الشيخ وهبه مصطفى الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم ... وبعد: لا شك بأن هذه البحوث غنية ومفيدة وشاملة لكل ما يتعلق بالقبض، ولكن ينقصها شيء واحد وهو التطبيق الفعلي لبعض حالات القبض المعاصرة. فأما مجرد الإِحالة على العرف، والسادة، والدكتور محيي الدين القره داغي بالذات يتولى الإِجابة حول هذا الموضوع إذا أحلنا القضية على العرف، فعرف اليوم في المعاملات المصرفية معقد وكثير ومتنوع، فهل مجرد إحالة ابن القيم الموضوع على التعرف يُقِرُّ به عرفنا اليوم؟ عرف الماضين ليس كعرف الحاضرين، فهناك بالذات العقود التي نتعامل بها عند الصرافين، وهي أن نصرف مبلغًا من المال ثم نطالب الصراف بأن يحيل هذا المبلغ إلى أمريكا أو إنجلترا لأولادنا في الجامعات أو غيرها أو إلى بلد عربي، فهل مجرد أخذ الوصل من الصراف يعد قبضًا ينوب عن القبض المقرر شرعًا في الرويات؟ هذه مشكلة يُسأل عنها كثيرًا نريد أن نتعايش مع واقع الناس. فالحوالات، هل مجرد قبض هذه الأوراق يعد قبضًا؟ خصوصًا في الربويات التي تتطلب القبض الفعلي، وعندئذٍ نخرج من المأزق، مأزق الوقوع في الحكم والواقع لا يرحمنا، فمثل هذه الأمور جارية في الواقع، قضية الصرف مع وكالة بتحويل المبلغ، وعندئذٍ لا يتم لا صرف ولا غيره، لا يتم قبض صحيح في الواقع، ثم أيضا أداة القبض تغيرت، فهناك أمور كانت تباع بالكيل ثم أصبحت تباع بالوزن، فهل القبض المقرر والمعتبر شرعًا في عصرنا هو الأداة الحديثة؟ أغلب الأمور الآن في العالم العربي والإسلامي لم يعد فيها القبض كما كان في الماضي خصوصًا الحبوب وهي الكيل، إجراء الكيل كما نص الحديث النبوي، وإنما الذي يتم هو الوزن، يزن بالقنطار أو بالكيلو أو بالقبان أو بغير ذلك، إذن أداة القبض، أيضا، تغيرت، فمثل هذه القضايا الحديثة نحن لا نكتفي فيها بمجرد الإِحالة على العرف.
стр. 8437
الشيخ نزيه كمال حماد:
بسم الله الرحمن الرحيم.
أحب أن أعرض لأمر وهو أن الأخذ العارض للبحوث قد فاته، بحسن نيَّة أن يقدم ثمرة البحث الذي أعددته وهو التطبيقات الفقهية المعاصرة للقبض الحكمي للأموال باعتبار أن الجانب الأساسي في البحث هو قضية القبض الحكمي للأموال لذلك أحب أن أقدم خلاصة في قضية التطبيقات الفقهية المعاصرة للقبض الحكمي للأموال وفيها إجابة على بعض التساؤلات التي تفضل بها بعض الزملاء، ومنهم الأستاذ السالوس. ذلك أنه في ضوء ما عرضت، وهو موجود بين أيديكم، من أقاويل الفقهاء وأنظارهم، في قبول وتسويغ واعتبار القبض الحكمي التقديري للأموال شرعا، وترتيب الأحكام الشرعية للقبض الحقيقي عليه، في الصور والحالات التي بينتها بتفصيل، يمكننا تخريج بعض الفروع والمسائل المستجدة التي يجري بها التعامل في المصارف وبيوت التمويل المعاصرة، وبناء أحكامها على قاعدة القبض الحكمي للأموال، وذلك على النحو الآتي:
أولا: يعتبر القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل المستفيد، إذا أودعه في حسابه شخص آخر أو جعله فيه بحوالة مصرفية، قبضًا حكميًّا من المستفيد صاحب الحساب وتبرأ ذمة الدافع بذلك إذا كان مدينا له به.
ثانيا: إذا كان للعميل حساب لدى مصرف بعملة ما، فأمر المصرف بقيد مبلغ منه في حسابه بعملة أخرى بناء على عقد صرف ناجز تم بينه وبين المصرف، واستيفاء المبلغ الذي اشترى به من حسابه، فيعتبر القيد المصرفي المعجل بالعملة المشتراة قبضًا حكميًّا من قبل العميل الآمر، ويعتبر الاقتطاع الناجز من قبل المصرف للبدل من حساب العميل قبضا حكميا له من المصرف، ويعد مجموع ذلك بمثابة التقابض بين البدلين في الصرف، وإن اتَّحدت يد القابض والمقبض حسًّا.
ثالثا: إذا اشترى شخص نقدا من مصرف بنقد آخر، فدفع إليه البدل وأخذ منه في المجلس شيكا بعوضه من النقد الآخر مسحوبا على البنك المراسل للمصدر، فيعتبر قبضه للشيك قبضا حكميا لمضمونه، ويكون ذلك بمنزلة التقابض في البدلين قبل التفرق.
رابعا: إذا اشترى شخص نقدا من مصرف بنقد آخر فدفع إليه البدل وأرسل المصرف، بناء على طلب المشتري، برقية (تلكس) إلى بنكه المراسل يأمره فيها بدفع العوض من النقد الآخر لحساب المشتري أو لحساب مستفيد آخر لدى مصرف ثالث، فيعتبر أمر المصرف الناجز (بالتلكس) لبنكه المراسل بأداء بدل الصرف حالًّا، إقباضًا حكميًّا للمشتري، وينزل التعامل بتلك الكيفية منزلة التقابض الناجز بين البدلين في الصرف.
стр. 8438
خامسا: إذا تصارف العميل مع المصرف الذي له فيه حساب، فأمر المصرف باقتطاع البدل الذي اشترى به من حسابه، وتسلم من المصرف شيكا بالنقد الذي اشتراه مسحوبًا على البنك المراسل للمصرف الذي أصدره، فيعتبر اقتطاع المصرف الناجز لبدل الصرف من حسابه قبضًا حكميًّا للبدل من العميل المشتري، ويعتبر تسلم العميل (الشيك) قبضًا حكميًّا لمضمونه وإذا تمَّ ذلك في المجلس فإنه يعد بمثابة التقابض في البدلين قبل التفرق.
سادسا: إذا اشترى شخص من مصرف نقدا بنقد آخر، وكان المشتري حساب لدى مصرف آخر بنفس العملة التي باعها، فأعطاه أمرا برقيًّا ناجزا (تلكس) بتحويل المبلغ الذي باعه للمصرف الذي اشتراه منه أو لمن ينوب عنه، ثم قبض المشتري في المجلس (شيكا) بمضمون البدل الذي اشتراه من المصرف المشتري أو قيده المصرف في حسابه لديه أو أرسل المصرف برقية (تلكس) لبنكه المراسل يأمره حالا بتحويل ذلك المبلغ لحساب المشتري أو لحساب مستفيد آخر طلب المشتري الدفع إليه في مصر ثالث، فيعتبر ذلك كله إقباضا حكميا للنقد الأول من المشتري للمصرف، وللنقد الآخر من المصرف للمشتري، وينزل التعامل بهذه الكيفية منزلة التقابض الناجز بين البدلين في الصرف.
هذا ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام قرار مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي لرابطة العالم الإِسلامي في دورته الحادية عشرة المنعقدة في مكة المكرمة في ١٦ رجب ١٤٠٩ هـ في بعض التطبيقات المعاصرة للقبض الحكمي للأموال، حيث نظر في موضوع صرف النقود في المصارف هل يستغنى فيه عن القبض (بالشيك) الذي يتسلمه مريد التحويل؟ ثم هل يكتفي بالقيد في دفاتر المصرف عن القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى مودعة في المصرف؟ وبعد البحث والدراسة قرر المجلس بالإِجماع ما يلي:
الرئيس:
بالأكثرية وما أتي بالقرار من الإِجماع غلط. المنشور جاء فيه (بالإِجماع) لكنه غلط بل هو بالأكثرية.
الشيخ نزيه حماد:
نعم ... إذن هو بالأكثرية.
أولا: يقوم تسلم الشيك مقام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود في المصارف.
ثانيا: يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض، لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى، سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف أو بعملة مودعة فيه.
وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وشكرا.
стр. 8439
الدكتور درويش جستنيه:
بسم الله الرحمن الرحيم.
معالي الرئيس، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الواقع أنه لقد سبقني الأستاذ عبد اللطيف الجناحي فيما يتعلق بكثير من صور التجارة الدولية. وفي الحقيقة أريد أن أختصر وأريد أن أقترح اقتراحا، أما فيما يتعلق بالاختصار فهو أن التجارة الدولية في هذه الأيام تمتاز بالسرعة – كما قال – وتمتاز أيضا بتقلب الأسعار، فكي يستفيد المشتري من تقلب الأسعار وهي فورية بين منطقة في طرف العالم ومنطقة أخرى في طرف العالم الآخر، فإنه بهذه السرعة يستطيع أن يحصل بل إنه يبيع قبل أن يشتري. فإذن هناك عدد من الصور وأنا أقترح أن توكل للبنوك الإِسلامية فرصة لجمع عدد من الصور الرئيسية التي يمكن أن تعرض على المجلس حتى يتخذ فيها قرارات منفردة، لأنه ليست فقط السلع التي يقع بها التعامل ولكن الخدمات تباع أيضا، وتباع من الباطن.
وهذه مسألة مهمة وعلى مستوى العالم وتطبق في كثير من البلاد الإِسلامية. البيع للسلعة أو للخدمة من الباطن من قبل الاستلام أو من بعده أنا أعرف حالات السوق العالمية، مثلا تجارة الإِسمنت: يبيع الإِسمنت على شركات قبل أن يشتريه من المصدر لأنه يريد أن يتأكد من أنه يحصل على كمية كبيرة من أطنان الإِسمنت بسعر معين في ميناء معين في وقت معين، وهذه حالات تمت وأعرف عنها، فإذن أقول: إنه لا بد لكي يقر المجمع مسائل محددة أن ينهج كما نهج البنك الإِسلامي للتنمية حيث أعطى للمجمع صورا محددة للتعامل وطلب رأيه فيها. وقد سبق للمجمع أن أصدر فتاوى للبنك الإِسلامي للتنمية في مثل هذه القضايا. فالتقابض بشكل عام ربما يهم، في التصور، الأكادميين أو رجال الشريعة لكن في التطبيق العملي لرجال الأعمال أو للبنكيين أو الاقتصاديين تكون المسألة أصعب من ذلك بكثير. ولذلك أقترح على المجلس راجيا منه على أن مثل هذه الموضوعات يوضع لها عدد من الصور وتعرض في لجان متخصصة ثم تعرض في النهاية على المجلس. وشكرا.
стр. 8440
الشيخ المختار السلامي:
بسم الله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله. المواضيع التي طرحت اليوم على بساط النظر. والتي أعتقد أن من أعقد القضايا فيها هي التسوية بين الطعام وغيره وهل كل المبيعات لا يجوز بيعها إلا بعد أن تقبض فعلا؟ أو أن هذا خاص بالطعام؟ ووقع الحديث في الاستناد إلى الأحاديث التي رويت عن الرسول ﷺ ، والصحيح منها هو تخصيصه بالطعام. وقيل: إنه يستفاد أن غير الطعام يجوز بيعه قبل قبضه اعتمادا على المفهوم، وأعتقد أن المفهوم هنا هو مفهوم اللقب. ومفهوم اللقب لم يقل به إلا الدقائق. ولكن غير المنطوق مسكوت عنه، والمسكوت عنه داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فجميع صور البيع هي حلال إلا ما دل الدليل على تحريمه، والتحريم ضبط في بعض القضايا كقضايا عين، وضبط بقرائن، ومن ذلك الغرر والغرر يختلف باختلاف الأزمنة، فتطور التجارة العالمية اليوم وما تم بين التجار في أنحاء العالم نفى كثيرا من الغرر عن أنواع كثيرة من البيوعات وهو ما يجعل أنه لا يتجاوز بالنص غيره إلا في الحدود التي يتحقق فيها الغرر فعلا، ذلك أن الغرر هو يؤدي إلى الخصومة وتؤدي الخصومة إلى النزاع وتفريق شمل المسلمين. واليوم تقع هذه البياعات دون أن يترتب عليها أي غرر من ناحية، ومن ناحية أخرى لا تدخل تحت قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ . بقي: لماذا خصص الطعام؟ خصص الطعام لأمر واضح، وهو ما ينادي به كل الناس اليوم، بالأمن الغذائي، فإن التقابض في الطعام يجعل الطعام ظاهرا بين أعين الناس ينتقل من مكان إلى مكان وتجري فيه المكاييل ويطمئن الناس إلى وجوده. فإذا وقعت فيه المضاربات وبيع بدون أن ينظر الناس إليه تلهف الناس على وجود الطعام ......... في النقد وفي الطعام، خصت الشريعة الطعام والنقد بأحكام لم تخص أو لم تعطها أو لم تعممها لغير الطعام والنقد لما بيناه فلم تبح أي عبث في النقد باعتبار أنه هو القيم التي يعود إليها البشر فلا يجوز أن يقع فيها عبث. فاحتاطت الشريعة في النقود واحتاطت الشريعة في الطعام، وأما في غيره فلا أرى أنه يجري فيه ما يجري على الطعام، وخاصة أننا نجد أن الفقهاء لما تحدثوا على البيع على البرنامج والبيع على الصفة هم كلهم استدلوا واستندوا لمن أجاز هذه الأنواع من البيوع، استندوا إلى أنه لا يقع فيها غرر ولا خصومة.
