وعلى أي حال فإننا لا نستسيغ تطبيق النظريات التي تحدد وقت انعقاد العقد على تحديد مكان انعقاد العقد في التعاقد بالتلفون. لأن الأسباب والاحتمالات التي تعول عليها هذه النظريات لا يمكن تصورها فيما إذا تم صدور القبول والعلم به بآن واحد – كما رأينا سابقًا -.
(ب) الكتاب (الرسالة) وما شابهه من وسائل الاتصال:
يسري على التعاقد بطريقة هذه الفئة من الوسائل أحكام التعاقد بين الغائبين. وإن إلحاق البرق بهذه الفئة أمر لا يحتاج إلى دراسة خاصة.
وكما سبق أن بينا في الفئة الأولى أن التلكس والفاكس وما شابههما من وسائل بالرغم من إمكانية تصور بعض الحالات لإلحاقها بالتلفون فإنه يجب إلحاقها – في نهاية الأمر وفي التحليل الصحيح – بهذه الفئة.
ومن البديهي أن التعاقد بطريقة إرسال الكاسيت والديسكيت وما شابههما (مع أن هذه الطريقة ليست شائعة على الصعيد العملي حاليًا) يجب ملاحظته في إطار هذه الفئة.
أما التعاقد بالعقل الإلكتروني (وليس عن طريق إرسال الديسكيت) حسب الطريقة التي تسمى بـ (ON-LINE) فإنه يمكن التوصل إلى نتائج مختلفة بدراسة كل حالة من الحالات في هذا النوع من التعاقد. وإذا كان هناك عقل إلكتروني تمت برمجته حسب مضمون العقد، فإن التوصيف الفقهي يكون على أساس قيام الجهاز مقام أحد طرفي العقد (أو كليهما) كما قدمنا سابقًا. ولكن الطرفين إذا تبادلا الإيجاب والقول وهما أمام شاشتي العقل الإلكتروني، فإن هذه الطريقة يجب ملاحظتها في نطاق هذه الفئة مثل إلحاق التلكس والفاكس بها على ضوء ما ورد من توضيحاتنا للمكالمة التلفونية ولهاتين الوسيلتين، وإن كان بالإمكان القول بوجود شبه بين هذه الطريقة والمكالمة التلفونية أيضًا.
стр. 8647
الخاتمة وملخص البحث
سنحاول فيما يلي أن نعرض النتائج التي توصلنا إليها من خلال بحثنا هذا مع ملخص للبحث. (وقد أشرنا تحت عنوان التمهيد وتحديد الموضوع إلى بعض الموضوعات الجانبية التي لم نعتبرها في نطاق موضوع بحثنا والتي قد يتساءل القارئ عن عدم تناولنا إياها) .
بعض الملاحظات التي تشكل نقطة الانطلاق لآرائنا:
قبل كل شيء ينبغي لنا أن نشير إلى بعض العوامل الأساسية التي أثرت على أسلوب تفكيرنا وصولًا إلى النتائج التي سنذكرها بعد قليل.
١- بالرغم من أن مسائل انعقاد العقد (أي تكونه نتيجة لتلاقي إرادتين مختلفتين وللتعبير عنهما بتعبيرين متتالين) كانت مجهولة في القانون الروماني الذي ذاعت شهرته في تناول المفاهيم بشكل دقيق خاصة في مجال الالتزامات، وبالرغم من أن الفقه الغربي لم يتناول هذه المسائل إلا منذ القرن السابع عشر، فإن الفقهاء المسلمين قد أبدعوا في تناول ودراسة هذه المسائل بالدقة والإتقان منذ عهود مبكرة جدًّا في تاريخ الفقه الإسلامي. ويمكن اعتبار هذه الظاهرة دليلًا واضحًا على أن مبدأ الرضا في مجال الالتزامات هو الأساس في التفكير الحقوقي للفقهاء المسلمين بينما نجد أن النظرة الشكلية هي السائدة في التفكير الحقوقي للقانونيين الرومان.
٢- مع أن التعاقد بين الحاضرين تمت بشكل مفصل في كتب الفقه الإسلامي فإنه لم يتم تناول التعاقد بين الغائبين فيها إلا بخطوطه العريضة ومحددًا بظروف وحاجات ذلك الزمن تحت العنوانين (الكتابة) و (الرسالة) خاصة. ونعتقد أن الفقهاء المسلمين لم يواجهوا مواجهة صريحة – كما قال د. السنهوري- واقعة التعاقد بين الغائبين على شكلها المعروف في وقتنا الحاضر. (بيّنّا لماذا لم نشارك رأي د. سوار حينما انتقد كلام د. السنهوري في هذا الموضوع) . ولو كانوا قد واجهوا تطبيقات التعاقد بين الغائبين التي هي وليدة حاجات بيئة تشكل مجالا لعلاقات مكثفة يتم جريانها عن طريق وسائل الاتصال السريعة جدًّا، ولو كانوا قد واجهوا مواجهة صريحة لما كانت حلول هذه التطبيقات في الكتب الفقهية على نحو ما نراه فيها من عدم وجود خلافات جذرية وآراء مختلفة في هذا الموضوع.
стр. 8648
إذن، يجب أن لا يفوتنا أن الأحكام الواردة في الكتب الفقهية بهذا الخصوص منوطة بالمصالح التي راعاها الفقهاء نظرًا لظروف وحاجات زمنهم، وتجب مراجعة هذه الأحكام حسب الحاجات المستجدة.
٣- يلاحظ أن الفقهاء –حين تناولهم لمسائل انعقاد العقد التي لم ترد نصوص خاصة في أحكامها وحين إيجادهم حلولًا مناسبة لهذه المسائل- يلاحظ أنهم راعوا المبدئين التاليين واتفقوا على التنويه بهما وإن كانوا قد اختلفوا في تعيين الحلول التي تحققهما بأكمل وجه. وهما:
(أ) التراضي (الابتعاد عن الكسب غير المشروع) .
(ب) تحقيق المصلحة (سد حاجات الناس) .
وحتى أن الفقهاء الذين أوجدوا نظريات فقهية تمثل الحد الأقصى للتصوير المادي وتعكس النزعة الموضوعية الحاسمة لاهتمامهم البالغ بالمفاهيم الفقهية، فإنه يمكن القول بأن جهودهم كانت مبذولة من أجل التفتيش والبحث عن وجود ارتباط الإيجاب بالقبول بما لا يدع مجالًا للشكل من تحقق التراضي.
أما اهتمامهم بمبدأ المصلحة فيلاحظ بشكل جلي حينما أشاروا إلى محاذير التشدد في التمسك بالقياس (القاعدة العامة) بمناسبات كثيرة معبرين عن أهمية مبدأ المصلحة بعبارات مثل (دفعًا للعسر) ، و (دفعًا للحرج) ، و (لجلب اليسر) ، و (سد الحاجة) ونحوها.
وهناك أمر هام وهو أن العرف قد لعب دورًا بالغ الأهمية أثناء تطبيق هذين المبدئين في حوادث الحياة الواقعية – ما لم يتعارض العرف مع النص-، وهذا الدور قد اعترف به التشريع الإسلامي واعتمد الفقهاء المسلمون في عدد كبير من اجتهاداتهم –بالرغم من عدم احتلال العرف مكانًا مرموقًا في كتب الأصول (١) . ويمكن أن نذكر على سبيل المثال بالنسبة لموضوع بحثنا أحكام انعقاد العقد التي أوردها الفقهاء في بيع (المزايدة) والتوضيحات الواردة في كتبهم حول تحليل هذه الأحكام، إلى جانب أمثلة كثيرة لا يسع هذا المقام ذكرها.
стр. 8649
٤- من مقتضيات مبادئ الفقه الإسلامي وأصوله مراعاة الخبرات والتطورات الملحوظة في العالم بالنسبة للمسائل الاجتهادية وخاصة المسائل التي تحظى فيها المصالح المستندة إلى العرف بأهمية كبيرة، وكذلك الأخذ بعين الاعتبار الحاجة الماسة إلى توحيد النصوص التشريعية الدولية في المسائل التي تتسم بالسمة التجارية (١) . (ونشاهد أن عددًا من الباحثين في مجال الفقه الإسلامي يشيرون أيضًا إلى هذا الخصوص حينما يوضحون سبب ترجيحهم إحدى النظريات من بين النظريات التي تحدد وقت انعقاد العقد) . وسنكتفي هنا بالإشارة إلى دليلين واضحين يدلان على الحاجة الماسة إلى هذا التوحيد ويتعلقان بموضوع بحثنا مباشرة:
الأول: لقد اقتدى القانون المدني السوري في مادته (٩٨) بقانون الالتزامات اللبناني (م. ١٨٤) في مسألة الانحياز إلى نظرية الإعلان عن القبول، وهذه إحدى المسائل النادرة التي خالف فيها القانون المدني السوري القانون المدني المصري، (وذلك –كما تقول المذكرة الإيضاحية للقانون السوري- لكثرة المعاملات الجارية بين سورية ولبنان بحيث تفضي المصلحة بتوحيد النصوص التشريعية في هذا الموضوع بين البلدين لئلا يقع تنازع بين قانونيهما يؤدي إلى الإضرار بحقوق ذوي العلاقة) (٢) .
الثاني: إن المحاولات والجهود التي بذلها حقوقيو مختلف بلاد العالم لتوحيد التشريع فيما يخص بيع السلع الدولي والتي استمرت منذ سنوات عديدة قد توّجت بقبول اتفاق فيينا في ١١ أبريل ١٩٨٠. وإن هذا الاتفاق قد نجح أثناء الأعمال التحضيرية بتجميع عدد كبير من الدول تختلف أنظمتها القانونية والاقتصادية بعضها عن البعض الآخر، وتم توقيع المذكرة النهائية له من قِبَل ٦٥ دولة كما تمت المصادقة عليه من قِبَل ١٥ دولة باعتبارها طرفًا في هذا الاتفاق، ومن بينها مصر وسوريا. ويلاحظ أن عددًا كبيرًا من الدول على وشك المصادقة عليه ويزداد عدد الدول الأطراف بمرور الزمن انظر في هذا الموضوع:
ERDEM (H.Ercument) ، Uluslararasi mal satislarinda ١١ Nisan ١٩٨٠ tartihli Birlesmis Milletler Solesmesinin uygulama alani، Izmir Barosu Dergisi، annee: ٥٤، no. ١ Ocak ١٩٨٩-١٩٩٠; Conventionne d Vienne de ١٩٨٠ sur La Vente Internationale des Marchandises/ Collogue de Lausanne des ١٩ et ٢٠ Novembre ١٩٨٤، Zurich، ١٩٨٥. .
стр. 8650
(ب) النتائج:
١- تكاد تتفق آراء الفقهاء المسلمين على عدم اشتراط وجود طرفي العقد في مكان واحد وعلى جواز التعاقد بين طرفين متباعدين. والحقيقة أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة قد جاءا بمبدأ بناء الأحكام على المخابرة بطريقتي (الكتابة) و (الرسالة) (السفارة) ، ولهذا لا يعتبر هذا الموضوع مثارًا للجدل، كما أن الباحثين في مجال الفقه الإسلامي في الوقت الحاضر لا يشعرون بالحاجة –أثناء دراساتهم للعقد- إلى نقاش واسع في جواز أو عدم جواز التعاقد بوسائل الاتصال الحديثة. وأدل شيء على ذلك أن لجنة تعديل مجلة الأحكام العدلية لم تترد في تقرير إضافة مادة إلى هذه المجلة تنص على صحة التعاقد بواسطة التلغراف والتلفون في سنة ١٩٢١.
٢- وإذا وضعنا نصب أعيينا أن معظم الأحكام المتعلقة بانعقاد العقد لم تأت بها النصوص الخاصة بل وتوصل إليها الفقهاء من خلال التحليلات والتقييمات الفقهية أي من خلال الجهود المبذولة من أجل التأكد من وجود الرضا بين الطرفين، فإنه يتبين لنا أن هذه الأحكام التي وردت في الكتب الفقهية - باعتبار معظمها - ليست أحكامًا آمرة (أي من (النظام العام)) بل هي أحكام مكملة أو مفسرة حسب اصطلاح القانون.
إذن، يمكن للطرفين أن يعينا أو يحددا أحكام المسائل المتعلقة بانعقاد العقد (وخاصة بوقت أو مكان انعقاد العقد) . حتى ويمكن القول بأن هذا التعيين المسبق يكون أصلح وأوفق مع مبادئ الفقه الإسلامي من جهة سد باب النزاع والخلاف.
وعلى هذا، يجب ملاحظة الأحكام والنتائج التي سنذكرها فيما يلي بشرط (أن لا يكون الطرفان قد اتفقا على عكس ذلك) .
٣- بيّنّا أن الرأي القائل بأن الإيجاب (تعبير متلقى) وليس (تعبيرًا ملقًى) سواء في التعاقد بين الحاضرين أو في التعاقد بين الغائبين هو الراجح –في نظرنا-. وعلى هذا، فإن الإيجاب لا يتم بمجرد صدوره بل لا بد من توجيهه إلى الطرف المقابل وبعبارة أخرى فإنه يجب إظهار الموجب إرادة تبليغ الإيجاب أي رضاه بالتبيلغ لترتيب الحكم على الإيجاب. (وقد أشرنا إلى الرأي المعارض له الوارد في كتب الشافعية) .
وكذلك أشرنا إلى رجحان الرأي القائل بأن توجيه الإيجاب إلى الجمهور يصح ويترتب الحكم على هذا التوجيه.
