← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

وتبين المادة (٤٠٣) الحالات المختلفة للمبيع وكيف يكون التسليم في كل حالة فتقول: يتم التسليم على الأوجه الآتية: أولًا: إذا كان المبيع عقارًا فبالتخلي عنه، وبتسليم مفاتيحه عند الاقتضاء، بشرط ألا يلاقي المشتري إذ ذاك ما يحول دون وضع يده على المبيع. ثانيًا: إذا كان المبيع من المنقولات فبالتسليم الفعلي أو بتسليم مفاتيح المباني أو الصناديق المحتوية على تلك المنقولات أو بأي وسيلة أخرى مقبولة عرفًا. ثالثًا: يتم التسليم حتى بمجرد قبول المتعاقدين، إذا كان إحضار المبيع غير ممكن في ساعة البيع، أو كان المبيع موجودًا تحت يد المشتري لسبب آخر. رابعًا: ويتم أيضًا بتحويل أو بتسليم شهادة الإِيداع أو سند الشحن أو وثيقة النقل إذا كان المبيع أشياء مودعة في المستودعات العامة. وتنص المادة (٤٠٤) على أن تسليم المبيعات غير المادية كحق المرور مثلًا، يكون بتسليم الأسناد التي تثبت وجود الحق أو بإجازة البائع للمشتري أن يستعمله بشرط ألا يحول حائل دون هذا الاستعمال، وإذا كان موضوع الحق غير مادي وكان استعماله يستوجب وضع اليد على شيء ما، فعلى البائع حينئذ أن يمكن المشتري من وضع يده على هذا الشيء بدون مانع. القبض الحكمي: من صوره ما نصت عليه المادة (٥٤٠) من القانون المدني العراقي بأنه إذا أجر المشتري المبيع قبل قبضه إلى بائعه، أو باعه منه أو وهبه إياه أو رهنه له أو تصرف له فيه أي تصرف آخر يستلزم القبض اعتبر المشتري قابضًا للمبيع. وإذا أجره قبل قبضه لغير البائع أو باعه أو وهبه أو رهنه أو تصرف فيه أي تصرف آخر يستلزم القبض، وقبضه العاقد قام هذا القبض مقام قبض المشتري. وقد نص على أحكام القبض الحكمي القانون المدني الكويتي في المادة (٤٧٣) ، والقانون المدني المصري في المادة (٤٣٥) والقانون المدني العراقي في المادة (٥٣٩) على أنه إذا كانت العين المبيعة موجودة تحت يد المشتري قبل البيع فاشتراها من المالك فلا حاجة إلى قبض جديد سواء كانت يد المشتري قبل البيع يد ضمان أو يد أمانة.

стр. 8262

ويوضح الأستاذ السنهوري أحكام كل قبض فيقول: التسليم الفعلي ينطوي على عنصرين: أحدهما: وضع المبيع تحت تصرف المشتري بحيث يتمكن من حيازته حيازة يستطيع معها أن ينتفع به الانتفاع المقصود من غير أن يحول حائل دون ذلك. والثاني: أن يعلم البائع المشتري بوضع المبيع تحت تصرفه على النحو المتقدم. ثم يستعرض التطبيقات المختلفة فيما إذا كان المبيع عقارًا أو منقولًا أو حقًّا مجردًا بما لا يختلف عما انتظمته النصوص القانونية. وأما التسليم الحكمي ويسمي التسليم المعنوي: وله صورتان: إحداهما: أن يكون المبيع في حيازة المشتري قبل البيع بإجارة أو إعارة أو وديعة أو رهن حيازة أو نحو ذلك ثم يقع البيع فيكون المشتري حائزًا فعلًا للمبيع وقت صدور البيع ولا يحتاج إلى استيلاء مادي جديد ليتم التسليم، وإنما يحتاج إلى اتفاق مع البائع على أن يبقي المبيع في حيازته ولكن لا كمستأجر أو مستعير أو مودع عنده أو مرتهن بل كمالك له من طريق الشراء فتتغير نية المشتري في حيازته للمبيع، وإن كانت الحيازة المادية تبقى كما كانت. والثانية: أن يبقى المبيع في حيازة البائع بعد البيع ولكن لا كمالك فقد خرج عن الملكية بعقد البيع، بل كمستأجر أو مستعير أو مودع عنده أو مرتهن رهن حيازة أو غير ذلك مما يترتب على عقد يتم بين المشتري والبائع بعد البيع ويستلزم نقل حيازة الشيء من المشتري إلى البائع، فبدلًا من أن يسلم البائع المبيع للمشتري بموجب عقد البيع ثم يعود إلى تسلمه من المشتري بموجب عقد الإِيجار أو أي عقد آخر يبقى المبيع في يد البائع بعد أن يتفق الطرفان على أن يعد هذا تسليمًا من البائع للمشتري ثم إعادة حيازته من المشتري للبائع بموجب العقد الجديد الذي تلا عقد البيع، ويصح أن يكون هذا العقد الجديد عقد بيع ثانٍ أو عقد هبة فيبيع المشتري الشيء للبائع بعد أن اشتراه منه أو يهبه إياه ومن ثم يبقى الشيء في حيازة البائع كمالك له ولكن بعقد جديد (١) .

стр. 8263

زمان التسليم ومكانه: تنص المادة (٤٧٤) من القانون المدني الكويتي على أنه "إذا لم يحدد العقد وقتًا لتسليم المبيع، التزم البائع بتسليمه فور انعقاد العقد، وإذا اتفق على أن يتم التسليم في الوقت الذي يحدده المشتري التزم البائع بإجرائه فيه وذلك كله مع مراعاة المواعيد التي تستلزمها طبيعة المبيع أو يقضي بها العرف ". ونصت المادة (٤٧٥) على: ١- يتم تسليم المبيع في مكان وجوده وقت العقد ما لم يتفق على غير ذلك. ٢- فإذا كان المبيع منقولًا ولم يعين مكان وجوده وجب تسليمه في موطن البائع. ونصت المادة (٤٧٦) على أنه "إذا التزم البائع بإرسال المبيع إلى مكان معين فلا يتم التسليم إلا بوصوله فيه ما لم يتفق على غير ذلك". وهذه الأحكام تتفق جملة وتفصيلًا مع نصوص المواد (٤٠٤) من القانون المدني السوري، والمادة (٤٣٦) من القانون المدني المصري، والمادة (٤٢٥) من القانون المدني الليبي، والمادة (٤١٦) من قانون الموجبات والعقود اللبناني. وهذه الأحكام متطابقة مع ما سبق بيانه في المذاهب الفقهية الإِسلامية ولا تعارضها في شيء من كلياتها أو جزئياتها. ثانيًا – القبض في العقود التجارية: العقود التجارية نوعان: عقود تتم داخل إقليم الدولة وهذه العقود تخضع في مجملها للأحكام العامة التي يخضع لها أي عقد طبقًا لنصوص وقواعد مبينة في القانون المدني، وهناك بيوع وعقود خاصة ينظمها القانون التجاري لما لها من أهمية خاصة في استقرار التعامل مثل: البيع بالمزاد للمنقولات المستعملة، والبيع بالمزاد للمنقولات الجديدة، والبيع بالتقسيط وأهمها في دنيا التعامل بيع الأوراق المالية. وقد نصت التشريعات المختلفة على طريقة نقل ملكية هذه الأوراق والأسهم فنصت من حيث التنظيم أن تتم بوساطة أحد السماسرة المقيدين بالبورصات ونصت من حيث نقل الملكية فيها على أن تثبت ملكية الأسهم بقيدها في دفاتر الشركة ويكون التنازل عن هذه الأسهم بكتابته في الدفاتر المذكورة القصد من ذلك حماية الشركة والغير من تعدد التصرفات التي قد تصدر من مالك السهم الاسمي لأكثر من متصرف إليه وما قد يترتب على ذلك من تزاحم بينهم، فجعل المناط في ثبوت الملكية أو التنازل عنها سواء في مواجهة الشركة أو الغير هو القيد في دفاتر الشركة، والغير هو كل متصرف إليه بادر باتخاذ إجراءات الشهر الواردة بها عن طريق قيد التصرف الصادر له كتابة في دفاتر الشركة، فلا تسري في مواجهة تصرفات المالك غير المقيدة ولو كانت سابقة على تصرفه (١) .

стр. 8264

ويقرر الأستاذ السنهوري عن طريقة التسليم والقبض في هذه الأوراق بقوله: وفي الأسهم والكمبيالات والشيكات لحاملها يكون التسليم بالمناولة وفي السندات والشيكات الإِذنية يكون التسليم بالتظهير، وفي السندات الاسمية لا يتم التسليم إلا بعد القيد في دفاتر الشركة (١) . ومن أهم الشركات في دنيا التعامل هي شركات المساهمة، وهذا النوع من الشركات الذي أخذ في الظهور والانتشار له أهمية بالغة في الميدان الاقتصادي والقيام بالمشروعات الهامة التي لا يستطيع الفرد القيام بها من جهة ومن جهة أخرى تمكين أرباب الأموال التي لا يستطيعون استثمارها بأنفسهم الاستعانة بتنميتها عن طريق الاكتتاب أو عن طريق التأسيس لمثل هذه الشركات. وتصدر هذه الشركات ثلاثة أنواع من الأوراق المالية هي: (١) الأسهم، (٢) السندات، (٣) حصص التأسيس. وهذه الأسهم إما أن تكون متساوية القيمة، وإما أن تمتاز ببعض الميزات كأن يكون لها نصيب أكبر من الربح أو تكون لها الأولوية في استرداد قيمة الأسهم عند القسمة، وأهم ما يختص السهم به كونه قابلًا للتداول بين الأفراد عن طريق البيع أو الهبة والوصية أو الإِرث، وقد تكون الأسهم نقدية وقد تكون عينية وقد تكون اسمية وهي التي تحمل اسم صاحبها، وقد تكون لحاملها وهي التي لا يذكر فيها اسم شخص بعينه وإنما تكون للحامل فيكون أي شخص يحمل هذا الصك هو المساهم في الشركة، وتكون سهمًا للأمر بمعنى أنه يكتب عليها عبارة " لأمر " وتتداول بطريق التظهير. وتختلف قيمة هذه الأسهم إلى اسمية وهي القيمة المبينة في السهم وقيمة الإِصدار وهي القيمة الصادر بها السهم عندما تريد الشركة زيادة رأسمالها، والقيمة الحقيقية والقيمة السوقية وهي قيمة السهم عند طرحه للبيع والشراء. وأما السندات وهي قريبة الشبه بالأسهم وتماثلها في كثير من الأحكام من حيث قبولها للتداول وكونها اسميه أو لحاملها فإذا طهرت من شبهة الربا كانت في جميع الأحكام كالأسهم كتحويل السندات إلى أسهم مثلًا (٢) .

