← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

ثانيا: التخفيض بصفة في تكاليف المعاملات في السوق الثانوية وخاصة في السوق القارة لتحسين مردود الأوراق المالية. ثالثا: إحكام تنظيم ومراقبة السوق الأولية وخاصة فيما يخص إصدارات شركات الاستثمار وتلك التي تهم أسهم الشركات المساهمة العامة. رابعا: التكوين والإعلام من أجل تثبيت دور السوق المالية في الاقتصاد وحث الشركة التونسية على فتح رأس مالها للعموم وطرح أوراق مالية في السوق لتمويل برامجها الاستثمارية والعمل على إيجاد أنواع جديدة من الأوراق والأدوات المالية تأخذ بعين الاعتبار المعطيات والخصوصيات الذاتية للشركات والمستثمرين التونسيين. خامسا: تطوير مهنة الوسطاء لدى البورصة والتشجيع على بروز وسطاء متخصصين في هذا الميدان إلى جانب البنوك. وقد أعطى قانون ٨ مارس (آذار) ١٩٨٩ حوافز جبائية هامة لفائدة هذا النوع من الوسطاء. سادسا: العمل على تغيير الإطار العام للسياسة الاقتصادية التي كانت عائقا دون تطوير السوق المالية ونخص بالذكر منها الجباية والسياسة النقدية، وقانون الشركات، وتنظيم مهنة مدققي الحسابات. الدكتور مصطفى النابلي

стр. 8892

السوق المالية ومسلسل الخوصصة إعداد سعادة الدكتور الحسن الداودي الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في الاقتصاد الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أنيطت الدولة في مجموعة البلدان الإسلامية كما هو الشأن في بقية البلدان السائرة في طريق النمو بدور المحرك الأساسي في الإنماء الاقتصادي عبر استثماراتها المكثفة، إنها ضرورة كانت تفرض نفسها بمعزل عن الإطار الأيديولوجي وهكذا لا يوجد بلد لم تعد فيه الدولة أكبر مالك وأكبر مستثمر. وفيما يرجع إلى مثال المغرب فإن استثمارات الدولة عرفت بدايتها إبان عهد الحماية وبالأخص في مجال استخراج الثروة المعدنية إلا أن نطاق الاستثمارات العمومية أخذ يتسع منذ الاستقلال ليشمل جميع قطاعات النشاط الاقتصادي، وهكذا تطور القطاع العمومي المغربي من ٦٠ وحدة عام ١٩٦٠ إلى ١٥٨ وحدة سنة ١٩٦٩ ثم إلى ٦١٧ في ١٩٧٠ و ٦٨٠ حاليا دون الأخذ بعين الاعتبار ممارسة أحداث الشركات التابعة لها، الأمر الذي يثير بعض الغموض حول معرفة حدود القطاع العمومي المغربي. إن منطق الدولة إنما هو منطق تنموي ولكنه أيضا منطق اجتماعي ومنطق الخدمات العمومية، ومنطق كهذا لا يسمح إلا