وفي حديث صحيح آخر: ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينًا بعين. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)) (١) .
وكذلك الحكم في عقد السَّلَم حيث يجب تسليم الثمن (رأس مال السَّلَم) في مجلس العقد، خلافًا للمالكية حيث أجازوا تأخيره ثلاثة أيام، ولكنهم اختلفوا فيما لو تأخر تسليمه أكثر من ثلاثة أيام بدون اشتراط التأخير حيث ذهب بعضهم إلى فساده، وبعضهم إلى صحته، أما إذا كان التأخير عن الثلاثة باشتراط، فقد فسد العقد بالاتفاق (٢) .
ثالثًا: إن مجلس العقد بالتليفون واللاسلكي ونحوهما، ينتهي بانتهاء المحادثة كما سبق. إلا إذا كان العقد يتم من خلال المزايدة، حيث ذهب المالكية إلى أن الشخص الذي يعرض رضاه بثمن معين في المزايدة فليس له حق الرجوع حتى ولو طال، يقول العلامة الصاوي: (ولا يضر في البيع الفصل بين الإيجاب والقبول إلا أن يخرج عن البيع بغيره عرفًًا، وللبائع إلزام المشتري في المزايدة ولو طال حيث لم يجرِ عرف بعدمه) . (٣) .
فعلى ضوء هذا نقول: إذا اتصل شخص عبر التليفون بمن يدير المزاد، فعرض عليه قبوله بمبلغ كذا، ثم سد التليفون، ورسا عليه بنفس المبلغ فإنه لا مندوحة له من قبوله بالعقد، وهذا رأي وجيه له وجاهته واعتباره حيث يؤدي إلى حماية العقود من الفوضى والاضطراب، والإضرار بالناس، لأنه إذا لم يلزم به يؤدي إلى الإضرار بالبائع – مثلًا، لأنه أنهى المزاد لأجله، فإذا لم يلزم به، فيحنئذٍ يؤدي إلى الإضرار به بلا شك، وهو مدفوع في هذه الشريعة: ((لا ضرر ولا ضرار)) (٤) .
رابعًا: إن قولنا بأن مجلس العقد التعاقد بالتليفون ينتهي بمجرد إنهاء المحادثة خاص فيما إذا لم يُعْطِ أحدهما للآخر المهلة، أو لم يشترط لنفسه الخيار، فإذا اشترط أحدهما، أو كلاهما ذلك فإن لِمَنْ له الخيار، أو المهلة، أن يقبل في المدة المعينة.
стр. 8577
القسم الثاني
الوسائل الحديثة لنقل المكتوب مباشرة
تشمل هذه الوسائل البرقية، والتلكس، والفاكس، حيث تطورت هذه الوسائل بشكل رهيب حيث أصبح من مقدور الإنسان أن ينقل ما كتبه خلال ثوانٍ، أو دقائق معدودة، إلى المكان الذي يريده ما دام لديهما جهاز الفاكس، أو التلكس، حيث ينقل حرفيًّا، بل إن الفاكس ينقل صورة منه طبق الأصل فيوصله إلى الجهاز الآخر مهما كان بعيدًا.
وأما حكم العقود من خلال جهاز الفاكس هو كحكم التعاقد بالكتابة سواء بسواء، إذ أنه ينقل صورة حقيقية من خطابك وتوقيعك دون أي تغيير، أو تبديل، فكما شرحنا سابقًا فإن جهاز الفاكس حينما تضع عليه الورقة المطلوب نقلها إلى آخر، وتدوس على الزر الخاص، فإنه يصوره لك صورة ويرسلها إلى الجهاز الثاني لتظهر الصورة بوضوح على الورق في الجهاز الثاني.
وأما البرقية والتلكس: فهما كذلك مثل الكتابة لكنه مع فارق أن البرقية، أو التلكس لا ينقلان صورة، وإنما يكتب العقد مرة أخرى، لينقل المكتوب إلى الجهاز الثاني، فهو أشبه ما يكون بخطاب شخص يطلب من آخر أن يكتبه ليرسله إلى الثاني، ومن هنا فلا بد من ملاحظة كون هذا الخطاب من الشخص الفلاني، فإذا ادَّعى أحدهما التزوير فعليه الإثبات من خلال الوسائل المتاحة له.
وعلى أية حال فإن التعاقد بهذه الأجهزة مثل التعاقد عبر الكتابة، ولذلك نذكر آراء الفقهاء في هذه المسألة، ثم نعود لنوضح حكم إجراء العقود بهذه الوسائل الحديثة من حيث مجلس العقد، ووقت تمام العقد، وخيارات المجلس الثلاثة.
التعاقد بالكتابة:
١- ثار خلاف بين الفقهاء في مدى الاعتداد بالكتابة كتعبير عن الإرادة سواء كانت بين حاضرين، أم غائبين، ويمكن ضبط توجهاتهم في ثلاثة اتجاهات وهي:
اتجاه التوسع، وهذا يمكن في اعتبار الكتاب كالخطاب سواء كان بين الحاضرين أو الغائبين، وإلى هذا ذهب المالكية، والحنابلة، وبعض الشافعية، لكنهم جميعًا – ماعدا وجهًا للشافعية – استثنوا من هذا الحكم النكاح لخصوصيته، واشتراط الشهود فيه (١) .
стр. 8578
٢- اتجاه التضييق، وهو اتجاه الذين يقولون بعدم صلاحية الكتابة لإنشاء العقود بها إلا بالنسبة للعاجزين عن الكلام، وهذا مذهب الأباضية، والراجح في مذهب الإمامية، ووجه الشافعية، ورأي داخل المذهب الزيدي (١) .
٣- اتجاه التوسط، وهذا مذهب الحنفية الذين جعلوا الكتاب كالخطاب بالنسبة للغائب، دون الحاضر، غير أنهم ذهبوا إلى أن النكاح إنما يتم بالكتابة إذا أحضر الجانب الثاني للشهود، وقرأ عليهم الكتاب، ثم يقول: قبلت أو زوجت، أو تزوجت (٢) .
الأدلة والمناقشة والترجيح:
وقد استدل كل فريق على دعواه، حيث استدل المضيقون من دائرة الكتاب بأن الكتابة ليست وسيلة من وسائل التعبير المعتبرة، حيث إنها تحتمل التزوير وإرادة تحسين الخط فقط، ومع هذا الاحتمال لا يثبت بها العقود التي تترتب عليها آثار كثيرة من حل وحرمة، ومن انتقال الملكية، ونحوه، بالإضافة إلى أن وسائل التعبير عن العقود جاءت جميعها بالألفاظ، ولم يشتهر في عصر النبي ﷺ إنشاء العقود بالكتابة. غير أنه يستثنى من ذلك العاجز عن النطق الذي لا يجد حيلة إلى النطق، ولا يهتدي إلا إلى الإشارة أو الكتابة.
ويمكن أن تناقش هذه الأدلة بأن مبناها على أن الكتابة وسيلة ضرورية ولذلك لا تصلح إلا للعاجز عندهم، وهذا غير مسلم، لأن التعبير عما في النفس كما يمكن أن يكون باللفظ يمكن أن يكون بالكتابة، كما أننا لا نسلم أن الكتابة لم تستعمل كتعبير عن العقود في عصر الرسول ﷺ ، فالأحاديث الصحيحة شاهدة على أن الرسول ﷺ قد استعملها في رسائله مع الملوك وغيرهم للتعبير عما يريده منهم من الدخول في الإسلام (٣) ، ولو سُلِّم ذلك، فلا يدل عدم استعمالها في عصره على عدم جواز استعمالها، وذلك لأن مبنى هذه الدلالات على العرف، وأن الجمهور على عدم التقيُّد بالصيغ الواردة في الشرع ما دامت لا تصطدم مع نص شرعي، ولا دليل على منع الكتابة.
ومن جانب آخر إن ما أوردوه من احتمال التزوير والتقليد يتلاشى مع وجود القرائن الدالة عليه، بالإضافة إلى أن ذلك داخل في عملية الإثبات، وكلامنا هنا في مدى دلالة الكتابة على الرضا (٤) .
стр. 8579
وأما الاتجاه الوسط فقد استدل بالأدلة السابقة لكنهم قالوا: إن الحاجة ماسة بالنسبة للغائبين دون الحاضرين، فيترخص للغائبين دون غيرهما، فلماذا يلجأ الحاضران إليها وهما قادران على النطق الذي هو الأقوى؟؟!
ويمكن أن يجاب عن هذا بأن النزاع في أن الكتابة هل تصلح للدلالة على ما في النفس أم لا؟ فإذا قلنا: نعم، فأي تقييد في حقها، وتضييق لنطاقها بما بين الغائبين لا يتفق مع هذا الجواب، ولا مع المبدأ السائد في الشريعة الغراء، القاضي بأن أساس العقود هو الرضا، وأما إذا كان جوابنا بالنفي فلا بد أن لا نستثنى الغائبين، لأن التعبير عن الرضى ضروري في إنشاء العقد بحيث لا يتم بدونه، كما أنه لا توجد ضرورة بالنسبة للغائبين إذ يمكنهما التوكيل (١) .
واستدل الموسعون بأن الكتابة وسيلة جيدة عن التعبير عن الإرادة وأن الرسول ﷺ قد استعملها في خطاباته مع الملوك، فدعاهم إلى الدخول في الإسلام (٢) ، فإذا كانت الكتابة صالحة للتعبير عن نشر الدعوة، فكيف لا تكون صالحة لإنشاء العقد؟؟ قال الكاساني: (إن الكتابة المرسومة جارية مجرى الخطاب، ألا ترى أن رسول الله ﷺ ، كان يبلغ بالخطاب مرة وبالكتاب أخرى ... وبالرسول ثالثًا، وكان التبليغ بالكتاب والرسول كالتبليغ بالخطاب، فدل على أن الكتابة المرسومة بمنزلة الخطاب) (٣) ، بل إن القرآن الكريم قد الكتابة على الشهادة في آية الدين (٤) .
وهذا هو الراجح الذي يدعمه الدليل ويتفق مع قواعد الشريعة وأصولها القاضية برفع الحرج ومبادئها الخاصة بالعقود الدالة على أن الأساس هو التراضي دون النظر إلى التقيد بأية شكلية، بالإضافة إلى أن الشرع علق حل أكل أموال على التراضي، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٥) ، ومع ذلك لم يفصل في وسائل التعبير عنه، كما أننا لا نجد لها تحديدًا دقيقًا في اللغة فيناط حينئذٍ بالعرف، والعرف جار قديمًا وحديثًا على صلاحية الكتابة للتعبير عن الرضا والإرادة، ولذلك فهي صالحة لإنشاء العقود (٦) .
стр. 8580
صعوبات فنية في التعاقد بالبرق والتلكس والفاكس:
لا شك أن هناك صعوبات فنية في التعاقد بهذه الوسائل تكمن في كيفية تصور مجلس العقد، ووقت تمامه، وما يترتب على المجلس من خيارات الأمر الذي يقتضي معالجتها بدقة وأناة.
ولا يخفى أن مجلس العقد بالنسبة للحاضرين واضح يسهل تصوره، لكن الصعوبة قد تأتي لتصوره فيما لو كانا غائبين مثل التعاقد بالبرق أو التلكس، أو الفاكس، أو بعبارة أخرى: التعاقد عن طريق المكتوب، والسبب في هذه الصعوبة وجود المسافة الزمنية والمكانية بين الإيجاب والقبول، وكيفية وصول القبول إلى علم من وُجِّه إليه الجواب، وأيضًا فإن التساؤل يثور حول الوقت الذي يتم فيه العقد، هل يتم بمجرد قبول من أرسل إليه البرقية، أو التلكس، أو الفاكس، (وهذا ما يسمى في الفقه المدني الوضعي بنظرية إعلان القبول) . أو أنه يتم بقبوله، وإرساله إلى الموجب (وهذا ما يسمى في الفقه المدني الوضعي بنظرية تصدير القبول) ، أو أنه يتم بإيصال الجواب إلى الموجب – أي يصله القبول – من خلال الرسالة – أو البرق، أو التلكس أو الفاكس، بحيث إذا وصل إليه فقد تم العقد حتى ولو لم يعلم بمحتواه (وهذا يسمى في الفقه الوضعي بنظرية تسليم القبول) أو أنه لا يتم العقد إلا إذا وصل القبول إلى الموجب وعلم به فعلًا (وهذا يسمى في الفقه المدني الوضعي بنظرية العلم بالقبول) (١) .
ولا شك أن لكل نظرية من هذه النظريات أنصارها وروادها، كما أن لكل واحدة منها سلبياتها وإيجابياتها، ولكن الغالب في الفقه الوضعي الحديث يتجه إلى تفضيل نظرية الإعلان عن القبول على غيرها لما لها من مزايا عدة من أهمها:
أولًا: إن التماثل في جميع الجهات بين عقود الحاضرين، وعقود الغائبين أمر غير عملي، وذلك لاختلاف طبيعة التعاقد في كل منها، ومن ثم فلا ينبغي اشتراط وصول القبول إلى علم الموجب، بل يكفي مجرد تعبيره عن إرادته في القبول إذ إن العقد ليس إلا الإيجاب والقبول، وقد حصلا من خلال قبوله في مجلس الوصول.
ثانيًا: إن هناك صعوبة في تحديد وقت انعقاد القبول، إذا قلنا بغير نظرية الإعلان، فليس من الميسور معرفة لحظة إرسال الخطاب، أو تسليم القبول، أو العلم به، بالإضافة إلى احتمال الإنكار، وتأخير الاطلاع عليه عمدًا، وغير ذلك مما يؤدي إلى عدم استقرار العقود، وإلى الفوضى التي ينبغي أن تكون المعاملات والعقود بمنأى عنها.
стр. 8581
ثالثًا: إن الأخذ بنظرية الإعلان من شأنها كسب الوقت حيث ينشأ العقد بمجرد إعلان القبول، ولا سيما في العصر الذي يحتاج فيه إلى مزيد من السرعة في التبادل حتى لا تتعطل المصالح في حين على ضوء بقية النظريات ينبغي انتظار فترة كبيرة، ولا سيما على ضوء نظرية العلم بالقبول، حيث يمكن أن يصله الجواب لكنه لا يطلع عليه، لأي سبب من الأسباب، ومع ذلك يؤدي إلى عدم معرفة نتيجة الصفقة. ومع ذلك فإن القانون المدني المصري، والعراقي أخذا بنظرية العلم بالقبول، وصرح الفقه الإنجليزي بأن القاعدة العامة المستقرة في القضاء الإنجليزي تقتضي وجوب إحاطة العارض بقبول العرض، ما لم يكن هناك اتفاق على التنازل عن الإحاطة (١) .
تلك هي خلاصة موجزة جدًّا في الفقه الوضعي، فلنعد إلى فقهنا الإسلامي العظيم لنرى كيف عالج هذه الصعوبات الفنية التي تتعلق بمجلس العقد ووقت تمام العقد ثم بالخيارات، التي تترتب على المجلس.
أولًا- مجلس العقد في التعاقد بالبرق، والتلكس، والفاكس:
عالج الفقه الإسلامي هذه المسألة عند بحثه عن مجلس العقد بين الغائبين سواء كان عن طريق الكتابة، أو الرسول، ونحن نذكر هنا بعض النصوص للفقهاء، ثم نعقبها بالتعليق.
