← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

صُور القبض المعاصرة قبل أن نخوض في تفصيلات هذه الصور المعاصرة للقبض يمكننا أن نضع لها ضابطة وهي أن مبنى القبض وأساس مسائله وصوره قائم على العرف، حيث إن الشرع أطلقه فيكون الرجوع فيه إلى العرف، ومن هنا فكل ما عدّه العرف قبضًا في أي عصر من العصور فهو قبض، ما دام لا يصطدم مع نص شرعي ثابت صريح، وكذلك لا يجب الالتزام بجزئيات القبض وصوره في عصر ما بالنسبة للعصر الذي يليه ما دام العرف قد تغير، لأن ما هو مبني على العرف يتغير بتغيره، يقول العلامة ابن القيم: "... فمهما تجدد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغه، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه، وأفته به دون عرف بلدك، والمذكور في كتبك" ثم نقل عن المحققين من العلماء قولهم "فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين ... وما جرت به العادة ... واشتهر ذلك عند الناس بحيث صار عرفًا متبادرًا إلى الذهن من غير قرينة ... حمل عليه ... ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبّب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل، وهذا المفتي الجاهل أضر على أديان الناس وأبدانهم والله المستعان" (١) . وقد أكد على مثل ذلك العلامة ابن عابدين في رسالته القيمة فقال: "اعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا، فقالوا تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة ... وقال في القنية: ليس للمفتي ولا للقاضين أن يحكما على ظاهر المذهب ويتركا العرف" بل ذكر أن النص المبني على اعتبار عرف ما مثل النصوص الواردة في اعتبار الحنطة والشعير ونحوهما من المكيلات لا يدل على عدم جواز بيعها بالوزن إذا تغير العرف وأصبحت تباع بالوزن أيضًا "فالنص في ذلك الوقت إنما كان للعادة ... فإذا تغيرت العادة تغير الحكم – أي هذا الحكم الجزئي – فليس في اعتبار العادة المتغيرة الحادثة مخالفة للنص، بل فيه اتباع النص" (٢) .

стр. 8297

وهذه الضابطة تسهل كثيرًا من صور القبض المعاصرة ما دامت لا تتعارض مع نصوص الشريعة الثابتة الواضحة. وعلى ضوء ذلك نقول: إن عملية القبض (التسلم والتسليم) في عصرنا الحاضر ليست في جميع صورها حديثة، بل إن كثيرًا من صورها لا تزال باقية، مثل قبض العقار سواء كان أرضًا أم بناء، وكذلك قبض الأشياء التي لا يمكن نقلها دون تغيير في شكلها كالمصانع فهذه الأمور لا يختلف فيها القبض في عصرنا عما كانت عليه في السابق، فيكون قبضها بالتخلية كما قال فقهاؤنا الكرام. وأما المنقولات فهذه التي يمكن الاختلاف فيها حسب العصور والأزمان، حيث جدّت معاملات حديثة، وتطورت كيفية القبض، ولا سيما في نطاق السلع والنقود (الصرف) . فعلى نطاق السلع الحاضرة أو التي رآها المشتري سابقًا يتم فيها القبض بعد العقد بمجرد التخلية ما عدا الطعام حيث لا يجوز بيعه إلا بعد نقله، أو كيله أو وزنه – كما سبق -، ويعتبر تسليم البضاعة وإدخالها في السفينة، أو الطيارة، أو السيارة بعد إرسال (بوليصة الشحن) تخلية وقبضًا. وأما السلع الغائبة فإما أن يتم العقد فيها بين المستورد والمصدر مباشرة، وذلك بأن يبعث المستورد طلبًا بالبضاعة ومواصفاتها المطلوبة، ويوافق عليها المصدر، ثم يبعثها عن طريق البر، أو البحر، أو الجو، ففي هذه الحالة فإن العقد لا يلزم إلا بعد وصول البضاعة إلى المشتري ومطابقتها للمواصفات المذكورة في العقد، وحينئذ لا يتم القبض فيها إلا بعد وصولها والتأكد من التطابق (١) ، ولا يخفى أن رؤية الوكيل البضاعة مثل رؤية الموكل، ومن المعلوم فقهًا أن رؤية البعض قد تغنى عن رؤية الكل.

стр. 8298

وقد يتم العقد عن طريق البنوك من خلال الاعتمادات المستندية (CREDIT) ، وهي تعني توفير الضمان للبائع ليحصل على ثمن بضاعته، وللمشتري ليحصل على البضاعة التي تعاقد على شرائها، حيث يتعهد البنك فاتح الاعتماد بناء على طلب عميله وتعليماته: بأن يدفع الأمر المستفيد (البائع) مبلغًا معينًا من المال في غضون مدة محدودة، مقابل قيام المستفيد بإرسال البضاعة (موضوع البيع) أو نحوها، وتسليم مستندات معيّنة مطابقة للشروط المبينة في خطاب الاعتماد (١) . والاعتماد نوعان: اعتماد استيراد يفتحه المستوردون لصالح المصدّرين الأجانب لاستيراد سلع أجنبية، واعماد تصدير لصالح المصدّرين المحليين لسلع محلية (٢) . والاعتماد المستندي إما أن يكون مغطي غطاء كليًّا، حيث يدفع طالب الاعتماد بتغطية مبلغه بالكامل للمصرف حتى يقوم المصرف بتسديد ثمن البضاعة بالكامل لدى وصول المستندات الخاصة بالبضاعة إليه، أما إذا كان مغطي غطاء جزئيًّا، فحينئذ يدفع المصرفي الباقي من ماله الخاص (٣) . فالعناصر المشتركة في الاعتماد المستندي هي: ١- المستورد الذي طلب فتح الاعتماد، ويتم بينه وبين البنك فاتح الاعتماد عقد تضمن النقاط التي يطلبها المستورد من المصدّر. ٢- المصرف الذي فتح الاعتماد للمستورد بعد الموافقة على شروطه. ٣- المصرف الذي يرسل إليه مبلغ الاعتماد، وهو إما أن يقوم بدور الوسيط بين المصرف الفاتح، وبين المصدّر دون أي التزام عليه، وإما أن يقوم بتبليغ الاعتماد إلى المستفيد، ويضيف إليه تعزيزه، وحينئذٍ يكفل دفع القيمة للمصدّر بشرط أن تكون هذه المستندات مطابقة لشروط الاعتماد.

стр. 8299

٤- المستفيد المصدّر. والذي يهمنا في هذه القضية أن المصرف إذا دخل كوكيل فإن تسلمه البضاعة عن طريقه مصحوبة بكافة سندات الشحن يعتبر قبضًا، وهذه الحالة إنما تتم في الغالب حينما يكون الاعتماد المستندي مغطى غطاء كليًّا. وكذلك يعتبر تسلمه البضاعة – مع توفر الشروط – قبضًا إذا دخل كشريك في الصفقة، وهذا يتم في الغالب عندما يكون الاعتماد المستندي مغطي غطاء جزئيًّا. أما إذا دخل البنك كمرابح (بيع المرابحة) فحينئذٍ يكون قبضه للبضاعة قبضًا للبنك، ولا يتم القبض للعميل إلا إذا وصلت البضاعة إلى الميناء المطلوب، ويتم العقد بينهما، ثم يراها، ويخلي بينه وبينها حسب العرف التجاري، وحينئذ يتم القبض. وأما القبض في النقود في عصرنا الحاضر فلا بد أن يتم فيه القبض في المجلس، لأن الإِجماع على ذلك قائم، يقول ابن المنذر: "وأجمعوا: أن المتصارفين إذا تفرقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد" (١) وقد ذكرنا أن الجمهور لم يشترطوا الفورية، بل قيدوا التقابض بالمجلس سواء طال أم قصر، في حين أن المالكية اشترطوا الفورية، وقد رجحنا مذهب الجمهور. وإذا كان هذا محل إجماع لا ينبغي أن يمس، فإن العرف يمكن أن يتحكم في بعض صور القبض المعاصرة فيحكم عليها بالقبض ولذلك سنلقي بصيصًا من الضوء على كيفية الصرف في البنوك مع بيان حكم كل نوع منها. فالبنوك (أو محلات الصرافة) إما أن تتعامل بالنقود مناجزة حالَّة حيث يدفع العميل النقود التي يريد بيعها، ويأخذ في مقابلها العملة التي يريدها، فهذا لا إشكال فيه ما دام التقابض قد تم في مجلس العقد حتى وإن طال المجلس – كما سبق -. وإما أن تتعامل معه على غير هذه الصورة، وحينئذ تكون أمامنا الصور الآتية: ١- يدفع العميل للمصرف الإسلامي مبلغًا من النقود على أن يسجله في حسابه الجاري، أو الاستثماري (المضاربة، أو الشركة) فيقبله المصرف، وبذلك يصبح المصرف مدينًا في حالة تسجيله في حسابه الجاري، ومضاربًا، أو شريكًا في حالة المضاربة أو المشاركة.

стр. 8300

٢- يدفع العميل للمصرف مبلغًا من النقود (ريالات) على أن يسجله لحسابه الخاص بالدولار، فيتسلمه المصرف ويجري عملية التحويل مباشرة، ثم يدخل في حسابه الخاص ما يقابله من الدولارات، ويعطيه إيصالًا بذلك، فهذا أيضًا جائز، لأنه من قبيل المصارفة في الذمة التي أجازها جماعة من الفقهاء (١) ويدل على جوازه حديث ابن عمر الثابت حيث كان على ذمته دراهم، ويدفع دنانير، وبالعكس، فأقره النبي ﷺ بشرط أن يتم ذلك قبل التفرق – كما سبق -. وقد أكد ذلك مؤتمر المصرف الإِِسلامي بدبي، حيث جاء في توصياته: "يرى الاستمرار في المعاملة الخاصة لبيع وشراء العملات، وذلك على الصورة الموضحة في بيان أعمال البنك، لأنها من قبيل المصارفة، وتطبق عليها أحكام الصرف المحدودة في فقه الشريعة الإِسلامية" (٢) . ٣- عملية التحويل سواء كانت للنقود مباشرة، أو عن طريق الشيكات. فالأول: مثل أن يدفع العميل مبلغًا من النقود ليحولها المصرف بعملة البلد المحول إليه فيدخله في حساب المحول إليه أو يأخذه، فهذا أيضًا جائز، لأن أخذ العميل ورقة التحويل وتثبيت المقدر المحول بمثابة قبض، ثم قيام المصرف بتحويله إلى الآخر بمثابة السفتجة (٣) ، وهي جائزة عند جماعة من الفقهاء (٤) ، وكذلك يشتمل على المصارفة في الذمة إن حول عملة العميل مباشرة إلى العملة التي يريدها، وهي أيضًا جائزة، كما سبق. والثاني: وهو عن طريق الشيكات – له عدة صور منها: (أ) أن يتقدم العميل بشيك مسحوب على فرع البنك الذي يقوم بتحصيله، وفي هذه الحالة يقوم الفرع بعملية التسوية بين الساحب والمستفيد حيث ينقص من حساب الأول، ويضيف إلى حساب الثاني بقيمة الشيك، أو يسلمه القيمة نقدًا دون إضافتها في الحساب (٥) .

