← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

٧- وفي الدرر السنية جواب للشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله ونصه: وسئل عن صفة القبض للطعام ونحوه فأجاب: أهل العلم ذكروا أن القبض في كل شيء بحسبه. وأجاب أيضاً: القبض كيله أو وزنه وفي الرواية الأخرى أنه التخلية مع التمييز. اهـ (١) . ٨- وفي المقنع ما نصه: وعنه إن قبض جميع الأشياء بالتخلية مع التمييز، قال في الحاشية: قوله بالتخلية إذ القبض مطلق في الشرع فيرجع فيه إلى العرف كالحرز والتفرق. اهـ (٢) . ٩- وقال المنقور في مجموعه: قال الزركشي: والقبض فيه وجهان فإن كان مما ينقل فقبض المرتهن له أخذه من راهنه منقولا وإن كان مما لا ينقل كالدور والأرضين فقبضه تخلية راهن بينه وبين مرتهنه لا حائل دونه بشيء. فقبض كل شيء بحسبه على ما جرت العادة فيه – إلى أن قال – وما عد ذلك كالدور والعقار والثمرة على الشجر ونحو ذلك التخلية بينه وبين مرتهنه من غير حائل بأن يفتح له باب الدار أو يسلم إليه مفتاحها ونحو ذلك وإن كان فيها قماش للراهن ونحو ذلك في الدّكان ونحوها بأن يمشي إليها ويشاهد المرهون ليتحقق التمكن فيكون كالقبض. اهـ (٣) . ونصوص أهل العلم في ذلك أكثر من أن تحصر وهي في مجموعها تعطي القناعة على حصول الإجماع أو شبهه على أن حقيقة القبض مردها إلى العرف والعادة حيث إن علة اشتراط القبض هو التوثق من نفاذ العقد واستقرار الملك المبرر للتصرف. قال ابن القيم ﵀ فيما نقله عنه الشيخ عبد الله بن بسام في كتابه " الاختيارات الجلية من المسائل الخلافية " ما نصه: علة النهي عن البيع قبل القبض عجز المشتري عن تسلمه لأن البائع قد يسلمه وقد لا يسمه لا سيما إذا كان المشتري قد ربح فأنه يسعى في رد المبيع إما بجحد أو احتيال في الفسخ. اهـ (٤) .

стр. 8402

وهذا يعني ان المقصود من القبض تحقق بأي طريق من طرق العرف والعادة فإن ذلك الطريق يعتبر قبضًا وقد تقدم نقل النصوص من أقوال أهل العلم في تأييد ذلك. وتأسيسًا على ما سبق ذكره يمكننا القول بأن الشيك قبضه قبض لمحتواه إذا كان مصدقًا أو في قوة التصديق وذلك بصدوره ممن تتوفر فيه الثقة والاطمئنان وسلامة التعامل التجاري ممن هو أمين على شرفه ومقامه وعلو سمعته. ويعتبر قبضًا لمحتواه في عملية المصارفة إذا كان مصدر الشيك يملك المبلغ المشمول بالشيك سواء في صناديقه المحلية أو في الصندوق المركزي في مقره الرئيسي وعلى التفصيل الوارد في الأحوال الست المتقدم ذكرها. وإتمامًا للفائدة واستئناسًا لهذه النتيجة فقد صدر من مجمع الفقه الإسلامي التابع لراطبة العالم الإسلامي قرار في مسألة الشيك وأن قبضه قبض لمحتواه هذا نصه: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩هـ الموافق ٢٦ فبراير ١٩٨٩ وقد نظر في موضوع: ١- صرف النقود في المصارف هل يستغنى فيه عن القبض بالشيك الذي يتسلمه مريد التحويل. ٢- هل يكتفي بالقيد في دفاتر المصرف عن القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى مودعة في المصرف؟ . وبعد البحث والدراسة قرر المجلس بالإجماع ما يلي: أولا: يقوم تسليم الشيك مقام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود بالتحويل في المصارف. ثانيًا: يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف أو بعملة مودعة فيه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا والحمد لله رب العالمين. أسماء الأعضاء: اهـ. هذا ما تيسر ذكره وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. عبد الله بن سليمان بن منيع

стр. 8403

مراجع البحث ١- القرآن الكريم. ٢- السنن الكبرى، للبيهقي. ٣- الأموال، لأبي عبيد. ٤- بدائع الصنائع، للكاساني. ٥- تبيين الحقائق، للزيلعي. ٦- المدونة الكبرى، لمالك. ٧- مقدمة ابن رشد. ٨- بداية المجتهد، لابن رشد. ٩- فتاوى عليش. ١٠- مجمع النووي والتكملة، للسبكي. ١١- المغني والشرح الكبير , لابن قدامة وابن أخيه. ١٢- الإنصاف، للمرداوي. ١٣- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية. ١٤- المقنع لابن قدامة وحاشيته، للشيخ سليمان بن عبد الوهاب. ١٥- الفواكه العديدة في المسائل المفيدة، للمنقور. ١٦- فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم. ١٧- الاختيارات الجلية في المسائل الخلافية، لابن بسام. ١٨- الدرر السنية، لمجموعة من علماء نجد. ١٩- الالتزام المصرفي في قوانين البلاد العربية، للدكتور أمين بدر. ٢٠- استبدال النقود والعملات، للدكتور علي السالوس. ٢١- بحث في المعاملات المصرفية، للجنة الدائمة للبحوث، والإفتاء في المملكة العربية السعودية. ٢٢- تطور الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية، للدكتور سامي حمود. ٢٣- أحكام الأوراق النقدية والتجارية في الفقه الإسلامي، رسالة جامعية، للدكتور ستر الجعيد. ٢٤- الموسوعة الفقهية الكويتية. ٢٥- موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة، للدكتور عبد السلام العبادي. ٢٦- النقود والمصارف، للدكتور عوض الكفراوي. ٢٧- نظرات في أحكام الشيك في تشريعات البلاد العربية، للدكتور محسن شفيق. ٢٨- نظام الأوراق التجارية السعودي مع مذكرته التفسيرية. ٢٩- عمليات البنوك من الوجهة القانونية، للدكتور علي عوض. ٣٠- المعاملات المصرفية والربوية، للدكتور نور الدين عتر.

стр. 8404

القبض الحقيقي والحكمي: قواعده وتطبيقاته من الفقه الإسلامي إعداد فضيلة الشيخ نزيه كمال حماد أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله بكلية الشريعة جامعة أم القرى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القبض في اللغة: ١- القبضُ لغةً: هو تناولُ الشيءِ بجميع الكفَّ. ومنه قبضُ السيفِ وغيره. ويقال: قَبَضَ المالَ؛ أي أخذه بيده، وقَبَضَ اليدَ على الشيء؛ أي جَمَعَهَا بعد تناوله، وقبَضَها عن الشيءِ؛ أي جَمَعَهَا قبل تناوله، وذلك إمساكٌ عنه، ومنه قيل لإِمساك اليد عن البذل والعطاء قَبْض. ويستعار القبضُ لتحصيل الشيء، وإن لم يكنْ فيه مراعاةُ الكفّ، نحو قَبَضْتُ الدار والأرض من فلان؛ أي حُزْتُهَا. ويقال هذا الشيء في قَبْضَةِ فلان؛ أي في ملكه وتصرّفه. ويقال: قَبَضْتُهُ عن الأمر؛ أي عزلته. وتَقَبَّضَ عنه؛ أي اشمأزّ. وقد يكنّى بالقبض عن الموت، فيقال: قُبِضَ فلان؛ أي مات. فتجوّزوا بالقبض عن الإِعدام، لأنَّ المقبوضَ من مكان يخلو منه مَحَلّه، كما يخلو المحلُّ عن الشيء إذا عُدِم (١) . القبض في الاصطلاح الفقهي: ٢-لا خلاف بين الفقهاء – على اختلاف مذاهبهم – في أن القبض عبارةٌ عن حيازة الشيء والتمكن منه، سواء أكان مما يمكن تناوله باليد أو لم يكن (٢) . قال الكاساني: ومعنى القبض هو التمكينُ والتخلي ارتفاعِ الموانع عرفًا وعادةً حقيقةً" (٣) . وقال العز بن عبد السلام: "قولهم قَبَضْتُّ الدار والأرضَ والعبدَ والبعير، يريدون بذلك الاستيلاءَ والتمكنَ من التصرف" (٤) . ٣- وبالنظر إلى القبض في معناه اللغوي وفي معناه الاصطلاحي نلاحظ أنَّ بينهما نسبةَ العموم والخصوص المطلق، لأنَّ القبضَ يستعمل في اللغة لتحصيل الشيء وإن لم يكن فيه مراعاةُ الكفّ – وهو معناه الاصطلاحي – ويستعمل أيضًا لمعانٍ أخرى. فكان كلُّ قبضٍ بالمعنى الاصطلاحي قبضًا بالمعنى اللغوي ولا عكس، إذ الأخصُّ يستلزم دائمًا معنى الأعمّ ولا عكس.

стр. 8405

الألفاظ ذات الصلة النقد: ٤- يطلق الفقهاء كلمة "النَّقْد" بمعنى الإِقباض والتسليم إذا كان الشيءُ المعطى نقودًا. ففي المصباح المنير "نَقَدْتُّ الرجلَ الدراهمَ، بمعنى أعطيتُه. . فانتقدها، أي قَبَضَها" (١) . وقال القاضي عياض: "النَّقْد: خلافُ الدّين والقرض" (٢) . وقال الفيروزابادي: "النَّقْد: خلافُ النسيئة " (٣) . وإنّما سُمِّيَ إقباضُ الدراهم نقدًا، لتضمنه – في الأصل (٤) – تمييزها وكشف حالها من حيث الجودة وإخراج الزيف منها من قِبَلِ المعطي والآخذ (٥) . أما مصطلح "بيع النّقد" فهو – كما قال ابن جزي – "أَنْ يُعَجَّل الثمنُ والمثمون" (٦) . المناجزة: ٥- وهذه اللفظة من المصطلحات الفقهية التي يستعملها فقهاء المالكية، ويعنون بها "قبض العوضين عَقِبَ العقد" (٧) . وغيرهم يقول: "بعتُهُ ناجزًا بناجز" أي يدًا بيد. وشيء ناجزٌ: أي حاضر (٨) : "وبعتُهُ غائبًا بناجز" أي نسيئةً بنقد (٩) . الحيازة: ٦- يقول أهل اللغة: "كلّ مَنْ ضمَّ إلى نفسه شيئًا، فقد حازَهُ حَوْزًا وحيازةً" (١٠) . أما في الاصطلاح الفقهي، فأكثر ما تستعمل هذه الكلمة في مذهب المالكية، وإنهم ليستعملونها في كتبهم بمعنيين أحدهما أعمّ من الآخر. (أ) أما بالمعنى الأعمّ، فيرديونَ بالحيازة إثباتَ اليد على الشيء والتمكنَ منه، وهو نفس معنى القبض عند سائر الفقهاء. وشاهد ذلك قول ابن أبي زيد القيرواني في الرسالة: "ولا تتمُّ هبةٌ ولا صدقة ولا حُبُس إلابالحيازة" (١١) . أي إلا بالقبض.