стр. 8441
ما تفضل به صديقنا الفاضل الدكتور نزيه حماد يؤكده هو أن العملات تتذبذب تذبذبا كبيرا ولا يكاد يوم يمر دون أن تتغير قيمة العملة، لكن إذا وقع القيد أو وقع الشيك أو تم، فإن القيمة لا تتغير بمعنى أن الشيء أصبح باتا، ولذلك اعتبرت هذه التصرفات كلها قبضا، باعتبار أن الإِنسان إذا قبض شيئا دخل في ذمته ولا يتغير ما عنده، والتغير إذا كان للأسفل هو الذي يخسر، وإذا كان للأعلى هو الذي يربح، فكذلك إذا وقعت في هذه القيود البنكية، وبناء على هذا فبيع السلع في البحر وتداول البيوعات عليها إذا انتفى فيها الغرر وانتفى فيها موجب الخصومة فإنه تيسير على الناس يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ . وما كان يقع فيها من الغرر في السابق حسب السنن التي جرت عليها التجارة العالمية اليوم ذهبت كل تلك الأنواع من التغرير ومن الغرر، وإن كان يقع فيها بعض أشياء قليلة إلا أنها تلغى، وهي كشأن النقود فالنقود فيها الزائف ولكن الزائف قليل، وهذا القليل يعتبر لاغيا ولا ينظر إليه لأنه أقل من القليل وكذلك هذه الصفقات التي تقع. وعلى كل بجانبنا هنا الاقتصاديون فهل يعلمون أن البيع على هذا وقع فيه غرر وخصومات؟ فإن كان وقع فيه خصومات ووقع فيه غرر كثير أو انتشر أو مما يخشى منه فأنا أسحب هذا الرأي، وشكرا والسلام عليكم.
стр. 8442
الدكتور رفيق يونس المصري:
بسم الله الرحمن الرحيم:
الحقيقة أن هذه المسألة المعروضة في هذا المساء (القبض) بدت لي من أهم المسائل المعروضة على هذه الدورة من الناحية الاقتصادية ولدى اطلاعي على الأوراق المقدمة في الموضوع أنا أثني على ما قاله الرئيس وقاله أيضا غيره بأن هذه الأوراق كما بدت لي تنقسم قسمين وهذا ربما يكون فيه فائدة لما يستقبل من الزمان في الدورات القادمة إن شاء الله، فورقة أستاذنا الدكتور الصديق الأمين تحدث فيها عن البيع قبل القبض وبدا لي أن هذا الموضوع مختلف عن عنوان البحث (القبض وصوره وبخاصة المستحدثة منها) وقد ردنا في هذه الورقة إلى ما ذكره في كتابه القيم "الغرر وأثره في العقود"، ونحن نتمنى في الواقع، بالنسبة للمستقبل أن تكون الأوراق جديدة، وأن تكون هذه الأوراق أيضا على الأقل مكيفة بحسب الموضوع المعروض، اللهم إلا في نهاية بحثه في الورقتين الأخيرتين ربما تعرض فيهما إلى شيء عن القبض كما يجري في المصارف الإِسلامية، وربما يكون هذا الموضوع أيضا متعلقا بالقبض هل يحدث أم لا يحدث؟ وهذا الموضوع أيضا بدا لي أنه مختلف عن موضوع صور القبض المعروض في هذه الدورة، وهناك أيضا أوراق أخرى دخلت مدخلا يبدو لي أن هذا المدخل أفضل وهو مدخل التعرض إلى صور القبض القديمة، ولكن كنا نتمنى من الإِخوة الكرام أن يمهدوا بهذا المدخل وأن يستفيضوا في الصور المستحدثة لكننا عندما وصلنا إلى الصور المستحدثة، كلوا وملوا وانقطع النفس، وأيضا هناك أستثني ورقة واحدة في الواقع ورقة الشيخ ابن منيع ولعله غائب عن مجلسنا هذا، تعرض فيها إلى مسألة محددة وقد سبق عرضها على مجمع مكة واتخذ فيها قرارا ذكره في نهاية ورقته وما أرى أن هذه الأوراق ما لم تتعرض له أن الصور المستجدة وإن جاء ذكرها في هذه الأوراق إلا أنها في الواقع تحتاج إلى مزيد من المناقشة فأعطي أمثلة كما حضرت لي في الذاكرة: مثلا لم تبين أي ورقة من هذه الأوراق الفرق بين التقابض والحلول في مسألة الربويات هل نكتفي بالحلول أم لا بد من التقابض لا سيما في الأموال الربوية؟ أيضا حتى القرار الذي نقل عن مجمع مكة، ما أدري ربما نحن يكون لنا نظر جديد في الموضوع (فالشيك) كما تعلمون وكما ذكر في هذه الجلسة أحيانا يكون (شيكا) مؤجلا وليس (شيكا) حالًّا فهل نعتبر قبضه كقبض النقود؟ المسألة فيها نظر كبير ثم أيضا حتى (الشيك) الحال الذي نستطيع صرفه في الحال هذا يحتاج أيضا إلى مدة قد يكون (شيكا) داخليا وقد يكون (شيكا) خارجيا وقد ينقضي وقت منذ قبض الشيك فهل أيضا هذا نلحقه ونقول عنه إنه تقابض حكمي؟ ما جرت عليه بعض الأوراق في الواقع أنها صنفت هذا القبض إلى نوعين: حقيقي وحكمي، ثم ألحقت على استعجال كل الصور المعاصرة بالحكمي دون مناقشة مستفيضة للموضوع. أنا في الحقيقة أقترح على المجمع أن تحصر الصور المستجدة كما سبق لنا في بحث بيع التقسيط، وأن تناقش واحدة واحدة وما أدري في الواقع هل هذه المناقشات التي بين أيدينا نستطيع بالاستناد إليها أن يتخذ فيها المجمع قرارا أم لا؟ وأيضا الصور القادمة أنا أطالب الحقيقة الأستاذ الجناحي وأمثاله من الإخوة الكرام أن يوافقوا بها المجمع قبل مدة كافية وأن تعرض هذه الصور تحت أنظار الفقهاء والباحثين الاقتصاديين كي تكون الأوراق المقدمة في الواقع أقرب إلى موضوع الندوة وشكرا وأعتذر عن الإِطالة. شكرا.
стр. 8443
الشيخ نظام الدين عبد الحميد:
بسم الله الرحمن الرحيم:
لي كلمة مختصرة على تعليق الأستاذ الجليل الشيخ الضرير ذكر أن الحكم المبني على الحديث لا يتغير بالعرف هذا صحيح إذا لم يكن حكم الحديث مبنيا على العرف، أما إذا كان الحكم مبنيا على العرف فإن الحكم يتغير بتغير العرف وهذا ما ذكره أبو يوسف وموجود هذا القول في فتح القدير بشرح ابن الهمام وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 8444
الدكتور عبد السلام داود العبادي:
بسم الله الرحمن الرحيم:
سأختصر اكتفاء بما دار من تعليقات وخاصة ما يتعلق بالاهتمام بالصور الحديثة لكن أقول بصفة عامة: إن البحوث قد أنجزت قدرا كبيرا من المطلوب في مجال تأصيل القواعد وفي ظني الحكم على الصور الحديثة يحتاج إلى تأصيل واضح للقواعد، ومن القضايا التي يجب أن تولى اهتماما بالغا في هذا الموضوع موضوع الطعام وغيره هل يقصر الأمر على الطعام أم نتوسع به ليشمل كل شيء في مجال البيوع؟ ولعلنا في هذه الدورة ننجز قدرا من المطلوب في مجال تأصيل القواعد وفيما يتعلق في هذه القضية قضية تمييز الطعام عن غيره في هذا المجال ما زالت القضية تحتاج إلى مزيد من التحديد والتوضيح والاعتماد فقط على أن النهي ورد في الأحاديث على موضوع الطعام وإهمال ما ورد برواية أخرى يقوي بعضها بعضا، يحتاج إلى مزيد من الإِيضاح في البيان وبخاصة أن مطالع بعض الأحاديث تشير إلى أنه كان هنالك تبايع في الطعام بالطريقة المخطوءة فلعل هذا هو السبب الذي جاء سياق الأحاديث فيه على النهي عن الطعام بالإِضافة إلى أهمية هذا الموضوع والتداول الواسع في ذلك الوقت بخصوص الطعام، ثم في ظني أن هنالك أحاديث أخرى لم تستقصَ في المسألة فلا في الواقع أن يتم نوع من الاستقصاء الكامل للأحاديث التي وردت في هذه المسألة لتكون بين أيدينا مخرجة من جميع طرقها ليكون حكمنا في هذه القضية واضحا مبنيا على مجمل ما ورد من أحاديث، ثم أشير في الواقع إلى الصور الحديثة، بالنسبة إلى الصور الحديثة لا بد أن ننتبه إلى طبائع العقود، هنا تفضل المجمع وأخذ قرارا واضحا بخصوص بيع المرابحة للآمر بالشراء للطبيعة الخاصة التي يمتاز بها هذا العقد نأيا به عن شبهة الربا أو الوقوع في الربا. ولذلك كان اشتراط القبض بهذا الاعتبار فلا بد في الواقع أن يلاحظ هذا الأمر بخصوص بيع المرابحة للآمر بالشراء، وقد أشرت إلى هذا عند الحديث عن موضوع التمويل العقاري كيف أننا يجب أن ننتبه بالنسبة لموضوع بيع الأراضي وفق هذا العقد إلى موضوع أن الأمر قد ينقلب إلى تمويل بحت بزيادة واضحة متفق عليها مسبقا مما يعني الوقوع في الربا فلذلك كان لي توجه في هذا المجال أن استثنيت مجموعة كبيرة من السلع من أن تقع تحت بيع المرابحة للآمر بالشراء وذلك لخللها أو لأن شرط الضمان يختل فيما يتعلق بها لأن كثيرا من السلع ومنها موضوع التيار الكهربائي – الذي أشار إليه – التيار الكهربائي هنالك جهة تصنع التيار الكهربائي وجهة توزعه فإذا جاءت الجهة الموزعة وطلبت من البنك الإٍِسلامي المؤسسة الاستثمارية الإِسلامية أن يمول لها شراء التيار الكهربائي كيف يمكن أن نتصور القبض؟ وكيف يمكن أن نتصور الضمان واحتمالات الربح والخسارة في هذه الصورة؟ وإذا لم يكن هنالك تعرض لاحتمالات الربح والخسارة بيع المرابحة للآمر بالشراء ينقلب إلى تمويل ربوي بحت يجب أن يحذر منه، وهنالك قضية تحتاج أيضا للتجلية ولعلها تأتي في تأصيل القواعد وهي موضوع الضمان قبل القبض حتى نحدد بالذات ما يتعلق بموضوع الضمان، لأنه أساس حل بعض العقود المعاصرة كبيع المرابحة للآمر بالشراء، أنا أثني على الاقتراحات التي وردت بهذا الخصوص من حيث استقصاء الصور الشائعة في هذه الأيام للتعامل وتوصيفها توصيفا جيدا ثم وضعها بين يدي الفقهاء ليبين الحكم الشرعي على ضوء ما سيؤصل من قواعد في هذا المجال. وشكرا.
