والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله ، وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه أنه عبادة، وما لم يثبت من عبادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور. ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرع الله تعالى وإلا دخلنا في معنى قوله:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى: الآية ٢١] .
والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله وإلا دخلنا في معنى قوله [سورة يونس: الآية ٥٩] .
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ .
ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا في الدّين ما لم يأذن به الله وحرَّموا ما لم يحرِّمه في [سورة الأنعام: الآية ١٣٥] .
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
وفي صحيح مسلم، عن عياض، عن الرسول ﵊، قال: ((قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا))
وهذه قاعدة عظيمة نافعة. انتهى كلام شيخ الإسلام.
ومن هذه الزاوية، زاوية الحداثة والتطور الفني لآلات الاتصال وتقارب المسافات بين الذوات المادية وإن تباعدت الأجساد، يجمل بالباحث أن يستعرض أولًا هذا التطور والاختراع المحدث وما قيل في شأنه من طرف المقننين المعاصرين في النظام الوضعي الدولي ثم نتبع ذلك بعد التصور بأحكام الفقه الإسلامي ذي الثراء الواسع الذي يستطيع أن يمدنا بالمتشابه وبالنظير وأن ييسر لنا سبل استخراج الأحكام وتطبيقها على ما حدث من أقضية وطرأ من مشاكل ووجد من ابتكار دخل حياتنا وتغلغل في تصرفات تجارنا وفي معاملاتنا المدنية.
وعسى أن لا يأخذنا أحد إذا اتبعنا هذا السبيل ففيه الوضوح والجلاء والتقصي ثم محاولة وجود النص والمساعدة على إجراء القياس والانتهاء إلى المطلب المنشود فالموضوع جافٍ إن اقتصر على عنوانه وثري حافل إن وقع التطرق إلى شعبه وما يخضع له من عناصر متنوعة ومحاور متفرقة بين دفات الكتب الفقهية هذا الفقه الذي نفخر به وبمن عالجوا أبوابه ونظموا طرقه ولم يغفلوا حتى عن البسيط من الأمر.
стр. 8542
ما هي طرق الاتصالات الحديثة
يجمل التعريف بإيجاز واختصار ببعض هذه الطرق لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
وما نذكره هنا هو تقريبي لا غير، إذ الغاية تصور هذه الطرق بصورة مجملة وندع التفاصيل لأهل الفن في هذا الميدان.
(أ) الهاتف:
١- دور الهاتف:
يتمثل دور الهاتف في نقل الصوت من مشترك إلى آخر عبر خطوط هاتفية مادية أو هوائية توفرها مصلحة البريد للمشتركين، ويقع التمييز بين مشترك وآخر برقم أو بعدد يتكون من عدة أرقام، مثلًا في تونس يتكون من ستة أرقام.. ويقع التمييز بين المناطق الجغرافية برقم إضافي، فمثلًا يضاف العدد (٥) إلى رقم المشترك القاطن في صفاقس إذا خاطبته من خارج صفاقس. وكما يضاف رقم للتفريق بين الدول المرتبطة مع بعضها عبر خطوط الهاتف، فإذا أردت أن تخاطب شخصًا ما في أميركا فيجب إضافة العدد (١) .
فخلاصة القول: يتكون رقم الهاتف من مميز للبلد ومميز للتقسيم الجغرافي داخل البدل ورقم المشترك.
٢- كيفية الاتصال:
عن طريق آلة الهاتف يقع تحويل الموجات أو الذبذبات الصوتية البشرية إلى ذبذبات كهربائية تترجم عن خصائص الموجات الصوتية من قوة وسرعة، وتحمل تلك الذبذبات الكهربائية عن طريق أسلاك معدنية أو على الهواء إن كانت سرعتها كبيرة إلى الآلة المقصودة بالخطاب فتحول تلك الموجات الكهربائية إلى ذبذبات صوتية.
فخلاصة القول: إن دور آلة الهاتف هو تحويل الذبذبات الصوتية إلى إشارات كهربائية بالنسبة للمتكلم وتحويل الإشارات الكهربائية إلى إشارات صوتية بالنسبة للسماع.
وإن مصلحة الاتصالات هي التي تنظم حركة المرور بين المشتركين، فهي تضمن إيصال المكالمات إلى أصحابها، وكما أسلفت فإنه يقع التمييز بين مشترك وآخر بالرقم الذي توفره له مصلحة البريد.
ولقد أمكن في هذه السنوات الأخيرة جعل الصورة مصاحبة للصوت، فبالإمكان مشاهدة الشخص المتخاطب معه وهذه الصورة تكون عادة مرسلة عبر موجات هوائية فائقة السرعة.
стр. 8543
(ب) التلغراف:
آلة التلغراف بسيطة الاستعمال، فهي تسمح بإرسال إشارات منظومة متعارف على معناها، فهي عبارة عن رموز لأحرف وكلمات.. وتنقل هذه الإشارات الكهربائية عبر خطوط (أسلاك) بسرعة ضعيفة نسبيًّا.
(ج) التلكس:
١ - دور التلكس:
يتمثل دورالتلكس في إرسال الأحرف المكونة لرسالة أو وثيقة من مشترك إلى آخر عبر خطوط (أسلاك مادية) أو عبر الهواء، وكل مشترك في نظام التلكس له رقم معين يميزه عن بقية المشتركين، كما هو الشأن بالنسبة لأرقام الهاتف.
٢- كيفية الاتصال:
تحتوي آلة التلكس على مفاتيح كمفاتيح الآلة الكاتبة، وبعد أن يقع رقم الرسالة المزمع إرسالها تحول الآلة كل حرف من الرسالة إلى رقم – وهذه الأرقام التي هي رموز لكل حرف من أحرف الهجاء متعارف عليها عالميًّا – وبعد أن تحول الآلة كل حرف إلى رقم يقع بتحويل مجموع الأرقام إلى إشارات كهربائية ترسل عبر خطوط التلكس تستقبلها الآلة المقصودة فتحولها- أي تلك الإشارات الكهربائية – إلى أرقام ثم إلى أحرف وترقم تلك الأحرف على ورقة بطريقة آلية.
ويقع التعريف، سواء قبل إرسال الرسالة أو عند وصولها، برقم المرسل والمرسل إليه حتى تتم إرسال أو قبول الرسالة من طرف الآلة.
وسرعة التلكس كسرعة التلغراف ليست بالسرعة العالية، وتملك الآلة القدرة على إصلاح الخطأ الواقع من جراء تنقل الإشارات الكهربائية عبر خطوط التلكس، وذلك قبل تحويل الأرقام إلى أحرف الرسالة.. فمع كل حرف مرسل، أي بعد تغييره إلى رقم، ترسل معه إشارة إضافية، تبين بعض خصائصه من أن الرقم زوجي أو فردي أو عند وصول الرقم إلى الآلة المقصودة تصل معه الإشارة المصاحبة، فتفهم الآلة الرقم والإشارة وتتأكد من صحته، أي أنه إذا وصل رقم فردي وإشارته تعلم بأن الرقم زوجي، فإن الآلة تفهم بأن الرقم فيه خطأ.. وبوسائل أخرى متشعبة تستطيع إصلاحه في معظم الحالات.
стр. 8544
(د) التلفاكس: (TELEFAX - TELECOPIE)
١ - دور التلفاكس:
بإمكان آلة التلفاكس تحويل نسخة من رسالة أو صورة إلى إشارات كهربائية ترسل عبر خطوط هاتفية، وكما هو الشأن بالنسبة للهاتف فإن كل آلة أو مشترك يميزها رقم كرقم الهاتف تمامًا.
٢- تستبين آلة التلفاكس الصورة عن طريق الأشعة وتقدر مدى إضاءة كل نقطة في الرسالة وتحول هذه المعلومات إلى إشارات كهربائية تبعث عن طريق الخطوط الهاتفية وعندما تصل تلك الإشارات إلى الآلة المقصودة تحول تلك الإشارات إلى صورة مماثلة للرسالة وذلك عن طريق الأشعة أيضا ولكن الصورة تكون أقل دقة ووضوحا من الصورة الحقيقية
وترسل إشارة من الآلة الباعثة قبل إرسال الصورة لطلب استعداد الآلة المرسل إليها للاستقبال، وعندما تكون الآلة المرسل إليها مستعدة أي أن الخط غير مشغول فإنها تجيب الآلة المرسلة بإشارة هي بمثابة علامة استعداد. وسرعة الإرسال هي كسرعة التخاطب بالهاتف، لذلك فاحتمال وقوع الخطأ أو عدم الوضوح يكون أكثر من استعمال التلكس، غير أن من حسنات هذه الآلة على غرار سابقتها أنها تسمح بإرسال الصورة زيادة على الرسائل، فهي بحد ذاتها كالآلة الناسخة غير أنها تتمكن من إرسال ما تنسخه.
(هـ) النقل بواسطة العقل الالكتروني: (ORDINATEUR)
هو وسيلة متطورة بالمعادلة مع الآلة الكاتبة، إذ بإمكانه خزن ما يكتب، أما الآلة الكاتبة فيه تبرز ما تكتب ولا تخزن.
وبالإمكان بإضافة آلات بسيطة إلى العقل الالكتروني وربطه بخط الهاتف، التخاطب مع عقل آخر له اتصال هو أيضًا بخط الهاتف بأرقام خاصة طبعًا.
وحينئذٍ يمكن كتب رسالة وخزنها مع توجيه نسخة منها إلى عقل آخر يتلقاها صورة على الشاشة المصاحبة للعقل في نفس الوقت كسرعة الهاتف.
وهذه الوسيلة دخلتها عدة اضطرابات إن لم نقل دخلها العبث. وبقدر محاسنها وسرعتها فإنها كثيرة العيوب ومن الصعب الاطمئنان إليها.
ومهما احتاط الناس فالمنحرفون يمكنهم الوصول إلى غايتهم السافلة بواسطة هذه الآلة.
(و) الاعتماد الموثق:
وهنا نقف في محطة أخرى ألحقناها إلحاقًا لأنها تشرح أهمية ونجاعة الاتصالات الحديثة بوسائلها المتطورة النابضة بالحياة والميسرة للمعاملات والمقربة للمسافات، وهي المتعلقة بسند الاعتماد أو الاعتمادات المستندية في الأعراف الدولية، وهي وسيلة تسهل المعاملات وتحكم ربطها بواسطة وسائل الاتصالات السابقة.
فالبنوك الآن تضطلع بدور كبير في شؤون التجارة والاقتصاد وعمليات الائتمان التجاري.
стр. 8545
فهي تمارس نشاطها وتحركها عن طريق العديد من العمليات المصرفية مرتبطة بحرفاء وبعقود تجارية لها مواصفات خاصة وأحكام مميزة.
وهذا النظام لم تكن له جذور قانونية تقليدية معينة، إنما بعث لحاجة العمل التجاري وتوفير الأمن والثقة بين الباعة والمشترين طبق عادات وأعراف وقعت محاولة لوضعها في صيغة ميثاق ليستأنس به ويستنار بأحكامه.
فالبيع قد يتم بين متعاقدين كل واحد منهما في جهة بعيدة كل البعد عن جهة ومقر صاحبه ومعاقده، ويكون ذلك بواسطة الاتصالات السريعة لأن الناس دومًا في حاجة أكيدة للسرعة في قضاء حاجياتهم.
ومن هنا جاءت هذه الطريقة التي نشرحها وهي مكملة متممة لما توفره تلكم الوسائل الاتصالية السريعة فالبضاعة تسلم تسليمًا حكميًّا معنويًّا قانونيًّا فقط لا بالمناولة والحوز المادي وإنما بتسليم المستندات الخاصة بها وهي سند الشحن وسندات تحقق سلامة تأمين البضاعة وسلامتها ووزنها ونوعها ووصفها مما يتحقق معه إنهاء البائع لواجباته المفروضة عليه في انتظار قيام المشتري بما عليه من واجبات.
والمشتري عليه أن يدفع الثمن بواسطة البنك الذي يتعامل معه، وفي ذلك ضمان مؤكد لحقوق البائع.
وجاء التفكير في هذه الوسيلة لدفع كل خطر لضمان حقوق كل الأطراف عند وجود فاصل مكاني يحول دون المتعاقد الفوري والتبادل الحيني للثمن والمثمن بطريقة (خذ.. وهات) المتعارفة.
وهذا النظام نشأ بدافع الحاجة العملية ثم تطور وتغير تحت ضغط تلكم الحاجة وإلحاحها. والعرف وحده هو الذي يحدد أحكام هذا النظام محترمًا في ذلك المقاصد الاقتصادية والأهداف العملية وسلامة كل ذلك من شوائب مخالفة القوانين والأنظمة.
يقول أحد رجال القانون المختصين، الأستاذ علي عوض، في كتابه (الاعتمادات المستندية) ، وهو من أحسن ما ألف في الموضوع.
: إنه قد لا يستطيع أحد المتعاقدين أن يبدأ بتنفيذ التزامه قبل أن ينفذ الآخر التزامه، أو قبل أن يطمئن هو بشكل أكيد إلى أن هذا التنفيذ سيحصل، فاتجه التفكير إلى الاستعانة بالمستندات التي تصدر بمناسبة تنفيذ هذا البيع، إذ هي تمثل حيازة البضاعة والحقوق الناشئة من البيع وتكشف عن مدى تنفيذ البائع لالتزامه وإلى الاستعانة بشخص وسيط يثق فيه كل من البائع والمشتري تمر عن طريقه المستندات والثمن وبشروط تجعل كل واحد مطمئنًا.
стр. 8546
فيشترط البائع في عقد البيع على المشتري أن يطلب إلى بنك يعينه أن يتعهد أمامه هو بدفع الثمن متى سلَّمه المستندات الخاصة بتنفيذ البيع والتي بها يتسلم المشتري البضاعة. ويقال عندئذٍ: إن بنك المشتري يفتح بهذا التعهد اعتمادًا مستنديًّا لصالح البائع.