стр. 8651
وبعد أن نبهنا إلى ضرورة التمييز بين مفهومي (الإيجاب) و (الدعوة إلى الإيجاب) بينا أن كل تعبير يدل على أن صاحبه يريد به أن يلتزم به في حالة قبوله بما لا يدع مجالًا للشك – بأي طريق كان هذا التعبير (بالمواجهة الشخصية، بطريق الإعلان، بوسائل الاتصال، بوضع أجهزة أتوماتيكية) - يجب اعتباره (إيجابًا) .
وفي هذا النطاق أشرنا إلى أن الأجهزة الأتوماتيكية يمكن أن تقوم مقام أحد طرفي العقد (أو كليهما إذا كانت الظروف والإمكانيات مواتية لذلك) .
وقد قمنا بتوضيح أن الإيجاب يمكن الرجوع عنه - في الحالات العادية - إلى وقت القبول (وهذا هو الرأي السائد في الكتب الفقهية) ، غير أننا لاحظنا أن اشتراط علم الطرف المقابل بالرجوع عن الإيجاب لترتب الحكم على هذا الرجوع هو الأوفق لمبادئ الفقه الإسلامي (خلافًا لما ورد في كتب الأحناف) . ومن جهة أخرى، فإن الإيجاب الذي وصل إلى الطرف المقابل والذي يمنح له حق التأمل والتروي مدة معينة إما بالتصريح وإما بدلالة الحال أو طبيعة المعاملة، ارتأينا أنه من الأوفق لمبادئ الفقه الإسلامي اعتباره ملزمًا لصاحبه طيلة هذه المدة (خاصة في حالة تعيين ميعاد للقبول) ، ورجحنا بهذا الخصوص رأي جمهور المالكية.
٤- بعد أن ذكرنا أن خيار القبول هو الحكم المتفق عليه في الفقه الإسلامي، أشرنا إلى أن الحالات التي يمكن وصفها بأنها حالات (القبول الضمني) لا ينبغي تصورها بأن المخاطب أصبح ملزمًا بالقبول فيها.
وقد رأينا أن وقت القبول يتحدد بمدة قيام المجلس الذي تم فيه أداء الكتابة أو الرسالة إذا تصورنا التعاقد بين الغائبين محددًا بطريقتي (الكتابة) و (الرسالة) في إطاره التطبيقي من منظور ظروف وحاجات ذلك الزمن. ولكن التعاقد بين الغائبين في ظروف وقتنا الحاضر لا يتم حسب الطريقة التي كانت جارية في الأزمان السابقة، ولهذا توصلنا إلى نتيجة أن سد الحاجة في يومنا هذا لا يتحقق إلا إذا قلنا بإمكانية القبول في المدة التي يعتبر فيها الإيجاب ملزمًا على ضوء ما ذكرناه من رأي جمهور المالكية بهذا الخصوص.، وإذا تم قبول هذا الرأي ينبغي القول أيضًا بأن الإيجاب لا يعتبر ساقطًا في حالة رفضه من طرف المرسل إليه ما لم يصل خبر الرفض إلى الموجب.
ونبهنا إلى أن القبول يمكن الرجوع عنه إلى وقت انعقاد العقد على الصعيد النظري. وأما على الصعيد العملي فإن هذا الرجوع لا يمكن إذا حكمنا بأن العقد ينعقد بمجد الإعلان عن القبول أي إذا تبنينا نظرية الإعلان (سنبين رأينا في النظريات المتعلقة بتحديد وقت انعقاد العقد بعد قليل) .
стр. 8652
٥- رأينا أن ارتباط الإيجاب بالقبول حكمي (اعتباري) وليس حقيقيًّا سواء في التعاقد بين الحاضرين أو التعاقد بين الغائبين. أما اتحاد المجلس فهو مادي/ حقيقي (أي مرتبط بالمكان) في التعاقد بين الحاضرين، إن كان حكميًّا في التعاقد بين الغائبين ولكننا نوّهنا بكلام د. السنهوري الذي ينبه إلى ضرورة عدم الإغراق في التصوير المادي بالدرجة التي تؤدي إلى إهدار الغاية المقصودة من أحكام اتحاد المجلس.
وبما أن قيام الإيجاب إلى وقت القبول يحظى بأهمية بالغة في قبول تحقق هذا الارتباط فإننا رأينا من المناسب الإلمام بحالات الإيجاب إلمامًا سريعًا.
٦- وتحت عنوان (تحديد وقت انعقاد، العقد في التعاقد بين الغائبين) الذي يشكل أهم وأوسع جزء من بحثنا، قمنا بتلخيص النظريات الموجودة في هذا الموضوع، وموقف كل من التشريع الوضعي والكتب الفقهية القديمة منها، وكذلك آراء الباحثين المعاصرين في الفقه الإسلامي في هذا المضمار. وقد تبين لنا من خلال نقد هذه النظريات والآراء حولها:
- أن عددًا من الباحثين المعاصرين في الفقه الإسلامي (ومنهم من يتعرض للموضوع بصفة خاصة مثل د، القره داغي ود. الدريني ود. الإبراهيم) لم يحالفهم الصواب فيما ذكروه من معلومات حول اتجاه الفقه الحديث في هذا الموضوع، ولعلهم استندوا غالبًا إلى المراجع القديمة ولم تتح لهم فرصة دراسة الموضوع بشكل دقيق. وقد اكتفى هؤلاء المؤلفون وكذلك د. سوار –الذي تناول بشكل مفصل ووضع نظرية جديدة فيه- بالوقوف أمام نظريتي (الإعلان) و (العلم) دون التطرق إلى تقويم النظريات الأخرى.
-وقد قمنا بتثبيت أن هؤلاء المؤلفين (د. سوار، د. الإبراهيم، خاصة د. القره داغي) وقعوا في معضلة وهي: ظنهم بأن الانحياز إلى نظرية عدا نظرية الإعلان يستلزم بالضرورة إعطاء الموجب حق الرجوع عن إيجابه إلى وقت انعقاد العقد. وأثبتنا أن هذه الفكرة التي تأثر بها هؤلاء المؤلفون في ترجيحهم للمسألة، ليس صائبة وقمنا بتوضيح أن الغاية الأساسية من وضع هذه النظريات - بالدرجة الأولى - تنصب على وقت اكتساب القبول الصفة الإلزامية وبالتالي على وقت انعقاد العقد ولا تنصب على وقت اكتساب الإيجاب الصفة الإلزامية. وكذلك أشرنا إلى أن إلزامية الإيجاب أو عدم إلزاميته يمكن تعيينها بصورة ما في النظريات الأخرى عدا نظرية الإعلان. وعلى هذا فإنه يمكن في تلك النظريات تحديد حق الرجوع عن الإيجاب إلى وقت انعقاد العقد نظريًّا، إلا أنه يختلف الأمر على الصعيد العملي، إلى درجة أن الأنظمة القانونية التي تقول بعدم إلزامية الإيجاب –مبدئيًّا-، تميل إلى تحديد هذا الحق بوقت القبول أو تصديره كحد اقصى.
أما في الفقه الإسلامي فقد بينا أن حق الرجوع عن الإيجاب محدد بوقت القبول، وكذلك أنه محدد بانفضاض المجلس الذي صدر فيه القبول عند من يقول بخيار المجلس كحد أقصى. وعبرنا عن قناعتنا بأن نظرية (خيار الطريق) التي جاء بها د. سوار لا تليق بالترجيح، مشيرين في ذلك إلى هذا الحكم الوارد في الفقه الإسلامي وإلى بعض مواطن الضعف الأخرى التي تكتنف هذه النظرية.
стр. 8653
- وبعد دراسة تلك النظريات الخمس كل على حدة توصلنا إلى نتيجة أن نظرية استلام القبول هي الأوفق لمبادئ الفقه الإسلامي آخذين بعين الاعتبار ظروف وقتنا الحاضر، ومع ذلك لا يمكن أن ننكر أن الموضع يحتمل اكثر من وجه ويوقع المرء في حيرة لا محالة.
٧- أشرنا أولًا إلى أن وسائل الاتصال الحديثة يمكن دراستها في فئتين:
(أ) التلفون وما شابهه من وسائل.
(ب) الكتاب (الرسالة) وما شابهه من وسائل.
وبينا أن الفئة الأولى يجب تطبيق أحكام التعاقد بين الحاضرين فيها من حيث الزمان، وأن الفئة الثانية يجب تطبيق أحكام التعاقد بين الغائبين فيها. ثم وضحنا – بعد الإشارة إلى بعض مسائل التعاقد بالوسائل التي تدخل ضمن الفئة الأولى- أن الوسائل التي تشبه التلفون مشابهة تامة مثل التلفون التلفزيوني (الآلة التي تجعل الصورة مصاحبة للصوت) يجب إلحاقها بالفئة الأولى، في حين أن الآلات مثل التلكس والفاكس ينبغي إلحاقها - مبدئيًّا- بالفئة الثانية (واستثنينا من ذلك حالة تعاقد الطرفين وهما عند آلتي التلكس أو الفاكس وقلنا بأن أحكام التعاقد بين الحاضرين يمكن تطبيقها في مثل هذه الحالة حسب الإمكانيات والظروف التقنية، وقد نبهنا إلى أن النتائج العملية في هذا التعيين- أي إلحاقها بالفئة الأولى أو الثانية - محدودة جدًّا) . وذكرنا أن التعاقد بواسطة العقل الإلكتروني ينبغي تطبيق أحكام التعاقد بين الغائبين فيه - من حيث المبدأ -، وذلك في ضوء ما ورد من ملاحظاتنا حول استخدام كل من التلفون والتلكس والفاكس. والله أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور إبراهيم كافي دونمز
стр. 8654
الإسلام وإجراء العقود
بآلات الاتصال الحديثة
إعداد
فضيلة الشيخ محمد الحاج الناصر
الباحث الإسلامي (.. كل قول أو فعل يُعده الناس عقدًا فهو عَقد يجب أن يوفوا به كما أمر الله تعالى ما لم يتضمن تحريم حلال أو تحليل حرام مما ثبت في الشرع)
(تفسير المنار، محمد رشيد رضا)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، إياك نعبد وإياك نستعين، وبنورك نستهدي، وبألوهيتك نعتز، وبملكك نحتمي ونعتصم، لا إله إلا أنت، أنت الحق، وقولك الحق، وكتابك حق، ومحمد حق، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان، والمقتفين لهديهم بصدق، الذين لا يحيدون عن سننهم ولا تلتبس عليهم سلبهم فتفرقهم شيعًا وتبددهم بين خطل الغلوّ وزلل التحريف ومهاوي الانحراف مع أباطيل الأهواء ومنازع الضلال.
وبعد، فهذه لمح ما يسرَّ الله لنا وأرشدنا إليه في ما عُني به مجمع الفقه الإسلامي من البحث في حكم الله في ما يتصل باستعمال وسائل الاتصال الحديثة، مما أحدثته أو قد تُحدثه ذات يوم اكتشافات العقل البشري لمظاهر الكون وظواهره، واهتداءاته إلى طرق الاستفادة منها فيما درج عليه الناس في معايشهم وخاصة ما يتصل منها بالتزامات بعضهم مع بعض في مجال المعاملات، أو في غيره من المجالات مثل ضبط العلاقات الأسرية والاجتماعية وما إليها.
وقد ارتأينا – استمرارًا في الالتزام بالمنهج الذي آثرناه لأبحاثنا على اختلافها من اعتبار الحقائق اللغوية والنصوص الشرعية القطعية والظنية، واختلاف الأعراف المؤثرة في الاجتهادات والاستنباطات والناتجة عن اختلاف البيئات وتباين أطوار الإنسان الحضرية – أن نمضي في هذا البحث على ذلك النسق، فنسوق ما تعارف عليه اللغويون من معاني كلمة (العقد) ، وهو العروة التي تضبط العلاقات بين الناس في مجال المعاملات أو الشئون الاجتماعية، ثم ما تبلور فيه من معنى هذه الكلمة عند أئمة التفسير وأئمة السنة. وأيمة الفقه، ثم أيمة القانون الوضعي لنصير من ذلك كله إلى اجتلاء وضبط القواعد التي ننطلق منها في تحرير وتقرير ما يترجح لدينا أنه مطابق لمناط التشريع من الرأي في التوفيق بين هذه المستحدثات وسائل للتواصل بين الناس وبين تلك الضوابط التي تواضعوا عليها منذ القديم قواعد وأحكامًا تضفي على التزاماتهم صبغة الشرعية الملزمة لمختلف الأطراف والفرقاء بينهم.
ولا نزعم –في ما نحرر ونقرر- أننا – أو أن أيًّا كان غيرنا- يمكن بأن نجزم بأن ما وصل إليه بحثنا أو بحثه هو حكم الله الحق قطعًا وجزمًا، إنما شأننا –كشأن غيرنا ممن استفرغ مثلنا وسعه وبذل غاية جهده- هو البحث الصادق المخلص عمَّا قد يكون هو الحق، فإن جاءك ما نرجوا فذلك فضل من الله وتوفيق نحمده عليه أصدق الحمد ونشكره أجزل الشكر، وإن أخطأ كان عذرنا وعذر غيرنا ممن بذل ما بذلناه أو أحسن مما بذلناه، أننا قصدنا إلى الحق ابتغاء وجه الله وإسهامًا في التمكين لشريعته، ولم نسأل في ذلك جهدًا و (إنما الأعمال بالنيات) وعلى الله قصد السبيل.