стр. 8445
الشيخ أحمد بن حمد الخليلي:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وشكرا لفضيلة الرئيس على إتاحة هذه الفرصة للكلام وإن كنت أكتفي في الكثير مما خطر في بالي لما سمعته من أصحاب الفضيلة المشائخ الذين أدلوا بملاحظاتهم وتعقيباتهم فكان فيه ما يغني عن تعقيبي خصوصا فيما يتعلق بالمعاملات التي استجدت وتحتاج إلى تصور تام، حتى يكون الحكم فيها وعليها حكما صحيحا لأن الحكم على الشيء فرع تصوره وإنما أردت أن أذكر شيئا مختصرا فيما يتعلق بقضية البيع قبل القبض هل هو خاص بالطعام أو هو شامل لغير الطعام؟ ولا ريب أن الخلاف كثير في هذه المسألة بين الفقهاء منذ القديم وإنما تراعى مقاصد الشريعة كما تراعى قواعد الشريعة في رد الجزئيات إليها، ومن مقاصد الشريعة السمحة سد أبواب الفساد، فلذلك نجد في كثير من الأحكام التي جاءت النصوص فيها ما يدل على أن قصد الشارع بها سد ذرائع الفساد وإن من أكبر الفساد الربا ولا ريب أن كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يشير إلى أن هذا النهي إنما كان لئلا يقع الناس في الربا ذلك دراهم بدراهم فقد يريد البائع في مثل هذه الحالة التوصل إلى صورة هي في الظاهر مجردة من الربا ولكن لحسم القصد هي منطوية على الربا لا يريد السلعة نفسها وإنما يريد أن يتوصل إلى الدراهم، وأنا سمعت من فضيلة الشيخ الأمين تعقيبا على فضيلة الشيخ الضرير في قوله بأنه لا يصح أن تجعل هذه الأحاديث التي جاءت ناصة في الطعام مانعا من الاستدلال بالأحاديث الأخرى، سمعت التعقيب، وفي هذا التعقيب ما معناه أنه لا ينبغي أن يقال ذلك لأن أحاديث الطعام متعددة والأحاديث الأخرى معدودة أحاديث قليلة – حديثان – وبجانب ذلك لا يخلوان من مقال، نعم هذا مسلم لو كان هناك تعارض ولكن ذكر الحكم الذي ورد للعموم في بعض الأفراد العام لا يخصص ذلك العموم، فينظر في تلكم الأحاديث أوفي ذينك الحديثين من حيث الصحة والضعف، ينظر من حيث الصحة والضعف لا من حيث جعل تلك الأحاديث التي وردت في الطعام معارضة لهذين الحديثين فترجح الأحاديث الكثيرة على الحديثين القليلين نظرا إلى أن الحكم إذا ورد في أمر خاص، وقد ورد عاما من قبل فإن ذكره لجزء من أجزاء العام أو فرد من أفراد العموم لا يخصص عمومه وإلا فقد وردت أحكام كثيرة في الكتاب وفي السنَّة عامة ثم وردت في نفس الوقت تلكم الأحكام نفسها في أفراد تلك العموم فضلا عن كون الاستدلال – كما قيل – بمفهوم اللقب وإن كان وردت رواية بلفظ "إنما"، ولكن قد يأتي هذا الحصر ولا يقصد به الحصر وإنما يقصد به التأكيد كحديث (إنما الربا في النسيئة) أو نحو ذلك. وشكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 8446
فضيلة الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:
ثلاثة نقاط فقط أريد أن أتحدث عنها اثنتان أمر عليهما مرورا سريعا والثالثة اسمحوا لي أن أقف عندها بعض الوقت.
* النقطة الأولى: ما علق عليه الدكتور حسن الأمين وشكرا للأخ الذي تحدث قبلي فقد أجاب عن هذه النقطة، والواقع أن الدكتور حسن قرأ بعض الكلام ولم يقرأ الباقي هي في صفحة تسعة والعبارة تؤدي تماما ما قاله الأخ الذي تحدث الآن أنا قلت: لا يصح تقديم حديث النهي عن بيع الطعام ولم أسكت على هذا وإنما قلت لأنه لا تعارض بينهما إذ لا مانع من ذكر الشيء بحكم وذكر بعضه بذلك الحكم فالعمل ممكن بكل هذه الأحاديث وهذه هي طريقة الفقهاء في الكلام على الأحاديث إذا كان التعارض لا يمكن إزالته في الحالة التي تؤدي إلى الترجيح فأنا آخذ الحديث القوي ونترك الحديث الذي دونه قوة، لكن إذا كان الجمع ممكنا فلا يطال إلى الترجيح على أنه يمكن أن الدكتور حسن أخذ كلمة (لا يصح) أخذها لوحدها وأشكره على هذا وأقول له: لو بدلناها بـ (لا يتعين تقديم حديث النهي) لعل هذا قد يرضيه.
* النقطة الثانية: أحد الإِخوة قال: لماذا حرم الضرير صورة الشراء بالتليفون؟! هذا لم يحدث بتاتا صحيح وردت كلمة تليفون في حديثي لكن ليس فيها تحريم هي هذه العبارة "والصورتان غير الصحيحتين إحداهما أن يتسلم الموظف الفاتورة المبدئية من طالب الشراء ويشتري السلعة للبنك حسب الفاتورة وقد يكون هذا الشراء بالتليفون"، وهذا جائز لم أقل إنه حرام أو مكروه، ثم يبرم عقد البيع مع طالب السلعة وهذا تقرير للواقع هذا هو ما حدث فليس في حديثي ما يدل على أن البيع بالتليفون حرام أو مكروه.
* النقطة الثالثة: التي أريد أن أقف عندها وهي ما وقف عندها طويلا الدكتور عارض الموضوع وأيده فيها الأستاذ مختار السلامي، الدكتور محيي الدين ذكر أني اعتمدت على أن هذا مبني على مفهوم المخالفة، أنا لم أذكر مفهوم المخالفة وإنما قلت (مفهوم) وقد أغناني الشيخ مختار وبين أن هذا مفهوم لقب. وقد ذكرت هذا في عبارة ابن القيم وهي عبارة واضحة وابن القيم يؤيدها وأنا مع ابن القيم في هذا، وهو أن هذا مفهوم اللقب ولا يؤخذ به، على أني لم أقف عند هذا، وذكرت أدلة أخرى، الدكتور محيي الدين ذكر أن هناك أحاديث صريحة تجوِّز البيع قبل القبض في غير الطعام وهذه نقطة مهمة لو ثبتت ودعاني إلى قراءة بحثه والواقع أني لم أقرأ هذا البحث لأنه سلم إلينا اليوم وقد اطلعت على الصفحات التي أشار إليها فلم أجد فيها دليلا: في صفحة ست وأربعين يقول:
стр. 8447
ومن جانب آخر إن الأدلة الصحيحة تدل على جواز إجراء بعض العقود على المبيع قبل القبض منها ما رواه البخاري وغيره بسندهم عن ابن عمر ﵄ قال: "كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنت على ذكر صافٍ لعمر، فقال النبي لعمر: ((بعنيه)) . قال: هو لك يا رسول الله، قال رسول الله: ((بعنيه)) فباعه، فقال: ((هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت)) وقال حيث يدل الحديث أن رسول الله ﷺ قد اشترى الجمل وأهداه قبل القبض – وهذه عبارة الدكتور محيي الدين – أنا لا أتحدث على التصرف بالهدية قبل قبض الشيء الذي اشتري وإنما أتحدث عن البيع وفرق بين البيع والهدية. البيع عقد معاوضة والهدية عقد تبرع، والعلة في المنع هي الغرر، والغرر لا يؤثر في عقود التبرعات فلا مانع من أن أهدي ما اشتريته قبل القبض بل لا مانع أن أهدي ما لا أملكه بل لا مانع من أن أهدي المعدوم، فالحديث ليس فيه رد على ما ذكرته ثم يستطرد ويأتي بأحوال اثني عشر لابن القيم يقول قد ذكر ابن القيم اثني عشر عقدا أجاز فيها الفقهاء المانعون أيضا بيع الشيء قبل قبضه، وأقول له: أنا واثق كل الثقة من أن رأي ابن القيم في بيع ما اشترى قبل القبض لا يجوز في جميع السلع والصور الاثنتا عشرة التي – أوردها الدكتور محيي الدين – ليس فيها تصرف بالبيع أولها بيع الميراث قبل قبضه هذا ليس تصرفا فيما اشتري هذا تصرف في الميراث وهذا خلاف التصرف فيما اشتري. أنا كلامي أن يبيع الإِنسان ما اشتراه لا ما ورثه، لأن ما ورثه يجوز أن يبيعه لأن هذا لا يدخل في الغرر، إذا أخرج السلطان رزق رجل هذا باع ما رزق لا ما اشترى إذا عزل سهمه فباعه ما ملكه بالوصية، الوصية وقت الميراث ما وقف عليه الموهوب للولد كل هذه ليس فيها صورة واحدة تدخل تحت بيع الإِنسان ما اشتراه قبل قبضه.
стр. 8448
وأكتفي بهذا وأعود إلى كلام الأستاذ السلامي، الأستاذ السلامي جعل العلة هي الغرر، وأنا ذكرت علة النهي عن بيع الإِنسان ما اشتراه وقلت هي الغرر والربا. وقد تحدث بعض الإِخوة في موضوع الربا، الربا هذه علة نص عليها المالكية قالوا إن العلة هي الربا ونص عليها من قبلهم ابن عباس كما ذكر أحد الإخوة. وقد أثبته في بحثي ونص عليها أيضا أبو هريرة والصحابي الذي معه عندما ذهبا إلى مروان فهذه هي أكثر من علة: واحدة: الربا. والثانية: الغرر، والغرر هذا ما عليه جمهور الفقهاء الأئمة الثلاثة يمنعون بيع ما اشتري قبل القبض ويعللون ذلك بالغرر إنما يختلفون هم في نوع الغرر، وكله يرجع إلى عدم القدرة على التسليم، الغرر هذا ناشئ عن عدم القدرة على التسليم، وابن القيم وأظن ابن تيمية والحنفية يقولون: غرر الانفساخ، ولذلك جوزوه في غرر الانفساخ بالهلاك قبل القبض لذلك جوزوا التصرف في العقار ولم يجوزوه في المنقول، ابن القيم أضاف علة أخرى تقول العلة تأتي أن البائع الأول إذا رأى أن السلعة ارتفع سعرها يتحايل، فيؤدي هذا إلى التشاحن والعداوة وأنا ذكرت هنا أيضا علة هي من عندي علة ثالثة هي: أن بيع الإِنسان ما اشتراه قبل قبضه يؤدى إلى ارتفاع الأسعار – عند عنوان في البحث في العلة في منع البيع أي نعم – هي التي أضفتها في النهي عن بيع السلع قبل قبضها إيجاد فرص للعمل وهذا مطلوب للشارع وذلك لأن بيع السلع قبل قبضها حرمان لعدد كبير من العمال الذين يقومون بالكيل والحمل إلى آخره، فثم أن بيعها قبل قبضها يترتب عليه ارتفاع الأسعار ولا يستفيد منه سوى التجار ترتفع أسعار السلع وهي في مكانها فتعود الفائدة كلها إلى طبقة التجار، العامل لا ينال من هذا شيئا والمستهلك لا ينال من هذا شيئا وينالهما ضرر ارتفاع الأسعار وهذا معنى اقتصادي أرجو أن ينظر إليه رجال الاقتصاد، هذه كلها أسباب تدعوني إلى أن أقول: إن المنهي عنه ليس هو الطعام وحده وإنما الطعام وجميع السلع لأن العلة متحققة في الجميع. شكرا.
стр. 8449
الدكتور محمد نبيل غنايم:
بسم الله الرحمن الرحيم.
أرى أن جميع الصور التي تفضل بذكرها الأستاذ عبد اللطيف والأستاذ درويش من صور البيع المستحدثة تعتبر صورا جديدة ومعاملات لم يكن لها وجود أيام الرسول ﷺ ولا بعده بأزمنة عديدة حتى عصرنا الحاضر، ولذا ينبغي الأخذ فيها بالعرف ومقاصد الشريعة الإِسلامية، فإذا كان العرف يقر تلك الصور ويعتبر التقابض فيها قائما فلم لا نقرها؟ بل هي معاملات واقعة فعلا وقائمة كما تفضل الأستاذ عبد اللطيف وإذا كنا اعتبرنا الشيكات والقيد على الحساب ونحوها من الصور التي تفضل بها الدكتور نزيه في النقدين فلم لا تعتبر المستندات الأخرى كبوليصة الشحن ومستنداته ونحو ذلك مع أن النقدين من الربويات وهذه الصفقات ليست من الربويات وبخاصة أنها تسهل على المسلمين وتحقق لهم مكاسب تجارية طيبة.