ويسمى المشتري هنا الآمر، لأنه يأمر البنك الفاتح أو المصدر ويسمى الخطاب أو الإخطار الذي يرسله البنك إلى المستفيد متضمنًا تعهده (accrditif) .
وقد يكون تعهد البنك في هذا الخطاب غير مؤكد أو غير نهائي، أي قابلًا للرجوع فيه أو للنقض (Revocable) ، وفيه يكون البنك مجرد وكيل عن المشتري الآمر لا يلتزم بأي التزام شخصي أو مستقل أمام البائع. ولهذا يكون للمشتري أن يلغي أوامره السابقة ويطلب إلى البنك الرجوع في وعده الذي أخطر به البائع، كما يكون للبنك أيضًا أن يرجع في هذا الوعد متى قام سبب يبرر ذلك في علاقته بالمشتري الآمر كما لو ساء المركز المالي للمشتري.
والمعتاد أن يشترط البائع في البيع على المشتري أن يكون تعهد البنك في خطابه قطعيًّا (irrevocable) ، بمعنى أن يتعهد أمام البائع تعهد شخصيًّا مستقلًا منفصلًا بحيث لا يكون له بعد ذلك أن يرجع في تعهده أيا كان مصير علاقة البنك بالمشتري الآمر ولا ما يطرأ على المركز المالي للمشتري كما لا يكون المشتري أن يأمر البنك بالرجوع في تعهده ولا أن يرجع هو في تعليماته التي أصدرها للبنك من قبل، وهكذا يحصل البائع على الطمأنينة التي ينشدها من تدخل البنك وتبلغ أقصاها في حالة ما يؤكد بنك آخر تعهد بنك المشتري.
وقد انتشر استخدام الاعتماد المستندي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، إذا كان المصدرون من الولايات المتحدة الأمريكية يطلبونه من المشترين في أوروبا، ثم امتد بعد ذلك إلى كافة أنحاء العالم.
وجاء في المرشد العلمي الذي وضعته غرفة التجارة الدولية في شأن هذا الاعتماد سنة ١٩٧٨م أن الاعتماد المستندي هو بعبارة وجيزة تعهُّد مصرفي مشروط بالوفاء، أو هو تعهُّد مكتوب من بنك يسمى المصدر مسلم للبائع المستفيد بناء على طلب المشتري وطبق تعليماته للقيام بالوفاء في حدود مبلغ محدد خلال فترة معينة في نظير مستند مشترط.
стр. 8547
وعرَّفه بعضهم بقوله:
(الاعتماد المستندي القطعي عقد بمقتضاه وبناء على طلب أحد طرفيه وهو الآمر يتعهد البنك فاتح الاعتماد شرطيًّا وبشكل لا رجوع فيه أمام شخص من الغير مباشرة وبواسطة تدخل بنك في بلد هذا الغير أن يدفع مبلغًا محددًا في مقابل أن تقدم إليه خلال مدة محددة مستندات معينة ويلتزم العميل المفتوح له الاعتماد الآمر من جانبه بتخليص العملية) .
وقد عرَّف القانون التجاري التونسي هذا الاعتماد تحت عنوان: (الاعتماد الموثق) ، عرفه في الفصل (٧٢٠) وما بعده قائلًا:
الاعتماد الموثق هو الاعتماد الذي يفتحه أحد البنوك بطلب من شخص آمر لفائدة عميل له ويكون مضمونًا بحيازة الوثائق المتمثلة فيها البضائع أثناء نقلها أو البضائع المعدة للنقل.
والاعتماد الموثق ينشأ مستقلًّا عن عقد البيع الذي يمكن أن يكون أصلًا لتكوينه وتبقى البنوك أجنبية عنه.
وكل اعتماد يعتبر غير قابل للرجوع فيه إلا إذا نص شرط صريح على خلافه.
والاعتماد الذي لا رجوع فيه يقتضي التزام البنك التزامًا باتًّا مباشرًا تجاه المستفيد.
ويظهر أن هذا الاعتماد لجأ إليه العرف التجاري الدولي، لأنه يحقق سرعة التعاقد ويحمي سلامة تنفيذ العقود، لأن بقية الوسائل الأخرى قد لا تحمي الأطراف حماية تامَّة وقد لا تحقق السرعة المطلوبة. فالضامن الكفيل لا يؤدي إلا تحت شروط تهم اختيار حالة المدين وإذا صدر أي اعتراض أعرض الكفيل عن الأداء وتقاعس عن الوفاء وضاعت حقوق الدائن بسبب تلاعب أصحاب الأهواء وطول الترافع في ساحات القضاء.
والالتزام بفتح الاعتماد ينشأ تسهيلًا لعقد العقود وسرعة تنفيذها بتسلم الثمن والبضاعة وهذا يتم غالبًا بواسطة هذه الآلات السريعة العصرية المتطورة.
ومن هنا نفهم سبب إلحاق هذه الوسيلة بتلك الوسائل، لأنها تتكامل معها وتجر إلى نفس المرفأ وتنتهي بالعقود إلى النفاذ السريع العاجل في شبه اطمئنان وسلامة وأمن مع سرعة تتماشى وعصر السرعة والمادة وفقد الثقة وفتح الاعتماد هو تسهيل للوفاء وضمان له.
стр. 8548
الفرع الأول
التعاقد بين حاضرين
قد تبرم بين متعاقدين حاضرين حقيقة أو حكمًا أو بين غائبين عن بعضهما منفصلين جسديًّا بسبب بعد المكان.
الفرع الأول:
إذا كان الطرفان المتعاقدان في مكان واحد من بلد واحد وتفاهما في شأن عقد من العقود واتفقا على شروطه ولوازمه وتوابعه وكلياته وجزئياته، فقد انبرم العقد بينهما ولزم كل طرف الوفاء بما تعهد به دَيْنًا وقضاءً مع احترام وسائل الإثبات عند إنكار أي طرف لما يدعيه الطرف الآخر.
أما إذا وجد شخصان مثلًا في مكان واحد وعرض أحدهما على الآخر صفقة من الصفقات بشروطها وأوصافها ولم يعين له أجلًا لقبول العرض أو رفضه، أو بعبارة عرفية لقبول الإيجاب المعروض عليه أو رفضه، فالقوانين الوضعية هنا تقرر أن القبول يجب أن يكون حينيًّا.
يقول الفصل (٢٧) من القانون المدني التونسي:
(إذا عرض شخص على شخص آخر حاضر بمجلسه عقدا من العقود ولم يعين له أجلا لقبوله أو رفضه، فلا يترتب على ذلك شيء إن لم يقبله في الحين) .
وتقول المادة (٩٤) من القانون المدني المصري الجديد.
(إذا صدر الإيجاب في مجلس العقد دون أن يعين ميعادًا للقبول فإن الموجب يتحلل من إيجابه إذا لم يصدر القبول فورًا) .
هذا إذا كان الطرفان حاضرين ماديًّا ذاتيًّا في مكان واحد ومجلس واحد.
والأمر كذلك إذا كان حاضرين حكميًّا، أي حضور معنويًّا بأن كان أحدهما ببلد والآخر بأخرى يبعد عنه لكن أمكنهما الاجتماع معنويًّا بواسطة الهاتف والتخاطب المباشر والتفاهم على كل جزئيات وكليات العقد والهاتف قد يكون مصحوبًا بالصورة المرئية أحيانًا.
فالقبول هنا يجب أن يكون حينيًّا فوريًّا كما في الصورة الأولى، وهي صورة الاجتماع الحي المادي.
وهذا ما صرح به آخر فصل (٢٧) من المدونة المدنية التونسية السابق:
(وهذا الحكم يجري فيما يعرضه شخص على آخر بواسطة التليفون) .
وهو عين ما جاء في المادة (٩٤) من القانون المصري التي تنص:
(وكذلك الحال إذا صدر الإيجاب بطريق التليفون أو بأي طريق مماثل) .
ومن هنا نفهم أن التعاقد بين شخصين حاضرين حضورًا ماديًّا أو حكميًّا أن من وُجِّهَ إليه إيجاب في شأن إبرام عقد من العقود عليه أن يرد بغطاء القبول حالا وفورًا، فإن تراخى وأهمل أمر القبول فالإيجاب أصبح ساقطًا لا يعمل به، وإن قَبِل بعد ذلك يصير قبوله هذا إيجابًا جديدًا وعرضًا حديثًا وعلى الطرف الآخر قبوله حينًا أو رفضه ماديًّا أو معنويًّا بالصمت والسكوت.
стр. 8549
وهذا هو عين ما جنح إليه القانون المصري في مادته (٩٤) ، والقانون المغربي في مادته (٩٥) والليبي في مادته (٩٤) .
وهو مبدأ متفق عليه مجمع على أحكامه بصرف النظر على اختلاف في الجزئيات.
والقانون الكويتي، الذي هو حديث عهد بالوضع وقام على أنقاض ما كان معمولًا به في (مجلة الأحكام العدلية العثمانية) التي أصدرتها الدولة العثمانية في شعبان سنة ١٢٩٣هـ الملاقية سنة ١٨٧٦ ميلادية، وهي متبعة للمذهب الحنفي.
هذا القانون الكويتي الحديث الصادر سنة ١٤٠٠هـ - ١٩٨٠م كان مرنًا في أسلوبه وفي صياغته واستفاد من آراء من سبقه، وقد عالج هذا الموضوع معالجة طيبة، فجاءت مادته (٤٦) تشرح التعاقد بين حاضرين في مجلس العقد، فتقول:
(إذا صدر الإيجاب في مجلس العقد من غير أن يتضمن ميعادًا للقبول كان لكل من المتعاقدين الخيار على صاحبه إلى انفضاض هذا المجلس، وإذا انفض مجلس العقد دون أن يصدر القبول اعتبر الإيجاب مرفوضًا) .
وهو يحدد موقفه من خيار المجلس ويأخذ برأي المالكية والحنفية، فيقول في مادته (٤٧) :
(إذا ارتبط الإيجاب بالقبول لزم العقد طرفيه ولا يكون لأي منهما عنه نكوص حتى قبل أن يفترقا بالبدن) .
وقد شرحت المذكرة الإيضاحية هذا الموضوع شرحًا جيدًا فليرجع إليها من أراد الاطلاع عليها.
وما جاءت به القوانين الوضعية في هذا الشأن فيه نوع من الشدة والقسوة بالمقارنة مع ما جاءت به أحكام الشريعة الإسلامية السمحة الميسرة.
ومعلوم أن الخيار في الفقه الإسلامي له أنواع: خيار المجلس وخيار التروّي وخيار النقيصة أو العيب وخيار الرؤية.
وبالتعرض إلى الموضوع بإجمال كلي من ناحية أحكام الفقه الإسلامي، نلاحظ اليسر والسهولة في شأن هذا الخيار الذي اختلفت الآراء في شأنه واختلف الإسناد إليه والاعتماد عليه.
وبصرف النظر عن خيار النقيصة أو العيب فالخيار نوعان:
(أ) الذي عيّن فيه أمد وأجل للخيار.
(ب) والمطلق الذي لم يعين فيه أجل لذلك.
والأخير هو محل ومحط بحثنا لعلاقته المتينة بوجود شخصين حاضرين ماديًّا أو حكميًّا واشتغالهما بإنشاء عقد من العقود التعاملية المدنية ثم بتعاقد غائبين عن بعضهما بواسطة وسيلة من الوسائل قديمة أو حديثة تقليدية أو عصرية متطورة.
стр. 8550
مجلس العقد
روى الإمام مالك في الموطأ، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال:
((المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار)) .
قال مالك: وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه (١) .
قال عياض: وهذا أصل في جواز بيع المطلق والمقيد. قال الأبِّي: يعني بالمطلق المسكوت عن تعيين مدة الخيار فيه وبالمقيد ما عين فيه أمد الخيار.
فالمتعاقدان إذا حصل بينهما الاتفاق والتراضي على أركان العقد وشروطه تم العقد وانبرم بينهما ولاحق لأحدهما أن يرجع في التزامه سواء في نفس المجلس أو بعد انفضاضه.
والإيجاب المفتوح المتعارف بين التجار والشائع استعماله بين الناس، يقتضي العرض لشخص غير معين فإذا لحقه الإيجاب من أي شخص انبرم العقد، ولذلك صيغ مختلفة.
وهذا بخلاف المناداة على البضاعة والسلع، فهي ليست إيجابًا يتطلب القبول. ثم إنه في بيع المزايدة يحدث أن يقع الافتتاح للدلالة بثمن معين لكنه قابل للزيادة، فلا يمكن أن يكون الثمن المفتتح به إيجابًا وإن كان العرض بواسطة الدلّال في مفهومه الإيجاب لآخر ثمن يعرض.
يقول الشيخ عليش في منح الجليل [٢/٥٧٣] .
(إن الاستفتاح للدلّال بثمن ليبني عليه في المناداة من شخص عارف جائز لئلا يستفتح من يجهل القيمة بسوم قليل فيتعب الدلّال. وكان بالكتبيين في تونس رجل مشهور بالصلاح عارف بالكتب يستفتح للدلّالين ما يبنون عليه ولا غرض له في الشراء) .
والإمام مالك ﵁ ينفي خيار المجلس، لأن الأصل في العقود اللزوم إذ هي أسباب لتحصيل المقاصد من الأعيان وترتب المسببات على أسبابها هو الأصل.
فالبيع والعقد حينئذٍ لازم تفرقًا أم لا فهو ﵁ يقول عقب الحديث الذي يرويه: وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه.
وهو يدافع عن موقفه ويكتب إلى صاحب له فقيه متمكن ينصحه بالقول والإفتاء بعمل أهل المدينة ويبيّن له صحته في هذا التوجيه.
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ الآية.
والناس تبع لأهل المدينة ... إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن وأُحلَّ الحلال وحرِّم الحرام، إذ رسول الله ﷺ بين أظهرهم يحضرون الوحي إلى آخر كتابه) .
وأجاب اتباع مالك عن الحديث بحمل (المتبايعان) على المتشاغلين بالبيع، فإن باب المفاعلة شأنها اتحاد الزمن كالمضاربة ويكون الافتراق بالأقوال كقوله سبحانه:
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [الآية ١٢٩ من سورة النساء] .