стр. 8265

وقد تعرض فقهاؤنا المعاصرون لحكم هذا النوع من الشركات وانقسموا إلى فريقين: فريق يرى مشروعية شركة المساهمة وجوازها ويرى فيها أنها قريبة الشبه بشركة العنان التي هي مشاركة بين اثنين في المال والعمل (١) ويجوز أن يعمل أحدهما وقد تكون مركبة من شركة عنان ومضاربة. ويذهب فريق آخر إلى مخالفتها لأحكام الشركات في الفقه الإِسلامي وقد أشرنا إلى طريقة تداول هذه الأسهم. أما النوع الثاني من العقود التجارية وهي التي يطلق عليها العقود البحرية وقد يطلق عليها أيضًا العقود الدولية وهي التي يكون طرفاها من دولتين مختلفتين يتفقان على شراء بضاعة تنقل من بلد البائع إلى بلد المشتري مقابل ثمن يتم تسديده بطرق معينة (٢) . والتسليم في التجارة الدولية له أهمية قصوى لما للبيع التجاري ذاته من مفهوم خاص قوامه السرعة في إبرام العقد لمعاودة بيعه ثانية أو لتسليمها وتخزينها ثم إعادة بيعها في ظروف أفضل. وإذا كان التسليم في البيوع بوجه عام هو دفع المبيع إلى المشتري ووضعه تحت تصرفه، أي: تمكينه من السيطرة عليه والانتفاع به، فإنه في التجارة الدولية يتطلب أمرًا زائدًا على هذا وهو نقل المستندات التي تمثل المبيع إلى المشتري، ولا يعتبر البائع قد نفذ التزامه كاملًا إلا إذا كانت المستندات المقدمة منه كاملة ومستوفية للبيانات فإذا لم يقدم المستندات أو قدمها ناقصة أمكن فسخ البيع كما يجوز للمشتري رفض دفع الثمن (٣) . ولهذا يعتبر سند الشحن في البيوع الدولية وإن كان لا ينقل السيطرة المادة على البضائع إلا أن من شأن هذا السند أن يجعل من نقل إليه السند صاحب الحق في طلب تسلم البضاعة عند الوصول والتصرف فيها أثناء الطريق، ويلتزم الربان بتسليم البضائع إلى الحامل القانوني لسند الشحن دون أن يكلف بالبحث عن صفته أو علاقته بالشاحن (٤) .

стр. 8266

أقسام البيوع البحرية أو الدولية: تنقسم البيوع البحرية إلى مجموعتين: الأولى: يتم التسليم فيها في ميناء الوصول وتسمى لذلك بيوع الوصول. والثانية: يتم التسليم فيها في ميناء الشحن وهي بيوع القيام وهي أكثر شيوعًا (١) . وأمثلة المجموعة الأولى: (أ) البيع بسفينة معينة: وفي هذه الحالة يلتزم البائع بتسليم البضاعة إلى المشتري في ميناء الوصول ويعلنه باسم السفينة وبذلك يتم تخصيص البضاعة له. (ب) البيع بسفينة غير معينة: وتعتبر في هذه الحالة البضاعة غير مخصصة على أي وجه قبل وصولها لميناء الوصول (٢) . وأما أمثلة المجموعة الثانية فهي: (أ) البيع سيف أو كاف: وفيه يتحمل المشتري مخاطر الطريق ويتحمل البائع نفقات النقل والتأمين على البضاعة وينقل سند الشحن وبوليصة التأمين إلى المشتري. (ب) البيع فوب: وهو يلقي على البائع مجرد التزام بتسليم البضاعة على السفينة التي استأجرها المشتري بمعرفته وتنقل المخاطر إلى المشتري من هذه اللحظة (٣) .

стр. 8267

مقارنة بين هذه البيوع وبين عقود البيع الأخرى في القانون المدني والتجاري: أولًا: تخضع هذه العقود للقواعد العامة بوجه عام وتخضع لذات الأحكام التي تقررها أحكام القانون المدني والتجاري وخاصة فيما يتعلق بالتزام البائع بتسليم بضائع مطابقة لما اتفق المتعاقدان عليه والتزام المشتري بدفع الثمن المتفق عليه. وتحقق أركان العقد من الرضا والمحل والسبب، وكذلك ينبغي تحقق شروط الانعقاد وشروط الصحة، ولا يختلف عن البيع العادي إلا في الطريقة التي يتم بها نقل البضاعة بحرًا. ثانيًا: في بيوع الوصول يتحمل البائع مخاطر الهلاك حتى التسليم فإذا كان الهلاك كليًّا فسخ البيع، وإذا كان جزئيًّا فيؤدي إلى إنقاص الثمن بنسبة الهلاك، أما في بيوع القيام فإن المشتري هو الذي يتحمل المخاطر منذ شحنها على ظهر السفينة في ميناء القيام. ثالثًا: في البيع سيف وفوب يتسلم المشتري كما سبق المبيع ويتحمل المخاطر منذ شحنه، ولما كان من بين ما تهدف إليه البيوع عند القيام هو تمكين المشتري من التعامل في البضائع أثناء فترة نقلها بطريق البحر وقبل أن يتسلمها ماديًّا فإن سند الشحن يقوم بدور أساسي في هذه المرحلة كأداة للتسليم، فإذا قام المشتري سيف أثناء الرحلة بإعادة بيعها طبقًا للشرط سيف، فإنه لا يستطيع أن يستبقي معه سند الشحن الذي سلمه له بائعه لأنه ملزم في هذه الحالة بالتسليم، ولما كان تسليم البضاعة ماديًّا غير ممكن لوجودها على السفينة الناقلة، فإن السبيل الوحيد للتسليم في هذه الحالة هو نقل سند الشحن إلى المشتري الثاني. فأما في بيع فوب فإن عقدي النقل والتأمين يعقدهما المشتري فيكون سندا الشحن والتأمين بحوزته بخلاف بيع سيف. * * *

стр. 8268

مقارنة العقود البحرية بالعقود في الفقه الإسلامي: العقود البحرية أو الدولية تتم بين المتعاقدين دون رؤية للمبيع وإنما تتم ببيان نوع البضاعة وصنفها وكميتها وعلاماتها وأرقامها بحيث يمكن تمييزها عن غيرها من البضائع ويشترط عند التسليم أن تكون البضاعة معينة بعلامة خارجية ظاهرة وتفرغ هذه البيانات في سند الشحن وأن تكون بيانات سند الشحن متطابقة مع البيانات الثابتة والمحددة في فواتير البيع، ونظرًا لانتشار وتوسع التبادل التجاري والاقتصادي بين دول العالم، ولما كان البيع هو الأداة القانونية الفعلية التي يتحقق بها هذا النشاط الاقتصادي فقد أخذ المعنيون بالتجارة الدولية بوضع عقود نموذجية تتضمن الشروط العامة للبيع وقواعد التسليم وتفتتح عادة هذه العقود بوضع بعض التعريفات المحددة للمصطلحات والتعبيرات التجارية التي يتكرر استخدامها بعد ذلك في بنود العقد وتحديد صنف البضاعة وبيانها من جهة ذكر صفاتها وخصائصها ودرجة جودتها، كما تتضمن المدد والآجال وما يتعلق بمهلة فحص البضاعة ومدة الأخطار عن عدم مطابقة البضاعة المسلمة للبضاعة المطلوبة وتحديد المدد الخاصة برفع الدعاوي والمطالبات وتشير أيضًا إلى صور الجزاء التي يتعين إعمالها في حالة مخالفة نصوص العقد وأحكامه، كما تتحدث عن ضمان العيب وخاصة بالنسبة للآلات والأدوات والسلع المصنوعة. ونستطيع بعد هذا العرض الموجز للطريقة التي تتم بها هذه العقود أن نجري دراسة سريعة أيضًا في عرض بعض الملامح الأساسية للعقود المشابهة لها في الفقه الإِسلامي وذلك في مطلبين: نخصص المطلب الأول في دراسة سريعة لأنواع العقود في الفقه الإِسلامي، ونخصص المطلب الثاني في مقارنة هذه العقود بالعقود الحديثة لاستخلاص أوجه الشبه بينها. المطلب الأول في أنواع العقود في الفقه الإِسلامي البيع في الفقه الإِسلامي على ثلاث أضرب: الأول: بيع عين حاضرة وهي المرئية الرؤية المعتبرة في صحة البيع وهذا جائز بلا خلاف إذا استجمع الشروط الأخرى. الثاني: بيع عين غائبة سواء كانت غائبة عن مجلس العقد أو حاضرة فيه ولم يرها المتعاقدان أو أحدهما أو رأياها قبل، فإن لم تتغير عادة كأرض وثياب رأياها منذ نحو شهر أو احتمل تغيرها وعدمه صح أو غلب تغيرها كفاكهة لم يصح. الثالث: بيع عين في الذمة ويشمل نوعين: ١- بيع عين موصوفة في الذمة. ٢- عقد السلم. قال شيخ الإِسلام زكريا الأنصاري عن بيع العين الموصوفة في الذمة: " والعين التي في الذمة يصح بيعها بذكرها مع جنسها وصفتها مع بقية الصفات التي تذكر في السلم، وعد هذا بيعًا لا سلمًا مع أن العين في الذمة اعتبارًا بلفظ البيع فلا يشترط فيه تسليم الثمن قبل التفرق إلا أن يكون ذلك في ربويين فيشترط فيه التقابض قبله كما في العين الحاضرة وهذا إذا لم يذكر بلفظ السلم، فإن ذكر كأن قال: بعتك كذا سلمًا كان سلمًا وعلى كون ذلك بيعًا يشترط تعيين أحد العوضين في المجلس وإلا يصير بيع دين بدين وهو باطل (١) ، ولكن لا يشترط قبضه في المجلس لأن التعيين بمنزلة القبض (٢) بخلاف السلم، فإنه يشترط قبض رأس مال السلم في المجلس (٣) . مذاهب العلماء في حكم بيع العين الغائبة: قال النووي: قد ذكرنا أن أصح القولين في مذهبنا بطلانه. وقال ابن المنذر فيه ثلاثة مذاهب: الأول: مذهب الشافعي أنه لا يصح. الثاني: يصح البيع إذا وصفه وللمشتري الخيار إذا رآه سواء أكان على تلك الصفة أم لا، وهو قول الشعبي والحسن والنخعي والثوري وأبي حنيفة وغيره من أهل الرأي. والثالث: يصح البيع وللمشتري الخيار إن كان على غير ما وصف وإلا فلا خيار، قاله ابن سيرين وأيوب ومالك وعبيد الله بن الحسن وأحمد وأبو ثور وابن نصر قال ابن المنذر وبه أقول (٤) .

стр. 8269

دليل القائلين بالصحة: استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ، وقالوا: الآية عامة فلا يخرج من هذا العموم إلا ما جاء بمنعه نص من كتاب أو سنة أو إجماع. ومن السنة قوله ﷺ : ((من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء تركه)) . وحديث أبي هريرة: ((من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه)) . واستدلوا بالقياس أيضًا فقد قاسوه على النكاح، فإنه لا يشترط رؤية الزوجين بالإِجماع، وقياسًا على بيع الرمان والجوز واللوز، وقياسًا على ما لو رآه قبل العقد (١) . تفصيل مذهب الشافعي في حكم بيع العين الغائبة: في القديم يصح ويثبت له الخيار إذا رآه واستدل له لما روى ابن أبى مليكة "أن عثمان – ﵁ – ابتاع من طلحة أرضًا بالمدينة ناقلة بأرض له بالكوفة، فقال عثمان بعتك ما لم أره، فقال طلحة إنما النظر إليَّ لأني ابتعت مُغيَّبًا وأنت قد رأيت ما ابتعت، فتحاكما إلى جبير بن مطعم فقضى على عثمان أن البيع جائز وأن النظر لطلحة لأنه ابتاع مُغَيَّبًا" (٢) . ولأنه عقد على عين فجاز مع الجهل بصفته كالنكاح. وفي الجديد لا يصح: لحديث أبي هريرة: ((أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر)) ولأن في هذا البيع غررًا، ولأنه نوع بيع فلم يصح بالجهل بصفة المبيع كالسلم (٣) . وعلى القول القديم القائل بالصحة هل تفتقر صحة البيع إلى ذكر الصفات أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يصح حتى تذكر جميع الصفات كالمسلم فيه. والثاني: لا يصح حتى تذكر الصفات المقصودة. الثالث: لا يفتقر إلى ذكر شيء من الصفات، لأن الاعتماد على الرؤية ويثبت الخيار إذا رآه فلا يحتاج إلى ذكر الصفات، فإن وصفه ثم وجده على خلاف ما وصف أو أعلى فيه وجهان: أحدهما: لا خيار له لأنه وجده على ما وصف فلم يكن له خيار كالمسلم فيه. والثاني: له الخيار لأنه يعرف ببيع خيار الرؤية فلا يجوز أن يخلو من الخيار. وقيل: الخيار على الفور وهو قول ابن أبي هريرة لأنه خيار تعلق بالرؤية فكان على الفور كخيار الرد بالعيب. وقال أبو إسحاق: يتقدر الخيار بالمجلس، لأن العقد إنما يتم بالرؤية فيصير كأنه عقد عند الرؤية فيثبت له خيار المجلس (٤) .