стр. 8406

وفي كثير من المواطن يعتاضون عن كلمة "الحيازة" بهذه الدلالة بكلمة "حَوْز"، ففي شرح التسولي على تحفة ابن عاصم: "الحَوْز وضعُ اليد على الشيء المحوز (١) وقال ابن رحال المعداني: " والحاصل: الحوز والقبض شيء واحد (٢) . (ب) أما الحيازة – بالمعنى الأخص – عند المالكية، أي الحيازةُ التي هي سَنَدُ الملكية لمن يدعيها، فهي عبارةٌ عن سلطةٍ فعليةٍ على شيء، يمارسها شخصٌ قد يكون مالكًا لذلك أو غير مالك له، وقد عرّفها أبو الحسن المالكي في كفاية الطالب الرباني بقوله: "الحيازةُ: هي وضعُ اليد والتصرفُ في الشيء المحوز كتصرف المالك في ملكه بالبناء والغرس والهدم وغيره من وجوه التصرّف" (٣) . وقال الحطاب: والحيازة تكونُ بثلاثة أشياء، أضعفها: السكنى والازدراع. ويليها: الهدم والبنيان والغرسُ والاستغلال. ويليها: التفويت بالبيع والهبة والصدقة والنحلة والعتق والكتابة والتدبير والوطء، وما أشبه ذلك مما لا يفعلُهُ الرجلُ إلافي ماله" (٤) . اليد: ٧- يستعمل الفقهاء كلمة "اليد" في باب ترجيح البينات بمعنى حَوْز الشيء والمكنة من استعماله والانتفاع به، فيقولون مثلا "بيّنةُ ذي اليد في النتاج مقدَّمةٌ على بيّنة الخارج" (٥) ، ويريدون بذي اليد الحائزَ المنتفع. وجاء في المدونة: "قلت: أرأيت لو أنَّ سلعةً في يدي ادّعى رجلٌ أنها له، وأقام البينةَ، وادعيتُ أنها لي، وهي في يدي، وأقمتُ البينةَ؟ قال: قال لي مالك: هي للذي في يده إذا تكافأت البيّنتان" (٦) .

стр. 8407

وقال العز بن عبد السلام: "اليدُ عبارةٌ عن القرب والاتصال، وللقرب والاتصال مراتب بعضُها أقوى من بعض في الدلالة أعلاها: ما اشتدّ اتصالُهُ بالإنسان، كثيابه التي هو لابسها وعمامته ومنطقته وخاتمه وسراويله ونعله الذي في رجله ودراهمه التي هي في كمه أو جيبه أو يده. فهذا الاتصال أقوى الأيدي لاحتوائه عليها ودنوّه منها. الرتبة الثانية: البساطُ الذي هو جالس عليه أو البغل الذي هو راكبٌ عليه، فهذا في الرتبة الثانية. الرتبة الثالثة: الدابة التي هو سائقها أو قائدها، فإنَّ يده في ذلك أضعفُ من يد راكبها. الرتبة الرابعة: الدار التي هو ساكنها. ودلالتها دون دلالة الراكب والسائق والقائد، لأنه غيرُ مستولٍ على جميعها. وتُقَدَّمُ أقوى اليدين على أضعفهما، فلو كان اثنان في دار فتنازعا في الدار وفي ما هما لابسانه، جُعِلت الدارُ بينهما بأيمانهما لاستوائهما في الاتصال، وجُعِل القولُ قولَ كل واحد منهما في ما هو لباسه المختص به، لقوة القرب والاتصال " (١) . اليد باليد: ٨- يطلَقُ مصطلحُ "اليد باليد" في عرف جماهير الفقهاء على التقابض بين البلدين في مجلس العقد (٢) . فيقولون: بايعتُهُ يدًا بيد؛ أي حالًّا مقبوضًا في المجلس قبل افتراق أحدهما عن الآخر (٣) . أي بالتعجيل والنقد (٤) . جاء في المصباح المنير: "بعتُه يدًا بيد: أي حاضرًا بحاضر والتقدير: في حالة كونه مادًّا يده بالعِوَضِ، وفي حال كوني مادًّا يدي بالمُعَوَّضِ. فكأنه قال: بعتُهُ في حال كون اليدين ممدودتين بالعِوضين" (٥) . وقال العدوي: "قوله يدًا بيد" أي ذا يدٍ كائنة مع يدٍ، كناية عن كونهما مقبوضين" (٦) . وخالف في ذلك الحنفية وقالوا: إن معنى "يدًا بيد" إنما هو التعيين دون التقابض. وقوله ﷺ في حديث ربا البيوع "يدًا بيد" أي عينًا بعين. ولكنْ نظرًا لكون النقدين لا يتعينان بالتعيين، ولا يتحقق التعيُّنُ فيهما قبل التقابض، اعتُبِرَ التعيينُ دون التقابض في غير الصرف من بيع الأموال الربوية ببعضها، وذلك لحصول المقصود وهو التمكنُ من التصرف بالتعيين فيها، بخلاف النقدين، فحيث إنهما لا يتعينان إلابالقبض اشترط في الصرف التقابض (٧) .

стр. 8408

هاء وهاء: ٩- قال الخطابي: "هاء وهاء" معناه التقابض، وأصحابُ الحديث يقولون: "ها وها" مقصورين، والصواب مدّهما ونصبُ الألف منهما. وقوله "هاء" إنما هو قول الرجل لصاحبه إذا ناوله الشيء "هاكَ" أي خُذْ، فأسقطوا الكاف منه وعوّضوه المدّ بدلا من الكاف (١) . وتعبير "هاء وهاء" جاء في قوله ﷺ : ((الذهب بالذهب ربا إلاهاء وهاء)) إلى آخر الحديث (٢) . ومعناه أن هذه البياعات لا تجوز إلا إذا قال كل واحد منهما لصاحبه "هاء" أي خُذْ، والمراد به القبض (٣) . القضاء والاقتضاء: ١٠- ومعناها في اللغة وعند الفقهاء: التسليمُ والقبضُ (٤) . غير أنَّ هذين اللفظين يختصان بالديون دون الأعيان، فيقال: قَضَى غريمَه دينَه؛ أي أدّاه، واقتضاه؛ أي أخَذَه.

стр. 8409

أنواع القبض ١١- لقد قسَّمَ الإِمام العز بن عبد السلام – وتبعه في ذلك القرافي – القَبْضَ باعتباره تصرفًا من تصرفات المكلفين إلى ثلاثة أنواع (١) . (أحدها) قبضٌ بمجرد إذن الشرعِ دون إذن المستَحِقِّ. وهو أنواع: منها: قبضُ ولاةِ الأمورِ والحكّامِ الأعيانَ المغصوبةَ من الغاصب. وقبضهم أموالَ المصالح والزكاة وحقوق بيت المال، وقبضُهم أموالَ الغائبين والمحبوسين الذين لا يتمكنونَ من حفظ أموالهم، وقبضُهم أموال المجانين والمحجور عليهم بسفهٍ ونحوهم. ومنها: قبضُ مَنْ طَيرت الريحُ ثوبًا، ثم ألقَتْهُ في حجره أو داره. ومنها: قبضُ المضطر من طعام الأجانب بغير إذنهم لِمَا يدفَعُ به ضرورته. ومنها: قبضُ الإِنسان حقَّهُ إذا ظفر به بجنسه. (والنوع الثاني) قبضُ ما يتوقَّفُ جوازُ قبضِهِ على إذنِ مستحقَّهِ. كقبض المبيع بإذن البائع، وقبض المستام، والقبض في البيع الفاسد، وقبضِ الرهون والهبات والصدقات والعواري والودائع، وقبض جميع الأمانات. (والنوع الثالث) قبضٌ بغير إذنٍ من الشرع ولا من المستحِق. وهذا قد يكون مع العلم بتحريمه، كقبض المغصوب، فيأثم الغاصبُ، ويضمنُ ما قَبَضَهُ بغير حقًّ ولا إذن. . وقد يكون بغير علم، كمَنْ قَبَضَ مالا يعتقد أنه ماله، فإذا هو لغيره. قال القرافي: "فلا يُقال إنَّ الشرع أذِنَ له في قبضه، بل عفا عنه بإسقاط الإثم" (٢) . وعلى ذلك فلا إثمَ عليه، ولا إباحة فيه، وهو في ضمانه.

стр. 8410

كيفيّة القبض تختلف كيفيةُ قبض الأشياء بحسب اختلاف حالها وأوصافها، وهي في الجملة نوعان: عقار ومنقول. (أ) كيفية قبض العقار: ١٢- ما هو العقار؟ لقد اختلف الفقهاء في المراد بالعقار على قولين: (أحدهما) للحنفية: وهو أنَّ العقار "ما له أصلٌ ثابتٌ لا يمكنُ نقلُهُ وتحويله" كالأراضي والدور (١) . أما البناءُ والشجر فيعتبران من المنقولات، إلا إذا كانا تابعين للأرض، فيسري عليهما حينئذ حكمُ العقار بالتبعيّة (٢) . و (الثاني) للشافعية والمالكية والحنابلة: وهو أنَّ العقار هو الأرضُ والبناءُ والشجر (٣) . ١٣- أمّا ما يكونُ به قبضُ العقار، فقد اتفق الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية على أنَّ قبض العقار يكونُ بالتخلية والتمكين من اليد والتصرف. فإن لم يتمكن منه بأنْ منعَهُ شخصٌ آخر من وضع يده عليه، فلا تعتبر التخليةُ قبضًا (٤) .

стр. 8411

وقد قيَّد الشافعيةُ قولهم هذا بما إذا كان العقارُ غير معتبر فيه تقدير. أما إذا كان معتبرًا فيه، كما إذا اشترى أرضًا مذارعةً، فلا تكفي التخلية مع المكين، بل لا بدّ مع ذلك من الذرع (١) . كما اشترط الحنفية أن يكون العقار قريبًا. فإنْ كان بعيدًا فلا تعتبر التخليةُ قبضًا، وهو رأي الصاحبين وظاهر الرواية والمعتمد في المذهب، خلافًا للإمام أبي حنيفة، فإنه لم يعتبر القرب والبعد. ثم إنهم نصّوا على أنَّ العقار إذا كان له قفل، فيكفي في قبضه تسليمُ المفتاح مع تخليته، بحيث يتهيأ له فتحُهُ من غير تكلّف (٢) . ١٤- هذا وقد ألحق الحنفيةُ والشافعيةُ والحنابلةُ الثمرَ على الشجر بالعقار في اعتبار التخلية مع ارتفاع الموانع قبضًا له، لحاجة الناس إلى ذلك وتعارفهم عليه (٣) .

