللازمة.
فإذا تم انعقاد هذه العقود وأمثالها وجب على البائع تسليم المبيع إلى المشتري ووجب على الواهب تسليم الهبة إلى الموهوب له.
ويلاحظ هنا أن العقد تم بإيجاب وقبول تولد عنهما التزام يوجب الإقباض.
الحال الثاني: يكون القبض من تمام العقد كقبض الثمن في السلم، والتقابض يدًا بيد في الأموال الربوية، فإذا تفرق العاقدان بدون القبض بطل العقد.
وهنا يلاحظ أن القبض لو تم قبل التفرق فإنه يستند إلى سبب صحيح وهو الإيجاب والقبول فالقبض شرط تمام لا انعقاد.
كما أن القبض معتبر في تمام عقود التبرعات كالهبة غير اللازمة والرهن والوقف والوصية والإعارة على خلاف بين العلماء.
يثور جدل بين الفقهاء حول القبض هنا. هل هو شرط لزوم العقد واستمراره أو أنه شرط انعقاد العقد وإنشائه؟
فمنهم من يرى أن القبض شرط لزوم العقد واستمراره وهو ليس ركنًا فيه، لأن العقد تراض في نظر الشرع وهو يتم بالإيجاب والقبول، لكنه عقد غير لازم يفتقر إلى القبض مع خلاف بين العلماء بين عقد وعقد.
стр. 8224
ومنهم من يرى أن القبض ركن في العقد لأنه تمام الرضا فلا ينعقد العقد ولا ينشأ إلا بحصول القبض، وعلى هذا فلا أثر للإيجاب والقبول في تكوين العقد.
لكن هذا الرأي محل نظر شديد، لأن المعنى الشرعي للعقد: ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه يظهر أثره الشرعي في محله.
وهذا المعنى للعقد يتحقق بالإيجاب والقبول.
كما يقال هنا إن العقود التي تضاف إلى المستقبل قد قال العلماء فيها إنها تنعقد حالا، أما التصرف فيكون حين تحقق ما أضيف إليه العقد من الزمن. فمن قال لآخر: أعرني سيارتك للغد فرضي فجاء الغد فأخذ المستعير السيارة فإنه آخذ مستندًا إلى سبب صحيح من الإيجاب والقبول، فكيف يقال إن القبض ركن في العقد؟ لأن الركن جزء من الماهية وليس كذلك القبض.
على أن الإمام مالك ﵀ في مشهور مذهبه وسار عليه فقهاء مذهبه أن عقود التبرعات تلزم بالإيجاب والقبول وعلى المتبرع إقباض ما تبرع به – إلى المتبرع له – بناء على قاعدة مالك الشهيرة:
(من ألزم نفسه معروفا لزمه إلا من موت أو فلس) .
فالقبض ليس ركنًا في العقد كما أنه ليس شرط لزوم وتمام بل إنه أثر للعقد. وهذا هو الذي يبدو لي راجحًا والله أعلم.
стр. 8225
البيع والقبض
تقدم أن البيع من عقود المعارضات الناقلة للملكية. لكن ورود بعض الآثار عن النبي ﷺ في النهي عن بيع المبيع قبل قبضه أثارت كلامًا عند العلماء في مسألة استقرار الملكية المترتبة على عقد البيع.
ويشير ابن رجب إلى روايتين في مذهب الحنابلة بهذا الخصوص:
الرواية الأولى: أن البيع لا ينعقد فيما يعتبر فيه القبض كالمكيلات والموزونات فلا ينعقد البيع لا بالكيل أو الوزن إذا كان معلومًا، أما إذا كان صبرة وجب نقله، فعلى هذه الرواية لا ينتقل الملك ولا الضمان إلى المشتري بل هو ملك البائع وفي ضمانه.
وهذا منتقد حسب ما ذكرنا قبل قليل من أن مثل هذا القول يدخل في ماهية.
العقد (الإيجاب والقبول) ما ليس منه. فالكيل والوزن شرط لا ركن على الصحيح.
الرواية الثانية: أن البيع ينعقد وينقل الملك إلى المشتري بدون القبض، إلا أن ضمان التلف على البائع قبل القبض في المكيل والموزون المعلوم.