стр. 8301

وهذا جائز لأن القبض قد تم بصورة صحيحة حيث تم التسلم والتسليم بين العميل والمصرف. (ب) أن يتقدم العميل بشيك مسحوب على فرع آخر من فروع البنك، فيقوم هذا الفرع بتسوية علاقة المديونية القائمة بين الساحب والمستفيد بالطريقة السابقة نفسها. وهذا أيضًا جائز، وذلك لأن الذمة المالية للبنك واحدة في كل فروعه، ومن هنا كان القبض قد تم بصورة مشروعة. (ج) أن يتقدم العميل بشيك مسحوب على بنك آخر، فيقوم البنك بإيداع قيمة الشيك في حساب العميل، ثم يقوم بتحصيل قيمة الشيك من المصرف الآخر في غرفة المقاصّة، أو بالعكس، بحيث يطالبه المصرف الآخر إذا كان الشيك صادرًا منه (١) وقد كيّف الباحثون المعاصرون عملية تحصيل الشيك على الوكالة حيث يقوم المستفيد بتوكيل المصرف المحصل في قبض الدين الذي حصل له بمقتضى الشيك، ومن هنا أجازوا للمصرف أن يأخذ الأجرة بناء على عقد الوكالة المستقل (٢) . وقد يقوم المصرف الذي تعامل معه العميل بتحويل المبلغ النقدي أو المسحوب بالشيك يحوله إلى مصرف آخر، أو شخص آخر في أي بلد، سواء كان عن طريق التحويلات الخطابية، أو عن طريق التلكس، أو البرق، أو التليفون، أو نحو ذلك، فهذه العمليات كُيِّفت على أساس (السفتجة) – كما سبق – حيث أجازها جماعة من الفقهاء (٣) وقد يأخذ العميل مقابل نقوده شيكات مصرفية أو سياحية، فلا يخفى أن قبض الشيك المصرفي، أو السياحي بمثابة القبض. والله أعلم.

стр. 8302

أركان القبض وشروطه: لا يخفى أن القبض باعتباره تصرفًا من التصرفات فله أركانه وشروطه، ونحن في هذه العجالة نوجز القول فيها بقدر الإِمكان. فأركانه هي القابض، والمقبض، والمقبوض، ويشترط في المتقابضَيْن ما يشترط في العاقدين من ثبوت الأهلية لهما، وفي جريان الخلاف بين الفقهاء في قبض الصبي المميز (١) ، والسفيه (٢) . ويؤكد ذلك ما ذكره علماء الشروط والوثائق من التأكيد على ثبوت الأهلية الكاملة للقابضَيْن، حيث نجد في وثائقهم: "أقرّ فلان في صحة بدنه وعقله، وجواز أمره طائعًا أنه قبض واستوفى من فلان كذا ... " (٣) . ولكن هناك استثناءات حيث يتساهل في القبض مالا يتساهل في العقد، فعلى سبيل المثال إن العقد لا يصح ألبتة عند الشافعية من الصبي – سواء كان مميِّزًا أم غير مميز – في حين يصح منه القبض، يقول الزركشي: "تعتبر فيه – أي القبض والإِقباض – الأهلية إلا في صور: منها: إذا قال مالك الوديعة سلمها لهذا الصبي ففعل برئ، كما لو قال: ألقها في البحر، وكذلك لو وكله في إقباض الزكاة لمعين ... ومنها: لو ثبت للسفيه دين فقبضه بإذن وليه فوجهان: رجح الحناطي الصحة ... ومنها: ما لو باع سلعته من رجل ثم جن المشتري فقبض البائع منه صح وإن قبض من مجنون قاله البغوي في التهذيب ... " (٤) .

стр. 8303

اتحاد القابض والمقبض: ومما يتعلق بهذا الموضوع ما أثاره الفقهاء حول مدى إمكانية اتحاد القابض والمقبض، أو بعبارة أخرى هل يمكن أن يقوم بهذا الدور شخص واحد؟ الذي يفهم من نصوصهم أن الأصل هو اشتراط الاختلاف وعدم اتحادهما، ولكنه مع ذلك توجد عدة استثناءات في هذا الباب. يقول الزركشي: - يمتنع – أي اتحاد القابض والمقبض – إلا في صور: ١- الوالد يتولى طرفي القبض في البيع وفي النكاح إذ أصدق في ذمته، أو في مال ولد ولده لبنت ابنه. ٢- وفي صورة الخلع إذا خالعها على طعام في ذمتها بصفة السلم وأذن لها في صرفه لولده منها فصرفته له من غير توسط قبض صاحب المال، فإنها تبرأ إلا في احتمال لابن الصباغ من اتحاد القابض والمقبض. ٣- ونقل الجوري – أي القاضي أبو الحسن الجوري – عن الشافعي: " أن الساعي يأخذ من نفسه لنفسه، وقد يستشكل ذلك لأن قسمة المال المشترك لا يستقل به أحد الشريكين حتى يحضر الآخر، أو يرفع الأمر إلى القاضي إلا أن يعتذر بأنه أمين من جهة الشرع ". ٤- وكذلك من وجب عليه كفارة يمين فقال لغيره،: أطعم عني عشرة مساكين فأطعم يسقط الفرض عنه وإن كانت الهبة لا بد فيها من القبض ويجعل قبض المساكين كقبضه. ٥- إذا وكل الموهوب له الغاصب، أو المستعير، أو المستأجر في قبض ما في يده من نفسه وقبل صح، وإذا مضت مدة يتأتى فيها القبض برئ الغاصب والمستعير من الضمان. ٦- لو أجر دارًا بدراهم معلومة، ثم أذن المؤجر للمستأجر في صرفها في العمارة فإنه يجوز. ٧- لو كان له في ذمة شخص مال فأذن له في إسلامه في كذا قال ابن سريج يصح والمذهب المنع ... (١) . وقد ذكر السيوطي السبب في أن الأصل عدم اتحاد القابض والمقبض وهو أنه إذا كان قابضًا لنفسه احتاط لها، وإذا كان مقبضًا وجب عليه وفاء الحق من غير زيادة، فلما تخالف الغرضان والطباع مجبولة على الأثرة وحب مصالح النفس ... امتنع الجمع كقاعدة عامة (٢) . ثم ذكر مسائل أخرى خلافية منها: ما لو امتنع المشتري من قبض المبيع ناب عنه القاضي، فإن فقد، ففي وجه – أي للشافعية – أن البائع يقبض من نفسه للمشتري فيكون قابضًا ومقبضًا، فعلى ضوء هذا الوجه يصبح المعقود عليه بعد ذلك أمانة في يدي البائع، ولكن المشهور في المذهب أنه من ضمان البائع كما كان، فحينئذ لا يعتد بهذا القبض (٣) .

стр. 8304

أثر القبض في العقود الصحيحة: ليس العقود بالنسبة للقبض على سنن واحدة، فهناك بعض العقود يكون القبض شرطًا لصحتها، وبعضها يكون القبض شرطًا للزومها، ولاستقرارها، وبعضها يلزم ويستقر دون القبض، ولذلك نجد الفقهاء يقسمون العقود باعتبار اشتراط القبض إلى أربعة أقسام: * القسم الأول: ما لا يشترط فيها القبض، لا في صحته، ولا في لزومه، ولا في استقراره مثل النكاح، والحوالة، والوكالة، والوصية، والجعالة. * القسم الثاني: ما يشترط القبض في صحته مثل الصرف وبيع الأموال الربوية بعضها ببعض سواء كانا متحدي الجنس، أو مختلفين، وذلك للحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول ﷺ : ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل ولا تشفوا بعضًا على بعض ... ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز)) ، وفي حديث صحيح آخر: ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواءً بسواء عينًا بعين، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)) . (١) . وقد توقف الظاهرية عند هذه الأنواع الستة ولم يقس عليها غيرها في حين ذهب جمهور الفقهاء إلى قياس بعض الأنواع عليها لكنهم اختلفوا في العلة الجامعة المؤثرة هل هي الطعم، أو الاقتيات، أو كون الشيء مكيلًا أو موزونًا ... مع اتحاد الجنس؟ (٢) . فهذه الأنواع الستة وما يقاس عليها لا يجوز بيع بعضها ببعض – سواء كانا متحدين في الجنس، أو مختلفين – إلا مع قبض البدلين في المجلس، وإذا لم يتم القبض فقد بطل العقد أو فسد بالاتفاق (٣) . وكذلك يجب تسليم الثمن (رأس مال السلم) في مجلس العقد عند جمهور الفقهاء، خلافًا للمالكية حيث أجاز أكثرهم تأخيره إلى ثلاثة أيام ما دام لم يشترط في العقد، أما إذا اشترط التأخير في العقد فقد فسد العقد بالاتفاق (٤) * القسم الثالث: ما يشترط القبض في لزومه كالرهن والهبة عند جمهور الفقهاء.

стр. 8305

أولًا – الرهن: اختلف الفقهاء في أثر القبض في الرهن على أربعة آراء: الرأي الأول: يرى أن الرهن لا يصح ولا يجوز إلا بالقبض. وهذا ما ذهب إليه الظاهرية حيث قال ابن حزم: " ولا يجوز الرهن إلا مقبوضًا في نفس العقد" (١) ، وبه قال زفر، وعلى هذا يكون القبض ركنًا (٢) . الرأي الثاني: يرى أن الرهن يتم ويلزم بمجرد العقد، ثم يجبر الراهن على الإِقباض إلا أن يتراخى المرتهن عن المطالبة حتى يفلس الراهن، أو يمرض، أو يموت، وهذا ما ذهب إليه المالكية وأحمد في رواية، وعلى هذا فالقبض شرط للتمام فقط (٣) . الرأي الثالث: يرى أن الرهن ينعقد بالعقد، لكنه لا يصبح لازمًا إلا بالقبض، حيث يكون له حق الرجوع قبل القبض، وهذا رأي الحنفية – ما عدا زفر – والشافعية، والحنابلة على الراجح عندهم (٤) . الرأي الرابع: التفرقة بين ما كان مكيلًا أو موزونًا، وبين غيره، حيث ذهب بعض أصحاب أحمد إلى أن ما كان مكيلًا أو موزونًا لا يلزم رهنه إلا بالقبض، وفيما عداهما روايتان: إحداهما لا يلزم إلا بالقبض، والأخرى: يلزم بمجرد العقد كالبيع. وقد حرر ابن رشد النزاع في اللزوم وعدمه، حيث قال: "فأما القبض فاتفقوا بالجملة على أنه شرط في الرهن ... واختلفوا هل هو شرط تمام أو شرط صحة؟ ..." (٥) .

стр. 8306

وقد استدل كل فريق على ما ذهب إليه بأدلة نوجز القول فيها، حيث استدل الرأي الأول على دعواه بأنَّ الله تعالى وصف الرهن بأنه مقبوض فقال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٣] . قال الجصاص (١) : وقوله تعالي: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ يدل على الرهن لا يصح إلا مقبوضًا من وجهين: أحدهما: أنه عطف على ما تقدم من قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ...﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] . فلما كان استيفاء المذكور والصفة المشروطة للشهود واجبًا وجب أن يكون كذلك حكم الرهن فيما شرط له من الصفة، فلا يصح إلا عليها كما لا تصح شهادة الشهود إلا على الأوصاف المذكورة، إذ كان ابتداء الخطاب توجه إليهم بصيغة الأمر المقتضي للإِيجاب، (أي بعبارة أخرى قياس القبض في الرهن على العدالة في الشهود) . والوجه الثاني: أن حكم الرهن مأخوذ من الآية، والآية إنما أجازته بهذه الصفة فغير جائز إجازته على غيرها، إذ ليس ههنا أصل آخر يوجب جواز الرهن غير الآية ويدل على أنه لا يصح إلا مقبوضًا أنه معلوم أنه وثيقة للمرتهن بدينه، ولو صح غير مقبوض لبطل معنى الوثيقة، وكان بمنزلة سائر أموال الراهن التي لا وثيقة للمرتهن فيها، وإنما جعل وثيقة له ليكون محبوسًا في يده بدينه فيكون عند الموت والإِفلاس أحق به من سائر الغرماء، ومتى لم يكن في يده كان لغوًا لا معنى فيه، وهو وسائر الغرماء فيه سواء ... (٢) .