стр. 8412

(ب) كيفية قبض المنقول: ١٥- بعد أن بيّنا ما يكونُ به قبض العقار، نعرض للكلام عن كيفية قبض المنقول، لأنَّ ما يراد قبضُهُ لا يخرج عن كونه عقارًا أو منقولا. والمنقول: هو ما يمكن نقلُهُ وتحويلُهُ. فيشمل النقود والعروض والحيوانات والسيارات والسفن والطائرات والمكيلات والموزونات وما أشبه ذلك (١) . ١٦- هذا وقد اختلف الفقهاء في كيفية قبض المنقول على النحو التالي: (أ) فقال الحنفية: قبضُ المنقول يكون بالتناول باليد أو بالتخلية على وجه التمكين (٢) . جاء في (م ٢٧٤) من مجلة الأحكام العدلية "تسليم العروض يكون بإعطائها ليد المشتري أو بوضعها عنده أو بإعطاء الإذن له بالقبض مع إراءتها له". وقال ابن عابدين في حاشيته: "رد المحتار": "وحاصله أنَّ التخليةَ قبضٌ حكمًا لو مع القدرة عليه بلا كلفة، لكنَّ ذلك يختلف بحسب حال المبيع، ففي نحو حنطةٍ في بيت مثلا؛ فَدَفْعُ المفتاحِ إذا أمكنه الفتحُ بلا كلفة قبضٌ، وفي نحو دارٍ؛ فالقدرةُ على إغلاقها قبضُ، أي بأن تكون في البلد فيما يظهر، وفي نحو بقر في مرعى؛ فكونُهُ بحيث يُرَى ويُشار إليه قبضُ، وفي نحو ثوبٍ؛ فكونُهُ بحيث لو مدَّ يَدَهُ تَصِلُ إليه قبضٌ، وفي نحو فرس أو طيرٍ في بيت؛ فإمكانُ أخذه منه بلا معين قبضُ (٣) . وجاء في "الفتاوي الهندية" "رجلٌ باع مكيلا في بيت مكايلةً أو موزونًا موازنةً وقال: خلّيتُ بينك وبينَهُ، ودَفَعَ إليه المفتاح، ولم يكله ولم يزنْهُ؛ صار المشتري قابضًا (٤) . وجاء فيها أيضًا: "وتسليمُ المبيع هو أن يخلي بين المبيع وبين المشتري على وجه يتمكنُ المشتري من قبضه بغير حائل، وكذا التسليمُ في جانب الثمن" (٥) .

стр. 8413

واستدلَّ الحنفية على اعتبار التخلية مع التمكين في المنقولات قبضًا: بأنَّ تسليم الشيء في اللغة معناه جَعْلُهُ سالمًا خالصًا لا يشاركه فيه غيره، وهذا يحصل بالتخلية. وبأنَّ مَنْ وجَبَ عليه التسليم لا بدَّ وأن يكونَ له سبيلٌ للخروج من عهده ما وجَبَ عليه، والذي في وَسْعِهِ هو التخلية ورفعُ الموانع. أمّا الإِقباضُ فليس في وسعه؛ لأنَّ القبضَ بالبراجم فِعْلٌ اختياري للقابض، فلو تعلَّق وجوبُ التسليم به لتعذَّر عليه الوفاءُ بالواجب، وهذا لا يجوز (١) . هذا وقد وافقَ الحنفيةَ على اعتبار التخلية في المنقول قبضًا أحمدُ في رواية عنه، وذلك لحصول الاستيلاء بالتخلية، إذْ هو المقصود بالقبض، وقد حصل بها (٢) . (ب) وذهب الظاهرية إلى أنَّ قبضَ المنقول يكون بالنقل والتحويل إلى نفسه (٣) . (ج) أما سائر الفقهاء وجمهورهم، فقد ذهبوا إلى التفريق بين المنقولات فيما يعتبرُ قبضًا لها، حيث إنَّ بعضها يُتناولُ باليد عادةً، والبعضُ الآخر لا يتناول. ومالا يُتناول باليد نوعان؛ أحدهما: لا يُعتبر فيه تقديرٌ في العقد، والثاني: يعتبر يه. فتحصَّلَ لديهم في المنقول ثلاثُ حالات: الحالة الأولى: أن يكون مما يُتناولُ باليد عادةً، كالنقود والثياب والجواهر والحليّ وما إليها، وقبضُهُ إنما يكون بتناوله باليد عند جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة (٤) .

стр. 8414

والحالة الثانية: أن يكون مما لا يعتبرفيه تقدير من كيل أو وزن أو ذرع أو عدّ، أمّا لعدم إمكانه وإمّا مع إمكانه، لم يراعَ فيه، كالأمتعة والعروض والدواب والصُبْرةِ تباعُ جزافًا. وفي هذه الحالة اختلف المالكية مع الشافعية والحنابلة في كيفية قبضه على قولين: (أحدهما) للمالكية: وهو أنه يُرجع في كيفية قبضه إلى العرف (١) . (والثاني) للشافعية والحنابلة: وهو أن قبضَهُ إنما يكونُ بنقله وتحويله (٢) . واستدلوا على ذلك بالمنقول والعرف: - أمّا المنقول، فما روي عن ابن عمر أنه قال: كنّا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه (٣) . وقيسَ على الطعام غيره (٤) . - وأمّا العرف، فلأنَّ أهله لا يعدّونَ احتواء اليد عليه قبضًا من غير تحويل، إذ البراجم لا تصلح قرارًا له (٥) . الحالة الثالثة: أن يكون مما يعتبر فيه تقدير من كيل أو وزن أو ذرع، أو عدّ، كمن اشترى صبرة حنطة مكايلةً أو متاعًا موازنةً أو ثوبًا مذارعة أو معدودًا بالعدد. وفي هذه الحالة اتفق الشافعية والمالكية والحنابلة على أنَّ قبضه إنما يكون باستيفائه بما يقدَّر فيه من كيل أو وزن أو ذرع أو عدّ (٦) . وقد جاء في مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإِمام أحمد (م ٣٣٦) : "المبيع كيلاً أو وزنًا أو ذرعًا أو عدًّا يعتبر في قبضه إجراءُ عملِ الكيل أو الوزن أو الذرع أو العدّ بحضور المشتري أو نائبه. وتصحُّ استنابةُ البائع المشتري في العمل المذكور".

стр. 8415

واشترط الشافعية بالإِضافة إلى ذلك نقلَهُ وتحويلَهُ. * أمّا دليل جمهور الفقهاء على أنَّ قبضَ المقدّرات من المنقولات إنَّما يكون بتوفيتها بالوحدة القياسية العرفية التي تراعى فيها من الكيل أو الوزن أو الذرع أو العدّ، فهو ما روي ((عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجريَ فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري)) . (١) وقوله ﷺ " من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله " (٢) . حيث دلَّ على ذلك أنَّ القبض فيه لا يحصل إلا بالكيل، فتعيَّنَ فيما يقدّرُ بالكيل الكيلُ، وقيسَ عليه الباقي. (٣) ١٧- بعد هذا البيان لآراء الفقهاء واختلافاتهم فيما يكون قبضًا للعقار والمنقول تحسن الإِشارةُ إلى حقيقة هامة، وهي أنَّ منشأ اختلافهم هذا إنَّما هو اختلاف العرف والعادة فيما يكون قبضًا للأشياء. قال الخطيب الشربيني: "لأنَّ الشارع أطلقَ القبضَ وأناط به أحكامًا، ولم يبينه، ولا حدَّ له في اللغة، فرجعَ فيه إلى العرف" (٤) . وقال تقي الدين ابن تيمية: "وما لم يكن له حدٌّ في اللغة ولا في الشرع، فالمرجعُ فيه إلى عرف الناس. كالقبض المذكور في قوله ﷺ : ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه)) (٥) . هذا وقد سبق للإِمام الخطابي أن أومأ إلى سبب ذلك الخلاف حيث قال: "القبوضُ تختلف في الأشياء حسب اختلافها في نفسها، وحسب اختلاف عادات الناس فيها" (٦) .

стр. 8416

القبض الحُكْمي ١٨- إنَّ ما أسلفناه من كلام الفقهاء عن معنى القبض وضروبه وكيفيته إنما هو منصبٌّ – في الجملة – على القبض الحقيقي المُدْرَك بالحسِّ. بيد أنَّ ذلك لا يعني أنَّ القبضَ الحكمي التقديري غير سائغ عند الفقهاء بإطلاق، بل هو مقبولٌ ومعتبرٌ ومعروف لديهم في أحوالٍ كثيرةٍ، يُقَامُ فيها مقامَ القبضِ الحقيقي ويُنَزَّلُ منزلته، وإن لم يكن متحققًا حسًّا في الواقع، وذلك لضرورات ومسوغات تقتضي اعتبارَه تقديرًا وحكمًا، وترتيبَ أحكام القبض الحقيقي عليه ... وبتتُّبع صور القبضِ الحكمي في مذاهب الفقهاء، نجد أنه سائغٌ مقرّرٌ في أربع حالات: ١٩- الحالة الأولى: عند إقباض المنقولات بالتخلية مع التمكين في مذهب الحنفية، ولو لم يقبضها الطرفُ الآخر حقيقةً، حيث إنهم يعدّون تناولها باليد قبضًا حقيقيًّا، والقبضَ بالتخلية قبضًا حكميًّا، بمعنى أنَّ الأحكام المترتبة عليه نفس أحكام القبض الحقيقي (١) . قال الكاساني: "فالتسليمُ والقبضُ عندنا هو التخلية، وهو أن يخلّي البائع بين المبيع وبين المشتري برفع الحائل بينهما على وجهٍ يتمكنُ المشتري من التصرف فيه" (٢) . وجاء في مجلة الأحكام العدلية "تسليمُ المبيع يحصل بالتخلية، وهو أن يأذنَ البائعُ للمشتري بقبض المبيع مع عدم وجود مانعٍ من تَسَلُّمِ المشتري إيّاه. ومتى حصل تسليم المبيع صار المشتري قابضًا له" (٣) . وقال ابن عابدين: "وحاصله أنَّ التخلية قبضٌ حكمًا لو مع القدرة عليه بلا كلفة" (٤) .

стр. 8417

وجاء في "شرح المجلة" للأتاسي: "إنَّ التخليةَ بين المشتري والمبيع تقوم مقامَ القبض الحقيقي إذا كانت على وجه يتمكنُ فيه المشتري من القبض بعد أن إذِنَ له البائع بقبضه" (١) . و"متى وُجِدَتْ التخليةُ على الوجه المذكور ... صار المشتري قابضًا، وإنْ لم يقبِضْهُ حقيقةً، لأنَّ تمكنه من القبض بإذن البائع مع عدم المانع والحائل قائمٌ مقام القبض الحقيقي، فلو هلكَ المبيعُ هلكَ على المشتري؛ لدخوله في ضمانه" (٢) . وفي "درر الحكام": "ولا يتوقف تحقق القبض الشرعي على قبض المشتري للمبيع بالفعل كما هو معنى لفظِ القبضِ لغةً". (٣) . ولعلَّ أهم ما يتفرع على هذا الأصل عند الحنفية التطبيقات الفقهية التالية: * إذا سلَّم البائعُ المبيعَ إلى شخصٍ أَمَرَ المشتري بتسليمه إليه، فقد حصل القبض، كما لو سلَّم البائعُ المبيعَ إلى المشتري نفسه. فإذا أمر المشتري البائعَ قبل القبض بتسليم المبيع إلى شخص معيَّن، فسلَّمَ البائعُ المبيع إلى ذلك الشخص، يكون المشتري بذلك قد قَبَضَ المبيع (٤) . * إذا استعمل البائعُ المبيعَ قبل التسليم بإذن المشتري في مصلحة المشتري، يكون المشتري قد قَبَضَ المبيع (٥) . * لو أعطى المشتري البائَع كيسًا ليضعَ فيه المبيع، اعتبر ذلك قبضًا من المشتري (٦) . * لو اشترى شخصٌ من آخر قمحًا، وطَلَبَ إليه أن يطحن القمح، فطحنه البائع، يكون المشتري قابضًا لقمح تبعًا لطلبه من البائع أن يطحنه (٧) . * إذا بيعت ثمارٌ على أشجارها، يكونُ إذْنُ البائع للمشتري بِجَزِّها تسليمًا (٨) . * إعطاءُ مفتاح العقار الذي له قفل للمشتري يكون تسليمًا (٩) .