стр. 8551
ويكون الافتراق مجازًا جمعًا بين الأدلة ولأن ترتيب الحكم على الوصف يدل عليه ذلك الوصف لذلك الحكم فوصف المفاعلة هو علة الخيار فإذا انقضت بطل الخيار ببطلان سببه وحمل المتبايعين على من تقدم منه البيع مجازًا كتسمية الخبز قمحًا والإنسان نطفة.
حتى يقول: وأجيب أيضًا بأنه معارض بنهيه ﷺ عن بيع الغرر وهذا منه، لأن كل واحد لا يدري ما يحصل له وهو خيار مجهول العاقبة فيبطل، ولأن الأمر في قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ للوجوب وهو ينافي الخيار.
ونقل محمد بن الحسن عن أبي حنيفة معنى الحديث إذا قال: بعتك فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قد قبلت وليس المراد ظاهره أرأيت لو كان في سفينة أو قيد أو سجن كيف يفترقان؟ والمذهب الحنبلي يقرر أنه لكل واحد من المتبايعين حق فسخ البيع ما داما مجتمعين لم يتفرقا بأبدانهما فإذا تفرقا من غير فسخ لم يكن لأحدهما رد البيع إلا لعيب أو شرط [المغني، لابن قدامة] .
يقول ابن رشد الحفيد موضحًا هذا الموضوع وباسطًا أسباب الخلاف [بداية المجتهد: ٢/١٦٠] :
اختلفوا متى يكون اللزوم، فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وطائفة من أهل المدينة: إن البيع يلزم في المجلس بالقول وإن لم يفترقا. وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وابن عمر من الصحابة ﵃: البيع لازم بالافتراق من المجلس وإنهما مهما لم يفترقا فليس يلزم البيع ولا ينعقد وعمدتهم حديث مالك عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ((المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع الخيار)) . وفي بعض الروايات هذا الحديث إلا أن يقول أحدهما لصاحبه اختر. وهذا الحديث إسناده عند الجميع من أوثق الأسانيد وأصحها حتى لقد زعم أبو محمد أن مثل هذا الإسناد يوقع العلم وإن كان من طريق الآحاد.
وأما المخالفون فقد اضطرب بهم وجه الدليل لمذهبهم في رد العمل بهذا الحديث.
فالذي اعتمد عليه مالك ﵀ في رد العمل به أنه لم يلف عمل أهل المدينة عليه، مع أنه قد عارضه عنده ما رواه من منقطع حديث ابن مسعود أنه قال: أيما بيعين تبايعا فالقول قول البائع أو يترادّان. فكأنه حمل هذا على عمومه وذلك يقتضي أن يكون في المجلس وبعد المجلس. ولو كان المجلس شرطًا في انعقاد البيع لم يكن يحتاج فيه إلى تبيين حكم الاختلاف في المجلس لأن البيع بعدُ لم ينعقد ولا لزم بعد الافتراق من المجلس.
стр. 8552
وهذا الحديث منقطع ولا يعارض به الأول وبخاصة أنه لا يعارضه إلا مع توهم العموم فيه والأولى أن يبني هذا على ذلك.
وهذا الحديث لم يخرجه أحد مسندًا فيما أحسب. فهذا هو الذي اعتمد عليه مالك ﵀ في ترك العمل بهذا الحديث.
وأما أصحاب مالك فاعتمدوا في ذلك على ظواهر سمعية وعلى القياس، فمن أظهر الظواهر في ذلك قوله :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [الآية ١ من سورة المائدة] .
والعقد هو الإيجاب والقبول والأمر على الوجوب. وخيار المجلس يوجب ترك الوفاء بالعقد إذْ يمكن الرجوع في البيع بعدما أنعم ما لم يفترقا.
وأما القياس فإنهم قالوا: عقد معاوضة فلم يكن لخيار المجلس فيه أثر، مثل النكاح والخلع والرهن والصلح. فلما قيل لهم: الظواهر التي تحتجون بها يخصصها الحديث المذكور فلم يبق لكم في مقابلة الحديث إلا القياس فيلزمكم على هذا أن تكونوا ممن يرى تغليب القياس على الأثر، وذلك مذهب مهجور عند المالكية وإن كان قد روي عن مالك تغليب القياس على السماع مثل قول أبي حنيفة، فأجابوا عن ذلك بأن هذا ليس من باب رد الحديث بالقياس ولا تغليب وإنما هو من باب تأويله وصرفه عن ظاهره. قالوا: وتأويل الظاهر بالقياس متفق عليه عند الأصوليين قالوا: ولنا فيه تأويلان أحدهما أن المتبايعين في الحديث المذكور هما المتساومان اللذان لم ينفذ بينهما البيع فقيل لهم: إنه يكون الحديث على هذا لا فائدة فيه، لأنه معلوم من دين الأمة أنهما بالخيار إذ لم يقع بينهما عقد بالقبول. وأما التأويل الآخر فقالوا: إن التفرق ههنا إنما هو كناية عن الافتراق بالقبول لا التفرق بالأبدان كما قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الآية ١٢٩ من سورة النساء] .
والاعتراض على هذا أن هذا مجاز لا حقيقة هي التفرق بالأبدان. ووجه الترجيح أن يقاس بين ظاهر هذا اللفظ والقياس فيغلب الأقوى والحكمة في ذلك هي لموضع الندم. اهـ.
والقرافي في الفروق ص١٩٦ يقول:
إن أصل العقود أن تلتزم بالقول لقوله : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، والمالكية أبطلوا خيار المجلس بناءً على أن هذه الآية قررت أصلًا من أصول الشريعة وهو أن مقصد الشارع إتمام العقود، وبذلك صار ما قررته مقدمًا عند مالك على خبر الآحاد ولذا لم يأخذ بحديث ابن عمر: ((المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا)) .
стр. 8553
ونحن هنا نشير إلى أن عمل أهل المدينة متى ثبت واتُّفِق عليه قُدِّم على خبر الآحاد عند المالكية، وهو ما اعتمده مالك ﵁ عند قوله:
(وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه) .
والقاضي عياض في [المدارك: ١/٧٢] يُخَرِّجُ المسألة من زاوية أخرى عند تحدُّثِه على عمل أهل المدينة فهو يذكر حديث ((المتبايعان بالخيار)) الذي رواه مالك وأهل المدينة بأصح أسانيدهم. وأما قول مالك عَقِبَهُ وليس لهما عندنا حد محدود ولا أمر معمول به. هو مسلط على فقرة: إلا بيع الخيار، أي أن بيع الخيار ليس له حد عندهم وفسر التفرق بالأقوال لا بالأبدان والخيار ما داما متراوضين ومتساومين.
ويقول خليل في مختصره: (إنما الخيار بشرط) .
فنبه بالحصر على أن خيار التروي لا يثبت بدوام اجتماع المتبايعين.
وعلق شراح خليل على ذلك بقولهم: وهذا قول الفقهاء السبعة إلا ابن المسيب وهو رأي مالك وأبي حنيفة.
والفقهاء السبعة جمع بعضهم أسماءهم فقال:
ألا كل من لا يقتدي بأيمة
فقسمته ضيزى عن الحق خارجه
فخذهم: عبيد الله عروة قاسم
سعيد أبو بكر سليمان خارجه
وهم جميعًا من التابعين ﵃.
وما ذهب إليه المذهبان الحنفي والمالكي واقتبسته عنهما القوانين الوضعية حينئذٍ هو أن العقد إذا تم وانبرم أصبح واجب النفاذ سواء بقي المجلس وطال أمده أو انصرم سواء اجتمعا بالأبدان اجتماعًا حقيقيًّا أو اجتماعيًّا حكميًّا بواسطة آلة اتصال كالهاتف.
لكن لا يفهم من هذا منع التراخي في قبول العرض ولا يمكن أن نتصور تصرفًا ماليًّا له أهمية كبرى تشترط فيه المسارعة بالقبول والمواثبة في الإجابة دون إعمال الرأي أو تدبير شأن وتفكير بموضوعية تتطلبها المعاملات التجارية عادةً وعرفًا، فالمتعاقدان قد يكون أحدهما درس الموضوع دراسة معمقة مركزة ثم جاء يعرض إيجابه ولذا فإن الطرف المقابل من حقه إعمال الرأي والتفكير والتدبير ثم إسناده القبول وتغطيه الإيجاب حتى يتكوَّن العقد.
وهذا ما يقرره غالب الفقهاء في مختلف المذاهب وإليه يجنح شراح القانون.
يقول الكاساني في [بدائعه: ٥/١٣٧] .
(...... وأما الذي يرجع إلى مكان العقد فهو اتحاد المجلس بأن كان الإيجاب والقبول في مجلس واحد فإن اختلف المجلس لا ينعقد لأن القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين عن الآخر في المجلس ... إلا أن اعتبار ذلك يؤدي إلى انسداد باب البيع فتوقف أحد الشطرين على الآخر حكمًا وجعل المجلس جامعًا للشطرين مع تفرقهما للضرورة وحق الضرورة يصير مقضيا عند اتحاد المجلس فإذا اختلف لا يتوقف. وعند الشافعي ﵀ الفور مع ذلك شرط لا ينفذ الركن بدونه. ولنا في ترك اعتبار الفور ضرورة لأن القابل يحتاج إلى التأمل ولو اقتصر على الفور لا يمكنه التأمل) .
стр. 8554
ويقول الزيلعي شارح الكنز [٢/٤] :
( ... وعند الشافعي ﵀ خيار القبول لا يمتد إلى آخر المجلس بل هو على الفور ولنا – أي للحنفية – أنه يحتاج إلى التروّي والفكر والتأمل فجعل ساعات المجلس كساعة واحدة إذ هو جامع للمتفرقات وبه يرتفع الحرج، وفيما قاله الشافعي حرج بيِّن وهو منتفٍ بالنص، قال الله :
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [آية ١٨٥ من سورة البقرة] .
وقال ﵊: ((يسروا ولا تعسروا ... )) . وفي نفس السياق يقول الحطاب في شرحه لمختصر خليل [٤/٢٤٠] :
( ... والذي تحصل عندي من كلام أهل المذهب أنه إذا أجابه في المجلس بما يقتضي الإمضاء والقبول من غير فاصل لزمه البيع اتفاقًا، وإن تراخى القبول عن الإيجاب حتى انقضى المجلس لم يلزمه البيع اتفاقًا وكذا لو حصل فاصل يقتضي الإعراض عمَّا كانا فيه حتى لا يكون كلامه جوابًا لكلام السابق عرفًا لم ينعقد البيع كما يفهم من كلام ابن عرفه ومن كلام ابن رشد: إن أجابه صاحبه في المجلس ولا يشترط أن لا يحصل بين الإيجاب والقبول فصل بكلام أجنبي عن العقد ولو كان يسيرًا كما يقوله الشافعية.
ولا يقال كلام ابن رشد وابن العربي في انعقاد البيع وعدم انعقاده وكلام ابن رشد وابن عرفه إنما يقتضي عدم اللزوم ولا يلزم من نفي اللزوم نفي الانعقاد لأنَّا نقول: لا موجب هنا لعدم اللزوم في حق من صدر منه ما يدل على الرضا إلا كونه لم ينعقد عليه البيع لعدم إجابة صاحبه بما يدل في وقت يكون كلامه جوابًا لكلامه ... ) .
وهكذا ننهي الحديث عن الفرع الأول وهو التعاقد بين حاضرين حقيقةً أو حكمًا كأن يكون التخاطب بالهاتف. وقد رأينا أن هذا جائز وصحيح بشروطه وقيام أركانه اعتمادًا على أحكام الفقه الإسلامي بصرف النظر عن الاختلاف الجزئي بين المذاهب التي تتفق مبدئيًّا على الصحة والقبول لا نبرام العقد بين غائبين عن بعضهما حاضرين في مجلس واحد بحكم وحدة الزمن عند المساومة والمناقشة في شأن إبرام العقد وإنهاء الصفقة.
فما دام المتساومان يتناقشان في شأن إبرام العقد بخط هاتفي ذي سلك أو دون سلك مشاهد الصورة أو غير مشاهد لها فهما في مجلس واحد تطبق عليه الأحكام السابق بسطها وشرحها.
هذا وإننا لا نتعرض إطلاقًا هنا إلى وسائل الإثبات وإنما نتحدث على المبدأ العام باعتبار اعتراف كل واحد بما صدر عنه.
وأما عند النزاع والإنكار فإن طرق الإثبات معروفة يفزع إليها الأطراف لإقرار العقد وإثباته في نطاق ما حدده التشريع وليس ذلك من مشمولات بحثنا هذا.
стр. 8555
الفرع الثاني
التعاقد بين غائبين
يحدث أن يتم التعاقد بين شخصين غائبين عن بعضهما جسديًّا لا يجمعهما مجلس واحد بل يكون وجودهما في بلدين بعيدين عن بعضهما ويقتربان بطريقة من طرق الاتصالات العصرية والقديمة كالرسالة أو البرق، وهي تساعد على تحقيق الصفقات وتقريب المسافات في المناقشات والمساومات والمفاهمات.
والقوانين الوضعية يشغلها من ناحية هذه العقود زمان العقد ومكانه.
متى يلتقي القبول بالإيجاب؟ ومتى يتكون العقد؟ وأية فرصة تمنح للقابل لإصدار القبول بعد اتصاله بالإيجاب هل على الفور أم على التراخي احترامًا لمجلس العقد وأحكامه؟
وإذا عدل الموجب عن إيجابه بعد أن أرسله إلى صاحبه وقبل أن يتصل هذا بالإيجاب سارع الآخر وأبرق له بوسيلة سريعة من هذه الوسائل يعلن رجوعه وإلغاء إيجابه ويصل الرجوع والإلغاء قبل وصول الإيجاب فهل هناك محل للقبول أم لا؟!