стр. 8307

ثم أضاف الجصاص توضيحًا وتنويرًا لرأيه فقال: "ألا ترى أن المبيع إنما يكون محبوسًا بالثمن ما دام في يد البائع؟ فإن هو سلمه إلى المشتري سقط حقه، وكان هو وسائر الغرماء سواء فيه" (١) بالإِضافة إلى قياسه على الهبة، لأنه عقد تبرع في الحال (٢) . واستدل الرأي الثاني بأن الإِيجاب والقبول يكفيان، إذ هما شطرا العقد وركناه الأساسيان، وإذا تما فقد انعقد الرهن ولزم لقوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة: الآية ١] . ثم حينما ينعقد العقد يجبر الراهن على تسليم الرهن، حاله في ذلك حال بقية العقود التي تترتب عليها الآثار، فالبيع مثلًا يلزم بالإِيجاب والقبول، ثم يترتب عليه أثر من انتقال الملكية وتسليم الثمن والمثمن، وإذا امتنع العاقد عن تنفيذ ذلك فإنه يجبر عليه قضاء. واستدل الرأي الثالث بالآية السابقة نفسها: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ حيث وصف الله تعالى الرهان بكونها مقبوضة، ومن هنا لا يجوز أن يلغي هذا الوصف بل لا بد من اعتباره شرطًا وليس ركنًا. إذن فأصحاب هذا الرأي يحتاجون إلى الاستدلال على أمرين: الأمر الأول كونه شرطًا، والأمر الثاني: كونه ليس بركن. أما الأمر الأول فيدل عليه وصف الله تعالى الرهان بأنها مقبوضة قال الكاساني: "وصف الرهن بكونه مقبوضًا فيقتضي أن يكون القبض فيه شرطًا صيانةً لخبره تعالى عن الخلف، ولأنه عقد تبرع للحال فلا يفيد الحكم بنفسه كسائر التبرعات" (٣) . وأما الأمر الثاني فيدل عليه أنه لو كان ركنًا لما كان هناك حاجة لذكر: "مقبوضة"، قال الكاساني: "ولو كان القبض ركنًا لصادر مذكورًا بذكر الرهن، فلم يكن لقوله تعالى عز شأنه: "مقبوضة" معنى، فدل ذكر القبض مقرونًا بذكر الرهن على أنه شرط وليس بركن" (٤) ، وقاس ابن قدامة الرهن في ذلك على القرض حيث إنه لا يلزم إقباضه، ولا يجبر عليه بمجرد العقد (٥) . وأما الرأي الرابع فقد استند على التفرقة بين المنقول وغيره، حيث إن التوثقة في المنقول لا تتم إلا من خلال القبض على عكس العقار. المناقشة والترجيح: ويمكن أن يناقش القول الرابع بأن الآية الكريمة عامة في المنقول وغيره، ولم يرد في السنة الثابتة على تخصيصها بالمنقول، فعلى هذا فتخصيصها تحكم وترجيح بلا مرجح. هذا من جانب، ومن جانب آخر أن العلامة ابن قدامة قد أوضح أن هذه التفرقة في المذهب الحنبلي غير صحيحة، بل المروي عن أحمد روايتان مطلقتان بخصوص لزوم الرهن بالعقد وحده أم مع القبض، وكذلك كلام الخرقي محمول على ذلك، لكن القاضي أبا يعلى حمل كلام الخرقي مع عمومه على الفرق بين المكيل والموزون، وبين غيرهما، حيث قال: " ... وليس بصحيح، فإن كلام الخرقي مع عمومه قد أتبعه بما يدل على إرادة التعميم ..." (٦) . بالإِضافة إلى أن هذه التفرقة التي ذكرها أصحاب هذا الرأي تعود في الواقع إلى طبيعة القبض في المنقول والعقار مع أن الخلاف في القبض مطلقًا هل هو شرط أم لا؟ ولذلك فهذا الرأي في الواقع ليس له دليل ينهض حجة، ولا مستند له وجاهته واعتباره. ويمكن أن نناقش أدلة الرأي الأول بأن الآية وإن كانت قد وصفت الرهان بكونها مقبوضة لكنها لا تدل على جعل هذا الوصف ركنًا للرهن، بل لو كان القبض ركنًا له لكان جزءًا من ماهيته وحينئذ لما احتاج إلى الذكر، كما لا يحتاج لفظ البيع أن يوصف بالإِيجاب والقبول، ومن هنا فلا تدل الآية على أكثر من كون القبض مطلوبًا، وهذا يتحقق بجعل القبض شرطًا للزوم – كما هو رأي الجمهور – أو شرطًا للتمام ولكنه يجبر عليه – كما هو رأي المالكية -.

стр. 8308

وأما قياس القبض في الرهن على العدالة في الشهادة فقياس مع الفارق من حيث الدلالة والماهية، وذلك لأن دلالة ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٢] . على اشتراط العدالة واضحة من الآية، بل هي موجهة إلى وجود هذا الوصف، بل إنه بدونه لا تكون شهادة، لأن الغرض منها كشف الحقيقة، وبيان الصدق فيها، وذلك لا يتحقق إلا مع وجود العدالة، وأما الرهن فالآية الدالة على كونه مقبوضًا لا تدل على أن القبض ركن وجزء من ماهيته، كما أنه لا يفهم من طبيعته كونه مقبوضًا، ومن جانب آخر لا يستلزم من هذا الوصف في الآية كون القبض ركنًا، أو شرطًا للصحة، بدليل أن الآية نفسها قد علقت الرهن على السفر مع أن الرهن جائز في الحضر بالاتفاق ما عدا مجاهدًا (١) . ويمكن أن نناقش الرأي الثاني، بأن ما نقوله مسلم لكن وصف الرهان بكونها مقبوضة في الآية الكريمة لو لم يدل على كون القبض شرطًا لأصبح بدون فائدة، وهذا لا يجوز في كلام رب العالمين. ويرد على الرأي الثالث أنه لا يلزم من القول بعدم اشتراط القبض كون "مقبوضة" في الآية لغوًا بدون فائدة، إذ أن ذكره له فائدة عظيمة وهي أن الرهن لا يكتفي فيه بمجرد العقد بل لا بد من التسليم، ولذلك يجبر على ذلك، فلو لم تكن هذه الصفة لكان بالإِمكان الاكتفاء بالعقد اللفظي مع إبقاء المال المرهون في يد الراهن، وأيضًا إن قياس الرهن على الهبة قياس مع الفارق، لأنه في مقابل التزام مالي دونها بالإِضافة إلى الهبة أيضًا محل الخلاف. وبعد هذه المناقشة فالذي يظهر لنا رجحانه هو ما ذهب إليه مالك وأحمد في رواية، ,ذلك لأن الآية الكريمة ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ لا تدل على التعمق على كون القبض ركنًا ولا شرطًا للصحة، وإنما تدل على اعتباره، وهذا يتحقق في جعل القبض شرطًا للتمام والاستقرار وليس للصحة واللزوم، إذ على ضوء اعتباره ركنًا يؤدي إلى إلغاء الإِيجاب والقبول الصادرين من الراهن والمرتهن ما دام لم يصحبه القبض، وكذلك لو جعلناه شرطًا للصحة، وأما على ضوء اعتباره شرطًا للزوم فإنه يؤدي إلى أن العاقدين لهما حق الرجوع قبل القبض، وعلى ضوء ذلك فلو قبض الراهن الدّين، وتم الإِيجاب والقبول للرهن، فإن بإمكانه أن لا يسلمه لأنه غير ملزم، وفي هذا إجحاف كبير بحق المرتهن في حين أنه على ضوء مذهب مالك يجبر على تسليمه فيكون فيه صون لكلام العاقل من اللغو والإِلغاء، فالذي يدعمه الدليل أن الإِنسان ملزم بالعقد الذي التزم به، ولا يحتاج بعد ذلك إلى شيء آخر من قبض ونحوه، لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ...﴾ – كما سبق – بالإِضافة إلى أن السنة جعلت مخالفة الوعد – ناهيك عن العقد – من علامات النفاق (٢) ، فالرهن عقد يترتب عليه التزامات في مقابل التزامات مالية فينبغي أن يلزم بمجرد الإِيجاب والقبول – مع بقية الشروط – كسائر العقود، وهناك تفاصيل حول قبض العدل، ورهن المشاع لا تسمح طبيعة البحث بالخوض فيها.

стр. 8309

ثانيًا – الهبة (وسائر التبرعات) : وقد ثار الخلاف في أثر القبض في الهبة، ونحوها على ثلاثة آراء: الرأي الأول: هو أن القبض شرط للزوم الهبة، فلا تلزم إلا بالقبض، فعلى هذا يكون الموهوب قبل القبض على ملك الواهب، يتصرف فيه كيفما شاء وهذا رأي جمهور الفقهاء منهم الحنفية (١) ، والشافعية (٢) ، وهذا قول إبراهيم النخعي وسفيان الثوري والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن، وهو مروي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعليه إحدى الروايتين عن أحمد (٣) ، فعلى ضوء ذلك فالواهب بالخيار قبل القبض، بل لا يصح قبضها إلا بإذنه، حتى لو قبضها بدون الإِذن لم يصح القبض. الرأي الثاني: أن القبض يتم ويلزم بالإِيجاب والقبول، وإذا امتنع الواهب بعد ذلك فيجبر عليه، وهذا هو رأي مالك (٤) ، والشافعي في القديم، وأبي ثور، والحسن البصري، وكذلك قال حماد بن أبي سليمان في هبة الرجل لزوجته: إذا علمت (٥) غير أن الإِمام مالكًا قال: "فإن تأني الموهوب له عن طلب القبض حتى أفلس الواهب أو مرض بطلت الهبة ...". قال ابن رشد: وله – أي لمالك – إذا باع تفصيلٌ: إن علم فتوانى لم يكن له إلا الثمن، وإن قام في الفور كان له الموهوب" (٦) وفي الموطأ تفصيلٌ: حيث إذا أعطى أحدًا عطية لا يريد ثوابها فأشهد عليها فإنها ثابتة للذي أعطيها إلا أن يموت المعطي قبل قبضها ...، وإن لم يرد ثوابها ثم مات المعطى فورثته بمنزلته، وإن مات المعطي قبل القبض فلا شيء له (٧) . الرأي الثالث: التفرقة بين ما يكال ويوزن حيث لا تلزم الهبة فيه إلا بالقبض، وبين غيره حيث تلزم بمجرد العقد، وهذا ما عليه أحمد في الرواية المشهورة عنه (٨) ، ومن الجدير بالتنبيه عليه أن هذا الخلاف نفسه وارد في صدقة التطوع لكن ابن أبي ليلى فرق بينها وبين الهبة فقال: "تجوز الصدقة إذا أعلمت وإن لم تقبض، ولا تجوز الهبة ولا التخلي إلا مقبوضة" (٩) .

стр. 8310

الأدلة: استدل أصحاب الرأي الأول بالإِجماع والآثار، والرأي، أما الإِجماع فهذا ما ادعاه ابن قدامة، حيث قال: "ولنا إجماع الصحابة ﵃ فإن ما قلناه مروي عن أبي بكر، وعمر ﵄ ولم يعرف لهما من الصحابة مخالف"، ومثله قال الكاساني (١) . وأما الآثار فهي كثيرة، فقد قال المروزي: اتفق أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ: على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة" (٢) . وقد روى مالك، وعبد الرزاق، والبيهقي، وابن سعد بسندهم عن عائشة قالت: "لما حضرت أبا بكر الوفاة قال: أي بنية! ليس أحدٌ أحب إليّ غنًى منك ولا أعز عليّ فقرًا منك، وإني كنت قد نحلتك جداد عشرين وسقًا من أرضي التي بالغابة، وإنك لو كنت حزتيه كان لك، فإذ لم تفعلي فإنما هو للوارث، وإنما هو أخواك، وأختاك ..." (٣) . ورووا أيضًا عن عمر بن الخطاب يقول: ما بال أقوام ينحلون أبناءهم، فإذا مات الابن قال الأب: مالي، وفي يدي، وإذا مات الأب قال: قد كنت نحلت ابني كذا وكذا. لا نحل إلا لمن حازه، وقبضه عن أبيه" (٤) . ورويا بسندهما عن عثمان قال: "نظرنا في هذا النحول: فرأينا أن أحق من يحوز على الصبي أبوه" (٥) . وروى عبد الرزاق عن شريح، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، وابن شبرمة، وعثمان البتي، أنهم كانوا لا يجيزون الهدية، ولا يجعلونها لازمة إلا بعد القبض (٦) . وكذلك الصدقة حتى تقبض"، وروي مثله عن شريح، ومسروق، والشعبي: أنهم كانوا لا يجيزون الصدقة حتى تقبض – أي لا تلزم إلا بالقبض (٧) . فكل هذه الآثار تدل على أن السلف الصالح قد شاع بينهم هذا الحكم حتى أصبح مجمعًا عليه – كما قال ابن قدامة، والكاساني (٨) .