بحيز ضيق للعقلانية الاقتصادية ذلك أن عجز القطاع العمومي كان بمثابة شر لا بد منه تتحمله الدولة من أجل إحداث فرص الشغل وتوفير ظروف الإقلاع الاقتصادي. ولقد ساعد على هذه المهمة كذلك الحصول على الرساميل الأجنبية بشروط قليلة التكاليف ذلك أن القروض التي منحتها الدول الصناعية كانت تعتبر مساعدة للتنمية ولكن منذ منتصف السبعينات التي شهدت تعميق أزمة المالية العامة في البلدان الغنية أصبحت القروض العمومية نادرة، ولم يبق للبلدان المقترضة إلا اللجوء إلى السوق العالمي، لتقترض منها بأسعار فائدة مجحفة، ومن شأن هذا التغيير ألا تتحمله اقتصاديات البلدان الناشئة التي من بينها اقتصاديات العالم الإسلامي، واتجهت الديون الخارجية لكل بلد نحو الارتفاع محدثة لها الاختناق الاقتصادي، الأمر الذي يحتم إعادة ترتيب الأمور في إطار هذه الاقتصاديات لأن عهد الإنفاق دون حساب قد ولى، وعلى الدولة أن تؤقلم سلوكها بحسب ما تمليه العقلانية، بل وأكثر من ذلك، يجب عليها أن تعيد النظر في وظيفتها على ضوء المعطيات الجديدة، والسؤال الذي يفرض نفسه على كل دولة من دولنا هو: هل من الضروري أن تتبوأ الدولة حاليا مكانه المستثمر الرئيسي؟ إن عجز الميزانيات وكذا مستوى المديونية لم يتركا أي اختيار للدولة وما عليها إلا أن تقلل من النفقات كي تضمن للميزانية توازنها. ولا يمكن أن يشمل هذا الإجراء النفقات غير القابلة للتقليص إلا هامشيا، فيجب إذا تخفيض النفقات ذات الصبغة الاجتماعية ولكن هذا المستوى أيضا ليس لكل دولة أن تتعدى الحدود الضيقة لحرية تصرفها. والمنفذ الوحيد الذي يبقى هو التقليص الشديد من نفقات الاستثمار. ولقد تزامنت هذه الحالة مع بعض النضج لدى أصحاب الرساميل الوطنيين الذين استطاعوا أن يباشروا عملية التراكم تحت ظل الدولة منذ الاستقلالات الوطنية والذين يستطيعون أن يحلوا محلها في كثير من البلدان وهكذا تبدو الإجابة بالنفي على السؤال: هل من الضروري أن تتبوأ الدولة مكانة المستثمر الرئيسي؟ سهلة هنية، لأنه بإمكان القطاع الخاص أن يعوضها بنسب كبيرة ويبدو من المنطق إذا أن تخفف الدولة مجهوداتها الاستثمارية من أجل إعادة التوازنات الأساسية ولكن دون أن يكون لهذا التخفيف أثر كبير على المستوى العام للاستثمارات، والذي يطرح بمقابل المشكلة هو الضغط الداخلي والخارجي في آن واحد يكون تخلي الدولة عن جزء كبير من ثروتها لصالح القطاع الخاص.