جاء القانون المدني التونسي في مادته (٢٨) قائلًا:
(يتم العقد بالمراسلة في وقت ومكان إجابة الطرف الآخر بالقبول. والتعاقد بواسطة رسول أو غيره يتم في الوقت والجهة التي تحصل فيها الإجابة بالقبول من الطرف الآخر للرسول) .
أي إن مكان القبول هو مكان العقد. وهذا محل خلاف الآن بين القوانين.
وقد نصت لائحة المجلة المدنية التونسية الموضوعة سنة ١٣١٥هـ-١٨٩٨م على أن هذه المادة مأخوذة من المادة (٣٤٦) من مرشد الحيران ومن الفتاوى الهندية ٣/٩.
وجاءت المادة (٣٠) من المدونة المذكورة تقول:
(يسوغ الرجوع في الإيجاب ما دام العقد لم يتم بالقبول) .
وتنص لائحة هذه المدونة على أن هذه المادة مأخوذة من مرشد الحيران ومن مجلة الأحكام العدلية والتاودي والتسولي.
أما القانون المصري الجديد فهو يذهب مذهب العلم بالقبول فتقول مادته (٩٧) :
(يعتبر التعاقد ما بين الغائبين قد تم في المكان وفي الزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول ... ) .
وإلى هذا يذهب القانون العراقي في مادته (٨٧) والليبي في مادته (٩٧) ، وكذلك الكويتي في مادته (٤٩) ، ومثله القانون التجاري الكويتي في مادته (١١٢) .
وهذا الموضوع محل اختلاف بين القوانين الوضعية كما رأينا. ومبدأ العلم بالقبول لم يأخذ به القانون المدني التونسي وكذلك القانون السوري. مخالفين غالب القوانين الأخرى باعتبار أن التعبير عن الإرادة يتكامل وجوده بمجرد صدوره من صاحبه وتنتج عنه آثاره فإذا صدر القبول مطابقًا لما جاء به الإيجاب انبرم العقد وكانت له آثاره بصرف النظر عن علم من وجه له القبول.
стр. 8556
ويظهر أن هذا يتماشى مع أحكام الفقه الإسلامي في مبادئه العامة التي شرحناها سالفًا.
وعلى كلٍّ فالموضوع دقيق يتطلب بحثًا واسعًا.
ومتى يمكن للقابل أن يصدر القبول؟ وهل له فرصة للتفكير والتروِّي وإعمال الرأي؟
تقول المادة (٣٤) من المدونة المدنية التونسية:
(من صدر منه إيجاب بمراسلة بلا تحديد أجل بقي ملزمًا إلى الوقت المناسب لوصول الجواب إليه في مثل ذلك عادة ما لم يصرح بخلافه في الكتاب) .
والقانون المدني يفترض حصول تأخر في الجواب بسبب خلل ما بعد وقوع القبول ولذلك يضيف فقرة أخرى توضح الموقف فيقول آخر المادة (٣٤) المشار إليها:
(فإن صدر الجواب بالقبول في وقته ولم يبلغه إلا بعد انقضاء الأجل الكافي لإمكان وصول الجواب إليه بالوجه القياسي، فالصادر منه لا يلزمه شيء ويبقى الحق لمن لحقه ضرر في طلب تعويض الخسارة ممن تسبب فيها) .
وهكذا يطرح القانون الوضعي الحل المناسب لمشكلة الفورية في القبول ويمنح فرصة متراخية حسب العرف والعادة يفسر فيها هذه الفورية وإمكانية وجود فترة ما زمنية بين بعث الإيجاب والتحاق القبول به.
ولا يضر شيء وجود اختلاف بسيط بين مذاهب القانون الوضعي فكلها ترمي إلى إقرار مبدأ التراخي في مجلس العقد حتى يتمكن كل طرف من حرية الاختبار والمصادقة دون ضغط زمني قد يلحق به خسارة ما، لكن مع احترام قواعد الفورية في عمومها وشمول أحكامها كما سبق بسطه.
ورغم حداثة بعض وسائل الاتصال فلقد جاء الفقه الإسلامي بأحكام واضحة نستخلصها مما سجله الفقهاء في هذا الموضوع لنخرج بحكم واضح في شأن التعامل بهذه الوسائل وأحكام العقود بواسطتها خاصة إذا كان المتعاقدان غير مجتمعين في مجلس واحد بل غير مجتمعين في بلد واحد واستعانا في اتصالهما وعقد عقودهما بالمراسلة البطيئة أو العاجلة.
فإذا فزع بائع إلى نائب عنه أرسله إلى شخص بعيد عنه يحمل عنه رسالة شفوية في عرض إيجاب بيع عقار مثلًا بشروط معينة وثمن معين واتجه الرسول وسافر يحمل رسالته ويحافظ على أمانته واجتمع بالمشتري وأبلغه الرسالة التي يحملها فمجلسهما هذا مجلس تبليغ الرسالة وإيصال الخطاب وعرض الإيجاب هو مجلس العقد ومجلس المتبايعين.
стр. 8557
فالموجب الذي بلغت رسالته يعتبر حاضرًا بشخصه يمثله من أرسله نائبًا عنه وحينئذٍ تنطبق الأحكام السابقة التي بسطناها بإيجاز في شأن مجلس العقد بين حاضرين حقيقة أو حكمًا.
فإذا انفض المجلس ولم يقبل المشتري فلا حق له في القبول من جديد. والفقهاء متفقون تقريبًا في صيغة العقد على أنه كل ما يدل على رضا الجانبين بالقول أو ما يقوم مقامه كرسول أو رسالة ويقولون: إنه إذا كتب رسالة لغائب يقول له: قد بعتك داري بكذا أو أرسل له رسولًا فقبل في المجلس صح العقد وانبرم ولكن مع التراخي والفصل البسيط الذي يعتبر حال التقاء المتعاقدين في مجلس واحد.
وحينئذٍ فسلوك وسيلة من وسائل الاتصال العصرية هو بمثابة الرسالة الخطية المكتوبة أو الرسالة الحية المرسلة بواسطة إنسان حي يتكلم ويبلغ ما كلف بإبلاغه.
ومن هنا نفهم أن أحكام الإيجاب والقبول بين حاضرين تطبق إذا كان العرض والقبول بواسطة رسالة متطورة سريعة لا فرق في ذلك تمامًا.
لكن إذا رجع الموجب عن إيجابه:
إذا كان المتعاقدان في مجلس واحد وعرض أحدهما عرضًا في صورة إيجاب فللطرف المقابل أن يقبل العرض أو يرفض والأمر ظاهر حينئذٍ لا غموض فيه.
لكن إذا كان التفاهم والتناقش والتساوم والعرض بواسطة الرسائل والبرقيات فقد يحدث أن يرجع العارض الموجب عن عرضه وإيجابه قبل صدور القبول من صاحبه وقبل انبرام العقد وتكونه. خاصة ونحن هنا ندرس حالة استعمال هذه الوسائل المتطورة للاتصال السريع.
فقد يبرق أحدهم إلى صاحبه بعرضه ثم يلجأ إلى سلوك وسيلة أسرع يعلن بواسطتها أنه عدل عن عرضه ورجع في إيجابه طالبًا اعتباره كأن لم يكن. ويصل العدول قبل الأصول أي قبل وصول الإيجاب أو معه وعلى كل حال قبل صدور القبول من المرسَل له.
ويجيب عن هذا الفقهاء بصورة مختلفة متعارضة.
فالمالكية لا يسمحون للموجب بالرجوع في إيجابه حتى يرفضه الآخر وإذا قبل هذا صح العقد وانبرم.
يقول الحطاب في مواهب الجليل [٤/٢٤١] :
(لو رجع أحد المتبايعين عما أوجبه لصاحبه قبل أن يجيبه الآخر لم يفده رجوعه إذا أجاب صاحبه بالقبول) .
стр. 8558
وحكى القرطبي في تفسير قوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ خلافًا في ذلك. وظاهر كلامه أنه في المذهب رواية عن مالك ولكن الجاري على المذهب هو ما ذكره ابن رشد.
وخالف مالكًا في هذا بقية المذاهب الأخرى الحنفية والشافعية والحنبلية، الذين يرون إمكانية الرجوع إذا لم يصدر القبول من الطرف الآخر.
يقول الكاساني في البدائع [٥/١٣٤] :
(.... وأما صفة الإيجاب والقبول فهو أن أحدهما لا يكون لازمًا قبل وجود الآخر. فأحد الشطرين بعد وجوده لا يلزم قبل وجود الشطر الآخر. حتى إذا وجد أحد الشطرين من أحد المتبايعين فللآخر خيار قبول القبول وله أي للمجيب خيار الرجوع قبل قبول صاحبه لما روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) .
والخيار الثابت لهما قبل التفرق عن بيعهما هو خيار القبول وخيار الرجوع، ولأن أحد الشطرين لو لزم قبل وجود الآخر لكان صاحبه مجبورًا على ذلك الشطر وهذا لا يجوز، والرسول الكريم يقول: ((من أقال نادمًا بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة)) .
ونرى أن القوانين الوضعية المعمول بها في بعض البلاد الإسلامية والتي اعتمد واضعوها في أصولها على الفقه الإسلامي سارت في السبيل الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء ومكَّنت المجيب من الرجوع في إيجابه إذا لم يقل الطرف الآخر كلمته بعد.
يقول الفصل (٣٠) من المدونة المدينة التونسية واللائحة تنص على أنه مأخوذ من الفقه الإسلامي:
(يسوغ الرجوع في الإيجاب ما دام العقد لم يتم بالقبول) .
وهذا عين ما نصت عليه المادة (٣٧) من القانون المدني الكويتي.
وهكذا نرى أن طرق الاتصال الحديثة قد أوجد لها الفقهاء من قديم أحكامًا تنطبق عليها في عصر حدوثها وإنشائها المتأخر.
وما توقعه الفقهاء في تصورهم لبعض القضايا كان يعالج حالات تقع اليوم في عصر السرعة البالغة.
وعل كلٍّ، فإن المدونة المدنية التونسية الموضوعة منذ قرن ونيف والتي اقتبست غالب أحكامها من أحكام الفقه المالكي والفقه الحنفي قد احتاطت لما يحدث من أقضية وما يجد من جديد فجاءت مادتها (٥٧٥) قائلة:
(لا يصح بين المسلمين ما حجر الشرع الإسلامي بيعه) .
стр. 8559
وهذه المادة كانت سندًا يعتمده القضاة متعمقين بحثًا وتنقيبًا في كتب الفقه الإسلامي حتى لا تكون أحكامهم مخالفة للشرع الحنيف.
ونلاحظ لحد الآن أن استعمال هذه الوسائل والالتجاء إلى سرعتها ونفعها وصلاح عملها لا غبار عليه شرعًا ما دامت الاتفاقات والعقود تسير مسارها الطبيعي العام الذي رسمته وضبطته الأحكام الفقهية في مختلف المذاهب السنيَّة الإسلامية.
ومع ذلك فإننا نرى من الواجب الإشارة إلى بعض الحالات الخاصة من العقود المضبوطة أحكامها فقهيًّا وجاءت هذه الوسائل تسهل انبرامها وانعقادها ووجودها وقد لا يحترم بعضهم حدودها.
١- بيع ما لم يقبض مثلًا:
نشاهد الآن بسبب تطور وتقدم وسائل الاتصال أن بعضهم يشتري بضاعة ما وقبل أن يجوزها ويقبضها ويتصل بها يعلن عنها هاتفيًّا وبرقيًّا بواسطة السماسرة ويتصل به التجار ويقع التفاهم في الشروط والآجال والثمن وتنعقد الصفقة وتباع تلكم البضاعة وهي رابضة عند مالكها الأول عدة مرات، وقد عرف ذلك حتى تجار الطعام مثل تجار الزيت الذي يكون مخزونًا في مواجله (أماكن جمعه وخزنه) عند أصحابه ولما يباع تتراكم عليه الصفقات والبيعات وهو هناك لم يبرح مكانه.
حتى إذا انتهى الأمر لأحدهم الثالث أو الرابع ذهب المشتري الأخير إلى مالكه بائعه الأول ليتسلمه منه.
وما عرفناه في الزيوت يقع في عدة أمور أخرى ثابتة أو منقولة من الأطعمة وغيرها.
والسبب الأول في كثرة هذه العمليات وسهولة أمرها هو هذه الإمكانيات السريعة في الاتصال بين التجار بعضهم ببعض بفضل وسائل الاتصال الحديثة.
فالمبدأ العام في بيع ما لم يقبض أنه لا يجوز للمسلم أن يبيع سلعة بنقد أو نسيئة إلا إذا كان مالكًا لها وقبضها عملًا بقول الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: ((لا تبع ما ليس عندك)) .
وقوله ﵊ في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: ((لا يحل سلف وبيع ولا بيع ما ليس عندك)) [رواه الخمسة بإسناد صحيح] .
وكذلك بالنسبة لمن يشتري تلك السلعة ليس له بيعها حتى يقبضها للحديثين المذكورين.
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان والحاكم عن زيد بن ثابت ﵁ قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم)) .
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: لقد رأيت الناس يتبايعون جزافًا – يعني الطعام – يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤوه إلى رحالهم.
стр. 8560
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه)) .
وأخرج النَّسائي عن حكيم بن حزام قال: ((قلت: يا رسول الله إني رجل ابتاع هذه البيوع وأبيعها فما يحل لي منها وما يحرم؟ قال: لا تبيعنَّ شيئًا حتى تقبضه)) .
وحدث الاختلاف بين الفقهاء:
(أ) فمن قائل بالمنع المطلق قبل القبض في كل شيء من عقار ومنقول. وهذا ما ذهب إليه الإمام الشافعي وهو ماروي عن الإمام أحمد أيضًا.
(ب) منع بيع المنقول دون العقار وهو مذهب الحنفية لأن النبي ﵊ نهى عن بيع ما لم يقبض والنهي يوجب فساد المنهي عنه، ولأنه بيع يشوبه الغرر والغرر علة المنع، وأجاز أبو حنيفة بيع العقار قبل قبضه استحسانًا إذ لا غرر في العقار وهو رأي صاحبه أبي يوسف.