стр. 8655
وفيه: ((أن رجلًا كان يبايع وفي عقدته ضعف)) ، أي في رأيه ونظره في مصالح نفسه.
وفي حديث عمر: ((هلك أهل العقد – وفي رواية: العُقَد بضم العين وفتح القاف- ورب الكعبة)) يعني أصحاب الولايات على الأمصار من عقد الألوية للأمراء. ومنه حديث أبي: مات أهل العقدة ورب الكعبة يريد البيعة المعقودة للولاة.
ثم قال: وفيه: فعدلت عن الطريق فإذا عقدة من شجر. العقدة من الأرض: البقعة الكثيرة الشجر.
وفيه ((الخيل معقود في نواصيها الخير)) ، أي ملازم كأنه معقود فيها. وفي حديث ابن عمرو: ألم اكن أعلم السباع هاهنا كثيرًا؟ قيل: نعم ولكنها عُقدت حتى تخالط البهائم ولا تهيجها أي عولجت بالأخذ والطلسمات كما تعالج الروم الهوام ذوات السموم يعني عُقدت ومنعت أن تضر البهائم.
وفي حديث أبي موسى أنه كسى في كفارة اليمين ثوبين ظهرانيًّا ومعقدًا، المعقد ضرب من برود هجر.
وقال النووي في [تهذيب الأسماء واللغات: ٤/٢٧]
قال صاحب المحكم: العقد نقيض الحل، عقده يعقده عقدًا وتعاقدًا وعقده واعتقده كعقده وقد انعقد وتعقد.
ثم قال: وعقد العقد واليمين: يعقدهما عقدًا، وعقدهما: أكد عقدهما. والعقد: العهد، والجمع عقود، وعاقده: عاهده، وتعاقدوا: تعاهدوا، والعقيد: الحليف.
وعقد العسل والرب ونحوهما يعقد ويعقد وأعقدته فهو معقد وعقيد، والعقيد: عسل يعقد حتى يخثر. وفي لسانه عقدة وعقد أي التواء. ورجل أعقد: في لسانه عقدة وعقد كلامه أعوصه وعماه. وعقد على الشيء لزمه، وعقد النكاح والبيع وجوبهما.
قال الفارسي: هو من الشد والربط، وعقد كل شيء إبرامه، واعتقد الشيء صلبه، وتعقد الإخاء: استحكم. وعقد الشحم يعقد: انبنى وظهر. والعقد المتراكم من الرمل واحدة: عقدة، والجمع أعقاد. والعقد –بالفتح- لغة في العقد. هذا آخر كلام المحكم.
وقال الأزهري: أعقدت العسل ونحوه ويروي بعضهم: عقدته، والكلام اعتقدت، موضع العقد من الحبل معقد، وجمعه: معاقد، هذا آخر كلام الأزهري.
وقال الليث في (العين) تعقد السحاب إذا صار كأنه عقد مضروب مبني. والعقد: الضيعة، والجمع: العقد، واعتقد الرجل مالًا وأخاه. وعقد الرجل والمرأة، فهو أعقد وهي عقداء إذا كان في لسانه عقدة وغلظ في وسطه. والفعل: عقد يعقد عقدًا.
***
стр. 8656
الفصل الثاني
كلمة (عقد) ومشتقاتها في القرآن
وردت كلمة (عقد) ومشتقاتها في سبعة مواضع.
قال الله تعالى في [سورة البقرة: الآية ٢٣٥] : ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ .
وقال [الأية ٢٣٧] : ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ .
وقال في [سورة النساء: الآية ٣٣] ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ .
وقال في [سورة المائدة: الآية١] : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ .
وقال [الآية ٨٩] : ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ .
وقال في [سورة طه: الآية ٢٧] : ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ .
وقال في [سورة الفلق: الآية٤] : ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ .
وقال الراغب في [مفردات القرآن: ص٥١٠] :
العقد: الجمع بين أطراف الشيء. ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل وعقد البناء، ثم يستعار ذلك للمعاني نحو عقد البيع والعهد وغيرهما، ويقال: عاقدته وعقدته وتعاقدنا وعقدت. قال الله تعالى: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ، وقُرئ: (عاقدت أيمانكم) . وقال تعالى: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ وقُرئ: (بم عقدتم الإيمان) . ومنه قيل: لفلان عقيدة، وقيل: للقلادة عقد. والعقد مصدر استعمل اسمًا فجمع نحو قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، والعقدة اسم لما يعقد من نكاح أو يمين أو غيرهما. قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ . وعقد لسانه: احتبس، وبلسانه عقدة: أي في كلامه حبسة. قال تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ . وقوله تعالى: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ جمع عقدة، وهي ما تعقده الساحرة، وأصله من العزيمة ولذلك يقال: لها عزيمة، كما يقال: لها عقدة. ومنه قيل للساحر: معقد وله عقدة ملك. وقيل: ناقة عاقد: عقدت بذنبها ساعة لقاحها. وتيس وكلب أعقد: ملتوي الذنب. وتعاقدت الكلاب: تعاظلت.
قال الرازي في [مفاتيح الغيب: المجلد ٣، ٦/١٤٤] :
فأما قوله تعالى: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ ، فأعلم أن أصل العقد الشد والعهود والأنكحة تسمى عقودًا لأنها تعقد كما يعقد الحبل.
وقال محمد الطاهر بن عاشور في [التحرير والتنوير: ٢/ ٤٥٤، ٤٥٥] :
وقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ ، والعزم هنا عقد النكاح لا التصميم على العقد، ولهذا فعقدة النكاح منصوب على المفعول به، والمعنى: لا تعقدوا عقدة النكاح، أخذ من العزم بمعنى القطع والبث، قاله النحاس وغيره: ولك أن تجعله بمعناه المشهور أي لا تصمموا على عقدة النكاح، ونهى عن التصميم لأنه إذا وقع، وقع ما صمم عليه.
ثم قال:
والآية صريحة في النهي عن النكاح في العدة وفي تحريم الخطبة في العدة وفي إباحة التعريض فأما النكاح أي عقده في العدة، فهو إذا وقع ولم يقع بناء بها في العدة، فالنكاح مفسوخ اتفاقًا، وإنما اختلفوا هل يتأبد به تحريم المرأة على العاقد أَوْ لا، فالجمهور على أنه لا يتأبد وهو قول عمر بن الخطاب ورواية ابن القاسم عن مالك في المدونة، وحكى ابن الجلاب عن مالك أنه يتأبد ولا يعرف مثله عن غير مالك.
***
стр. 8657
الفصل الثالث
تأويلات وأحكام
قال الطبري في [جامع البيان: ٢/٣٣٥، ٣٤٠] عند تفسير قوله ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ :
اختلف أهل التأويل في من عنى الله تعالى ذكره بقوله: (الذي بيده عقدة النكاح) ، فقال بعضهم/ هو ولي البكر، وقالوا: ومعنى الآية: أو يترك الذي يلي على المرأة عقدة نكاحها من أوليائها للزوج النصف الذي وجب للمطلقة عليه قبل مسيسه فيصفح له عنه إن كانت الجارية ممن لا يجوز لها أمر في حالها.
ثم ساق بأسانيده مقولات القائلين بهذا التأويل. وأفاض في ذلك على أنهم قلة، وسننقل أسماءهم عن الطبري والرازي إذ ساقاها بإيجاز.
ثم قال: وقال آخرون: بل (الذي بيده عقدة النكاح) الزوج، قالوا: ومعنى ذلك: أو يعفو الذي بيده نكاح المرأة فيعطيها الصداق كاملًا.
ثم ساق كلام هؤلاء وهم كثر مسندة كعادته، وننقل منها رواية واحدة لما فيه من دلالة خاصة.
قال: حدثني يعقوب قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير قال: (الذي بيده عقدة النكاح) هو الزوج. قال: وقال مجاهد وطاووس: هو الوالي قال: قلت لسعيد: فإن مجاهدًا وطاووسًا يقولان: هو الولي. قال سعيد: فما تآمروني إذن؟
ثم قال: أرأيت لو أن الولي عفا وأبت المرأة أكان يجوز ذلك؟! ، فرجعت إليهما فحدثتهما فرجعا عن قولها وتابعا سعيدًا.
ثم قال ابن جرير –﵀: أولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: المعنى بقوله (الذي بيده عقدة النكاح) : الزوج، وذلك لإجماع الجميع على أن ولي جارية بكر أو ثيب صبية، صغيرة كانت أو مدركة كبيرة، لو أبرأ زوجها من مهرها قبل طلاقه إياها أو وهبه له أو عفا له عنه، أن إبراءه ذلك وعفوه له عنه باطل، وان صداقها عليه ثابت ثبوته قبل إبرائه إياه منه، فكان سبيل ما أبرأ من ذلك بعد طلاقه إياها سبيل ما أبرأ منه قبل طلاقه إياها.
وأخرى أن الجميع مجمعون على أن ولي امرأة محجور عليها أو غير محجور عليها، لو وهب زوجها لمطلقها بعد بينونتها منه درهمًا من مالها على غير وجه العفو منه عمّا وجب لها من صداقها قبله، أنّ هبته ما وهب من ذلك مردودة باطلة، وهم مع ذلك مجمعون على أن صداقها من مالها فحكمه حكم سائل أموالها.
وأخرى أنّ الجميع مجمعون على أن بني أعمام المرأة البكر وبني إخوتها من أبيها وأمها من أوليائها، وأن بعضهم لو عفا عن مالها بعد دخوله بها أن عفوه ذلك مما عفا له عنه منه باطل، وأن حق المرأة ثابت عليه بحاله، فكذلك سبيل عفو كل ولي لها كائنًا من كان من الأولياء، والدًا كان أو جدًّا أو أخًا، لأن الله تعالى ذكره لم يخصص بعض الذين بأيديهم عقدة النكاح دون بعض في جواز عفوه إذا كانوا ممن يجوز حكمه في نفسه وماله.
стр. 8658
ويقال لمن أبى: ما قلنا ممن زعم أن (الذي بيده عقدة النكاح) ولي المرأة، هل يخلو القول في ذلك من أحد أمرين إذا كان (الذي بيده عقدة النكاح) هو الوليّ عندك، إما أن يكون ذلك كل وليّ جاز له تزويج وليته، أو يكون ذلك بعضهم دون بعض فلن يجد إلى الخروج من أحد هذين القسمين سبيلًا فإن قال: إن ذلك كذلك قيل له: فأي ذلك عنا به؟ فإن قال لكل ولي جاز له تزويج وليته قيل له: أفجائز للمعتق أمة تزويج مولاته بإذنها بعد عتقه إياها؟! فإن قال: نعم , قيل له: أفجائز عفوه إن عفا عن صداقها لزوجها بعد طلاقه إياها قبل المسّ؟! فإن قال: نعم، خرج من قول الجميع، وإن قال: لا، قيل له: ولم؟! وما الذي حظر ذلك عليه وهو وليها. الذي بيده عقدة نكاحها؟!
ثم يعكس القول عليه في ذلك ويسأل الفرق بينه وبين عفو سائر الأولياء غيره وإن قال لبعض دون بعض: سئل البرهان على خصوص ذلك، وقد عمّه الله تعالى ذكره ولم يخصص بعضًا دون بعض؟! ويقال له: من المعني به إن كان المراد بذلك بعض الأولياء دون بعض؟! فإن أومأ في ذلك إلى بعض منهم سئل البرهان عليه، وعكس القول فيه، وعورض في ذلك بخلاف دعواه ثم لن يقول في ذلك قولًا إلا ألزم الآخر مثله.
فإن ظن ظانَّ أن المرأة إذا فارقها زوجها فقد بطل أن يكون بيده عقدة نكاحها، والله تعالى ذكره إنما أجاز عفو الذي بيده عقد نكاح المطلقة فكان مع معلومًا بذلك أن الزوج غير معني به وأن المعني به هو الذي بيده عقدة نكاح المطلقة بعد بينونتها من زوجها وفي بطول ذلك، أن يكون حينئذ بيد الزوج صحة القول بيد الولي الذي بيده عقد النكاح إليها وإذا كان ذلك كذلك صح القول بأن الذي بيده عقدة النكاح) هو الولي فقد غفل وظن خطأ وذلك أن معنى ذلك أن يعفو الذي بيده عقدة نكاحه وإنما أدخلت الألف واللام في النكاح بدلًا من الإضافة إلى الهاء التي كان النكاح ولو لم تكن (أل) فيه مضافًا إليها كما قال الله تعالى ذكره: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [سورة النازعات: الآية ٤١] فإن الجنة مأواه كما قال نابغة بني ذبيان:
لهم حجة لم يعطها الله غيرهم
من الناس فالأحلام غير عوازب
بمعنى: فأحلامهم غير عوازب والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى، فتأويل الكلام ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وهو الزوج الذي بيده عقدة نكاح نفسه في كل حال قبل الطلاق وبعده لا إنّ معناه: أو يعفو الذي بيده عقدة نكاحهن، فيكون تأويل الكلام ما ظنه القائلون أنه ولي المرأة لأن ولي المرأة لا يملك عقد نكاح المرأة بغير إذنها إلا في حال طفولتها، وتلك حال لا يملك العقد عليها إلا بعض أوليائها في قول أكثر من رأي أن ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ الولي ولم يخصَّص الله تعالى ذكره بقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ بعضًا منهم فيجوز توجيه التأويل إلى ما تأوَّلوه أو كان لما قالوا في ذلك وجه.