стр. 8893

إن سيرورة الخوصصة تمضي على هذا المنوال هنا وهناك في العالم أجمع وتطرح المشكلة كذلك على مستوى الدولة الغنية كما هو الحال في بريطانيا العظمى. وتطرحها أكثر في بلداننا الناشئة لأن هذه الخوصصات ينبغي ألا تؤدي إلى تبديد الخيرات العمومية ولا إلى تراجع الاستثمارات ولا إلى تمركز الندوات. وهذه الشروط الثلاثة تصحب توفيرها في كل بلد على حدة. وإذا رجعنا إلى مثال المغرب فإننا نلاحظ الخوصصة تستهدف كثيرا من المقاولات العمومية. والسؤال الأول الذي يفرض نفسه هو: من المستفيد من هذه الخوصصة وبأي ثمن؟ إننا نعلم يقينا أنه إذا كانت الدولة ترفض التمركز حريصة على بيع خيراتها بثمن مرتفع فلا بد من تمديد الخوصصة على فترة طويلة، الشيء الذي يحد مع مرور الزمن من مجهوداتها في مجال ترتيب نفقاتها، إلا أن أي عرض كبير في الوقت الراهن يؤدي لا محالة إلى انهيار الأثمان وإلى تمركز لصالح أشخاص معينين، ويكمن مبرر هذه المخاطرة الكبيرة في الضعف الشديد الذي يطبع السوق المالي المغربي العاجز عن استيعاب عرض كامن وفير، ويتضح هذا الضعف من خلال تحليل سوق القيم بالدار البيضاء. بورصة الدار البيضاء: أنشئت هذه المؤسسة بنص القانون الصادر يوم الأربعاء ١٤ ديسمبر (كانون الأول) ١٩٦٧، وحسب هذا القانون تتمثل مهمتها في تحريك الادخار ونشر رأسمال الشركات المنتجة، ولكن البورصة في أيامنا تعتبر وسيلة للبرالية الاقتصادية وأكثر فأكثر وسيلة لتقديم أنشطة المقاولات وميزانا للاقتصاد في مجمله. وسوف نوضح فيما بعد أن بورصة القيم بالدار البيضاء، بعيدة أن مثل آلية كاملة من شأنها أن تمكن المقاولة المغربية من الاستفادة من مزاياها المختلفة، وعجزها عن القيام بمهماتها الرئيسية إنما هو راجع أساسا إلى نمط السير الخاص بها، وهذا ما سنتناوله أولا ثم نعكف على تحليل كمي لنشاطها ثانيا. أولا- سير سوق البورصة المغربية: يدور التحليل هنا حول مسألتين أساسيتين هما: - أهمية القيم التي يتم تداولها في السوق. - خصوصيات القائمين بالعمليات الطالبين منهم والعارضين.