стр. 8311

وأما الرأي والتعليل فهو ما عبر عنه الكاساني بقوله: ولأنها عقد تبرع فلو صحت بدون القبض لثبت للموهوب له ولاية مطالبة الواهب بالتسليم، فتصير عقد ضمان، وهذا تغيير المشروع" (١) . واستدل أصحاب الرأي الثاني بالسنة والآثار والقياس: أما السنة فهي الأحاديث الصحيحة الدالة على حرمة الرجوع عن الهبة، منها قوله ﷺ : ((ليس لنا، مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه)) (٢) ، وقوله: ((العائد في هبته كالعائد في قيئه)) . (٣) ، وقد عقد البخاري له بابًا سماه: "باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته " (٤) ، وعلق عليه الحافظ فقال: كذا بتّ الحكم في هذه المسألة لقوة الدليل عنده فيها" (٥) ، ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث في الدلالة على حرمة الرجوع واضح، فكما أن القيء محرم، ولا يجوز أكله فكذلك الهبة، يقول الحافظ: "ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك، وأدل على التحريم بما لو قال مثلًا: "لا تعودوا في الهبة" (٦) ، وهذه الأحاديث مطلقة ليس فيها ذكر القبض فتبقى على إطلاقها، وحينئذ تكون الهبة ملزمة بمجرد العقد دون الحاجة إلى القبض. وأما الآثار في ذلك فواردة عن بعض الصحابة والتابعين، حيث روى عبد الرزاق بسنده عن علي وابن مسعود ﵄ حيث كانا يجيزان الصدقة وإن لم تقبض، وكذلك روى مثله عن إبراهيم وسفيان (٧) . وأما القياس فهو قياس الهبة ونحوها من الصدقة على الوصية في أنها عقد تبرع بتمليك شيء مع أنها تفيد الملك قبل القبض وتلزم بعد الموت وإن لم يقبض الموصى به ما دام الإِيجاب والقبول قد صدرا من العاقدين (٨) . واستدل أصحاب الرأي الثالث بأن الهبة بلا شك من عقود التمليك وإن كانت بدون مقابل، ولذلك كان منها ما لا يلزم قبل القبض، ومنها ما يلزم قبله كالبيع حيث إن فيه ما لا يلزم قبل القبض وهو الصرف وبيع الربويا، ومنه ما يلزم قبله وهو ما عدا ذلك (٩) . واستدل ابن أبي ليلى ببعض الآثار الواردة عن بعض الصحابة مثل عمر، وعلي ﵃ حيث أجازوا الصدقة قبل القبض، ولم يجيزوا الهبة إلا مقبوضة (١٠) .

стр. 8312

المناقشة: ويمكن أن يرد على ابن أبي ليلى من عدة وجوه: الوجه الأول: إذا كان هناك بعض الآثار عن بعض الصحابة بهذه التفرقة بين الهبة والصدقة، فإن هناك آثارًا أخرى عن جماعة كثيرة منهم بعدمها، وإن الصدقة والهبة ونحوها لا تتم إلا بالقبض، وأقوال الصحابة لا يكون بعضها حجة على البعض ما دامت مختلفة. الوجه الثاني: ما قاله الكاساني: "وما روي عن سيدنا عمر، وسيدنا علي ﵄ محمول على صدقة الأب على ابنه الصغير، وبه نقول، حيث لا حاجة هناك إلى القبض. حملناه على هذا توفيقًا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض ..." (١) ، ولا شك أن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. الوجه الثالث: أن الصدقة لا تختلف عن الهبة، إذ أنها عقد تبرع فلا يفيد الحكم بنفسه كالهبة، يقول ابن قدامة: " إن الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بغير عوض، واسم العطية شامل لجميعها" (٢) . ويمكن أن نناقش أدلة الرأي الأول (الجمهور) بما يأتي: أولًا: إن دعوى الإِجماع غير مسلمة وذلك بخلاف بعض الصحابة والتابعين، وبعض المذاهب في هذه المسألة، فقد ذهب إلى عدم حاجة الهبة والتبرعات إلى القبض الإِمام مالك والشافعي في القديم وأبو ثور والحسن البصري، وكذلك ذهب إلى لزوم الصدقة وإن لم تقبض. علي وابن مسعود، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، فكيف ينعقد الإِجماع مع خلاف هؤلاء الفقهاء؟! ثانيًا: أما الآثار الواردة عن الصحابة فليست حجة ما دامت المسألة خلافية بينهم، فأقوال الصحابة والتابعين لا يكون بعضها حجة على الآخر، بل الحجة في كتاب الله، وسنة رسوله، والإِجماع. ثالثًا: وأما ما ذكروه في الدليل العقلي فليس فيه حجة، إذ أنه على ضوء ما ذهب إليه مالك ومن معه يُمَلَّك الموهوب له ولاية المطالبة، وليس فيه تغيير للمشروع، إذ أن الواهب أصبح ملزمًا بالتزامه بمجرد صدور الإِيجاب منه، وقبول الآخر.

стр. 8313

ويمكن أن نناقش أدلة الرأي الثاني بما يأتي: أولًا: إن الأحاديث التي ذكروها لا تدل على الدعوى المطلوبة، وذلك لأن محل النزاع في مدى لزوم الهبة قبل القبض في حين أن دلالة تلك الأحاديث ليست ظاهرة في حرمة الرجوع قبل القبض، بل سياقها يدل بوضوح على أنها في الرجوع بعد القبض، فقول الرسول ﷺ : ((العائد في هبته كالعائد في قيئه)) ظاهر في أن المراد به الهبة بعد القبض، وذلك لأن التمثيل الذي ذكره يدل على ذلك، فالقيء سواء كان من إنسان أو من كلب قد خرج منه ووقع على الأرض – مثلًا – فالعودة إليه محرمة بالنسبة للإِنسان، وكذلك الحديث يدل على أن هذه البشاعة إنما تتحقق إذا رجع الواهب أو المتصدق بعد القبض، أما قبل القبض وإن كان مستنكرًا لكنه لا يصل إلى هذه الدرجة عرفًا وشرعًا. ويدل على هذا الفهم أن الخلفاء الراشدين وأكثر الصحابة ذهبوا إلى أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فلو كان المراد بالحديث السابق الهبة قبل القبض لما قالوا مثل ذلك. ومن جانب آخر إن الحديث السابق في بيان شناعة الرجوع عن الهبة والصدقة ذوقيًا وسلوكيًا، وذم ذلك وحرمته دينيًا، وفيما بينه وبين الله، ولا يستلزم من ذلك اللزوم القضائي، وبعبارة أخرى إن الرسول ﷺ بيَّن شناعة هذا العمل من خلال تلك الصورة المجسمة الخطيرة المقززة التي لا يرضى بها كل ذوق سليم، كل ذلك للزجر من الرجوع وبيان أن ذلك لا يتناسب مع أخلاق المؤمن وسموه وعزته وكرامته، لكنه لو رجع قبل القبض، أو بعد القبض عند بعض العلماء (١) لما ترتب عليه حكم قضائي ملزم.

стр. 8314

بالإِضافة إلى أن بعض العلماء قالوا: لا يفهم من الحديث السابق التحريم وإنما التغليظ في الكراهة، وذلك لأن التمثيل بالكلب الذي يعود إلى قيئه وهو غير مكلف يدل على عدم التحريم، غير أن هذا التأويل بعيد عن فهم الحديث، وغير مقبول، ولا يتفق مع بقية الأحاديث التي ورد التمثيل فيها بالعائد إلى قيئه، وهذا محرم بالإِجماع، بالإِضافة إلى أن عرف الشرع في مثل هذه الأشياء يريد به المبالغة في الزجر والشدة في التحريم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ...﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٢] . وكقوله ﷺ : ((من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير)) (١) . وأما الآثار فهي معارضة بالآثار الكثيرة الواردة بخلاف ذلك فلم تنهض حجة. وأما قياس الهبة والصدقة على الوصية فقياس غير مستقيم من وجهين: أحدهما: أن الوصية عقد تمليك بعد الموت وهما من عقود التمليك في الحياة. ثانيهما: أن الوصية قبل موته غير ملزمة أيضًا إذ الموصي له حق الرجوع، ومن هنا كان قياسهم في هذه المسألة في جزء منها، وليس في جميعها، بل يمكن أن نقول: إن قياسهم الهبة على الوصية قياس مقلوب عليهم فيصبح دليلًا لنا وليس علينا، وذلك بأن نقول: إن الهبة مثل الوصية قبل الموت في عدم اللزوم، فالفقهاء متفقون على أن الموصي – وإن صدر منه الإِيجاب – له حق الرجوع، وإنما تلزم بالموت ثم القبول إن كانت لمعين لأن احتمال الرجوع قد انتهى بموته، وحان وقت القبول (٢) . ويمكن أن نناقش الرأي الثالث: بأن هذه التفرقة لا نجد لها دليلًا له وجاهته واعتباره، وما قالوه لا ينهض حجة، فقياس الهبة على البيع قياس مع الفارق فهو تمليك بعوض في حين أن الهبة تمليك بلا عوض، في حين أن الهبة تمليك بلا عوض، وأحكام الصرف لا تنطبق على الهبة، وإلاَّ لما انعقدت في الربويات إلا بالقبض مع أنها تنعقد فيها حتى عندهم، وإن كانت لا تلزم.