стр. 8418

* إذا أتلف أجنبي المبيعَ قبل قبض المشتري له، فقام المشتري بتضمين المُتْلِفِ، يكون قابضًا (١) . * إذا باع شخصٌ ثوبًا من آخر، وأذِنَ له بقبضه، فلم يقبضْهُ المشتري، فأخذه أجنبي وأضاعه فإن كان ذلك الثوب قريبًا من المشتري بحيث يمكنه قبضُهُ من دون قيام، يعتبر المشتري قابضًا بذلك، ويعود عليه الخسران (٢) . * العقار الذي له بابٌ وقفلٌ، كالدار والكرم، إذا وُجِدَ المشتري داخله، وقال له البائع: سلَّمتُهُ إليك، كان قولُهُ ذلك تسليمًا. وإذا كان المشتري خارج ذلك العقار، فإن كان قريبًا منه بحيث يقدر على إغلاق بابه وإقفاله في الحال، يكونُ قولُ البائع للمشتري سلَّمتُكَ إياه تسليمًا أيضًا. وإن لم يكن منه قريبًا بهذه المرتبة؛ فإذا مضى وقتٌ يمكنُ فيه ذهابُ المشتري إلى ذلك العقار ودخولُهُ فيه يكون تسليمًا (٣) . ٢٠- الحالة الثانية: اعتبارُ الدائنِ قابضًا حكمًا وتقديرًا للدَّين إذا شُغِلَتْ ذمتُهُ بمثله (٤) للمدين، وذلك لأنَّ المال الثابت في الذمة إذا استحقَّ المدينُ قبضَ مثلِهِ من دائنه بعقدٍ جديدٍ أو بأحدِ موجباتِ الدّين، فإنه يعتبر مقبوضًا حكمًا من قِبَلِ ذلك المدين ... وشواهد ذلك من نصوص الفقهاء عديدة، منها:

стр. 8419

(أ) اقتضاءُ أحد النقدين من الآخرَ: ذهب جماهيرُ أهلِ العلم إلى أنَّ المدين بنوعٍ من النقود له أن يصرفه من دائنه بنقدٍ آخر. ولّما كان الصرفُ لا يصحُّ إلا مع التقابض بالإِجماع؛ وَجَبَ على المدين أن يدفع إليه البدل من النقد الآخر في مجلس العقد، بخلاف الدائن فإنه لا يلزمُهُ أن يسلَّمه النقد المبدلَ منه، لأنَّ ثبوته في ذمة المدين قبل المصارفة يعتبر قبضًا حكميًّا واقتضاءً تقديريًّا له من دائنه، فكأنَّ الدائنَ بعد المصارفة قَبَضَهُ منه ثمَّ سلَّمَهُ ثانيةً إليه (١) . جاء في "المغني" ويجوز اقتضاءُ أحد النقدين من الآخرَ، ويكونُ صرفًا بعينٍ وذمَّةٍ في قول أكثر أهل العلم" (٢) . وقال العلامة الأبّي " لأنَّ المطلوبَ في الصرف المناجزةُ، وصرفُ ما في الذمة أسرعُ مناجزةً من صَرْفِ المعَيَّنَات؛ لأنَّ صرفَ ما في الذمة ينقضي بنفس الإِيجاب والقبول والقبضِ من جهة واحدة، وصرفُ المُعَيَّنَات لا ينقضي إلابقبضهما معًا، فهو مُعَرَّضٌ للعدول، فَصَرْفُ ما في الذمة أولى بالجواز" (٣) . واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر ﵁ قال: كنتُ أبيعُ الإِِبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذُ مكانها الدراهمَ، وأبيع بالدراهم وآخذُ مكانها الدنانير، آخذُ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيتُ النبي ﷺ فسألتُهُ عن ذلك، فقال: ((لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيءٌ)) (٤) . قال الشوكاني: "فيه دليلٌ على جواز الاستبدال عن الثمن الذي في الذمة بغيره، وظاهره أنهما غير حاضرين جميعًا، بل الحاضرُ أحدُهما وهو غير اللازم، فدلَّ على أنَّ ما في الذمة كالحاضر" (٥) .

стр. 8420

(ب) المقاصَّة: وذلك إذا انشغَلتْ ذمةُ الدائن بمثل ما له على المدين في الجنس والصفة ووقت الأداء، برئَتْ ذمةُ المدين مقابلةً بالمثل من غير حاجةٍ إلى تقابض بينهما، ويسقطُ الدينان إذا كان متساويين في المقدار، لأنَّ ما في الذمة يعتبر مقبوضًا حكمًا. فإن تفاوتا في القدر، سقط من الأكثر بقدر الأقل، وبقيت الزيادةُ، فتقعُ المقاصَّةُ في القدر المشترك، ويبقى أحدهما مدينًا للآخر بما زاد (١) . (ج) تطارُح الدَّيْنَيْن صرْفًا: ذهب الحنفية والمالكية وتقي الدين السبكي من الشافعية وتقي الدين ابن تيمية من الحنابلة إلى أنه لو كان لرجل في ذمة آخر دنانير، وللآخر عليه دراهم، فاصطرفا بما في ذمتيهما، فإنه يصح ذلك الصرف، ويسقط الدينان من غير حاجة إلى التقابض الحقيقي – مع أنَّ التقابض في الصرف شرطٌ صحته بإجماع الفقهاء – وذلك لوجود التقابض الحكمي الذي يقوم مقام التقابض الحسيّ. وقد عللوا ذلك "بأنَّ الذمةَ الحاضرةَ كالعين الحاضرة" (٢) و"بأنَّ المدين في الذمة كالمقبوض" (٣) . قال ابن تيمية: "فإنَّ كلا منهما اشترى ما في ذمته – وهو مقبوض له – بما في ذمة الآخر، فهو كما لو كان لكلًٍّ منهما عند الآخر وديعةٌ فاشتراها بوديعته عند الآخر" (٤) . غير أنَّ المالكية اشترطوا أن يكون الدينان قد حلا معًا، فأقاموا حلول الأجلين في ذلك مقام الناجز بالناجز، أي اليد باليد.

стр. 8421

(د) جَعْلُ الدّين الذي على المُسْلَم إليه رأس مال السلم: ذهب الشيخ تقي الدين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى أنه إذا كان لرجل في ذمة آخر دينارًا، فَجَعَلَهُ سَلَمًا في طعام إلى أجل، فإنه يصحُّ السلم من غير حاجةٍ إلى قبضٍ حقيقي لرأس مال السلم – مع اتفاق الفقهاء على وجوب تسليم رأس المال معجلا لصحة السلم – وذلك لوجود القبض الحكمي لرأس مال السلم، وهو ما في ذمة المدني المُسْلَم إليه، فكأنَّ الدائن بعد عقد السلم قَبَضَهُ منه ثمَّ ردَّه إليه، فصار معجلا حكمًا، فارتفع المانع الشرعي (١) . قال العلامة ابن القيم: "لو أسلم إليه في كَرِّ حنطةٍ بعشرة دراهم في ذمته، فقد وجَبَ له عليه دَيْن، وسقَطَ له عند دَيْن غيره. وقد حكي الإِجماعُ على امتناع هذا، ولا إجماعَ فيه. قال شيخنا: واختار جوازه، وهو الصواب" (٢) . (هـ) رهن الدين عند المدين، وهبة المرأة مهرها المؤجل لزوجها: قال القاضي ابن العربي: "إذا تعامل رجلان لأحدهما على الآخر دينٌ، فرهَنَهُ دينَهُ الذي له عليه، كان قبولُه قبضًا. وقال غيرنا من العلماء: لا يكونُ قبضًا. وكذلك إذا وهبَتْ المرأة كالئها – أي مهرها المؤجل – لزوجها جاز، ويكونُ قبولُه قبضًا. وخالفَنَا فيه أيضًا غيرنا من العلماء. وما قلناه أصحّ لأنَّ الذي في الذمة آكدُ قبضًا من المعيّن، وهذا لا يخفى" (٣) .

стр. 8422

٢١- الحالة الثالثة: وهي قيامُ قبضٍ سابق لعين من الأعيان مقامَ قبضٍ لاحقٍ مُسْتَحَقّ، وذلك كما لو باع شخصٌ شيئًا أو وَهَبَهُ أو رَهَنَهُ عند غاصبٍ أو مستعير أو مودَع أو مستأجر أو غيره، فإنَّ القبضَ السابق ينوبُ منابَ القبضِ المستحقَّ بالعقد مطلقًا، سواءٌ أكانت يد القابض عليه يَدَ ضمان أم يدَ أمانة، وسواءٌ أكان القبضُ المستحقُ قبضَ أمانة أم قبض ضمان، ولا يشترط الإذن من صاحبه ولا مضيُّ زمانٍ يتأتى فيه القبض. وعلى ذلك نصَّ المالكية والحنابلة (١) . * أمّا نيابته منابَ القبض المستحق بالعقد، فلأنّ استدامةَ القبضِ للعين قبضٌ حقيقةً، لوجود الحيازة مع التمكن من التصرف. فقد وجِدَ القبضُ المستحق، ولا دليل على أنه ينبغي وقوعُهُ ابتداءً بعد العقد. * وأمّا عدمُ اشتراطِ كونِ القبضين متماثلين من حيث الضمان وعدمه أو كونِ القبضِ السابق أقوى بما ينشأ عنه من ضمان اليد حتى ينوبَ عن القبضِ المستحقَّ بالعقد، فلأنَّ المراد بالقبض المستحق: إثباتُ اليد والتمكن من التصرف في المقبوض، فإذا وجِدَ هذا الأمر وجِدَ القبض. أما ما ينشأ عنه من كون المقبوض مضمونًا أو أمانةً في يد القابض، فليس لذلك أية علاقة أو تأثير في حقيقة القبض.

стр. 8423

* وأمّا عدم الحاجة للإذن بالقبض، فلأنَّ إقراره له في يده بمنزلة إذنه في قبضه، كما أنَّ إجراءه العقد الموجب للقبض مع كون المال في يده يكشف عن رضاه بالقبض، فاستغني عن الإِذن المشترط في الابتداء، إذْ يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء. * وأمّا عدم الحاجة إلى مضيّ زمان يتأتي فيه القبض، فلأنَّ مضيّ هذا الزمان ليس من توابع القبض، وليس له مدخل في حقيقته في هذه الحال ... نعم، لو كان القبضُ متأخرًا عن العقد؛ لاعتبر مضيُّ الزمان الذي يمكن فيه القبض، لضرورة امتناع حصول القبض بدونه، وأمّا مع كونه سابقًا للعقد فلا. - وقد وافقَ الشافعيةُ المالكيةَ والحنابلةَ على نيابة القبضِ السابق منابَ القبض المستحق اللاحق، سواءٌ أكانت يد القابض بجهة ضمان أو بجهة أمانة، وسواءٌ أكان القبضُ المستحق قبضَ أمانة أو ضمان، غير أنهم اشترطوا لصحة ذلك أمرين: (أحدهما) الإِذنُ من صاحبه إنْ كان له في الأصل الحقُّ في حبسه؛ كالمرهون والمبيع إذا كان الثمن حالا غير منقود. أما إذا لم يكن له هذا الحق، كالمبيع بثمن مؤجلٍ أو حالٍّ بعد نقد ثمنه، فلا يشترط عند ذلك الإِذن. وسببُ اشتراط الإِذن من مستحقَّ حبسه في الأصل، هو عدم جواز إسقاط حقّه بغير إذنه، كما لو كانت العين في يده. (والثاني) مضيّ زمان يتأتي فيه القبض إذا كان الشيءُ غائبًا عن مجلس العقد. لأنه لو لم يكن في يده لاحتاج إلى مضيّ هذا الزمان ليحوزّه ويتمكن منه، ولأنّا جَعَلْنا دوام اليد كابتداءِ القبض، فلا أقل من مضي زمان يتصور فيه ابتداء القبض. ولكنْ لا يشترط ذهابُهُ ومصيرُهُ إليه فعلا (١) . - أمّا الحنفية، فمع ميلهم إلى نفس الاتجاه الذي نحا إليه بقية الفقهاء في المسألة، فقد أقاموا رأيهم فيها على مبنى آخر، وهو أنَّ القبض الموجود وقت العقد إذا كان مثل المستحق بالعقد، فإنه ينوبُ منابه. يعني أن يكون كلاهما قبض أمانة أو قبض ضمان، لأنه إذا كان مثله أمكن تحقيق التناوب؛ لأنَّ المتماثلين غيران ينوبُ كلُّ واحد منهما مناب صاحبه ويَسُدُّ مسدَّه، وقد وُجِدَ القبضُ المحتاجُ إليه.