стр. 8894

(أ) ضعف إصدار القيم المتنقلة: يمكن الوقوف على أهمية سوق البورصة بواسطة صيغ كثيرة فإذا ما أعرنا اهتمامنا لحجم الإصدار الإجمالي للقيم المنقولة فلا يسعنا إلا أن نلاحظ هزالة هذا الأسلوب من التمويل سواء بالنسبة إلى الناتج الداخلي والإجمالي أو إلى التكوين الإجمالي للرأسمال الثابت، ذلك أن نسبة الإصدار الإجمالي إلى الناتج الداخلي الإجمالي لا يتجاوز ٣ % في ١٩٧٠ و ٤ % في ١٩٨٣، وأن هذه النسبة إلى التكوين الإجمالي للرأسمال الثابت بلغت على التوالي معدل ٢٢ % و ١٦ % ويبدو أن تفسير هذا الضعف يرجع إلى خصوصيات السوق ذاته، فعلا إن هذه السوق تمتاز بطابع الأحادية ما دامت كل العمليات التي تشهدها يكون العوض فيها نقدا، فنقص الأوراق المالية في البورصة وكذا ضعف الحركة فيها يدعمان محدودية هذا السوق. من جهة أخرى تستجيب بورصة القيم بالدار البيضاء لبعض التفضيل نحو البيع المباشر للقيم ذات الدخل المتغير، غير أنه كلما كثر هذا البيع كلما نزع الثمن المتوسط نحو الثبات. وهذا ما يبين الأسباب التي تجعل الأثمان الرسمية لكثير من الصكوك تبقى ثابتة خلال مدة طويلة. بالإضافة إلى ما سبق يمثل إهمال الشركات من جهة وانعدام مسايرة قنوات فعلية للأخبار من جهة أخرى عاملا رئيسيا آخر مسئولا من عدم فعالية البورصة. ويعكس هذا النمط من السير أيضا نمط سلوك مختلف المتدخلين في البورصة. (ب) تقطب سوق البورصة: ونعني بتقطب السوق تمركز القائمين بالعمليات في مجموعتين مختلفتين تدخلها شبه مؤسسي وبطريقة مهيمنة أحدهما في جانب العرض والآخر في جانب الطلب. (١) عارضو الصكوك: يجب التمييز بين فئتين من العارضين: - الخزينة والهيئات العمومية من جهة. - والشركات من جهة أخرى.

стр. 8895

بالنسبة للفئة الأولى يجب الإشارة إلى هيمنة إصدارات الخزينة وبالنسبة للفئة الثانية يجب التنبيه إلى أن إصداراتها تتمثل أساسا في أسهم تضم صكوكا لا تدخل بالضرورة إلى السوق لأنها تمثل إما الزيادات في الرأسمال أو إحداث شركات جديدة، وبالتالي فإنها لم تساهم بالفعل في خلق قيم مستقبلية. (٢) طالبو الصكوك: إزاء هيمنة القروض المستندية التي تصدر عن الدولة وبعض المؤسسات العمومية نصادف هنا أيضا التمركز القوي للأشخاص المشاركين في الاكتتاب، فإلى حدود ١٩٧٧ كان الأمر يتعلق بهيئتين رئيسيتين هما: صندوق الإيداع والتدبير وشركات التأمين ولقد انضاف إليهما البنك المركزي الشعبي ابتداء من ١٩٧٨. هذه هي إذا الخطوط العريضة لخصوصيات سوق القيم بالمغرب، ما هي آثار هذه الخصوصيات على مستوى نشاط ديناميكية البورصة؟ ثانيا- التحليل الكمي لنشاط البورصة: بالنظر إلى رقم أعمال البورصة بالدار البيضاء يتضح أنه في تراجع سريع، وهذا يفيد أن مكانة السوق المالية تعرف تدهورا قويا في السياسة المالية وفي الاقتصاد الوطني عموما كما يتراءى ذلك من خلال الجدول التالي (بملايين الدراهم) . السنة ١٩٦٦ ٦٨ ٧٠ ٧١ ٧٢ ٧٣ ٧٤ ٧٥ ٧٦ ٧٧ ٧٨ ٧٩ رقم الأعمال ٢٠ ٣٣ ٥٠ ٦٣ ١٠٨ ١١٧ ١٩٣ ٢١٢ ١٨٢ ١٧٤ ١٠٧ ٢٠٢ السنة ٨٠ ٨١ ٨٢ ٨٣ رقم الأعمال ١٦٨ ١١١ ٨٦ ١٤٦ لقد دخل رقم الأعمال طور الانخفاض عمليا ابتداء من ١٩٧٥ إذا ما استثنينا التحسن الملاحظ خلال ١٩٧٩، وهذا التحسن راجع في هذا التاريخ إلى إدخال قرض الصحراء الصادر عام ١٩٧٦، ويرتبط التراجع المشاهد بعد ١٩٧٩ أيضا بصكوك الدولة وبالأخص بالأداء التدريجي لديونها من قبل الخزينة مما أدى إلى تقليص الصكوك المتداولة.