стр. 8270

المطلب الثاني في مقارنة عقود البيع البحرية (الدولية) بعقود البيع في الفقه الإسلامي مما سبق يظهر أن العقود المسماة بالعقود البحرية متفقة في جملتها مع أحكام بيع العين الغائبة وبيع الأعيان الموصوفة في الذمة فهي: أولًا: استوفت الأركان والشرائط التي يتطلبها العقد. ثانيًا: ذكرت فيها المسائل الجوهرية التي تعين محل العقد كبيان الجنس والنوع والقدر وكل العلامات المميزة للمبيع. ثالثًا: الاتفاق على مكان التسليم ويستوي أن يكون التسليم في ميناء الشحن أو في ميناء الوصول. رابعًا: يضم إلى ما ذكر أنه يمكن اعتبار تسليم سند الشحن بمثابة تمام القبض كالكيل والوزن في بيع المكيل والموزون عند الحنفية لأن المشتري قبل الحصول على سند الشحن لا يمكنه عملا التصرف في المبيع فكان تسليم سند الشحن من تمام التسليم والقبض. والله أعلم. وصلى الله وسلم على رسولنا محمد وعلى آله وأصحابه. . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الدكتور عبد الله محمد عبد الله

стр. 8271

القبض: صوره، وبخاصة المستجدة منها، وأحكامها إعداد فضيلة الدكتور علي محيي الدين القره داغي أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله بكلية الشريعة – جامعة قطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين. . وبعد: فلا شك أن تكييف أوضاعنا – نحن المسلمين – على ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يتطلب جهودًا كبيرة من المخلصين والمجامع والمراكز العلمية للوصول إلى حلول إسلامية نابعة من معينها الصافي، ومتصفة بالاتزان والدراسة المتأنية دون التسرع والخضوع للضغوط، حيث أثبتت التجارب التي مرت بها البشرية عظمة الحلول الإِسلامية وما تحققها من مصالح بعيدة المدى، ولا سيما بعد فشل الأنظمة الوضعية البشرية التي نرى تخبطها خبط عشواء، ونرى تراجعها على كافة المستويات، وهذا ما يدفعنا إلى المزيد من الجهود للإسراع بالبديل الإِسلامي الكامل لكل النظريات المطروحة على الساحة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. وها نحن أولًا: نرى ثمار الجهود الجماعية المباركة – سواء كانت من خلال مجمع البحوث التابع للأزهر الشريف، أو من خلال مجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي، أو لرابطة العالم الإِسلامي – حيث نراها قد تبنت البحث عن الحلول لجميع المشاكل المعاصرة، والمستجدات. ومن هذه المستجدات كيفية القبض للصور الكثيرة للمعاملات التي ظهرت بسبب الاختراعات الحديثة، ولذلك كان اختياري لهذا الموضوع، وكان منهجي فيه هو الرجوع إلى المصادر المعتمدة حتى نستطيع تأصيل المسائل المستحدثة على ضوئها، ولذلك قمت بالبحث عن معاني القبض لغة واصطلاحًا، واختلاف الفقهاء في تعريفه ثم أدلة كل فريق مع المناقشة والترجيح، ثم ذكرت أنواع القبض، وما ذكره الفقهاء من صور كانت شائعة في عصرهم، ثم أتبعتها ببعض صور القبض في وقتنا المعاصر، ثم شرحت أركان القبض وشروطه بإيجاز وأثرت مدى احتمال اتحاد القابض، والمقبض، وكذلك شرحت بالتفصيل أثر القبض في العقود الصحيحة، والعقود الفاسدة، وتناولت موضوع مدى جواز البيع قبل القبض، كما ذكرت حكم المقبوض على سوم الشراء، أو النظر أو الرهن، ثم الخاتمة. والله أسأل أن أكون قد وفقت فيما طرحته، وأن يجعل أعمالي كلها خالصة لوجهه الكريم. * * * *

стр. 8272

القبض لغةً واصطلاحًا القبض لغةً مصدر: قبضه يقبضه قبضًا، وهو خلاف البسط، وفي أسماء الله تعالى: "القابض" أي هو الذي يمسك الرزق وغيره من الأشياء عن العباد وبلطفه وحكمته، ويقبض الأرواح عند الممات، ويقال: قبض المريض إذا توفي، وإذا أشرف على الموت، والقبض بمعنى الأخذ فيقال: قبضت مالي قبضًا، أي أخذته (١) ، وقال ابن منظور: وأصله في جناح الطائر، قال الله تعالى ﴿وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [سورة الملك: الآية ١٩] . وقبض الطائر جناحه: جمعه، وتقبضت الجلدة في النار: أي انزوت، والقُبْضة بالضم: ما قبضت عليه من شيء، يقال: أعطاه قُبضة من سويق أو تمر، أي كفًّا منه، وربما جاء بالفتح، ثم نقل عن الليث أن القبضة: ما أخذته بجمع كفك كله، فإذا كان بأصابعك فهي القبصة بالصاد، وقال ابن الأعرابي: القبض قبولك المتاع وإن لم تحوله، ثم قال ابن منظور: والقبض تحويلك المتاع إلى حيزك، والقبض: التناول للشيء بيدك ملامسة ...، وصار الشيء في قبضي وقبضتي أي في ملكي (٢) . وخلاصة معانيه تدور حول: الإِمساك، وخلاف البسط، والموت، والأخذ، والجمع، وما أخذ باليد، وقبول المتاع وإن لم يحل إليه، وتحويل المتاع إلى الحيز، والتملك – ونحو ذلك. وورد لفظ "قبض" ومشتقاته في القرآن الكريم تسع مرات منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٤٦] ، قال المفسرون: أي أخذنا الظل بطلوع الشمس، قبضًا يسيرًا أي سريعًا، أو سهلًا، أو خفيًّا (٣) ومنها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ (٤) [سورة البقرة: الآية ٢٤٥] ، ومعنى القبض هنا خلاف البسط بدليل المقابلة، أي: يضيق على قوم، ويوسع على آخرين، فقال بعض المفسرين أي يقبض ويبسط في الرزق، وهذا قول الحسن، وابن زيد، وقال الزجاج يقبض الصدقات ويبسط في الجزاء. (٥) . وبالمعنى السابق جاء قوله تعالى: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٧] ، أي يمسكون أيديهم عن الإِنفاق في سبيل الله، أو عن كل خير، أو عن رفعها في الدعاء (٦)

стр. 8273

ومنها قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٧] ، أي في يده، وتحت قدرته (١) قال ثعلب: " هذا كما تقول: هذه الدار في قبضتي ويدي، أي في ملكي، قال: وليس بقوي " (٢) وقوله تعالى: ... ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٣] . وورد لفظ "قبض" ومشتقاته في السنة كثيرًا، وهي تدور حول معانيه اللغوية السابقة، منها قوله ﷺ : ((قبض الله أرواحنا وقد ردّها إلينا)) . (٣) أي أخذها، وروى البخاري تعليقًا بصيغة الجزم أن ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه (٤) أي وضع كفه عليها، ومنها قوله ﷺ : ((... ولم يكن قبض من ثمنها شيئًا فهي له)) (٥) وغير ذلك كثير. القبض في الاصطلاح: إذا كان القبض في اللغة هو أخذ أي شيء، أو التمكن منه فإنه في الاصطلاح الفقهي أخص منه حيث هو مخصص بالمعقود عليه، لكنه ثار الخلاف بين الفقهاء في تحديد مفهومه تبعًا لوجهات نظرهم المختلفة في كيفية تمام القبض. ثم إن أكثر الفقهاء لم يريدوا أن يضعوا تعريفًا جامعًا لجميع أقسام القبض، وإنما بينوه من خلال أنواعه، كما أنهم أرجعوا أمره كقاعدة أساسية إلى العرف، ولذلك ننقل نصوص الفقهاء بشيء من الإِيجاز للوصول إلى حقيقة القبض. فعند الحنفية – كما يقول الكاساني -: "التسليم والقبض عندنا هو التخلية، والتخلي، وهو أن يخلي البائع بين المبيع وبين المشتري برفع الحائل بينهما على وجه يتمكن المشتري من التصرف فيه، فيجعل البائع مسلمًا للمبيع، والمشتري قابضًا له، وكذا تسليم الثمن من المشتري إلى البائع"، وذكر ابن عابدين أن من شروط التخلية التمكن من القبض بلا حائل، ولا مانع، ولكن صاحب "الأجناس" اشترط شرطًا ثالثًا، وهو أن يقول "خليت بينك وبين المبيع" (٦) .

стр. 8274

وعند المالكية أن القبض هو التخلية من حيث المبدأ (١) . وعند الشافعية – كما يقول الشيرازي -: "والقبض فيما ينقل النقل ...؟ ، وفيما لا ينقل كالعقار والثمر قبل أوان الجذاذ التخلية ...". ويقول النووي: "قال أصحابنا الرجوع في القبض إلى العرف، وهو ثلاثة أقسام: أحدها العقار والثمر على الشجرة، فقبضه بالتخلية، والثاني ما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب، والحيتان ونحوها، فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به سواء نقل إلى ملك المشتري، أو موات، أو شارع، أو مسجد، أو غيره، وفيه قول حكاه الخراسانيون: إنه يكفي فيه التخلية ... والثالث ما يتناول باليد كالدراهم والدنانير، والمنديل والثوب والإِناء الخفيف، والكتاب ونحوها، فقبضه بالتناول بلا خلاف، صرح بذلك الشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب، والمحاملي، والماوردي، والشيرازي ..." وغيرهم (٢) . وعند الحنابلة – كما يقول ابن قدامة -: "وقبض كل شيء بحسبه، فإن كان مكيلًا، أو موزونًا بيع كيلًا، أو وزنًا في مقبضه بكيله، ووزنه، ... وقد روى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى: أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التميز، لأنه خلى بينه وبين المبيع من غير حائل، فكان قبضًا له كالعقار" (٣) . ويقول ابن حزم الظاهري: " ... وإنما على البائع أن لا يحول بين المشتري وبين قبض ما باع منه فقط، فإن فعل صار عاصيًا، وضمن ضمان الغصب فقط" (٤) ، فعلى هذا فالقبض هو التخلية فقط.

стр. 8275

وكذلك الأمر عند الإِمامية حيث إن القبض فيما لا ينقل كالعقار بالتخلية، وكذلك في غيره على الراجح عندهم (١) . وعند الزيدية أن قبض غير المنقول بالتخلية اتفاقًا، وقبض المنقول به أيضًا عند جماعة منهم، وذهب بعضهم إلى أن قبضه بالنقل للتعارف بالتفرقة بينه وبين غير المنقول في القبض (٢) . ومن هذا العرض يتبين لنا أن اتجاهات الفقهاء تكاد تنحصر في اتجاهين: اتجاه يرى عدم التفرقة بين جميع أنواع المعقود عليه حيث يتم قبضها بالتخلية فقط، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية وأحمد في رواية، وقول للشافعية حكاه الخراسانيون، والراجح عند الزيدية، والإِمامية، والظاهرية (٣) وإليه مال البخاري وغيره (٤) . واتجاه آخر يرى التفرقة بين المنقول، وغيره، وأصحاب هذا الاتجاه وقعوا في خلاف طفيف بينهم، حيث يذهب بعضهم – وهم الشافعية – إلى أن أساس التفرقة هو كون الشيء منقولًا أو غير منقول، فالمنقول يتم قبضه بالنقل، وفي غيره التخلية. في حين ذهب الحنابلة إلى اعتماد أساس آخر وهو كون الشيء مكيلًا أو موزونًا أو غيره، فما كان مكيلًا أو موزونًا فقبضه بكلية، أو وزنه وما كان غيرهما يكون قبضه بالتخلية (٥) . ومن هنا يتبين أن الجميع متفقون على أن القبض في العقار يكون بالتخلية فقط، وأما في غيره فيكون بالنقل، أو الكيل، أو الوزن أو التخلية، أو التناول ...