(ج) إن المنع خاص ببيع الطعام أما غيره فيجوز بيعه قبل قبضه سواء كان عقارًا أو منقولًا وهو مذهب مالك. والطعام هو ما تجب فيه الزكاة من الحبوب والأدم كالزيت والعسل ونحوها، وهذا اعتمادًا على قوله ﷺ : ((من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه)) ومن هنا نفهم حصول الاتفاق على منع بيع الطعام قبل قبضه مع وجود الخلاف في الأصناف الأخرى.
ولذا فإن التعامل الذي يحدث اليوم بواسطة بل وبسبب هذه الطرق الحديثة للمواصلات السريعة والفائقة في سرعتها يجب التحري فيه حتى لا تتخذ وسائل الاتصال السريعة وسيلة لارتكاب الحرام والعياذ بالله.
стр. 8561
٢- البيع على الصفة وخيار الرؤية:
من المعروف أن المبيعات على نوعين مبيع حاضر مرئي ومبيع غائب أو متعذر المشاهدة والرؤية.
وقد منع الإمام الشافعي ﵁ بيع الغائب وصف أم لم يوصف.
وقال مالك ﵁ وأكثر أهل المدينة: يجوز بيع الغائب إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه قبل القبض صفته.
وقال أبو حنيفة ﵁: يجوز بيع العين ثم له عند الرؤية الخيار في النفاذ أو العدول. يقول ابن رشد الحفيد [بداية المجتهد: ٢/١٤٦] : عند مالك إذا جاء على الصفة فهو لازم وعند الشافعي لا ينعقد.
وفي المدونة يجوز مع شرط خيار الرؤية وأنكره عبد الوهاب وقال: هو مخالف لأصولنا.
وأما المذهب الحنبلي فابن قدامة في المغني يشير إلى صحة البيع مع خيار الرؤية ووقت هذا الخيار عند رؤية ومشاهدة المبيع وقيل: يتقيد بالمجلس الذي وجدت فيه الرؤية.
وعلى كل فالعقود المنبرمة بواسطة اتصال سريع لغاية الوصول إلى الهدف المنشود ينبغي أن تراعى فيها الأحكام السابقة التي أشرنا إليها إشارة خاطفة كمثال فقط ومن أراد دراستها فليرجع إليها في مظانِّها.
وهكذا نرجع إلى المقولة القيمة شيخ الإسلام ابن تيمية في شأن ما اعتاده الناس في دنياهم وأن الأصل فيه العفو وعدم الحظر فلا يخطر منه إلا ما حظره الله .
وفقنا الله لما فيه الخير والصواب.
الدكتور محمود شمام
стр. 8562
بحث
فضيلة الدكتور علي محيي الدين القره داغي
أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله
بكليّة الشريعة – جامعة قطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين، وبعد:
فإن من عظمة الشريعة الإسلامية الغراء أنها تستوعب الحوادث – مهما كانت جديدة والقضايا مهما كانت خطيرة – من خلال قواعدها الكلية، ومبادئها العامة، وأدلتها التي تضبط الأمور المستحدثة وتبين أحكامها نصًّا أو استنباطًا.
وذلك لأن الشريعة نزلت من لدن حكيم عليم: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) ﴾ [سورة الملك] أنزلها بعلمه لتكون شريعته الخالدة الدائمة إلى يوم القيامة، ولتكون رحمة للعالمين في كل العصور والأزمان.
ومن هذا المنطلق كان بحثنا عن: حكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة من خلال نصوص الشريعة العامة، ودلالاتها المعتبرة، وما ذكره فقهاؤنا العظام من أشباه هذه المسالة ونظائرها للوصول إلى ما هو أقرب إلى الحق والصواب، بإذن الله تعالى.
وقد رأينا أن يتضمن البحث للتعريف بهذه الآلات الحديثة بصورة موجزة، ثم الدخول في أحكامها الخاصة بإجراء العقود بها مباشرة، دون الخوض في مقدمات حول وسائل التعبير عن الإرادة المعروفة إلا بالقدر الذي يوضح المراد، ويحقق الهدف المنشود.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الوسائل الحديثة: التليفون، البرق، والتلكس، والفاكس، وغيرها. ليس من وسائل جديدة للتعبير، وإنما هي وسائل حديثة للتوصيل، وإلا فوسائل التعبير عن الإرادة لم تزل ولن تزال هي إما القول، أو الفعل – أي المعاطاة أو البذل – أو الإشارة أو الكتابة، أو السكوت في معرض البيان، ومن هنا يكون البحث عن حكم إجراء العقود بهذه الوسائل لا يتطلب البحث عن أمر جديد في ذلك النظام، وإنما يتطلب البحث عن مدى دخول هذه الآلات الحديثة في تلك الوسائل المعتبرة، ومدى انطباقها عليها، أو وجود فوارق بينهما، فالتليفون – مثلًا – يدخل في وسيلة اللفظ والقول، ولكنه لا شك يوجد نوع من الفروق من حيث المجلس ونحوه بين التعاقد بدونه، والتعاقد من خلاله، وهكذا بقية الآلات الحديثة.
ولذلك كله، لم نَأْلُ جهدًا في البحث عن تراثنا الأصلي للوصول إلى أشباه هذه المسائل ونظائرها، ثم البحث عن الفروق الأساسية، ثم الحكم الذي يرجحه الدليل مع وضع الضوابط والشروط إن اقتضى الأمر ذلك.
والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8563
آلات الاتصال الحديثة
من المعلوم فقهًا ومنطقًا أن الحكم على الشيء فرع من تصوره، والعلم به، ومن هذا المنطلق نلقى بصيصًا من الضوء على هذه الوسائل الحديثة للاتصالات وكيفية تطورها لنكون على بيِّنة من أمرها، وعلى بصيرة في تكييفها الشرعي.
حينما تقدمت المجتمعات الإنسانية أضحت بحاجة ماسّة إلى وسائل الاتصال فيما بينها، سواء كانت للارتباط السياسي، ومعرفة القيادة عما يجري في الساحات السياسية والاجتماعية بأسرع وقت، أو للجانب الاجتماعي والاقتصادي، ولذلك بحث الإنسان عن أسرع وسيلة ممكنة فاكتشف المرايا العاكسة، والدخان، والحمام الزاجل، وغير ذلك...
وفي عصرنا الحديث، وفي ظل تقدم العلوم تقدمت وسائل الاتصال بشكل كبير، فكانت الطفرة الكبرى باكتشاف اللاسلكي الذي كسر حاجز المسافة والزمن، ثم تطورت وسائل الاتصال باطراد الزمن، والاختراعات لتصل إلى أعلى مستوياتها من خلال استخدام الأقمار الصناعية.
فكانت القفزة الكبيرة في عام (١٩٥٧) عندما تم إرسال القمر الصناعي: (سبوتنيك) إلى الفضاء الخارجي للدوران حول الأرض، ولإرسال المعلومات المدنية والعسكرية، ثم أدت المنافسة في هذا المجال بين المعسكرين الشرقي والغربي إلى أن توجد في الفضاء آلاف الأقمار الصناعية تجوب الفضاء ليل نهار (١) .
стр. 8564
الاتصالات السلكية، واللاسلكية
حسبما جاء في تعريف الاتحاد الدولي للمواصلات السلكية واللاسلكية أنها: عملية تساعد المرسل على إرسال المعلومات بأي وسيلة من وسائل النظم الكهرومغناطيسية: من تليفون، أو تلكس، أو بث تليفزيوني، أو نحو ذلك (١) ... فهذه الوسائل منها ما يسير عبر كوابل أرضية، أو بحرية، أو محطات لاسلكية كبيرة تعتمد على أجهزة إرسال واستقبال، ومجموعات هوائية لكل منهما، أو تستخدم الأقمار الصناعية كوسيلة وسيطة لتحقيق اتصالاتها.
فالبرق يعتمد على النموذج الخاص المعد لهذا الغرض فيقوم المرسل بكتابة المطلوب عليه، ثم يقوم المكتب الرئيسي للبريد بإرساله إلى بلد المرسل إليه ثم يكتب على ورقة خاصة لترسل عن طريق موظف البريد ليسلمها باليد.
تلك هي الصورة العامة للبرق (التلغراف) حيث يتضح منها طول الوقت وإمكانية الضياع والخلط – وإن كانت بنسبة ضئيلة – بالإضافة إلى فقدانها السرية (٢) .
وأما التلكس فيتم الاتصال فيه من خلال جهازين مرتبطين بوحدة تحكم دولي ينقل كل واحد منهما إلى الآخر: المعلومات المكتوبة، دون توسط شيء آخر، حيث يمكن للمشترك الاتصال بجميع أنحاء العالم وهو في مكتبه من خلال ماكينة التلكس ووحدة التحكم الخاصة به دون الحاجة للانتقال، أو احتمال تسرب المعلومات، مع تحقيق أعلى قدر للسرعة (٣) .
стр. 8565
والخلاصة: إن المشترك في التلكس بعد الإجراءات الفنية الخاصة يبدأ بإرسال المطلوب على شريط تثقيب خاص عن طريق جهاز الإرسال الآلي، حيث ينقل الجهاز بدوره كل ما كتب إلى الجهاز المرسل إليه ليظهر المكتوب منه كما هو.
وإذا لم يقم الجهاز بالإرسال، أو لم يتلق الجهاز الآخر – لأي سبب كان – فإن ذلك يظهر على الجهاز حيث يعطي الإشارة بأن الاتصال لم يتم (١) .
وأما الإرسال عن طريق (الفاكس) فيتم من خلال جهازين مرتبطين بالخطوط التليفونية، حيث يضع المرسل الورقة المكتوبة في الجهاز ويضرب الأرقام للجهاز الثاني، فيحنئذٍ إذا لم يكن مشغولًا أو فيه خلل فإن صورة من تلك الورقة تنطبع على الورقة الخاصة الموجودة في الجهاز الثاني لتظهر للمرسل إليه.
فإذا كان التلكس يحتاج إلى ضرب الكلمات على الحروف الموجودة في الجهاز الأول ليظهر المطبوع في الجهاز الثاني، فإن الفاكس ينقل بالكامل صورة عن الورقة الموضوعة في الجهاز، دون الحاجة إلى كتابتها مرة أخرى، وهي صورة طبق الأصل بشكلها ونوعية الكتابة فيها، فكأنه ينقل الورقة عبر خطوط الاتصال ليصورها في الجهاز المرسل إليه فتظهر صورة منها بكل دقة متناهية.
وأما التليفون فهو معروف حيث يتم الاتصال عن طريق الخطوط (الكابلات الكهربائية) عبر الأرض، أو البحر، أو عن طريق الأقمار الصناعية.
بالإضافة إلى إمكانية الاتصال، وإنشاء العقود عن طريق جهاز اللاسلكي الذي ينقل الكلام الصريح، أو الكلام المفهوم عن طريق الشفرة (٢) ، وكذلك عن طريق الراديو والتلفزيون، وإن كان الغالب على الأخيرين أنهما من الوسائل الجماهيرية.
ومن خلال هذا العرض الموجز يتبين لنا أن إنشاء العقود عبر الاتصالات الحديثة يتم إما من خلال اللفظ كالتليفون، واللاسلكي، والراديو، والتلفزيون، أو من خلال المكتوب كالبرقية، والتلكس والفاكس.
فلنبدأ بأنواع القسم الأول، وحكم كل نوع منها، وضوابطه وتأصيله الفقهي:
стр. 8566
القسم الأول
الوسائل الحديثة لنقل اللفظ
وهي تشتمل: التليفون، واللاسلكي، والراديو والتليفزيون.
إنشاء العقود عبر الهاتف (التليفون) :
لا يخفى أن التليفون ينقل كلام المتحدث فيه بدقة، فيسمع كل واحد منهما الآخر بوضوح، ولا يختلف الكلام من خلاله عن الكلام بدون واسطة سوى عدم رؤية أحدهما الآخر ووجود فاصل بينهما، وإن كان العلم الحديث قد بدأ خطوات جادة لإيجاد تليفون ينقل الصوت والصورة معًا.
ومن هنا فإذا انتهى عقد ما من خلال الهاتف، وتم فيه الإيجاب والقبول – مع بقية الشروط المطلوبة – فإنه صحيح لا غبار عليه، غير أن عدم رؤية أحدهما الآخر يجعل احتمال التزوير وتقليد صوت شخص آخر واردًا ولذلك إذا ثار النزاع حول ذلك فالقضاء هو الفيصل، وتسمع دعوى من يدعى ذلك ولكن عليه يقع عبء الإثبات.
أما عدم رؤية أحدهما الآخر فليس له علاقة بصحة العقود أو عدمها لأن المطلوب في باب العقود سماع الإيجاب والقبول، أو التقاؤهما، أو إدراكهما بأية وسيلة كانت.
فالعقد بالتليفون كالعقد بين شخصين بعيدين لا يرى أحدهما الآخر، ولكنه يسمعه، يقول الإمام النووي: (لو تناديا وهما متباعدان وتبايعا صح البيع بلا خلاف) (١) . وقد ذكر الرافعي نحو ذلك في مسالة أخرى فبين أن المفروض أن الخلاف ينتهي ما دامت قرائن الأحوال متوفرة، وأفادت التفاهم، فحينئذ يجب القطع بصحة هذا العقد (٢) ، كما ذكر مسألة أخرى وهي أنه إذا قال شخص بعت من فلان فلما بلغه الخبر قال: قبلت ينعقد البيع، لأن النطق أقوى من الكتابة (٣) .
بالإضافة إلى أن وجود الساتر بين العاقدين – بل بناؤها – لا يؤثر حتى في خيار المجلس (٤) ، فكيف يؤثر في إنشاء العقد.
ومن جانب آخر، إن الأساس في العقود هو صدور ما يدل على الرضا بصورة واضحة مفهومة كما تدل على ذلك نصوص الفقهاء (٥) ، وذلك متحقق في التليفون حيث إن التعبير يتم من خلال اللفظ الذي هو محل الاتفاق بين الفقهاء، وما التليفون إلا وسيلة لتوصيل الصوت فحسب، وليس وسيلة جديدة.