стр. 8315

الترجيح: الذي يظهر لنا رجحانه هو أن العطيات – أي الهبة والهدية، وصدقة التطوع – تنعقد بالإِيجاب والقبول، ولكنها لا تلزم قضاء إلا بالقبض – ما عدا هبة الوالد لولده حيث له الرجوع حتى بعد القبض عند جمهور الفقهاء - (١) . ولكن إذا تم الإِيجاب والقبول بحيث قال الواهب، أو المصدق أعطيتك كذا فقال الآخر قبلت، فإن الواهب يجب عليه ديانة أن يفي بقوله وإلاَّ يأثم، وبعبارة أخرى يحرم عليه أن يخالف مقتضى عقده، أو وعده، للأحاديث الدالة على حرمة مخالفة الوعد، - ناهيك عن العقد– والأحاديث الدالة على حرمة الرجوع في الهبة ونحوها. وهناك تفاصيل في شروط القبض، وكيفيته لا تسمح طبيعة البحث بالخوض فيها هنا (٢) . * القسم الرابع: ما يشترط القبض في استقراره. ومعنى كون القبض شرطًا للاستقرار أن العقد يتم ويلزم بمجرد الإِيجاب والقبول – مع توفر الشروط المطلوبة – ولكنه يحتاج في استقراره إلى القبض، وبعبارة أخرى: إن ملكية العاقدين للمعقود عليه لا تستقر تمامًا إلا بالقبض، وهذا مثل البيع – في غير الربويات – والسلم بالنسبة للمسلم فيه، والإِجارة، والصداق، ونحوها (٣) . فعلى ضوء ذلك إذا تم البيع – مثلًا – ولم يتم القبض فإنه قد يترتب عليه عدة آثار من أهمها ما يأتي: الأثر الأول: أن المبيع يكون على ضمان البائع عند جماعة من الفقهاء ما دام لم يقبض، فعلى هذا لو هلك يضمنه البائع، ويسترجع المشتري حينئذٍ ثمنه، وذهب بعض الفقهاء إلى التفرقة بين الطعام وغيره، بحيث إذا تلف الطعام المبيع قبل قبضه يكون من مال البائع، وأما غيره إذا تلف قبل القبض يكون من مال المشتري، ثم إذا كان التلف قبل القبض – فيما يشترط فيه القبض – بآفة سماوية بطل العقد، ورجع المشتري بالثمن، وإن تلف بفعل المشتري استقر الثمن عليه، وإن أتلفه أجنبي لم يبطل العقد، ويثبت للمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن وبين البقاء على العقد ومطالبة المتلف بالمثل إن كان مثليًا، وذهب فريق ثالث منهم (الظاهرية) إلى أن الضمان على المشتري مطلقًا (٤) . الأثر الثاني: اشتراط القبض قبل التصرف في المبيع ونحوه عند جماعة. وبعبارة أخرى عدم جواز بيع المبيع ونحوه قبل القبض يقول ابن رشد: "واختلف من هذه المسألة في ثلاثة مواضع: أحدها: فيما يشترط فيه القبض من المبيعات، والثاني في الاستفادات ... والثالث في الفرق بين ما يباع من الطعام مكيلًا وجزافًا" (٥) . وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة اختلافًا كبيرًا يمكن حصر اتجاهاتهم في ثلاثة اتجاهات عامة تتمثل في الرفض مطلقًا، والإِجازة مطلقًا، والتوسط القائم على التفصيل وهي: الاتجاه الأول: يرى عدم جواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقًا سواء أكان المعقود عليه طعامًا أم غيره، وسواء أكان مكيلًا أو موزونًا، أو عقارًا أو منقولًا.

стр. 8316

وهذا مذهب الشافعي وأكثر أصحابه (١) ، وأحمد في رواية (٢) ، ومحمد بن الحسن وزفر من الحنفية (٣) ، والظاهرية (٤) ، والزيدية (٥) ، ورواية الإِمامية (٦) ، والإِباضية في المشهور عنهم (٧) ، وروي ذلك عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب في رواية عنه، وسفيان الثوري (٨) . الاتجاه الثاني: يرى جواز بيع المبيع وكل تصرف فيه مطلقًا، وهذا رأي عطاء بن أبي رباح، وعثمان البتي (٩) ورأي للإِمامية (١٠) . الاتجاه الثالث: يرى التوسط والتفصيل، وأصحاب هذا الاتجاه مختلفون فيما يجوز بيعه قبل القبض، وفيما لا يجوز. فذهب أكثرهم إلى عدم جواز بيع الطعام قبل قبضه، وإلى جوازه في غيره وهذا رأي مالك في المشهور عنه (١١) ، وأحمد في رواية عنه (١٢) ، واختيار أبي ثور، وابن المنذر (١٣) ، والإِمامية في وجه لهم (١٤) . (وفيه تفصيل في التوفية ...) .

стр. 8317

وذهب فريق ثانٍ منهم إلى عدم جواز بيع المكيل والموزون قبل قبضهما، وإلى جوازه فيما عداهما، وهذا مروي عن عثمان بن عفان، وابن سيرين وابن المسيب والحسن والحكم وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي وربيعة والنخعي (١) . وذهب فريق ثالث إلى إلحاق ما يباع بالوزن بالمكيل والموزون في عدم جواز بيعه قبل القبض، وهذا اتجاه أحمد في رواية وجماعة من أصحابه (٢) وأبي حنيفة، واختاره جماعة من أصحابه ما دام يراعي فيه العدُّ (٣) . وذهب فريق رابع إلى إلحاق ما يباع بالذراع (المتر ونحوه) بالمكيل والموزون وهذا اتجاه أبي حنيفة إذا أفرد لكل ذراع ثمن (٤) . وذهب فريق خامس إلى عدم جواز بيع المبيع قبل قبضه إذا كان منقولًا، وجوازه إذا لم يكن منقولًا كالعقار، وهذا اتجاه جمهور الحنفية. ومن الجدير بالتنبيه عليه أن المنقول يشمل المكيل والموزون والمعدود، والمذروع (على تفصيل فيه) (٥) . وذهب فريق سادس إلى التفرقة في الطعام بين ما يباع بالكيل أو الوزن على التوفية، وبين ما يباع منه جزافًا، فمنع الأول قبل القبض، وأجاز الثاني، حيث ذهب أكثر أصحاب مالك إلى جواز بيع الطعام قبل قبضه ما دام قد اشتراه جزافًا، فيكون له الحق في البيع دون نقله عن موضعه، غير أنه قيده مالك بأن لا يكون في بيع العينة (٦) ، وإذا كان بالعينة فلابد أن لا يكون بأكثر من ثمن المثل (٧) . وبعض العلماء جعلوا هذا المعيار عامًا فقالوا: كل ما بيع بالكيل، أو الوزن، أو العد، أو الذراع، لا يجوز بيعه قبل قبضه وكل ما بيع جزافًا يجوز سواء كان طعامًا أو غيره (٨) .

стр. 8318

الأدلة والترجيح (بإيجاز) : من المعهود في البحث العلمي أن نذكر أدلة كل فريق ثم المناقشة ثم الترجيح، غير أن ذلك في هذه المسألة الفرعية يتطلب كتابة عشرات الصفحات وهذه لا تتفق مع طبيعة البحث، وحينئذٍ كنت بين أمرين، إما ترك الترجيح، أو استعراض الأدلة في بحث يكون أشبه بكتاب، فآثرت أن أذكر الراجح – في نظري – مع أدلته، والرد على أدلة المخالف بإيجاز. والذي يظهر لي رجحانه هو أن منع التصرف في المبيع ونحوه قبل القبض محصور في الطعام، وأن العلة هي الطعام لا غير، وعلى هذا تدل الأحاديث الصحيحة، منها الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم بسندهما عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه)) ، وفي رواية لهما: ((... حتى يقبضه)) ، ورويا بسندهما أيضًا عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه)) . قال ابن عباس: " وأحسب كل شيء مثله"، ورويا عن ابن عمر، أنهم كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا طعامًا جزافًا، أن يبيعوه في مكانه، حتى يحولوه (١) ولا شك أن تخصيص الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه دليل على مخالفة غيره له. والواقع أن قول ابن عباس: "وأحسب كل شيء مثله" اجتهاد محض منه لا يكون حجة على اجتهاد غيره، ولذلك أورده البخاري مع أنه ترجيح للباب "باب بيع الطعام قبل أن يقبض ..." (٢) بل إن بعض روايات الحديث جاءت بالحصر (٣) . وهذا الحصر على الطعام هو الذي يؤدي إلى الجمع بين الأدلة الواردة بهذا الشأن بحيث تحمل عليه الأحاديث الخاصة بالنهي عن البيع قبل القبض، وتحمل الأحاديث الواردة الدالة على جواز التصرف في المبيع ونحوه قبل القبض على غير الطعام، وهذا هو الذي سار عليه الإِمام البخاري حيث أورد: باب إذا اشترى متاعًا، أو دابة فوضعه عند البائع، أو مات قبل أن يقبض. وقال ابن عمر ﵄ : "ما أدركت الصفقة حيًّا مجموعًا فهو من المبتاع". ثم أورد حديث عائشة في قصة الهجرة، وفيها: "قال أبو بكر: يا رسول الله، إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج، فخذ إحداهما. قال: "قد أخذتها بالثمن" (٤) .

стр. 8319

قال ابن المنير: "مطابقة الحديث للترجمة من جهة أن البخاري أراد أن يحقق انتقال الضمان في الدابة ونحوها إلى المشتري بنفس العقد، فاستدل لذلك بقوله ﷺ : ((قد أخذتها بالثمن)) وقد علم أنه لم يقبضها بل أبقاها عند أبي بكر، ومن المعلوم أنه ما كان ليبقيها في ضمان أبي بكر، لما يقتضيه مكارم أخلاقه حتى يكون الملك له، والضمان من غير قبض ثمن، ولا سيما في القصة ما يدل على إيثاره لمنفعة أبي بكر حيث أبى أن يأخذها إلا بالثمن (١) . وأيضًا يدل على ذلك ما رواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم عن ابن عمر، حيث يدل على أن ما يدرك العقد حيًّا مجموعًا – أي لم يتغير عن حالته – فهو من ضمان المشتري، وهذا رأي ابن عمر، قال الطحاوي: "ذهب ابن عمر إلى أن الصفقة إذا أدركت شيئًا حيًّا فهلك بعد ذلك عند البائع فهو من ضمان المشتري فدل على أنه كان يرى أن البيع يتم بالأقوال ..." (٢) . ومن الجدير بالإِشارة إلى أن أكثر القائلين بجعل التفرقة في البيع قبل القبض بين ما يكال، أو يوزن، وبين غيره أول كلامهم وحمل على الطعام وغيره، يقول ابن قدامة: "ويحتمل أنه أراد المكيل والموزون، والمعدود من الطعام الذي ورد النص بمنع بيعه"، ثم علق على هذا الحمل فقال: "وهذا أظهر دليلًا، وأحسن" (٣) . وقد استدل المخالف بأدلة لا يخلو جميعها إما من ضعف في سندها، أو أنها ليست نصًّا في دلالتها على منع المبيع غير الطعام، فمثلًا استدل القائلون بالمنع مطلقًا بالحديث الذي رواه أحمد والبيهقي عن حكيم بن حزام أن رسول الله ﷺ قال له: ((يا ابن أخي إذا ابتعت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه)) (٤) ، فهذا الحديث لا ينهض حجة، لأن جميع طرقه لا تخلو من مقال وضعف (٥) ولا سيما أن الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن ابن عباس قد رواه بطريق الحصر حيث يقول: "أما الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض" (٦) ، فلو كان ابن عباس – وهو من هو – لو وصله خبر ثابت لما حصره هذا الحصر.

стр. 8320

وهناك أحاديث أخرى ثابتة لكنها لا تدل على هذه الدعوى بوضوح منها: ما رواه أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، بسندهم ((أن رسول الله ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن)) ، وفي بعض الروايات: ((لا يحل سلف وبيع ... ولا ربح ما لم يضمن)) (١) ، وقد فسروا هذا الحديث بأنه يعني: الربح الحاصل من بيع ما اشتراه قبل أن يقبضه، وينتقل من ضمان البائع إلى ضمانه، فإن بيعه فاسد (٢) . ولكن الحديث صريح في النهي عن ربح ما لم يضمنه، تطبيقًا لقاعدة "الخراج بالضمان " (٣) ، وهذا إنما ينطبق على مسألتنا إذا كان القائلون بجواز بيع المبيع غير الطعام – أو غير المكيل والموزون، أو غير المنقول – لا يذهبون إلى أن المشتري ضامن بالعقد، في حين أن هؤلاء يذهبون إلى أن الضمان ينتقل في غير هذه الأشياء إلى المشتري بمجرد العقد، وحينئذٍ لم يكن الدليل في محل الدعوى فيصادر عليه فلا يقبل، يقول الخرقي: "وما عداه – أي ما عدا المكيل والموزون – فلا يحتاج إلى قبض. وإن تلف فهو من مال المشتري" وعلق عليه ابن قدامة فقال: "ولنا قول النبي ﷺ ((الخراج بالضمان)) وهذا المبيع نماؤه للمشتري فضمانه عليه، وقول ابن عمر: "مضت السنَّة أن ما أدركته الصفقة حيًّا مجموعًا فهو من مال المبتاع" – أي المشتري – ولأنه لا يتعلق به حق توفية، وهو من ضمانه قبل قبضه، فكان من ضمانه قبله كالميراث، وتخصيص النبي ﷺ الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه دليل على مخالفة غيره له (٤) .