وهذه الرواية هي الراجحة وينبغي المصير في تقرر رأي المذهب إليها.
* * *
стр. 8226
المبحث الثالث
صور تحقق القبض
(١) .
لما كان للقبض أهمية في نقل الضمان واستقرار المالكية، فجدير بنا أن نقف عند الصور التي يتحقق بها حسب ما نظرها فقهاؤنا ﵏. ومجمل هذه الصور أنها تخضع لعرف الناس وعاداتهم مع مستثنيات يرد ذكرها بإذن الله.
أولا – المناولة:
مناولة الشيء إلى مستحقه يعتبر إقباضًا له كالحلي والجواهر والأقلام والكتب وغير ذلك من السلع. وهذه الصورة أكثر أنواع القبض وأقواها.
ثانيًا – التخلية ورفع الحائل
إذا خلى البائع بين المشتري وبين المبيع على وجه يتمكن من قبضه من غير حائل وكذلك تسليم الثمن، فإن ذلك يعتبر قبضًا وينتقل الضمان معه والملك إلى المشتري وينبغي أن يقترن ذلك بثلاثة أمور:
الأول: أن يقول البائع خليت بينك وبين المبيع.
الثانى: أن يكون المبيع بحضرة المشتري على صفة يتأتى فيه القبض من غير مانع.
الثالث: أن يكون المبيع مفرزًا غير مشغول بحق غيره.
وعلى هذا فلو دفع المفاتيح للمشتري يعتبر قبضًا، وإن كانت مشغولة بمتاع البائع لم يكن قبضًا، وإن كان متاع غير البائع صح القبض وكان المتاع وديعة عند المشتري.
وإذا بيعت الدار غائبة فقال: سلمتك إياها، لا يصير قبضًا، وإذا كانت قريبة أي بحال يقدر المشتري على إغلاقها فإنه قبض على رأي. وفي رأي آخر التخلية قبض وإن كان المبيع ببعد عنهما.
وفي البيع الفاسد تكون التخلية قبضًا على بعض النقول. وفي نقول أخرى أن الأصح أن التخلية ليست قبضًا هذا مذهب الحنفية فلا فرق بين مكيل أو موزون وغيره.
стр. 8227
أما مذهب المالكية:
فإن البيع إذا كان صحيحا، فإن الضمان يدخل في ضمان المشتري بمجرد العقد، فإذا كان المبيع حاضرًا وليس فيه حق توفيه من وكيل أو وزن أو عدد كحيوان وكتان فإن ضمانه ينتقل إلى المشتري بمجرد العقد. أما إذا كان فيه توفيه مما ذكر أو كان المبيع غائبًا، أو كانت السلعة محبوسة بسبب تأخر دفع ثمنها أو للإشهاد على حكم من أحكام البيع كتأجيل الثمن أو حلوله. ففي هذه الأحوال وأمثالها لا ينتقل الضمان إلى المشتري إلا بالقبض.
وبناء على ما تقدم فإن التخلية تكون تحصيلا لحاصل في غير المستثنيات.
لكنه يلاحظ أن التخلية كصورة للقبض إنما يظهر أثرها في العقد الفاسد، فإن الأرض وما اتصل بها من بناء أو شجر يدخل في ضمان المشتري في البيع الفاسد بمجرد التخلية بين المشتري وبين المبيع إذ أن العقد الفاسد لا يقوى على نقل الضمان بمجرد التخلية ولا يشترط هنا الإخلاء من أمتعة البائع. ثم إن من لوازم التخلية هنا – كما في الدار مثلا – إعطاء المفاتيح للمشتري، فلو مكن البائع المشتري من التصرف بأن فتح الأبواب ومكنه من السكنى ومنعه المفاتيح، فإن في كون ذلك قبضا نظرًا.
كما يلاحظ أن قبض المثليات في البيع الفاسد إنما يكون بالكيل ومثله.
ورأي المالكية في الشيء الغائب يشترى بناء على الصفة أو على رؤية سابقة متقدمة، فإن الضمان لا ينتقل إلى المشتري إلا بالقبض، وهذا في غير العقار. أما العقار فإنه يدخل في ضمان المشتري بمجرد العقد ما لم يوجد شرط يغيره.