стр. 8424

أمّا إذا اختلف القبضان، بأنْ كان أحدهما قبضَ أمانة والآخرُ قبض ضمان، فينظر: إنْ كانَ القبضُ السابق أقوى من المستحق، بأن كان السابق قبضَ ضمان والمستحق قبضَ أمانة، فينوبُ عنه؛ إذْ به يوجد القبضُ المستحق وزيادة. وإن كان دونه، فلا ينوبُ عنه؛ وذلك لانعدام القبض المحتاجِ إليه، إذْ لم يوجد فيه إلا بعضُ المستحق، فلا ينوبُ عن كلّه. وبيان ذلك: أنَّ الشيءَ إذا كان في يد المشتري بغصب أو كان مقبوضًا بعقد فاسد فاشتراه من المالك بعقد صحيح، فينوبُ القبضُ الأول عن الثاني. حتى لو هلكَ الشيءُ قبل أن يذهب المشتري إلى بيته ويصل إليه أو يتمكن من أخْذِهِ، كان الهلاكُ عليه لتماثلِ القبضين من حيث كونُ كل منهما يوجبُ كون المقبوض مضمونًا بنفسه. وكذا لو كان الشيءُ في يده وديعةً أو عاريّة، فَوَهَبَهُ منه مالكه، فلا يُحتاج إلى قبض آخر. وينوبُ القبضُ الأول عن الثاني، لتماثلهما من حيث كونهما أمانةً. ولو كان الشيءُ في يده بغصب أو بعقد فاسد، فوهبه المالك منه، فكذلك ينوبُ ذلك عن قبض الهبة، لوجود المستحقّ بالعقد، وهو أصل القبض وزيادةُ ضمان. أمّا إذا كان المبيعُ في يد المشتري بعارية أو وديعة أو رهن، فلا ينوبُ القبض الأول عن الثاني، ولا يصير المشتري قابضًا بمجرد العقد؛ لأنَّ القبضَ السابقَ قبضُ أمانةٍ، فلا يقوم مقام قبض الضمان في البيع، لعدم وجودِ القبضِ المحتاج إليه (١) . ٢٢- الحالة الرابعة: تنزيل إتلاف العين منزلةَ قبضها، وذلك كما إذا أتلف المشتري المبيعَ وهو في يد البائع، حيث نصَّ جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة على أنَّ ذلك الإِتلاف يعتبر قبضًا، لأنَّ القبض يتحقق بإثبات اليد والتمكن من التصرف والإِتلافُ تصرّفٌ فيه حقيقةً، فكان قبضًا من باب أولى، إذ التمكن من التصرف دون حقيقة التصرف. . كما أن صدور الإتلاف من المشتري ينطوي على إثبات اليد فعلا، إذ لا يتصور وقوعه منه مع تخلف هذا المعنى، فكان الإِتلاف بمنزلة القبض ضرورة (٢) .

стр. 8425

وبناءً على هذا الأصل: (أ) قال الشافعية: إذا أتلفت الزوجةُ الصَداق، وهو بيد الزوج، صارت بذلك قابضة إياه، وبرئ الزوج (١) . (ب) وقال الحنفية: كما ناب إتلاف المشتري المبيع، وهو بيد بائعه منابَ قبضه منه، فإنه لو تصرف المشتري فيه بتعييب أو تغيير صورةٍ أو استعمال، فإن ذلك يعتبر قبضًا أيضًا، لما في هذه الأفعال من إثباتً اليد فعلا، والتصرف الحقيقي في المبيع، كما هو الشأن في الإِتلاف، فتنزّلُ منزلته في اعتبارها قبضًا حكميًّا. قالوا: ومثل ذلك في الحكم ما لو فَعَلَ البائع شيئًا من ذلك بأمر المشتري، لأنَّ فِعْلَهُ بأمر المشتري بمنزلةِ فعلِ المشتري بنفسه. وقالوا: لو أعتق المشتري العبد المبيع يصير بذلك قابضًا، لأنَّ الإِعتاق إتلافٌ حكمًا، فيُلحقُ بالإتلاف حقيقة. ولو أعار المشتري المبيعَ أو أودعه أجنبيًا صار بذلك قابضًا؛ لأنه بالإِعارة والإيداع أثبَتَ يَدَ النيابة لغيره فيه، فصار قابضًا. وكذا لو وهبه أجنبيًا، فقبَضَهُ الموهوب (٢) .

стр. 8426

التطبيقات الفقهيّة المعاصرة للقبض الحكمي للأموال ٢٣- في ضوء ما تقدم من أقاويل الفقهاء وأنظارهم في قبول وتسويغ واعتبار القبض الحكمي التقديري للأموال شرعًا، وترتيبِ الأحكام الشرعية للقبض الحقيقي عليه في الصور والحالات الآنفة الذكر، يمكننا تخريجُ بعضِ الفروع والمسائل المستجدّة التي يجري بها التعامل في المصارف وبيوت التمويل المعاصرة، وبناءُ أحكامها على قاعدة القبض الحُكمي للأموال، وذلك على النحو الآتي: (أولا) يعتبر القيدُ المصرفي لمبلغٍ من المال في حساب العميل إذا أودعه في حسابه شخصٌ آخر أو جَعَله فيه بحوالةٍ مصرفيةٍ قبضًا حكميًّا من المستفيدِ صاحبِ الحسابِ، وتبرأ ذمةُ الدافع بذلك إذا كان مدينًا له به. (ثانيًا) : إذا كان للعميل حسابٌ لدى مصرفٍ بعملةٍ ما، فأمَرَ المصرف بقيدِ مبلغٍ منه في حسابه بعملةٍ أخرى بناءً على عقد صرف ناجز تَمَّ بينه وبينَ المصرف، واستيفاءِ المبلغ الذي اشترى به من حسابه، فيعتبرُ القيدُ المصرفي المعجّلُ بالعملة المشتراةِ قبضًا حكميًّا من قِبَلِ العميل الآمر، ويعتبرُ الاقتطاعُ الناجزُ من قِبَلِ المصرف للبدلِ من حساب العميل قبضًا حكميًّا له من المصرف. ويُعَدُّ مجموعُ ذلك بمثابة التقابض بينَ البدلين في الصرف، وإنْ اتّحدَتْ يدُ القابض والمُقْبِضِ حسًّا. (ثالثًا) : إذا اشترى شخصٌ نقدًا من مصرفٍ بنقدٍ آخر، فدفَعَ إليه البدلَ، وأخَذَ منه في المجلس شيكًا بعوضه من النقد الآخر مسحوبًا على البنك المراسل للمُصْدِرِ، فيعتبر قَبْضُهُ للشيك قبضًا حكميًّا لمضمونه، ويكونُ ذلك بمنزلة التقابض في البدلين قبل التفرق. (رابعًا) : إذا اشترى شخصٌ نقدًا من مصرف بنقدٍ آخر، فدفَعَ إليه البدل، وأرسل المصرفُ – بناءً على طلب المشتري – برقية (تلكس) إلى بنكه المراسل يأمره فيها بدفعِ العوض من النقد الآخر لحساب المشتري أو لحساب مستفيدٍ آخر لدى مصرف ثالث، فيعتبرُ أَمْرُ المصرف الناجزُ (بالتلكس) لبنكه المراسل بأداءِ بدل الصرف حالا إقباضًا حكميًّا للمشتري، ويُنزَّلُ التعامُل بتلك الكيفية منزلةَ التقابض الناجز بين البدلين في الصرف.

стр. 8427

(خامسًا) : إذا تصارفَ العميلُ مع المصرف الذي له في حسابٌ، فأَمَرَ المصرفَ باقتطاع البدل الذي اشترى به من حسابه، وتسلَّمَ من المصرف شيكًا بالنقد الذي اشتراهُ مسحوبًا على البنكِ المراسل للمصرف الذي أَصْدَرَهُ، فيعتبرُ اقتطاعُ المصرفِ الناجزُ لبدلِ الصرف من حسابه قبضًا حكميًّا للبدل من العميل المشتري، ويعتبرُ تسلُّمُ العميل الشيكَ قبضًا حكميًّا لمضمونه، وإذا تمَّ ذلك في المجلس، فإنه يُعَدُّ بمثابة التقابض في البدلين قبل التفرق. (سادسًا) : إذا اشترى شخصٌ من مصرف نقدًا بنقد آخر، وكان للمشتري حسابٌ لدى مصرف آخر بنفس العملة التي باعها، فأعطاه أمرًا برقيًّا ناجزًا (بالتلكس) بتحويل المبلغ الذي باعه للمصرف الذي اشتراه منه أو لمن ينوبُ عنه، ثم قَبَضَ المشتري في المجلس شيكًا بمضمون البدل الذي اشتراه من المصرف المشتري أو قيَّده المصرفُ في حسابه لديه، أو أرسلَ المصرفُ برقية (تلكس) لبنكه المراسل يأمره حالا بتحويل ذلك المبلغ لحساب المشتري أو لحساب مستفيدٍ آخر طلبَ المشتري الدفعَ إليه في مصرف آخر، فيعتبرُ ذلك كله إقباضًا حكميًّا للنقد الأول من المشتري للمصرف، وللنقد الآخر من المصرف للمشتري، ويُنَزَّلُ التعامل بهذه الكيفية منزلةَ التقابض الناجز بين البدلين في الصرف. ٢٤- هذا ومما تجدر الإشارةُ إليه في هذا المقام قرار مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي لرابطة العالم الإِسلامي في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة من ١٣ رجب ١٤٠٩هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩م إلى ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ٢٦ فبراير ١٩٨٩م في بعض التطبيقات المعاصرة للقبض الحكمي للأموال، حيث نظر في موضوع: ١- صرف النقود في المصارف، هل يستغنى فيه عن القبض بالشيك الذي يتسلمه مريد التحويل؟ ٢- هل يُكتفى بالقيد في دفاتر المصرف عن القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى مودعةٍ في المصرف؟ وبعد البحث والدراسة قرَّر المجلس بالإِجماع ما يلي: (أولاً) : يقوم تسلُّمُ الشيك مقام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود في المصارف. (ثانيًا) : يعتبر القيدُ في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى، سواء كان الصرف بعملةٍ يعطيها الشخص للمصرف أو بعملةٍ مودعةٍ فيه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلًَّمَ تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الدكتور نزيه كمال حماد