стр. 8321

بل إن هذا الاستدلال في محل الخلاف نفسه، فأصل هذه المسألة يعود إلى مدى اشتراط القبض، ومدى جواز التصرف قبل القبض، والتفصيل فيه، يقول ابن حبيب: "اختلف العلماء فيمن باع عبدًا واحتبسه بالثمن فهلك في يديه قبل أن يأتي المشتري بالثمن، فقال سعيد بن المسيب وربيعة: هو على البائع، وقال سليمان بن يسار: هو على المشتري، ورجع إليه مالك بعد أن كان أخذ بالأول، وتابعه أحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال بالأول الحنفية والشافعية، والأصل في ذلك اشتراط القبض في صحة البيع، فمن اشترطه في كل شيء جعله من ضمان البائع، ومن لم يشترطه جعله من ضمان المشتري والله أعلم" (١) . وهكذا لو استعرضنا جميع أدلتهم التي وفقت في الاطلاع عليها لوجدناها إما ضعيفة لا تنهض حجة، أو أنها ليست نصًّا في الدعوى، والقاعدة المعروفة تقول: "والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال". ومن جانب آخر، أن الأدلة الصحيحة تدل على جواز إجراء بعض العقود على المبيع قبل القبض، منها ما رواه البخاري وغيره بسندهم عن ابن عمر ﵄ قال: "كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر ... فقال النبي لعمر: "بعنيه" قال: هو لك يا رسول الله. . قال رسول الله "بعنيه فباعه" ... فقال: "هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت" حيث يدل الحديث على أن رسول الله ﷺ قد اشترى الجمل، وأهداه قبل القبض، لأن ابن عمر الذي كان راكبًا عليه بأمر والده كان ولا يزال على جمله فلم تتم التخلية، ومع ذلك أهداه إليه، يقول الحافظ ابن حجر: " لأن النبي ﷺ تصرف في البكر بنفس تمام العقد ... واستفيد من الحديث أن المشتري إذا تصرف في المبيع ولم ينكر البائع كان ذلك قاطعًا لخيار البائع كما فهمه البخاري، والله أعلم، وقال ابن بطال: أجمعوا على أن البائع إذا لم ينكر على المشتري ما أحدثه من الهبة والعتق أنه بيع جائز "، وعلق عليه الحافظ فقال: " وليس الأمر على ما ذكره من الإِطلاق، بل فرقوا بين المبيعات، فاتفقوا على منع بيع الطعام قبل قبضه. . واختلفوا فيما عداه ..." (٢) .

стр. 8322

ويقول شيخ الإِسلام ابن تيمية: "والدليل على ذلك أن الثمن يجوز الاعتياض عنه قبل قبضه بالسنة الثابتة عن النبي ﷺ قال ابن عمر: "كنا نبيع الإِبل بالنقيع – بالنون سوق المدينة، وبالباء مقبرتها – كنا نبيع بالذهب ونقضي الورق، ونبيع بالورق، ونقضي الذهب، فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال: لا بأس إذا كان بسعر يومه، إذا تفرقتما وليس بينكما شيء" (١) ، فقد جوَّز النبي ﷺ أن يعتاضوا عن الدين الذي هو الثمن بغيره مع أن الثمن مضمون على المشتري لم ينتقل إلى ضمان البائع، فكذلك المبيع الذي هو دين السلم يجوز بيعه، وإن كان مضمونًا على البائع لم ينتقل إلى ضمان المشتري" (٢) ، فعلى ضوء ذلك لا مانع من وجود الضمان على البائع مع جواز بيع المبيع قبل قبضه، ولذلك أجاز جماعة من الفقهاء بيع الثمرة على الشجرة بعد بدو صلاحها مع أنها لا تزال على الشجرة وفي ضمان البائع، واستدلوا بحديث مسلم، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: ((إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا)) (٣) ، يقول ابن القيم في هذه المسألة: "لأنها ليست في حكم المقبوض من جميع الوجوه، ولهذا يجب عليه تمام التسليم بالوجه المحتاج إليه، فلما كانت مقبوضة من وجه غير مقبوضة من وجه رتبنا على الوجهين مقتضاها، وهذا من ألطف الفقه " (٤) .

стр. 8323

وقد ذكر العلامة ابن القيم اثني عشر عقدًا أجاز فيها الفقهاء المانعون أيضًا بيع الشيء قبل قبضه وهي: ١- بيع الميراث قبل قبض الوارث له. ٢- إذا أخرج السلطان رزق رجل فباعه قبل أن يقبضه. ٣- إذا عزل سهمه فباعه قبل أن يقبضه. ٤- ما ملكه بالوصية، فله أن يبيعه بعد القبول وقبل القبض. ٥- غلة ما وقف عليه، حيث له أن يبيعها قبل قبضها. ٦- الموهوب للولد إذا قبضه، ثم استرجعه الوالد، فله أن يبيعه قبل قبضه. ٧- إذا أثبت صيدًا، ثم باعه قبل القبض جاز. ٨- الاستبدال بالدين من غير جنسه هو بيع قبل القبض، ويدل عليه حديث ابن عمر (١) ، قال ابن القيم: "نص الشافعي على الميراث، والرزق يخرجه السلطان، وخرج الباقي على نصه". ٩- بيع المهر قبل قبضه جائز، وقد نص أحمد على جواز هبة المرأة صداقها من زوجها قبل قبضه. ١٠- إذا خالعها على عوض جاز التصرف فيه قبل قبضه، حكاه صاحب المستوعب وغيره، وذكر أبو البركات في المحرر أنه لا يجوز. ١١- إذا أعتقه على مال جاز التصرف فيه قبل قبضه، حكاه صاحب المستوعب. ١٢- إذا صالحه عن دم العمد بمال جاز التصرف فيه قبل قبضه، وكذلك إذا أتلف له مالًا، وأخرج عوضه – ومنع صاحب المحرر من ذلك كله. وقد ذكر كذلك جواب المانعين عن هذه الصور والفرق بينها وبين التصرف في المبيع قبل القبض بأن الملك فيه غير مستقر، فلم يسلط على التصرف في ملك مزلزل، بخلاف هذه الصور حيث إن الملك فيها مستقر غير معرض للزوال (٢) .

стр. 8324

ونقصد بذكر هذه الصور أن مسلك هؤلاء المانعين منعًا مطلقًا ليس عامًّا، وسائرًا على طريقة واحدة، فهم كلهم، أو بعضهم أجازوا هذه الصور أو بعضها مما يضعف مسلكهم، بل إن تعليلهم يضعف الملك قبل القبض، وحتى لا يؤدي إلى توالي الضمانين ليس مقنعًا، ولا مسلمًا على إطلاقه، وأنه لا يوجد في الشرع، ولا في العقل مانع من كون الشيء مضمونًا على الشخص بجهة، ومضمونًا له بجهة أخرى، ولذلك يقول مالك وأحمد في المشهور من مذهبه: ما يمكن المشتري من قبضه وهو المتعين بالعقد فهو من ضمان المشتري، وحينئذٍ له الحق في التصرف فيه، بالإِضافة إلى أن جواز التصرف ليس ملزمًا للضمان (١) . ثم إن الذي تقتضيه القواعد العامة لشريعتنا الغراء هي أن العقود – ولا سيما المالية – تتم، وتلزم بالإِيجاب والقبول – مع بقية الشروط المطلوبة – وبالتالي تترتب عليها الآثار الشرعية فلا ينبغي الاستثناء منها إلا ما يدل الدليل الصحيح الصريح على استثنائه، وفي نظرنا فهذا محصور في الطعام فلا يجوز بيعه ولا التصرف فيه قبل القبض، وفيما عداه يبقى على القاعدة العامة والله أعلم. ثم إن لفظ "الطعام" قد ثار حوله الخلاف في بيان ماهيته وحقيقته، حيث ذهب بعضهم إلى أن المراد به هو الحنطة فقط وذهب آخرون إلى أن المراد به هو ما يعد في العرف للأكل والاقتيات، يقول ابن منظور: "وأهل الحجاز إذا أطلقوا اللفظ بالطعام عنوا به البر خاصة ... وقال ابن الأثير: الطعام عام في كل ما يقتات من الحنطة، والشعير، والتمر وغير ذلك، وذهب بعضهم إلى أن المراد به التمر فقط" (٢) ، وقد ورد لفظ "طعام" في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبي سعيد الخدري في مقابل "شعير" مما يدل على أنه غيره حيث قال: "كنا نعطيها في زمان النبي ﷺ صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب" (٣) . قال الحافظ: "حكى الخطابي أن المراد بالطعام هنا الحنطة، وأنه اسم خاص له، قال: ويدل على ذلك ذِكرُ الشعير وغيره" (٤) ، لكن ابن المنذر رد عليه، واستشهد بقول أبي سعيد الخدري: "كنا نُخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعًا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأَقِط والتمر" (٥) ولذلك فالراجح هو أن الطعام يشمل كل ما يعد للقوت سواء أكان حنطة أم غيرها.

стр. 8325

وإذا كنا نحن رجحنا جواز التصرف في المبيع قبل القبض في غير الطعام فإن ذلك مقيد بقدرة المشتري على إيصال الحق إلى صاحبه الجديد، وبعبارة أخرى، التمكن من القبض، وإن لم يتم القبض، يقول ابن القيم: "وأما مالك وأحمد في المشهور من مذهبه فيقولان: ما يمكن المشتري من قبضه وهو المتعين بالعقد فهو من ضمان المشتري، ومالك وأحمد يجوزان التصرف فيه، ويقولان: الممكن من القبض جار مجرى القبض على تفصيل في ذلك، فظاهر مذهب أحمد أن الناقل للضمان إلى المشتري، هو التمكن من القبض لا نفسه ..." (١) . ولذلك علل الشافعية وغيرهم في تجويزهم بيع الأرزاق التي يخرجها السلطان قبل قبضها بأن يد السلطان يد حفظ، فتكون مثل يد المقر له، ويكفي ذلك لصحة البيع (٢) . ولهذا السبب أيضًا يجوز بيع الضال والمغصوب لمن يقدر على انتزاعه، ولا يجوز لغيره (٣) ، ولهذا السبب نفسه يقول ابن القيم: "فإن قيل: فأنتم، للمغصوب منه أن يبيع المغصوب لمن يقدر على انتزاعه من غاصبيه، وهو بيع ما ليس عنده؟ قيل: لما كان البائع قادرًا على تسليمه بالبيع، والمشتري قادرًا على تسلمه من الغاصب، فكأنه قد باعه ما هو عنده، وصار كما لو باعه مالًا، وهو عند المشتري وتحت يده، وليس عند البائع، والعندية هنا ليست عندية الحس والمشاهدة، فإنه يجوز أن يبيعه ما ليس تحت يده ومشاهدته، وإنما هي عندية الحكم والتمكين ... (٤) . وقد أثار بعض الفقهاء العلة في التفرقة بين الطعام وغيره فذكر بعضهم أنها تعبدية، وذكر الآخرون بأنها معللة بأن غرض الشارع سهولة الوصول إلى الطعام، ليتوصل إليه القوي والضعيف، ولذلك منع فيه الاحتكار وشدد فيه الإِسلام دون غيره. فلو جاز قبل قبضه لربما أخفى بإمكان شرائه من مالكه، وبيعه خفية فلم يتوصل إليه الفقير (٥) .