وإذا كان الشيخ الصديق قد أجاز الصفقة الأولى بمستند الشحن فلم لا يجوز ذلك في الصفقات التالية؟ وجميع الصفقات أو المواصفات تخضع لنفس القانون وهو بيع الغائب على الصفة. وقد أجزنا في الصباح إجراء العقود بآلات الاتصالات الحديثة وهذه الأجهزة تنفي الغرر الذي يتخوف منه، بل إنها تحدد الأوصاف المطلوبة بصورة دقيقة وإذا كان ذلك غير مقبول في الطعام للأحاديث الواردة خوفا من الاحتكار وغلاء الأسعار ولأن الطعام من الضروريات فلم لا يجوز في الأجهزة كالسيارات ومواد البناء وخلافها مما لا يقع فيه الاحتكار والضرر؟ وخصوصا أن الدكتور إبراهيم قد سأل عن بعض الإِيصالات التي تقدمها الحكومة وهي أمور مضمونة في شراء الإسمنت والحديد وغير ذلك من مواد البناء ولذا فأنا أؤيد الشيخ المختار فيما تفضل به من إقرار مثل هذه الصور التي تخلو من الغرر. وشكرا.
стр. 8450
الدكتور عبد الكريم اللاحم:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله.
إن بيع البضاعة في الشاحنة لا يفترق بين بيع البضاعة في المخزن إِن لم تكن البضاعة في المخزن أبعد عن الغرر من البضاعة على الشاحنة في البحر، والضرير تعرض للمشتري الأول وفصل فيه ومنع بيع المشتري الثاني ففي المشتري الأول إن كان تسَلَّم عند الشحن جاز له البيع لأنه تسلم وقبض وأما إذا لم يستلم فإنه لا يجوز له. وأما المشتري الثاني فإنه لا يجوز له لأنه لم يحصل له القبض من بعيد ولا قريب فالمسألة ليست جديدة بل هي جديدة في صورتها وتعامل الناس بها وهي قديمة في معناها لأنه لا تختلف البضاعة من مكان إلى مكان أو من شاحنة إلى مخزن، ولعل المجمع يتورع عن أن يفتح باب بيع السلع قبل قبضها وحوزتها لأنه يؤدي إلى أن تكون دراهم بدراهم بينهما سلعة في مكانها لا تتحرك ولا يستفاد منها إنما يستفيد التاجر فقط كما أشار الأستاذ الضرير ولا يستفاد من هذه البضاعة وليس المقصود بالتعامل بيع الشاحنة عدة مرات المقصود بها الدراهم فإذا كنا نستصعب في مسألة التورق بيع البضاعة التي اشتراها مريد النقود قبل أن يقبضها ونمنع ذلك فإن هذا بالمنع أولى. وشكرا.
стр. 8451
الشيخ أحمد جمال:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
سبقني الأستاذ نبيل وسماحة الشيخ المختار فعرضا ما أردت أن أقوله كنت أريد أن أضع القاعدة لهذه البيوع فأقترح أن تبنى الإِباحة لها على قاعدة القبض الحكمي، يسري على هذه البيوع القبض الحكمي، فعلا ليس هناك قبض ولا تسليم قبض حقيقي، لكن أرجو أيضا مع الإِخوة الذين تفضلوا بالاحتياط والتحفظ أن تحصى هذه البيوع الحديثة وأن يدرس ما قد يحيط بها من شبهات. أما أنها أصبحت ضرورة واقعة غالبة للتجارة الحديثة ولا يمكن أن يستغنى عنها لا في المجتمعات غير الإِسلامية ولا في المجتمعات الإِسلامية، أرى كما سبقني الإِخوة إلى أنه ينبغي أن تباح هذه البيوع على أساس القبض الحكمي وبموجب الصكوك أو المستندات التي يتبادلها المتبايعون في هذه الصفقات لكن مع التحوط والاحتفاظ. وشكرا.
стр. 8452
الشيخ الطيب سلامة:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الواقع أن شريعتنا الإِسلامية السمحة غنية بما فيها من أحكام صالحة لكل الأزمان وهذه الكلمة نقولها ونرددها وندافع عنها.
وقد جرى سلفنا الصالح على أن ينظر إلى الجزئيات والمستحدثات من الأمور، ولا يخلو عصر من العصور إلا وله مستحدثاته، ينظرون إلى هذه الجزئيات من خلال مقاصد الشريعة، وبذلك يحلون ما لا ضرر فيه وما تحققت به المصلحة وما فيه تيسير على الأمة، والعكس بالعكس، فنحن اليوم أمام قضايا مستحدثة لم تجدَّ من قبل، وبعضها قد فشل العمل به فكيف السبيل؟ السادة العلماء الأفاضل قد ذكَروا العديد من هذه المسائل، لا أريد أن أعود إليها إلا بتعليق بسيط على قضية الشيكات ثم أمضي إلى موضوع آخر. إن الشيكات ليست دائما وأبدا مضمونة فلا بد إذا اتخذنا قرارا في قضية الشيكات لا بد من التفصيل فيها تفصيلا يقوم على استقصاء أنواع الشيكات لأن من الناس، وعددهم كثير، من يمسكون دفاتر شيكات ولكنهم لا يملكون شر نقير في بنوكهم، ويقدمون الشيكات إما من باب التغرير بالناس وهو ما يسمي الشيك بدون رصيد، أو يقدمون هذه الشيكات على اعتبار أنهم نزهاء باعتبار أنها رهون. ولذلك يقول لمن يقدم له الشيك: لا تقبضه لأنه مؤجل وعندما يحين الأجل، أنا أعطيك النقد وترجع إليَّ الشيك. وهذا لا يمكن بحال أن يعتبر هذا الشيك قبضا. بطبيعة الحال هذا لا يقارن بالشيك المصادق عليه الذي فيه ضمان من البنك بأن مال هذا الشيك مرصود وهو على ذمة صاحبه، وبطبيعة الحال لا يقارن هذا بالشيكات الصادرة عن المؤسسات الرسمية ولا عن المراجع الحكومية، هذه تعليقة عابرة تخص الشيك وإنما أردت أن أصل إلى أننا سواء قلنا بجواز بيع السلع، دون الطعام، قبل قبضها، أو عممنا وأخذنا بالرأي الذي يعمم بأن جميع السلع ينبغي إلا تباع قبل قبضها، فنحن واقعون اليوم في قضية جرى بها العمل بين الفلاحين وهي قضية بيع الطعام قبل قبضه، وصورة هذا أن الفلاحين يشترون البذور من الدولة، الفلاح ينتج القموح ويبيعها، ولكنه عند إرادة البذر في أغلب الأحيان يطلب الفلاح بأن يغير البذور حتى تكون نتائج البذر طيبة.
стр. 8453
والذي يتكفل بإعداد البذور الجديدة والصالحة للبذر هي الدوائر المسئولة، سواء كانت في المؤسسات التي تؤلفها الدولة أو دواوين تكونها الدولة وتتولى هذا الأمر، هذه الدواوين لا تستطيع عمليا أن تجعل البيع يدا بيد يعني الثمن والمثمن بدون نسيئة وإنما تعمد هذه الدواوين، يكون هناك ديوان وحيد ويتعامل مع تعاضديات جهوية، يبيع لها بحسب كل منطقة كميات من الحبوب تكفي الفلاحين، ثم تتولى هذه التعاضديات الاتصال أو يتولى الفلاحون الاتصال بهذه التعاضديات، ويتسابق الفلاحون للاتصال بهذه التعاضديات للحصول على منابهم من البذور حتى لا يقال لهم أن هذه البذور قد انتهت أو انتهى المعروض منها للبيع، حينئذٍ الوقت لا يتسع بالنسبة للفلاحين ولا بالنسبة للتعاضدية ولا بالنسبة للديوان في توزيع هذه الكميات فيقع البيع عن طريق وصولات، ولذلك يذهب الإِنسان للتعاضدية يدفع الثمن ويأخذ وصلا وينتظر إما التعاضدية حتى تأتيه بالكمية التي اشتراها بعد أيام، أو أنه يأخذ شاحنته ويذهب بنفسه إلى مكان الديوان وإلى مستودعات الدواوين ليتسلم بضاعته مقابل هذا الوصل الذي يعتبر وصلا موثوقا لأنه مسلم من مرجع حكومي تقريبا. حينئذٍ على مجمعنا المحترم أن ينظر في مثل هذه القضية، قضية بيع طعام ولكن لا يسلم الطعام عند بيعه من طرف التعاضدية بل يباع الطعام قبل قبضه ولا يسلم إلا بوثيقة، فهل يجوز أن نعتبر أن هذا قبض معنوي وهو داخل في القبض المعنوي هذا السؤال المطروح، أنا رأيي أنه تسهيلٌ وأنه إذا لم نقل بهذا فلا وجه بأن نمكن هؤلاء الفلاحين من القيام بأشغالهم وأعمالهم، وقد يؤول الأمر إلى خطورة وإلى أن نفوت عليهم مصالحهم، وكيف يمكن أن نعمد إلى هذا ونحن نروم ونسعى إلى الأمن الغذائي؟ وقضية أخرى في التعامل بين الفلاحين في البلاد الإِسلامية وبين جهات خارجية، إن ما نصدره من منتجات فلاحية بعد تصنيعها وبعد تعليبها هي في الواقع تباع قبل قبضها، لأن صاحب المعمل، الذي يعلب الطماطم مثلا أو أي نوع من أنواع الخضراوات التي يصدرها إلى أوروبا، هو يتعاقد بشأنها مع الخارج قبل أن يشتريها من الفلاحين ولذلك ماذا نقول لصاحب المصنع؟ نقول: انتظر حتى يبدو صلاح هذه المنتوجات لتشتريها ثم تصنعها ثم تبيعها بعد ذلك، فيقول فاتتني الأسواق، وإذا كان الأمر على مثل هذا فأنا أبقي المصنع مغلقا ولا أشتريها.
أنا أرى إذن أن هذه القضية من القضايا التي الحل فيها صعب وتخريجها قد يكون أصعب من الوجه الأول، ولكن لا بد أن نجد لها حلا حتى نعلم الناس أمر دينهم وماذا ينبغي أن يعملوا وأن يصنعوا، وكثير من أصحاب هذه المصانع يتقدمون إلى العلماء ويقولون أفيدونا يرحمكم الله، نريد أن نتبع دين الله. وعن قضية الأموال وقضية تنمية الثروة لا تغنينا من الله شيئا فنحن نحب أن نسير في طريق تنمية الثروة وطريق العمل ولكن نريد العمل الحلال وقضايا أخرى أكتفي بذكر هذا وأسأل الله تعالى أن يلهم الجميع الصواب. وشكرا.
стр. 8454
الشيخ عمر جاه:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فضيلة الرئيس، سوف أكون مختصرا إن شاء الله، أريد أن أشير فقط ولا أريد أن أكرر نفسي لأن القضايا التي كنت أريد أن أتناولها قد تناولها غيري من المتدخلين أشير إلى ما تفضل به الأخ عبد اللطيف والأخ درويش إلى الصور المستجدة في ساحة التجارة الدولية وأريد أن أنبه أيضا وأنبه نفسي أولا أن العالم الإِسلامي جزء من العالم والمسلمون يتعاملون مع غيرهم، فبالنسبة لهذه الصور المستجدة أنا أرى على الرغم من أن هناك محاولة للتفريق بين المواد الغذائية والمواد غير الغذائية في هذا التعامل إلى أن طبيعة التجارة الدولية في الوقت الحاضر والنظم المتبعة والأشياء المعروفة لدينا جميعا تشير إلى أن التاجر المسلم الآن في كثير من البلدان في صور أنا أعرفها معرفة شخصية أنه لا يمكن أن يتعامل إذا أصررنا على أن يتم القبض قبل البيع، ذلك لأن التاجر الذي يشتري آلاف الكيلو مترات آلافا من الأطنان هذا لا يقبض قبل أن يدفع الثمن، هذا تاجر يدفع عن طريق البنك ويبيع قبل أن تصل إليه البضائع والذي يشتري يبيع قبل أن يقبض هو أيضا لأن طبيعة الأمور تقتضي أنه إذا كان سيظل في السوق أن يتعامل بهذه الكيفية وأعتقد أن مهمتنا هنا هي تسهيل الأمور، ولذلك أمثل إلى ما تفضل به الشيخ السلامي على أنه إذا لم يكن هناك ضرر واضح ولا غرر واضح ولا فساد ولا خصومة لأن هذه العملية بدأت منذ سنوات عديدة فم نرّ أو لم نعرف أن هناك خصومة أو أن هناك غررا في هذا التعامل ذلك لأن التاجر الذي يشتري بضمان من البنك يجد ضمانا من التاجر الذي يشتري منه أيضا أن يدفع إليه المال ويقبض منه فاتورة القبض ولو كان هناك مشاكل تقتضي إصدار فتوى ضد هذه لظهرت هذه المشاكل وأعتقد أن من واجبنا أي الواجب علينا أن نسهل للمسلمين الذين يعيشون على هذا ويحتاجون إليه والذين لا يجدون بديلا غير هذا البديل إننا نتوجه إلى استخراج فقهي نحافظ به على روح الشريعة مع المحافظة على مصالح هؤلاء الناس ولذلك أؤيد تأيدا كاملا ما ذهب إليه فضيلة الشيخ السلامي فيما يخص هذا الأمر. وشكرا.