стр. 8276

الأدلة والمناقشة والترجيح: استدل القائلون بالتفرقة في القبض بين ما يكال أو يوزن وبين غيره بالسنة والعرف. أما السنة فقد ورد في ذلك عدة أحاديث: ١- منها ما رواه البخاري تعليقًا عن عثمان رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال له: ((إذا بعت فكل وإذا ابتعت فاكتل)) (١) ، وقد وصله الدارقطني، وله طريق أخرى أخرجها أحمد وابن ماجه، والبزار (٢) . ٢- ما رواه ابن ماجه عن النبي ﷺ ((أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري)) (٣) . ٣- الأحاديث الواردة الدالة على أن القبض لا يتم فيما يباع بالجزاف إلا بالتحويل، فقد روى مسلم عن ابن عمر أنه قال: ((كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا طعامًا جزافًا أن يبيعوه في مكانه حتى يحولوه)) ، وفي لفظ: ((كنا نبتاع الطعام جزافًا فبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه، قبل أن نبيعه)) ، وفي لفظ: ((كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله)) ، والرواية الأخيرة رواها البخاري بلفظ: ((... حتى يؤوه إلى رحالهم)) . (٤) .

стр. 8277

٤- ما رواه الحاكم بسنده، عن ابن عمر، ((عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن تباع السلع حيث تشترى حتى يحوزها الذي اشتراها إلى رحلة وإن كان ليبعث رجالًا فيضربونا على ذلك)) ، وقال: حديث صحيح على شرح مسلم، ووافقه الذهبي. (١) ، وفي رواية أخرى له عن طريق ابن إسحاق: قال ابن عمر: "ابتعت زيتًا في السوق، فلما استوجبته لقيني رجلٌ، فأعطاني به ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يديه فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفت إليه فإذا زيد بن ثابت فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، ((فإن رسول الله ﷺ نهى عن أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم)) . (٢) . وأما العرف فهو جارٍ على هذا التقسيم يقول ابن قدامة، لأن القبض مطلق في الشرع فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإِحراز والتفرق، والعادة في قبض هذه الأشياء ما ذكرنا (٣) واستدل القائلون بأن القبض هو التخلية في المنقول وغيره بالسنة والآثار: أما السنة فمنها: ١- ما رواه البخاري وغيره عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني، فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر، ويردّه، ثم يتقدم فيزجره عمر ويردّه، فقال النبي ﷺ لعمر: بعنيه، قال: هو لك يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : بعينه فباعه من رسول الله، فقال النبي ﷺ : ((هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت)) (٤) . وجه الاستدلال بهذا الحديث واضح حيث دخل الجمل في ملكية الرسول ﷺ بمجرد العقد، مع أنه منقول، فلو كان النقل الفعلي شرطًا لأخذه الرسول ﷺ أولًا، ثم يهبه لابن عمر، وقد أشار ابن بطال وغيره أن الحديث حجة في أن البيع يتم بالعقد – مع شروطه – وأنه لا يحتاج إلى نقل المعقود عليه فعلًا، قال الحافظ ابن حجر: "وقد احتج به المالكية والحنفية في أن القبض في جميع الأشياء بالتخلية، وإليه مال البخاري ..." (٥) . ٢- ما رواه البخاري ومسلم بسندهما عن جابر، قال: "... ثم قال – أي النبي ﷺ – ((أتبيع جملك؟)) قلت: نعم. فاشتراه مني بأوقية، واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي، ... فجئنا إلى المسجد، فوجدته على باب المسجد، قال: الآن قدمت؟ قلت: نعم. قال: فدع جملك، فادخل، فصلَّ ركعتين، فدخلت فصليت، فأمر بلالًا أن يزن له أوقية ... فانطلقت حتى وليت ... ثم قال: خذ جملك، ولك ثمنه" (٦) . والحديث واضح في دلالته على أن البيع قد تم دون أن يتم تحويل الجمل – وهو من المنقولات – إلى الرسول ﷺ ولذلك ترجم له البخاري "باب ... وإذا اشترى دابة، أو جملًا، وهو عليه، هل يكون ذلك قبضًا قبل أن ينزل؟ " وكذلك أورد بعض الحديث الأول تحته، وهذا مشعر بأن البخاري فهم من الحديثين أن القبض هو التخلية في المنقول وغيره (٧) .

стр. 8278

٣- ما رواه البخاري وغيره عن عائشة في حديث الهجرة، وفيه أن أبا بكر قال: "إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج، فخذ إحداهما. قال: قد أخذتها بالثمن" (١) . قال الحافظ ابن حجر: " قال المهلب: وجه الاستدلال به أن قوله "أخذتها" لم يكن أخذًا باليد، ولا بحيازة شخصها، وإنما كان التزامًا منه لابتياعها بالثمن وإخراجها عن ملك أبي بكر ...، وقال ابن المنير: مطابقة الحديث للترجمة من جهة أن البخاري أراد أن يحقق انتقال الضمان في الدابة ونحوها إلى المشتري بنفس العقد، فاستدل لذلك بقوله ﷺ : ((قد أخذتها بالثمن)) وقد علم أنه لم يقبضها بل أبقاها عند أبي بكر (٢) . وهذا في المنقولات التي هي محل الخلاف، فيكون القبض هو التخلية مطلقًا. ٤- ما رواه الخمسة، والحاكم عن ابن عمر قال: كنا نبيع الإِبل بالنقيع – بالنون سوق المدينة، وبالباء مقبرتها – كنا نبيع بالذهب ونقضي الورق، ونبيع بالورق ونقضي الذهب، فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال: ((لا بأس إذا كان بسعر يومه، إذا تفرقتما وليس بينكما شيء)) (٣) . فالحديث دليل على أن القبض هو التخلية والتمكن من القبض، وليس النقل الفعلي، حيث إن ابن عمر كان يشتري من بائعه الذهب المستقر في ذمته بالفضة، مع أن بائعه لم يستلم بعد ذهبه الذي كان ثمنًا لإِبله، فهذا دليل على أن القبض هو التخلية والتمكن، وليس النقل الفعلي، ولكن العملية الثانية لما كانت من الربويات اشترط الرسول ﷺ القبض الفوري في المجلس. * * *

стр. 8279

المناقشة والترجيح: ويمكن أن نناقش أدلة الفريق الأول بما يأتي: * أولًا: نناقش الاستدلال بالحديث الأول بما يأتي: ١- إنه ضعيف لا ينهض حجة، ولذلك ذكره البخاري تعليقًا بصيغة "ويذكر" دون الجزم، وقد وصله الدارقطني لكن في سنده منقذًا مولى ابن سراقة، وهو كما قال الحافظ "مجهول الحال" (١) ، وقال أيضًا: "لكن له طريق أخرى أخرجها أحمد وابن ماجه ... وفيه ابن لهيعة ولكنه من قديم حديثه ..." (٢) ، ومن المعروف أن عبد الله بن لهيعة مختلف في الاحتجاج به، فكثير من النقاد لا يحتجون بحديثه مطلقًا، وبعضهم يقبله إذا كان قبل احتراق كتبه، قال البخاري عن الحميدي كان يحيى بن سعيد لا يراه شيئًا، وقال ابن المديني عن ابن مهدي: لا أحمل عنه قليلًا ولا كثيرًا، وعن أحمد: ما حديث ابن لهيعة بحجة، ونقل عنه: أنه وصفه بالضبط والإِتقان، وقال أحمد بن صالح: " ابن لهيعة صحيح الكتاب " وقال ابن خراش: كان يكتب حديثه، فلما احترقت كتبه كان من جاء بشيء قرأه عليه، حتى لو وضع أحد حديثًا وجاء به إليه قرأه عليه، قال الخطيب: فمن ثم كثرت المناكير في روايته لتساهله، وذكر ابن حبان أنه سبّر أخباره قبل حرق كتبه وبعده فوجدها لا تصلح، حيث في روايات المتقدمين عنه تدليس عن المتروكين، وفي رواية المتأخرين عنه مناكير فوجب ترك الاحتجاج بها (٣) . ٢- ولو سلم قبوله، فإنه لا يدل على المطلوب، وذلك لأنه لا يدل على أن القبض لا يتم في المكيل والموزون إلا بالكيل، وإنما يدل على وجوب الكيل والاكتيال مطلقًا، بل إن شراح الحديث فسروه بأنه أمر بالعدالة في الكيل والوزن، قال ابن القيم "والمعنى أنه إذا أعطى، أو أخذ لا يزيد، ولا ينقص أي لا لك، ولا عليك" (٤) وقد فهم البخاري منه أن يدل على أن مؤنة الكيل على المعطي، ولذلك ترجم له: باب: الكيل على البائع والمعطي (٥) ، وإذا لم يفسر هكذا فإن ظاهر الحديث يدل على وجوب الكيل في كل بيع، وهذا لم يقل به أحد – على ما نعلم – لجواز البيع جزافًا، وبالعدّ والوزن.

стр. 8280

* ثانيًا: إن حديث ابن ماجه ضعيف، وذلك لأن في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو كما قال في الزوائد: ضعيف (١) ، وكان يحيى بن سعيد يضعفه، وأحمد يقول فيه: سيئ الحفظ مضطرب الحديث كان فقهه أحب إلينا من حديثه، وقال شعبة: ما رأيت أسوأ حفظًا من ابن أبي ليلى، وقال العجلي: كان فقهيًا صاحب سنة، جائز الحديث، وقال ابن معين: ليس بذاك، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: محله الصدق، كان سيئ الحفظ شغل بالقضاء فساء حفظه، لا يتهم بشيء من الكذب، إنما ينكر عليه كثرة الخطأ، يكتب حديثه، ولا يحتج به (٢) . فعلى ضوء ذلك لا يحتج بحديثه، ولا ينهض حجة في إثبات هذا الحكم. وبالإِضافة إلى ذلك فإن هذا الحديث في بيع الطعام قبل القبض، فلا يمكن تعميمه في جميع التصرفات، ولا في جميع أنواع المنقولات، فقد يكون النهي عن بيعه لخصوصية حيث إن البيع مبني على المساومة، وأن كلًا من العاقدين يريد الحصول على أحسن مكسب، فلو باعه قبل القبض وربح فيه فربما يفضي ذلك إلى أن يحاول البائع الوصول إلى الفسخ ولو ظلمًا، وإلى الخصام والنزاع، ولذلك قطع الشارع هذا الطريق، وسدَّ هذه الذريعة، ولذلك لا يقاس عليه غيره، ومن هنا أجازوا للمشترى إعتاقه قبل القبض (٣) . وكذلك إن للطعام خصوصية في نظر الشريعة، ولذلك منع من الاحتكار فيه دون غيره، وخصه مع النقود بأحكام لا تتوفر في غيرهما، ومن هنا فلا يقاس عليه غيره من المنقولات وغيرها (٤) . ولذلك كله لم ينهض حجة على المطلوب فسقط الاستدلال به. * ثالثًا: إن الأحاديث التي رواها مسلم خاصة بنهي البيع عن بيع الطعام الذي اشتري جزافًا قبل نقله وتحويله، فلا يعم ما هو قد اشتُري بالكيل والوزن، بدليل أن القائلين بالتفرقة بين المنقول وغيره في القبض يقولون: إن وزنه، أو كيله قبض حتى ولو كان في مكانه. هذا من جانب، ومن جانب آخر فالأحاديث كلها في بيع الطعام قبل القبض فلا يقاس على البيع غيره إلا بدليل معتبر، وكذلك لا يقاس على الطعام غيره لما ذكرنا آنفًا.