стр. 8326

وذكر الإِمام أبو محمد المنبجي الحنفي أن المعنى الذي نهى النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل القبض لأجله هو غرر انفساخ العقد بهلاك المعقود عليه قبل القبض، والهلاك في العقار نادر (١) . وقد اعترف شيخ الإِسلام ابن تيمية بغموض هذه المسألة وعلتها ولذلك كثر فيها تنازع الفقهاء، ومال أكثرهم إلى التمسك بظاهر النصوص دون الركون إلى العلة (٢) . والذي يقتضيه مجموع الأدلة هو الوقوف عند ما ورد فيه النص الصحيح الخالي عن المعارضة وهو منع بيع الطعام قبل قبضه وجوازه في غيره لما ذكرنا. وقد أجاب القرافي عن أدلة المانعين عن بيعه قبل القبض مطلقًا، حيث حمل أحاديثهم على بيع ما ليس ملكًا لبائعه، لأنه غرر، أما المعقود عليه فقد حصل فيه ملك بالعقد، وبالتالي فما دام متمكنًا من القبض فما المانع من التصرف فيه؟ ثم بيّن الفرق بين الطعام وغيره فقال: "إن الطعام أشرف من غيره لكونه سبب قيام البنية وعماد الحياة فشدد الشرع على عاداته في تكثير الشروط فيما عظم شرفه كاشتراط الولي والصداق في عقد النكاح دون عقد البيع، وشرط في القضاء ما لم يشترطه في منصب الشهادة، ثم يتأكد ما ذكرناه بمفهوم نهيه ﵇ عن بيع الطعام حتى يستوفى، ومفهومه أن غير الطعام يجوز بيعه قبل أن يستوفى، وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣) .

стр. 8327

وقد رد ابن تيمية في مسألة بيع ما لم يضمن على وجود التلازم بين الضمان، وجواز التصرف، وقال: "وأصول الشريعة توافق هذه الطريقة، فليس كل ما كان مضمونًا على شخص كان له التصرف فيه كالمغصوب، والعارية، وليس كل ما جاز التصرف فيه كان مضمونًا على المتصرف كالمالك له أن يتصرف في المغصوب والمعار فيبيع المغصوب من غاصبه وممن يقدر على تخليصه منه وإن كان مضمونا على الغاصب، كما أن الضمان بالخراج فإنما هو فيما اتفق ملكًا ويدًا، وأما إذا كان الملك لشخص، واليد لآخر فقد يكون الخراج للمالك، والضمان على القابض"، كما ذكر عدة أمثلة أخرى في باب الإِجارة، وبيع الثمار، ونحوهما، كما ذكر أن النصوص خاصة ببيع الطعام قبل قبضه، أو توفيته، ومن هنا تبقى بقية التصرفات على الإباحة، حيث يقول: "وأيضًا فليس المشتري ممنوعًا من جميع التصرفات، بل السنَّة إنما جاءت في البيع خاصة، ولو أعتق العبد المبيع قبل القبض فقد صح إجماعًا... " (١) . ثم إن جميع التصرفات ليست كالبيع، لأن النص وارد فيه فقط، وتبقى بقية التصرفات على الجواز، يقول ابن بطال: "أجمعوا على أن البائع إذا لم ينكر على المشتري ما أحدثه من الهبة والعتق أنه جائز، واختلفوا فيما إذا أنكر ولم يرض، فالذين يرون أن البيع يتم بالكلام دون اشتراط التفرق بالأبدان يجيزون ذلك، ومن يرى التفرق بالأبدان لا يجيزونه والحديث – أي حديث ابن عمر في البخاري – حجة عليهم " (٢) . ويقول شيخ الإٍسلام ابن تيمية: "وأيضًا فليس المشتري – أي قبل القبض – ممنوعًا من جميع التصرفات، بل السنة إنما جاءت في البيع خاصة، ولو أعتق العبد المبيع قبل القبض فقد صح إجماعًا ..." (٣) . ومن جانب آخر أن هذا المنع خاص بالمبيع عند جمهور الفقهاء، أما الثمن فيجوز التصرف فيه – من غير الصرف – قبل القبض عندهم (٤) ، هذا أيضًا تضييق لدائرة المنع، وحصر لها فيما ورد فيه النص وهو المبيع دون الثمن، وهذا يؤكد على أن الأصل الحل، فجاء النص الصريح الثابت فمنع من بيع الطعام قبل القبض، وبقيت بقية التصرفات على الحل والإِباحة والله أعلم.

стр. 8328

أثر القبض في العقود الفاسدة (١) لا خلاف بين الفقهاء في أن العقود الفاسدة لا يترتب عليها قبل قبض المعقود أي أثر شرعي غير أن الحنفية ذهبوا إلى أن العقود الفاسدة إذا أعقبها القبض فإنه يترتب عليه بعض الآثار الشرعية، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن جمهور الفقهاء يرتبون على القبض في العقود الفاسدة بعض الآثار من حيث الضمان ونحوه (٢) . والفرق بين الجمهور وبين الحنفية في هذه المسألة: أن الحنفية جعلوا الآثار التي تترتب على القبض في العقد الفاسد من آثار العقد نفسه، في حين أن الجمهور لم ينظروا إلى العقد الفاسد، وإنما رتبوها على القبض والرضا من الطرفين به. ونحن نذكر هنا آراء الفقهاء في هذه المسألة، وبعض نصوصهم التي توضح المراد. فالحنفية وسعوا في أثر القبض في العقد الفاسد على تفصيل ذكره فقهاؤهم، جاء في الدر المختار: "وإذا قبض المشتري المبيع برضا بائعه صريحًا، أو دلالة – بأن قبضه في مجلس العقد دون أن ينهاه – في البيع الفاسد ملكه إلا في ثلاث: في بيع الهازل، وفي شراء الأب من ماله لطفله، أو بيعه له كذلك فاسدًا لا يملكه حتى يستعمله ... وإذا ملكه تثبت كل أحكام الملك إلا خمسة لا يحل له أكله، ولا لبسه، ولا وطؤها، - أي إذا كانت جارية – ولا أن يتزوجها منه البائع، ولا شفعة لجاره ... ولا شفعة بها" (٣) .

стр. 8329

وقد فصل الحنفية في هذه المسألة وفرقوا بين بعض أنواع الفاسد، فقالوا مثلًا إن العقد الفاسد بسبب الإِكراه إذا تم فيه القبض برضا المكره – بفتح الراء – فقد زالت عنه جميع آثار الفساد، أما لو تم القبض فيه بدون رضاه، ثم باعه المشتري إلى شخص آخر، أو وهبه، أو أعتقه فإن هذه التصرفات كلها تنقض، أما إذا كان الفساد بغير الإِكراه وباعه المشتري بيعًا صحيحًا باتًّا لغير بائعه أو وهبه وسلم، أو أعتقه بعد قبضه، أو وقفه، أو رهنه، أو أوصى به، أو تصدق به نفذ البيع الفاسد في جميع ما مرّ، وامتنع الفسخ لتعلق حق العبد به، أما قبل هذه التصرفات، فإنه يمكن لكل واحد من الطرفين أن يفسخه، كما أنه لا يبطل حق الفسخ بموت أحدهما (١) . وقد لخّص العلامة علاء الدين السمرقندي (ت ٥٣٩ هـ) أحكام القبض في العقد الباطل والفاسد في المذهب الحنفي تلخيصًا جيدًا يحسن ذكره، فقال: "إن كان الفساد من قبل المبيع بأن كان محرمًا نحو الخمر، والخنزير، وصيد الحرم والإِحرام فالبيع باطل لا يفيد الملك أصلًا، وإن قبض، لأنه لا يثبت الملك في الخمر، والخنزير للمسلم بالبيع، والبيع لا ينعقد بلا مبيع ... وإن كان الفساد يرجع للثمن ... كما إذا باع الخمر ... فإن البيع ينعقد بقيمة المبيع، ويفيد الملك في المبيع بالقبض ... وكذلك إذا كان الفساد بإدخال شرط فاسد، أو باعتبار الجهالة، ونحو ذلك، وإن ذكر المبيع، والثمن فهو على هذا يفيد الملك بالقيمة عند القبض. ثم في البيع الفاسد إنما يملك بالقبض إذا كان بإذن البائع، فأما إذا كان بغير إذنه فهو كما لو لم يقبض ...، وذكر محمد في الزيادة: إذا قبضه بحضرة البائع فلم ينهه، وسكت أنه يكون قابضًا ويصير ملكًا له. ثم المشتري شراء فاسدًا هل يملك التصرف في المشتري، وهل يكره ذلك؟ فنقول: " لا شك أنه قبل القبض لا يملك تصرفًا ما لعدم الملك. وأما بعد القبض فيملك التصرفات المزيلة للملك من كل وجه، أو من وجه، نحو الإِعتاق، والبيع، والهبة، والتسليم ...". وأما الكراهة فقال الكرخي: يكره التصرفات كلها، لأنه يجب عليه الفسخ لحق الشرع، وفي هذه التصرفات إبطال حق الفسخ، أو تأخيره فيكره، وقال بعض مشايخنا: لا يكره التصرفات المزيلة للملك، لأنه يزول الفساد بسببها، فأما التصرفات التي توجب تقرير الملك الفاسد فإنه يكره، والصحيح الأول.

стр. 8330

وأما المشتري شراء فاسدًا إذا تصرف في المشترى بعد القبض، فإن كان تصرفًا مزيلًا للملك من كل وجه كالإِعتاق والبيع والهبة فإنه يجوز، ولا يفسخ، لأن الفساد قد زال بزوال الملك، وإن كان تصرفًا مزيلًا للملك من وجه أو لا يكون مزيلًا للملك فإن كان تصرفًا لا يحتمل الفسخ كالتدبير، والاستيلاد والكتابة، فإنه يبطل حق الفسخ، وإن كان يحتمل الفسخ كالإِجارة فإنه يفسخ (١) . وأما جمهور الفقهاء فعلى الرغم من أنهم لم يعترفوا بالتفرقة بين العقد الباطل والعقد الفاسد من حيث المبدأ لكنهم رتبوا بعض الآثار على القبض في العقد الفاسد، يقول ابن رشد: "اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم تفت بإحداث عقد فيها أو نماء: أن حكمها الرد أعني رد البائع الثمن، والمشتري المثمن واختلفوا إذا قبضت وتصرف فيها بعتق، أو هبة، أو بيع، أو رهن، أو غير ذلك من سائر التصرفات. هل ذلك فوت يوجب القيمة وكذلك إذا نمت أو نقصت؟ فقال الشافعي: ليس ذلك فوتًا، ولا شبهة ملك في البيع الفاسد، وأن الواجب الرد، وقال مالك: كل ذلك فوت يوجب القيمة إلا ما روى عنه ابن وهب في الربا: أنه ليس بفوت ... " (٢) . فمذهب مالك في هذه المسألة هو أن البيوع الفاسدة عنده تنقسم إلى محرمة، ومكروهة، فأما المحرمة فإنها إذا فاتت بعد القبض مضت بالقيمة وأما المكروهة فإنها إذا فاتت بعد القبض صحت عنده، قال ابن رشد: "وربما صح عنده بعض البيوع الفاسدة بالقبض لخفة الكراهة عنده في ذلك" (٣) . وجاء في رسالة القيرواني (ت ٣٨٦ هـ) وشرحه للنفراوي: "وكل بيع فاسد – لفقد شرط، أو وجود مانع – فضمانه من البائع، لبقائه على ملكه حيث لم يقبضه المبتاع، فإن قبضه المبتاع قبضًا مستمرًا، فضمانه من المبتاع من زمن قبضه، قال العلامة خليل: وإنما ينتقل ضمان الفاسد بالقبض ...، لأنه قبضه على جهة التملك، لا على جهة الأمانة، فإن لم يقبضه فلا ضمان ولو مكنه البائع من قبضه، وقيدنا القبض بالمستمر للاحتراز عما إذا اشترى سلعة شراء فاسدًا فقبضها، ثم ردّها إلى البائع على وجه الأمانة، أو غيرها فهلكت، فإن ضمانها من بائعها، لأن هذا القبض بمنزلة العدم" (٤) .