стр. 8428

المناقشة الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. في هذه الجلسة المسائية عرض بحث القبض وصوره بخاصة المستجدة والعارض هو الشيخ علي محيي الدين، والمقرر هو الشيخ محمد رضا العاني، وأحب أن أشير إلى أن في المناقشات سيبدأ بأصحاب البحوث الذين يرغبون الكلمة ثم يأتي بعد ذلك الذين يرغبون في المناقشة، ونرجو أن يكون هناك التزام بالوقت تفضل يا شيخ. الدكتور على محيي الدين القره داغي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبحوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. اللَّهم علَّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا، واجعل يومنا هذا خيرا من أمسنا، وغَدَنَا خيرا من يومنا واقبلنا في عبادك المخلصين. لا إلَه إلا أنت سبحانك لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم. أيها الأساتذة الفضلاء، يسعدني أن أشرف بتخليص هذه البحوث المقدمة من السادة العلماء، أن ألخَّصها لحضراتكم مع بحثي المتواضع في القبض وصوره المتعددة ولا سيما الصور المستجدة، ولا يفوتني هنا أن أنوَّه بجهود إدارة المجمع وأمانته في المتابعة والتنظيم لإِنجاح هذه الدورة والدورات السابقة، فجزى الله القائمين عليها خير الجزاء. البحوث التي في متناول الأيدي حول موضوع القبض وصوره المعاصرة ثمانية بحوث، وهي للأساتذة الأجلاء: الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور، والشيخ عبد الله بن منيع، والأستاذ الدكتور نزيه حماد، والأستاذ الدكتور سعود بن مسعد، والدكتور محمد رضا العاني، والدكتور محمد الصديق الضرير، والدكتور عبد الله محمد عبد الله. . بالإضافة إلى بحثي المتواضع ولا أريد هنا أن ألج بكم في غمار التعاريف والأبحاث اللفظية حيث إن البحوث في متناول أيديكم، ولا شك أنكم تفضلتم بقراءتها وإنما أريد التركيز على اتجاهات الإِخوة بصورة عامة وأدلة كل اتجاه ولا سيما لفقهائنا الأجلاء.

стр. 8429

ففي نطاق تعريف القبض وكيفيته يتفق أصحاب أكثر البحوث الثمانية على أن مرجع ذلك إلى العرف في حين أن بعض البحوث لم تشر إلى ذلك، وإنما نظرت إلى تقسيمات الفقهاء مباشرة مع أنها في الواقع تعود إلى أعرافهم السائدة، مثل بحث أستاذنا الفاضل الشيخ محمد الصديق الضرير، حيث جعل القبض في المكيل والموزون، ونحوهما باستيفاء قدره، وفي الجزاف بتحويله، وفيما عدا ذلك يرجع إلى العرف. وأما الأستاذ الدكتور نزيه حماد والدكتور سعود بن مسعد، فقد سارا في بحثيهما على تقسيم القبض إلى قسمين قبض حقيقي، أي تام وقبض حكمي. غير أن الأستاذ الدكتور نزيه فصل في بحثه صور كل واحد من النوعين، ولا سيما صور القبض الحكمي، تفصيلا طيبا. فذكر ضمن القبض الحكمي عدة صور – حقيقية أحب أن الخَّص كل بحث حتى لا أكون ملخَِّصًا لبحثي فقط – فذكر ضمن القبض الحكمي عدة صور، منها: التخلية في المنقولات عند الحنفية، ومنها: القبض في الذمة بالنسبة للمدين والدائن، ومنها قيام قبض سابق لعين من الأعيان قيام قبض لاحق، ومنها: تنزيل إتلاف العين منزلة قبضها. ثم ألحق ببحثه أخيرا عدة تطبيقات فقهية معاصرة، منها: اعتبار القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل إذا أودعه في حسابه شخص آخر، ومنها صور أُخَر، وهي معروضة وموجودة أمام حضراتكم. أما الأستاذ الجليل الدكتور محمد الصديق فقد كتب في ثلاثة موضوعات: أولا: النصوص الواردة في الموضوع , ثانيا: آراء الفقهاء في حكم بيع الإِنسان ما اشتراه قبل قبضه، ثالثا: في البيع قبل القبض في الطعام، ورجح فضيلة الدكتور أن النهي هنا للتحريم، والمسألة هنا، وإن كانت خلافية، في قضية النهي، هل النهي للتحريم؟ تحتاج إلى بحث وتمحيص، لكنه لا يخفى على فضيلته أن الخلاف حقٌّ أو أن الخلاف هنا هو هل النهي يقتضي الفساد أم لا؟ وليست القضية قضية التحريم أو الكراهة. ثم رجح فضيلته أن بيع الطعام قبل قبضه غير صحيح، وكذلك قاس على الطعام غير الطعام بل بني تعميمه في الطعام وغيره على حديث حكيم، قول النبي ﷺ : ((فلا تبعه حتى تقبضه)) ، لكنه في نظري أن هذا الحديث لا ينهض حجة لضعف فيه كما هو مبين في بحثي، وقد ذكر عدة صور مستحدثة للقبض ولا سيما في بيع المرابحة للآمر بالشراء بالنسبة للقبض.

стр. 8430

وأما فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان، فقد خصَّص بحثه لجزئية من جزئيات القبض وهي قبض الشيك بجميع أنواعه حيث رجح أن قبض الشيك قبض لمحتواه. واعتمد في ذلك على أن للعرف حكما متميزا في تعيين صفة القبض حيث لم يرد نص ونحن جميعا معه في هذا الموضوع. أما فضيلة الدكتور محمد الفرفور فذكر طرق القبض وهي التخلية عند الحنفية والإِتلاف وإيداع المبيع عند المشتري أو إعارته منه، وصور أخرى نتفق في بعضها أو تتفق هذه الصور في بعضها مع الصور التي ذكرها الأستاذ الدكتور نزيه. ثم ذكر أثر القبض، ثم رجح صورة التسجيل العقاري، في بلاد فيها سجل ونظام عقاريان، جعل ذلك بمثابة القبض حتى ولو لم يتم التسجيل، وفي اعتقادي أن هذه القضية بالإِضافة إلا أنها قضية قانونية للتثبت وهو الراجح بالنسبة حتى للقوانين المدنية لأن الشكلية قد انتهت، فالمسألة حقيقةً مجال للنظر والاجتهاد في هذه المسألة. وأما الأستاذ الدكتور عبد الله بن محمد بن عبد الله فقد ذكر مذاهب الفقهاء، وكذلك ذكر ما يتعلق بالجانب القانوني في القبض. ثم ذكر أحكام القبض من انتقال الضمان إلى المشتري، وتسليط المشتري على التصرف، كما تطرق كذلك إلى آراء الفقهاء في التصرف في المبيع قبل القبض، وإلى مكان القبض وزمانه، وختم بحثه بالبحث عن القبض في القوانين الوضعية، وتكلم في ذلك عن القوانين البحرية والقوانين التجارية في هذا الصدد. وتطرق الأستاذ الدكتور سعود بن مسعد في بحثه إلى قبض الربويات وغيرها بالإضافة إلى حكم القبض في الشيكات وقبض أوراق البضائع وتظهيرها وقبض الأسهم وتظهيرها. وأما الأستاذ الدكتور محمد رضا العاني فقد سار في بحثه على بيان القبض من حيث الصحة وعدمها، وذكر بأن القبض الصحيح هو القبض الذي يتم بإذن صاحبه أو عن طريق إذن شرعي أو عرفي، كما أن القبض إما أن يكون أثرا من آثار العقد، كما في البيع ونحوه، وإما أن يكون من تمام العقد كما في السلف. ثم تطرق إلى صور تحقق القبض من حيث المناولة ونحوها، وكذلك إلى مدى جواز التصرف قبل القبض، وانتهى في الأخير إلى ترجيح رأي المالكية في جواز البيع قبل القبض إلا في الطعام. هذه هي معظم الأفكار المطروحة في البحوث السبعة أرجو أن أكون قد وُفَّقت في عرضها بصورة أمينة.

стр. 8431

وأما بحثي المتواضع فهو يتضمن ما يأتي: أولا: إنني استعرضت بالتفصيل آراء الفقهاء في تعريف القبض واتجاهاتهم التي تنحصر في هذا الصدد في اتجاهين: اتجاه يرى عدم التفرقة بين جميع أنواع المعقود عليه حيث يتم قبضها بالتخلية فقط، وهذا مذهب الحنفية وأحمد في رواية وقول للشافعية حكاه الخراسانيون، والراجح عند الظاهرية والزيدية والإِمامية، وإليه مال البخاري وغيره. واتجاه ثانٍ يرى التفرقة بين أنواع المعقود عليه، فمنهم من جعل أساس التفرقة كون الشيء منقولا أو غير منقول، حيث يتم القبض في المنقول بالنقل، وفي غيره بالتخلية. ومنهم من جعل الأساس في التفرقة كون الشيء مكيلا أو موزونا أم لا. ومن هنا نستطيع القول إن الجميع يكادون يتفقون على أن القبض في غير المنقول كالعقارات يتم بالتخلية. وقد استعرضت أدلة كل فريق ومناقشاتها بالتفصيل، وهي أمام أصحاب الفضيلة من الصفحة الرابعة إلى الصفحة الثالثة عشرة. ولم أكتفِ في ذكر الأحاديث بعزوها إلى كتب السنَّة وإنما حققتها ووصلت فيها إلى الحكم عليها وانتهينا إلى ترجيح الرأي القائل بأن القبض يتم بالتخلية، كقاعدة أساسية إلا أن الطعام نظرا لورود أحاديث صحيحة فيه، وللخصوصية التي أصلها الإِمام القرافي، يستثنى فيكون قبضه بالكيل أو الوزن أو النقل – يعني هو فيه خلاف حقيقةً – وذلك لما ذكرناه من عدة أحاديث صحيحة تدل على أن القبض في الإِبل، وهي من المنقولات لا شك قد تم بمجرد العقد، كما في الصفحة الخامسة إلى السادسة من البحث، فقد روى البخاري " أن الرسول ﷺ اشترى من عمر – ﵁ – بعيرا، ثم وهبه، قبل النقل، إلى ابن عمر ". وأشار ابن بطال إلى أن الحديث حجة في أن البيع يتم بالعقد مع شروطه، وأنه لا يحتاج إلى نقل المعقود عليه فعلا، بل قال الحافظ ابن حجر: وقد احتج المالكية والحنفية في أن القبض في جميع الأشياء بالتخلية وإليه مال البخاري. وذكرنا أربعة أحاديث صحيحة في هذا الصدد، وحديثا حسنا، ولذلك رجحنا التعريف المختار للقبض: وهو أن القبض التخلية بين العاقد والمعقود عليه، على وجه يتمكن من التسلم بلا مانع ولا حائل حسب العرف.