стр. 8281

* رابعًا: حديث الحاكم كما أوضحته الرواية الثابتة أيضًا في الطعام، بدليل أن المحتجين به أنفسهم لا يقولون بأن جميع السلع يتم القبض فيها بالتحويل إلى الرحال، بل إن الإِمام النووي صرَّح بأن "حوزه إلى الرحال ليس بشرط بالإِجماع "، ولذلك احتاج إلى التأويل بأن المراد به أصل النقل، "وأما التخصيص بالرحال فخرج على الغالب، ودل الإِجماع على أنه ليس بشرط في أصل النقل" (١) . ولا شك أن هذا التأويل يجعل التمسك بظاهر النص ضعيفًا، ويفتح باب التأويل في معنى النقل أيضًا بأن يفسر التخصيص به على الغالب، أو من باب الإِرشاد والنصح دون الوجوب والإِلزام. * خامسًا: إن جميع الأحاديث في النهي عن البيع قبل القبض، وليس في القبض نفسه، فلا تكون نصًّا في المطلوب. وأما القول بأن العرف قاضٍ بهذه التفرقة بين المنقول وغيره، أو بين ما يكال ويوزن وبين غيره فغير مسلم على إطلاقه، بل فيه تفصيل، وهو أننا إذا قصدنا به العرف العام فلن يستقيم المعنى بدليل الخلاف الكبير بين الفقهاء، وكلهم يلتجئون إلى العرف، ولو أردنا به العرف الخاص فلا يكون عرف بلد حجة على عرف بلد آخر، ولا عرف زمن معيَّن على عرف زمن آخر، فقد ذكر ابن عابدين في رسالته الشهيرة في العرف أن الناس لو تعارفوا على بيع شيء بالوزن مع أنه كان النص الوارد فيه على أنه يباع بالكيل فإن هذا العرف الأخير مؤثر عند أبي يوسف، وذلك "لأن النص في ذلك الوقت إنما كان للعادة، فحيث كانت العلة للنص على الكيل في البعض والوزن في البعض هي العادة تكون العادة هي المنظور إليها فإذا تغيرت تغير الحكم، فليس في اعتبار العادة المتغيرة الحادثة مخالفة للنص، بل فيه اتباع النص، وظاهر كلام المحقق ابن الهمام ترجيح هذه الرواية، وعلى هذا فلو تعارف الناس بيع الدراهم بالدراهم، أو استقراضها بالعدد كما في زماننا لا يكون مخالفًا للنص ..." (٢) . * * *

стр. 8282

ويمكن أن نناقش أدلة الرأي الثاني بما يأتي: * أولًا: يمكن الجواب عن حديث ابن عمر في البكر الصعب بأنه يحتمل أن يكون ابن عمر كان وكيلًا في القبض قبل الهبة وهو اختيار البغوي (١) . وأجاب بعضهم بأنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ ساقه، أي ساق الجمل – بعد العقد ... وسوقه قبض له، لأنه قبض كل شىء (٢) . ولا يخفي أن هذين الاحتمالين بعيدان جدًّا لا يمكنهما التأثير في ظاهر الحديث الدال على أن القبض يتم بمجرد التخلية والتمكُّن من القبض دون الحاجة إلى التحويل والحيازة الفعلية. * ثانيًا: يمكن مناقشة حديث جابر بالاحتمالين السابقين، ولكن يجاب عنهما بالسابق. * ثالثًا: يمكن مناقشة حديث عائشة بأنه لا يدل على أن القبض قد تم بل كل ما يدل عليه هو أن الرسول ﷺ قد أخذها بالثمن، ولا يلزم منه تمام القبض. * رابعًا: وأما حديث ابن عمر في بيع الذهب بالفضة في الذمة ففيه مقال حيث قال فيه الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر " (٣) وسماك هذا قال فيه ابن حزم: "ضعيف يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة، وأنه كان يقول له: حدثك فلان عن فلان؟ فيقول: "نعم" (٤) . وقد تبع الشيخ الألباني ابن حزم وحكم بضعف الحديث، ورجح كونه موقوفًا وأتى لذلك ببعض شواهد حسنة تجعل هذا الأثر الموقوف قويًّا (٥) . ويمكن الإجابة على ذلك بأن الحديث قد حكم عليه الحاكم بالصحة وأنه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (٦) ووصفه شيخ الإِسلام ابن تيمية بأنه من السنَّة الثابتة (٧) .

стр. 8283

ومن جانب آخر أنهم ضعَّفوا الحديث بأمرين: * أحدهما: أن في سنده سماك بن حرب وهو ضعيف، وهذا غير مسلم على إطلاقه، بل إن بعض النقاد وصفوه بأنه يمكن تلقينه، ولا سيما في أحاديثه عن طريق عكرمة، أما أحاديثه عن طريق سعيد بن جبير – مثل الحديث الذي معنا – وغيره فأكثر النقاد وثقوه، وحكموا له بالضبط، بل إن جماعة منهم قبلوا حديثه مطلقًا، وقال ابن عدي: وأحاديثه حسان، وهو صدوق، وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: سماك أصبح حديثًا من عبد الملك بن عمير، وقال ابن معين: ثقة وكان شعبة يضعفه، وقال العجلي بكري: جائز الحديث إلا أنه كان في حديث عكرمة ربما وصل الشيء، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال يعقوب: وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المثبتين، ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم، والذي قال ابن المبارك – من أنه ضعيف – إنما نرى أنه فيمن سمع منه بآخره، وربما هذا التقويم الأخير هو المعتمد، والجامع بين الأقوال المختلفة حوله، وهذا الحديث هو ما رواه عنه حماد، وهو من متقدمي الرواة عنه، وقد تابعه إسرائيل بن يونس، ومهما قلنا في هذا الحديث فإنه لا ينزل إلى درجة الحديث الحسن، وهو ينهض حجة، وكيف لا، وقد حكم بصحته بعض النقاد مثل الذهبي، والحاكم، كما سبق؟ * ثانيهما: أنه موقوف. ويمكن أن يناقش بأنه وإن كان موقوفًا لكنه في حكم المرفوع، ولا سيما من ابن عمر الذي كان شديد التمسك بالآثار، ولا يخوض في الرأي إلا نادرًا ولا سيما في مثل القضايا الربوية. ومن جانب آخر إذا كان للحديث طريقان طريق مرفوع، وطريق موقوف، فالرفع هو المرجح، ولا سيما أن الأئمة الخمسة قد رفعوه (١) . الترجيح: الذي يظهر لنا رجحانه بعد هذه الأدلة والمناقشة أن القبض هو التخلية، والتمكن من التسلّم دون التسلّم الفعلي فيما عدا الطعام حيث تدل الأحاديث على أن له نوعًا من الخصوصية والعناية والاهتمام لم توجد لغيره، فبالتحقيق لا يمكن إهمال هذه الأحاديث الدالة على وجوب قبض الطعام وكيله، أو وزنه إذا كان قد بيع بالكيل أو الوزن، ووجوب نقله وتحويله إذا كان قد بيع جزافًا، وأما فيما سوى الطعام فالأدلة ظاهرة ومتعاضدة في أنه لا يحتاج إلى النقل والتحويل، فقد رأينا أحاديث صحيحة دلت على أن القبض في الإِبل – مثلًا – قد تم بمجرد العقد، حيث قام الرسول ﷺ بهبتها بعد العقد مباشرة دون النقل والتحويل، ولذلك لا يقاس على الطعام غيره من المنقولات.

стр. 8284

وفي جميع الأحوال لا يشترط أن يتسلم المشتري بالفعل المعقود عليه حتى في الطعام، حيث نرى أن البائع إذا كالَهُ له، أو وزنه له، أو حوله إليه، أو أودعه في سيارته، أو سفينته فإن القبض قد تم، وأما في غير الطعام فمجرد التخلية يكفي، وذلك لأننا لو اشترطنا – حتى في الطعام – التسلم الفعلي من المشتري فإنه قد يتعسف في استعمال حقه فلا يتسلمه، وقد أبرز الكاساني هذا المعنى بصورة رائعة فقال: "فأما الإِقباض فليس في وسعه – أي البائع–، لأن القبض بالبراجم (١) فعل اختياري للقابض، فلو تعلق وجوب التسليم به لتعذر عليه الوفاء بالواجب، وهذا لا يجوز" (٢) . ثم إن القبض لغة قد جاء بمعنى التمكين والتمكن دون التسلم الفعلي، ولا نجد دليلًا في الشرع على تقييده غير الأحاديث الواردة في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه أو استيفائه، أو تحويله، وهذه الأحاديث – في الواقع – ليست شرحًا للقبض، ولا تقييدًا له، وإنما هي في عدم جواز البيع قبل القبض، لكنه مع ذلك يدل على نوع خصوصية الطعام، حيث يقول القرافي في الفرق بين الطعام وغيره في هذه المسألة: "إن الطعام أشرف من غيره لكونه سبب قيام البنية، وعماد الحياة فشدد الشرع على عادته في تكثير الشروط فيما عظم شرفه كاشتراط الولي والصداق في عقد النكاح دون عقد البيع " (٣) . وعلى ضوء ذلك تبقى القاعدة العامة هي أن القبض والتسليم هو التخلية والتمكن من التسلم وليس التسلم الفعلي باليد يقول الكاساني: ولنا أن التسليم في اللغة عبارة عن جعله سالمًا خالصًا، يقال: سلم فلان لفلان أي خلص له، وقال الله تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٢٢٩] . أي سالمًا خالصًا لا يشركه فيه أحد، فتسليم المبيع إلى المشتري، هو جعل المبيع سالمًا للمشتري، أي خالصًا بحيث لا ينازعه فيه غيره، وهذا يحصل بالتخلية، فكانت التخلية تسليمًا من البائع، والتخلي قبضًا من المشتري وكذا هذا في تسليم الثمن إلى البائع، لأن التسليم واجب، ومن عليه الواجب لا بد وأن يكون له سبيل الخروج عن عهدة ما وجب عليه، والذي في وسعه هو التخلية، ورفع الموانع" (٤) . فعلى ضوء ذلك إن جميع الأحكام المترتبة على القبض تترتب على التخلية والتمكن من القبض، لكنه لا يجوز بيع الطعام قبل استيفائه وتحويله أو كيله ووزنه، وبهذا يتم الجمع والتوافق بين جميع الأدلة، ويكون للعقد أيضًا أثره دون أن يلغى أي دليل، والقاعدة الأصولية تقضي بأن الجمع بين الأدلة أولى من إلغاء أحدها.