فقد صرح الحنفية بأن الأصل هو اتحاد المجلس بأن يقع الإيجاب والقبول في مجلس واحد، ولكن مجلس التعاقد بين الغائبين هو مجلس وصول الخطاب أو الرسول، قال الكاساني: (وأما الكتابة، فهي أن يكتب الرجل إلى رجل: أما بعد فقد بعت عبدي فلانًا منك بكذا فبلغه الكتاب، فقال في مجلسه: اشتريت، لأن خطاب الغائب كتابه، فكأنه حضر بنفسه، وخاطب بالإيجاب وقَبِل الآخر في المجلس ... ) (٢) . وجاء في الهداية، والفتاوى الهندية وغيرهما: (والكتاب كالخطاب حتى اعتبر مجلس بلوغ الكتاب، وأداء الرسالة) (٣) ، ويقول النووي: (وإن قلنا: يصح – أي البيع بالمكاتبة – فشرطه أن يقبل المكتوب إليه بمجرد اطلاعه على الكتاب ... وإذا صححنا البيع بالمكاتبة جاز القبول بالكتب، وباللفظ، ذكره إمام الحرمين وغيره ... قال الغزالي في الفتاوى: إذا صححنا البيع بالمكاتبة، فكتب إليه فقبل المكتوب إليه ثبت له خيار المجلس ما دام في مجلس العقد) (٤) .
ويظهر من هذه النصوص، وغيرها أن مجلس العقد بالنسبة للتعاقد بالبرقية، أو التلكس، أو الفاكس، هو مجلس وصول البرقية، أو التلكس أو الفاكس، فإذا وصل وقرأه وقال: قبلت، أو كتب الموافقة فقد انعقد العقد.
ومن الجدير بالتنبيه عليه أن اتحاد المجلس لا يشمل بعض العقود مثل الوصية والإيصاء، والوكالة، حيث إن القبول في الوصية يكون في مجلس آخر بعد وفاة الموصي (٥) .
стр. 8582
ثانيًا- وقت تمام العقد:
ذكرنا فيما سبق أن الفقه المدني الوضعي قد اختلف في هذه المسألة اختلافًا كبيرًا حتى توزعت مدارسه بين أربع نظريات، وهي نظرية إعلان القبول، ونظرية تصدير القبول ونظرية تسليم القبول، ونظرية العلم بالقبول.
ونحن نعرض هنا بعض نصوص الفقهاء ليتبين لنا بوضوح وجهة نظرهم بهذا الخصوص ولا سيما أن بعض الباحثين أنكروا وجود وجهة نظر واضحة للفقه الإسلامي في هذا الصدد (١) .
يقول المرغيناني الحنفي: (والكتاب كالخطاب، وكذا الإرسال حتى اعتبر مجلس بلوغ الكتاب، وأداء الرسالة) (٢) ، ويقول الكاساني: (وأما الكتابة فهي أن يكتب الرجل إلى رجل: أما بعد فقد بعت كذا منك، فبلغه الكتاب، فقال في مجلسه: اشتريت – أي انعقد العقد – لأن خطاب الغائب كتابه فكأنه حضر بنفسه وخاطب بالإيجاب وقبل الآخر في المجلس ... ) (٣) ، وقال تاج الشريعة: (وصورة الكتابة أن يكتب إلى رجل ... فلما بلغه الكتاب وقرأه وفهم ما فيه قَبِل في المجلس صح البيع كذا في العيني ... ) (٤) ، وقال ابن عابدين: (فإن قَبِل – أي الغائب – صح العقد) (٥) .
وهذه النصوص لفقهاء الأحناف تدل بكل وضوح على أن العقد بالكتابة – ومنها البرق والتلكس والفاكس، يتم بمجرد القبول الصادر من الشخص الموجه إليه، واعتبروا مجلس وصول المكتوب مجلس العقد، بل اعتبروا المكتوب نفسه بمثابة حضور الموجب الكاتب نفسه، فعلى ضوء ذلك فإن الحنفية يقولون بنظرية إعلان القبول.
وجهة نظر والرد عليها:
وقد استنبط بعض الباحثين (٦) من بعض النصوص الحنفية الدالة على اشتراط سماع كل من المتعاقدين كلام صاحبه في صحة العقد (٧) ... إن الحنفية يقولون بنظرية العلم بالقبول، حيث قال: (إن منطق القاعدة التي تقول بوجوب سماع الموجب القبول في التعاقد بين الحاضرين تقتضي القول بوجوب علم الموجب بالقبول في التعاقد بين غائبين، والسماع في حالة حضور الموجب يقابله العلم حالة غيابه) (٨) .
стр. 8583
ويمكن أن نرد على هذا بسهولة، وذلك لأن لازم المذهب ليس بمذهب، هذا أولًا، وثانيًا: إن الحنفية صرحوا – كما رأيت – بأن العقد يتم في الكتاب في مجلس وصوله إلى القابل من خلال قبوله في المجلس، وثالثًا: إن قياس العقد بين الغائبين على العقد بين الحاضرين قياس مع الفارق، لعدة وجوه من أهمها أن الإيجاب في العقد بين الحاضرين مرتبط بمجلس صدوره فيه بحيث إذا انفض المجلس انعدم الإيجاب ولم يبق له وجود في حين أن الإيجاب في العقد بين الغائبين يظل مستمرًّا إلى حين وصوله إلى الشخص الثاني، ويبقى طول بقائه في مجلس الوصول إلا إذا صدر ما يدل بوضوح على إعراضه عنه – كما سبق – وقد صرح الحنفية بهذا الفرق. قال الكاساني: (إن اتحاد المجلس شرط للانعقاد، ولا يتوقف أحد الشطرين من أحد العاقدين على وجود الشرط الآخر إذا كان غائبًا، أي عن طريق الكتابة أو الرسالة) ، وقال أيضًا: (والأصل في هذا أن أحد الشطرين من أحد العاقدين في باب البيع يتوقف على الآخر في المجلس، ولا يتوقف على الشطر الآخر من العاقد الآخر فيما وراء المجلس بالإجماع إلا إذا كان عنه قابلا، أو كان بالرسالة، أو بالكتابة) (١) ، ورابعًا: إن نصوص الحنفية في وجوب سماع كل من العاقدين كلام الآخر خاصة في التعاقد بالكلام، دون التعاقد بالوسائل الأخرى، مثل التعاطي والإشارة والكتابة حيث إن كل واحدة من هذه الوسائل المعبرة عن الإرادة ليس فيها سماع مع أن العقود تتم بها، على تفصيل فيها (٢) .
وفي اعتقادنا أن بقية المذاهب أيضًا، تعتبر وقت تمام العقد حين يصل المكتوب سواء كان عن طريق شخص، أو عن طريق البرق، أو التلكس، أو الفاكس – إلى الشخص الذي وجه إليه فيقبله في المجلس، فحينئذٍ انعقد العقد، لكن المذاهب التي تقول بخيار المجلس – كالشافعية والحنابلة- تعطي حق خيار المجلس للكاتب والمكتوب إليه ما دام المكتوب إليه في مجلسه، وأما المذاهب التي لا تعترف بخيار المجلس فإن العقد يصبح تامًّا بمجرد القبول كما سبق.
وإليك بعض نصوص الفقهاء في هذا المضمار، يقول النووي: (قال الغزالي: إذا صححنا البيع بالمكاتبة فكتب إليه، فقبل المكتوب إليه ثبت له خيار المجلس مادام في مجلس القبول، قال: ويتمادى خيرا الكاتب إلى أن ينقطع خيار المكتوب إليه، حتى لو علم أنه رجع عن الإيجاب قبل مفارقة المكتوب إليه مجلسه صح رجوعه ولم ينعقد البيع. والله أعلم) (٣) .
стр. 8584
وهذا النص يدل أيضًا على أنه لا يشترط في تمام العقد وصول القبول إلى الموجب الكاتب بل يكفي صدور القبول من المكتوب إليه، في مجلس الوصول، فعلى ضوء ذلك يتم العقد بين الغائبين- عن طريق المكتوب- بمجرد إعلان القبول قبل رجوع الموجب عن إيجابه، بل صرح الرافعي بأن مجلس التعاقد بين الغائبين هو مجلس اطلاع المكتوب إليه، والمرسل إليه على الإيجاب، حيث يقول: (فالشرط أن يقبل المكتوب إليه كما اطلع على الكتاب على الأصح ليقترن القبول بالإيجاب بحسب الإمكان) (١) .
وأما المالكية فمذهبهم أن الإيجاب ملزم للموجب – بشروطه – فعليه لا يتمشى مع قواعد مذهبهم أن يشترطوا علم الموجب بقبول القابل حتى يتم العقد، بل إن نصوصهم ظاهرة كل الظهور بأن البيع ونحوه ينعقد بمجرد القبول بعد صدور الإيجاب (٢) وعلى هذا نصوص الحنابلة (٣) .
فعلى ضوء ذلك نستطيع أن نقول إن جانبًا كبيرًا من الفقه الإسلامي، ومنه الفقه الحنفي والمالكي، تبنى نظرية إعلان القبول قبل ظهور هذه النظرية في الغرب بعدة قرون، والبعض الآخر – كالشافعي والحنبلي – تبنى أيضًا نظرية الإعلان ولكن مع حق خيار المجلس.
فعلى ضوء الرأي الأول يتم بالقبول في مجلس الوصول ما دام الموجب لم يرجع عن إيجابه قبل ذلك، ولذلك لا يتوقف تمامه عند الجميع إلى أن يصل القبول إلى الموجب، أو بعبارة أخرى لا يتوقف تمامه على علم الموجب بالقبول، نعم إن العلم بالشيء أو عدم العلم به قد يؤثر في بعض التصرفات، مثل عزل الوكيل حيث إنما يؤثر في تصرفاته إذا علم الوكيل بعزله صيانة الحقوق الآخري، وحماية له من الوقوع فيما يترتب على العقود من حقوق وآثار والتزامات (٤) . ومن هنا فالتعاقد بالبرق أو التلكس، أو الفاكس، يتم إذا وصل المكتوب إلى الموجه إليه وقبله في المجلس، لكنه في النكاح يحتاج إلى شهود أيضًا.
стр. 8585
ثالثًا: الخيارات المتعلقة بمجلس العقد في البرق والتلكس والفاكس:
سبق أن ذكرنا بإيجاز بأن هناك ثلاثة خيارات تترتب على مجلس العقد هي: خيار الرجوع، وخيار القبول، وخيار المجلس.
فعند الجمهور – ما عدا المالكية: عندما يكون الإيجاب بصيغة الماضي – يجوز للموجب أن يرجع من إيجابه في غير الخلع والعتق (١) قَبْل قبول المكتوب إليه، فإذا قَبِل فقد تم العقد ولزم العقد عند الحنفية والمالكية الذين لا يقولون بخيار المجلس، وأما عند الشافعية والحنابلة فيبقى لكل واحد منهما حق خيار المجلس، وأما خيار القبول فعلى ضوء ما ذهب إليه الجمهور – أي ما عدا الشافعية – فإن المكتوب إليه له الحق في القبول ما داما في المجلس إلا إذا صدر من أحدهما ما يدل على الإعراض عن العقد، وأما الشافعية فاشترطوا الفورية في القبول، لكنهم أعطوا حق خيار المجلس بعد القبول للطرفين.
يقول الكاساني: (ولو كتب شطر العقد، ثم رجع صح رجوعه، لأن الكتاب لا يكون فوق الخطاب، ولو خاطب ثم رجع قَبْل قبول الآخر صح رجوعه فههنا، أولى، وكذا لو أرسل رسولًا ثم رجع، لأن الخطاب بالرسالة لا يكون فوق المشافهة، وذا محتمل للرجوع فههنا أولى) (٢) . وجاء في الفتاوى الهندية: (وللموجب أيًّا كان أن يرجع قبل قبول الآخر) (٣) ، ولا يشترط وصول رجوعه إلى علم القابل، قبل قبوله، فقد نقل ذلك صاحب الفتاوى الهندية عن علماء المذهب فقال: (ويصح رجوع الكاتب والمرسل عن الإيجاب الذي كتبه، وأرسله قبل بلوغ الآخر وقبوله سواء علم الآخر أو لم يعلم، حتى لو قبل الآخر بعد ذلك، لا يتم البيع، كذا في فتح القدير) ، وقال أيضًا: (وبعدما كتب شطر العقد، أو أرسل رسولًا إذا رجع عن ذلك صح رجوعه سواء علم الرسول أو لم يعلم، كذا في العيني شرح الهداية) (٤) .
وأما عند الشافعية فإن القبول لا بد أن يكون فور وصول البرقية أو التلكس أو الفاكس، يقول النووي: (قال أصحابنا: وإن قلنا: يصح – أي البيع ونحوه بالمكاتبة – فشرطه أن يقبل المكتوب إليه بمجرد اطلاعه على الكتاب، هذا هو الأصح وفيه وجه ضعيف: أنه لا يشترط القبول، بل يكفي التواصل اللائق بين الكتابين) ، ثم قال: (وإذا صححنا البيع بالمكاتبة جاز القبول بالكتب وباللفظ، ذكره إمام الحرمين وغيره ... ) (٥) .
стр. 8586
وأما المالكية فقد ذهبوا إلى أن الإيجاب ملزم – بشروطه كما سبق – وحينئذٍ إذا كتب البرقية أو الفاكس، أو التلكس فقد أصبح ملزمًا به فلا يجوز له الرجوع ما دام الموجه إليه قَبِلَه في مجلس الوصول.
وقد رجحنا قول الجمهور القائلين بعدم فورية القبول، فعلى ضوء ذلك يحق للموجه إليه البرقية أو التلكس، أو الفاكس أن يقبل العرض الموجه إليه ما دام في مجلس وصول الإيجاب ما دام لم يعرض عنه، أما إذا أعرض عنه، أو قام من مجلسه دون قبوله، فقد سقط حقه، وبذلك يجمع بين مصلحة التروّي والتفكير، ووضع ضوابط من خلال التقيد بالمجلس.
ثم إذا قبل الموجه إليه في المجلس فقد تم العقد ولزم عند الحنفية والمالكية ولم يبق فيه حق خيار المجلس، ولكنه لا يصبح لازمًا عند الشافعية والحنابلة ومن معهم إلا بعد أن يفارق الموجه إليه مجلس الوصول أو يعرض عنه تمامًا (١) .