стр. 8896

وفي ما يرجع إلى الصكوك المحولة إلى رأسمال قابل للتداول في البورصة (١) يمكن الإشارة على أنها أشد ضعفا قياسا بما يجرى في أماكن أخرى كما هو مبين أدناه (بالمليارات بالنسبة لسنة ١٩٨١) (٢) : المدينة الصكوك المحولة (الأسهم + الندوات) البيضاء ٢.٠٠٩ درهم باريس ٧٩٥ ليون ١٥.٢ نانسي ٥.٢ ليل ٣.٠ بوردو ٣.٢ وفي النهاية نلاحظ ثلاث مميزات رئيسية: - محدودية حجم البورصة القيم بالدار البيضاء لاستيعاب كمية إضافية من الصكوك المعروضة. - الشركات بصفة أكثر والأفراد أو المدخرون الصغار لا يعيرون أي اهتمام للبورصة لأسباب متعددة. ومن بين ما يمكن استخلاصه منطقيا هو أنه من المحتمل أن يكون مصير مسلسل الخوصصة هو الفشل نظرا لتواضع مستوى السوق المالي كما بيناه. وحتى الحالة غير المحتملة التي يفترض فيها وجود من يقتني المقاولات الخاضعة للخوصصة تقابلها آثار سلبية على الاستثمار في المدى القصير والمتوسط ما دام جزء كبير من الادخار الخاص يستقطبه هذا البيع من قبل الدولة، وما دام المنطق الجديد يقضي بألا تستثمر الدولة إلا في البنيات الأساسية فإن قسطا كبيرا من إيراد مبيعاتها سوف يستهلك في القطاعات غير المنتجة، وهذا أمر غير مرغوب فيه. وإذا رجعنا إلى المحتمل فإننا نصل إلى النتيجة السابقة التي مفادها أن هناك تفاوتا بين العرض والطلب. وأن استيعاب العرض بكامله في ظروف مميزة يفترض الإشراك القوي للرساميل الأجنبية لتساهم في شراء المقاولات المرشحة للخوصصة الشيء الذي يثير مسألة الاستقلال الاقتصادي تجاه البلدان الصناعية. إن تحدي الخوصصة يكمن إذا في البيع بثمن مرتفع دون أن يحدث تقوِّيًا في مستوى الاستثمار، وهذا يُحتم تحريكا هامًّا للادخار عن طريق الانتشار الواسع للأسهم، وكل بلد على حدة سوف يواجه صعوبات كبيرة في سبيل ضمان هذه الشروط، وبالأخص إذا علمنا أن دخل شعوب العالم الإسلامي لا يتجاوز سنويا ٨٠٠ دولارا للفرد الواحد وهي حالة تنطبق على المغرب أيضا، وهو ما يبرز الطابع الضيق للإطار الوطني، ويستوجب طرح المسألة على مستوى أكثر امتدادا وفي ظروف جديدة، والمستوى الإسلامي يبدو حلا مناسبا ليس فقط لأن في بعض البلدان يتواجد ادخار عائد من جراء محدودية قدرات استيعابها للرساميل في حين أن البعض الآخر يعاني عجزا خطيرا على هذا المستوى، ولكن أيضا لأن أساليب التمويل الإسلامي تشجع كثيرا الاستثمارات المنتجة المباشرة التي من شأنها أن تقضي على أي شكل من أشكال المديونية، ذلك أن الممارسة الربوية هي جوهر المديونية وهي ممارسة تحرمها الشريعة الإسلامية. والحل يكمن إذا في منح الفرصة لكل مواطن بإحداث ظروف مشجعة للاستثمار الخاص إلى جانب قطاع عمومي يتحدد حجمه في نقطة التوازن. إن الإسلام يقبل شكلي الملكية العامة والخاصة دون أن يناصر مبدئيا لا هذه ولا تلك، بل إن الحكمة البالغة التي يمتاز بها هي اعتماده على مبدأ التوفيق الأمثل للشكلين معا، وإذا كانت ظروف تاريخية معينة تملي على البلدان الإسلامية تدعيم القطاع العام كضرورة حيوية وبالتالي مشروعة، فإن الحكمة تدعو اليوم إلى التقليص منه وليس إلى القضاء عليه. والحكمة تقتضي أيضا أن يوظف ادخار البلدان الإسلامية لصالح العالم الإسلامي، الشيء الذي لا يمكن تحويله إلى واقع إلا إذا أنشئت بنيات ملائمة لها التوظيف، البنيات التي تحتل ضمنها السوق المالي الإسلامي مكانه الصدارة، والتي من شأنها أن تحرك الادخار الذي تغريه أسواق البلدان المصنعة أو الذي يفضل اللجوء إلى الأشياء المحافظة على القيمة كالذهب والأعمال الفنية، ولكن يجب العمل أيضا على حماية ادخار البلدان الأكثر فقرا من تحويله إلى البلدان الأكثر تصنيعا التي تمنح فرصا للاستثمار أكثر من سواها، بل يجب العمل على إيجاد نظام لإعادة التوزيع الذي يعمل على تعويض خروج الرساميل في الدول الفقيرة بجلب ما يقابلها أو أكثر من الرساميل الخارجية مثلا في إطار المضاربة أو المشاركة ليس في المجال التجاري ولكن أساسا في المجال الإنتاجي. وظهور مثل هذه الصيغ على مستوى العالم الإسلامي من طبيعتها أن تحرك الادخار الرافض للقنوات المالية التقليدية، ويصبح في الإمكان مشاهدة تراكم الرأسمال الشعبي وهو أمر محمود لدى الجميع. الدكتور الحسن الداودي