стр. 8567
فالقاعدة الأساسية في العقود هي تحقق الرضا للطرفين والتعبير عنه، وإظهاره بأيَّة وسيلة مفهومة كما أن العرف له دور أساسي في باب العقود، حتى صاغت الحنفية منه قاعدة: العادة مُحَكَّمة، وقال ابن نجيم بعد سردها: (واعلم أن اعتبار العادة والعرف يرجع إليه في الفقه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا، فقالوا في باب ما تترك به الحقيقة: تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة) (١) ، وكذلك أفاض القرافي المالكي في هذه المسألة، وذكر أن العرف يقضي في زمن معين، حتى بعدم قبول بعض ألفاظ مقبولة في زمن ما نظرًا لأنها أصبحت متروكة غير مفهومة، كما يقضي بقبول ألفاظ مفهومة لعصر لم تكن مقبولة من قبل، ونقل ذلك من الإمام الكبير أبي عبد الله المازري قوله: (... فإن النقل إنما يحصل باستعمال الناس لا بتسطير ذلك في الكتب، بل المسطر في الكتب تابع لاستعمال الناس) ، ثم رتب على ذلك أمورًا: (أحدها أن مالكًا وغيره من العلماء إنما أفتى في هذه الألفاظ بهذه الأحكام، لأن زمانهم كان فيه عوائد اقتضت نقل هذه الألفاظ للمعاني التي أفتوا بها فيها صونًا لهم عن الزلل) (٢) . ويقول الدسوقي: (والحاصل أن المطلوب في انعقاد البيع ما يدل على الرضا عرفًا ...) (٣) . ويقول النووي: (... ولم يثبت في الشرع لفظ له – أي للعقد – فوجب الرجوع إلى العرف، فكل ماعدّه الناس بيعًا كان بيعًا...) (٤) . ويقول ابن قدامة: (إن الله أحل البيع، ولم يبين كيفيته فوجب الرجوع فيه إلى العرف) (٥) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإذا لم يكن له – أي للبيع ونحوه – حد في الشرع، ولا في اللغة، كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم، فما سموه بيعًا فهو بيع، وما سموه هبة فهو هبة...) (٦) .
والخلاصة: أن اللفظ – كما يقول الشاطبي – (إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد، والمعنى هو المقصود...) (٧) . ومن هنا فما التليفون إلا آلة معتبر عرفًا لتوصيل تلك الوسيلة – اللفظ – إلى سمع الآخر، فيكون مقبولًا شرعًا.
مجلس التعاقد في العقد بالتليفون:
إن من يعمق النظر في التعاقد بالتليفون يجد أنه نوع خاص ليس مثل التعاقد بين الحاضرين في جميع الوجوه، ولا مثل التعاقد بين الغائبين عن طريق الكتابة – أو المراسلة- من كل الوجوه، ولذلك لا بد من إلقاء النظرة إلى ما يتعلق باتحاد مجلس التعاقد أو اختلافه، ومن هنا نرى من الضرورة أن نثير ثلاث مسائل لها علاقة مباشرة بهذا الموضوع، هي: خيار الرجوع من الإيجاب، وخيار القبول (٨) ، وخيار المجلس. إذ إن هذه الموضوعات مترتبة على مجلس العقد، ولذلك نحاول أن نؤجل النظر فيها بالنسبة للتعاقد بالتليفون، ونحوه، فنذكر بالإيجاز التعريف بهذه الخيارات، ثم نفصل القول في كيفية مجلسه ومدته في التعاقد بالتليفون.
стр. 8568
والمراد بخيار الرجوع من الإيجاب: هو أن يكون للموجب الحق في الرجوع عن إيجابه قبل أن يتصل به القبول، عند جمهور الفقهاء ما عدا المالكية الذين قالوا بمنع رجوعه ما دام مجلس العقد باقيًا إذا كان إيجابه بصيغة الماضي، أو كان الأمر يتعلق بالتبرعات كما أن الجمهور منعوه من الرجوع في بعض العقود التي يكون مبناها لا على المال مثل الطلاق على المال والعتق عليه (١) .
ثم إن هذا الخيار يمتد عند الحنفية، والحنابلة ما دام المجلس قائمًا إلا إذا أعرض عنه أحد العاقدين، أو خيَّره، أو تفرقا على تفصيل فيه، في حين أن الشافعية اشترطوا الفورية لكنهم قالوا: لا يضر الفصل اليسير، والمالكية، قالوا: لا يضر الفصل ما دام الحديث يدور حول العقد (٢) .
وأما خيار القبول فهو أن يكون للقابل الحق في الرفض والقبول ما داما في مجلس العقد، إلا إذا رجع الموجب عن إيجابه قبل قبوله، وهذا هو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، وخالفهم في ذلك الشافعية حيث اشترطوا الفورية (٣) ، وذكر القرافي أنه لا يجوز التأخير، والفصل الكثير حسب العرف (٤) .
وأما خيار المجلس فهو أن يكون لكل واحد منهما الحق في فسخ العقد بعد صدور الإيجاب والقبول منهما ماداما في مجلس العقد، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، والإمامية، والزيدية (٥) مستدلين بالحديث الصحيح الذي رواه الشيخان وأصحاب السنن والمسانيد بسندهم أن رسول الله ﷺ ، قال: ((البيعان كل واحد منهما بالخيار، على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار)) (٦) . في حين ذهب الحنفية، والمالكية إلى أن العقد يصبح لازمًا بمجرد الإيجاب والقبول – مع توفر الشروط المطلوبة- ولا يبقى لهما حق الفسخ بعد صدورهما إلا إذا اشترطا الخيار مستدلين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة: الآية١] .
стр. 8569
ثم إن الخلاف في ثبوت الخيار في البيع ونحوه من العقود اللازمة للطرفين الواقعة على العين، أما العقود غير اللازمة، مثل: الوكالة، والمضاربة، والشركة ... ، والعقود الواردة على المنفعة مثل النكاح، والإجارة في وجه للشافعية فليس فيها خيار المجلس عند أولئك أيضًا (١) .
كيفية اعتبار المجلس وخياراته في التعاقد بالتليفون:
فإذا تعاقد شخص مع آخر بالتليفون، وصدر منه إيجاب فلا شك أن له الحق في رجوعه عن إيجابه عند الجمهور قبل صدور القبول منه، ما دام أسمع الآخر رجوعه (٢) ، وليس في هذا إشكال، وإنما الإشكال في التعاقد بالتليفون حول امتداد الإيجاب وبقائه ما دام المجلس قائمًا عند القائلين به – الحنفية والحنابلة – في العقد بين الحاضرين يقولون: إن طول الفصل لا يضر، حيث يكون من حق الطرف الثاني أن يقبل ما داما في مجلس العقد، ولم يصدر منهما أو من أحدهما ما يدل على الإعراض عن العقد فهل نقول: إن مجلس التعاقد بالتليفون يظل مستمرًا ما دام المتحدثان بالتليفون في مكانيهما، أم نقول: إن مجلس التعاقد هو فترة الاتصال، بانتهائه ينتهي المجلس؟!
فالذي يظهر رجحانه هو أن مجلس العقد ينتهي بانتهاء المحادثة، ومن هنا فليس لمن وجه إليه الإيجاب أن يقبل بعد انتهائها وسد التليفون، وإذا أراد ذلك وأعاد الاتصال بالموجب، وقد رضاه إليه، فإن هذا الرضا يعتبر إيجابًا يحتاج إلى قبول الآخر، وذلك لأن الذين قالوا بخيار القبول وسعوا من دائرة معنى التفرق في المجلس، حيث اعتبروا مجرد القيام من المجلس، أو الانشغال بالأكل ونحوه، بل كل ما يدل على الإعراض عن الإيجاب تفرقا بقطع الخيار، أو نام أحدهما إن كان مضطجعًا فهي فرقة: ( ... رجل قال لغيره أعطيتك هذا بكذا، فلم يقل المشتري شيئًا حتى كلم البائع إنسانًا في حاجة له بطل البيع، كذا في فتاوى قاضي خان) (٣) .
بل إن فقهاء الحنفية، وغيرهم ممن يقولون بخيار الرجوع، لاحظوا انتهاء المجلس في بعض المسائل التي ربما تكون قريبة من مسألتنا، وهي التعاقد أثناء السير والمشي حيث المجلس يختلف، وينتهي، وقالوا بوجوب الاتصال وعدم الفصل حتى يتم العقد، جاء في الفتاوى الهندية: (وإن تعاقدا عقد البيع، وهما يمشيان، أو يسيران على دابة واحدة، أو دابتين، فإن أخرج المخاطب جوابه متصلًا بخطاب صاحبه تم العقد بينهما، وإن فصل عنه وإن قل فإنه لا يصح وإن كانا في محل واحد كذا في العيني شرح الهداية. وفي الخلاصة عن النوازل إذا أجاب بعد ما مشي خطوة أو خطوتين جاز، كذا في فتح القدير.. وقال الصدر الشهيد في الفتاوى: في ظاهر الرواية لا يصح كذا في الخلاصة، وإن أوجب أحدهما وهما واقفان فسارا، أو سار أحدهما بعد خطاب صاحبه قبل القبول بطل الإيجاب ... ) (٤)
стр. 8570
وهذه النصوص تدل بوضوح على أن التعاقد بين الماشين، أو الراكبين يختلف عن تعاقد الجالسين، حيث إن مجلس العقد الأول ينتهي فورًا فلا بد حينئذ من الفورية، في حين أن مجلس العقد في الثاني لا ينتهي ما داما في مجلس العقد، فعلى ضوء ذلك فالتعاقد بالتليفون أقرب من التعاقد وهما ساريان من حيث إن مكان العاقدين مختلف، ومن هنا فإن خيار القبول ينتهي بمجرد انتهاء المكالمة وسد التليفون، فلا يكون لمن وُجِّهَ إليه الجواب الحق في القبول بعد ذلك، وإذا قدم رضاه فيكون إيجابًا يحتاج إلى القبول من الشخص السابق. والله أعلم.
هذا على رأي القائلين بإثبات هذا الخيار، أما الذين لم يقولوا به – كالشافعية – فإن الأمر جد يسير، حيث يبطل الإيجاب بمجرد إنهاء المحادثة، وسد التليفون وذلك لأنهم يشترطون الفورية، كما سبق، وكذلك المالكية حيث وإن أجازوا الفصل بين الإيجاب والقبول لكنهم اشترطوا أن لا يخرج العاقد عن العقد إلى غيره عرفًا، بل إن القرافي صرح بعدم جواز التأخير فقال عند كلامه عن الإيجابات: ( ... القسم الثاني الذي هو جزء من السبب، فهذا لا يجوز تأخيره، كالقبول بعد الإيجاب في البيع، والهبة والإجارة، فلا يجوز تأخير هذا القسم إلى ما يدل على الإعراض منهما عن العقد، لئلا يؤدي إلى التشاجر والخصومات بإنشاء عقد آخر مع شخص آخر) (١) . كما اشترط المالكية في أثر الفصل بأن لا يكون في المزايدة يقول العلامة الصاوي (لا يضر الفصل بين الإيجاب والقبول إلا أن يخرج عن البيع لغيره عرفًا، وللبائع إلزام المشتري في المزايدة ولو طال حيث لم يجر عرف بعدمه) . (٢) .
وأما خيار المجلس عند القائلين فيثور التساؤل نفسه أيضًا: هل يعتبر مجلس التعاقد حسب مكان كل واحد من المتعاقدين بالتليفون أم باعتبار فترة الاتصال بناء على اختلاف مكانيهما؟
لقد أثار فقهاء الشافعية مسألة شبيهة بمسألتنا، واختلفوا في حكمها، وهي مسألة التعاقد بين المتعاقدين المتباعدين كيف يكون مجلس العقد بينهما؟ قال النووي: (لو تناديا وهما متباعدان، وتبايعا صح البيع بلا خلاف) (٣) ، وأما الخيار فقال إمام الحرمين: (يحتمل أن يقال: لا خيار لهما، لأن التفرق الطارئ يقطع الخيار، فالمقارن يمنع ثبوته، قال: ويحتمل أن يقال: يثبت ماداما في موضعهما، فإذا فارق أحدهما موضعه بطل خياره، وهل يبطل خيار الآخر أم يدوم إلى أن يفارق مكانه؟ فيه احتمالان للإمام، وقطع المتولي بأن الخيار يثبت لهما ما داما موضعهما، فإذا فارق أحدهما موضعه، ووصل إلى موضع لو كان صاحبه معه في الموضع عُدَّ تفرقًا حصل التفرق، وسقط الخيار، هذا كلامه. والأصح في الجملة ثبوت الخيار، وأنه يحصل التفرق بمفارقة أحدهما موضعه، وينقطع بذلك خيارهما جميعًا، وسواء في صورة المسألة كانا متباعدين في صحراء، أو ساحة، أو كانا في بيتين من دار، أو في صحن وصفة، صرح به المتولي. والله أعلم (٤)
стр. 8571
ويتبين من هذا النص أن فقهاء الشافعية مختلفون في هذه المسألة، وأن الراجح عند أكثرهم هو ثبوت الخيار، وقد رجح النووي ثبوت الخيار لهما وأن التفرق يثبت بمجرد مفارقة أحدهما موضعه، وحينئذٍ يسقط خيارهما جميعًا.
وعلى ضوء هذه المسألة يثبت خيار المجلس – عند من يقول به فيها – للمتحدثين بالتليفون ما داما في مكانيهما، فإذا فارق أحدهما المكان الذي تحدث فيه بالتليفون فإن العقد يصبح لازمًا، وسقط حق الخيار للطرفين، وإذا حصل النزاع ولم يصدق أحدهما الآخر في المفارقة، بأن يقول: ألغيت العقد وفسخته قبل التفرق، والآخر ينكره فالأصل هو عدم التفرق إلا إذا أثبت الآخر عكس ذلك، وهناك تفصيلات ذكرها الفقهاء لا يسع المجال لذكرها (١) .