خصوصية للنكاح، فهل تعمم؟
ذكر الفقهاء الذين أجازوا عقد النكاح عن طريق الكتابة أنه يجوز للمرسل إليه إذا وصله الكتاب أن يخرج من مجلسه ليذهب إلى مجلس آخر يجد فيه الشهود على قبوله، وهذه المفارقة لا يعتد بها نظرًا إلى أن عقد النكاح يشترط فيه الإشهاد عند الجماهير، أو الإعلان عند بعض، فقد قال ابن عابدين: (وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده في مبسوطه: الكتاب والخطاب سواء إلا في فصل واحد، وهو أنه لو كان حاضرًا مخاطبها بالنكاح فلم تجب في مجلس الخطاب، ثم أجابت في مجلس آخر فإن النكاح لا يصح، وفي الكتاب إذا بلغها، وقرأت الكتاب ولم تزوج نفسها منه في المجلس الذي قرأت الكتاب فيه، ثم زوجت نفسها في مجلس آخر بين يدي الشهود، وقد سمعوا كلامها وما في الكتاب يصح النكاح، لأن الغائب إنما صار خاطبًا لها بالكتاب والكتاب باقٍ لها في المجلس الثاني، فصار بقاء الكتاب في مجلسه، وقد سمع الشهود ما فيه في المجلس الثاني، بمنزلة ما لو تكرر الخطاب من الحاضر في مجلس آخر، فأما إذا كان حاضرًا فإنما صار خاطبًا لها بالكلام، وما وجد من الكلام لا يبقى إلى المجلس الثاني، وإنما سمع الشهود في المجلس الثاني أحد شطري العقد) ، وعلق عليه ابن عابدين فقال: (وحاصله أن قوله: تزوجتُكِ بكذا إذا لم يوجد قبول يكون مجرد خطبة منه لها، فإذا قبلت في مجلس آخر لا يصح، بخلاف ما لو كتب ذلك إليها، لأنها لما قرأت الكتاب ثانيًا، وفيه قوله: تزوجتُكِ بكذا، وقبلت عند الشهود صح العقد، كما لو خاطبها به ثانيًا وظاهره أن البيع كذلك، وهو خلاف ظاهر الهداية فتأمل) (٢) .
فقد فهم العلامة ابن عابدين من تعليل شيخ الإسلام خواهر زاده أن ظاهره يدل على أن البيع مثل النكاح، في أن المكتوب إليه يكون له الحق في أن لا يقبل في مجلس الوصول وإنما في مجلس آخر ... غير أن ابن عابدين أوضح بأن هذا مخالف لظاهر الهداية.
стр. 8587
تعميم:
وإذا كان ابن عابدين فهم من تعليل خواهر زاده التعميم لكنه لم يرتضه وبين أنه مخالف لظاهر الهداية، فإن الأستاذ الجليل الشيخ علي الخفيف ﵀ ذهب إلى تعميم هذا الحكم لجميع العقود حيث قال: (وفي رأيي أن عقد البيع وغيره من عقود المال أولى بهذا الحكم من عقد النكاح، إذ يُتساهل في عقد البيع ونحوه بما لا يُتساهل به في عقد النكاح، وعلى ذلك يجوز لمن أرسل إليه الإيجاب بالكتاب إذا قرأه فلم يقبله في أول مجلس أن يقرأه في مجلس آخر، ثم يقبل، ويكون مجلس العقد مجلس كل قراءة) (١) .
بل ذهب إلى أكثر من ذلك حيث ذهب إلى أن المرسل إليه إذا وصل إليه الكتاب فقرأه، أو قرأ غيره عليه، لكنه أعرض عنه، أو فارق هذا المجلس، ثم عاد إلى الكتاب مرة أخرى فقرأه أو قرأ عليه آخر في مجلس آخر فقبله، فقد تم العقد، ثم استشهد برأي بعض العلماء فقال: (ومن العلماء من اعتبر أن الإيجاب قائم بقيام الكتاب، فإذا قبل المرسل إليه في أي وقت نشأ العقد لقيام الإيجاب) (٢) .
ويمكن أن يرد على هذا التوجه نحو التعميم بما يأتي:
أولًا: أن لازم المذهب ليس بمذهب، ولا سيما أن كبار علماء الحنفية صرحوا بخلاف ذلك، وقالوا: إنه ليس للموجه إليه – الخطاب، أو البرقية، أو التلكس، أو الفاكس- الحق في القبول إلا في مجلس الوصول أو الاطلاع عليه، وبعد ذلك إذا قام من مجلسه فقد سقط حقه، إلا في النكاح لأجل الشهود فقد قال المرغيناني وغيره: (الكتاب كالخطاب حتى اعتبر مجلس بلوغ الكتابة) . وقالوا: (وإذا حصل الإيجاب والقبول لزم القبول) (٣) .
ثانيًا: إن قياس البيع على النكاح قياس مع الفارق، فالنكاح يحتاج في انعقاده وصحته إلى الشهود عند الحنفية – والجمهور – ولذلك إذا قام الموجه إليه من مجلسه إلى مجلس آخر ليقرأ المكتوب بحضور الشهود لم يُلْغِ حقه، وذلك لأن قبوله بدون الشهود لا يعتد به، فكأن الخطاب لم يصل إليه، فيعتبر حينئذٍ المجلس الثاني الذي حضره الشهود هو مجلس الوصول المعتد به شرعًا، ومن المقرر فقهًا أن المعدوم شرعًا كالمعدوم حقيقة.
وأما البيع فهو لا يحتاج إلى الشهود لا في انعقاده، ولا في صحته. فحينئذٍ يعتبر مجلس الوصول والاطلاع عليه هو مجلس العقد الحقيقي، فإذا قام وأعرض عن العقد، فقد انتهى الإيجاب فكيف يقبل بعد؟؟.
стр. 8588
يقول الأستاذ الجليل الشيخ أبو زهرة – ﵀: (إن البيع لا يقاس على النكاح، لأن النكاح يحتاج إلى شهود، ولا يلزم أن يكونوا حاضرين وقت وصول الكتاب، فيصح أن ينتظر إلى مجلس الشهود، بخلاف البيع، فإنه لا يحتاج إلى شهود) (١) .
ثالثًا: إن ذلك يؤدي على أن يعطى للرسول، والمكتوب من قوة الأثر، ما ليس لمرسلهما نفسه، يقول الأستاذ الدكتور محمد يوسف موسى: (ونحن نرى أن هذا لا يتفق مع المنطق، وفيه إعطاء للرسول والكتاب من قوة الأثر، ما ليس لمرسلهما نفسه، ثم الكتاب ليس له من الأثر إلا أنه أبلغ الطرف الآخر إيجاب صاحبه، فتعتبر قراءته إيجابًا من مرسله، فلا بد إذن من قبول الطرف الآخر، أو رفضه في المجلس ... ) (٢) .
رابعًا: إن ذلك يؤدي إلى إطالة مجلس العقد إطالة تضر بالعقد، فإذا أعطينا الحق للموجه إليه أن يقبل في أي مجلس يريده، دون التقيد بمجلس وصول الخطاب، فهذا بلا شك إضرار بمصالح الموجب، والفقهاء نظروا إلى هذه المسألة نظرة موضوعية، ولا حظوا أن الأصل في العقود الفورية بأن لا يتأخر القبول عن الإيجاب، لكن في اعتبار الفورية ضررًا على القابل إذ أنه بحاجة التروي والتفكير، كما أن في التأخير الكثير ضررًا على الموجب، وذلك ضبط الأمر بالمجلس إذ أنه جامع المتفرقات، وفي ذلك تيسير على الطرفين، يقول الكاساني: (القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين على الآخر في المجلس إلا أن اعتبار ذلك يؤدي إلى انسداد باب البيع فتوقف أحد الشطرين على الآخر حكمًا، وجعل المجلس جامعًا للشطرين مع تفرقهما للضرورة) (٣) .
بالإضافة إلى أن نصوص الفقهاء من غير الأحناف أيضًا واضحة في اعتبار المجلس سواء كان بين الحاضرين، وهو مجلس الإيجاب والقبول، أو بين الغائبين وهو مجلس وصول الرسول، أو المكتوب إليه كما سبق.
стр. 8589
فعلى ضوء ذلك فلا نرى قياس البيع ونحوه على النكاح، ولا ترجيح التعميم الذي ذهب إليه أستاذنا الجليل، ولا نرى اعتبارًا ولا وجاهة للخروج من القاعدة العامة التي استقر عليها الفقه الإسلامي، من اعتبار المجلس وانحصاره فيما بين الحاضرين بمجلس الإيجاب والقبول، وفيما بين الغائبين بوصول الخطاب والرسول والاطلاع على الإيجاب، وإذا كان الاستثناء الوحيد بخصوص النكاح له مبرره من حيث ضرورة وجود الشهود فلا نرى مبررًا في العقود التي لا يشترط فيها الإشهاد حماية للعقود من الاضطراب والإضرار، وقد يقول قائل: إن القول بهذا التعميم له مبرره أيضًا حيث يستجيب للضرورات العملية التي تقتضي هذا الخروج في حال التعاقد بين الغائبين حيث إن الشأن في التعاقد بين الغائبين عادة أن يكون غير مسبوق بمجلس للمقدمات والمساومات التي يتمكن من خلالها الموجه إليه أن يقلب الإيجاب على وجوهه المختلفة قبل صيرورته باتًّا في حقه، ذلك، ومن هنا فيكون من الوجاهة حماية القابل بالتوسعة عليه في مجلسه (١) .
للجواب عن ذلك يقال: ليس هناك في الواقع ضرورة إذ أن المجلس يسعه مهما طال حيث بإمكانه أن يجلس ساعات في مكانه ينظر إلى العقد ويقلب فيه، ويسأل حول إيجابياته وسلبياته، فما دام هو مشغولًا به لم ينقطع المجلس. بالإضافة إلى أن له حق خيار المجلس حتى بعد القبول ما دام في المجلس كما سبق. ومن هنا فخيارات المجلس توسع عليه الباب، ولم تترك له العسر والضيق.
هذا ومن جانب آخر فإن بإمكانه أن يشترط خيار الشرط لمدة معينة سواء كانت بلفظ صريح، أو غير صريح، فمثلًا لو وصل إليه خطاب، أو برقية أو تلكس أو فاكس فوجد أن شروط العقد وتفاصيله طويلة جدًّا تحتاج إلى دراسة فله الحق في قبوله واشتراط خيار الشرط نفسه لمدة معينة، كما أن قوله: غدًا أكمل الدراسة أو نحو ذلك في حكم خيار الشرط، إذ العبرة في مثل هذه الأمور بالمقاصد والمعاني وليست بالألفاظ والمباني والله أعلم بالصواب.
стр. 8590
خُلاصة البحث ونتائجه
انتهينا في هذا البحث إلى أن هذه الآلات الحديثة لإجراء العقود تعود في الواقع إلى قسمين: قسم لنقل الصوت واللفظ، وقسم لنقل المكتوب، وذكرنا ضمن القسم الأول: التليفون، والراديو، والتلفزيون، واللاسلكي. كما ذكرنا ضمن القسم الثاني: البرقية، والتلكس، والفاكس.
وقد وصلنا من خلاله إلى أن التليفون ينقل كلام المتعاقدين بدقة، ولا يختلف العقد به إلا من حيث البعد المكاني، وعدم رؤية أحدهما الآخر.
أما عدم الرؤية بين العاقدين فلا يترتب عليه حكم في باب العقود، سوى احتمال التزوير، وتقليد الصوت، ولذلك يقبل كلام من ادَّعى ذلك، ولكنه يقع عليه عبء الإثبات، وذلك لأن القاعدة الأساسية في العقود، هي: صدور ما يدل على التراضي من الطرفين بصورة واضحة مفهومة، وأن المرجع في ذلك هو العرف كما تدل على ذلك نصوص الفقهاء.
وأما البعد المكاني بين المتعاقدين – بالتليفون – فتترتب عليه المسائل الخاصة بمجلس التعاقد.
وقد ناقش البحث هذا الموضوع باستفاضة، وأثار ما ذكره الفقهاء واختلفوا فيه من خيار الرجوع، وخيار القبول، وخيار المجلس، وقد رجحنا بهذا الخصوص رأي الجمهور من حيث إن المتحدث بالتليفون الموجب له الحق في الرجوع عن إيجاب قبل قبول الآخر، وأن الموجه إليه لا يشترط على أن يتسارع إلى القبول فور سماعه، بل له الحق ما داما يتحدثان حول موضوع العقد، ولم يُعرضا عنه أو لم يقطعا المحادثة، فإذا قبل فقد تم العقد.
وقد رجحنا قول القائلين بخيار المجلس، لكننا قدرنا المجلس بفترة المحادثة وعدم انقطاع الخط مهما طالت، فإذا قبل الآخر، فقد انعقد العقد، لكنه لكل واحد منهما حق الخيار ما داما لا يزالان يتحدثان، ولم يقطعا المحادثة، فإذا أنهيا المحادثة وسدّا التليفون فقد انتهى المجلس ولزم العقد، لأنهما في الواقع متفرقان بأبدانهما، ولا وصال بينهما سوى المحادثة، فإذا انتهت انتهى المجلس حقيقةً وحكمًا، وقد وجدنا لذلك تأصيلًا فقهيًا ونصوصًا مساعدة.
وأما التعاقد باللاسلكي، فهو إذا كان مما ينقل الكلام الواضح، إلى الآخر فهو مثل التليفون في جميع الأحكام التي ذكرناها، وكذلك إذا كان يُنقل الكلام عن طريق الشفرات الواضحة المفهومة المسموعة للطرفين، حيث يتم العقد إذا فَهِما الإيجاب والقبول بوضوح.
стр. 8591
أما أنه لو نقل الشفرات على شريط مكتوب فرضًا فإنه حينئذٍ يكون حكمه حكم البرقية ما دامت واضحة مفهومة.
وكذلك يمكن إجراء العقود من خلال الراديو، أو التلفزيون، ولا سيما في الإيجابات العامة الموجهة للجمهور كالجعالة (والوعد بالجائزة) وقد عثرنا على نصوص فقهية تؤصل هذه المسألة.
ثم أنهينا القسم الأول بثلاثة ضوابط:
أولاها: إن العقود التي تتم من خلال التليفون، أو الراديو، أو التلفزيون، أو اللاسلكي يكون احتمال التزوير وتقليد الصوت، والدبلجة التلفزيونية واردًا، ولذلك نسمع دعوى من ادعي ذلك، ولكنه يقع عليه عبء الإثبات لأنه المدعي (والبينة على المدعي، واليمين على من أنكر) .
ثانيتها: إن العقود بالتليفون ونحوه تصح فيما لا يشترط فيه القبض الفوري بدون إشكال، أما ما يشترط فيه القبض الفوري فإنما تصح بالتليفون إذا تم القبض بعد انتهاء المحادثة مباشرة كأن يكون لكل واحد منهما عند الآخر وكيل بالتسليم مثلًا – أو نحو ذلك – وإلا فلا يتم عن طريق التليفون ونحوه.
ثالثتها: إن مجلس العقد بالتليفون ونحوه، ينتهي بانتهاء المحادثة إلا إذا كان العقد يتم من خلال المزايدة، حيث ذهب المالكية إلى أن الشخص الذي يعرض رضاه بثمن معين في المزايدة فليس له حق الرجوع حتى ولو طال.
وهذا الرأي في نظرنا يحقق المصلحة والتوازن والاستقرار.
وأما إجراء العقود بالوسائل الحديثة لنقل المكتوب مباشرة مثل البرقية والتلكس، والفاكس، فهو كحكم التعاقد بالكتابة سواء بسواء، ولذلك ذكرنا الاتجاهات الثلاثة حول التعاقد بالكتابة، ورجحنا اتِّجاه الموسعين الذين جعلوا الكتاب كالخطاب.