стр. 8897

الأدوات المالية الإسلامية إعداد سعادة الدكتور سامي حسن حمود مدير عام شركة البركة للاستثمارات المالية الإسلامية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بيان المحتويات • إهداء وشكر تقدير. • الفرع الأول: مفهوم الأدوات المالية وتوزينها بالمعايير الفقهية: • أولا – تطوير الأدوات المالية وصورها المعاصرة. • ثانيا – توزين الأدوات المالية المعاصرة بالمعايير الشرعية. (أ) توزين المسألة بالنسبة لأسهم الشركات. (ب) توزين المسألة بالنسبة لسندات القرض. • الفرع الثاني: أسس تطوير الأدوات المالية بما يتفق والشريعة الإسلامية. • الفرع الثالث: الأدوات المالية الإسلامية القابلة للتطبيق: أولا – الأسهم العادية في الشركات المساهمة. ثانيا- الأسهم غير العادية. ثالثا – سندات المقارضة. رابعا- سندات الخزينة المخصصة. • الفرع الرابع: مجالات تطبيق الأدوات المالية في عقود المعاملات الشرعية. • الخلاصة وخاتمة الكلام.

стр. 8898

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إهداء وشكر وتقدير يسرني أن أقدم هذا العمل الذي يقصد به وجه الله المعبود من كل شيء في الوجود، إلى هذا النفر الكريم من أهل العلم والمتوافدين من شتى أنحاء العالم الإسلامي الناهض للصعود. كما أقدم الشكر الخالص لمجمع الفقه الإسلامي برئاسته وأمانته العامة على الاهتمام باحتياجات الأمة الإسلامية والنظر في إيجاد الحلول المعاصرة لمشاكل التنمية والنهوض الاقتصادي القائم على أساس من شريعة الله المبنية على العدل والرحمة والإحسان. ويمثل موضوع الندوة المتعلق بالأسواق المالية بابا من أهم الأبواب التي يقع على عاتق العلماء والاقتصاديين أن يتصدوا لها بالفهم والصبر والعمل. فليس المال بالنسبة لمجموعة الأمة مجرد متاع دنيوي زائل كما هو بالنسبة للأفراد وإنما هو ثروة تحمي الكيان وترد العدوان. لذلك كان حفظ المال بالمنظور الاجتماعي أمرا يرقى إلى درجة المنع من تصرف المالك فيما يملكه إذا كان ذلك التصرف يؤدي إلى إتلاف هذا المال الذي هو من مال المجتمع في المآل وإن كان مملوكا لفرد أو أفراد في الواقع الحال. يقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ . أما بالنسبة لموضوع الأسواق المالية، فإن هذا المصطلح هو من المفاهيم الجديدة المطروحة على بساط البحث الفقهي. ذلك أن السوق هو مكان التقاء الناس بالمفهوم العام أو مكان التقاء العرض بالطلب بالمفهوم الخاص لكي يتم التبادل من العارضين والطالبين. وقد كانت أسواق السلع والبضائع موجودة ومعروفة من قبل الإسلام، حيث نظم النبي ﷺ بعد الإسلام أحوالها وبيوعها وطريقة العرض والمساومة وانعقاد البيع إلى آخر ما هنالك من علاقات. أما أسواق المال فهي لم تكن معروفة بالمفهوم الذي تعرفه المجتمعات في هذه الأيام. ومن هنا فإن أسواق المال العالمية القائمة في المراكز الدولية ولدت وتطورات خارج نطاق الضوابط الشرعية، فكانت أدواتها خليطا من الأدوات الجائزة والأدوات الممنوعة بحسب المعايير الإسلامية في التمييز بين الحلال والحرام. ولما كان العالم الإسلامي يعيش في واقعه المعاصر على هامش التبعية للدول الصناعية المتقدمة، وحيث إن أسواق رأس المال تعتبر في أي نظام مالي هي قمة الهرم المتكامل في سقف البناء الاقتصادي المتطور، فإن الأمر المؤسف حقا أن يكون هذا العالم الإسلامي - رغم اتساع رقعته وكثرة خيراته وموارده - خاليا من أي تنظيم أو تخطيط لتمهيد الوجود لقيام سوق لرأس المال الإسلامي. وقد استتبع ذلك الأمر أن تخلو ساحة هذا العالم الإسلامي من الأدوات التي تشكل أساس قيام هذه السوق التي كانت ستشد الأواصر بين مختلف دول العالم الإسلامي المشتتة الاتجاه والوجود فالدول الإسلامية الغنية برأس المال مضطرة للارتماء على أبواب البنوك والمؤسسات المالية المتطورة في خارج العالم الإسلامي بحجة عدم وجود المؤسسات القادرة في الداخل على استيعاب الزخم المالي الفائض عن قدرة الاستيعاب والاستثمار.