стр. 8285

التعريف المختار للقبض: بعد هذا العرض لأقوال الفقهاء، وترجيح رأي القائلين: بأن القبض هو التخلية حسب العرف إلا في الطعام للأدلة الدالة عليه حيث لا يجوز بيعه إلا بعد كيله، أو وزنه، أو نقله وتحويله أو استيفائه، وذلك لأن "القبض" ورد في الشرع اعتباره، ولم يرد تفسيره فيه، وكذلك لا نجد له في اللغة معنى خاصًّا محددًا، بل وجدناه تدور معانيه حول: الأخذ والقبول للمتاع وإن لم يحول – كما قاله ابن الأعرابي – والتداول، والتمكن، والقدرة على الشيء كما سبق. ومن هنا فالمرجع في ذلك إلى العرف، وعلى ضوء ذلك يمكن أن نقول في تعريفه المختار: هو: التخلية بين العاقد والمعقود عليه على وجه يتمكن من التسلم بلا مانع ولا حائل حسب العرف. هذه هي حقيقة القبض في نظرنا لكن الدليل – كما قلنا – قام بخصوص الطعام فقيد جواز تصرف المشتري قبل تحويله ونقله إن كان قد بيع جزافًا، وقبل كيله أو وزنه إن كان قد بيع كيلًا أو وزنًا. ما يشترط فيه القبض الفوري: ثم إن كان العقد في الصرف (والنقود) فلا بد من القبض داخل المجلس، حيث إنه جامع المتفرقات. ثم إن الجمهور – أي الحنفية، والشافعية، والحنابلة – لم يشترطوا الفورية في الصرف ما دام المجلس باقيًا (١) ، ولذلك كان بإمكان أحد العاقدين فيها أن سلم الثمن أو المثمن في آخر المجلس حتى ولو عقده في أول المجلس، حتى قال ابن قدامة وغيره: "ولو تماشيا مصطحبين إلى منزل أحدهما، أو إلى الصراف فتقابضا عنده جاز ..."، لأنهما لم يفترقا قبل التقابض، فأشبه ما لو كانا في سفينة تسير بهما ... وقد دل على ذلك حديث أبي برزة الأسلمي للذين مشيا في جانب العسكر، "وما أراكما افترقتما" (٢) . غير أن المالكية اشترطوا القبض الفوري في الربويات قال ابن رشد: ((إن تأخر القبض في المجلس بطل الصرف وإن لم يفترقا ...)) وسبب الخلاف ترددهم في مفهوم قوله ﷺ : ((إلا هاء وهاء)) (٣) وذلك أن هذا يختلف بالأقل والأكثر، فمن رأى أن هذا اللفظ صالح لمن لم يفترق من المجلس – أعني أنه يطلق عليه أنه باع ((هاء وهاء)) – قال: يجوز التأخير في المجلس، ومن رأى أن اللفظ لا يصح إلا إذا وقع القبض من المتصارفين على الفور قال: ((إن تأخر القبض عن العقد في المجلس بطل الصرف ...)) (٤) .

стр. 8286

والراجح هو رأي الجمهور، وذلك لما روى البخاري ومسلم بسندهما عن مالك بن أوس أنه التمس صرفًا بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا، حتى اصطرف مني، فأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله: " الذهب بالذهب إلا هاء وهاء ..." (١) وجه الاستدلال أن عمر فسر حديث النبي ﷺ : ((إلا هاء وهاء)) بأن لا يتفرقا في المجلس، قال ابن الأثير: "هاء وهاء" هو أن يقول كل واحد من المتابعين: هاء فيعطيه ما في يده كالحديث الآخر: "يدًا بيد" يعني مقابضة في المجلس (٢) . وذكر المزني أن حديث عمر هذا وإن كان يحتمل القبض الفوري والقبض في المجلس، لكن تفسيره من خلال قوله لمالك بن أوس: "لا تفارق حتى تعطيه ورقه أو ترد إليه ذهبه" يدل على أن المراد به التقابض في المجلس (٣) . وأما قوله ﷺ : ((يدًا بيد)) (٤) فلا يدل على اشتراط القبض الفوري بعد العقد مباشرة حتى وإن ظل المجلس قائمًا، وكذلك لا يدل على اشتراط القبض باليد، وإنما المقصود به أن يتم القبض الفعلي في المجلس، قال الخطابي في شرح هذه الأحاديث: "فيه بيان أن التقابض شرط في صحة البيع في كل ما يجري فيه الربا من ذهب وفضة وغيرهما من المطعوم وإن اختلف الجنسان"، وقال شراح الحديث: "يدًا بيد"، أي: حالًّا مقبوضًا في المجلس قبل افتراق أحدهما عن الآخر (٥) . بل إن جماعة من شراح الحديث فسروا "يدًا بيد" أي: عينًا بعين، بدليل رواية لمسلم بلفظ "عينًا بعين" (٦) بدل ذلك، أي لا يكون عينًا بدين أو دينًا بدين، لأن ذلك ربا.

стр. 8287

وقد حصر الحنفية اشتراط القبض في المجلس على الصرف فقط (والنقود) ، أما غيره من الربويات فلا يشترط فيه إلا التعيين في المجلس، جاء في الدر المختار: "والمعتبر تعيين الربوي في غير الصرف – ومنه مصوغ ذهب وفضة – بلا شرط تقابض، حتى لو باع بُرًّا ببُرٍّ بعينهما وتفرقا قبل القبض جاز" (١) ، قال ابن عابدين: "لأن غير الصرف يتعين بالتعيين، ويتمكن من التصرف فيه فلا يشترط قبضه، قياسًا على الثياب ونحوها، ...، والتقابض قبل الافتراق بالأبدان ليس بشرط لجوازه إلا في الذهب، والفضة" (٢) . وأما الشافعية والحنابلة (٣) فاشترطوا التقابض في المجلس في كل الربويات سواء بيعت بجنسها أم بغير جنسها، وأما المالكية فقط اشترطوا الفورية في جميع الربويات (٤) . ورأي الشافعية ومن معهم هو الراجح لورود أحاديث ثابتة متفق عليها تدل بوضوح على اشتراط كون البيع في الربويات "يدًا بيد" سواء كان في مختلفي الجنس، أو متفقيه (٥) . وأما غير الربويات (الصرف وغيره من المطعومات ونحوها) ، فلا يشترط فيه القبض الفوري، ولا القبض في المجلس (٦) . ويمكن تلخيص ما قلناه بأن العقود بالنسبة إلى التقابض على أربعة أقسام: منها: ما يجب فيه التقابض قبل التفرق بالإِجماع، وهو الصرف. ومنها: ما لا يجب بالإجماع كبيع المطعومات وغيرها من العروض بالنقدين الذهب والقضة. ومنها: ما يشترط فيه التقابض عند الشافعي ومالك وأحمد خلافًا لأبي حنيفة وهو بيع الطعام بالطعام. ومنها: ما يشترط فيه التقابض الفوري عند مالك، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، وأحمد (٧) .

стр. 8288

أنواع القبض، وصوره القديمة والمعاصرة: لقد أفاض فقهاؤنا الكرام في ذكر أنواع القبض، وكيفية، والصور المتداولة في عصورهم، والمسائل الكثيرة التي لا تسمح طبيعة بحثنا بالخوض فيها، ولذلك نذكر أهمها، ثم نعقبها بذكر بعض الصور المعاصرة. فقد قسَّم الكاساني الحنفي القبض إلى قبض تامٍّ، وقبض ناقص، حيث قال: "إن أصل القبض يحصل بالتخلية في سائر الأموال، واختلفوا في أنها: هل هي قبض تامٌّ فيها أم لا؟ (١) . ومعنى كون التخلية قبضًا تامًّا أنه يترتب على التخلية جميع الأحكام المترتبة على العقد بالكامل من انتقال الضمان إلى المشتري، وجواز التصرف له في المبيع قبل نقله، أو كيله، أو وزنه، أو عدِّه. ومعنى كون التخلية قبضًا ناقصًا أن المشتري لا يجوز له بيع المبيع قبل نقله، أو كيله، أو وزنه، وإن كانت التخلية تؤدي باتفاق الحنفية في الجميع إلى نقل الضمان من البائع إلى المشتري، ونحن نذكر هنا بإيجاز متى تكون التخلية قبضًا تامًّا، ومتى لا تكون كذلك: ١- التخلية قبض تامٌّ فيما يأتي: (أ) في كل ما ليس له مثل من المذروعات، والمعدودات المتفاوتة، حيث التخلية فيه قبض تام بلا خلاف عند الحنفية، حتى لو اشترى مذروعًا مذارعة، أو معدودًا معاددة ووجدت التخلية يخرج عن ضمان البائع، ويجوز بيعه، والانتفاع به قبل الذرع والعدّ. (ب) وفيما له مثل لكنه بيع مجازفة، لأنه لا يعتبر معرفة القدر في بيع المجازفة. (ج) وفي المعدودات المتقاربة إذا بيعت عددًا لا جزافًا عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة تعتبر التخلية فيها قبضًا ناقصًا. وجه قول أبي حنيفة أن القدر في المعدود معقود عليه كالقدر في المكيل والموزون، ولذلك لو عدَّه فوجده زائدًا لا تطيب له الزيادة بلا ثمن، بل يردها أو يأخذها بثمنها، ولو وجده ناقصًا يرجع بقدر النقصان كما في المكيل والموزون، وهذا دليل على أن المقدار معتبر في العقد، ولما كان احتمال الزيادة والنقصان في عدد المبيع ثابتًا فلا بد من معرفة قدر المعقود عليه، وامتيازه عن غيره، ولا يعرف قدره إلا بالعدّ، ولذلك لا يجوز بيعه قبل عدَّه (٢) .

стр. 8289

ووجهة نظر الصاحبين أن العددي ليس من أموال الربا كالمذروع، ولهذا لم تكن المساواة فيها شرطًا لجواز العقد، كما لا تشترط في المذروعات، فكان حكمه حكم المذروع (١) . ٢- كون التخلية قبضًا ناقصًا فيما له مثل لكنه بيع مكايلة، أو موازنة في المكيل والموزون، حيث لا يجوز للمشتري أن يبيعه قبل الكيل والوزن، وكذا لو اكتاله المشتري، أو اتزنه من بائعه ثم باعه مكايلة أو موازنة من غيره لم يحل للمشترى منه أن يبيعه، أو ينتفع به حتى يكيله أو يزنه، ولا يكتفي باكتيال البائع أو اتزانه من بائعه وإن كان ذلك بحضرة هذا المشتري. غير أن الحنفية اختلفوا في علة حرمة البيع قبل الكيل أو الوزن، فذهب بعضهم إلى أن العلة انعدام القبض بانعدام الكيل أو الوزن، وذهب آخرون بأن السبب هو وجود النص الدال على ذلك فقط، لأنه غير معقول المعنى مع حصول القبض بتمامه بالتخلية حيث إن معنى التسليم والتسلم يحصل بالتخلية، لأن المشترى يصير سالمًا خالصًا للمشتري على وجه يتهيأ له تقليبه، والتصرف فيه على حسب مشيئته وإرادته (٢) . غير أن الحنفية صرحوا بأنه لو كاله البائع، أو وزنه بحضرة المشتري كان ذلك كافيًا ولا يحتاج إلى إعادة الكيل، لأن المقصود يحصل بكيله مرة واحدة بحضرة المشتري (٣) . وبالإضافة إلى كون التخلية قبضًا فإن هناك أمورًا أخرى تعتبر بمثابة القبض من حيث الحكم عند الحنفية، وهي أن يكون المبيع لا يزال في يد البائع ولم يمكن من القبض أيضًا لكن المشتري يقوم بإتلافه، فيعتبر هذا الإِتلاف من قبله قبضًا، يقول الكاساني: لأن التخلية تمكين من التصرف في المبيع، والإِتلاف تصرف فيه حقيقة، والتمكين من التصرف دون حقيقة التصرف (٤) .