وقد تطرقنا إلى الصعوبات الفني التي تعترض طريق التعاقد بالبرقية، أو التلكس، أو الفاكس، من حيث تصوير مجلس العقد، ووقت تمامه، وما يترتب على المجلس من خيارات.
فبخصوص مجلس العقد قرر الفقهاء أن مجلس العقد بالنسبة للغائبين في حالة الكتابة، أو الرسول هو مجلس وصول الكتاب، وحضور الرسول، ولذلك اعتبرنا أن مجلس العقد بالنسبة للتعاقد بالبرقية، أو التلكس، أو الفاكس هو مجلس وصول البرقية أو التلكس، أو الفاكس.
стр. 8592
وأما وقت تمام العقد فقد آثرنا أن نثير الاتجاهات الفقهية الوضعية وهي نظرية إعلان القبول، ونظرية تصدير القبول، ونظرية تسليم القبول، ونظرية العلم بالقبول.
وبعد استعراض نصوص لبعض الفقهاء في المذاهب المختلفة وصلنا إلى أن العقد يتم بمجرد القبول في مجلس الوصول، ويلزم كذلك به عند الحنفية والمالكية في حين لا يصبح لازمًا ما دام في مجلس الوصول حيث لكل واحد منهما حق خيار المجلس، وهذا الأخير هو الذي رجحناه.
وبهذا الصدد قمنا بالرد على بعض الباحثين الذين قاسوا التعاقد بين الغائبين على التعاقد بين الحاضرين في وجوب السماع، وبالتالي قال بأن مقتضى المذهب الحنفي هو القول بنظرية العلم بالقبول.
وأما الخيارات المتعلقة بمجلس العقد في البرقية والتلكس والفاكس فهي خيار الرجوع حيث للموجب الحق في التراجع قبل قبول الآخر، خلافًا للمالكية فيما إذا كان الإيجاب بصيغة الماضي حيث يصبح ملزمًا به، وأما خيار القبول فهو حق ثابت للموجه إليه ما دام في مجلس العقد حيث لا يلزمه القبول فورًا خلافًا للشافعية. وقد رجحنا قول الجمهور في ذلك فعلى ضوء ذلك له الحق في التروي والتفكير ثم القبول ما دام لم يفارق مجلس وصول البرقية، أو التلكس أو الفاكس.
وأما خيار المجلس فقد رجحنا قول الجمهور واعتبرنا أن مجلس العقد هو وقت وصول البرقية، أو التلكس، أو الفاكس، وعلى ضوء ذلك يكون لكل واحد منهما الحق قبل فراق الموجه إليه مكان الوصول.
وقد أثَرْنا في هذا الصدد خصوصية للنكاح وهي أن من وُجِّه إليه الإيجاب في النكاح له الحق بعد وصول الكتاب، أو البرقية، أو التلكس أو الفاكس أن لا يقبل في مجلسه، بل يذهب إلى مجلس آخر، يجد فيه الشهود فيقرأ الكتاب بحضورهم.
وقد حاول بعض الباحثين أن يعمم هذا الأمر ليشمل عقود البيع ونحوه غير أنه ثبت من خلال الأدلة أن محاولته جانبت الدقة وعدم الاتفاق مع القواعد المستقرة لدى الفقهاء بهذا الخصوص.
هذا ... والله أسأل أن يجعل أعمالي كلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يكتب لنا التوفيق والسداد، ويعصمنا من الخطأ والزلل في القول والعمل.
الدكتور علي محيي الدين القره داغي.
стр. 8593
حكم إجراء العقود بوسَائل الاتصَال الحَديثة
في الفقه الإسلامي (موازَنًا بالفقه الوضعي)
إعداد
سعادة الدكتور إبراهيم كافي دونمز
كليّة الإلهيّات – جامعة مرمرة - استنبول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خطة البحث:
التمهيد وتحديد الموضوع.
١- حكم التعاقد بوسائل الاتصال الحديثة في الفقه الإسلامي (من ناحية الجواز أو عدمه) .
٢- مسائل التعاقد بين الحاضرين التي لها صلة بموضوع البحث وأحكامها.
٢-١- الإيجاب.
٢-١-١- ماهية الإيجاب، التفرقة بين مفهومي (الإيجاب) و (الدعوة إلى الإيجاب) .
٢-١-٢- اعتبار الإيجاب ملزمًا أو غير ملزم.
٢-٢- القبول.
٢-٣- ارتباط الإيجاب بالقبول (مجلس العقد) ، وتحديد وقت انعقاد العقد.
٢-٣-١- ارتباط الإيجاب بالقبول (مجلس العقد) .
٢-٣-٢- تحديد وقت انعقاد العقد.
٣- مسائل التعاقد بين الغائبين التي لها صلة بموضوع البحث وأحكامها.
٣-١- الإيجاب.
٣-١-١- ماهية الإيجاب.
٣-١-٢- اعتبار الإيجاب ملزمًا أو غير ملزم.
٣-٢- القبول.
٣-٣- ارتباط الإيجاب بالقبول (مجلس العقد) ، وتحديد وقت ومكان انعقاد العقد.
٣-٣-١- تحديد وقت القبول بوقت وصول الإيجاب أو عدم تحديده به.
(أ) الكتابة.
(ب) الرسالة (السفارة) .
٣-٣-٢- اشتراط أو عدم اشتراط علم الموجب برفض الإيجاب لاعتبار الإيجاب ساقطًا.
٣-٣-٣- تحديد وقت انعقاد العقد.
(أ) النظريات التي تحدِّد وقت انعقاد العقد.
(ب) النتائج المترتبة على تحديد وقت انعقاد العقد.
(ج) موقف التشريع الوضعي من هذه النظريات.
(د) موقف الفقه الإسلامي من تحديد وقت انعقاد العقد.
(أأ) الكتب الفقهية القديمة.
(ب ب) آراء الباحثين المعاصرين.
(ج ج) نقد هذه الآراء وتقييمها.
(د د) رأينا في هذه المسألة من خلال نقد النظريات السابقة.
٣-٣-٤- تحديد مكان انعقاد العقد.
٤- تصنيف وسائل الاتصال الحديثة وتعيين الأحكام التي تترتب على كل نوع منها.
стр. 8594
الخاتمة وملخص البحث.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التمهيد وتحديد الموضوع
إن مجرد إلقاء نظرة عامة إلى تاريخ القانون في العالم يمكِّننا من ملاحظة أن ظاهرة تناول ودراسة (انعقاد العقد) بين طرفين يكون نتيجة لتلاقي إرادتين مختلفتين ويعبَّر عنهما بتعبيرين متتالين وكذلك وضع المبادئ السائدة في هذا الموضوع، أمر حديث العهد نسبيًا بالنسبة للفقه الغربي (١) .
ومن الغريب أن هذه المسائل لم تكن معروفة في القانون الروماني، ذلك القانون الذي ذاعت شهرته واحتل مكانًا مرموقًا في تاريخ القانون في العالم وخاصةً من زاوية تناوله لمسائل فقه الالتزامات وتطوير مفاهيمه (٢) ويمكن القول بأن السبب الرئيسي لهذه الظاهرة في القانون الروماني يرجع إلى أن تطور نظرية العقد – باعتبار معظمها – كان يعول على نظام (عقد المشارطة الشفهي (Stipulatio) ، بمعنى أن النزعة الشكلية كانت تسود هذا القانون. أما نظرية العقود الرضائية فلم تكن قد تطورت ذاك التطور، مما لم يتح للرومان فرصة تصور هذه المسائل وإدراك حلها (٣) ؛ (٤) .
ولأول مرة في تاريخ الفقه الغربي يمكننا مصادقة تناول هذه المسائل بشكل صريح في القرنين السابع عشر والثامن عشر في كتب أصحاب نظرية القانون الطبيعي. وأول قانون قام بتنظيم هذه المسائل بشكل تفصيلي هو القانون العام لدولة بروسيا (١- ٥: ٧٨ –١١٠) . وبعكس ذلك فإننا لا نصادف بحث هذه المسائل في القانون المدني الفرنسي مطلقًا.
стр. 8595
وفيما بعد، نلاحظ أن هذه المسائل أصبحت ذات أهمية عظيمة وأصبحت مجالًا للبحث والنقاش في علم الباندكت (Pandect) ، الألماني في أواخر القرن التاسع عشر بسبب صدور القانون التجاري الألماني، وبعد ذلك دخلت هذه المسائل إلى التشريعات الحديثة المتعلقة بمجال القانون المدني، منها على سبيل المثال قانون الالتزامات السويسري وقانون الالتزامات التركي الجديد المأخوذ منه.
أما في الفقه الإنجليزي فقد تم تطور نظرية انعقاد العقد بشكل واسع ومفصل. ويظهر أن نتائج هذا التطور في القانون الإنجليزي تم تدوينها وتجميعها عن طريق التشريع وذلك في قانون العقود الخاص بالهند في سنة ١٨٧٢ (١) .
وعلى عكس ما يلاحظ في الفقه الغربي، فإن المصادر الأصلية للفقه الإسلامي قد رسخت مبادئ الالتزامات في مجال العقود – وخاصة مبدأ الرضا منها – من جهة، وقام الفقهاء المسلمون بدراسة مسائل دقيقة تتعلق بموضوع انعقاد العقد منذ عهود مبكرة جدًّا في تاريخ الفقه الإسلامي بالحاجة إلى الاهتمام بدراسته على مستوى اهتمامهم بدراسة مسائل التعاقد بين الحاضرين، لأنه لم يكن لديهم وسائل الاتصال الحديثة ولم تبرز الحاجة إلى تلك المسائل بالشكل الذي نشعر به في هذا الزمان إلا أنه لم يهملوا هذا الموضوع بكامله، بل تطرقوا إلى مسائله بخطوطها العريضة تحت عنوان (التعاقد بالرسالة والكتابة) وبينوا أحكام هذه المسائل.
وفي وقتنا الحاضر، يكاد يشعر العالم بأسره بالحاجة إلى وحدة التشريع في هذا الموضوع (أي أحكام العقد) الذي له حيويته وأهميته والذي له صلة وثيقة بالحياة التجارية خاصة. ولعل أبرز دليل على هذه الحاجة الماسة هو (اتفاق الأمم المتحدة فيما يخص بيع السلع الدولي) الذي تم قبوله بفيينا في تاريخ ١١ أبريل ١٩٨٠، وذلك بعد فعاليات مشتركة بين الدول استمرت في هذا المجال منذ سنوات عديدة. وسنشير إلى هذا الاتفاق في بحثنا باسم (اتفاق فيينا) .
ومن البديهي أن موضوع بحثنا ليس شاملًا لجميع مسائل نظرية العقد بل هو محدّد بمسائل التعاقد بوسائل الاتصال الحديثة.
والجانب الهام بالدرجة الأولى من وجهة نظر موضوع بحثنا هو التعاقد بين الغائبين. ولكن الأمرين التاليين يقتضيان دراسة كل من الشكلين للتعاقد أي ما بين الحاضرين وما بين الغائبين على حدة وذلك بقدر ما يتصل ببحثنا، الأمر الأول: ضرورة تطبيق أحكام التعاقد بين الحاضرين باعتبار معظمها في مجال التعاقد الذي يتم بواسطة بعض وسائل الاتصال الحديثة أيضًا. والأمر الثاني: أن أحكام التعاقد بين الحاضرين – دراسة وتحليلًا وتقييمًا – تحمل في طياتها أهمية بالغة في إلقاء الضوء على أحكام التعاقد بين الغائبين مما يتيح للباحث فرصة للتوصل إلى نتائج صائبة في هذا المضمار.
ومع هذا، فإن مسألة تحديد وقت انعقاد العقد في التعاقد بين الغائبين هي التي تكون العمود الفقري لموضوع بحثنا، ولذا فسيكون الحيّز الأوفر مخصصًا لها في هذا البحث.
وسنكتفي في بحثنا هذا بذكر بعض المعلومات الأساسية التي تسلط الأضواء على حل المسائل المتعلقة بموضوع بحثنا، متجنبين – بقدر الإمكان – تكرار المعلومات والتطرق إلى موضوعات جانبية. وبهذا الاعتبار، لن تحتل دراسة الموضوعات التالية مكانًا خاصًا في بحثنا هذا.
١- مقارنة مفهومي (العقد) و (التصرف) .
٢- الخلاف الواقع بين الأحناف وبين غيرهم في تعريف مفهوم (الركن) وكذلك خلافهم في تعداد أركان العقد. (ويكفي هنا أن نذكر أن تراضي الطرفين (٢) . هو أساس العقد وبعبارة أخرى أن حل أموال الناس منوط بالرضا باتفاق الفقهاء ولا يمكن القول بأن التراضي قد تحقق إلا بتوفر الأمور ثلاثة. (١) الإيجاب (٢) القبول (٣) ارتباط الإيجاب بالقبول.
стр. 8596
٣- الخلاف الواقع بين الأحناف وبين غيرهم في تعريف كل من مفهومي (الإيجاب) و (القبول) .
(سنعول في هذه المسألة على وجهة نظر المذهب الحنفي – وهو السائد في مصطلح يومنا – وعلى هذا فإن التعبير الدال على الرضا بإنشاء العقد الواقع أولًا يسمى إيجابًا، وأن التعبير الدال على الرضا بإنشاء العقد الواقع ثانيًا يسمى قبولًا) .
٤- وسائل أو طرق التعبير عن الإرادة مثل اللفظ والإشارة، والكتابة، والتعاطي، والسكوت ... إلخ.
(لا شك أن موضوع بحثنا يرتبط بنتائج هذه المسائل ارتباطًا وثيقًا، ولكن دراستها على حدة ومناقشة الآراء فيها ليس مكانها هذا البحث) .
٥- مسائل الإثبات (من حيث المبدأ) .
(بما أن تناولنا للموضوع سيكون من ناحية انعقاد العقد، فلن نتعرض لمسائل الإثبات إلا بقدر ما لها من صلة بأساس الموضوع) .
٦- أقسام العقود والأحكام التي يمكن تطبيقها على كل من هذه الأقسام من ناحية موضوع بحثنا.
(مع أن البحث يتناول إجراء العقود بصفة عامة، فإنه لا ينبغي تصور أن جميع الأحكام الواردة والتي يناقش فيها هذا البحث شاملة لجميع العقود. والحقيقة أن الوصف السائد في العقود التي تثير بعض المسائل الهامة من ناحية التعاقد بوسائل الاتصال الحديثة هو كون العقد من (المعاوضات المالية) وكونه أيضًا (لازمًا من الجانبين) ولهذا يجب الانتباه إلى أن البحث – باعتبار كله – ينطلق من منطلق هذا النوع للعقود) .
٧- (خيار المجلس) .
(من المعلوم أن موضوع خيار المجلس يتعلق بما بعد انعقاد العقد، وإمكانية تطبيق هذا الحكم في التعاقد بين الغائبين محدودة جدًّا – كما سنشير إلى هذه النقطة في محلها – وبغض النظر عن المناقشات التي تدور حول قبول خيار المجلس أو عدم قبوله، فإن ما تجدر الإشارة إليه هو أن الطرفين إذا قاما بعقد البيع وأنواعه بشرط نفي خيار المجلس يصح البيع والشرط حتى عند من يقول بخيار المجلس (١) .