стр. 8432

ثانيا: من الأمور التي تطرقنا إليها ما يشترط فيه القبض الفوري وهذا يخص الصرف، وأعتقد أن الفقهاء متفقون في ذلك، ولكنهم مختلفون في تفسير الفورية، وفي تفسير الفورية لهم اتجاهان: اتجاه الجمهور القائلين باعتبار المجلس حيث لم يشترطوا الفورية بمعناها الضيق، بل وسعوا دائرتها لتتسع كل أوقات المجلس، واتجاه آخر للسادة المالكية حيث اشترطوا القبض الفوري، قال ابن رشد: إن تأخر القبض في المجلس بطل الصرف، وإن لم يفترقا. وسبب الخلاف ترددهم في مفهوم قوله ﷺ : ((إلا هاء وهاء)) ، وكذلك في قول النبي ﷺ : ((يدا بيد)) . وقد رجحنا رأي الجمهور لأحاديث صحيحة تدل على المقصود بوضوح، وأما معنى قول الرسول ﷺ : ((يدا بيد)) . فقد قال الخطابي: "فيه بيان أن التقابض شرط في صحة البيع في كل ما يجري فيه الربا ". وقال غيره: " أي حالًّا مقبوضا في المجلس قبل افتراق أحدهما عن الآخر". وقال آخرون: أي عينا بعين، يعني "هاء وهاء" أو "يدا بيد"، أي عينا بعين. ثم إن الحنفية لم يقيسوا على الذهب والفضة، أي النقود غيرهما من الربونات، حيث لم يشترطوا فيها إلا التعيين في المجلس، فجعلوا قضية الفورية أو في المجلس خاصة بالنقود. وأما الشافعية والحنابلة فاشترطوا التقابض في المجلس في كل الربويات، سواء بيعت بجنسها أو بغير جنسها والمالكية، كما سبق أن ذكرنا، اشترطوا الفورية في جميع الربويات. ثالثا: تقسيم العقود بالنسبة للقبض إلى أربعة أقسام: القسم الأول: ما يجب فيه التقابض قبل التفرق بالإِجماع وهو الصرف. ثانيا: ما لا يجب بالإِجماع كبيع السلع والطعام بالنقود. ثالثا: ما ورد فيه خلاف مثل بيع الطعام بالطعام حيث اشترطه الشافعي ومالك وأحمد، خلافا لأبي حنيفة. القسم الرابع: ما يشترط فيه التقابض الفوري بمعناه الضيق وهو ما يكون في الصرف والربويات عند الإِمام مالك. تكلمنا كذلك في المسألة الرابعة عن أنواع القبض وصوره القديمة، حيث قسم الإِمام الكاساني القبض إلى قبض تام وقبض ناقص. ثم قال: التخلية قبض تام فيما يأتي: (أ) : في كل ما ليس له مثل من المذروعات والمعدودات المتفاوتة. (ب) : وفيما له مثل ولكنه بيع مجازفة. (ج) : وفي المعدودات المتقاربة إذا بيعت عددا لا جزافا – من باب الأمانة هذه الأرقام (أوب وج) من عندي حقيقةً وليس من النص – وأما التخلية فتكون قبضا ناقصا فيما له مثل، لكنه بيع مكايلة أو موازنة، وتطرقت بهذا الصدد إلى عدة مسائل جزئية في صفحة ١٨ أو الصفحة الثامنة عشرة إلى الصفحة التاسعة عشرة، كما تطرقت إلى الأنواع التي ذكرها بقية الفقهاء من الصفحة العشرين إلى الصفحة الثانية والعشرين.

стр. 8433

وأما صور القبض المعاصرة، فقبل أن أتطرق إليها، أود أن أؤصلها من خلال قاعدة عامة في القبض، وهي أن مبنى القبض وأساس مسائله وصوره قائم على العرف، حيث إن الشرع أطلقه، فيكون الرجوع فيه إلى العرف. ومن هنا فكل ما عدّه العرف قبضا في أي عصر من العصور فهو قبض ما دام لا يصطدم مع نص شرعي ثابت صريح، وكذلك لا يجب الالتزام بجزئيات القبض وصوره في عصر ما بالنسبة للعصر الذي يليه ما دام العرف قد تغير، لأن ما هو مبني على العرف يتغير بتغيره. يقول العلامة ابن القيم – ﵀: "فمهما تجدد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغه، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده فأجره عليه، وأفته به دون عرف بلدك ودون المذكور في كتبك". ثم نقل عن المحققين من العلماء قولهم: "فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، وما جرت به العادة واشتهر ذلك عند الناس، بحيث صار عرفًا متبادرًا إلى الذهن من غير قرينة، حمل عليه، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم – والكلام للإِمام وليس لي – وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر على أديان الناس وأبدانهم، والله المستعان". وقد أكد على مثل ذلك العلامة ابن عابدين في رسالته القيمة، فقال: اعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلا فقالوا: تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة. وقال في القنية: ليس للمفتي ولا القاضي أن يحكما عن ظاهر المذهب ويتركا العرف. وهذه الضابطة تسهل كثيرًا من صور القبض المعاصرة، ما دامت لا تتعارض مع نصوص الشريعة الثابتة الواضحة، وعلى ضوء ذلك نقول: إن عملية القبض التسلُّم والتسليم، في عصرنا الحاضر، ليست جميع صورها حديثة، بل إن كثيرًا من صورها لا تزال باقية، مثل قبض العقار سواء كان أرضا أم بناء، وكذلك قبض الأشياء التي لا يمكن نقلها دون تغيير في شكلها، كالمصانع – عند المالكية في هذه المسألة بالنسبة للعقار شمول العقار للمصانع – فهذه أمور لا يختلف فيها القبض في عصرنا عما كانت عليه في السابق، فيكون قبضها بالتخلية كما قال فقهاؤنا الكرام. وأما المنقولات فهذه الممكن الاختلاف فيها حسب العصور والأزمان، حيث جدت معاملات حديثة وتطورت كيفية القبض ولا سيما في نطاق السلع والنقود "الصرف".

стр. 8434

ثم ذكرت عدة صور معاصرة يمكن تكوين صور كثيرة منها، مع مراعاة بحث الأستاذ الدكتور نزيه حماد، وتناولتها من الصفحة الثالثة والعشرين إلى السابعة والعشرين يمكن الرجوع إليها ولا حاجة في أخذ أوقاتكم القيِّمة فيها. وقد تطرقت كذلك إلى أركان القبض الثلاثة: القابض والمقبض والمقبوض، وإلى اتحاد القابض والمقبض وصوره السبع، وأثر القبض في العقود الصحيحة. ثم ذكرت اختلاف الفقهاء في أثر القبض في الرهن على أربعة آراء، وذكرت أدلتهم مع المناقشة وترجيح رأي مالك وأحمد، في رواية، من أن القبض في الرهن ليس ركنا ولا شرطا للصحة، وإنما هو شرط لتمامه، وكذلك ذكرت آراء الفقهاء الثلاثة في الهبة مع الأدلة والمناقشة وترجيح أنها لا تلزم إلا بالقبض مع استثناء بعض صور موجودة في البحث، وأثرنا في هذا الصدد مدى كون المبيع قبل القبض على ضمان البائع أم على المشتري لأن هذه المسألة يبنى عليها قضية البيع وهل يباع بعد ذلك؟ وهل يجوز التصرف قبل القبض أم لا؟ وإن كان شيخ الإِسلام ابن تيمية لم يجعل هناك تلازما بين هذه المسألة ومسألة البيع قبل القبض، وتطرقت إلى كل هذه المسائل في البحث، وكذلك أثرنا مدى اشتراط القبض قبل التصرف في المبيع، حيث ثار في المسألة الأخيرة خلاف كبير على ثلاثة اتجاهات، يتفرع من كل اتجاه آراء فرعية من الصفحة الواحدة والأربعين إلى الواحدة والخمسين. وقد انتهينا إلى ترجيح جواز التصرف في المبيع قبل القبض، وأن هذا هو الأصل، وأن الأصل هو ذلك الجواز لأن العقد الناقل هو الإِيجاب والقبول لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ . ولأدلة كثيرة ذكرتها، ولكن يستثنى من هذا الأصل الطعام لأحاديث صحيحة واردة فيه، وهذا رأي جماعة من الفقهاء. وقد أثرت كذلك أثر القبض في العقود الفاسدة وذكرت آراء الفقهاء في هذه المسألة واتجاهاتهم الثلاثة بالإِضافة إلى التطرق إلى آراء الفقهاء في المقبوض على سوم الشراء أو على النظر أو الرهن. تلك هي خلاصة بحثي المتواضع عفا الله عن صاحبه، وغفر له إن وقع فيه خلل أو زلل، وجعل كل أعمالي وأعمالكم خالصة لوجهه الكريم، فإن كان صوابا فمن الله وفضه ومَنَّه ورحمته وإلا فعذري أنني بذلك كل ما في وسعي ولم آلُ جهدا، وشكرا لاستماعكم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وشكرا.

стр. 8435

الشيخ محمد رضا عبد الجبار العاني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. الحقيقة أني أشكر الأخ الشيخ القره داغي على هذا العرض، لكن وقفت عند تعريفه للقبض، وفي الحقيقة في الصفحة الثالثة عشرة، لا أدري كيف نسي من تعريفه القبض الحقيقي؟ إنما التخلية قبض حكمي، والتناول والأخذ هو القبض الحقيقي. فقد عرف القبض بأنه هو التخلية بين العاقد والمعقود عليه على وجه يتمكن من التسلم بلا مانع ولا حائل حسب العرف. طيب، القبض الحقيقي هو التناول، فكيف لم يدخله في التعريف؟ إنما التخلية هي قبض حكمًا نعم، وليست قبضا حقيقةً، ولكن اعتبرها العلماء اعتبار الحقيقي في الأحكام، فرتبوا عليها ما قالوه. ولذلك يكون كلامه الذي قاله بعد هذا: "هذا هو حقيقة القبض في نظرنا" هذا الكلام ليس مسلمًا، إنما القبض الحقيقي هو الأخذ والتناول باليد، أما التخلية فهي قبض حكمًا. أرجو المعذرة، وشكرا.

стр. 8436

الشيخ وهبه مصطفى الزحيلي: بسم الله الرحمن الرحيم ... وبعد: لا شك بأن هذه البحوث غنية ومفيدة وشاملة لكل ما يتعلق بالقبض، ولكن ينقصها شيء واحد وهو التطبيق الفعلي لبعض حالات القبض المعاصرة. فأما مجرد الإِحالة على العرف، والسادة، والدكتور محيي الدين القره داغي بالذات يتولى الإِجابة حول هذا الموضوع إذا أحلنا القضية على العرف، فعرف اليوم في المعاملات المصرفية معقد وكثير ومتنوع، فهل مجرد إحالة ابن القيم الموضوع على التعرف يُقِرُّ به عرفنا اليوم؟ عرف الماضين ليس كعرف الحاضرين، فهناك بالذات العقود التي نتعامل بها عند الصرافين، وهي أن نصرف مبلغًا من المال ثم نطالب الصراف بأن يحيل هذا المبلغ إلى أمريكا أو إنجلترا لأولادنا في الجامعات أو غيرها أو إلى بلد عربي، فهل مجرد أخذ الوصل من الصراف يعد قبضًا ينوب عن القبض المقرر شرعًا في الرويات؟ هذه مشكلة يُسأل عنها كثيرًا نريد أن نتعايش مع واقع الناس. فالحوالات، هل مجرد قبض هذه الأوراق يعد قبضًا؟ خصوصًا في الربويات التي تتطلب القبض الفعلي، وعندئذٍ نخرج من المأزق، مأزق الوقوع في الحكم والواقع لا يرحمنا، فمثل هذه الأمور جارية في الواقع، قضية الصرف مع وكالة بتحويل المبلغ، وعندئذٍ لا يتم لا صرف ولا غيره، لا يتم قبض صحيح في الواقع، ثم أيضا أداة القبض تغيرت، فهناك أمور كانت تباع بالكيل ثم أصبحت تباع بالوزن، فهل القبض المقرر والمعتبر شرعًا في عصرنا هو الأداة الحديثة؟ أغلب الأمور الآن في العالم العربي والإسلامي لم يعد فيها القبض كما كان في الماضي خصوصًا الحبوب وهي الكيل، إجراء الكيل كما نص الحديث النبوي، وإنما الذي يتم هو الوزن، يزن بالقنطار أو بالكيلو أو بالقبان أو بغير ذلك، إذن أداة القبض، أيضا، تغيرت، فمثل هذه القضايا الحديثة نحن لا نكتفي فيها بمجرد الإِحالة على العرف.