стр. 8455
الشيخ علي السالوس:
بسم الله الرحمن الرحيم:
سأتشجع وأحمل النفس عل ى ما تكره واختلف مع أخي فضيلة الشيخ السلامي القضية خطيرة للغاية إذا قلنا: إنه من بيع الغائب على الصفة فمعلوم أن المبيع في ضمان البائع إلى أن يسلم للمشتري وأن المشتري له خيار الرؤية وأن أي عيوب يتحملها البائع. هنا البيع الذي يتكرر في البحر من الذي يتحمل هذا؟ من الناحية الواقعية عندما أردنا أن نكتب عقدا لهذه البيوع اشترطنا في العقد أن البنك لا يقوم بالبيع إلا بعد وصول السلعة إلى مكان التسليم، حدث الآتي: بعض الأشياء الواقعية ليرى فضيلة الشيخ السلامي كيف أن الأمر فيه ضرر وغرر وخلافه وأشياء كثيرة، الباخرة تحمل السلعة وفي ميناء معين تم الحجز عليها لخلاف بالنسبة للجهة المعينة ومالك البخارة، ونتج عن هذا أنْ تأخرت السلعة وخسر البنك فعلا خسارات معينة إلى أن وصلت السلعة، من يتحمل مثل هذه الخسارة لو أن اليبع تم عدة مرات في داخل البحر؟
الشيخ مختار السلامي:
الأول، بالطبع.
السالوس:
من الأول؟ الأول الذي اشترى كيف باع ما لا يضمن؟! وكيف يربح ما لا يضمن؟! السلعة التي وصلت وصلت معيبة العيب الظاهر والعيب الخفي من يتحمل هذا، السلعة إذا كانت مخالفة للمواصفات من يتحمل هذا؟ ولذلك القضية خطيرة للغاية وأضم صوتي لصوت الإِخوة الذين قالوا بأن الصور المعاصرة تجمع وتبحث كاملة في ندوة أخرى، الجزء الأول استوفاه الباحثون الإِخوة الكرام جزاهم الله خيرا وهي المسألة الفقهية القديمة، أما بالنسبة للجزء الثاني الصور المعاصرة تحصر وتجمع ثم تكتب فيها أبحاث وتلحق هذه الصور بأصلها وتناقش مناقشة علمية مستفيضة بدلا من أن نتعجل ونصدر قرارا في هذا لأن القضية أرى أنها من أخطر ما يمكن بيع الأشياء في البحر بهذه الصورة. وشكرا.
стр. 8456
الشيخ وهبه الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم:
المعروف أن لدى فقهائنا أربعة آراء في هذا الموضوع، فرأي الشافعية أنه لا يجوز بيع الشيء قبل قبضه إطلاقا لوجود الغرر ورأي أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يجوز بيع العقار قبل القبض لانتفاء غرر الانفساخ فيه ولا يجوز ما عدا ذلك، والمالكية لا يجيزون بيع المكيل والموزون قبل القبض، ويجوز بيع ما عدا ذلك فهم يجيزون بيع ما عدا الطعام قبل القبض ولا يجيزون بيع الطعام قبل قبضه هذا ما هو المعروف لدى فقهائنا، أريد التذكير فقط والكل يعرف ذلك، لكني شدِهْت في أن المناقشات تدور الآن حول اتجاهين: أحدهما في أقصى اليمين والآخر في أقصى اليسار، اتجاه يمنع بيع الشيء قبل قبضه احتراما للأحاديث الواردة الصحيحة في هذا الموضوع وواضح أن فقهنا كله ينبني على هذا الاتجاه، أما الاتجاه الآخر وهو جواز بيع الأشياء كلها قبل القبض ما عدا الطعام يعني – هذا رأي المالكية الحقيقة – هذا يفتح منفذا خطيرا يؤدي إلى إقرار كل ما تجيزه القوانين الحديثة من المضاربات الكثيرة في البورصات وفي الأسواق المالية ويؤدي ذلك إلى أننا لا نختلف أي اختلاف عن هذه الأعراف السائدة فلا يجوز أن يكون ضغط المعاملات الحديثة مغيرا لأحكام الشريعة فأرجو التوسط والتمهل في الأمر وعدم التعجل أو إلقاء النظرة العاجلة في هذا الموضوع لأنه يؤدي إلى مخاطر وهو ينسف كثيرا من القواعد التي يقوم عليها فقهنا.
стр. 8457
الشيخ سعود مسعد الثبيتي:
بسم الله الرحمن الرحيم:
أريد أن أتكلم عن موضوع الشروط التي أشار إليها بعض الأساتذة الأجلاء في الشيك أو التساؤلات التي طرحها بعض الأساتذة على موضوع قبض الشيك وكون اعتباره قبضا لمحتواه، فهم قد اشترطوا ومنهم الدكتور علي السالوس في كتابه المعروف " استبدال النقود " أن يكون الشيك مؤرخا للسحب في اليوم نفسه وأن يكون محدد المبلغ وأن يكون له رصيد تام، فهذه قد أجيب عليها في الأبحاث ونقلناها من بحث الدكتور السالوس. أما الاستدلال لكون التخلية قبضا حكميا يكتفي به عن القبض الحقيقي ففيه عدة أدلة في الحقيقة ذكرتها وذكرها الدكتور القره داغي.
منها ما ورد عن ابن عمر – رضي اللهم عنهما – قال: كنت أبيع الإِبل في القيع بالدنانير وأخد مكانها الورق وأبيع بالورق وآخذ الدنانير، فسألت النبي ﷺ فقال: ((لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء)) ، وفي هذا دليل على جواز الاستبدال عن الثمن الذي في الذمة وهو تصرف فيه قبل قبضه قبضا حقيقيا والثمن أحد العوضين.
الدليل الثاني ما ذكره الدكتور كذلك ما ورد عن النبي ﷺ أنه اشترى من جابر بن عبد الله جمله ثم نقده ثمنه ووهبه له وهذا تصرف فيه قبل قبضه.
стр. 8458
والدليل الثالث كذلك عن ابن عمر وهو ما ورد في البكر، وقد ذكر، ثم ابن القيم ﵀ له كلام جيد قيم استقيته من كتابه إعلام الموقعين، يقول ﵀: الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فإذا نظرنا إلى معاملات الناس اليوم في هذا العصر وترابطها مع معاملات أخرى قلنا تفريعا على قول الحنفية والشافعية في القول الذي نقله حرملة وقول عند الحنابلة وقول عند المالكية أن الاكتفاء بالقبض الحكمي جائز ولا ضير في ذلك إن شاء الله وهو تفريع على قول قوي له أدلته التي ذكرناها. أما ما ذكرناه في البحوث من تفريع للصور المستجدة على القبض الحكمي فينبغي تقييد هذا التفريع بأن المقصود به هو البيوع العاجلة الحالة، أما البيوع الآجلة كالسلم والاستثناء فليست داخلة في هذه الصور التي ذكرناها كذلك ما من تداخلات من بعض الأساتذة الكرام كالدكتور عبد الكريم وغيره من الأساتذة الكرام الذين أثاروا تساؤلات كثيرة عن أعمال البورصات وما يرد عليها فأعمال البورصات من المعلوم أن غالب الصور فيها بيع ما لم يملك وبيع ما لم يملك غير داخل في هذه البحوث التي قدمناها حيث إن البحوث محصورة في قبض ما ملكه الإِنسان وباعه وأعطى ورقة الشحن أو ورقة الإِبداع في مخزن من المخازن وهذا تفريع على القبض الحكمي الذي قال به جمهور من الفقهاء قديما وحديثا وقد ذكرت هذا في البحث نتيجة لبحث قدم في جامعة أم القرى رسالة جامعية بذل فيها صاحبها أكثر من أربع سنين وقد استخلصت منه كلاما موجزا بسيطا في هذه البحث، فقلت في قبض أوراق البضائع، الأوراق الواردة على البضائع كوثيقة الشحن (البوليصة) أو سند إيداع متاع أو بضاعة في مخزن عام ليست أوراقا تجارية لأنها لا تمثل مبلغا معينا من النقود يسهل الحصول عليه، ومع ذلك فإنه يتم تداولها بطريقة التظهير، ويعتبر تظهيرها بمثابة قبض للأعيان التي هي وثائق بها، فهذا خلاصة لرسالة بذل فيها صاحبها خمس سنين في جامعة أم القرى وهي مطبوعة وموجودة ونحيل الأساتذة الذين يريدون أن يتوثقوا من هذا إلى هذه الرسالة وهي للعقود الشرعية الحاكمة. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وشكرا.
стр. 8459
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذه المناقشات مضافة إلى البحوث خلاصتها مقيدة لدى المقرر فضيلة الشيخ عبد الستار. وفي الواقع أن الذي من أجله رشح البحث وهو الصور المستجدة، وإن كان بعضها أخذ حظه ونصيبه في البحوث إلا أنه لم يأخذ حظه كاملا في المناقشة، لأن التركيز صار على التقعيد الأصل وهو اعتبار القبض في الطعام فقط أو تعميمه وتوظيف العرف، وهل توظيف العرف هو في القبض أو في صفة القبض؟ هذه أشير إليها وهي إشارة جيدة في عدد من كلام أهل العلم الذين جرى نقل كلامهم لكن ما رأيت وما قيدت في المناقشات البحث في توظيف العرف هل هو في القبض أو في صفة القبض؟ على كل قد ترون تأليف لجنة تجمع وجهات نظر التداول في هذا الموضوع وإن شاء الله تعالى الذي يصلون إليه سيعرض في الجلسة الختامية، وتتألف اللجنة من:
العارض الشيخ محيي الدين، والمقرر الشيخ العاني والشيخ الضرير والشيخ سعود والشيخ وهبه والشيخ نزيه والشيخ الجناحي وبهذا ترفع الجلسة.
وصلَّى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * * *
стр. 8460
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (٥٥/٤/٦)
بشأن
القبض: صوره وبخاصة المستجدة منها وأحكامها
إن مجلس مجمع الفقه الإِسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ الموافق ١٤ – ٢٠ آذار (مارس) ١٩٩٠م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "القبض: صوره وبخاصة المستجدة منها وأحكامها".
واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.
قرر:
أولاً: قبض الأموال كما يكون حسيًا في حالة الأخذ باليد، أو الكيل أو الوزن في الطعام، أو النقل والتحويل إلى حوزة القابض، يتحقق اعتبارًا وحكمًا بالتخلية مع التمكين من التصرف ولو لم يوجد القبض حسًا. وتختلف كيفية قبض الأشياء بحسب حالها واختلاف الأعراف فيما يكون قبضًا لها.
ثانيًا: إن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعًا وعرفًا.
١- القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية:
(أ) إذا أودع في حساب العميل مبلغ من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية.
(ب) إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حالة شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل.
(ج) إذا اقتطع المصرف – بأمر العميل – مبلغًا من حساب له إلى الحساب آخر بعملة أخرى، في المصرف نفسه أو غيره، لصالح العميل أو لمستفيد آخر، وعلى المصارف مراعاة قواعد عقد الصرف في الشريعة الإِسلامية.
ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسلم الفعلي، للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل. على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلاَّ بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي.
٢- تسلم الشيك إذا كان له رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه وحجزه المصرف.