стр. 8659
وبعد، فإن الله تعالى ذكره إنما كنَّى بقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ عن ذكر النساء اللائي قد جرى ذكرهن في الآية قبلها وذلك قوله ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ والصبايا لا يسمين نساء وإنما يسمين صبايا أو جواري، وإنما النساء في كلام العرب جمع اسم المرأة ولا تقول العرب للطفلة والصبية والصغيرة: امرأة، كما لا تقول للصَّبي الصغير: رجل، وإذا كان ذلك كذلك وكان قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ عند الزاعمين أنه الولي إنما هو أو بعض ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ عما وجب لوليته التي تستحق أن يولي عليها مالها إما لصغر وإما لسفه والله تعالى ذكره إنما اقتصر في الآيتين قصص النساء المطلقات لعموم الذكر دون خصوصه وجعل لهن العفو بقوله: ﴿إَلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ كان معلومًا بقوله ﴿إَلَّّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أن المعنيات منهن بالآيتين اللتين ذكرهن فيهما جميعهن دون بعضهن إذ كان معلومًا أن عفوَ مَنْ تولى عليه ماله منهن باطل وإذا كان ذلك كذلك فبين أن التأويل في قوله: أو يعفو الذي بيده عقد نكاحهن، يوجب أن يكون لأولياء الثيبات الرشد البوالغ من العفو عما وجب لهن من الصداق بالطلاق قبل المس مثل الذي لأولياء الأطفال الصغار والمولى عليهن أموالهن لسفه وفي إنكار القائلين أنّ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ الولي عفو أولياء الثيبات الرشد البوالغ على ما وصفناه وتفريقهم بين أحكامهم وأحكام أولياء الأخر ما أبان عن فساد تأويلهم الذي تأولوه في ذلك، ويسأل القائلون بقولهم في ذلك الفرق بين ذلك من أصل أو نظير فلن يقولوا في شيء من ذلك قولًا إلا ألزموا خلاف مثله.
وقال الرازي في [مفاتيح الغيب: المجلد ٣، ٦/١٥٣، ١٥٥] :
أما قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ففيه مسألتان:
(المسألة الأولى) : في الآية قولان:
الأول: هو الزوج وهو قول علي ابن أبي طالب ﵇ وسعيد بن المسيب وكثير من الصحابة والتابعين وهو قول أبي حنيفة.
والقول الثاني: أنه الولي وهو قول الحسن ومجاهد وعلقمة، وهو قول أصحاب الشافعي.
حجة القول الأول وجوه:
الأول: أنه ليس للولي أن يهب مهر موليته صغيرة كانت أو كبيرة، فلا يمكن حمل هذه الآية على الولي.
والثاني: أن الذي بيد الولي هو عقد النكاح فإذا عقد حصلت العقدة لأن بناء الفعلة يدل على المفعول كالأكلة واللقمة، وأما المصدر فالعقد كالأكل واللقم. ثم من المعلوم أن العقدة الحاصلة بعد العقد في يد الزوج لا في يد الولي.
стр. 8660
والثالث: أن في قوله تعالى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ، معناه الذي بيده عقدة نكاح ثابت له لا لغيره كما أن قوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [سورة النازعات: الآيتان ٤٠-٤١] ، أي نهى النفس عن الهوى الثابت له لا لغيره كانت الجنة ثابتة له فتكون مأواه.
والرابع: ما روي عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل صداقها وقال: أنا أحق بالعفو وهذا يدل على أن الصحابة فهموا من الآية العفو الصادر من الزوج.
حجة من قال: المراد هو الولي، وجوه:
الأول: أن الصادر من الزوج هو أن يعطيها كلّ المهر وذلك يكون هبة والهبة لا تسمى عفوًا.
أجاب الأولون عن هذا من وجوه: (أحدهما) ، أنه كان الغالب عندهم أن يسوق المهر إليها عند التزوج فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها. و (ثانيها) ، سمّاه عفوًا على طريق المشاكلة. و (ثالثها) ، أن العفو يراد به التسهيل، يقال: فلان وجد المال عفوًا صفوًا وقد بيَّنَّا وجه هذا القول في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٧٨] . وعلى هذا عفو الرجل أن يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة.
أجاب القائلون بأن المراد هو الولي عن السؤال الأول بأن صدور العفو عن الزوج على ذلك الوجه لا يحصل إلا على بعض التقديرات، والله تعالى ندب إلى العفو مطلقًا وحمل المطلق على المقيد خلاف الأصل، وأجابوا عن السؤال الثاني أنّ العفو الصادر عن المرأة هو الإبراء وهذا عفو في الحقيقة، أما الصادر عن الرجل محض الهبة فكيف يسمّى عفوًا؟ وأجابوا عن السؤال الثالث بأنه لو كان العفو هو التسهيل، لكان كل من سهل على إنسان شيئًا يقال: إنه عفا عنه، ومعلوم أن هذا ليس كذلك.
الحجة الثانية للقائلين بأن المراد هو الولي، هو أن ذكر الزوج قد تقدم لقوله : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ، فلو كان المراد بقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ هو الزوج، لقال أو تعفو على سبيل المخاطبة، فلما لم يفعل ذلك بل عبر عنه بلفظ المغايبة، علمنا أن المراد منه غير الزوج.
وأجاب الأولون بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة التنبيه على المعنى الذي من أجله يرغب الزوج في العفو، والمعنى إلا أن يعفوا أو يعفو الزوج الذي حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج، ثم لم يكن منها سبب في الفراق وإنما فارقها الزوج فلا جرم كان حقيقيًّا بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها صداقتها.
الحجة الثالثة: للقائلين بأنه هو الولي، هو أن الزوج ليس بيده البتة عقدة النكاح، وذلك لأن قبل النكاح كان الزوج أجنبيًّا عن المرأة ولا قدرة له على التصرف فيها بوجه من الوجوه، ولا يكون له قدرة على إنكاحها البتة. وأما بعد النكاح فقد حصل النكاح، ولا قدرة على إيجاد الموجود له بل (لا قدرة على إزالة النكاح) – كذا ولا تستقيم العبارة وتحريرها: بل القدرة على إزالة النكاح- والله تعالى أثبت العفو لمن في يده وفي قدرته عقدة النكاح، فلما ثبت أن الزوج ليس له يد ولا قدرة على عقد النكاح، ثبت أنه ليس المراد هو الزوج، أما الولي فله قدرة على إنكاحها، فكان المراد من الآية هو الوليّ لا الزوج.
стр. 8661
قلت: لم يدفع الرازي هذه الحجة العجيبة مع أن مدفعها واضح جليّ فالقول بأن الزوج لا قدرة له على التصرف قبل النكاح تحصيل للحاصل، فقبل النكاح لا وجود لعقدة النكاح وإنما يتصرف في الشيء أو يقدر على التصرف فيه بعد وجوده، وما من أحد يجادل في أن التصرف في العقدة بعد وجودها بيد الزوج وثبوت العفو يترتب على ثبوت التصرف، في حين أن الولي كما أوضحنا أكثر من مرة لا يملك العقد ولا العقدة، وغاية صلاحياته أن يتولى أصالةً أو بالنيابة إبرام العقد ثم تنتهي صلاحيته، فإذا حصل الطلاق مثلا لم ينله منه شيء إيجابًا ولا سلبًا فكيف يقال أن بيده عقدة النكاح لمجرد اختصاصه بصلاحية محدودة مؤقتة؟
ثم قال الرازي:
ثم إن القائلين بهذا القول أجابوا عن دلائل من قال: المراد هو الزوج.
أما الحجة الأولى، فإن الفعل قد يضاف إلى الفاعل تارة عند المباشرة وأخرى عند السبب يقال: بني الأمير دارًا وضرب دينارًا، وظاهر أن النساء إنما يرجعن في مهماتهن وفي معرفة مصالحهن إلى أقوال الأولياء، والظاهر أنّ كل ما يتعلق بأمر التزويج فإن المرأة لا تخوض فيه بل تفوضه بالكلية إلى رأي الولي، وعلى هذا التقدير يكون حصول العفو باختيار الولي وسعيه، فلهذا السبب أضيف العفو إلى الأولياء.
قلت: لو سلمنا المقدمة الأولى من هذه الحجة وهي تفويض المرأة مهماتها لا سيما ما يتعلق بالزواج لوليها وهذا ما لم يعد واقعًا الآن، والتشريع الإسلامي لكل زمان ومكان، فإننا لا نسلم المقدمة الثانية، وهي أن حصول العفو يكون باختيار الولي وسعيه، ذلك بأن تسليم أمر الزواج لا يعنى تسليم أمر الطلاق، وما يحدثه الطلاق من انفعالات لا يحدثه في الولي ولكن في المرأة، وهي في هذه الحال إنما تتصرف طبقًا لتلك الانفعالات فكيف تسلم أمرها للولي، ثم إن تسليم ما يتصل بالزواج لو حدث لا يعني بالضرورة تسليم ما يترتب عنه، ولو كان ذلك كذلك، لكان على المرأة حين تختلف مع زوجها أن لا تصير على صلح وتراض معه دون استشارة وليها، بل كان عليها أن تستشير الولي كلما وقع بينها وبين زوجها خصام وهذا ما لم يقل به أحد، بل إن تحكيم الحكمين من أهله ومن أهلها هو المصير الأخير الذي شرعه حين يتعذر أن يصلا بمفردهما إلى الاتفاق وهو مصير أريد به محاولة تجنب الطلاق، وبهذا سقطت هذه الحجة.
ثم قال الرازي:
وأما الحجة الثانية: وهي قولهم: (الذي بيد الولي عقد النكاح لا عقدة النكاح) ، قلنا: - وهنا أقحم الرازي نفسه وهو شافعي- العقدة يراد بها العقد، قال تعالى: (ولا تعزموا عقدة النكاح) ، وإذا سلمنا أن العقدة هي المعقودة، لكن تلك المعقودة إنما حصلت وتكونت بواسطة العقد، وكان عقد النكاح في يد الولي ابتداء فكانت عقدة النكاح في يد الولي أيضًا بواسطة كونها من نتائج العقد وآثاره.
قلت: ونحن نسلم لكم بل ونحن معكم أن العقدة قد يراد بها العقد وقد يراد بها نتيجة العقد، لكنا لا نسلم لكم أن عقد النكاح بيد الولي لسببين:
الأول: هو أن الولي لو قبل النكاح ورفضته المرأة لم يتم العقد حتى وإن كانت بكرًا راشدة، أما إن كانت غير راشدة ففي فسخه عند بلوغها مقال. ونحن نميل إلى فسخه.
стр. 8662
وأما الثاني: فإن صلاحية الولي ليست إبرام العقد لأن إبرام العقد ينبني على موافقة المرأة، إنما صلاحيته التعبير عن موافقتها وتأكيده بدليل قوله ﷺ : ((الثيب تعرب عن نفسها والبكر تستأذن وإذنها صماتها)) ، وهذا يعني أنها إذا نطقت بالرفض لم يصح العقد وما من أحد قال بهذا فيما نعلم.
ثم قال الرازي:
وأما الحجة الثالثة: وهو قوله: إن المراد من الآية ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ لنفسه، فجوابه أن هذا التقليد لا يقتضيه اللفظ لأنه إذا قيل فلان في يده الأمر والنهي والرفع والخفض لا يراد به أن الذي في يده أمر نفسه ونهى نفسه، بل المراد أن في يده أمر غيره ونهى غيره، فكذا هاهنا.
قلت: ونحن مع أننا لا نقيم وزنًا لهذه الحجة ولا نعتمدها ندفع رد خصومها بأن النكاح إنما وقع بين الطرفين لأحدهما حق التصرف في مصيره بالإبقاء عليه وفسخه وهو الزوج، والإبقاء والفسخ من طرفه داخل في أمر نفسه لأن المطلقة ليست مستأمرة في تطليقها، وعلى هذا الاعتبار يندفع ردهم لهذه الحجة.
ثم قال:
المسألة الثانية: للشافعي أن يتمسك في هذه الآية في بيان أنه لا يجوز النكاح إلا بولي وذلك لأن جمهور المفسرين أجمعوا على أنّ المراد من قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ، إما الزوج وإما الولي، وبطل حمله على الزوج لما بيَّنَّا أنَّ الزوج لا قدرة له البتة على قدرة النكاح، فوجب حمله على الولي.
إذا ثبت هذا القول قوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ هذا يفيد الحصر بأنَّ بيده الأمر والنهي معناه أنه بيده لا بيد غيره، قال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة الكافرون: الآية الأخيرة] ، أي: لا غيركم، فهكذا ها هنا بيد الولي عقدة النكاح لا بيد غيره، وإذا كان كذلك فوجب أن يكون بيد المرأة عقدة النكاح فذلك هو المطلوب والله أعلم.
قلت: نسلم لكم دلالة الحصر في قوله تعالى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ، ونعجب لتناقضكم مع أنفسكم، فإذا كانت عقدة النكاح بيد الولي فكيف تقولون أنها بيد المرأة؟! وإذا كانت بيد المرأة فكيف تقولون أنها بيد الولي؟ ولماذا جاء التعبير: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وليس التي بيدها عقدة النكاح، ثم لو كانت عقدة النكاح بيد الولي فلماذا لا يستطيع فسخها ولا يملك إبقاءها إذا فسخها الزوج، وكيف يتصور أن من بيده الأمر لا يستطيع له إبقاء أو إزالة، وإذن فكيف يكون بيده؟!