*
**
стр. 8597
-١-
حكم التعاقد بوسائل الاتصال الحديثة في الفقه الإسلامي
(من ناحية الجواز أو عدمه)
في حالة التعاقد بوسائل الاتصال الحديثة، فإن الخروج عن الشكل العادي للتعاقد (أي التعاقد بين الحاضرين وبطريقة التعبير اللفظي) يكون بسبب أحد هذين الأمرين أو كليهما: (١) وجود مسافة بعيدة بين الطرفين، (٢) تكوين العقد بطريقة أخرى عدا طريق المشافهة. والسؤال الآن هو: هل يوجب هذان الأمران نظرة سلبية إلى التعاقد بين الغائبين وبالتالي إلى التعاقد بوسائل الاتصال الحديثة حسب قواعد الفقه الإسلامي أم لا؟
وبإلقاء نظرة إلى آيات القرآن الكريم، نجد أن هذا المصدر الأول للفقه الإسلامي فقد جعل (الرسالة) (السفارة) وظيفة هامة حتى بخصوص تبليغ المواضيع ذات الأهمية البالغة، وجاء بمبدأ إمكانية توظيف شخص معين بوظيفة تتحدد حدودها بنطاق تبليغ الخبر إلى المرسل إليه دون أن يكتسب حقوقًا وأن يتحمل التزامات باسم المرسل إزاء المرسل إليه وذلك على خلاف ما يكون في (الوكالة) أو (النيابة) ، وكذلك جاء بمبدأ أن لا يكون الرسول مسئولًا عن نتائج قيامه بأداء هذه الوظيفة كما بين الكتاب الكريم هذا المبدأ في آية: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (١) .
وقد قرَّر القرآن الكريم أيضًا تبليغ المواضيع ذات الأهمية البالغة بطريقة الكتابة وبناء الأحكام على هذا التبليغ كما جاء في قصة سليمان ﵇: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ (٢) .
أما موقف السنة من (الرسالة) و (الكتابة) فإنه من المعروف – من السيرة النبوية – أن النبي ﷺ استخدم هاتين الطريقتين في مواضيع هامة وبني أحكامًا على التبليغ بهما (٣) . كما أننا نلاحظ أن بعض الفقهاء يستندون إلى هذا الدليل بخصوص تجويز التعاقد بين الغائبين، فمثلًا يقول سعدي جلبي: ( ... تمّ البيع بينهما لأن الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر، لأن النبي ﷺ كان يبلغ تارة بالكتاب وتارة بالخطاب وكان ذلك سواء في كونه مبلغًا) (٤) . وكذلك يقول الكاساني بصدد ترتب الأحكام على التعبير عن الإرادة بطريقة الكتابة والرسالة: (لأن الكتابة المرسومة جارية مجرى الخطاب. ألا ترى أن رسول الله ﷺ كان يبلغ بالخطاب مرة، وبالكتاب أخرى وبالرسول ثالثًا وكان التبليغ بالكتاب والرسو كالتبليغ بالخطاب فدلَّ أن الكتابة المرسومة بمنزلة الخطاب ... ) (٥) .
стр. 8598
أما الفقهاء المسلمون الذين بذلوا جهودهم من أجل التوصل إلى نتائج فقهية في ضوء أحكام القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ومبادئهما، فلم ينطلقوا من منطلق (الشكلية) في العقود بل من منطلق (الرضائية) فيها، وقالوا بأن العقد ينعقد بأي وسيلة من وسائل التعبير عن الإرادة إذا أمكن التأكد من أن هذه الوسيلة تدل على الرضا (إلا أن بعض الفقهاء والمذاهب وضعوا أحكامًا مقيّدة أو سلبية بخصوص بعض الوسائل مثل الإشارة والكتابة والتعاطي وذلك لعدم اطمئنانهم بها في التثبت من دلالتهم على الإرادة ولاهتمامهم الفائق بهذا التثبت) . وكذلك قال جمهورهم بأن التراضي يمكن أن يتحقق ولو أظهر كل من طرفي العقد رضاه وهما متباعدان وأجازوا التعاقد بين الغائبين (١) .
والخلاصة أن الأحكام التي توصل إليها الفقهاء المسلمون في مبحث انعقاد العقد قد منحت إطارًا واسعًا وشاملًا للموضوع بحيث لا تمس الحاجة – من ناحية جواز إجراء العقود بوسائل الاتصال الحديثة – حتى ولو من باب الاستفادة من قاعدة (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) (٢) . وبعبارة أخرى فإن هذا الإطار الواسع لم يترك مجالًا لتبديل الاجتهادات السابقة نظرًا للحاجات الزمنية.
كما يدل على ذلك أن لجنة تعديل (المجلة) (مجلة الأحكام العدلية) التي تكونت في أيلول ١٩٢١، لم تتردد في تقرير إضافة المادة التالية إلى هذه المجلة: (يكون الإيجاب والقبول بالتلفون والتلغراف أيضًا) (٣) .
ويلاحظ أن الفقهاء المسلمين المعاصرين أيضًا يتعرضون مباشرة للمسائل التي تنشأ عن التعاقد بين الغائبين دون أن يشعروا بالحاجة إلى الاهتمام بمسائل جواز أو عدم جواز مثل هذا التعاقد.
стр. 8599
إذن، فإن الجانب الأساسي لموضوعنا (أي التعاقد بوسائل الاتصال الحديثة) الذي يهم الفقهاء المعاصرين يتمثل أولًا في القيام بتثبيت أوجه الشبه والخلاف بين أشكال التعاقد بوسائل الاتصال الحديثة وبين الأشكال المذكورة في الكتب الفقهية، وثانيًا في تسليط الأضواء على هذه الأحكام آخذًا بعين الاعتبار الظروف المستجدة، وثالثًا في بعض الإضافات والتبديلات إذا اقتضى الأمر ذلك.
ويجدر بنا أن نشير هنا إلى مسألة إجراء بعض العقود بواسطة الأجهزة الأتوماتيكية الحديثة في وقتنا الحاضر، وبعبارة أصح إلى مسألة قيام هذه الأجهزة مقام أحد طرفي العقد (أو كليهما) لما لها من صلة وثيقة بموضوعنا مع أنها لا تعد في نطاق إجراء العقود بوسائل الاتصال الحديثة مباشرة.
من المعلوم أن بعض العقود التي يكون (المعقود عليه) فيها بيع بعض الأشياء أو الأمتعة أو تقديم بعض الخدمات يتم عن طريق أجهزة أوتوماتيكية في يومنا الحاضر. وإذا تناولنا موضوع جواز أو عدم جواز انعقاد العقود بمثل هذه الطريقة في ضوء ما ورد في الكتب الفقهية من مبادئ وقواعد مثل مبدأ الرضا والتيسير ومراعاة العرف فإن النتيجة تكون في اتجاه الجواز. إلا أن الموضوع إذا تم تناوله في إطار أحكام المعاطاة التي هي أبرز المباحث في الكتب الفقهية لتسليط الأضواء على الموضوع، فإنه يحتمل أن يصير إلى نتيجة سلبية من منظار بعض الفقهاء وبخاصة الفقهاء الشافعية (١) .
أما دراسة مسألة التعاقد عن طريق بعض الأجهزة الأوتوماتيكية من ناحية ماهية (الإيجاب) و (القبول) فستأتي تحت العنوانين (٢-١-١) و (٣-١-١) من هذا البحث.
стр. 8600
-٢-
مسائل التعاقد بين الحاضرين
التي لها صلة بموضوع البحث وأحكامها
٢-١- الإيجاب:
٢-١-١- ماهية الإيجاب، التفرقة بين مفهومي (الإيجاب) و (الدعوة إلى الإيجاب) :
بعد دراسة العبارات المختلفة للفقهاء المسلمين الواردة في الكتب الفقهية يمكن للباحثين أن يجيبوا على السؤال الآتي بإجابتين مختلفتين: هل الإيجاب (١) في التعاقد بين الحاضرين في الفقه الإسلامي (تعبير ملقي) (وهو الذي يتم بمجرد صدوره) أم (تعبير متلقي) (وهو الذي لا يتم بمجرد صدوره بل لا بدَّ من توجيهه إلى الطرف المقابل؟ (٢) . ولكن هذه المسألة ليست لها أهمية كبيرة من وجهة نظر موضوعنا لأن العبارات الفقهية بخصوص ماهية الإيجاب في التعاقد بين الغائبين واضحة، فلذا – دون أن نقف عند هذه المسألة – نكتفي بالإفادة أن الإيجاب في التعاقد بين الحاضرين ينبغي اعتباره تعبيرًا متلقًّى وليس ملقىً (٣) .
والإيجاب يوجه عادة إلى شخص معين. فالدراسات النظرية للعقد التي تمت في ضوء تطبيقات العهود القديمة خاصة تتصور وتصور انعقاد العقد غالبًا بهذا الشكل ولهذا اشترط جمهور الفقهاء أن يتضمن الإيجاب الخطاب سوى بعض الحالات الاستثنائية. ومع ذلك، فإنه لا يسوغ القول بأن الفقهاء المسلمين اشترطوا هذا الشرط في الإيجاب بصورة قاطعة، وحقيقة نجد أن بعض الفقهاء الأحناف يكتفون بوجود المخاطبة في أحد شطري العقد فقط (٤) .أضف إلى ذلك أن موقف الفقهاء المالكية من عدم اشتراط توجيه الإيجاب إلى شخص معين يتجلى بصورة واضحة في العبارة التالية: (لو عرض رجل سلعته للبيع وقال من أتاني بعشرة فهي له فأتاه رجل بذلك أن سمع كلامه أو بلغه فالبيع لازم وليس للبائع منعه، وإن لم يسمعه ولا بلغه فلا شيء له، ذكره في نوازل البرزلي ومثله في المعيار) (٥) .
ويقول الدكتور القره داغي – ونحن نشاركه في رأيه –: (والذي يظهر لي هو عدم اشتراط تضمن الإيجاب الخطاب، بل كل ما يشترط هو أن يكون المقابل معلومًا ولو في الجملة. سواء كان واحدًا أو أكثر، وسواء كان معيَّنًا أو غير معيَّن، وبعبارة أخرى أن يكون الإيجاب جديًّا، يريد به الموجب إنشاء الأثر وكونه أحد ركني العقد المطلوب فحينئذٍ لا بدَّ أن يكون المقابل معلومًا أو يكون موجهًا للجمهور سواء كان التعاقد بين حاضرين أو بين الغائبين، وأن الأمر في ذلك يعود إلى أعراف الناس وعاداتهم) (٦) .
стр. 8601
إزاء المعلومات السابقة وخاصة إزاء ظروف وقتنا الحاضر، ينبغي القول بأن توجيه الإيجاب إلى الجمهور يجوز وبأن العقد بهذه الطريقة ينعقد. وعلى هذا يجب مثلًا اعتبار عرض البائع سلعته في الواجهة ووضع قائمة الأسعار بإزائها إيجابًا ويجب القول بانعقاد العقد إذا التقى هذا الإيجاب بالقول ممن له أهلية التعاقد. (وعلى هذا الحكم نصت التشريعات الحديثة، نحو الفقرة الأولى من المادة (٨٠) من القانون المدني العراقي) . لأن التراضي قد تحقق ولأن مبادئ الفقه الإسلامي في هذا الموضوع (الرضا، رفع الحرج، ومراعاة الاستعمال الشائع أو العرف العادة) تستوجب هذا القول (١)
إلا أنه يجب الانتباه هنا إلى التفرقة بين حالات الإيجاب وحالات الدعوة إلى الإيجاب. لأن جميع التعبيرات المتعلقة بإرادة التعاقد لا تعتبر إيجابًا. وعلى هذا، فإن التعبير الذي لا يشكل الكلمة الأخيرة لإنشاء العقد أو – بعبارة أخرى – فإن الاقتراح أو العرض الذي لا يريد صاحبه أن يلتزم به في حالة ما إذا صدر القبول من الطرف الآخر، لا يعد (إيجابًا) بل يعد (دعوة إلى الإيجاب) . فاقتراحات التعاقد بواسطة الإعلانات المذاعة في الراديو والتلفزيون ونحوهما، والمنتشرة في الجرائد ونحوها، والملصقة على الجدران، وما شبه ذلك، هذه كلها من قبيل الدعوة إلى الإيجاب في غالب الأحيان. ومن ثم فإن حل القضية لا يكون أمرًا سهلًا في جميع الأوقات فيما إذا طرح سؤال هل هذا التعبير إيجاب أم دعوة إلى الإيجاب؟ ، ويجب في هذه الحالة الرجوع إلى قواعد التفسير. (للتعبير عن الإرادة) . ويمكن استخراج قاعدة في هذا الموضوع إذا عبرنا عما سبق من توضيحاتنا بطريقة التعبير الإيجابي وهي: كل حالة يمكن القول فيها بأن صاحب الاقتراح قال كلمته الأخيرة معيِّنًا ومبيِّنًا جميع العناصر اللازمة لإنشاء العقد وكذلك يمكن التأكد من أنه أراد أن يلتزم باقتراحه هذا إذا صدر قبول يوافقه فالتعبير فيها يعد إيجابًا. (وفي نفس المعنى جاءت أحكام في التشريعات الحديثة، منها الفقرة الثانية من المادة (٨٠) من القانون المدني العراقي) (٢)
стр. 8602
وفي هذا المضمار نصت المادة (١٤) من اتفاق فيينا ما يلي:
(إذا وجه عرض يتضمن إنشاء عقد لشخص معين أو لأشخاص معينين وهذا العرض يشكل إيجابًا إذا كان معرفًا بشكلٍ كافٍ ويتضمن إرادة صاحبة للالتزام في حالة القبول. ويكون العرض معرفًا بشكلٍ كافٍ إذا كانت السلع معينة، وإذا كان السعر والكمية محددًا بشكل صريح أو ضمني.
وإذا وُجِّه عرض إلى أشخاص غير معينين وهذا العرض يعتبر دعوة إلى الإيجاب فقط، إلا إذا صرح صاحب الإيجاب بعكس ذلك بشكل جلي) .
أما دور الأجهزة الأتوماتيكية التي تستخدم في إجراء بعض العقود فليس من الصعب التوصيف الفقهي له في التعاقد، حيث إن حالات التعاقد بهذه الوسائل – مثلًا في عقد بيع بعض الأشياء بالأجهزة الأوتوماتيكية (١) وفي عقد الإجارة بالميزان الأتوماتيكي (٢) أو في عقد العمل أو الإجارة بما يقال إنسان آلي (Robot) الذي يقدم بعض الخدمات – فإن العقد ينعقد فيها بطريقة إقامة الطرف الموجب مقامه ذلك الجهاز دون أن يحضر بنفسه أو أن يحضر نائبه عند التعاقد. وإذا نظرنا إلى المسألة من زاوية الفقه الإسلامي فإنه يجب اعتبار هذه الحالات إيجابًا، وذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار الأدلة المذكورة بخصوص صحة الإيجاب الموجه إلى الجمهور. (٣) .