стр. 8461
بحث
فضيلة الدكتور محمّد عبد اللطيف صالح الفرفور
عضو مجمَع الفقه الإسلامي الدّولي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مدخل إلى البحث
اتحاد المجلس عند الفقهاء
المراد باتحاد المجلس اتحاد الزمن أو الوقت الذي يكون فيه المتعاقدان مشتغلين بالتعاقد، وليس المراد من اتحاد المجلس كون المتعاقدين في مكان واحد، فمجلس العقد هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مقبلين على التفاوض في العقد، وعن هذا قال الفقهاء: (إن المجلس يجمع المتفرقات) .
وعلى هذا يكون مجلس العقد في المكالمة الهاتفية مثلا هو زمن الاتصال ما دام الكلام في شأن العقد، فإذا انتقل المتحدثان إلى حديث آخر انتهى المجلس، ومجلس التعاقد بالمراسلة أو بالمكاتبة هو مجلس تبليغ الرسالة أو وصول الخطاب، ويجب أن يكون القبول في المجلس الذي وصل فيه الرسول أو الخطاب، فإن تأخر القبول إلى مجلسٍ ثانٍ لم ينعقد العقد، فمجلس التعاقد بين حاضرين هو محل صدور الإيجاب، ومجلس التعاقد بين غائبين هو محل وصول الكتاب أو تبليغ الرسالة أو وصول السفير أو الموفد (١)
المقصد الأول
يمكن حصر الصور لاستخدام الآلات الحديثة للتعاقد غير المراسلة والمكاتبة والمهاتفة: (١) بالتلغراف (البرق) السلكي واللاسلكي، (٢) بالتلكس، (٣) بـ (فاكسملي) ، (٤) بالراديو، (٥) بالتلفزيون، (٦) بالقمر الصناعي، (٧) وبالأنترفون أو ما يقوم مقامه.
وقد تحدث بعض الفقهاء المعاصرين (٢) .عن الاتصال بالبرق وأحكام التعاقد به (وهو التلغراف) وتوصلوا إلى أنه كالمكاتبة تماما لكنه أسرع، لكن لا يمتنع الخطأ لذا وجب التثبت بوسائل التثبت الموجودة حاليا كالهاتف وما شابه ذلك، ومثل البرق والتلكسي، لأنه برق خاص بصاحبه من كلا الطرفين.
وأما الفاكسميلي فهو أسرع من التلكس ويأخذ حكمها أيضا.
وأما الراديو والتلفاز والقمر الصناعي فهذه الوسائل كلها فيما يبدو لي لها حكم البرق مع وجوب التثبت من شخصية المتكلم حتى لا يحصل تزييف أو جهالة.
هذا، وستأتي أيام قريبة أم بعيدة تصبح هذه الآلات الحديثة هي محور التعاقد ووسائله الأولى ولا مانع شرعا من ذلك إذا حصل التثبت بوسائله المشروعة.
هذا ما بدا لي والله تعالى أعلم.
***
стр. 8462
المقصد الثاني
التكييف الفقهي للموضوع وضوابطه
(أ) التكييف الفقهي للموضوع وضوابطه:
كل الآلات الحديثة الموصلة للتعاقد لا تعدو أن تكون في حالتين اثنتين:
١- الحالة الأولى: إما أن تكون مساوية للهاتف والبرق بالسرعة في الاتصال وقوته ووضوحه.
٢- الحالة الثانية: أن تكون أشد من الهاتف والبرق في سرعة الاتصال وقوته ووضوحه.
وقد حكم الفقهاء المعاصرون كالشيخ محمد بخيت المطيعي ﵀ في رسالته آنفة الذكر بالنسبة للبرق (التلغراف) بصحة التعاقد والتصرفات المالية كلها، ومثل ذلك يقال في الهاتف أيضا وقد نص عليه غير واحد من المعاصرين كما مرّ.
فإذا كانت هذه الآلات الجديدة مثل البرق والهاتف مساوية لها في سرعة الاتصال وقوته ووضوحه كالأنترفون وما شابه، جاز التعاقد وكان ذلك قياسا أو أخذا بمبدأ دلالة النص المساوي (معنى الخطاب) عند أصوليي الحنفية أو ما يسميه الجمهور من أصوليي المتكلمين (مفهوم الموافقة المساوي) ، وإذا كانت هذه الآلات الجديدة أكثر من البرق والهاتف سرعة ووضوحا وقوة حكمنا بجواز التعاقد وسائر التصرفات المالية أخذا بمبدأ دلالة النص الأولوي (فحوى الخطاب) عند أصوليي الحنفية أو (مفهوم الموافقة الأولوي) عند الجمهور من المتكلمين أي صح ذلك من باب أولى. وذلك كالتلكس والفاكسميلي والأقمار الصناعية وما شابه ذلك.
***
(ب) ضوابط الموضوع:
يضبط الحكم بالجواز في هذه المسألة ضوابط ثلاثة استخلصتها بالاستقراء من مدونات الفقهاء.
* الضابط الأول: اشتراط وجود التثبت من كل من المتعاقدين بشخصية صاحبه المتعاقد الثاني وصحة ما تنسب إليه الآلة الحديثة من أقوال وتصرفات، كي لا يدخل اللبس والوهم والتزييف من أحد الطرفين أومن ثالث، ونترك لكل من المتعاقدين أن يتثبت هو من ذلك كله بالطرق التي يطمئن بها قلبه، إلى صحة القول والقائل.
* الضابط الثاني: في حالة وصول الإيجاب ومضي فترة زمنية عادة قبل وصول القبول في بعض آلات الاتصال الحديثة، يشترط أن لا يرجع الموجب عن إيجابه أمام شهود، وإلا بطل الإيجاب وصار القبول الآتي بعد ذلك إيجابا يحتاج إلى قبول، وذلك على قول جمهور الفقهاء، خلافا للمالكية الذين يشترطون لصحة الرجوع عن الإيجاب مضي مدة على وصوله إلى المتعاقد الثاني تكون فرصة له يقرر العرف مداها.
واشترط الجمهور لصحة الرجوع من الموجب شرطين: (١) أن يكون الرجوع أمام شهودِ شُهودٍ، (٢) وأن يكون قبل قبول المتعاقد الآخر، ووصول الرسالة أو الخطاب.
стр. 8463
فمجلس العقد بين الغائبين هو محل وصول الكتاب أو تبليغ الرسالة أو المحادثة الهاتفية أو ما قام مقامهما من الأدوات الحديثة للاتصال... (١) ، فإن تم القبول بعد هذا المجلس لم ينعقد العقد.
الضابط الثالث: أن لا يفهم من الإيجاب (وهو الكلام الأول من المتعاقد الأول) معنى السوم أو الترسمل أو ما شابه ذلك من المعاني التي يرفضها مقتضى العقد، وتحصل كثيرا بين التجار دهاء منهم فيبعثون برقية أو تلكسا أو ما شابه ذلك لا يقصدون من وراء ذلك التعاقد بل معنى تجاريا آخر كمعرفة السعر مثلا أو إظهار نَفَاق البضاعة أو التحدي، ومثل هذه الأمور تكون غالبا في الأدوات الحديثة وعن طريقها لا مشافهة، فحينئذٍ يكون الكلام كله ليس بتعاقد بل يكون ملغى.
خاتمَة
أضع هنا القلم بعد بذل الجهد في تلمس حكم الشريعة في هذه الواقعة، لا أدعي في ذلك الصواب كل الصواب، بل هو محض اجتهاد فيما لا نص فيه ولا حتى قول فقيه، وما كان كذلك فهو اجتهاد جديد، وهو قابل للخطأ والصواب، فإن وفقت للصواب فهو المرجو، وإن لم أوفق فيه للصواب فحسبي منه أجر واحد، وصدق الإمام أبو حنيفة إمام الأئمة الفقهاء حيث يقول (علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه كان أحق) وفي رواية ثانية (قبلناه) . أما حكم الله في الحادثة فما اتفقت عليه أقوال فقهاء العصر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
الدكتور محمّد عبد اللطيف صالح الفرفور
стр. 8464
بحث
فضيلة حجّة الإسلام محمّد علي التسخيري
عضو مجمع الفقه الإسلامي الدّولي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حكم إجراء العقد بوسائل الاتصال الحديثة:
والمقصود بوسائل الاتصال الحديثة: الهاتف والبرقيات واللاسلكي والتلكس والفاكسميلي وغيرها مما يمكن أن يخترع في المستقبل والجامع بينها أنه ليس هنا محل مكاني واحد يجمع بين الموجب والقابل أو بين طرفي العقد.
ومن هنا يمكن أن يقع بحث حول حكم إجراء العقود بهذه الوسائل.
تحرير محل النزاع:
والظاهر أن النقاط التي تتطلب البحث هي أمور:
أولًا: هل يعتبر في العقد أن يجري بصيغة معينة أو مطلق الصيغة اللفظية أو يكفي فيه ما ينوب عن الصيغة اللفظية من إبراز الإرادة من قبل المتعاقدين.
وهنا يمكن أن تنوب عن الصيغة الإشارة، والكناية اللفظية، والصيغة المكتوبة والعمل نفسه.
ثانيًا: هل تعتبر الموالاة الدقيقة بين الإيجاب والقبول فيشكل الأمر في الكتابة والفاكسميلي والبرقيات وغيرها؟
ثالثًا: البحث عن مصير خيار المجلس.
رابعًا: من حيث إمكان الرجوع وعدمه بعد صدور القبول وعدم وصوله.
وليس علينا هنا إلا التعرض بشكل موجز لكل هذه النقاط مع الإشارة للرأي المختار ليتضح الموقف في النهاية.
* النقطة الأولى: اعتبار الصيغة المباشرة أو كفاية ما ينوب عنها:
يطرح الفقهاء عادة هذا البحث في موضوع المعاطاة إذ يقسمون العقود إلى قسمين: عقد بالصيغة وآخر بالمعاطاة ويتركز فيها البحث عن مدى نيابة الفعل عن اللفظ في تحقيق مقتضيات العقد.
في حين أن البحث يجب أن يتم على ثلاثة مستويات إذا أريد له أن يكون مستوفى أي أن يتخلل البحثين بحث حول مدى إمكان الاستعاضة عن اللفظ الصريح بالإشارة والكناية والكتابة.
стр. 8465
فهو باب مستقل وإن أمكن القول إنه إذا ثبت إمكان الاستعاضة عن اللفظ بالعمل فإن البحث الثاني سيتوضح الموقف فيه، وعلى أي حال فقد ذكر الشيخ الأنصاري في كتاب المكاسب (إن اعتبار اللفظ في البيع بل في جميع العقود مما نقل عليه الإجماع وتحقق فيه الشهرة العظيمة مع الإشارة إليه في بعض النصوص لكن هذا يختص بصورة القدرة إما مع العجز عنه كالأخرس فمع عدم القدرة على التوكيل لا إشكال ولا خلاف في عدم اعتبار اللفظ وقيام الإشارة مقامه، وكذا مع القدرة على التوكيل لا لأصالة عدم وجوبه (أي التوكيل) – كما قيل- لأن الوجوب بمعنى الاشتراط كما فيما نحن فيه هو الأصل، بل الفحوى ما ورد من عدم اعتبار اللفظ في طلاق الأخرس فإن حمله على صورة عجزه عن التوكيل حمل المطلق على الفرد النادر مع أن الظاهر عدم الخلاف في عدم الوجوب... والظاهر أيضًا كفاية الكتابة مع العجز عن الإشارة لفحوى ما ورد من النص على جوازها في الطلاق مع أن الظاهر عدم الخلاف فيه، وأما مع القدرة على الإشارة فقد رجح بعضٌ الإشارة ولعله لأنها أصرح في الإنشاء من الكتابة وفي بعض روايات الطلاق ما يدل على العكس وإليه ذهب الحلي – ﵀ – هناك) (١) .
ومن الواضح في هذا النص أن اللجوء للإشارة ثم الكتابة إنما يكون عند العجز عن اللفظ.
ولكن إذا أمكننا أن نصحح عقد المعاطاة ولزومه أمكن القول بأن تصحيح العقد بالكتابة أولى من ذلك في النتيجة.
فما هو الموقف من المعاطاة؟
وقد استدل على صحتها بأدلة كثيرة:
منها: السيرة العقلائية الممتدة إلى عصر المعصوم بل هي تمتد إلى أبعد من البيع بالصيغة، وهي سيرة ممضاة شرعًا ولم يثبت أي نهي عنها يتناسب مع سعتها وامتدادها.