ومن هنا فإذا سرنا على رأي من يقول بثبوت الخيار للمتحدثين بالتليفون، فإنه يبقى أمامهما أن يقطعا خيار المجلس وآثاره من خلال اشتراط أن لا يكون لهما خيار المجلس، بحيث يشترطان في العقد الذي تم بالتلفون، أو بغيره، أن لا يكون لهما هذا الخيار، وحينئذ لا يكون لهما الخيار عند أكثر القائلين بخيار المجلس (٢) أو يقولان بعد العقد: تخايرنا، أو أمضينا العقد، أو نحو ذلك، أو يتجاوز أحدهما مكان التليفون الذي تحدث فيه – كما فعل ابن عمر حيث كان يمشي بعد العقد هنيهة ثم يرجع – ففي كل هذه الحالات ينقطع الخيار، ويدل على ذلك الأحاديث الصحيحة في هذا المعني، منها ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما، بسندهم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ، قال: ((البيعان، كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار)) (٣) . حيث دلَّ الحديث على أن مجرد التفرق – حسب العرف – يقطع خيار المجلس، كما دل الحديث على أن العقد نفسه إذا تضمن شرط عدم الخيار لهما فإنه يصبح لازمًا ولا ينظر إلى المجلس، ويوضحه الحديث الصحيح المتفق عليه أيضًا وهو:) إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا وكانا جميعًا، أو يُخَيِّر أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع (٤) .
стр. 8572
والحديث أيضًا – كما يقول ابن قدامة – دليل على أن التخاير في ابتداء العقد وبعده في المجلس واحدٌ، فالتخاير في ابتدائه أن يقول: بعتك كذا ولا خيار بيننا ويقبل الآخر على ذلك، فلا يكون لهما خيار، والتخاير بعد العقد: أن يقول كل واحد منهما بعد العقد: اخترت إمضاء العقد، أو إلزامه، أو اخترت العقد، أو أسقطت خياري، فيلزم العقد من الطرفين
(١) . بل أن البخاري عقد بابًا لذلك وسماه: (باب إذا خيَّر أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع) (٢) . وكذلك يُبْطِل خيارَ المجلس بعضُ التصرفات إذا صدرت منهما، أما إذا صدرت من أحدهما فإنه يبطل خياره فقط (٣) على تفصيل وخلاف.
أما إذا اخترنا قول القائلين – في مسألة التعاقد عن بعيد – بعدم ثبوت الخيار بناء على أن التفرق الطارئ يقطع الخيار، فحينئذٍ يكون الأمر ميسورًا حيث إن مجرد صدور الإيجاب والقبول من المتحدثين بالتليفون يجعل العقد لازمًا، بعد توفر الشروط الأخرى – دون أن يكون لأحدهما حق خيار المجلس -، وكذلك الأمر عند الحنفية والمالكية القائلين بعدم ثبوت خيار المجلس مطلقًا – كما سبق-.
الترجيح
الذي يظهر لنا رجحانه هو القول بخيار المجلس حيث الأدلة الصحيحة الثابتة من السنة ناهضة على إثباته (٤) ، ولكن الذي ينبغي بيانه هو أن مجلس العقد في التعاقد بالتليفون الحكمي، إذ لا يوجد في الواقع اتحاد حقيقي لمجلس التعاقد، ومن هنا فالمجلس قائم ما دام المتحدثان متصلين من خلال التليفون، ولم يغلقا التليفون حتى ولو تحدثا بعد العقد في أمور أخرى طالت أم قصرت، فإن حق الفسخ قائم لهما، إذا بإمكان كل منهما أن يفسخ العقد ما دام الحديث موصولًا بالتليفون، ولم يقطع الخط، أما بعد أن سد التليفون، بعد تمام الإيجاب والقبول – مع بقية الشروط – فإن حق الفسخ قد انتهى إذا حصل التفارق.
وذلك لأن التعاقد بالتليفون ليس كالتعاقد بين الحاضرين، ولا كالتعاقد بين الغائبين في جميع الوجوه، حيث إن له شبهًا بكل واحد منهما، فهو مثل التعاقد بين الحاضرين من ناحية أن أحدهما يسمع الآخر مباشرة ولا تنقضي بينهما فترة زمنية بين صدور التعبير عن الإرادة إيجابًا وقبولا , ووصوله إلى علم الآخر , فلا تفصل بينهما فترة زمنية فتعبير أحدهما عن إرادته يصل إلى علم الآخر فور صدوره، كما لو كانا في مجلس واحد، ولذلك يعتبر العقد بينهما من حيث زمن انعقاده، كما لو كان بين حاضرين (٥) .، ولكنه في جانب آخر يشبه العقد بين غائبين حيث إن مكان كل واحد من المتعاقدين بالتليفون مختلف عن الآخر تفصل بينهما مسافة، وأنه لا يعلم بتحركات الآخر، ولذلك لا ينبغي أن يعامل معاملة العقد بين الحاضرين في كل الجوانب، بل يحكم بأن المجلس ينتهي بانتهاء التحدث بالتليفون.
стр. 8573
ولوجود هذا الفرق في العقد بين متعاقدين متباعدين ذهب جماعة من فقهاء الشافعية إلى عدم ثبوت خيار المجلس بينهما مع أنهم من القائلين بخيار المجلس – كما سبق – ونحن لا نقول بذلك القول، بل نقول بثبوت خيار المجلس في العقد الذي جرى بالتليفون، ولكن نقول إن التفرق يحصل بمجرد انتهاء التحدث بالتليفون، وذلك لأن التفرق الحقيقي من حيث البدن حاصل بينهما، والشيء الوحيد الذي وصلهما هو التليفون، فإذا انتهى التحدث فقد انقطع الوصل، على عكس المتعاقدين في مجلس واحد حيث إن المجلس جامع المتفرقات، وإن المكان قد جمعهما، ولذلك لا يتم التفرق بينهما إلا من خلال التفرق بالأبدان إلا إذا كان عقدًا فيه خيار، كما سبق.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن المراد بالتفرق في الحديث الصحيح: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) هو التفرق بالأبدان، ولكن التفرق لما لم يرد تفسيره في الشرع، وليس له حد معين في اللغة يرجع فيه إلى العرف، كما هو الحال في القبض، والحرز، يقول ابن قدامة: (والمرجع في التفرق إلى عرف الناس، وعادتهم فيما يعدونه تفرقًا، لأن الشارع علق عليه حكمًا ولم يبينه، فدل ذلك على أنه أراد ما يعرفه الناس كالقبض والإحراز (١) ، ولذلك اعتبر بعض الشافعية طول الفصل والإعراض عما يتعلق بالعقد قاطعًا لخيار المجلس، قال النووي: (وفي وجه ثالث أنهما – أي العاقدان – لو شرعا في أمر آخر، وأعرضا عما يتعلق بالعقد فطال الفصل انقطع الخيار، حكاه الرافعي،.. قال أصحابنا: والرجوع في التفرق إلى العادة، فما عده الناس تفرقًا فهو تفرق ملتزم للعقد، وما لا فلا ... ) (٢) .
ويؤكد هذا الرأي ويدعمه حرص الشريعة على مصالح العاقدين، واستقرار العقود، وإبعادها بقدر الإمكان عن الفوضى والاضطراب، وعن الجهالة والنزاع، ومن هنا فلا نقيس التعاقد بالتليفون على التعاقد بين حاضرين، في جميع الوجوه، بما فيه اعتبار المجلس إلى التفرق عنه، وبالتالي بقاء حق الفسخ إلى أن يتفرق الرجل من مكان تليفونه.. وذلك لأن هذا القياس مع الفارق إذ المتعاقدان الحاضران موجودان في مكان واحد في حين أن المتحدثين بالتليفون في مكانين مختلفين لا يربط أحدهما بالآخر إلا التليفون، ولذلك ينقطع بانتهاء التحدث فيه، بالإضافة إلى أن القول بدوام خيار المجلس إلى أن يفارق أحدهما مكان تحدثه يؤدي إلى عدم استقرار العقود وكثرة النزاعات والجدال، إذ أنهما لا يرى بعضهما البعض حتى يعلم بمجرد مفارقته أن العقد قد لزم، ولا يقال إن اشتراط البينات يدفع ذلك، لأن مبنى العقود على السرعة، كما أن الرجوع إلى القضاء والدخول في الخصومات ليسا من الأمور الهينة، فقد يترك الإنسان حقه الثابت حتى لا تُمَسَّ هيبته وكرامته أمام المحاكم، فما بالك بمثل هذه الأمور التي تحتاج إلى طول النفس، ولذلك كله نرى أن مجلس التعاقد بالتليفون يستمر ويبقى ما دام الكلام موصولًا بينهما، فإذا قطعا المحادثة، أو قطع المحادثة أحدهما بعد الإيجاب والقبول فإن العقد أصبح لازمًا للطرفين، والله أعلم.
стр. 8574
التعاقد بالراديو والتلفزيون:
يمكن إجراء العقد من خلال الراديو أو التلفزيون، ولا سيما في الإيجابات الموجهة للجمهور، فلو عرض أحد من خلال الراديو أو التلفزيون عرضًا خاصًّا ببيع شيء معين، أو إيجار، وأوضح الشروط المطلوبة، والمواصفات المطلوبة المعرِّفة للمعقود عليه بشكل يزيل الجهالة عنه فإن هذا الإيجاب مقبول ويبقى قائمًا إلى أن يتقدم آخر فيقبله، وحينئذ يتم العقد، وكذلك يمكن إجراء التعاقد الخاص، من خلال شخصين عن طريق الراديو، وذلك لأن الركن الأساسي من العقد هو صدور الإيجاب والقبول ووصول كل منهما إلى علم الآخر بصورة معتبرة شرعًا، وفهم كل واحد منهما ما طلبه منه الآخر، وهذا كله يتحقق من خلال الراديو، والتلفزيون ولا سيما في الإيجابات الموجهة للجمهور، والجعالة ونحوها.
فإذا كان الإيجاب خاصًّا – أي لم يكن موجهًا إلى الجمهور – فلا بد أن يتصل به القبول فورًا عند الشافعية، ومقيدًا بدوام المجلس عند الحنفية، والحنابلة. وبعدم الإعراض عنه عند المالكية – كما سبق.
وأما الإيجاب العام الموجه إلى الجمهور فإنه لا ينتهي بل يستمر إلى أن يتصل به القبول، أو يحدث عارض يقطعه – على التفصيل السابق.
بل إننا نجد بعض النصوص لبعض الفقهاء الشافعية أن الإيجاب ما دام موجهًا إلى الغائب لا ينتهي فورًا بل يستمر حيث لو أوصله شخص إلى الآخر وقبله تم العقد. قال الرافعي: (وأَلِفوا في مسودات بعض أئمة طبرستان تفريعًا على انعقاد البيع بالكتابة: أنه لو قال: بعت من فلان، وهو غائب فلما بلغه الخبر قال: قبلت ينعقد البيع، لأن النطق أقوى من الكتابة ... )
(١) ، واشترط الحنفية أن يكون ذلك بإذن الموجب (٢) .
فعلى ضوء ذلك لو قال شخص في الراديو أو التلفزيون بعت هذا لكل من يريد أو لفلان فقبله آخر وبعث إليه القبول فقد تم العقد، وإذا حصل تزاحم فالاعتبار بأولوية الوصول إلى علم الموجب، وإذا كان بإذن الموجب فقد صح بالاتفاق.
وفي مذهب المالكية توسع جيد في هذا المجال ولا سيما هم يقولون بأن الموجب ملزَم بإيجابه الذي كان بصيغة الماضي، وليس له حق الرجوع، كما أنهم فصلوا في الإيجابات العامة، (قال البرزلي في نوازله: رجل قال في سلعة وقد عرضها: من أتاني بعشرة فهي له، فأتاه رجل بذلك، إن سمع كلامه، أو بلغه فهو لازم، وليس للبائع منعه، وإن لم يسمعه، ولا بلغه فلا شيء عليه) (٣) ، فهذا النص يدل بوضوح على أن بإمكان الإنسان أن يعرض إيجابه في الراديو والتلفزيون ثم يتلقى القبول فيتم العقد.
ثم إن الإيجاب العام الذي قدمه أحد عبر الراديو أو التلفاز، لا يجوز الرجوع عنه، عند المالكية، وكذلك الإيجابات الموجهة للجمهور مثل الجعالة فإنها وإن لم تكن لازمة من حيث هي لكنها تفضي إلى اللزوم بحيث إذا أتى شخص بما طلبه الجاعل فإن الجاعل ملزم بالتنفيذ. (٤) .
التعاقد باللاسلكي:
إذا كان جهاز اللاسلكي ينقل الكلام الواضح إلى الآخر فهو مثل التليفون في جميع ما ذكرناه، وكذلك إذا كان ينقل الكلام عن طريق الشفرات الواضحة المفهومة للطرفين حيث يتم العقد، إذا فهما الإيجاب والقبول بوضوح، أما إذا كان ينقل الشفرات على شريط مكتوب – فرضًا – فإنه حينئذٍ مثل البرقية – كما سيأتي – ما دامت واضحة.
стр. 8575
ضوابط ينبغي التنبيه عليها:
أولًا: لا شك أن العقود تتم بلا خلاف عن طريق التليفون، أو الراديو أو التلفزيون أو اللاسلكي، ولكنه مع ذلك إن التعاقد بها يبقى معه احتمال التزوير وتقليد الصوت، والدبلجة، ولذلك فالأصل هو انعقاد العقد ولكن إذا ادعى أحدهما أن الصوت ليس له، فعليه إثبات ذلك من خلال الأدلة التي تقنع القضاء الذي هو الفيصل، لأنه المدعي (والبينة على المدعي، واليمين على من أنكر) (١) .
ثانيًا: إن العقود بالتليفون ونحوه إنما تصح فيما لا يشترط فيه القبض الفوري، أما إذا بيع ربوي بمثله فلا يصح العقد بالتليفون، إلا إذا تم القبض كأن يكون لكل واحد منهما وكيل بالتسليم عند الآخر، أو عن طريق بنك لدى كل واحد منهما فيه رصيد لكليهما، أو نحو ذلك مما يتعلق بموضوع القبض (٢) كما دل على اشتراط القبض الفوري الأحاديث الصحيحة الثابتة، وإجماع العلماء من حيث المبدأ منها الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثْلًا بمِثْل ... )) .