٢-١-٢- اعتبار الإيجاب ملزمًا أو غير ملزم:
يقول الرأي السائد في الفقه الإسلامي أن للموجب حق الرجوع عن إيجابه قبل أن يصدر القبول من المخاطب. إلا أن جمهرة فقهاء المالكية قالوا بأن الإيجاب ملزم وحده، وليس للموجب أن يرجع عن إيجابه في المجلس قبل أن يترك فرصة، يقرر العرف مداها، لصاحبه ليقبل أو يرفض إبرام العقد، لأنه بإيجابه قد التزم أمرًا تعلق به حق هذا الطرف الآخر، ما دام مجلس العقد قائمًا. وعلى ذلك، يتم العقد إذا قبل المخاطب في المجلس وإن كان قد رجع الموجب عن إيجابه (٤)
стр. 8603
مع أن هذه القضية لم يتم حلها في مصادر القانون الروماني فإن النتيجة المستخلصة من المبادئ العامة لهذا القانون هي أن الإيجاب ليس ملزمًا (١) . وكذلك يسود كلًّا من الفقه الإنجليزي والفرنسي والإيطالي مبدأ عدم إلزامية الإيجاب. أما في كل من الفقه الألماني والسويسري والتركي الحديث فإن الإيجاب ملزم (٢) ، إلا أن هذه الصفة الإلزامية للإيجاب محددة باشتراط القبول فورًا (أي بمدة معقولة) وذلك إذا لم يعيّن ميعاد للقبول (في نفس المعني نصت الماد (٢٧) من المدونة المدنية التونسية وكذلك المادة (٩٤) من القانون المدني المصري) .
وحسب الرأي القائل بخيار الرجوع فإن الموجب لا يمكن له أن يستعمل هذا الحق بعد صدور القبول كما قلنا (وهذا بغضّ النظر عن الرأي القائل بخيار المجلس) . ولو خرج القبول ورجوع الموجب معًا كان الرجوع أولى (٣) .
أما اشتراط علم المخاطب بالرجوع – في حالة الرجوع عن الإيجاب في التعاقد بين الحاضرين -، فإن هناك رأيين في كتب الفقه الحنفي (٤) .وبعبارة أخرى فإن الرجوع عن الإيجاب في التعاقد بين الحاضرين، يعد تعبيرًا متلقًّى في رأي وتعبيرًا ملقًى في رأي آخر (٥) . وإزاء هذا يمكن القول بأن هناك رأيين في الكتب الحنفية يؤيد أحدهما في هذه المسألة (نظرية العلم) والآخر (نظرية الإعلان) . (٦) .
وثمة مسألة هامة من ناحية تسليط الأضواء على موضوعنا، وهي حالة ما إذا حدد الموجب للطرف الآخر مدة يقبل فيها العقد أو يرفضه، فهل يلتزم الموجب بالبقاء على إيجابه هذه المدة أو له أن يعدل عنه؟ يشير الدكتور م. ي. موسى إلى أن هذه المسألة لم يتعرض لها أحد من الفقهاء صراحة ثم يذكر المادة (٩٣) من القانون المدني المصري (وهي كالتالي: إذا عين ميعاد القبول، التزام الموجب بالبقاء على إيجابه إلى أن ينقضي هذا الميعاد، وقد يستخلص الميعاد من ظروف الحال أو من طبيعة المعاملة) ويقول: (وهذا أدنى إلى الحق مما نستخلصه من كلام الفقهاء: من أنه ليس للطرف الآخر أن يقبل بعد انتهاء المجلس حتى في هذه الحالة، كما أن التيسير في المعاملات يقتضي القول به ما دام الموجب قد رضي بتحديد مدة للقابل، وبخاصة والمؤمنون عند شروطهم التي لا تنافي مقتضى العقد ولا تتعارض والغرض منه) . وبعد هذا الكلام، يشير المؤلف مرة ثانية إلى أنه لم يجد، بعد طول البحث وشدة التنقيب، من الفقهاء من تعرض نصًّا لهذه المسألة، ويستثنى من ذلك عبارة رآها في مواهب الجليل للحطاب (٤/٢٤١) ويعتبرها مما قد يفيد الذهاب إلى ما ذهب إليه القانون. ثم يقول الدكتور م. ي. موسى في الهامش: (على أن الأستاذ الشيخ علي الخفيف يذكر (ص٢٠٥ هامش رقم ١ من كتابه المعاملات الشرعية) أن المالكية يذهبون صراحة إلى ما ذهب إليه القانون، راجعًا إلى هذا الكتاب (٤/٢٣) ، وقد رجعت إلى هذا الموضوع فلم أجد الأمر على ما قال، ولعل هناك خطأ مطبعيًّا!) (٧) ..
стр. 8604
ويصرح الدكتور الدريني – مستندًا إلى كتابين لمؤلفين معاصرين أحدهما كتاب الشيخ على الخفيف المذكور في عبارة د. م.ي. موسى بأن المالكية يرون أن الموجب إذا قيد إيجابه بمدة تقيد بها، فلا ينتهي إيجابه بانتهاء المجلس كما يتقيد كذلك بما يجري به العرف إذا جرى العرف على تقييد الموجب بمدة معينة الدريني، التراضي، ص٢٧٤ (وهذان الكتابان هما: (١) علي الخفيف، أحكام المعاملات، ط١٩٤٤م، ص١٧٥، (٢) محمد مصطفى شلبي، نظام المعاملات، ص٢٤٣) . ونرى أن د. شلبي (محمد مصطفى) ، يعيد الرأي نفسه في كتاب آخر له، وهو: المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي وقواعد الملكية والعقود فيه، بيروت، ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م ص٤٣٠-٤٣٢، ويستند في هذا الرأي إلى كتاب مواهب الجليل للحطاب، ٤/٢٤١، بيد أن هذا المرجع لا يحتوي – في المكان المذكور – إلا على المسألة التي أشار إليها د. م.ي. موسى والتي لا تدل على هذه النتيجة مباشرة، وعلى العبارة التالية التي تدل على إلزامية الإيجاب – بصفة عامة -: (لو رجع أحد المتابعين عما أوجبه لصاحبه قبل أن يجيبه الآخر لم يفد رجوعه إذا أجابه صاحبه بعد القبول) .
ومهما يكن من الأمر، فإن هذا الرأي يوافق والمبادئ السائدة في الفقه (١) المالكي – على ما نرى -، لأنه يعتبر أوسع المذاهب بخصوص الإدارة المنفردة حيث يمكننا القول بأنه جعل الإرادة المنفردة مصدرًا عامًّا للالتزام وذلك من خلال اعتباره عدة أمور أهمها: إعطاء القوة الملزمة للإيجاب بوحده دون الحاجة إلى القبول، بحيث لا يستطيع الموجب سحبه إلى أن ينتهي من المجلس أو يرفضه الطرف الآخر (٢) . كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فإذا كان الإيجاب ملزمًا للموجب مدة يعين العرف مداها – أي إذا تحددت المدة بصورة ضمنية – فمن باب أولى يجب أن يكون الإيجاب ملزمًا إذا حدد الموجب ميعادًا يلتزم به بإرادته الصريحة. ومن ناحية أخرى، فإن هذا الحكم يلائم المبادئ المعروفة للالتزامات في الفقه الإسلامي عامة، منها ما يلاحظ في أحكام الخيارات من القيمة البالغة لإرادة الطرفين أو أحدهما في تحديد الصفة الإلزامية للعقد. أضف إلى ذلك أن الغاية المقصودة من إلزام الموجب نفسه بإيجابه ليست مخالفة نظام التعاقد والهدف المنشود من تشريع أحكام العقود، بل على العكس من ذلك فإنها عبارة عن سد حاجات الطرفين وتحقيق مصالحهما دون أن يضر أو يتضرر أحد منهما. وتجدر الإشارة إلى أن الأهمية البالغة التي يحظى بها هذا الحكم تتجلى بكل وضوح في التعاقد بين الغائبين كما سيأتي بيانها.
стр. 8605
والحرى بنا أن نذكر هنا أن معظم التشريعات الحديثة قررت بأن الموجب إذا حدد ميعادًا للقبول، يكون ملزمًا بإيجابه إلى أن ينقضي هذا الميعاد، علمًا بأن هذا الحكم يكون بيت القصيد بالنسبة للتعاقد بين الغائبين في أغلب الأحيان ينظر مثلًا: القانون المدني المصري (م.٩٧) ؛ القانون المدني العراقي (م.٨٤) ؛ قانون الموجبات والعقود اللبناني (م.١٧٩) ؛ القانون المدني الكويتي (م٤٦) ؛ المدونة المدنية التونسية (م.٢٧) .
٢-٢- القبول:
إن الأصل هو خيار القبول في الفقه الإسلامي، أي أن الطرف الموجه إليه الإيجاب مخيَّر بين قبوله ورده، ولا يصادف في الفقه الإسلامي باستثناء من هذا الأصل. (١) .
يقول الدكتور محمصاني: (غير أن القانون اللبناني، وإن كان قد أثبت المبدأ بأن من يوجه إليه العرض حر في رفضه ولا يتحمل تبعة ما بامتناعه عن التعاقد، إلا أنه أتبعه باستثناء طريف، متأثرًا في ذلك بنظرية سواء استعمال الحقوق. وهذا الاستثناء يتعلق بحالة من يضع هو نفسه في معرض من شأنه استدراج العرض،) كالتاجر تجاه الجمهور أو صاحب الفندق وصاحب المطعم، أو رب العمل تجاه العمال. ففي هذه الحالة يجب أن يسند امتناعه عن التعاقد إلى أسباب حريَّة بالقبول، وإلا كان امتناعه استبداديًّا وجاز أن تلزمه التبعة من هذا الوجه (المادة ١٨١) (٢) . إلا أننا نلاحظ أن مثل هذه الأحكام الواردة في القوانين يمكن اعتبارها من قبيل القرينة القانونية التي يسترشد بها القاضي في تفسير إرادة الطرفين ويحكم بموجبها – مبدئيًّا – بأن عرض هؤلاء الأشخاص إيجاب ملزم وليس دعوة إلى الإيجاب.
ومما يجب الانتباه إليه في هذا الموضوع هو أن الحالات التي يمكن وصفها بأنها حالات (القبول الضمني) لا ينبغي تصورها بأن المخاطب أصبح ملزمًا بالقبول فيها (٣) .
ويشترط أن يصدر القبول ممن وُجِّه إليه الإيجاب لا من شخص آخر، وقد صرح الفقهاء الشافعية بأن القبول لا يجوز من غير من وُجِّه إليه الإيجاب ولو كان موكله، أما الفقهاء الأحناف فقد جوزوا قبول الفضولي، ففي مجلس العقد موقوفًا على إجازة المخاطب الغائب.
وكما سبق أن أشرنا إليه أن الإيجاب إذا وجه إلى الجمهور لا يجب أن يتم القبول من طرف شخص معين عند المالكية (٤) .
ويمكن الرجوع عن القبول إلى غاية وقت انعقاد العقد على الصعيد النظري، بيد أن إمكانية استعمال هذا الحق، إذا قلنا بأن العقد ينعقد بمجرد إعلان القبول، تكاد تنعدم على الصعيد العملي. أما مسألة انعقاد أو عدم انعقاد العقد بمجرد إعلان القبول فلها صلة وثيقة بمسألة وصف (القبول) هل هو تعبير متلقى أم تعبير ملقى؟ فبما أن هذه المسألة الأخيرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعنوان التالي، فإنه سيتم تناولها فيه أي تحت عنوان (٢-٣) .
стр. 8606
٢-٣- ارتباط الإيجاب بالقبول (مجلس العقد) وتحديد وقت انعقاد العقد:
٢-٣-١- ارتباط الإيجاب بالقبول (مجلس العقد) :
إن الإيجاب والقبول لا بد من تعلق أحدهما بالآخر لأجل حصول الانعقاد، لأن الرضى هو ارتباط الإيجاب بالقبول. فاتحاد الزمان والمكان الذي يسمح لهذا الارتباط من وجهة النظر الفقهية، يسمى (مجلس العقد) . وبعبارة أخرى فإن مجلس العقد هو الاجتماع الواقع من أجل التعاقد مع أن المؤلفين العرب ينقلون المادة ١٨١ من مجلة الأحكام العدلية بهذا الشكل، فإن أصل المادة – إذا ترجمت لفظيًّا – كالتالي: (مجلس البيع هو الاجتماع الواقع من أجل المساومة)
ومع أن الفقيه الحنفي الكاساني الشهير بجودة تصنيفه للمواضيع وبدقته في تناوله للمفاهيم الفقهية يقسم شرائط الانعقاد لعقد البيع إلى أربعة أنواع. وهي: (١) ما يرجع إلى العاقد، (٢) وما يرجع إلى نفس العقد، (٣) وما يرجع إلى مكان العقد، (٤) وما يرجع إلى المعقود عليه (١) ، ومع أنه يبدأ كلامه بعبارة (وأما الذي يرجع إلى مكان العقد فواحد وهو اتحاد المجلس بأن كان الإيجاب والقبول في مجلس واحد) حين تناوله لما يرجع إلى مكان العقد من هذه الشروط، فإنه في دوام هذه العبارة يعترف بأن كلًّا من عنصري الزمان والمكان له أهميته الخاصة في ارتباط الإيجاب بالقبول، إلا أنه يبين أن التشدد في التمسك بالقياس (أي القاعدة في هذا الموضوع) ، وبعبارة أخرى، إن اشتراط صدور الإيجاب والقبول في آن واحد أيضًا يؤدي إلى انسداد باب البيع (٢) .
стр. 8607
ومع هذا فالفقهاء الأحناف لم يشترطوا الفورية وأجازوا صدور القبول ما لم يحدث شيء يدل على انتهاء المجلس وذلك لضرورة التأمل والتروي. وكذلك الحكم في المذهبين المالكي والحنبلي (١) . أما الشافعية فقد اشترطوا الفورية حيث يجب أن لا يكون الفاصل بين الإيجاب والقبول إلا يسيرًا أي ما لا يتجاوز حد الضرورة (٢) . وتجدر الإشارة هنا إلى أن حكم خيار المجلس الوارد في هذا المذهب قد يزيل إلى حدٍ ما الحرج الذي يعاني منه المخاطب من أجل شرط الفورية.
ويرى معظم الباحثين في مجال الفقه الإسلامي أن الرأي الملائم لمبادئ الفقه الإسلامي ولمصلحة الطرفين في هذه المسألة هو رأي الجمهور (٣) . كما أن التشريعات الحديثة تعول غالبًا على هذا الرأي، فعلى سبيل المثال تقول الفقرة الثانية من المادة (٩٤) من القانون المدني المصري: (ومع ذلك يتم العقد، ولو لم يصدر القبول فورًا ... ) (إلا أنه يجب أن لا يفوتنا الحكم الذي يحدد مدة إلزامية الإيجاب الوارد في نفس المادة وهو: ( ... فإن الموجب يتحلل من إيجابه إذا لم يصدر القبول فورًا.