стр. 8663
قال القرطبي في [الجامع لأحكام القرآن: ٣/٢٠٦، ٢٠٨] :
وروي الدارقطني مرفوعًا من حديث قتيبة بن سعيد: حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال: رسول الله ﷺ : ((وليّ عقدة النكاح الزوج)) . وأسند هذا عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح قال: وكذلك قال نافع بن جبير ومحمد بن كعب وطاووس ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير زاد غيره: ومجاهد والثوري واختاره أبو حنيفة وهو الصحيح من قول الشافعي، كلهم لا يرى سبيلًا للوليّ على شيء من صداقها للإجماع على أن الوليّ لو أبرأ الزوج من المهر قبل الطلاق لم يجز فكذلك بعده، وأجمعوا على أنّ الوليّ لا يملك أن يهب شيئا من مالها، والمهر مالها، وأجمعوا على أنّ من الأولياء من لا يجوز عفوهم وهم: بنوا العم وبنوا الإخوة وكذلك الأب والله أعلم.
ومنهم من قال: هو الوليّ، أسنده الدارقطني أيضًا عن ابن عباس قال: وهو قول إبراهيم وعلقمة والحسن، وزاد غيره: وعكرمة وطاووس وعطاء وأبي الزناد وزيد بن أسلم وربيعة ومحمد بن كعب وابن شهاب والأسود بن يزيد والشعبي وقتادة ومالك والشافعي في القديم، فيجوز للأب العفو عن نصف صداق ابنته البكر إذا طلقت بلغت المحيض أو لم تبلغه. قال عيسى بن دينار: ولا ترجع بشيء منه إلى أبيها.
والدليل على أن المراد الولي أن الله قال في أول الآية: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ، فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فذكر النسوان: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فهو ثالث، فلا يرد إلى الزوج المتقدم إلا لو لم يكن لغيره وجود، وقد وجد وهو الوليّ فهو المراد.
ثم قال: وأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ ، ومعلوم أنه ليس كل امرأة تعفو، فإن الصغيرة والمحجور عليها لا عفو لها، فعين الله القسمين فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ ، أي: كن لذلك أهلا ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ، وهو الوليّ لأن الأمر فيه إليه، وكذا روى ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم عن مالك أنه الأب في ابنته البكر والسيد في أمته. وإنما يجوز عفو الولي إذا كان من أهل السداد ولا يجوز عفوه إذا كان سفيهًا.
стр. 8664
فإن قيل: لا نسلم أنه الولي بل هو الزوج، وهذا الاسم أولى به لأنه أملك للعقد من الولي على ما تقدم فالجواب: أنا لا نسلم أن الزوج أملك للعقد من الأب في ابنته البكر، بل الأب يملكه خاصة دون الزوج لأن المعقود عليه هو بضع البكر ولا يملك الزوج أن يعقد على ذلك بل الأب يملكه. وقد أجاز شريح عفو الأخ عن نصف المهر، وكذلك قال عكرمة: وكذلك الذي عَقَدَ عَقْدَ النكاح بينهما كان عمًّا أو أخًا وإن كرهت.
قلت: رحم الله مالكًا ومن قال بقوله فكأنهم غفلوا عن الآية السابقة لهذه الآية والمتصلة بها لا تفصل بينهما آية أو حكم وهي قوله : ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ ، ذلك بأن الذي نُهي عن عزم عقدة النكاح هو الرجل وليس المرأة بدليل أن المنهي عنه هو الرجل، بدليل أن المرأة المتوفى عنها زوجها ليست هي التي تعرض للرجل بالرغبة في الزواج منه في الأعم الغالب، وإنما الرجل هو الذي يعرض للمرأة وقد يتعجل ذلك وما تزال في عدتها، فأبيح له التعريض كما أبيح له الإكنان، وحرم عليه عزم العقدة لأن المرأة في عدتها ما تزال على حال تشبه بقية من عصمة الزوجية بينه وبينها- وإن احتفظ مودة لها بالرغبة في أن تكون زوجًا له في الآخرة- بقية أثر على تصرفاته في الدنيا، فله أن يتزوج إن شاء يوم وفاة زوجه من الناحية الشرعية وإن كان عملا غير لائق في الاعتبار الخُلُقي الصِّرف.
وبما أن الزوج هو الذي يعرض أو يكن فهو المقصود قطعًا بالنهي عن عزم عقدة النكاح وهو – بالتالي- الموصوف بإنه يملك عقدة النكاح فهو ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وهو المأذون له بالعفو عن بعض الصداق نصفًا أو أقل. في الآية موضوع النقاش، إذ الذي يملك العزم هو الذي يملك العقدة.
стр. 8665
أما دعوى الحاجة إلى ثالث فهي دعوى لا تنهض على حجة لأنّ هذا الثالث لا يملك شيئًا وغاية دوره أنه يتصرف نيابة عمَّن يملكها للزوج بعقدة النكاح، وعقدة النكاح لا ينحصر أثرها على البضع كما قال القرطبي، فلو كان منحصرًا على البضع لكان أيضًا من جانب الزوج منحصرًا على بضعه، والعلاقة بين الزوجين ليست منحصرة المجال في فرجيهما وإنّما مجالها يشمل جوانب شتى من حياتهما. وآية ذلك ما يترتب منها على الزوج من القوامة التي تعني الإنفاق والإسكان وما إلى ذلك من كفايات ضرورة الحياة، ومنها الحماية من العدوان وما يترتب منها على الزوجة من صيانة شرف الزوج وغيبته ورعاية ماله وبيته والامتناع عن مخالطة غيره ممّن ليسوا من أولي أرحامها وما إلى ذلك من ألوان التصون والتعفف، فوضح من هذا أن الولي –أيًّا كان- وهو الثالث الذي يقحمه البعض ويجعلون بيده عقدة النكاح ليس بأكثر من نائب عن الزوج القاصرة أو المحجور عليها في التصرف في نطاق محدود، وهذه النيابة لا تجعل شيئًا بيده نتيجة لها، فدوره بها ينتهي عند تمام إجراء ذلك التصرف المحدود وآية ذلك، أنه لا يملك تطليقها كما أن الزوجة نفسها لا تملك تطليق نفسها إلا في حالات قليلة كأن يجعل زوجها أمرها بيدها وهي حالات استثنائية لا تنبني عليها قاعدة عامة تصلح أساسًا لحكم دائم، والذي يملك الطلاق هو الذي يملك عقدة النكاح، لأن ملكيته لفسخها دليل حاسم على ملكيته أيضًا لإبرامها.
ولست أدري كيف غفل مالك –﵀ وغيره ممن سبقه من بعض التابعين عن هذين الملحظين على وضوحهما، فذهبوا إلى القول بالطرف الثالث، فتأمل.
وحاول محمد الطاهر بن عاشور في [التحرير والتنوير: ٢/٤٦٣، ٤٦٤] على أن يدافع عما ذهب إليه من أن ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ هو الولي – فقال:
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ، استثناء من عموم الأحوال أي إلا في حالة عفوهن أي النساء بأن يسقطن هذا النصف، وتسمية هذا الإسقاط عفوًا ظاهرة لأن نصف المهر حق وجب على المطلق للمطلقة قبل البناء بما استخف بها أو بما أوحشها، فهو حق وجب لغرم ضُر فإسقاطه عفو لا محالة أو عند عفو ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ و (أل) في النكاح للجنس وهو المتبادر في عقد نكاح المرأة لا في قبول الزوج وإن كان كلاهما مسمى عقدًا.
قلت: سبحان الله كيف يكون متبادرًا في تصرف أحد الطرفين دون الآخر، والعقد إنما يكون بين طرفين وكيف يكون عقد النكاح كاملا من جانب الزوجة وحدها دون اعتبار إبرامه من الرجل مع أن الرجل هو الذي يملك الطلاق فهو تلقائيًّا الذي يملك العقد؟!
стр. 8666
ثم قال:
فهو غير النساء لا محالة لقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فهو ذكر، وهو غير المطلق أيضًا لأنه لو كان المطلق لقال: أو تعفو بالخطاب، لأن قبله ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولا داعي إلى خلاف يقتضي الظاهر. قلت: لو أعيد الخطاب إلى المراد بقوله ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ دون تعليل لإعادته إليه لقيل: أو تعفون إذ لا داعي لحذف نون الجمع، لكن التعليل هو الذي اقتضى العدول عن الإضمار إلى الإظهار، وحكمة التعليل هو تأكيد الندب فـ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ هو الذي فسخها بالطلاق فوجب عليه نصف الصداق وندب بتأكيد له العفو، أي: التخلي عن النصف الآخر على اعتبار أنّ الأصل في عقد النكاح أداء المهر كاملا عند إبرامه وتأجيل بعضه ليس أصلا، وبناء على هذا الاعتبار كان تخلّي الزوج عن النصف الذي على المطلّقة أن تعيده إليه إذا وقع الطلاق قبل المساس عفوًا بالحقيقة لا بالمجاز.
ثم قال:
وقيل: جيء بالموصول تحريضًا على عفو المطلق لأنه كان بيده عقدة النكاح فأفاتها بالطلاق فكان جديرًا أن يعفو عن إمساك النصف ويترك لها جميع صداقها، وهو مردود بأنه لو أريد هذا المعنى لقال: أو يعفو الذي كان بيده عقدة النكاح.
قلت: لا يتّسق هذا القول مع قوله قبله [نفس المرجع: ص٤٦١] :
(فالطلاق فسخ لعقدة النكاح بمنزلة الإقالة في البيع، إلا أنه فسخ لم يشترط فيه رضا كلا المتعاقدين بل اكتفى برضا واحد وهو الزوج تسهيلا للفراق عند الاضطرار إليه، ومقتضى هذا الحكم أن يكون الطلاق قبل البناء بالمرأة ممنوعًا إذا لم تقع تجربة الأخلاق، لكن لما كان الداعي إلى الطلاق قبل البناء لا يكون إلا لسبب عظيم لأن أفعال العقلاء تصان عن العبث، كيف يعمد راغب في امرأة باذل لها ماله ونفسه إلى طلاقها قبل التعرف بها لولا أن قد علم من شأنها ما أزال رجاءه في معاشرتها فكان التخلص وقتئذ قبل التعارف أسهل منه بعد التعارف) .
وهذا القول منه ينبني على أنَّ الذي أوقع الطلاق هو الذي يملكه والذي يملك فسخ العقد هو الذي يملك العقد أي هو الذي بيده العقد وهو حالة فسخه العقد كان بيده، وبما أن الفسخ من عمله، اعتبر في الآية عندما ندب إلى التَّخلِّي عن حقه في نصف الصداق كما لو لم يكن قد فسخ العقد، لأنّ ابتداء وقت الندب كان عند ملكيته للعقد الذي فسخه، فأريد بهذا التعبير البليغ أن يقال للزوج ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ، عليك أن تعزم على العفو حال عزومك على الفسخ بحيث يكون العفو مقترنًا بالفسخ ويكون العزم عليهما واحدًا وذلك لا يتأتى إلا قبل وقوع الفسخ أي حال العزم عليه.
وهذا ملحظ دقيق لا ندري كيف غاب عن ذهن أستاذنا الجليل وهو أحد أئمة البيان العربي ومن صدورهم.
стр. 8667
ثم قال:
فتبين أن يكون أريد به ولي المرأة لأن بيده عقدة نكاحها، إذ لا ينعقد نكاحها إلا به، فإن كان المراد به الولي المجبر وهو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته فكونه ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ظاهر إلا أنه جعل ذلك من صفته باعتبار ما كان إذا لا يحتمل غير ذلك.
قلت: ولا يحتمل هذا أيضًا لأنّ عقدة النكاح ليست بيده إنما الذي كان بيده قبل إبرامها هو إتمام إبرامها إمَّا أصالة في حال غير البالغة والمحجور عليها، أو نيابة وتأكيدًا للموافقة في حال غيرهما، وآية ذلك أنه لا يملك نقض ما أتمّ إبرامه أي فسخ النكاح لأن عقدته لا يملكها ولا تلك التي أبرم أصالة أو نيابة عنها والذي يملك الفسخ هو الذي يملك العقدة.
ثم قال:
وإن كان المراد مطلق الوليّ فكونه بيده عقدة النكاح من حيث توقف عقد المرأة على حضوره، وكان شأنهم أن يخطبوا الأولياء في ولاياهم، فالعفو في الموضعين حقيقة والإتصاف بالصلة مجاز. وهذا قول مالك إذ جعل في الموطأ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ، هو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته، وهو قول الشافعي في القديم فتكون الآية ذكرت عفو الرشيدة والمولَّى عليها، ونسب ما يقرب من هذا إلى جماعة من السلف منهم ابن عباس وعلقمة والحسن وقتادة.
قلت: وروي رجوع بعض هؤلاء عن هذا، ثم أننا لو جعلنا الولي هو ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ لكان علينا أن نتساءل ألا يكون تصرفه بمثابة (الاقتداء) ، إذ إنَّ فيه معنى إرادة التخلص من هذا الزوج غير المرغوب فيه والذي وقع إنكاحه عن خطأ وسوء تقدير. ثم ماذا في التي زوجها قاضي المسلمين لامتناع وليِّها عن تزويجها من كفء رغبت فيه عضلا لها أو لسبب آخر من الأسباب، هل يكون له هو أيضًا أن يعفو عن نصف الصداق؟ وكيف يكون له ذلك إذا رفضت المطلقة عفوه؟ وكيف يكون لغيره من الأولياء إذا عفى ورفضت المطلقة الرشيدة المالكة أمرها عفوه؟ وما من أحد يقول بجواز التصرف في أموال الرشيدة لوليٍّ أيًّا كانت درجته بغير إذنها.
ثم قال:
وقيل: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ هو المطلق لأن بيده عقدُ نفسه وهو القبول.