стр. 8576
وفي حديث صحيح آخر: ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينًا بعين. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)) (١) .
وكذلك الحكم في عقد السَّلَم حيث يجب تسليم الثمن (رأس مال السَّلَم) في مجلس العقد، خلافًا للمالكية حيث أجازوا تأخيره ثلاثة أيام، ولكنهم اختلفوا فيما لو تأخر تسليمه أكثر من ثلاثة أيام بدون اشتراط التأخير حيث ذهب بعضهم إلى فساده، وبعضهم إلى صحته، أما إذا كان التأخير عن الثلاثة باشتراط، فقد فسد العقد بالاتفاق (٢) .
ثالثًا: إن مجلس العقد بالتليفون واللاسلكي ونحوهما، ينتهي بانتهاء المحادثة كما سبق. إلا إذا كان العقد يتم من خلال المزايدة، حيث ذهب المالكية إلى أن الشخص الذي يعرض رضاه بثمن معين في المزايدة فليس له حق الرجوع حتى ولو طال، يقول العلامة الصاوي: (ولا يضر في البيع الفصل بين الإيجاب والقبول إلا أن يخرج عن البيع بغيره عرفًًا، وللبائع إلزام المشتري في المزايدة ولو طال حيث لم يجرِ عرف بعدمه) . (٣) .
فعلى ضوء هذا نقول: إذا اتصل شخص عبر التليفون بمن يدير المزاد، فعرض عليه قبوله بمبلغ كذا، ثم سد التليفون، ورسا عليه بنفس المبلغ فإنه لا مندوحة له من قبوله بالعقد، وهذا رأي وجيه له وجاهته واعتباره حيث يؤدي إلى حماية العقود من الفوضى والاضطراب، والإضرار بالناس، لأنه إذا لم يلزم به يؤدي إلى الإضرار بالبائع – مثلًا، لأنه أنهى المزاد لأجله، فإذا لم يلزم به، فيحنئذٍ يؤدي إلى الإضرار به بلا شك، وهو مدفوع في هذه الشريعة: ((لا ضرر ولا ضرار)) (٤) .
رابعًا: إن قولنا بأن مجلس العقد التعاقد بالتليفون ينتهي بمجرد إنهاء المحادثة خاص فيما إذا لم يُعْطِ أحدهما للآخر المهلة، أو لم يشترط لنفسه الخيار، فإذا اشترط أحدهما، أو كلاهما ذلك فإن لِمَنْ له الخيار، أو المهلة، أن يقبل في المدة المعينة.
стр. 8577
القسم الثاني
الوسائل الحديثة لنقل المكتوب مباشرة
تشمل هذه الوسائل البرقية، والتلكس، والفاكس، حيث تطورت هذه الوسائل بشكل رهيب حيث أصبح من مقدور الإنسان أن ينقل ما كتبه خلال ثوانٍ، أو دقائق معدودة، إلى المكان الذي يريده ما دام لديهما جهاز الفاكس، أو التلكس، حيث ينقل حرفيًّا، بل إن الفاكس ينقل صورة منه طبق الأصل فيوصله إلى الجهاز الآخر مهما كان بعيدًا.
وأما حكم العقود من خلال جهاز الفاكس هو كحكم التعاقد بالكتابة سواء بسواء، إذ أنه ينقل صورة حقيقية من خطابك وتوقيعك دون أي تغيير، أو تبديل، فكما شرحنا سابقًا فإن جهاز الفاكس حينما تضع عليه الورقة المطلوب نقلها إلى آخر، وتدوس على الزر الخاص، فإنه يصوره لك صورة ويرسلها إلى الجهاز الثاني لتظهر الصورة بوضوح على الورق في الجهاز الثاني.
وأما البرقية والتلكس: فهما كذلك مثل الكتابة لكنه مع فارق أن البرقية، أو التلكس لا ينقلان صورة، وإنما يكتب العقد مرة أخرى، لينقل المكتوب إلى الجهاز الثاني، فهو أشبه ما يكون بخطاب شخص يطلب من آخر أن يكتبه ليرسله إلى الثاني، ومن هنا فلا بد من ملاحظة كون هذا الخطاب من الشخص الفلاني، فإذا ادَّعى أحدهما التزوير فعليه الإثبات من خلال الوسائل المتاحة له.
وعلى أية حال فإن التعاقد بهذه الأجهزة مثل التعاقد عبر الكتابة، ولذلك نذكر آراء الفقهاء في هذه المسألة، ثم نعود لنوضح حكم إجراء العقود بهذه الوسائل الحديثة من حيث مجلس العقد، ووقت تمام العقد، وخيارات المجلس الثلاثة.
التعاقد بالكتابة:
١- ثار خلاف بين الفقهاء في مدى الاعتداد بالكتابة كتعبير عن الإرادة سواء كانت بين حاضرين، أم غائبين، ويمكن ضبط توجهاتهم في ثلاثة اتجاهات وهي:
اتجاه التوسع، وهذا يمكن في اعتبار الكتاب كالخطاب سواء كان بين الحاضرين أو الغائبين، وإلى هذا ذهب المالكية، والحنابلة، وبعض الشافعية، لكنهم جميعًا – ماعدا وجهًا للشافعية – استثنوا من هذا الحكم النكاح لخصوصيته، واشتراط الشهود فيه (١) .
стр. 8578
٢- اتجاه التضييق، وهو اتجاه الذين يقولون بعدم صلاحية الكتابة لإنشاء العقود بها إلا بالنسبة للعاجزين عن الكلام، وهذا مذهب الأباضية، والراجح في مذهب الإمامية، ووجه الشافعية، ورأي داخل المذهب الزيدي (١) .
٣- اتجاه التوسط، وهذا مذهب الحنفية الذين جعلوا الكتاب كالخطاب بالنسبة للغائب، دون الحاضر، غير أنهم ذهبوا إلى أن النكاح إنما يتم بالكتابة إذا أحضر الجانب الثاني للشهود، وقرأ عليهم الكتاب، ثم يقول: قبلت أو زوجت، أو تزوجت (٢) .
الأدلة والمناقشة والترجيح:
وقد استدل كل فريق على دعواه، حيث استدل المضيقون من دائرة الكتاب بأن الكتابة ليست وسيلة من وسائل التعبير المعتبرة، حيث إنها تحتمل التزوير وإرادة تحسين الخط فقط، ومع هذا الاحتمال لا يثبت بها العقود التي تترتب عليها آثار كثيرة من حل وحرمة، ومن انتقال الملكية، ونحوه، بالإضافة إلى أن وسائل التعبير عن العقود جاءت جميعها بالألفاظ، ولم يشتهر في عصر النبي ﷺ إنشاء العقود بالكتابة. غير أنه يستثنى من ذلك العاجز عن النطق الذي لا يجد حيلة إلى النطق، ولا يهتدي إلا إلى الإشارة أو الكتابة.
ويمكن أن تناقش هذه الأدلة بأن مبناها على أن الكتابة وسيلة ضرورية ولذلك لا تصلح إلا للعاجز عندهم، وهذا غير مسلم، لأن التعبير عما في النفس كما يمكن أن يكون باللفظ يمكن أن يكون بالكتابة، كما أننا لا نسلم أن الكتابة لم تستعمل كتعبير عن العقود في عصر الرسول ﷺ ، فالأحاديث الصحيحة شاهدة على أن الرسول ﷺ قد استعملها في رسائله مع الملوك وغيرهم للتعبير عما يريده منهم من الدخول في الإسلام (٣) ، ولو سُلِّم ذلك، فلا يدل عدم استعمالها في عصره على عدم جواز استعمالها، وذلك لأن مبنى هذه الدلالات على العرف، وأن الجمهور على عدم التقيُّد بالصيغ الواردة في الشرع ما دامت لا تصطدم مع نص شرعي، ولا دليل على منع الكتابة.
ومن جانب آخر إن ما أوردوه من احتمال التزوير والتقليد يتلاشى مع وجود القرائن الدالة عليه، بالإضافة إلى أن ذلك داخل في عملية الإثبات، وكلامنا هنا في مدى دلالة الكتابة على الرضا (٤) .
стр. 8579
وأما الاتجاه الوسط فقد استدل بالأدلة السابقة لكنهم قالوا: إن الحاجة ماسة بالنسبة للغائبين دون الحاضرين، فيترخص للغائبين دون غيرهما، فلماذا يلجأ الحاضران إليها وهما قادران على النطق الذي هو الأقوى؟؟!
ويمكن أن يجاب عن هذا بأن النزاع في أن الكتابة هل تصلح للدلالة على ما في النفس أم لا؟ فإذا قلنا: نعم، فأي تقييد في حقها، وتضييق لنطاقها بما بين الغائبين لا يتفق مع هذا الجواب، ولا مع المبدأ السائد في الشريعة الغراء، القاضي بأن أساس العقود هو الرضا، وأما إذا كان جوابنا بالنفي فلا بد أن لا نستثنى الغائبين، لأن التعبير عن الرضى ضروري في إنشاء العقد بحيث لا يتم بدونه، كما أنه لا توجد ضرورة بالنسبة للغائبين إذ يمكنهما التوكيل (١) .
واستدل الموسعون بأن الكتابة وسيلة جيدة عن التعبير عن الإرادة وأن الرسول ﷺ قد استعملها في خطاباته مع الملوك، فدعاهم إلى الدخول في الإسلام (٢) ، فإذا كانت الكتابة صالحة للتعبير عن نشر الدعوة، فكيف لا تكون صالحة لإنشاء العقد؟؟ قال الكاساني: (إن الكتابة المرسومة جارية مجرى الخطاب، ألا ترى أن رسول الله ﷺ ، كان يبلغ بالخطاب مرة وبالكتاب أخرى ... وبالرسول ثالثًا، وكان التبليغ بالكتاب والرسول كالتبليغ بالخطاب، فدل على أن الكتابة المرسومة بمنزلة الخطاب) (٣) ، بل إن القرآن الكريم قد الكتابة على الشهادة في آية الدين (٤) .
وهذا هو الراجح الذي يدعمه الدليل ويتفق مع قواعد الشريعة وأصولها القاضية برفع الحرج ومبادئها الخاصة بالعقود الدالة على أن الأساس هو التراضي دون النظر إلى التقيد بأية شكلية، بالإضافة إلى أن الشرع علق حل أكل أموال على التراضي، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٥) ، ومع ذلك لم يفصل في وسائل التعبير عنه، كما أننا لا نجد لها تحديدًا دقيقًا في اللغة فيناط حينئذٍ بالعرف، والعرف جار قديمًا وحديثًا على صلاحية الكتابة للتعبير عن الرضا والإرادة، ولذلك فهي صالحة لإنشاء العقود (٦) .
стр. 8580
صعوبات فنية في التعاقد بالبرق والتلكس والفاكس:
لا شك أن هناك صعوبات فنية في التعاقد بهذه الوسائل تكمن في كيفية تصور مجلس العقد، ووقت تمامه، وما يترتب على المجلس من خيارات الأمر الذي يقتضي معالجتها بدقة وأناة.
ولا يخفى أن مجلس العقد بالنسبة للحاضرين واضح يسهل تصوره، لكن الصعوبة قد تأتي لتصوره فيما لو كانا غائبين مثل التعاقد بالبرق أو التلكس، أو الفاكس، أو بعبارة أخرى: التعاقد عن طريق المكتوب، والسبب في هذه الصعوبة وجود المسافة الزمنية والمكانية بين الإيجاب والقبول، وكيفية وصول القبول إلى علم من وُجِّه إليه الجواب، وأيضًا فإن التساؤل يثور حول الوقت الذي يتم فيه العقد، هل يتم بمجرد قبول من أرسل إليه البرقية، أو التلكس، أو الفاكس، (وهذا ما يسمى في الفقه المدني الوضعي بنظرية إعلان القبول) . أو أنه يتم بقبوله، وإرساله إلى الموجب (وهذا ما يسمى في الفقه المدني الوضعي بنظرية تصدير القبول) ، أو أنه يتم بإيصال الجواب إلى الموجب – أي يصله القبول – من خلال الرسالة – أو البرق، أو التلكس أو الفاكس، بحيث إذا وصل إليه فقد تم العقد حتى ولو لم يعلم بمحتواه (وهذا يسمى في الفقه الوضعي بنظرية تسليم القبول) أو أنه لا يتم العقد إلا إذا وصل القبول إلى الموجب وعلم به فعلًا (وهذا يسمى في الفقه المدني الوضعي بنظرية العلم بالقبول) (١) .
ولا شك أن لكل نظرية من هذه النظريات أنصارها وروادها، كما أن لكل واحدة منها سلبياتها وإيجابياتها، ولكن الغالب في الفقه الوضعي الحديث يتجه إلى تفضيل نظرية الإعلان عن القبول على غيرها لما لها من مزايا عدة من أهمها:
أولًا: إن التماثل في جميع الجهات بين عقود الحاضرين، وعقود الغائبين أمر غير عملي، وذلك لاختلاف طبيعة التعاقد في كل منها، ومن ثم فلا ينبغي اشتراط وصول القبول إلى علم الموجب، بل يكفي مجرد تعبيره عن إرادته في القبول إذ إن العقد ليس إلا الإيجاب والقبول، وقد حصلا من خلال قبوله في مجلس الوصول.
ثانيًا: إن هناك صعوبة في تحديد وقت انعقاد القبول، إذا قلنا بغير نظرية الإعلان، فليس من الميسور معرفة لحظة إرسال الخطاب، أو تسليم القبول، أو العلم به، بالإضافة إلى احتمال الإنكار، وتأخير الاطلاع عليه عمدًا، وغير ذلك مما يؤدي إلى عدم استقرار العقود، وإلى الفوضى التي ينبغي أن تكون المعاملات والعقود بمنأى عنها.