стр. 8331

وقد اعتبر مالك تغير حال السوق – بأن تغير ثمنه بزيادة أو نقص بنسبة الربع – أو تغير المعقود عليه بصغر وكبر بعد القبض كالهلاك، فعلى هذا إذا قبض المشتري – في العقد الفاسد – المعقود عليه ثم تغير ثمنه أو ذاته فلا يحق له أن يرده على بائعه، لانتقال ملكه إليه بهذا التغيير الذي هو بمثابة الفوات، بل عليه قيمته يوم قبضه إذا كان قيميًّا، وعليه مثله إن كان مثليًّا كالمكيل والموزون، وأما العقارات فلا تؤثر فيها حوالة الأسواق كالمثلي، بل لا بد من ردها لفساد بيعها (١) . وقد ذكر العلامة النفراوي عدة أمور هامة حول هذه المسائل منها أن كلام القيرواني يشعر بأن المبيع في العقد الفاسد بعد قبضه يحل تملكه، وذلك لأنه جعل الضمان على المشتري بعد قبضه، وهذا على عكس بيع الميتة والزبل، والكلب فلا ضمان على المشتري ولو قبضه وأدى ثمنه كما قاله ابن القاسم. ومنها أن الضمان في البيع الصحيح عن الضمان في البيع الفاسد حيث إن العقد الفاسد وحده دون القبض لا يؤدي إلى ترتيب الضمان على المشتري، في حين أن العقد الصحيح فيما ليس فيه توفية يجعل الضمان على المشتري حتى قبل القبض. ومنها الإِشكال الذي ذكره الفاكهاني حول نقل الضمان في العقد الفاسد بعد القبض إلى المشتري، فقال: "جعل الضمان من البائع صريح في أن الفاسد لم ينقل الملك، وجعل الضمان بعد القبض من المشتري يقتضي أن الفاسد ينقل ... فأجاب النفراوي بأنه لا ملازمة بين نقل الملك والضمان، إذ قد يوجد الضمان من غير تقدم ملك، كمن أتلف شيء غيره من غير تقدم سبب ملك، فإنه يضمن لتعديه، والمشتري هنا متعد بقبض المشتري شراء فاسدًا ...، فيكون ضمانه لتعديه بالقبض لما يجب فسخ عقده قبل فواته، ولذلك يضمن بعد القبض حتى ولو هلك بآفة سماوية، إذن فلا حاجة إلى بناء الضمان بعد القبض على القول بأن الفاسد ينقل الملك. ومنها أنه إذا ردت السلعة بسبب الفساد، فإن المشتري يفوز بغلتها للحديث الصحيح ((الخراج بالضمان)) (٢) ، وأما كلفتها فإن تساوت مع الغلة فلا شيء له، وإن زادت، أو لا غلة له فإنه يرجع على البائع بقدرها، لأنه قام عن البائع بما لا بد له منه (٣) .

стр. 8332

بل إن الشافعية صرحوا بأن فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه بعد العقد. يقول الزركشي: "ومعنى ذلك أن ما اقتضى صحيحه الضمان بعد التسليم كالبيع والقرض، والعمل، والقراض، والإِجارة، والعارية فيقتضي فاسده الضمان، لأنه أولى بذلك، وما لا يقتضي صحيحه الضمان بعد التسليم كالرهن والعين المستأجرة والأمانات كالوديعة، والتبرع كالهبة والصدقة لا يقتضيه فاسده أيضًا" (١) ، غير أنه استثنى من هذه القاعدة عدة صور منها أن الهبة الصحيحة لا ضمان فيها على المشتري، والفاسدة تضمن على وجه نقل ترجيحه عن الشرح الصغير، ومنها إعارة الدراهم والدنانير، قال الغزالي: "فإن أبطلناها ففي طريقة العراق أنها مضمونة، لأنها إعارة فاسدة، وفي طريق المراوزة: أنها غير مضمونة ... لأنها باطلة (٢) . وذكر الزركشي أن القبض الفاسد لا أثر له إلا فيما وقع في ضمن إذن فيبرئ، إلغاءً للفاسد، وإعمالًا للصحيح، ولذلك صور: منها لو كان لشخص طعام مقدر على زيد، وكان عليه مثله لعمرو فقال لعمرو: أقبض من زيد ما لي عليه لنفسك، ففعل فالقبض فاسد، ومع ذلك تبرأ ذمة الدافع عن دين الآخر في الأصح. ومنها: إذا فسدت ولاية العامل (الأمير) وقبض المال مع فسادها برئ الدافع، لأن الإِذن يبقى وإن فسدت الولاية، نعم لو نهاه عن القبض بعد فسادها لم يبرأ الدافع بالدفع إليه إن علم بالنهي، فإن لم يعلم فوجهان ... (٣) .

стр. 8333

والشافعية صرحوا أن العقد الفاسد لا يملك فيه شيء ويلزمه الرد ومؤنته، وليس له حبسه لقبض البدل، ولا يرجع بما أنفق إن علم الفساد، وكذا إن جهل على الأصح (١) . والحنابلة كذلك يوجبون الضمان على المشتري في العقد الفاسد بعد القبض. قال ابن رجب الحنبلي: "كل عقد يجب الضمان في صحيحه يجب الضمان في فاسده ... فالبيع والإِجارة والنكاح موجبة للضمان مع الصحة فكذلك مع الفساد، والأمانات كالمضاربة، والشركة والوكالة والوديعة، وعقود التبرعات كالهبة لا يجب الضمان فيها مع الصحة، فكذلك مع الفساد (٢) . وقد اتفق الظاهرية مع الجمهور في أن العقد الفاسد لا يفيد الملك مطلقًا، لكنهم قالوا: "إن المثمن المقبوض في العقد الفاسد مضمون على المشتري ضمان الغصب سواء بسواء، والثمن مضمون على البائع إن قبضه، ولا يصححه طول الأزمان، ولا تغير الأسواق، ولا فساد السلعة، ولا ذهابها ... " (٣) . وبعد هذا العرض يمكن القول بأن الفقهاء متفقون على أن المقبوض بعقد فاسد مضمون ما دامت طبيعة هذا العقد لو كان صحيحًا يوجب الضمان على التفصيل السابق بينهم، واتضح لنا أن القبض كان له أثره حتى مع كون العقد فاسدًا، كما أنه يمكننا تلخيص هذه الآراء السابقة في ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول: أن المقبوض بعقد فاسد لا يفيد الملك مطلقًا، وهذا اتجاه الشافعية، وأحمد في المشهور من مذهبه. الاتجاه الثاني: أن المقبوض بعقد فاسد يفيد الملك وهذا مذهب الحنفية. الاتجاه الثالث: أن المقبوض بعقد فاسد إن فات أفاد الملك، وإن بقي ولم يتغير يجب رده ولم يفد الملك، وإن تغير حاله، أو سعره بنسبه الربع فيعتبر كالهلاك، وبالتالي فلا يرده، بل يرد قيمته إن كان قيميًا، وأما إن كان مثليًا فيرد المثل، وأما العقار فلا يؤثر فيه تغير الأسعار.

стр. 8334

المقبوض على سوم الشراء، أو النظر، أو الرهن: وأما المقبوض على سوم الشراء فهو أن يتساوم شخصان حول بضاعة ويصلان إلى ثمن معين، ثم يطلب المتساوم الراغب في الشراء أن يأخذها، على أن ينظر فيها: فإن أعجبته أنشأ العقد مع صاحبه، وإلا أرجعها إليه، وقد ضرب العلامة ابن عابدين مثلًا لهذه المسألة فقال: "طلب منه ثوبًا ليشتريه، فأعطاه ثلاثة أثواب، وقال: هذا بعشرة وهذا بعشرين، وهذا بثلاثين، فاحملها، فأي ثوب ترضى بعته منك، فحمل، فهلكت عند المشتري"، ففي هذا المثال يكون الضمان على المشتري لأحد هذه الأثواب الثلاثة لا على التعيين، لأنه هو المطلوب للشراء، فيكون الضمان بالثلث، ولذلك قال الإِمام ابن فضل في هذه المسألة: "إن هلكت جملة، أو متعاقبًا ولا يدري الأول وما بعده ضمن تلك الكل، وإن عرف الأول لزمه ذلك الثوب، والثوبان أمانة، وإن هلك اثنان ولا يعلم أيهما الأول ضمن نصف كل منهما، ورد الثالث، لأنه أمانة، وإن نقص الثالث ثلثه، أو ربعه لا يضمن النقصان، وإن هلك واحد فقط لزمه ثمنه ويرد الثوبين". يقول ابن عابدين: "قال في البحر: فهذا صريح في أن بيان الثمن من جهة البائع يكفي للضمان ... قلت وبيان ذلك أن المساوم إنما يلزمه الضمان إذا رضي بأخذه بالثمن المسمى على وجه الشراء، فإذا سمى البائع الثمن، وتسلم المساوم الثوب على وجه الشراء يكون راضيًا بذلك، كما أنه إذا سمى هو الثمن، وسلم البائع يكون راضيًا بذلك فكأن التسمية صدرت منهما معًا بخلاف ما إذا أخذه على وجه النظر" (١) . أما إذا كان الثوب واحدًا – مثلًا – ثم هلك فيكون مضمونًا كله. ثم الضمان في المقبوض على سوم الشراء يكون بالقيمة إذا هلك، أما إذا استهلكه الراغب في الشراء فمضمون بالثمن كما حققه الطرسوس، في حين أن بعض فقهاء الحنفية قالوا: يكون مضمونًا بالقيمة مطلقًا بالغة ما بلغت، وبعضهم الآخر قيدوا ذلك بأن لا يزاد بالقيمة على المسمى، وقد صرح الحنفية بأن اشتراط الراغب في الشرار (المساوم) عدم ضمانه لا يعفيه من المسئولية (٢) .

стр. 8335

وأما المقبوض على سوم النظر فهو بأن يقول: أعطني هذه البضاعة حتى أنظر إليها، أو حتى أريها غيري، ولا يقول: إن رضيته أخذته سواء ذكر الثمن أم لا. وحكمه عدم الضمان مطلقًا إذا هلك، أما لو استهلكه القابض فإنه يضمن قيمته. والفرق بين هذا وسابقه هو وجود القبض على وجه الشراء في الأول، وعدم وجود ذلك في المقبوض على وجه النظر، بل القبض فيه على وجه النظر وقد رضي به المقبض فيكون أمانة، ومن هنا فقبض المساوم على وجه الشراء يصبح كأنه راض بتسمية البائع فكأنها وجدت منهما، وأما القبض على وجه النظر فليس فيه ذكر البيع فيكون أمانة (١) . جاء في الفتاوى الهندية: "وفي فروق الكرابيسي: هذا الثوب لك بعشرة، فقال: هاته حتى أنظر إليه، أو حتى أريه غيري فضاع، قال أبو حنيفة ﵀، لا شيء عليه يعني يهلك أمانة، وإن قال: هاته فإن رضيته أخذته فضاع كان عليه الثمن، والفرق أنه في الأول أمر بدفعه إليه لينظر إليه، أو ليريه غيره، وذلك ليس ببيع، وفي الثاني أمره بالإِتيان به ليرضاه ويأخذه، وذلك بيع بدون الأمر (أي المعاطاة) فمع الأمر أولى ... وإن أخذه لا على النظر فضاع لا يخرجه الكلام الأخير عن الضمان الواجب بأول مرة" (٢) . وقد أفاض علماء الحنفية في هذه المسائل فقالوا: لو أرسل شخص رسولًا إلى بزاز – مثلًا – ليرسل إليه ثوبًا فبعثه البزاز مع رسوله، فضاع الثوب قبل أن يصل إلى الآمر، وتصادقوا على ذلك فلا ضمان على الرسول، وإنما الضمان على الآمر، ولكن لو أرسله البزاز مع رسوله فضاع قبل وصوله إلى الآمر يكون الضمان على البزاز (٣) .
следующие страницы →