قلت: الذي بيده هو الرغبة، أما القبول فهو بيد الزوج المخطوبة، والعقد ينبرم طبقًا لرغبته بقبولها وموافقة وليّها لا سيما إن كانت بكرًا أو غير مالكة أمرها.
стр. 8668
ثم قال:
ونسب هذا إلى علي وشريح وطاووس ومجاهد وهو قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد، ومعنى ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ أن بيده التصرف فيها بالإبقاء والفسخ في الطلاق، ومعنى عفوه تكميله الصداق أي إعطاؤه كاملًا.
قلت: بل إبقاءه كاملًا لأنّ المفروض – كما ألمعنا آنفًا- أن يتم تسديد الصداق كاملًا عند العقد وتأجيل بعضه استثناء مرخص به.
ثم قال:
وهذا قول بعيد من وجهين، أحدهما أن فعل المطلق حينئذ لا يسمى عفوًا بل تكميلًا وسماحة لأن معناه أن يدفع الصداق كاملًا، قال في (الكشاف) : وتسمية الزيادة على الحق عفوًا فيه نظر إلا أن يقال: كان الغالب عليهم أن يسوق إليها المهر عند التزوج فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف الصداق، فإذا ترك فقد عفا أو سماه عفوًا على طريق المشاكلة.
قلت: وذلك الغالب في الأصل شرعًا فالتسمية حقيقة لا مشاكلة.
ثم قال:
الثاني: إن دفع المطلق المهر كاملًا للمطلقة إحسان لا يحتاج إلى تشريع مخصوص بخلاف عفو المرأة أو وليها، فقد يظن أحد أن المهر لما كان ركنًا من العقد لا يصح إسقاط شيء منه.
قلت: التشريع لا يعني الإيجاب وإنما يعني الندب وغيره أيضًا ويصرف إلى أحد معانيه بالقرينة والإحسان مما ندب إليه الشرع، وعفو ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ إحسان إلى المطلقة وجبر لخاطرها، ولو لم يشرع الإحسان لما كان الإحسان.
ثم قال:
وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ تذييل أي العفو من حيث هو، ولذلك حذف المفعول والخطاب لجميع الأمة، وجيء بجمع المذكر للتغليب وليس خطابًا للمطلقين إلا لما شمل عفو النساء مع أنه كان مرغوبًا فيه.
стр. 8669
قلت: سبحان الله كيف يستقيم هذا التعليل مع قوله: وجيء بجمع المذكر للتغليب فيما معنى التغليب إذا لم يكن شاملًا عفو النساء، أقول هذا من حيث الشكل، أما من حيث الموضوع فلا أوافقه على هذا المعنى وإنما أميل إلى المعنى الذي يسوقه إذ يقول:
ومن الناس من استظهر بهذه الآية على أنّ المراد بـ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ المطلق، لأنه عبر عنه بعد، لقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ وهو ظاهر في الذكر، وقد غفل عن موقع التذييل في آخر القرآن كقوله: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [سورة النساء: الآية١٢٨] .
قلت: بل لم يغفل من ذهب إلى هذا التأويل عن النسق القرآني من تذييل آية كالآية التي استشهد بها لأنّ وصف العفو بأنه أقرب للتقوى من صميم هذا النسق باعتباره تأكيدًا للندب تعليلًا له وتبيانًا لمناطه، فأين الغفلة في هذا؟ رحم الله أستاذنا ولكل جواد كبوة.
وقد أحسن أبو حيان، أجاد إذ قال في [البحر المحيط: ٢/٢٣٦] بعد أن عرض بإيجاز ما سبق أن نقلناه عن غيره من أقوال المتأولين وبين ترجيحه أن ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ هو الزوج: ولو فرضنا أن قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ من المتشابه لوجب رده إلى المحكم. قال الله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [سورة النساء: الآية٤] . وقال تعالى: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [نفس السورة: الآية٢٠] . وقال ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ الآية [سورة البقرة: الآية ٢٢٩] . فهذه الآية محكمة – كذا في النسخة المطبوعة ولعل الصواب: فهذه الآيات -تدل على أن الولي لا دخول له في شيء من أخذ مال الزوجة، ورجّح أيضًا أنه الزوج، أن عقدة النكاح كانت بيد الولي فصارت بيد الزوج، وأن العفو إنما يطلق على ملك الإنسان وعفو الولي عفو عما لا يملك وبأن قوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ يدل على أن الفضل في هبة الإنسان مال نفسه لا مال غيره.
***
стр. 8670
وفي تفسير الآية الأولى من سورة المائدة قال ابن جرير في [جامع البيان: المجلد ٤، ٦/٣٢، ٣٣] ، وساق بعض تعريف اللغويين لكلمة (عقد) مما سبق نقله عنهم في الفصل الأول:
وذلك إذا وافقه على أمر وعاهده عليه عهدًا بالوفاء له بما عاقده من أمان وذمة أو نصرة أو نكاح أو بيع أو شركة أو غير ذلك من العقود.
ذكر من قال المعنى الذي ذكرناه عمن قاله في المراد من قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، أي: بعقد الجاهلية. ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: ((أوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقدًا في الإسلام)) . وذكر لنا أن فرات بن حيان العجلي سأل رسول الله ﷺ عن حلف الجاهلية، فقال نبي الله ﷺ : ((لعلك تسأل عن حلف لخم وتيم الله؟ قال: نعم يا نبي الله، قال: لا يزيده الإسلام إلا شدَّة)) (١)
حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن قتادة ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: عقود الجاهلية الحلف.
ثم قال:
وقال آخرون: بل هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم ويعقدها المرء على نفسه ذكر من قال ذلك.
حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثني أبي عن موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال: العقود خمس: عقدة الأيمان، عقدة النكاح، عقدة العهد، عقدة البيع، وعقدة الحلف.
حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا وكيع عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي وعن أخيه عبد الله بن عبيدة نحوه.
حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: اخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: عقد العهد وعقد اليمين وعقد الحلف وعقد الشركة وعقد النكاح. قال: هذه العقود خمس.
حدثني المثنى قال: حدثنا عتبة بن سعيد الحمصي قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: حدثنا أبي في قول الله جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، قال: العقود خمس: عقدة النكاح وعقد الشركة وعقد اليمين وعقد العهد وعقد الحلف.
стр. 8671
وقال أبو حيان في [البحر المحيط: ٣/٤١١] عند تفسيره هذه الآية:
والظاهر عموم المؤمنين في الملخص والمظهر، وعموم العقود في كل ربط يوافق الشرع سواء كان إسلاميًّا أو جاهليًّا. ثم ساق حديث فرات العجلي ثم قال: وقال رسول الله ﷺ ((في حلف الفضول وكان شهده في دار عبد الله بن جدعان: ما أحب أن لي به حمر النعم ولو نودي به في الإسلام لأجبت. وساق موجزًا لحلف الفضول)) .
ثم قال:
وكان الوليد بن عقبة أميرًا على المدينة فتحامل على الحسين بن علي في مال فقال: لتنصفني من حقي وإلا أخذت بسيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله ﷺ ثم لأدعون بحلف الفضول. فقال عبد الله بن الزبير: لئن دعاني لآخذن بسيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من خصمه أو نموت جميعًا، وبلغت المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله التميمي فقالا مثل ذلك وبلغ ذلك الوليد فأنصفه. ويندرج في هذا العموم كل عقد مع إنسان كأمان ودية ونكاح وبيع وشركة وهبة ورهن وعتق وتدبير وتخيير وتمليك ومصالحة ومزارعة وطلاق وشراء وإجارة وما عاقده مع نفسه لله تعالى طاعة بحج وصوم واعتكاف وقيام ونذر وشبه ذلك.
ثم ساق مجمل ما ذكره الطبري عن محمد بن كعب القرظي وابن زيد وغيرهما في تفسير معنى العقد.
وقال محمد رشيد رضا في [تفسير المنار: ٦/١٢٠، ١٢٤] بعد أن ساق مجمل تأويلات المفسرين لهذه الآية.
وقد تجدد لأهل هذا العصر أنواع من المعاملات تبعها أنواع من العقود يذكرونها في كتب القوانين المستحدثة، منها ما يجيزه فقهاء المذاهب الإسلامية المدونة ومنها ما لا يجيزونه لمخالفته شروطهم التي يشترطونها كاشتراط بعضهم الإيجاب والقبول قولا حتى لو كتب اثنان عقدًا بينهما على شيء قولًا أو كتابة (نحو تعاقد فلان وفلان على أن يقوم الأول بكذا والثاني بكذا) من غير ذكر إيجاب أو قبول بالقول وأمضيا ما كتباه (بتوقيعه أو ختمه) ، كذا في النسخة المطبوعة وصوابه عندنا: بتوقيعهما وختمهما –لا يعدونه عقدًا صحيحًا نافذًا، وقد يصيغونه بصيغة الدين فيجعلون التزام المتعاقدين لمباح وإيفاءهما به محرمًا ومعصية لله تعالى لعدم صحة العقد، ويشترطون في بعض العقد شروطًا منها ما يستند على حديث صحيح أو غير صحيح، صريح الدلالة أو خفيّها ومنها ما لا يستند إلا على اجتهاد مشترطه ورأيه، ويجيزون بعض الشروط التي يتعاقد عليها الناس ويمنعون بعضها حتى بالرأي.
стр. 8672
وأساس العقود الثابت في الإسلام هو هذه الجملة البليغة المختصرة المفيدة ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، وهي تفيد أنه يجب على كل مؤمن أن يفي بما عقده وارتبط به، وليس لأحد أن يقيد ما أطلقه الشارع إلا ببينة منه، التراضي من المتعاقدين شرط في صحة العقد لقوله تعالى: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٩] ، وأما الإيجاب والبول فلا نص فيه وإنما عبارة عن العقد نفسه إذ الغالب فيه أن يكون بالصيغة اللفظية قولًا أو كتابة، والإشارة تقوم مقام العبارة عند الحاجة كإشارة الأخرس، والفعل أبلغ من القول في حصول المقصد من العقد كبيع المعاطاة الذي منعه بعضهم تعبدًا بصيغة الإيجاب والقبول اللفظية، ومثل بيع المعاطاة إعطاء الثوب للغسال أو الصباغ أو الكواء، فمتى أخذه منك كان ذلك عقد إجارة بينكما بأجرة المثل، ومن هذا القبيل إعطاء المال لمن بيده تذاكر السفر في سكك الحديد أو البواخر وأخذ التذكرة منه، ومثله دخول الحمام وركوب سفن الملاحين ومركبات الحوذية والذين يأخذون الأجرة بعد إيصال الراكب إلى المكان الذي يقصده.
فكل قول أو فعل يعدُّه الناس عقدًا فهو عقد يجب أن يوفوا به كما أمر الله تعالى ما لم يتضمن تحريم حلال أو تحليل حرام مما ثبت في الشرع كالعقد بالإكراه، أو على إحراق دار أحد، أو قطع شجر بستانه، أو على الفاحشة، أو أكل شيء من أموال الناس بالباطل كالربا والميسر (القمار) والرشوة، فهذه الثلاثة منصوصة في الكتاب والسنة. ونهى النبي ﷺ عن بيع الغرر كما في صحيح مسلم وغيره لأنه من قبيل الميسر في كونه مجهول العاقبة وهو من الغش المحرم أيضًا. وقد توسع بعض الفقهاء في تفسير الألفاظ القليلة التي وردت في الكتاب والسنة فأدخلوا في معنى الربا والغرر ما لا تطيقه النصوص من التشديد ودعموا تشديداتهم بروايات لا تصحُّ وأشدُّهم تضييقًا في العقود الشافعية والحنفية وأكثرهم تسامحًا وسَعة المالكية والحنابلة.
ومن الأصول التي بنوا عليها معظم تشديداتهم في ذلك ذهاب بعضهم إلى أن الأصل في العقود والشروط الحظر، فلا يصح منها إلا ما دل الشرع على صحته، وأن كل ما يخالف مقتضى العقد باطل وعدُّوا من هذا ما يمكن أن يقول أنه ليس منه.
стр. 8673
وإطلاق الوفاء بالعقود يدل على أنّ الأصل فيها الإباحة وكذلك الشروط ولا سيما العقود والشروط في أمور الدنيا، والحظر لا يثبت إلا بدليل، ويؤيد إطلاق الآية حديث: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا والمسلمون على شروطهم)) تعليق: أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وابن حيان والبيهقي عن أبي هريرة.
قال أحمد في [مسنده: ٢/٣٦٦] : حدثنا الخزاعي قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((الصلح جائز بين المسلمين)) .
وقال أبو داود في سننه [: ٣/٣٠٤، ح ٣٥٩٤] :
حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال.
وحدثنا أحمد بن عبد الواحد الدمشقي، حدثنا مراون –يعني ابن محمد- حدثنا سليمان بن بلال أو عبد العزيز بن محمد – شك الشيخ-، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الصلح جائز بين المسلمين)) . زاد أحمد: إلا صلحًا أحلّ حرامًا حلالاّ، وزاد سليمان بن زيد: وقال رسول الله ﷺ ((المسلمون على شروطهم)) .
стр. 8674
وقال الحاكم في [المستدرك: ٢/٤٩، ٥٠] :
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة – ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((المسلمون على شروطهم والصلح جائز بين المسلمين)) .
وتعقبه بقوله: رواة هذا الحديث مدنيون ولم يخرجاه وهذا أصل في الكتاب، وقال الذهبي في (التلخيص) : لم يصححه. وكثير ضعفه النسائي ومشاه غيره.