стр. 8290

وكذلك يعتبر بمثابة القبض كل تصرف من قِبَل المشتري يؤدي إلى تعييب المعقود عليه، أو نقصه سواء بقطع جزء منه أو نحو ذلك، لأن هذه الأفعال تدل على التمكين أكثر من التخلية. وكذلك لو فعل البائع، أو غيره ذلك بإذن المشتري، أو أمره. ويعتبر قبضًا ما إذا جنى شخص على المبيع فاختار المشتري اتباع الجاني بالضمان حيث يكون اختياره بمنزلة القبض عند أبي يوسف، وكذلك لو استبدل المشتري الضمان ليأخذ مكانه من الجاني شيئًا آخر عنده، وكذلك عند أبي يوسف إذا كان المبيع مصوغًا من فضة اشتراها بدينار مثلًا فاستهلك المصوغ أجنبي قبل القبض فاختار المشتري أن يتبع الجاني بالضمان، ونقد الدينار البائع فافترقا قبل قبض ضمان المستهلك لا يبطل الصرف بينهما عند أبي يوسف، لأن اختياره تضمين المستهلك بمنزلة القبض، وعند محمد يبطل الصرف لعدم القبض، وعلى هذا يخرج ما إذا أسلم في قفيز حنطة، فلما حل الأجل أمر رب السلم المسلم إليه أن يكيله في وعاء المسلم إليه أو دفع إليه وعاءه وأمره أن يكيله فيها ففعل فذلك قبض ما دام رب السلم حاضرًا، وإذا لم يكن حاضرًا فلا يصير قابضًا، لأن حقه في الدين وليس في العين (١) . وذكر الحنفية مسائل جزئية وفرعية أخرى: منها: ما لو باع قطنًا في فراش، أو حنطة في سنبل، وسلم كذلك فإن أمكن المشتري قبض القطن، أو الحنطة من غير فتق الفراش، أو دق السنبل صار قابضًا له لحصول معنى القبض، وهو التخلي والتمكن من التصرف، وإن لم يمكنه إلا بالفتق والدق لم يصر قابضًا له، لأنه لا يملك الفتق أو الدق، لأنه تصرف في ملك البائع، وهو لا يملك التصرف في ملكه فلم يحصل التمكن والتخلي فلا يصير قابضًا، ولذلك تقع أجرة الفتق والدق على البائع إذا كان المشتري لا يمكنه القبض إلا به. ومنها: ما لو باع الثمرة على الشجرة وخلى بين المشتري وبينها صار قابضًا، لأنه يمكن الجذاذ من غير تصرف في ملك البائع فحصل التخلي بتسليم الشجر فكان قبضًا، ولذلك تقع أجرة الجذاذ على المشتري (٢) .

стр. 8291

ومنها: لو باع رجل خلًّا في دَنٍّ – وعاء الخل – في بيت البائع فخلى بينه وبين المشتري فختم المشتري على الدَّنِّ وتركه في بيت البائع فهلك بعد ذلك فإنه يهلك من مال المشتري في قول محمد وعليه الفتوى، لأن القبض قد تمَّ (١) . ومنها: إذا باع مكيلًا في بيت مكايلة، أو موزونًا موازنة، وقال خليت بينك وبينه، ودفع إليه المفتاح، ولم يكله ولم يزنه صار المشتري قابضًا، ولم لم يقل ذلك لا يكون قابضًا إلا بكيله، أو وزنه مرة أخرى (٢) . وهذا جمع طيب بين من اشترط من الحنفية أن يقول ذلك، وبين من لم يشترط ذلك منهم حيث حمل الاشتراط على ما إذا لم يتم الوزن، أو الكيل، في حين حمل عدمه على ما إذا تم الوزن، أو الكيل فعلًا. ومنها: ما لو قال البائع للمشتري: خذ البضاعة فهو قبض إذا كان يصل إلى أخذه ويراه، كذا في الذخيرة (٣) . ومنها: ما لو اشترى ثوبًا، وأمره البائع بقبضه فلم يقبضه حتى غصبه إنسان، فإن كان حين أمره البائع بالقبض أمكنه أن يمد يده ويقبض من غير قيام صح التسليم، وإلا فلا. كذا في فتاوى قاضيخان (٤) . ومنها: ما إذا باع دارًا وسلمها إلى المشتري، وفيها متاع قليل للبائع لا يصح التسليم حتى يسلمها إليه فارغة، فإن أذن البائع للمشتري بقبض الدار والمتاع صح التسليم، لأن المتاع صار وديعة عند المشتري، وكذلك الأمر في الأرض التي فيها زرع للبائع. وهناك تفصيلات كثيرة تعود في الواقع إلى العرف السائد في عصورهم.

стр. 8292

المعقود عليه في يد المشتري: وهذه المسائل كلها مترتبة على أن المعقود عليه في يد البائع، أما لو كان في يد المشتري وقت العقد فهل يصبح قابضًا بمجرد العقد، أم يحتاج فيه إلى تجديد القبض؟ يقول العلامة الكاساني: "فالأصل فيه أن الموجود وقت العقد إن كان مثل المستحق بالعقد ينوب منابه، وإن لم يكن مثله أمكن تحقيق التناوب، لأن المتماثلين غيران ينوب كل واحد منهما مناب صاحبه ويسد مسدّه، وإن كان أقوى منه يوجد فيه المستحق وزيادة، وإن كان دونه لا يوجد فيه إلا بعض المستحق فلا ينوب عن كله". ثم فصل ذلك في مسائل لخصها في أن يد المشتري قبل الشراء إما أن تكون يد ضمان، وإما أن تكون يد أمانة. فإذا كانت يد المشتري قبل الشراء يد الضمان بنفسه مثل إن كان غاصبًا له ثم اشتراه منه فإنه يصير قابضًا للمبيع بالعقد نفسه، دون الحاجة إلى تجديد القبض: سواء أكان المبيع حاضرًا أو غائبًا، لأن المغصوب مضمون بنفسه، والمبيع بعد القبض مضمون بنفسه فتجانس القبضان، فناب أحدهما عن الأخر. أما إذا كانت يده يد الضمان لغيره كيد المرتهن، مثل إن باع الراهن المرهون للمرتهن فإنه لا يصير قابضًا إلا أن يكون الرهن حاضرًا، أو يذهب إلى حيث الرهن ويتمكن من قبضه، لأن المرهون ليس مضمونًا بنفسه بل بغيره وهو الدين، والمبيع مضمون بنفسه فلم يتجانس القبضان فلم يتشابها فلا ينوب أحدهما عن الآخر، ولأن الرهن أمانة في الحقيقة فكان قبضه قبض أمانة، وإنما يسقط الدين بهلاكه لمعنى آخر، لا لكونه مضمونًا، وحينئذ لا يكون قبض الأمانة كافيًا في قبض الضمان الذي يتم بقبض المبيع بصفة البيع (١) .

стр. 8293

وأما إذا كانت يد المشتري قبل الشراء يد أمانة كيد الوديعة والعارية فلا يصير قابضًا إلا أن يكون بحضرته، أو يذهب إلى حيث يتمكن من قبضه بالتخلي، لأن يد الأمانة ليست من جنس يد الضمان فلا يتناوبان (١) . ثم إن الحنفية أجمعوا – كما في الفتاوي الهندية – على أن التخلية في البيع الجائز الصحيح تكون قبضًا – على التفصيل السابق – لكنهم ثار بينهم خلاف في أنها هل هي قبض أم لا؟ على روايتين، والصحيح أنها قبض (٢) . وقد ذكر النووي أن الرجوع فيما يكون قبضًا إلى العادة، ويختلف بحسب اختلاف المال، وتفصيله أن المبيع نوعان: * النوع الأول: ما لا يعتبر فيه تقدير إما لعدم إمكانه، وإما مع إمكانه فينظر: إن كان مما لا ينقل كالأرض والدور، فقبضه بالتخلية بينه وبين المشتري، وتمكينه من اليد والتصرف بتسليم المفتاح إليه، ولا يعتبر دخوله وتصرفه فيه، ويشترط كونه فارغًا من أمتعة البائع، فلو باع دارًا فيها أمتعة البائع توقف التسليم على تفريغها، وكذا لو باع سفينة مشحونة بالقماش. أما لو جمع البائع متاعه في غرفة من المنزل، وخلى بينه وبين المشترى، فقد تم القبض فيما عدا تلك الغرفة. وقد ذكر الشافعية أن في معنى الأرض الشجر الثابت، والثمرة المبيعة على الشجر قبل أوان الجذاذ. وإن كان المبيع من المنقولات فالمذهب والمشهور أنه لا يكفي فيه التخلية، بل يشترط النقل والتحريك، وفي قول رواه حرملة: يكفي، وفي وجه: يكفي لنقل الضمان إلى المشتري، ولا يكفي لجواز تصرفه، ثم رجح النووي أنه لا يكفي استعمال الدابة، وركوبها بلا نقل (٣) .

стр. 8294

وإذا كان المبيع في موضع لا يختص بالبائع كموات ومسجد، وشارع، أو في موضع يختص بالمشتري فالتحويل إلى مكان منه كافٍ. وإن كان في بقعة مخصوصة بالبائع فالنقل من زاوية منه إلى زاوية، أو من غرفة من داره إلى غرفة أخرى بغير إذن البائع لا يكفي لجواز التصرف، ويكفي لدخوله في ضمانه، وإن نقل بإذنه حصل القبض، وكأنه استعار ما نقل إليه. ولو اشترى الدار مع أمتعة فيها صفقة واحدة فخلى البائع بينها وبينه حصل القبض في الدار، وأما الأمتعة ففيها وجهان، أصحهما: يشترط نقلها كما لو أفردت، والثاني يحصل فيها القبض تبعًا، وبه قطع الماوردي، وزاد فقال: لو اشترى صبرة ولم ينقلها حتى اشترى الأرض التي عليها الصبرة وخلى البائع بينه وبينها حصل القبض في الصبرة أيضًا. ولو جاء البائع بالمبيع فقال المشتري: ضعه، فوضعه بين يديه حصل القبض، وإن وضعه بين يديه ولم يقل المشتري شيئًا، أو قال، لا أريده فوجهان: أحدهما يحصل به القبض، والثاني لا يحصل القبض، كما لا يحصل الإِيداع، وأصحهما: يحصل، لوجوب التسليم، كما لو وضع الغاصب المغصوب بين يدي المالك يبرأ من الضمان، فعلى هذا للمشتري التصرف فيه، ولو تلف فمن ضمانه. ولو وضع المدين الدين بين يدي مستحقه ففي حصول التسليم خلاف مرتب على المبيع، بل هو أولى بعدم الحصول، لعدم تعين الدين فيه. ولو دفع المشتري ظرفًا إلى البائع وقال: اجعل المبيع فيه ففعل لا يحصل التسليم، إذ لم يوجد من المشتري قبض، والظرف غير مضمون على البائع، لأنه استعمله في ملك المشتري بإذنه، وفي مثله في السلم يكون الظرف مضمونًا على المسلم إليه، لأنه استعمله في ملك نفسه، ولو قال للبائع: أعرني ظرفك، واجعل المبيع فيه ففعل لا يصير المشتري قابضًا. * النوع الثاني: ما يعتبر فيه تقدير بأن اشترى ثوبًا، أو أرضًا مذارعة أو متاعًا موازنة، أو صبرة مكايلة، أو معدودًا بالعدد فلا يكفي للقبض ما سبق في النوع الأول، بل لا بد من ذلك من الذرع، أو الوزن، أو الكيل، أو العدّ. وكذا لو أسلم في أصوع طعام، أو أرطال منه يشترط في قبضه الكيل والوزن. ولو قبض جزافًا ما اشتراه مكايلة دخل المقبوض في ضمانه، وأما تصرفه فيه بالبيع ونحوه فإن باع الجميع لم يصح، لأنه قد يزيد على المستحق، أما لو باع ما تيقن أنه له ففيه خلاف رجح جمهور الشافعية عدم صحته. وإذا باع ما اشتراه كيلًا بالوزن، أو وزنًا بالكيل فهو كقبضه جزافًا (١) .

стр. 8295

والخلاصة أن الشافعية أيضًا متفقون مع غيرهم في أن المرجع في القبض إلى العرف ولكنهم مع ذلك وضعوا هذه الضوابط التي كانت محكومة بأعراف زمانهم، يقول الشيرازي: "إن القبض ورد به الشرع وأطلقه، فحمل على العرف، والعرف فيما ينقل النقل، وفيما لا ينقل التخلية " (١) . ولكن النووي عقب عليه بأن قبض الدراهم والدنانير (النقود) والمنديل والثوب والإِناء الخفيف، والكتاب ونحوها فقبضه بالتناول بلا خلاف بين الشافعية (٢) . وذكر ابن قدامة أن قبض كل شيء في المذهب الحنبلي بحسبه، فإن كان مكيلًا أو موزونًا وقد بيع كيلًا أو وزنًا فقبضه بكيله ووزنه، وإن كان المبيع دراهم، أو دنانير فقبضها باليد، وإن كان ثيابًا فقبضها نقلها، وإن كان حيوانًا فقبضه تمشيته من مكانه، وإن كان مما لا ينقل ويحول فقبضه بالتخلية بينه وبين المشتري بدون حائل. وقد علل ابن قدامة لذلك "بأن القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإِحراز والتفرق، والعادة في قبض هذه الأشياء ما ذكرنا" (٣) . ونرى مثل هذا التعليل، والرجوع إلى العرف في أغلب الكتب الفقهية – إن لم يكن في جميعها – مما يدل على أن مسائل القبض محكمة بالعرف، وحينئذٍ يمكن حمل كثير من التفصيلات الفهقية على أعراف أزمنة الفقهاء وعوائدها (٤) .