стр. 8437

الشيخ نزيه كمال حماد: بسم الله الرحمن الرحيم. أحب أن أعرض لأمر وهو أن الأخذ العارض للبحوث قد فاته، بحسن نيَّة أن يقدم ثمرة البحث الذي أعددته وهو التطبيقات الفقهية المعاصرة للقبض الحكمي للأموال باعتبار أن الجانب الأساسي في البحث هو قضية القبض الحكمي للأموال لذلك أحب أن أقدم خلاصة في قضية التطبيقات الفقهية المعاصرة للقبض الحكمي للأموال وفيها إجابة على بعض التساؤلات التي تفضل بها بعض الزملاء، ومنهم الأستاذ السالوس. ذلك أنه في ضوء ما عرضت، وهو موجود بين أيديكم، من أقاويل الفقهاء وأنظارهم، في قبول وتسويغ واعتبار القبض الحكمي التقديري للأموال شرعا، وترتيب الأحكام الشرعية للقبض الحقيقي عليه، في الصور والحالات التي بينتها بتفصيل، يمكننا تخريج بعض الفروع والمسائل المستجدة التي يجري بها التعامل في المصارف وبيوت التمويل المعاصرة، وبناء أحكامها على قاعدة القبض الحكمي للأموال، وذلك على النحو الآتي: أولا: يعتبر القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل المستفيد، إذا أودعه في حسابه شخص آخر أو جعله فيه بحوالة مصرفية، قبضًا حكميًّا من المستفيد صاحب الحساب وتبرأ ذمة الدافع بذلك إذا كان مدينا له به. ثانيا: إذا كان للعميل حساب لدى مصرف بعملة ما، فأمر المصرف بقيد مبلغ منه في حسابه بعملة أخرى بناء على عقد صرف ناجز تم بينه وبين المصرف، واستيفاء المبلغ الذي اشترى به من حسابه، فيعتبر القيد المصرفي المعجل بالعملة المشتراة قبضًا حكميًّا من قبل العميل الآمر، ويعتبر الاقتطاع الناجز من قبل المصرف للبدل من حساب العميل قبضا حكميا له من المصرف، ويعد مجموع ذلك بمثابة التقابض بين البدلين في الصرف، وإن اتَّحدت يد القابض والمقبض حسًّا. ثالثا: إذا اشترى شخص نقدا من مصرف بنقد آخر، فدفع إليه البدل وأخذ منه في المجلس شيكا بعوضه من النقد الآخر مسحوبا على البنك المراسل للمصدر، فيعتبر قبضه للشيك قبضا حكميا لمضمونه، ويكون ذلك بمنزلة التقابض في البدلين قبل التفرق. رابعا: إذا اشترى شخص نقدا من مصرف بنقد آخر فدفع إليه البدل وأرسل المصرف، بناء على طلب المشتري، برقية (تلكس) إلى بنكه المراسل يأمره فيها بدفع العوض من النقد الآخر لحساب المشتري أو لحساب مستفيد آخر لدى مصرف ثالث، فيعتبر أمر المصرف الناجز (بالتلكس) لبنكه المراسل بأداء بدل الصرف حالًّا، إقباضًا حكميًّا للمشتري، وينزل التعامل بتلك الكيفية منزلة التقابض الناجز بين البدلين في الصرف.

стр. 8438

خامسا: إذا تصارف العميل مع المصرف الذي له فيه حساب، فأمر المصرف باقتطاع البدل الذي اشترى به من حسابه، وتسلم من المصرف شيكا بالنقد الذي اشتراه مسحوبًا على البنك المراسل للمصرف الذي أصدره، فيعتبر اقتطاع المصرف الناجز لبدل الصرف من حسابه قبضًا حكميًّا للبدل من العميل المشتري، ويعتبر تسلم العميل (الشيك) قبضًا حكميًّا لمضمونه وإذا تمَّ ذلك في المجلس فإنه يعد بمثابة التقابض في البدلين قبل التفرق. سادسا: إذا اشترى شخص من مصرف نقدا بنقد آخر، وكان المشتري حساب لدى مصرف آخر بنفس العملة التي باعها، فأعطاه أمرا برقيًّا ناجزا (تلكس) بتحويل المبلغ الذي باعه للمصرف الذي اشتراه منه أو لمن ينوب عنه، ثم قبض المشتري في المجلس (شيكا) بمضمون البدل الذي اشتراه من المصرف المشتري أو قيده المصرف في حسابه لديه أو أرسل المصرف برقية (تلكس) لبنكه المراسل يأمره حالا بتحويل ذلك المبلغ لحساب المشتري أو لحساب مستفيد آخر طلب المشتري الدفع إليه في مصر ثالث، فيعتبر ذلك كله إقباضا حكميا للنقد الأول من المشتري للمصرف، وللنقد الآخر من المصرف للمشتري، وينزل التعامل بهذه الكيفية منزلة التقابض الناجز بين البدلين في الصرف. هذا ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام قرار مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي لرابطة العالم الإِسلامي في دورته الحادية عشرة المنعقدة في مكة المكرمة في ١٦ رجب ١٤٠٩ هـ في بعض التطبيقات المعاصرة للقبض الحكمي للأموال، حيث نظر في موضوع صرف النقود في المصارف هل يستغنى فيه عن القبض (بالشيك) الذي يتسلمه مريد التحويل؟ ثم هل يكتفي بالقيد في دفاتر المصرف عن القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى مودعة في المصرف؟ وبعد البحث والدراسة قرر المجلس بالإِجماع ما يلي: الرئيس: بالأكثرية وما أتي بالقرار من الإِجماع غلط. المنشور جاء فيه (بالإِجماع) لكنه غلط بل هو بالأكثرية. الشيخ نزيه حماد: نعم ... إذن هو بالأكثرية. أولا: يقوم تسلم الشيك مقام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود في المصارف. ثانيا: يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض، لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى، سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف أو بعملة مودعة فيه. وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وشكرا.

стр. 8439

الدكتور درويش جستنيه: بسم الله الرحمن الرحيم. معالي الرئيس، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الواقع أنه لقد سبقني الأستاذ عبد اللطيف الجناحي فيما يتعلق بكثير من صور التجارة الدولية. وفي الحقيقة أريد أن أختصر وأريد أن أقترح اقتراحا، أما فيما يتعلق بالاختصار فهو أن التجارة الدولية في هذه الأيام تمتاز بالسرعة – كما قال – وتمتاز أيضا بتقلب الأسعار، فكي يستفيد المشتري من تقلب الأسعار وهي فورية بين منطقة في طرف العالم ومنطقة أخرى في طرف العالم الآخر، فإنه بهذه السرعة يستطيع أن يحصل بل إنه يبيع قبل أن يشتري. فإذن هناك عدد من الصور وأنا أقترح أن توكل للبنوك الإِسلامية فرصة لجمع عدد من الصور الرئيسية التي يمكن أن تعرض على المجلس حتى يتخذ فيها قرارات منفردة، لأنه ليست فقط السلع التي يقع بها التعامل ولكن الخدمات تباع أيضا، وتباع من الباطن. وهذه مسألة مهمة وعلى مستوى العالم وتطبق في كثير من البلاد الإِسلامية. البيع للسلعة أو للخدمة من الباطن من قبل الاستلام أو من بعده أنا أعرف حالات السوق العالمية، مثلا تجارة الإِسمنت: يبيع الإِسمنت على شركات قبل أن يشتريه من المصدر لأنه يريد أن يتأكد من أنه يحصل على كمية كبيرة من أطنان الإِسمنت بسعر معين في ميناء معين في وقت معين، وهذه حالات تمت وأعرف عنها، فإذن أقول: إنه لا بد لكي يقر المجمع مسائل محددة أن ينهج كما نهج البنك الإِسلامي للتنمية حيث أعطى للمجمع صورا محددة للتعامل وطلب رأيه فيها. وقد سبق للمجمع أن أصدر فتاوى للبنك الإِسلامي للتنمية في مثل هذه القضايا. فالتقابض بشكل عام ربما يهم، في التصور، الأكادميين أو رجال الشريعة لكن في التطبيق العملي لرجال الأعمال أو للبنكيين أو الاقتصاديين تكون المسألة أصعب من ذلك بكثير. ولذلك أقترح على المجلس راجيا منه على أن مثل هذه الموضوعات يوضع لها عدد من الصور وتعرض في لجان متخصصة ثم تعرض في النهاية على المجلس. وشكرا.

стр. 8440

الشيخ المختار السلامي: بسم الله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله. المواضيع التي طرحت اليوم على بساط النظر. والتي أعتقد أن من أعقد القضايا فيها هي التسوية بين الطعام وغيره وهل كل المبيعات لا يجوز بيعها إلا بعد أن تقبض فعلا؟ أو أن هذا خاص بالطعام؟ ووقع الحديث في الاستناد إلى الأحاديث التي رويت عن الرسول ﷺ ، والصحيح منها هو تخصيصه بالطعام. وقيل: إنه يستفاد أن غير الطعام يجوز بيعه قبل قبضه اعتمادا على المفهوم، وأعتقد أن المفهوم هنا هو مفهوم اللقب. ومفهوم اللقب لم يقل به إلا الدقائق. ولكن غير المنطوق مسكوت عنه، والمسكوت عنه داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فجميع صور البيع هي حلال إلا ما دل الدليل على تحريمه، والتحريم ضبط في بعض القضايا كقضايا عين، وضبط بقرائن، ومن ذلك الغرر والغرر يختلف باختلاف الأزمنة، فتطور التجارة العالمية اليوم وما تم بين التجار في أنحاء العالم نفى كثيرا من الغرر عن أنواع كثيرة من البيوعات وهو ما يجعل أنه لا يتجاوز بالنص غيره إلا في الحدود التي يتحقق فيها الغرر فعلا، ذلك أن الغرر هو يؤدي إلى الخصومة وتؤدي الخصومة إلى النزاع وتفريق شمل المسلمين. واليوم تقع هذه البياعات دون أن يترتب عليها أي غرر من ناحية، ومن ناحية أخرى لا تدخل تحت قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ . بقي: لماذا خصص الطعام؟ خصص الطعام لأمر واضح، وهو ما ينادي به كل الناس اليوم، بالأمن الغذائي، فإن التقابض في الطعام يجعل الطعام ظاهرا بين أعين الناس ينتقل من مكان إلى مكان وتجري فيه المكاييل ويطمئن الناس إلى وجوده. فإذا وقعت فيه المضاربات وبيع بدون أن ينظر الناس إليه تلهف الناس على وجود الطعام ......... في النقد وفي الطعام، خصت الشريعة الطعام والنقد بأحكام لم تخص أو لم تعطها أو لم تعممها لغير الطعام والنقد لما بيناه فلم تبح أي عبث في النقد باعتبار أنه هو القيم التي يعود إليها البشر فلا يجوز أن يقع فيها عبث. فاحتاطت الشريعة في النقود واحتاطت الشريعة في الطعام، وأما في غيره فلا أرى أنه يجري فيه ما يجري على الطعام، وخاصة أننا نجد أن الفقهاء لما تحدثوا على البيع على البرنامج والبيع على الصفة هم كلهم استدلوا واستندوا لمن أجاز هذه الأنواع من البيوع، استندوا إلى أنه لا يقع فيها غرر ولا خصومة.
следующие страницы →