ثم قال الحاكم: وله شاهد من حديث عائشة وأنس بن مالك- ﵄. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة، حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن الجزري، عن خصيف، عن عروة، عن عائشة – ﵄ عن رسول الله صلى لله عليه وآله وسلم قال: ((المسلمون عند شروطهم)) –﵄ عن رسول الله ﵌ قال: ((المسلمون عند شروطهم ما وافقت الحق)) .
قال خصيف: وحدثني عطاء بن أبي رباح، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﵌: ((المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك)) . وسكت عنه الذهبي في (التلخيص)
وقال ابن حبان في [صحيحه: ٧/٢٧٥، ح ٥٠٦٩] :
أخبرنا احمد بن الفتح السمسار بـ: (سمرقند) قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال: حدثنا مروان بن محمد الطاطري قال: حدثنا سليمان بن بلال، حدثني كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح. وساق مثل حديث الحاكم.
وقال البيهقي في [السنن الكبرى: ٦/٦٣] :
اخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر بن حفص المقري بن الحمامي بـ: (بغداد) أنبأ أبو بكر احمد بن سليمان الفقيه قال: قرئ على جعفربن محمد بن شاكر وأنا أسمع، حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((الصلح جائز بين المسلمين)) .
ثم قال [ص٦٤] :
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا منصور بن سلمة أبو سلمة الخزاعي، حدثنا سليمان بن بلال، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة. وساق الحديث.
أخبرنا أبو علي الروذبادي، أنبأ أبو بكر بن داسة، حدثنا أبو داود، حدثنا أحمد بن عبد الواحد الدمشقي، حدثنا مروان بن محمد، حدثنا سليمان بن بلال أو عبد العزيز بن محمد – شك أبو داود – عن كثير بن زيد، فذكره بنحوه وزاد: إلا صلح حرم حلالًا أو أحل حرامًا.
стр. 8675
وأخرجه الترمذي وابن ماجه والبغوي والبيهقي، عن عمرو بن عوف المزني، فقال في [الجامع الصحيح: ٣/٣٤، ٣٥، ح ١٣٥٢] :
حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا)) .
وتعقبه الترمذي بقوله: هذا حديث حسن صحيح.
وقال ابن ماجه في [سننه: ٢/٧٨٨، ح ٢٣٥٣] :
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: وساق مثل الطرف الأول من حديث الترمذي.
وقال البغوي في [شرح السنة: ٨/٢٠٩] عند شرحه للحديث رقم (٢١٥١) : وروي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده. وساق مثل حديث الترمذي سواء.
وقال البيهقي [المرجع السابق: ص٦٥] :
اخبرنا أبو علي الروذبادي، أنبأ الحسين بن الحسن بن أيوب الطوسي، أنبأ أبو يحيى بن أبي ميسرة بن زبالة، حدثنا كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حرامًا أو حرم حلالًا)) . وكذا رواه أبو عامر العقدي عن كثير بن عبد الله.
قال البيهقي: والاعتماد على روايته فمحمد بن الحسن بن زبالة ضعيف بمرة- كذا في النسخة المطبوعة ولعل صوابه بالمرة-، ورواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني إذا انضمت إلى ما قبلها قويتا. . رواه أبو داود والدارقطني من طريق كثير بن زيد والترمذي والبزار بزيادة ((إلا شرطًا حّرم حلالًا أو أحل حرامًا)) . وقال الترمذي: حسن صحيح والصواب أنه ضعيف أنه ضعيف يعتضد كما قيل بحديث: ((الناس على شروطهم ما وافقت الحق)) (١) . رواه البزار من حديث ابن عمر وهو أشدّ ضعفًا من حديث الصلح الذي ذكره السيوطي في الجامع الصغير بدون زيادة الشرط وعلم عليه بالصحة تعليق: أولا: انظر [الجامع الصغير على هامش فتح القدير للمناوي: ٤/٢٤٠، ح ٥٢٥٦] :
وقد التبس أمر هذا الحديث على رشيد رضا تقليدًا للمناوي شارح (الجامع الصغير) الذي خلط بين كثير بن زيد وكثير بن عبد الله، فنسب على الذهبي في (الميزان) كل ما قاله في كثير بن عبد الله بأنه قاله في كثير بن زيد وهذا نص كلام الذهبي.
стр. 8676
قال –﵀ في [ميزان الاعتدال: ٣/٤٠٦، ٤٠٨، ترجمة ٦٩٤٣] ما نصه بالحرف: كثير بن عبد الله- ورمز إلى أن أبا داود والترمذي وابن ماجه أخرجوا له - بن عمرو بن عوف بن زيد المزني المدني، عن أبيه، عن جده، وعن محمد بن كعب، ونافع، وعنه معن والقعنبي وإسماعيل بن أبي أويس وخلق.
قال ابن معين: ليس بشيء، وقال الشافعي وأبو داود: ركن من أركان الكذب وضرب أحمد على حديثه، وقال الدارقطني وغيره: متروك، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال مطرف بن عبد الله المدني: رأيته وكان كثير الخصومة لم يكن أحد من أصحابه يأخذ عنه.
قال له ابن عمران القاضي: يا كثير أنت رجل بطال تخاصم فيما لا تعرف وتدعي ما ليس لك وما لك بينة فلا تقربني إلا أن تراني تفرغت لأهل البطالة. وقال ابن حبان: له عن أبيه، عن جده نسخة موضوعة، وأما الترمذي فروى من حديثه ((الصلح جائز بين المسلمين)) وصححه. فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال ابن أبي أويس: سمعت منه سنة ثمان وخمسين ومائة وبعدها.
ثم ساق أحاديث مما أسنده عنه.
وكلام ابن حبان الذي ذكره الذهبي هذا نصه بالحرف.
قال في [الجرح والتعديل: ٢/٢٢١، ٢٢٢] :
منكر الحديث جدًّا يروي عن أبيه، عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب.
قلت: وهذه عبارة دأب ابن حبان على ترديدها في كثير ممن جرحوهم.
ثم قال: وكان الشافعي ﵀ يقول: كثير بن عبد الله المزني ركن من أركان الكذب.
أخبرني محمد (المنذر) - كذا. ولعل صوابه محمد بن المنذر- قال: سمعت عباس بن محمد يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: كثير بن عبد الله لجده صحبة وكثير ضعيف الحديث سمعت يعقوب بن إسحاق يقول: سمعت الدارمي يقول: قلت ليحيى بن معين: كثير بن عبد الله المزني قال: ليس بشيء.
ثم ساق له حديثًا.
أما كلام ابن عدي الذي ذكره الذهبي فهذا نصه بالحرف.
قال –﵀ في [كامله: ٦/٢٠٧٨، ٢٠٨٣] :
حدثنا يحيى بن زكريا بن حيَّويْه، حدثنا أيوب بن سليمان بن سافري قال: قال لي أبو خثيمة: قال لي أحمد بن حنبل: لا تحدث عن عبد الله بن كثير شيئًا.
стр. 8677
حدثنا ابن أبي عصمة حدثنا أبو طالب أحمد بن حميد، سألت أحمد بن حنبل، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف قال: منكر الحديث ليس بشيء، وسألته عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده سمعت النبي ﷺ يقول: ((من شهر علينا السلاح فليس منا)) . فقال: منكر الحديث.
حدثنا ابن حماد، حدثنا عبد الله، عن أبيه قال: كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ليس يسوي شيئًا. قال عبد الله: ضرب أبي على حديث كثير بن عبد الله في المسند ولم يحدث بها.
حدثنا علام، حدثنا ابن أبي مريم، سمعت يحيى بن معين يقول: كثير بن عبد الله المزني حديثه ليس بشيء ولا يكتب.
حدثنا محمد بن علي، حدثنا عثمان بن سعيد. قلت ليحيى بن معين: وكثير بن عبد الله المزني كيف هو؟ قال: كثير بن عبد الله مدني ضعيف.
حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر وابن حماد، قال: حدثنا عباس عن يحيى قال: كثير بن عبد الله بن عوف لجده صحبة وكثير ضعيف.
حدثنا الجنيدي، حدثنا البخاري قال: إسماعيل بن أبي أويس قال: سمعت كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة المزني سنة وخمسين ثم سنة إحدى أو اثنتين وستين ومائة.
روى يحيى بن سعيد الأنصاري، عن كثير بن عبد الله. وقال النسائي: كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف متروك الحديث.
وبعد أن أسند إليه جملة من الأحاديث قال:
ولكثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده قد بقي أحاديث يسيرة، وعامة أحاديثه التي قد ذكرتها وعامة ما يرويه لا يتابع عليه.
وكلام ابن معين الذي ذكروه لفظه في [تاريخه: ٢/٤٩٤، ترجمة٦٠٧] : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المدني لجده صحبة، وكثير ضعيف الحديث. قال يحيى: حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ليس بشيء.
وليس في (تاريخه) بقية ما أسند إليه في كثير هذا.
وأما كلام أبي حاتم فلفظه كما رواه الرازي في [الجرح والتعديل: ٧/١٥٤، ترجمة ٨٥٨] بعد أن ذكر بعض من روى عنه:
حدثنا محمد بن حمويه بن الحسن قال: سمعت أبا طالب قال: سمعت أحمد –يعني ابن حنبل - عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف قال: منكر الحديث ليس بشيء.
стр. 8678
قرئ على العباس بن محمد الدوري، عن يحيى بن معين أنه قال: كثير بن عبد الله المزني ضعيف الحديث.
سألت أبا زرعة عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف قال: واهي الحديث ليس بقويّ، فقلت له: بهز بن حكيم، وعبد المهيمن، وكثير بن عبد الله أيهم احب إليك؟ قال: بهز وعبد المهيمن أحب إلي منه.
سئل أبي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف قال: ليس بالمتين.
وأما كلام النسائي فلفظه في [كتاب الضعفاء والمتروكين: ص٢٠٥، ترجمة ٥٢٩] : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف متروك الحديث.
وذكره الدارقطني في [الضعفاء والمتروكين: ص١٤٤، ترجمة ٤٤٦] سردًا مع الآخرين دون تعقيب.
لكن قال ابن حجر في [تهذيب التهذيب: ٨/٤٢١، ٤٢٣، ترجمة ٧٥١] بعد أن ساق كلامهم فيه:
وقال الترمذي: قلت لمحمد –يعني البخاري -: في حديث كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة كيف هو؟ قال: هو حديث حسن إلا أن أحمد كان يحمل على كثير يضعفه، وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري عنه.
ثم قال: وقال أبو نعيم: ضعفه ابن المديني. وقال ابن سعيد: كان قليل الحديث يستضعف.
وقال ابن السكن: يروي عن أبيه، عن جده أحاديث فيها نظر. وقال الحاكم: حدث عن أبيه، عن جده نسخة فيها مناكير. وضعفه الساجي ويعقوب بن سفيان وابن البرقي، وقال ابن عبد البر: مجمع على ضعفه.
ثم قال: وذكره البخاري في (الأوسط) في فصل من مات من الخمسين ومائة إلى الستين:
قلت: في قول ابن عبد البر: (مجمع على ضعفه) نظر، لأن فيمن روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وهو من هو، وكما تقدم حسن البخاري حديثًا له ووصف مقولات أحمد فيه بأنه (كان يحمل عليه) ولم يذكره في (الضعفاء الصغير) ترجم له العقيلي في [ (الضعفاء الكبير) : ٧/٢١٧، ترجمة ٩٤٥] فقال:
كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، سمع أباهن وروى عنه مروان بن معاوية وإسماعيل بن أبي أويس ويحيى الأنصاري.
ولم يجرحه كعادته غالبًا فيمن يرى تجريحه.
стр. 8679
وأما كثير بن زيد راوي حديث أبي هريرة فترجم له البخاري [المرجع السابق: ص٢١٦، ترجمة ٩٤٣] فقال:
كثير بن زيد مولى الأسلميين المدني سمع سالم بن عبد الله والوليد بن رباح، روى عنه حماد بن زيد ووكيع. ولم يضف شيئًا.
وترجم له الرازي في [الجرح والتعديل- المرجع السابق-: ص١٥٠، ١٥١، ترجمة ٨٤١] فكناه أبا محمد وقال: توفى في آخر زمان أبي جعفر وساق طائفة ممن روى عنهم ثم ممن رووا عنه، وأبرز هؤلاء حماد بن زيد والدراوردي.
ثم قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي خيثمة فيما كتب إلى قال: سئل يحيى بن معين عن كثير بن زيد فقال: ليس بذاك القوي.
ثم قال: سئل أبي عن كثير بن زيد فقال: صالح ليس بالقوي يكتب حديثه. قال: سئل أبو زرعة عن كثير بن زيد فقال: هو صدوق فيه لين.
وترجم له ابن عدي في الكامل: [٦/٢٠٨٧، ٢٠٨٩] فقال:
يكنى أبو محمد مدني هكذا ذكر الواقدي. حدثنا أحمد بن علي بن بحر، حدثنا عبد الله الدورقي، حدثنا يحيى بن معين قال: كثير بن زيد الأسلمي ليس به بأس.