كما أن بيع الثمار بدا صلاحها قبل طيبها يبقي الضمان في ذمة البائع إلى أن تطيب فينتقل الضمان إلى المشتري.
стр. 8228
ومذهب الشافعية:
أن ما لا يمكن نقله مثل العقار، فإن التخلية وتمكين القابض وإزالة يد المقبض يعتبر قبضًا.
أما ما جرت العادة بنقله فإنه ضربان:
الأول: ما استحق كليه أو وزنه من السلع، فإن قبضه بالكيل أو الوزن، ثم نقله بعد تقديره.
الثاني: ما جرت العادة بنقله دون كيل أو وزن كالأمتعة والأدوات، فإن قبضه يكون بنقله إلى مكان لا يختص ببائعه فلا تكفي فيه التخلية على الأصلح، فإن اختص بالبائع يطلب إذن المشتري ليكون الشيء بيد البائع بطريق الإعارة.
على أن مجرد التخلية في المنقول والمقدر ينقل الضمان إلى المشتري ولكنه لا يجوز للمشتري التصرف في المبيع قبل القبض بالتقدير والنقل.
وفي الثمار إذا بيعت بعد بدو صلاحها وينعها تكون التخلية قبضًا.
ويقبض الوالد لولده أو حفيده، ويقبضه من نفسه عن ولده لنفسه، ولو كان للمدين حق في يد الدائن فأمر المدين دائنه ليقبضه من يده لنفسه، فإن في وقوعه قبضًا خلافًا.
ولو كان المقبوض غائبًا فلابد أن يمضي زمان يمكن المضي اليه. ولو كان ما يستحق قبضه بيد القابض وهو غائب فلابد من مضي الزمان. وفي اشتراط رؤية الغائب خلاف، فإذا اشترطت الرؤية ففي اشتراط النقل لتحقق القبض خلاف.
أما الحنابلة:
فإن الروايات تعددت عندهم.
فعلى إحدى الروايات: أن التخلية إذا كان الشيء مميزًا معينًا ولو مشاعا يعتبر قبضًا على الصحيح. لأنه ليس على البائع إلا التمكين، أما القبض والنقل فإنه واجب المشتري فلو فرط المشتري في نقله سقط الضمان عن البائع.
ويقابل الصحيح طريقة أخرى في غير المعين في كون تخليته للمشتري قبض فلهم فيه روايتان.
وقيل إن الإمام أحمد ﵀ فرق بين المبهم فجعل قبضه كيله. أما الصبرة فإن قبضها نقلها.
وهناك رواية أخرى اعتمدها الخرقي أن قبض كل شيء بحسبه، فإن كان مكيلًا أو موزونًا فإن قبضه بكيله ووزنه.
وما عدا المكيلات والموزونات وما في حكمها، فإن الأعيان المتميزة تدخل في ضمان المشتري بالعقد على ظاهر المذهب.
ويلاحظ أن حكم الغائب كحكم الحاضر لا بد من قبضه لأن الغيبة مانعة من القبض أى أن التخلية لا تكفي في قبضه إلا في العقار.
وهناك رواية في المذهب أن القبض يشترط في جميع الأعيان فلا تكفي التخلية فلا ينتقل الضمان إلا بالقبض سواء كان مكيلًا أو موزونًا أو غيره.
والمنافع لا تدخل في ضمان المستأجر بدون قبض العين المستأجرة أو التمكين منه أو بتفويت المستأجر باختياره.
والوصية تملك بالقبول بدون القبض. أما الهبة والصدقة فعلى روايتين:
الأولى: أنها تجري مجرى البيع في كون التخلية فيها قبضًا.
стр. 8229
الثانية: لا بد من نقلها.
وسنرى في المبحث القادم أن مرد الخلاف الحاصل في بعض المسائل بين الفقهاء إنما مرده إلى اختلاف الأخبار والآثار.