وهي أيضًا من سيرة المتشرعة فضلًا عن السيرة العقلائية.
ومنها: الاستدلال بإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] . على حلية كل بيع عرفي، وقد أشكل على الاستدلال بهذا المقطع القرآني أنه (لا يصح التمسك بإطلاق الآية لاحتمال أن يكون الحكم المجعول سابقًا بنحو خاص وكأن القائل بالتسوية – بين البيع والربا- ادَّعى التسوية بين المجعولين فلا يظهر حال المجعول هل هو مطلق أو مقيد، أو يقال إن الآية ليست في مقام بيان حلية البيع وإنما هي في مقام تحريم الربا (٢) فليس لها إطلاق من تلك الجهة) .
стр. 8466
وهناك وجوه لتصحيح الإطلاق تذكر في الكتب المفصلة.
ومنها: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ بتقريب حاصله أنه (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالوسائل الباطلة كالقمار والسرقة والخيانة إلا أن يكون ذلك بأسلوب التجارة وهذا يعني صحتها وتحقق الأثر العقلائي لدى الشارع بهذه الوسيلة) .
فالاستثناء منقطع وهو مطلق يقول الإمام: (وبالجملة يظهر منها أن الأكل التجارة مرخص فيه، لكونها حقًا ثابتًا وطريقًا مستقيمًا لتحصيل الأموال ويؤكد إطلاقها مقابلتها بالباطل الذي يشعر بالعلية، بل يدل عليها لدى العرف فيفهم من المقابلة أن التجارة عن تراض – لكونها حقا – سبب للملكية وموجبة لجواز الأكل والتصرف، ومن هنا يمكن التوسعة في السبب الحق لكل ما هو سبب حق لدى العقلاء لتحصيل المال... والظاهر عدم اختصاص التجارة بالبيع بل تشمل سائر المكاسب) .
هذا إذا قصدنا من الباطل، الباطل لدى العرف وهو الظاهر، أما إذا أريد الباطل لدى الشرع – كما هو المنقول عن الشيخ الأردبيلي – لم يمكن الاستدلال بالإطلاق لإثبات صحة معاملة عقلائية لأنه من الشبهة الموضوعية إذ لا نعلم أهي من الباطل الشرعي، أم لا؟
ومنها: الاستدلال بقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ بعد عدم تفسير العقود بالعهود المشددة؛ لأنه لا دليل على ذلك وإنما تدل على مطلق الربط الاعتباري.
وعدم جعل (أل) عهدية للعقود المذكورة سابقًا في الشريعة.
وقد أشكل على الاستدلال بإطلاق الآية على أنه يلزم من ذلك تخصيص الأكثر لخروج المعاملات الجائزة وهي أكثر من اللازمة بل وخروج العقود الخيارية فيخرج بخيار المجلس مطلق البيوع.
إلا أنه قيل في قبال ذلك إنه لا استهجان في تخصيص الأكثر إذا كان الباقي كثيرا بالإضافة إلى أن أفراد العقود اللازمة كثيرة جدًا وتزيد على العقود الجائزة أما الخيارات فهي لا تشكل استثناء بل العمل بالخيار وفاء للعقد في كثير من الموارد الخيارية.
стр. 8467
ولو جعلنا الآية إرشادًا لصحة العقود لا إثباتًا للوجوب التكليفي أو للزوم الوضعي فلا إشكال.
ومنها: الاستدلال بما روي عنه ﷺ من أن ((الناس مسلطون على أموالهم)) (١) بتقريب أن الظاهر هو إثبات السلطنة لهم على الشكل المتعارف بينهم والمعاطاة متداولة فهي شرعية.
ويؤكد الإمام الخميني أن المعاملات إنما تنفذ بعد وجود أمرين:
الأول: السلطنة على المال.
الثاني: إيقاع المعاملة على طبق المقررات العقلائية، والرواية إنما تشير للأمر الأول فقط (٢) .
على أنه قيل إن الرواية مسوقة لجعل السلطنة في مقابل الحجر وحينئذ لا يتم الاستدلال بها.
وهناك روايات أخرى استدل بها على صحة المعاطاة لا نرى مجالًا للتعرض لها من قبيل رواية (المؤمنون عند شروطهم) .
هذا وقد استدل على لزوم المعاطاة أيضًا بأحاديث (التسليط) وحديث ((لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيب نفسه)) .
كما استند البعض إلى آية التجارة وآية الوفاء وكذلك استندوا إلى أخبار خيار المجلس وقد دلت على اللزوم عند انفضاضه والمعاطاة بيع، والبيعان بالخيار ما لم يفترقا، وقد ذكر الإمام في نهاية بحثه ما يلي (وكيف كان فلا إشكال في أن الأصل لزوم عقد المعاطاة حسب القواعد) (٣) .
هذا وقد أنكر البعض من العلماء أن تكون المعاطاة عقدًا لازمًا واستدل لذلك بأمور:
* الأول: الأخبار، ومنها رواية خالد بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد الله (ع) : الرجل يجيء فيقول: اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا، قال: أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ؟ قلت: بلى. قال: لا بأس به (إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام) (٤) .
والظاهر أن المراد ليس حصر التحليل بالكلام وإنما المراد هو أنه ما دام نوع الكلام يؤدي لبقاء الاختيار في الأمر بالشراء فلا مانع فالمعيار نوع الكلام المطروح.
стр. 8468
ومنها روايات وردت في بيع المصحف، كرواية سماعة عن أبي عبد الله الصادق (ع) :
(سألته عن بيع المصاحف وشرائها قال: لا تشتر عن كتاب الله، ولكن اشتر الحديد والروق والدفتين وقل أشتري منك هذا بكذا وبكذا) (١) .
ولكن الاستدلال بهذا واضح البطلان، فليس النظر إلى ما نحن فيه وإنما يراد تعليم كيفية تصحيح البيع.
* الثاني: ما نقل من الإجماعات أو الشهرة، إلا أنها إجماعات منقولة ومعللة لا يمكن الاعتماد عليها.
ونخلص من كل هذا إلى أن المعاطاة عقد شرعي لازم وأن الفعل يقوم مقام اللفظ في المعاملة اللازمة.
ومن هنا ننتقل إلى موضوع قيام الإشارة والكتابة مقام الفعل ونحن نعتقد أن الأولوية هنا حاصلة.
ولكن قد يقال إن الذي كان متعارفًا هو البيع بالصيغة والبيع المعاطاتي. أما البيع بالكتابة فلم يكن متعارفا فليست هي أسبابًا عقلائية متعارفة.
أو يقال إنه فرد نادر تنصرف عنه الأدلة.
إلا أن الواقع هو أن الكتابة وإن كانت آنذاك فردًا نادرًا لكنها عمل عقلائي مشمول بلا ريب للأدلة.
بل يمكن القول إنها آكد في العقلائية من العمل بلا ريب إذ العمل مجمل المضمون في حين يمكن التمسك بإطلاق ما كتب بلا ريب، وقد يمكن أن يقال إن الكتابة أشد توثيقًا من اللفظ نفسه.
ومن هنا فلا نشك في صحة العقد بالكتابة أو التلغراف وأمثال ذلك، ويحسن هنا أن نشير إلى كلام المحقق والشهيد الثاني.
* النقطة الثانية: في اعتبار الموالاة بين الإيجاب والقبول:
ذكر الكثير من العلماء اعتبار الموالاة بين الإيجاب والقبول وعدم الفصل بينهما بفاصل زمني أو بأجنبي.
قال الشيخ الأنصاري في مكاسبه: (ومن جملة شروط العقد الموالاة بين إيجابه وقبوله ذكره الشيخ – يعني الطوسي- في المبسوط في باب الخلع ثم العلامة والشهيدان والمحقق الثاني والشيخ المقداد: قال الشهيد (الأول) في القواعد: الموالاة معتبرة في العقد ونحوه وهي مأخوذة من اعتبار الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه... وأضاف القول: حاصله أن الأمر المتدرج شيئًا فشيئًا إذا كان له صورة اتصالية في العرف فلا بد في ترتب الحكم المعلق عليه في الشرع من اعتبار صورته الاتصالية فالعقد المركب من الإيجاب والقبول القائم بنفس المتعاقدين بمنزلة كلام واحد مرتبط بعضه ببعض يقدح تخلل الفصل بين كل من الإيجاب والقبول بما لا يجوز) (٢) .
стр. 8469
وحاصله أن مناط الموالاة واعتبارها أن العقدية لا تتحقق إلا إذا تحققت صورتها الاتصالية العرفية وإلا لم يتحقق عقد وارتباط، ثم رد عليه بأن مناط الحكم الشرعي بالصحة إن كان هو العقدية – كما يلاحظ من المنقطع القرآني الشريف ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ومن تعبيرات العلماء التي تعتبر العقدية مقومة للزوم – فهذا صحيح، أما لو كان المناط هو آية التجارة والبيع فلا يضره عدم صدق العقدية.
وربما يطرح البعض دليلًا عقليًا على اعتبار الموالاة باعتبار أن العقود تعني خلعًا ولبسًا ولا يمكن تصور الفاصل بينهما لأن ذلك يستلزم إضافة بلا محل.
وقد يقال: إن الإيجاب يعني نقل الملكية من حين صدوره فإذا تأخر عنه القبول فإما أن يكون قبولًا لتمام مضمون الإيجاب وحينئذ يلزم حصول نقل الملكية قبل تمام العقد (لأن الغرض أن الملكية بتمامها انتقلت من حين الإيجاب) ، أو لكون القبول لبعض مضمون الإيجاب (أي من حين القبول) فيلزم عدم التطابق بين الإيجاب والقبول وهو أمر معفو عنه عند الفصل القليل دون الكثير.
وقد يقال: إن العقد المركب من الإيجاب والقبول القائمين بنفس المتعاقدين بمنزلة كلام واحد إلا أن الإمام الخميني يشكل على كل هذه الاستدلالات.
فهو يرى أن العقد والبيع والتجارة ونحوها عبارة عن الأمور الناتجة من أسبابها إذ هي التي تبقى وهو ما يبدو للمتأمل في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٧] . والحاصل من الأسباب ليس أمرًا متدرجًا ولا هو مقولة ألفاظ حتى تلاحظ هيئته الاتصالية فلا يمكن قياسها على القراءة والتشهد والصلاة ونحوها وهو ما نلاحظة عند الإسفراييني (١) مثلًا.
أما المعتبر فهو ارتباط عهديتهما وهو حاصل مع بقاء الإيجاب اعتبارًا (بعد أن لم يلغ أو ينسى) . وحينئذ يصح ضم القبول إليه (فلو قال بعتك هذا الفرس فقم وفكر في ما هو صلاحك، فقام وتأمل ساعة أو ساعتين بل يومًا أو يومين فاختار القبول يصدق العقد عليه ويجب عليه الوفاء عرفًا وشرعًا) ، كما أن العهود الكتبية بين الدول وبيت الشركاء في التجارات لا يعتبر فيها التوالي لدى العقلاء فالمضر عدم ربط المسببات والمعتبر ربطها لا التوالي بين الإيجاب والقبول وبين الأسباب من غير فرق بين كون دليل التنفيذ ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أو ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ أو ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (٢) .
أما ما قيل من حصول اللوازم الفاسدة إذا جاء فصل طويل بين الإيجاب والقبول من قبيل عدم التطابق بينهما، أو حصول النقل قبل تمام العقد، فإنه يقال فيه إن مضمون الإيجاب ليس النقل من حينه بل هو التمليك بعوض أو التبادل بين المالين ولكن ترتيب الأثر العرفي والشرعي يتوقف على انضمام القبول إليه.
أما الاستدلال العقلي فلا محل له في الأمور الاعتبارية على أن هناك رأيًا للإمام فيه الفصل المسألة، وهو أن مقوم العقد هو الإيجاب فقط، أما القبول فليس له إلا شأن تثبيت الأمر لما أوقعه الموجب.
стр. 8470
وقد استند في ذلك إلى عمومات وإطلاقات ومما استند إليه الرواية الصحيحة التي رواها محمد بن مسلم عن الإمام الباقر (ع) قال:
جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقالت: زوجني. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: "من لهذه؟ " فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله – صلى الله عليه وآله – زوجنيها. فقال: "ما تعطيها؟ " فقال: ما لي شيء. قال: لا. فأعادت فأعاد رسول الله – صلى الله عليه وآله – الكلام، فلم يقم أحد غير الرجل، ثم أعادت. فقال رسول الله- صلى الله عليه وآله- في المرة الثالثة: "أتحسن من القرآن شيئًا؟ " قال: قال: "زوجتكم على أن تحسن من القرآن فعلمها إياه" (١) .