حدثنا علان، حدثنا ابن أبي مريم سمعت يحيى بن معين قال: كثير بن زيد ثقة سمعت أحمد بن حفص يقول: سُئل أحمد بن حنبل –يعني وهو حاضر- عن التسمية في الوضوء فقال: لا أعلم فيه حديثًا يثبت أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن ربيع، وربيع رجل ليس بمعروف. وبعد أن أسند إليه طائفة من الأحاديث كعادته في تراجمه قال:
ولكثير بن زيد غير ما ذكرت من الحديث، ويروي ابن حازم وسفيان بن حمزة وسليمان بن بلال كل واحد منهم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نسخة، ويرويه عن ابن أبي حازم إبراهيم بن حمزة وأبو مصعب وابن كاسب وغيرهم، ويرويه عن سفيان بن حمزة إبراهيم بن المنذر وابن كاسب وغيرهما، ويروي عن سليمان بن بلال بن وهب فكل واحد منهما ينفرد بهذا الإسناد بنسخة، وربما اتفقوا في شيء منه، ولكثير بن زيد عن غير الوليد بن رباح أحاديث لم أنكرها ولم أر بحديثه بأسًا وأرجو أن لا بأس به.
وذكره الذهبي في [الميزان: ٣/ ٤٠٤، ترجمة ٦٩٣٨] ورمز بأن أبا داود والترمذي وابن ماجه أخرجوا له، ونقل كلام الرازي ونقل عن النسائي تضعيفه.
قلت لكن النسائي لم ينسبه بل اكتفى بقوله في [كتاب الضعفاء والمتروكين: ص٢٠٦، ترجمة٥٣٠] :
كثير بن زيد ضعيف:
ثم قال الذهبي: وروى ابن الدورقي عن يحيى: ليس به بأس. وروى ابن أبي مريم عن يحيى: ثقة. وقال ابن المديني: صالح وليس بالقوي، وأسند إليه ثلاثة أحاديث غمز فيها. وذكر ابن حجر في [تهذيب التهذيب: ٨/٤١٣، ٤١٥، ترجمة ٧٤٣] عند ترجمته له في جملة له من روى عنه مالك بن أنس والدراوردي وحماد بن زيد وآخرين من اللامعين.
стр. 8680
ثم ساق كلام ابن معين فيه باختلاف الروايات عنه، ثم قال:
وقال ابن عمار الموصلي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ليس بذاك الساقط وإلى الضعف ماهو. ثم ساق كلام أبي زرعة وأبي حاتم وابن عدي.
ثم قال: ذكره ابن حبان في (الثقات) . وقال ابن سعيد: توفي في خلافة أبي جعفر وكان كثير الحديث، وقال خليفة: توفي في آخر خلافة أبي جعفر وكانت وفاة أبي جعفر سنة ١٥٨.
ثم قال: وجزم ابن حبان بوفاته فيها. وقال أبو جعفر الطبري: وكثير بن زيد عندهم ممن لا يحتج بمثله.
قلت: لعل صاحب (المنار) لم يختلط عليه أمر الرجلين تقليدًا للمناوي فحسب بل أيضًا لابن حزم، فقد ذكر ابن حجر –المرجع السابق- أنه خلط بينهما أيضًا وتهجم عليهما وجرح الحديث نتيجة لهذا الخلط، وأحسب مردّ هذا الخلط إلى أن الجد الثالث لكثير بن عبد الله اسمه زيد، وابن حزم كثيرًا ما يتسرع، أما المناوي فلا يمكن اعتماده في الحديث إنما هو ناقل وهو إلى الفقه أقرب.
تعاضد الحديثين وربما أيضًا على ترجيحه توثيق كثير بن زيد، ولعل في نفسه –كما في نفسي- شيء من تجريحهم الشديد لكثير بن عبد الله، ويخيل إلى أن له موقفًا من قضية خلق القرآن ولعل ذلك ما جعل أحمد يحمل عليه، وجعل البخاري يشير إلى حمله عليه كما لو كان غير راضٍ عنه. والله أعلم. .
وقد يعارض على هذا بحديث عائشة في قصة بريرة وهو ((ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق)) (١) . رواه الشيخان وغيرهما.
ويجاب بأن المراد بالشرط هنا حاصل المصدر، أعني المشروط لا المصدر الذي هو الاشتراط ولذلك قال: ((ولو كان مائة شرط)) وآذن باشتراط الولاء لمكاتبي بريرة وهو موضع الإنكار كما يأتي قريبًا في بيان سبب هذا الحديث.
والمراد بما ليس في كتاب الله ما خالفه كما يؤخذ من سبب الحديث. وإلا كان جميع المسلمين مخالفين لهذا الحديث حتى الظاهرية لأنهم يجيزون في العقود شروطًا لا ذكر لها في كتاب الله تعالى، وليس في كتاب الله تعالى شروط لأنواع العقود فيكتفي بها ويقتصر عليها، وإنما الواجب أن لا يشترط أحد شرطًا يحل ما حرمه كتاب الله أو يحرم ما أحله، فذلك هو الذي يصدق عليه أنه ليس في كتاب الله إذ في كتاب الله ما يخالفه، وأمَّا اشتراط ما أباحه كتاب الله بالنص أو الاقتضاء فهو في كتاب الله تعالى.
стр. 8681
وفي هذا الحديث بحث آخر وهو أنه ورد في مسألة دينية من العبادات وهي المكاتبة والعتق والولاء، وسبب الحديث بينته رواية عائشة في الصحيحين قالت: ((جاءتني بريرة وقالت: كاتبت أهلي على تسع أواقٍ في كل عام أوقية فأعينيني فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالس فقالت: إني قد عرضت عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فأخبرت عائشة النبي ﷺ فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فما بال رجال يشترطون ... إلخ)) (١) .
стр. 8682
فالواقعة في أمر ديني اشترط فيه شرط مخالف لحكم الله فكان لغوًا والأمور الدينية موقوفة على النص، وأما الأمور الدنيوية كالبيع والإجارة والشركات وغيرها من المعاملات الدنيوية فالأصل فيها عرف الناس وتراضيهم ما لم يخالف حكم الشرع في (تحليل حرام أو تحريم حلال) كما تقدم، ومن أدلة هذا الأصل بعد الآية التي نفسرها وما أيَّدناها به حديث ((أنتم أعلم بأمور دينكم)) رواه مسلم من حديث أنس وعائشة (١) . وحديث: ((ما كان من أمر دينكم فإليَّ وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به)) (٢) ، رواه احمد. لهذا نجد الإمام أحمد أكثر أئمة الفقه تصحيحًا للعقود والشروط على أنَّه أوسعهم رؤية للحديث وأشدهم استمساكًا به، فأبو حنيفة يقدِّم القياس الجليَّ على حديث الآحاد الصحيح وأحمد يقدِّم الحديث الضعيف على القياس.
ومن العقود التي تشدّد بعض الفقهاء في إبطال شروطها عقد النكاح، فترى الذين يجيزون الشروط في البيع وهو من المعاملات الدنيوية الموكولة على العرف لا يجيزون الشروط في عقد النكاح، وقد قال النبي ﷺ : ((إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج)) ، رواه أحمد والشيخان في صحيحيهما وأصحاب السنن عن عقبة بن عامر (٣) . وقد جوَّز أحمد بهذا الحديث أن تشترط المرأة في عقد النكاح أن لا يتزوج عليها وأن لا تنقل من بلدها أو من الدار، ويجيز لها فسخ النكاح إذا تزوج عليها وقد اشترطت عدم التزوج عليها كما يجيز لها الفسخ بغير ذلك من العيوب والتدليس (٤) .
وأجاز اشتراط التسري في شراء الجارية وحينئذ لا تجبر على الخدم (٥) . واشتراط أن يأخذ البائع الجارية يثمنها إذا أراد المشتري بيعها (٦) . ولكن قال: لا يقربها وله فيها شرط، ومذهبه هذا في الشرط هو الموافق لسهولة الحنفية السمحة ورفع الحرج منها، ولم أر أحدًا من العلماء وفَّى موضوع العقود مؤيدًا بدلائل الكتاب والسنة وآثار السلف ووجوه الاعتبار في مدارك القياس إلا شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀ (٧)
стр. 8683
وقال محمد الطاهر بن عاشور في [التحرير والتنوير: ٥/٧٤، ٧٦] :
والعقود جمع عقد- بفتح العين- وهو الالتزام الواقع بين جانبين في فعلٍ ما، وحقيقته أن العقد هو ربط الحبل العروة ونحوها، وشد الحبل نفسه أيضًا عقد، ثم استعمل في الالتزام فغلب استعماله حتى صار حقيقة عرفية.
ثم قال:
فالعقد في الأصل مصدر سمِّي به ما يعقد، وأطلق مجازًا على الالتزام من الجانبين لشيء ومقابله، والموضع المشدود من الحبل يسمى عقدة، وأطلق العقد أيضًا على الشيء المعقود إطلاقًا للمصدر على المفعول، فالعهود عقود والتحالف من العقود والتبايع والمؤاجرة ونحوها من العقود وهي المراد هنا، ودخل في ذلك الأحكام التي شرعها الله لنا لأنها كالعقود إذا قد التزمها الداخل في الإسلام ضمنًا وفيها عهد الله الذي أخذه على الناس أن يعبدوه ولا يشركون به.
ويقع العقد في اصطلاح الفقهاء على إنشاء تسليم أو تحمل من جانبين، فقد يكون إنشاء تسليم كالبيع بثمن ناضٍ، وقد يكون إنشاء تحمل كالإجارة بثمن ناضٍ، وكالتسليم والقراض، وقد يكون إنشاء تحمل من جانبين كالنكاح إذ المهر لم يعتبر عوضًا وإنما العوض هو تحمل كل من الزوجين حقوقًا للآخر، والعقود كلها تحتاج إلى إيجاب وقبول، والأمر بالإيفاء بالعقود يدل على وجوب ذلك فيتعين أن إيفاء العاقد بعقده حق عليه فلذلك يقضي به عليه لأنَّ العقود شرعت لسدّ حاجات الأمة، فهي من قسم الحاجي فيكون إتمامها حاجيًا لأنَّ مكمل كل قسم من أقسام المناسب الثلاثة يلحق بمكمله إن ضروريًّا أو حاجيًّا أو تحسينيًّا وفي الحديث: ((المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا)) (١) .
فالعقود التي اعتبر الشرع في إنعقادها مجرد الصيغة تلزم بإتمام الصيغة أو ما يقوم مقامها كالنكاح والبيع.
стр. 8684
والمراد بما يقوم مقام الصيغة نحو الإشارة للأبكم ونحو المعاطاة في البيوع.
والعقود التي اعتبرها الشرع في انعقادها الشروع فيها بعد الصيغة تلزم بالشروع كالجعل والقراض.
وتمييز جزئيات أحد النوعين من جزئيات الآخر مجال الاجتهاد.
وبعد أن نقل كلامًا للقرافي سيأتي في موضعه قال:
واعلم أن العقد قد ينعقد على اشتراط عدم اللزوم كبيع الخيار، فضبطه الفقهاء بمدة يحتاج على مثلها عادة في اختيار المبيع والتشاور في شأنه.
ومن العقود المأمور بالوفاء بها عقود المصالحات والهادنات في الحروب والتعاقد على نص المظلوم وكلُّ تعاقد وقع على غير أمر حرام، وقد أغنت أحكام الإسلام عن التعاقد في هذا إذا اصبح المسلمون كالجسد الواحد، فبقى الأمر متعلقًا بالإيفاء بالعقود المنعقدة في الجاهلية على نصر المظلوم ونحوه كحلف الفضول، وفي الحديث: ((أوفوا بعقود الجاهلية ولا تحدثوا عقدًا في الإسلام)) (١) ، وبقى أيضًا ما تعاقد عليه المسلمون والمشركون كصلح الحديبية بين النبي ﷺ وقريش، وقد رُوي ((أن فرات بن حيان العجلي سأل رسول الله ﷺ عن حلف الجاهلية فقال: لعلك تسأل عن حلف لجيم وتيم قال: نعم، قال: لا يزيده الإسلام إلا شدَّة)) .
قلت: - القائل محمد الطاهر بن عاشور-:
وهذا من أعظم ما عُرف به الإسلام بينهم في الوفاء لغير من يعتدي عليه.
стр. 8685
الفصل الرابع
كل ما أفهم فهو ملزم
قال البخاري في [صحيحه: ٦/١٧٥] في كتاب الطلاق (باب الإشارة في الطلاق والأمور) :
قال ابن عمر: قال النبي ﷺ : ((لا يعذَّب الله بدمع العين ولكن يعذّب بهذا وأشار إلى لسانه)) .
وقال كعب بن مالك: ((أشار النبي ﷺ إلى أن خذ النصف)) .
وقالت أسماء صلَّى النبي ﷺ في الكسوف فقلت لعائشة: ما شأن الناس؟ فأومأت برأسها إلى الشمس فقلت: آية؟ فأومأت برأسها- وهي تصلي- أن نعم.
وقال أنس: ((أومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم)) .
((وقال ابن عباس: أومأ النبي ﷺ بيده لا حرج)) .
وقال أبو قتادة: قال النبي ﷺ في الصيد للمُحرم: ((أحد منكم أمره أن يحمل عليها؟ وأشار إليها، قالوا: لا، قال: فأكلوه)) (١) .
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ((طاف رسول الله ﷺ على بعيره وكان كلما أتى على الركن أشار إليه)) .
وقالت زينب: قال النبي ﷺ : ((فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وهذه، وعقد إصبعين)) .
حدثنا مسدَّد، حدثنا بشر بن مفضل، حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : ((في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه، وقال بيده ووضع أُنمله على بطن الوسطى والخنصر قلنا: يُزهدها)) .