ويتضح مما سبق، أن ارتباط الإيجاب بالقبول ليس ماديًّا بل هو حكمي (اعتباري) . أما اتحاد المجلس فهو – في التعاقد بين الحاضرين – مادي بحيث لا يتحقق اتحاد المجلس إلا بوحدة المكان (٤) . إلا أن المؤلفين في الفقه الحنفي بخاصة – مع اعترافنا بدقتهم في تناول المسائل في إطار المفاهيم الفقهية – وهذا الموقف يقابله منهج (Begriffsjurisprudenz) من مناهج التفسير – قد غالوا في تصوير اتحاد المجلس تصويرًا ماديًّا يعبر الدكتور السنهوري عن موقفهم هذا بـ (الإغراق في المادية) انظر لعبارات المؤلفين الأحناف ولانتقادها: السنهوري (عبد الرزاق) ، مصادر الحق في الفقه الإسلامي/ دراسة مقارنة بالفقه الغربي، القاهرة، ١٩٦٧م، ٢/١١-١٤. انظر في مجلس العقد ونتائجه – مقارنًا بين الفقه الإسلامي والفقه الوضعي -: الدريني، التراضي، ص٢٨٦-٢٩٩ انظر أيضًا الزحيلي، العقود المسماة، ص٢٠-٢٢، شلبي، التعريف، ص٤٢٢-٤٢٤، القره داغي، مبدأ الرضا، ٢/١٠٧٦-١٠٧٧.وتجدر الإشارة إلى أن د. سوار قد قام ببحث يتسم بالدقة والإتقان يسلط الأضواء على مواقف مذاهب الفقه الإسلامي من نظرية مجلس العقد. انظر: سوار (محمد وحيد الدين) , الشكل في الفقه الإسلامي ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م، من منشورات معهد الإدارة العامة (المملكة العربية السعودية) ، ص١٣٨ وما بعدها. .
стр. 8608
ولنتمكن من الحكم بأن الارتباط (الذي هو حكمي كما أشرنا إليه سابقًا) بين الإيجاب والقبول قد تحقق، فإنه يجب أن تتوفر بعض الشروط في القبول. فالشرط الذي يحظى بأهمية كبيرة من وجهة نظر موضوعنا هو صدور القبول قبل سقوط الإيجاب. ولهذا ينبغي لنا أن نلقي نظرة عابرة إلى حالات سقوط الإيجاب، وهي (قبل صدور القبول) :
(أ) رجوع الموجب عن إيجابه.
(ب) رفض المخاطب للإيجاب.
(ج) وفاة الموجب أو فقد أهليته.
(د) وفاة المخاطب أو فقد أهليته.
(هـ) هلاك المعقود عليه أو تغييره.
ونظرًا لعدم اتصال الحالات الثلاث الأخيرة ببحثنا مباشرة ولئلا يتجاوز حجم البحث الحدّ المعقول ينظر في هذا الموضوع مثلًا: موسى (م. ي.) ، الأموال ونظرية العقد، ص٢٦٢-٢٦٣؛ الدريني، التراضي، ص٢٧٨-٢٨١، ٢٨٦-٢٨٧؛ السنهوري، مصادر الحق، ٢/١٦-١٧؛ محمصاني، النظرية العامة، ٢/٤٠-٤١؛ القره داغي، مبدأ الرضا، ٢/١٠٧٣. . سنكتفي بالإشارة إلى بعض النقاط الهامة بالنسبة للحالتين الأوليين فقط:
(أ) رجوع الموجب عن إيجابه:
إن رجوع الموجب عن إيجابه قبل صدور القبول يسقط الإيجاب. ويجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن الرأي السائد في الفقه المالكي يقول بالصفة الإلزامية للإيجاب. أما اشتراط علم المخاطب بهذا الرجوع فقد أشرنا سابقًا (٢-١-٢) أن هناك رأيين يؤيد أحدهما (نظرية العلم) والآخر (نظرية الإعلان) في الفقه الحنفي.
فالرجوع عن الإيجاب نوعان:
(أأ) الرجوع الصريح: إذا رجع الموجب قبل صدور القبول عن إيجابه صراحة ولو في بعضه (١) بطل الإيجاب (٢) .
(ب ب) الرجوع الضمني: لو ترك الموجب مجلس العقد قبل قبول الطرف الآخر وكذلك لو صدر من الموجب قول أو فعل يدل على الإعراض بطل الإيجاب (٣) .
ومن جهة أخرى، فإن تكرار الإيجاب مع التبديل يعتبر إعراضًا ورجوعًا ضمنيًّا عن الإيجاب الأول، إلا أن الحنفية يعتبرون الإيجاب الثاني إيجابًا جديدًا (٤) . والشافعية لا يعتدُّون به ويشترطون ألا يغير الموجب شيئًا مما تلفظ به إلى تمام الشق الآخر (٥) ونرى أن قول الحنفية هو الراجح سواء من ناحية التعليل الفني أو من ناحية المقاصد والمبادئ الشرعية أي موافقته لما تقتضيه طبيعة المعاملات وجريان العادة في هذا الموضوع (٦)
стр. 8609
(ب) رفض المخاطب للإيجاب:
وهذا الرفض أيضًا نوعان:
(أأ) الرفض الصريح: يبطل مفعول الإيجاب بالإجماع إذا رفضه الطرف الثاني (١) . هل يشترط لبناء الحكم على هذا الرفض علم الموجب برفض الإيجاب؟
وللإجابة على هذا التساؤل نجد الدكتور الدريني أنه يشير أولًا إلى عدم تعرض الفقهاء لهذه المسألة صراحة ثم يحاول أن يتوصل إلى نتيجة بطريقة قياس (رفض الإيجاب) على (القبول) ، حيث يقول (مشيرًا إلى الرأيين المتعلقين باشتراط أو عدم اشتراط سماع القبول من طرف الموجب لانعقاد العقد واللذين سنتناولهما بعد قريب تحت عنوان تحديد وقت انعقاد العقد) :
(وقد رأينا أن الرأي الراجح في التعاقد بين حاضرين هو اشتراط سماع القبول، وأن بعضهم لا يشترط هذا السماع وإنما يكتفي بسماع القابل نفسه. ومقتضى القول الأول أن الموجه إليه الإيجاب لو رفض ولم يسمعه الموجب ثم قبل وسمعه الموجب فإن العقد ينعقد، لأنه قد تحقق شرط الانعقاد وهو سماع القبول، ولأنهم يرون أن تحقق الكلام لا يكون إلا بسماع الغير. ومقتضى القول الثاني أنه لو رفض فإن الإيجاب يسقط ولو لم يسمعه الموجب لأنهم يرون تحقق الكلام بسماع نفسه ولو لم يسمعه الغير) (٢) .
ولكننا لانرى مبررًا لقياس (رفض الإيجاب) على (القبول) بل نعتقد بأنه قياس مع الفارق، كما نرى أنه يجب ملاحظة رفض الإيجاب تعبيرًا متلقى. ونظرًا لأن أهمية هذه المسألة تتجلى في التعاقد بين الغائبين أكثر منه في التعاقد بين الحاضرين سنتناولها تحت عنوان (٣-٣-٢) .
(ب ب) الرفض الضمني: يمكن أن يتحقق الرفض الضمني في أحكام مختلفة.
فالتغيير الواقع في الإيجاب في صالح الموجب وإنشاء القبول قد يعتبر رفضًا ضمنيًّا وإيجابًا جديدًا مبتدأ من طرف المخاطب كما يمكن اعتباره موافقة ضمنية. وقد أخذ الفقه الحنفي بالاعتبار الثاني (٣) ، وأخذت بعض التشريعات الحديثة مثل القانون المدني المصري (في المادة ٩٦) والقانون المدني السوري (المادة ٩٧) بالاعتبار الأول وهذا ما يوافق ظاهر المذهب الشافعي. وكذلك عدت بعض القوانين أن الجواب المعلق بشرط أو بقيد بمثابة رفض للعرض مع اقتراح عرض جديد (المادة ١٨٢ من قانون الموجبات والعقود اللبناني) النووي، المجموع، ٩/١٦٩-١٧٠؛ محمصاني، النظرية العامة، ٢/٤١؛ موسى (م. ي.) ؛ الأموال ونظرية العقد، ص٢٥٦؛ يقول د. الزحيلي: (وقد نص القانون الإماراتي (م.١٤٠) ؛ والأردني (م.٩٩) على وجوب تطابق القبول للإيجاب ولم يجز الزيادة في الإيجاب ... وهذا موافق لرأي الجمهور غير الحنفية) ، العقود المسماة، ص٣٠. .
стр. 8610
٢-٣-٢- تحديد وقت انعقاد العقد:
إن تحديد مكان انعقاد العقد في التعاقد بين الحاضرين لا يحظى بأهمية توجب دراسة تحديد مكان ووقت انعقاد العقد كل منها على حدة ولهذا سيقتصر حديثنا هنا على تحديد وقت انعقاد العقد.
إلا أنه يجدر بنا الإلمام بمسألة صدور الإيجاب والقبول في وقت واحد إلمامًا سريعًا قبل الانتقال إلى أساس الموضوع وذلك حفاظًا على وحدة الفكرة في هذا الموضوع.
لقد ورد في كتب الأحناف رأيان مختلفان في انعقاد العقد بالنسبة لحالة صدور الإيجاب والقبول بآن واحد: الرأي الأول يقول – حسب عبارة ابن نجيم -: (ولو صدر الإيجاب والقبول معًا صح البيع كما في التتارخانية) . (١) . أما الرأي الثاني – وهو المروي عن القهستاني – فيفهم منه أن العقد لا ينعقد في هذه الحالة (٢) . ويرى شارح المجلة الأحكام العدلية علي حيدر أفندي أن المجلة اختارت الرأي السلبي في هذه المسألة (٣) .
ويلاحظ أن الدكتور محمصاني يرى الرأي الإيجابي معقولًا يتفق ومبدأ الرضا في العقود إلا أنه يصف هذا الخلاف بأنه نظري في الواقع قائلًا: (لأنه يصعب بل يندر جدًّا أن يحصل الإيجاب والقبول بآن واحد...) (٤) . ولكن يمكن القول بأن هذه المسألة تكتسب أهمية لا يستهان بها في يومنا هذا. لأن هذه الحالة يمكن تصورها في الواقع فيما إذا قام صاحبا مؤسستين تجاريتين أو النائبان الشرعيَّان لشركتين بتوقيع نسختي العقد بآنٍ واحد مثلًا، مع أن عملية التوقيع تبقى عبارة عن إكمال الشكليات في بعض الحالات نظرًا لتمام العقد في المرحلة التي سبقت هذه العملية. أما في المثال التالي يمكن تصور هذه المسألة بوضوح أكثر: إذا قام كاتب العدل بتحضير العقد وعرضه على كل من طرفي العقد ويسألهما هل يقبلان هذا العقد أم لا، فإذا كان رد كليهما بالقبول فإن العقد ينعقد بآن واحد (٥) .
وبالرغم من أن بعض العلماء في الفقه الإسلامي يميلون إلى حصر جواز التعاقد بالكتابة في التعاقد بين الغائبين (٦) . فإننا نرجح – إزاء ظروف وقتنا الحاضر – الرأي القائل بتجويز الكتابة في التعاقد بين الحاضرين أيضًا والرأي القائل بانعقاد العقد في وقت واحد، آخذين بعين الاعتبار آراء وتحاليل الفقهاء سواء في هذه المسألة أو مسألة إشارة وكتابة الأخرس وكذلك مسألة التعاطي.
стр. 8611
إذا قلنا بأن مجرد قبول المخاطب يكفي لانعقاد العقد نكون قد تبنينا (نظرية الإعلان) المعروفة في دراسات نظرية العقد. أما إذا لم نكتف بهذا واشترطنا اطلاع الموجب على القبول فيعني هذا أننا نرجح (نظرية القبول) (١) .
ونجد الدكتور سوار – مشكورًا – قد حقق دراسة قيمة في هذا الموضوع يسترشد ويستنير بها الباحث لمعرفة جواب هذه القضية من واقع الفقه الإسلامي. وقد توصل د. سوار في بحثه هذا إلى النتائج التالية (باختصار شديد) :
(أ) الفقه الحنفي: هناك رأيان في الفقه الحنفي:
(أأ) نظرية العلم: يعتبر أصحاب هذه النظرية أن القبول هو (تعبير متلقي) . وعلى هذا فإن وقت انعقاد العقد هو وقت علم الموجب بالقبول. وهذا الرأي – وأول من قال به أو نصر البلخي عام ٣٠٥هجرية – هو الرأي السائد في الفقه الحنفي (٢) .
(ب ب) نظرية الإعلان: وحسب أصحاب هذه النظرية أن القبول ليس تعبيرًا متلقًّى بل هو (تعبير ملقي) . وعلى هذا ينعقد العقد بمجرد إعلان القبول (٣) .
(ب) المذهب الشافعي: يفترق المذهب الشافعي عن المذهب الحنفي في صدد تكون العقود بين حاضرين افترقا أساسيًا فبينما يذهب الرأي السائد في المذهب الحنفي إلى تطلب الإعلام المنشئ في كل من الإيجاب والقبول، ويأخذ بنظرية القبول، يلاحظ أن المذهب الشافعي يقرر انتفاء ضرورة الإعلام في التعبيرين التعاقدين، ويأخذ بنظرية إعلان القبول. ذلك أن العقد ينعقد في المذهب الشافعي بمجرد صدور القبول وإن لم يكن مسموعًا من الموجب. (إلا أنه يلاحظ أيضًا أن المذهب الشافعي قد تشدد في تطلب إظهار التعبير إظهارًا كافيًا بحيث يسمعه من هو بقرب صاحب التعبير عادة. ولعل المذهب الشافعي قد توخى من اشتراطه لسماع القريب من صاحب التعبير تأمين وسيلة للإثبات تحول دون نكران صاحب التعبير لتعبيره) (٤) .
стр. 8612
وبعد عرض هذه الآراء ينتقد د. سوار اعتبار الدكتور السنهوري بأن أخذ الفقه الإسلامي بنظرية العلم في التعاقد بين حاضرين هو من الأمور المسلمة (١) ، مشيرًا إلى أن هذا بالتأكيد يتعارض مع صراحة النصوص الفقهية التي ذكرها سابقًا (٢) .
وبالرغم من أن بحث د. سوار يتسم بالدقة والإتقان فإننا لا نعتقد أن كلام السنهوري الآنف الإشارة يتعارض مع ما ورد في الكتب الفقهية تعارضًا تامًّا لأن الرأي الثاني الذي ذكره د. سوار بالنسبة للفقه الحنفي لا يعتبر رأيا احتل مكانًا مرموقًا في الكتب الفقهية المعتبرة وترقى إلى مرتبة نظرية حقوقية بحيث يدافع عنه ويؤيد بأدلة بارزة فيها. وحين يشير د. سوار إلى وجود عدد كبير من الكتب المعتبرة في الفقه الحنفي مما يؤيد هذا الرأي، فإنه يعول على الدليل السلبي أي على عدم تصريح اشتراط هذه الكتب لشرط السماع (٣) . ومن جهة أخرى فإن الرأي القائل باشتراط السماع (العلم) استقر في الكتب المعتبرة للفقه الحنفي بحيث تم تأييده بعبارة (إجماعًا) (٤) في كثير منها (٥) . أما ما ذكره د. سوار بالنسبة للفقه الشافعي، فإن الرأي الوارد في النصوص المذكورة في كتابه وكذلك ما توصل إليه من نتائج معولًا على هذه النصوص يمكن أن يناقش مع بعض الجوانب (٦) (والحري بنا أن نذكر هنا أن د. سوار لم يكن قد بنى النتيجة المبنية للفقه الشافعي على دراسات وتحقيقات تضم عرضًا تاريخيًّا وتهدف إلى إظهار مسيرة تطور الآراء كما فعل ذلك بالنسبة للفقه الحنفي) . أضف إلى ذلك أن تبنى حكم خيار المجلس، يحط من أهمية دراسة هذه المسألة في الفقه الشافعي من ناحية التعاقد بين الحاضرين إلى حد كبير.