وبعد الذي عرضناه من أقوال الفقهاء في صور تحقق القبض يتلخص لنا:
أولا: أن الحنفية اعتبروا التخلية قبضًا في العقار وغيره سواء كان مكيلا أم موزونًا، وهذا بخلاف غيرهم إذ أن الراجح في مذهب المالكية والشافعية والحنابلة أن المكيل والموزون وما في حكمهما لا يتم قبضة إلا بالوزن أو الكيل سواء كان حاضرا أم غائبًا. والحنفية لا يرون لزوم بيع الغائب بل يعطون الخيار للمشتري وبيع العقار الغائب لا يحتاج إلى القبض لنقل الضمان إلى المشتري بل يكفي العقد والتخلية هذا عند المالكية والحنابلة وهو كذلك عند الشافعية مع اشتراط مضي الزمن الكافي للقبض.
ثانيا: أما غير المكيلات والموزونات، فإن مذهب المالكية متوسع في وقوع الملكية وانتقال الضمان بمجرد العقد ويحظى هذا القول تأييدًا عند بعض الحنابلة.
ثالثا: بناء عليه فإن ما يجري في الأسواق من التخلية بين المشتري والسلع من غير المكيلات والموزونات وما في حكمها صحيح وهي في ضمان المشتري.
أما المكيلات والموزونات فإن قبضها تقيد بتقديرها عن طريق النصوص الواردة في سنة المصطفى ﵊.
والتخلية حسب العرف سواء كانت بإذن شفهي أو بكلام مكتوب أو بكل ما تعارف الناس في انه تخلية.
وسيأتي مزيد كلام في المبحث القادم.
* * *
стр. 8230
المبحث الرابع
أثر القبض في تقييد تصرفات المالكين
تبرم العقود وتترتب عليها أحكامها. وقد يتأخر القبض عن وقت العقد وربما يرغب من وجب له القبض أن يتصرف في الشيء قبل قبضه. فهل له ذلك؟ وما هي التصرفات التي يمكن أن يجريها؟
إن التصرفات التي يجريها مستحق القبض على المقبوض قد تكون من نوع المعاوضات كالبيع والإجارة وقد تكون من التبرعات أو غيرها.
وقد اختلفت كلمة الفقهاء على النحو التالى:
أولا: مذهب الحنفية
(١)
يفرق الحنفية بين العقار بين المنقول.
فبيع العقار قبل قبضه أجازه أبو حنيفة وأبو يوسف. بناء على أنه بيع تحقق ركنه من أهله في محله ولا احتمال للغرر في العقار لأن هلاكه نادر.
وخالفهما محمد بن الحسن فذهب إلى عدم جواز بيعه قبل قبضه عملًا بإطلاق أحاديث المنع فلا فرق بين عقار وغيره. وهو مذهب زفر ورواية عن أبي يوسف.
أما المنقول فقد اتفق فقهاء المذهب على أن لا يجوز بيعه قبل قبضه لمنع النبي ﷺ بين الطعام حتى يستوفي، ولأن ابن عباس ﵁ قال: أحسب كل شيء مثل الطعام.
وقد تقرر في المذهب هنا أصل وهو:
أن كل عقد ينفسخ بهلاك العوض قبل القبض لم يجز التصرف في ذلك العوض قبل قبضه كالمبيع في البيع والأجرة إذا كانت عينًا في الإجارة وبدل الصلح عن الدين إذا كان عينًا فلا يجوز بيع شيء من ذلك ولا أن يشرك فيه غيره، أما ما لا ينفسخ بهلاك العوض فإن التصرف فيه قبل القبض جائز كالمهر إذا كان عينًا وبدل الخلع والعتق على مال وبدل الصلح عن دم العمد فكل ذلك إذا كان عينًا يجوز بيعه وهبته وإجازته قبل قبضه وسائر التصرفات.
على أن الإمام محمد بن الحسن يرى أن كل تصرف لا يتم إلا بالقبض كالهبة والصدقة والرهن والقرض فإنه يجوز إجراؤه في المبيع قبل القبض إذا سلطه البائع على قبضه فقبضه لأن تمام هذه التصرفات بالقبض والمانع قد زال بخلاف البيع والإجارة، فإنه لازم بنفسه.
وهذا الاتجاه عند محمد لا يلقى تأييدًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
ويلاحظ أن الحنفية يجيزون التصرف في الثمن قبل قبضه استبدالًا في غير الصرف والسلم.