وعلى هذا الرأي يكون القبول كالإجازة في عقد الفضولي حيث يكون الإيجاب تمام ماهية العقد.
وإذا استقر هذا الرأي على حاله لم نلق أية صعوبة في تصحيح العقود بالوسائل الحديثة على اختلاف أنواعها.
أما إذا أصررنا على لزوم الموالاة بين الإيجاب والقبول أمكننا الرجوع إلى العرف المحقق لمصداقية العقد والعرف مرن في هذه الحالة ولا يعتمد الطريقة العقلية المجردة تمامًا كما رأيناه يتسامح في الفاصل الحاصل بين الإيجاب والقبول، وفي قيام الإشارة أو الفعل مقام اللفظ.
وحينئذ يمكن القول بأن الموالاة في كل مورد بحسبه، فإذا كان الاتصال تلفونيًا لم يكن الفاصل فاصلًا في نظر العرف، وإذا كان إجراء العقد كتابيًا وتمت الاستجابة بمجرد وصول الرسالة الموجبة فقد تحققت الموالاة بحسب ذلك المورد وكذلك الفاكسميلي وأمثالها.
стр. 8471
* النقطة الثالثة: البحث عن خيار المجلس في هذه الحالة:
هناك خلاف بين العلماء في هذا الخيار الذي يعطي كل بائع الحق في فسخ العقد ولو بعد إبرامه ما دام المجلس مستمرًا، فإذا افترقنا لزم البيع إذ أثبته الكثير من علماء السلف والشافعية والحنابلة وأنكره المالكية والحنفية.
أما الإمامية فهم يجمعون على وجود هذا الخيار والنصوص المنقولة عن أئمة أهل البيت مستفيضة أو متواترة، كما قال المحقق النجفي (١) .
ومنها رواية الصادق (ع) في صحيح ابن مسلم وصحيح زرارة (٢) عن رسول الله صلى الله عليه وآله: البيعان بالخيار حتى يفترقا، وقوله ﵇ في صحيح الفضيل (٣) لما قال له ما الشرط في غير الحيوان:البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما. وفي صحيح الحلبي (٤) : ((أيما رجل اشترى بيعًا فهما بالخيار حتى يفترقا فإذا افترقا وجب البيع)) . وقد اتفق علماء السنة على الحديث التالي:
روى ابن عمر أن رسول الله ﵌ قال: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يفترقا وكانا جميعًا أو يخيِّر أحدهما الآخر، فإن خيّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع)) (٥) .
والظاهر أنه صريح في خيار المجلس ولا معنى لحمله على خيار القبول كما حمله الحنفية والمالكية على ذلك، فهو خلاف ظهور الحديث خصوصًا في عبارة (ما لم يتفرقا) الآتية بعد تبايع الرجلان أي بعد أن تم العقد وما زالا في المجلس فهما بالخيار.
стр. 8472
إلا أنه يجب الإذعان بأنه لم يثبت نص وفتوى في ما عدا البيع.
ولكن ما المراد بمجلس الخيار؟ لا سبيل لنا لمعرفة المفهوم هنا إلا سبيل العرف بل لم يرد لفظ المجلس إلا بشكل عارض في بعض الروايات (١) .
والظاهر منه جو اللقاء بين المتبايعين، وحينئذ فيمكن أن يدعي أحد أن بقاء الاتصال التلفوني على بعد يعني بقاء مجلس التعاقد والخيار، وانقطاعه حتى – ولو كان صدفة لا عن اختيار – يعني انفضاض مجلس العقد وذهاب الخيار إذ إن العرف لا يفترق لديه أن يتم اتصال تلفوني مباشر أو بدني في مجلس واحد، وعنوان (افترقا) لا يصدق على الاتصال التلفوني حتى ولو كانا في طائرة أو سيارة متحركة.
وهل يمكننا تصور خيار المجلس في ما عدا الاتصال التلفوني؟ ذلك أمر مشكل حقًا ومن هنا فلا نستطيع تصور الخيار في غير ذلك أو شبهة كالاتصال من خلال المقابلة التلفزيونية المبثوثة عبر الأقمار الصناعية فهو كالتلفون بل أشد اتصالًا.
أما الرسالة والفاكسميلي وأمثالها فيبعد تصور مجلس فيهما حتى يتصور فيهما الخيار.
ومن هنا يعلم حكم النقطة الرابعة في مجال إمكان الرجوع بعد صدور الكتابة من قبل أي من الطرفين فإن الموجب بإيجابه أوجد العقد، إلا أنه لم يثبت إلا بعد صدور القبول، وحينئذ فله الرجوع قبل وصول الرسالة، أما إذا وصلت وصدر القبول فلا مجال لرجوع أي منهما عن العقد لعدم إمكان تصور خيار المجلس في هذه الحالة (حالة الكتابة) .
هذا في البيع، أما في العقود الأخرى فإن الأمر يتبع كونها من العقود اللازمة أو الجائزة، ووجود خيارات أخرى غير خيار المجلس فإنه يختص بالبيع والله أعلم.
الشيخ محمد علي التسخيري
стр. 8473
بحث
سعادة الدّكتور عبْد الله محمّد عبْد الله
مستشار محكمة الاستئناف العليا بالكويت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد خاتم النبيين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الفقهاء العاملين والأئمة المجتهدين، وبعد:
فيحسن قبل الخوض في موضوع البحث أن نخصه بمقدمة ومدخل للدراسة نوجز فيها بعض المبادئ:
* أولًا: تحدث الفقهاء عن مجلس العقد، وخلاصته أن بعض العقود يشترط لوجوده شرعًا اتحاد مجلس الإيجاب والقبول، بمعنى أن يكون المتعاقدان في مكان واحد كعقود المعاوضات بالإجماع، وكذا سائر التمليكات على اختلاف في بعضها بين الأئمة كالهبة، غير أن الوصية بالإجماع لا يشترط فيها اتحاد مجلس الإيجاب والقبول، إذ الإيجاب فيها يكون حال حياة الموصي وأما القبول فلا يصح إلا بعد وفاته.
* وبعض العقود لا يشترط فيها اتحاد المجس كالوكالة ونحوها. ومن ذلك كل العقود التي يكون فيها أحد الركنين يمينًا والثاني معاوضة كالخلع.
فإن كان الإيجاب من الزوج صح قبول الزوجة في مجلس آخر، وذلك لأن الإيجاب هنا بمعنى اليمين أما إذا كان من الزوجة فلا بد أن يكون جواب الزوج في المجلس لأنه في هذه الحالة بمعنى المعاوضة.
* ثانيًا: المجلس قد يكون مكانا مستقرًّا وقد يكون متحركًا كالدابة والسفينة.
فلو تعاقدا البيع مثلًا وهما في بيت أو سفينة وهي تجري صحَّ العقد ولا ينقطع المجلس بجريان السفينة.
ولو عقداه وهما يمشيان أو يسيران على دابتين أو دابة واحدة في محل واحد، فإن خرج الإيجاب والقبول منهما متصلين انعقد البيع ولو كان بينهما فصل وسكوت، وإن قلَّ، لا ينعقد لأن المجلس تبدل بالمشي والسير وإن قلّ. يجوز في الماشين أيضًا ما لم يتفرقا بذاتيهما.
стр. 8474
* ثالثًا: وإنما اشترط اتحاد المجلس في البيع ونحوه، لأن الإيجاب يحتاج إلى جواب يلاقيه فوجب أن يكون القبول عقب الإيجاب مباشرة حتى يتصور الانعقاد بينهما، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وقال الحنفية والمالكية: يجوز أن يتراخى القبول إلى آخر المجلس ولو طال الزمن بينهما ما دام المجلس على حاله لم يتخلل فيه القبول والإيجاب ما يدل على الإعراض من كل واحد من المتعاقدين.
* رابعًا: وكما يكون كل من الإيجاب والقبول بالقول أو بالتعاطي على خلاف فيه بين الفقهاء كذلك يكونان أو أحدهما بالرسالة أو الكتابة وكل واحد من المتعاقدين في مكان غير المكان الذي فيه الآخر. وجدير بالذكر أن الرسالة في لسان الفقهاء يعبر بها عن الرسول بأن يرسل شخص إلى آخر رسولًا ويقول للرسول: إني بعت داري هذه من فلان الغائب بكذا فاذهب إليه وقل له: إن فلانًا أرسلني إليك وقال لي: قل له: إني بعت داري الفلانية من فلان بكذا، فذهب الرسول وبلَّغ الرسالة فقال المشتري في مجلسه ذلك: قبلت، انعقد البيع، لأن الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسل، ناقل كلامه إلى المرسل إليه، فكأنه حضر بنفسه وأوجب البيع وقبل الآخر في المجلس. وفي هذا قلت المادة (١٤٥٠) من مجلة الأحكام العدلية: (الرسالة هي تبليغ أحد كلام الآخر إلى غيره من دون أن يكون له دخل في التصرف، ويقال للمبلِّغ رسول، ولصاحب الكلام مرسل، وللآخر مرسل إليه (١) .
* خامسًا: أما التعاقد عن طريق الكتابة وما في معناها مما استجد من أمور كالتلكس والبرق وكذلك عن طريق الهاتف أو اللاسلكي وما في معناهما مما ينقل الكلام بين غائبين ولكن مباشرة بحيث يسمع كل منهما الآخر وقت صدوره فهو محور الكلام وسنتكلم عليه من جوانبه المختلفة في بحثين:
الأول: ونبحث فيه التعاقد عن طريق الكتابة وما في حكمها كالتلغراف أو التلكس وما يشبههما من وسائل الاتصال الأخرى، ونذكر مذاهب العلماء في التعاقد عن طريق الكتابة ثم نستظهر حكمه في القوانين الوضعية.
والثاني: ونخصصه للتعاقد عن طريق الهاتف واللاسلكي متلمسين ما يقارب ذلك مما ورد التمثيل به في المؤلفات ثم منزع القوانين الوضعية فيه.
стр. 8475
المبحث الأول
في التعاقد عن طريق الكتابة وما في حكمها
كالتلغراف والتلكس وما أشبه ذلك
من وسائل الاتصال الأخرى
وفيه مطلبان:
* الأول: في مذاهب العلماء في التعاقد عن طريق الكتابة ونحوها ثم حكم رجوع الموجب.
* الثاني: في منزع القوانين الوضعية.
المطلب الأول
في مذاهب العلماء في التعاقد عن طريق الكتابة
التعاقد عن طريق الكتابة والمراسلة تزداد شيوعًا يومًا بعد يوم، خاصة في المسائل التجارية. وقد تطورت طرق المراسلة تطور العلوم و (الثقافة والتكنولوجيا) ، وأخذت القوانين الوضعية تفسح لها مجالًا رحبًا بين نصوصه وتخصص لبحثه أبوابًا لأهميته، سواء لتحديد وقت نشوء العقد وترتب آثاره بارتباط الإيجاب والقبول أو تحديد مكان انعقاد العقد لمعرفة القانون الواجب التطبيق على التصرفات ذات العنصر الأجنبي هل هو قانون بلد الإيجاب أم قانون بلد القبول. أما بالنسبة للجانب الفقهي فإن المصادر الفقهية المختلفة تكاد تلتقي في الجملة على جواز التعاقد كتابة، وسأجمل الاتجاهات الفقهية فيه كما يلي:
أولًا- مذهب الأحناف
مثَّل الأحناف للتعاقد عن طريق الكتابة بأن يكتب الرجل إلى الرجل: أما بعد فقد بعت كذا منك بكذا، فبلغه الكتاب فقال في مجلسه اشتريت، انعقد البيع بينهما ويكون كأن الموجب حضر بنفسه وخاطب الآخر بإلايجاب وقبل منه الآخر في المجلس (١) .
وقال ابن عابدين: قلت: ويكون بالكتابة من الجانبين فإذا كتب اشتريت كذا بكذا فكتب إليه البائع قد بعت فهذا بيع كما في التتار خانية. قوله: فيعتبر مجلس بلوغها أي بلوغ الرسالة أو الكتابة. قال في الهداية: الكتابة كالخطاب وكذا الإرسال حتى اعتبر مجلس بلوغ الكتابة وأداء الرسالة.
ثم قال: وقال شمس الأئمة السرخسي في كتاب النكاح من مبسوطه: كما ينعقد النكاح بالكتابة ينعقد البيع وسائر التصرفات بالكتابة أيضًا.