وإزاء التوضيحات السابقة يمكن القول بأن الرأي السائد في الفقه الإسلامي هو رجحان نظرية العلم في التعاقد بين الحاضرين يعبر عن هذا الخصوص بعض المؤلفين بصورة مطلقة (مثلًا: محمصاني، النظرية العامة، ٢/٤١) ، وبعضهم بأنه (من الأمور المسلمة) (مثلًا: السنهوري، مصادر الحق، ٢/٥٥) ، وبعضهم بأنه (الرأي السائد في الفقه الإسلامي) (مثلًا: الدريني، التراضي، ص٢٨٧) ، والبعض الآخر بأنه (الرأي السائد في الفقه الحنفي) (مثلًا: سوار، التعبير، ص١١١ وما بعدها) - كما سبق-. مع مراعاة أن العلم يعتبر قد تحقق في الحالات التي يمكن فيها الحكم بأن العلم قد تحقق من خلال النظرة الموضوعية هذه النقطة تحظى بأهمية عملية في التعاقد بين الغائبين- كما سيأتي -. لقد ورد في كتب كثيرة للأحناف وكذلك للشافعية عبارات تشير إلى هذه النقطة مثل عبارة: (فإن سمع أهل المجلس كلام المشتري والبائع يقول لم أسمع ولا وقر في أذنه لم يصدق قضاء) . انظر مثلًا: ابن نجيم، البحر الرائق، ٥/٢٨٨، البجيرمي (سليمان) ، بجيرمي علي الخطيب، بيروت ١٣٩٨هـ/١٩٧٨م بالأوفست، ٣/١٠. .
إذن، يمكن – عمليًا – تطبيق قاعدة إمكانية الرجوع عن القبول إلى غاية وقت انعقاد العقد التي أشرنا إليها تحت عنوان (القبول) ، إذا تم التعويل على نظرية العلم، أي أن المخاطب يمكن له أن يسترجع قبوله قبل سماع القبول من طرف الموجب.
***
стр. 8613
-٣-
مسائل التعاقد بين الغائبين يستخدم د. السنهوري (عبد الرزاق أحمد) عبارة التعاقد بالمراسلة أو فيما بين الغائبين في مقال: contrat par correspondence، ou entre absents نظرية العقد (الجزء الأول من النظرية العامة للالتزامات) ، بيروت، ط. المجمع العلمي العربي الإسلامي، (الطبعة الأساسية: مطبعة دار الكتب المصرية، ١٣٥٣هـ/ ١٩٣٤م) ص ٢٨٨. ومن جهة أخرى يقول د. محمصاني- حينما ينتقد كلمة (المراسلة) الواردة في المادة ١٨٤ من قانون الموجبات والعقود اللبناني-: (الأصح أن يقال بالمكاتبة، لأن المراسلة هي المخاطبة بواسطة الرسول، كما جاء في الإصلاح العربي) ، ٢/٦٦ هامش٤.
التي لها صلة بموضوع البحث وأحكامها
٣-١- الإيجاب:
٣-١-١- ماهية الإيجاب:
يعد الإيجاب التعاقد بين الغائبين (تعبيرًا متلقًّى) (١) في الفقه الحنفي إجماعًا (٢) . ويتم تصوير هذا الأمر في كتب الأحناف كالتالي: لو قال رجل إني بعت متاعي هذا من فلان الغائب بكذا ثم بلغه هذا الخبر- دون إعلان الموجب إرادته للتبليغ- فقَبِل لا ينعقد العقد، ولكن إذا أعلن الموجب عن إرادته للتبليغ ثم بلغ الخبر للطرف الآخر فَقَبِل ينعقد سواء قام بالتبليغ من أمر به أو غيره (٣) .
أما الشافعية فلا يشترطون إعلان الرضا بالتبليغ ويقولون بأن العقد ينعقد إذا بلغ خبر الإيجاب الطرف الآخر فقبل، وإن لم يكن الموجب قد أعلن عن إرادته للتبليغ (٤)
ويلاحظ أن الدكتور الدريني فاتته أهمية التفرقة بين مفهومي (التعبير الملقي) و (التعبير المتلقي) حين انتقد الرأي الحنفي وتعجب منه، إذ يقول: (وأرجح قول الشافعية.. ولا أرى وجهًا لاشتراط الأمر بالتبليغ، لأن البائع إذا كان قد أعلن عن رضاه بالبيع لشخص معين فما الفرق بين أن يبلغه هذا الإيجاب بأمر الموجب بالتبليغ أو بغير أمره، وبخاصة أن الحنفية أجازوا أن يقوم بالتبيلغ المأمور به أو غيره؟) (٥) وكذلك يبدو أن الدكتور الإبراهيم لم ينتبه إلى هذه النقطة الدقيقة أثناء التعبير عن ترجيحه للرأي الشافعي الإبراهيم (محمد عقلة) ، (حكم إجراء العقود بوسائل الاتصال الحديثة/ الهاتف- البرق- التلكس في ضوء الشريعة والقانون، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية (تصدر عن جامعة الكويت- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية) ، السنة: ٣، العدد ٥ شوال، ١٤٠٦هـ/ يوليو ١٩٨٦م. ص١١٥. .
وقد سبق أن أشرنا إليه تحت عنوان (٢-١-١) أن الرأي القائل بتوجيه الإيجاب إلى الجمهور هو الراجح، ونكتفي هنا بأن هذا الرأي هو الأوفق لحاجات الناس وطبيعة جريان المعاملات في الوقت الحاضر بالنسبة للتعاقد بين الغائبين أيضًا.
كما سبق أن بينا في التعاقد بين الحاضرين (٢-١-١) أن دور الأجهزة الأتوماتيكية في إجراء بعض العقود يتمثل في إقامة الجهاز مقام أحد طرفي العقد (أو كليهما حسب الأوضاع المختلفة) . والذي ينبغي لنا أن نضيفه في هذا المقام هو أن هذه الطريقة يمكن استخدامها في التعاقد بين الغائبين أيضًا. وذلك إذا كان تقديم بعض الخدمات بين الغائبين عن طريق الجهاز الذي تستعمله المؤسسة التي تكون أحد طرفي العقد وليس عن طريق استخدام موظف ينوب عن هذه المؤسسة نحو بعض الخدمات التي تقدمها مؤسسات البريد والمواصلات.
стр. 8614
وهذه الطريقة يمكن متابعتها في عقد البيع وأمثاله أيضًا. وليتجلى الفرق بين الجهاز القائم مقام أحد الطرفين وبين وسائل الاتصال يمكن إعطاء المثال الآتي: لنفرض أن بائع بعض المواد الضرورية للمنزل (مثل أنابيب الغاز المستعملة في البيوت) قام بتركيب جهاز التسجيل بهاتفه المخصص لهذا الأمر والمعروف رقمه من قبل الجمهور. وإذا دق جرس الهاتف المسجل فإنه يذيع على مسامع الطرف الآخر عبارات ومعلومات قد سجلها عليه صاحبه من قبل ويمكن أن يظهر للسامع هذه العبارات: (نحن مؤسسة.. نتعهد بإرسال السلع التالية بالكميات والأسعار التالية..) بحيث يتضمن هذا التعهد جميع الشروط اللازم توفرها في الإيجاب. فإذا أجاب الشخص الذي يرفع سماعة الهاتف في الطرف المقابل بالقبول ينعقد العقد. (وإذا تشددنا في التفرقة بين (الإيجاب) و (الدعوة إلى الإيجاب) نقول بأن الكلام المذاع في الجهاز هو الدعوة إلى الإيجاب، وكلام الشخص الذي يرفع السماعة في الطرف المقابل هو الإيجاب، وتنفيذ صاحب الجهاز موجب العقد هو القبول. ومع هذا فإن التعبير عن إرادة الشخص الهاتف المسجل في الجهاز يعتبر إيجابًا وبالتالي يكون أحد شطري العقد. إذن، فإن الجهاز الذي يصلح لتسجيل تعبير الموجب يمكن اعتباره صالحًا لتسجيل تعبير القابل أيضًا، وفي كلتا الحالتين) ، فإن النقطة التي يجب الانتباه إليها هنا هي أن دور التلفون عبارة عن توفير الاتصال بين العاقدين الغائبين، أما الجهاز المسجل فهو يقوم مقام أحد الطرفين.
٣-١-٢- اعتبار الإيجاب ملزمًا أو غير ملزم:
لا نصادف في الفقه الإسلامي بتفرقة بين التعاقد بين الحاضرين والتعاقد بين الغائبين من ناحية إلزامية الإيجاب أو عدم إلزاميته. وعلى هذا فإن الرأي السائد في الفقه الإسلامي هو أن للموجب حق الرجوع عن إيجابه قبل صدور القبول من المخاطب في التعاقد بين الغائبين أيضًا كما هو الشأن في التعاقد بين الحاضرين. ولكن فقهاء المالكية يرون أن الموجب لا يصح رجوعه قبل انتهاء مدة معقولة- حسن العرف- تتيح فرصة لتأمل المتخاطب فيه.
أما في اشتراط أو عدم اشتراط علم المخاطب بالرجوع عن الإيجاب لترتيب الحكم على هذا الرجوع فإن الفقه الحنفي يتفق على رأي واحد- على خلاف ماورد بالنسبة للتعاقد بين الحاضرين- وهو: أن الرجوع عن الإيجاب في التعاقد بين الغائبين لا يشترط فيه علم المخاطب به، وبعبارة أخرى فإنه يعد تعبيرًا ملقًى وإن الفقه الحنفي قد انحاز في هذه المسألة إلى نظرية الإعلان محمصاني، النظرية العامة، ٢/٦٤؛ سوار، التعبير، ص١٤٧ (وقد جاء في كتاب د. سوار- ص١٠٨- أن الرجوع عن الإيجاب في التعاقد بين الغائبين (تعبير متلقي) بالإجماع. ويبدو أن هناك خطأ مطبعيًّا- مع أنه لم يشر إلى ذلك في جدول الأغلاط المطبعية) . ويعبِّر المؤلفون الأحناف عن هذا الحكم بالعبارة التالية وأمثالها: (ويصح رجوع الكاتب والمرسل عن الإيجاب الذي كتبه وأرسله قبل بلوغ الآخر وقبوله سواء علم الآخر أو لم يعلم حتى لو قبل الآخر بعد ذلك لا يتم البيع) (١) .
ويختلف الأمر في التشريع الوضعي باختلاف وضع الإيجاب، حيث ينقسم الإيجاب أولًا إلى:
١- إيجاب موجود فعلًا، وهو الإيجاب الذي صدر من الموجب ولما يتصل بعلم المخاطب. وهذا الإيجاب يجوز العدول عنه.
٢- وإيجاب موجود قانونًا، وهو ذلك الإيجاب الذي اتصل بعلم المخاطب.
وهذا ينقسم أيضًا إلى:
(أ) إيجاب ملزم، وهو الذي يلتزم صاحبه أن يبقى عليه مدة يحددها هو، أو يحددها القانون أو العرف. وهذا الإيجاب لا يجوز الرجوع فيه كما لم يجز العدول عنه.
стр. 8615
(ب) وإيجاب غير ملزم، وهو الذي لا يلتزم صاحبه البقاء عليه، وفي هذا يجوز الرجوع وإن امتنع العدول عنه السنهوري (عبد الرزاق أحمد) ، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، بيروت، ط. دار إحياء التراث العربي، ١/١٨٢-١٨٤؛ موسى (م. ي.) ، الأموال ونظرية العقد، ص٢٦٢-٢٦٣.TEKINAY , BORCLAR, HUKUKU , P. ٨٩-٩٠
ويشرح الدكتور السنهوري الفرق الأساسي بين الفقه الإسلامي والتشريع الوضعي في هذا الموضوع بكلماته التالية: (والظاهر أن العقد في الفقه الإسلامي ينبني على توافق الإرادتين دون تحفظ، فهو رضائي إلى حد جاوز فيه القوانين التي تأخذ برضائية العقد. ومما يدل على ذلك أن الموجب لو أرسل إيجابه في كتاب أو مع رسول، ثم عدل عن هذا الإيجاب، دون أن يعلم الطرف الآخر، وقبل هذا بعد العدول، فإن العقد لا يتم لعدم توافق الإرادتين وقت صدور القبول. وقد علمنا أن القوانين الحديثة تجعل الإيجاب قائمًا قيامًا حكميًّا حتى لو عدل عنه الموجب ما دام لم يصل هذا العدول قبل أو مع وصول الإيجاب , فلو قبل الطرف الآخر إيجابًا، عدل عنه الموجب، ولكنه (أي الطرف الآخر) لم يعلم بهذا العدول، فإن العقد يتم بالرغم من ذلك، وينبني على الثقة المشروعة لا على توافق الإرادتين) (١) .
ويعبر الدكتور الدريني عما توصل إليه من نتائج في هذا الموضوع- ونحن نشاركه في رأيه هذا – كالتالي: (وأما عدم اشتراط علم الطرف الآخر برجوع الموجب فإن فيه ضررًا بهذا الطرف الآخر، لأنه يكون قد رتب أموره على هذه الصفقة وقد يكون رفض غيرها. وقد رأينا أن أبا حنيفة يشترط في الفسخ في الخيار علم الآخر (٢) لأن هذا الآخر قد يعتمد تمام البيع فلا يطلب لسلعته مشتريًا وقد تكون المدة أيام رواج بيع المبيع وفي ذلك ضرر لا يخفى. فينبغي من أجل دفع الضرر اشتراط علم الطرف الآخر برجوع الموجب في التعاقد بين غائبين كما في التعاقد بين حاضرين عند من يشترطون العلم بالرجوع) (٣) .
(وستتبلور أهمية اشتراط علم المخاطب بالرجوع عن الإيجاب من خلال تصويرنا لمسألة الإيجاب المحدد بمدة معينة أدناه) .
وينبغي لنا أن نذكر هنا قضية إلزامية الإيجاب أو عدم إلزاميته إذا حدد الموجب للطرف الآخر مدة يقبل الإيجاب فيها أو برفضه. وقد سبق أن أشرنا إلى هذه القضية بالنسبة للتعاقد بين الحاضرين تحت عنوان (٢-١-٢) ، وبالنظر إلى شرحنا في هذا الموضوع يتبين لنا أنه يمكن القول بأن المبادئ السائدة في فقه الالتزامات المالكي تقتضي اعتبار مثل هذا الإيجاب ملزمًا طيلة المدة المحددة كما يمكن القول بأن هذا الرأي هو الأوفق لمبادئ الفقه الإسلامي بصفة عامة.