стр. 8296

صُور القبض المعاصرة قبل أن نخوض في تفصيلات هذه الصور المعاصرة للقبض يمكننا أن نضع لها ضابطة وهي أن مبنى القبض وأساس مسائله وصوره قائم على العرف، حيث إن الشرع أطلقه فيكون الرجوع فيه إلى العرف، ومن هنا فكل ما عدّه العرف قبضًا في أي عصر من العصور فهو قبض، ما دام لا يصطدم مع نص شرعي ثابت صريح، وكذلك لا يجب الالتزام بجزئيات القبض وصوره في عصر ما بالنسبة للعصر الذي يليه ما دام العرف قد تغير، لأن ما هو مبني على العرف يتغير بتغيره، يقول العلامة ابن القيم: "... فمهما تجدد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغه، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه، وأفته به دون عرف بلدك، والمذكور في كتبك" ثم نقل عن المحققين من العلماء قولهم "فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين ... وما جرت به العادة ... واشتهر ذلك عند الناس بحيث صار عرفًا متبادرًا إلى الذهن من غير قرينة ... حمل عليه ... ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبّب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل، وهذا المفتي الجاهل أضر على أديان الناس وأبدانهم والله المستعان" (١) . وقد أكد على مثل ذلك العلامة ابن عابدين في رسالته القيمة فقال: "اعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا، فقالوا تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة ... وقال في القنية: ليس للمفتي ولا للقاضين أن يحكما على ظاهر المذهب ويتركا العرف" بل ذكر أن النص المبني على اعتبار عرف ما مثل النصوص الواردة في اعتبار الحنطة والشعير ونحوهما من المكيلات لا يدل على عدم جواز بيعها بالوزن إذا تغير العرف وأصبحت تباع بالوزن أيضًا "فالنص في ذلك الوقت إنما كان للعادة ... فإذا تغيرت العادة تغير الحكم – أي هذا الحكم الجزئي – فليس في اعتبار العادة المتغيرة الحادثة مخالفة للنص، بل فيه اتباع النص" (٢) .

стр. 8297

وهذه الضابطة تسهل كثيرًا من صور القبض المعاصرة ما دامت لا تتعارض مع نصوص الشريعة الثابتة الواضحة. وعلى ضوء ذلك نقول: إن عملية القبض (التسلم والتسليم) في عصرنا الحاضر ليست في جميع صورها حديثة، بل إن كثيرًا من صورها لا تزال باقية، مثل قبض العقار سواء كان أرضًا أم بناء، وكذلك قبض الأشياء التي لا يمكن نقلها دون تغيير في شكلها كالمصانع فهذه الأمور لا يختلف فيها القبض في عصرنا عما كانت عليه في السابق، فيكون قبضها بالتخلية كما قال فقهاؤنا الكرام. وأما المنقولات فهذه التي يمكن الاختلاف فيها حسب العصور والأزمان، حيث جدّت معاملات حديثة، وتطورت كيفية القبض، ولا سيما في نطاق السلع والنقود (الصرف) . فعلى نطاق السلع الحاضرة أو التي رآها المشتري سابقًا يتم فيها القبض بعد العقد بمجرد التخلية ما عدا الطعام حيث لا يجوز بيعه إلا بعد نقله، أو كيله أو وزنه – كما سبق -، ويعتبر تسليم البضاعة وإدخالها في السفينة، أو الطيارة، أو السيارة بعد إرسال (بوليصة الشحن) تخلية وقبضًا. وأما السلع الغائبة فإما أن يتم العقد فيها بين المستورد والمصدر مباشرة، وذلك بأن يبعث المستورد طلبًا بالبضاعة ومواصفاتها المطلوبة، ويوافق عليها المصدر، ثم يبعثها عن طريق البر، أو البحر، أو الجو، ففي هذه الحالة فإن العقد لا يلزم إلا بعد وصول البضاعة إلى المشتري ومطابقتها للمواصفات المذكورة في العقد، وحينئذ لا يتم القبض فيها إلا بعد وصولها والتأكد من التطابق (١) ، ولا يخفى أن رؤية الوكيل البضاعة مثل رؤية الموكل، ومن المعلوم فقهًا أن رؤية البعض قد تغنى عن رؤية الكل.

стр. 8298

وقد يتم العقد عن طريق البنوك من خلال الاعتمادات المستندية (CREDIT) ، وهي تعني توفير الضمان للبائع ليحصل على ثمن بضاعته، وللمشتري ليحصل على البضاعة التي تعاقد على شرائها، حيث يتعهد البنك فاتح الاعتماد بناء على طلب عميله وتعليماته: بأن يدفع الأمر المستفيد (البائع) مبلغًا معينًا من المال في غضون مدة محدودة، مقابل قيام المستفيد بإرسال البضاعة (موضوع البيع) أو نحوها، وتسليم مستندات معيّنة مطابقة للشروط المبينة في خطاب الاعتماد (١) . والاعتماد نوعان: اعتماد استيراد يفتحه المستوردون لصالح المصدّرين الأجانب لاستيراد سلع أجنبية، واعماد تصدير لصالح المصدّرين المحليين لسلع محلية (٢) . والاعتماد المستندي إما أن يكون مغطي غطاء كليًّا، حيث يدفع طالب الاعتماد بتغطية مبلغه بالكامل للمصرف حتى يقوم المصرف بتسديد ثمن البضاعة بالكامل لدى وصول المستندات الخاصة بالبضاعة إليه، أما إذا كان مغطي غطاء جزئيًّا، فحينئذ يدفع المصرفي الباقي من ماله الخاص (٣) . فالعناصر المشتركة في الاعتماد المستندي هي: ١- المستورد الذي طلب فتح الاعتماد، ويتم بينه وبين البنك فاتح الاعتماد عقد تضمن النقاط التي يطلبها المستورد من المصدّر. ٢- المصرف الذي فتح الاعتماد للمستورد بعد الموافقة على شروطه. ٣- المصرف الذي يرسل إليه مبلغ الاعتماد، وهو إما أن يقوم بدور الوسيط بين المصرف الفاتح، وبين المصدّر دون أي التزام عليه، وإما أن يقوم بتبليغ الاعتماد إلى المستفيد، ويضيف إليه تعزيزه، وحينئذٍ يكفل دفع القيمة للمصدّر بشرط أن تكون هذه المستندات مطابقة لشروط الاعتماد.

стр. 8299

٤- المستفيد المصدّر. والذي يهمنا في هذه القضية أن المصرف إذا دخل كوكيل فإن تسلمه البضاعة عن طريقه مصحوبة بكافة سندات الشحن يعتبر قبضًا، وهذه الحالة إنما تتم في الغالب حينما يكون الاعتماد المستندي مغطى غطاء كليًّا. وكذلك يعتبر تسلمه البضاعة – مع توفر الشروط – قبضًا إذا دخل كشريك في الصفقة، وهذا يتم في الغالب عندما يكون الاعتماد المستندي مغطي غطاء جزئيًّا. أما إذا دخل البنك كمرابح (بيع المرابحة) فحينئذٍ يكون قبضه للبضاعة قبضًا للبنك، ولا يتم القبض للعميل إلا إذا وصلت البضاعة إلى الميناء المطلوب، ويتم العقد بينهما، ثم يراها، ويخلي بينه وبينها حسب العرف التجاري، وحينئذ يتم القبض. وأما القبض في النقود في عصرنا الحاضر فلا بد أن يتم فيه القبض في المجلس، لأن الإِجماع على ذلك قائم، يقول ابن المنذر: "وأجمعوا: أن المتصارفين إذا تفرقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد" (١) وقد ذكرنا أن الجمهور لم يشترطوا الفورية، بل قيدوا التقابض بالمجلس سواء طال أم قصر، في حين أن المالكية اشترطوا الفورية، وقد رجحنا مذهب الجمهور. وإذا كان هذا محل إجماع لا ينبغي أن يمس، فإن العرف يمكن أن يتحكم في بعض صور القبض المعاصرة فيحكم عليها بالقبض ولذلك سنلقي بصيصًا من الضوء على كيفية الصرف في البنوك مع بيان حكم كل نوع منها. فالبنوك (أو محلات الصرافة) إما أن تتعامل بالنقود مناجزة حالَّة حيث يدفع العميل النقود التي يريد بيعها، ويأخذ في مقابلها العملة التي يريدها، فهذا لا إشكال فيه ما دام التقابض قد تم في مجلس العقد حتى وإن طال المجلس – كما سبق -. وإما أن تتعامل معه على غير هذه الصورة، وحينئذ تكون أمامنا الصور الآتية: ١- يدفع العميل للمصرف الإسلامي مبلغًا من النقود على أن يسجله في حسابه الجاري، أو الاستثماري (المضاربة، أو الشركة) فيقبله المصرف، وبذلك يصبح المصرف مدينًا في حالة تسجيله في حسابه الجاري، ومضاربًا، أو شريكًا في حالة المضاربة أو المشاركة.

стр. 8300

٢- يدفع العميل للمصرف مبلغًا من النقود (ريالات) على أن يسجله لحسابه الخاص بالدولار، فيتسلمه المصرف ويجري عملية التحويل مباشرة، ثم يدخل في حسابه الخاص ما يقابله من الدولارات، ويعطيه إيصالًا بذلك، فهذا أيضًا جائز، لأنه من قبيل المصارفة في الذمة التي أجازها جماعة من الفقهاء (١) ويدل على جوازه حديث ابن عمر الثابت حيث كان على ذمته دراهم، ويدفع دنانير، وبالعكس، فأقره النبي ﷺ بشرط أن يتم ذلك قبل التفرق – كما سبق -. وقد أكد ذلك مؤتمر المصرف الإِِسلامي بدبي، حيث جاء في توصياته: "يرى الاستمرار في المعاملة الخاصة لبيع وشراء العملات، وذلك على الصورة الموضحة في بيان أعمال البنك، لأنها من قبيل المصارفة، وتطبق عليها أحكام الصرف المحدودة في فقه الشريعة الإِسلامية" (٢) . ٣- عملية التحويل سواء كانت للنقود مباشرة، أو عن طريق الشيكات. فالأول: مثل أن يدفع العميل مبلغًا من النقود ليحولها المصرف بعملة البلد المحول إليه فيدخله في حساب المحول إليه أو يأخذه، فهذا أيضًا جائز، لأن أخذ العميل ورقة التحويل وتثبيت المقدر المحول بمثابة قبض، ثم قيام المصرف بتحويله إلى الآخر بمثابة السفتجة (٣) ، وهي جائزة عند جماعة من الفقهاء (٤) ، وكذلك يشتمل على المصارفة في الذمة إن حول عملة العميل مباشرة إلى العملة التي يريدها، وهي أيضًا جائزة، كما سبق. والثاني: وهو عن طريق الشيكات – له عدة صور منها: (أ) أن يتقدم العميل بشيك مسحوب على فرع البنك الذي يقوم بتحصيله، وفي هذه الحالة يقوم الفرع بعملية التسوية بين الساحب والمستفيد حيث ينقص من حساب الأول، ويضيف إلى حساب الثاني بقيمة الشيك، أو يسلمه القيمة نقدًا دون إضافتها في الحساب (٥) .
следующие страницы →