стр. 8899

أما الدول الإسلامية التي تشكو من قلة رأس المال فإنها تأمل أن يأتيها العون بالمساعدة من الدول الإسلامية الغنية أو بالإقراض الذي يستنزف جهد الناتج القومي الإجمالي بحيث لا تتوفر في البلاد إمكانية التنمية القادرة على إزاحة سيف الفقر عن رقاب العباد. ولم يساعد وجود البنوك الإسلامية في ساحة العمل المصرفي على كسر حواجز الفقر والغني حيث تسربت الأموال الفائضة لدى تلك البنوك الإسلامية الاتجاه إلى أسواق المال العالمية بعد أن ابتكر لها الجهابذة هناك الوسائل المناسبة للاستثمار الذي لا يخالف المبادئ الشرعية من حيث الشكل والأساس. وقد كشفت الدراسة الغنية التي قدمها سمو الأمير الحسن بن طلال ولي عهد المملكة الأردنية الهاشمية في المؤتمر السنوي الخامس للمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل بيت) الذي جرى عقده في العاصمة الأردنية عمان ما بين ٢٣-٢٧/٤/١٩٨٦ عن جانب هامّ من جوانب قصور التلاقي بين عرض الأموال المتوفرة للقطاع الخاص من جهة وبين شدة الطلب على هذه الأموال من جهة أخرى. وقد استهدفت الدراسة المشار إليها أعلاه توجيه النظر إلى اقتراح توسط البنك الإسلامي للتنمية لتشجيع انتقال رءوس الأموال بين الدول الإسلامية (١) . ولما كان تجميع رءوس الأموال في المقام الأول ثم تنظيم انتقال هذه الأموال من مواطن الوفرة إلى أماكن الحاجة يعتمد على وجود الأدوات المناسبة للتجميع والنقل، لذلك كان اهتمام مجمع الفقه الإسلامي ببحث الأدوات المالية الإسلامية يمثل حجر الأساس في إقامة صرح هذا البناء الذي يحتاج إلى عقول مستنيرة وقلوب مؤمنة لكي تزهر ثمار الفكر الإسلامي بأغصان وارفة قوامها العدل بين الناس ولحاؤها الحسن والإحسان في تطهير مسيرة الحياة. وإن الأمل منوط بأهل الرأي الشرعي في أن يكونوا عند مستوى أداء الأمانة في تفهم احتياجات هذه الأمة الإسلامية، والتي أراد لها الله – – أن تكون خير أمة أخرجت للناس إذ هي اتبعت شريعته فيما يأمر به هذا الدين من الخير وينهى عنه من الشر. سائلين الله أن يلهمنا الحق ويعيننا على اتباعه وأن يجنبنا طريق الضلال والعمى عن الاهتداء بنوره الذي أنزله على رسوله الأمين محمد بن عبد الله، ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. * **

стр. 8900

الفرع الأول مفهوم الأدوات المالية وتوزينها بالمعايير الفقهية أولا – تطور الأدوات المالية وصورها المعاصرة: عندما تكون الحياة الاقتصادية بسيطة فإن الوسائل المستعملة تكون بسيطة كذلك. لذلك فإن الأفراد في الحياة البدائية يزودون أنفسهم برأس المال اللازم للإنتاج أو يقترضون بالمجان أو يشتركون في الامتلاك. ومع اتساع الاحتياجات وتطور الإمكانيات يصبح الاعتماد على التمويل الذاتي محدودا وتقل فرص الاقتراض المجاني وتزداد الحاجة للمشاركة من الآخرين. وقد شهد العالم تطورا متميزا في أنواع المشاركة المالية حيث انتقلت المشاركة من صفة الشريك لذاته (المشاركة الشخصية) إلى نظام الشريك بماله حيث فقد الاعتبار الشخصي أهميته في المشاركة وأصبح انتقال حق المشاركة وملكيتها من شخص الآخر يتم دون أن يؤثر على جوهر استمرار المشاركة سواء كان الشريك زيدا أم بكرا. وقد كان هذا التطور هو الذي أرسى الأساس لبناء صورة الشركات المساهمة التي يرجع إليها الفضل في إقامة المشروعات الكبرى والتي لا يستطيع الأفراد غالبا أن يتولوا تدير التمويلات الضخمة التي تحتاج إليها هذه المشاريع، وذلك مثل إنشاء شركات الإنتاج الأسمنت والنفط والنقل الجماعي والكهرباء والخدمات السلكية واللاسلكية في بعض البلاد. ومع اتساع قاعدة المالكين للأنواع المختلفة من أسهم الشركات الكبيرة برزت الحاجة لوجود وسطاء للتداول والتوفيق بين عارضي بيع الأسهم وطالبي شراء هذه الأسهم وذلك إلى أن تطور الأمر إلى وجود أسواق منظمة يتم فيها إجراء عمليات البيع والشراء بطرق تجعل من الميسور إتمام البيع أو الشراء دون حاجة لتوافق رغبة البائع والمشتري في الصفقة الواحدة. فقد يأتي إلى السوق مائة بائع لبيع عشرين نوعا من الأسهم من عدة فئات وأنواع وشركات حيث يأخذهم جميعا وسطاء السوق وتكون لهم محفظتهم التي يبيعون منها ما يشاء الطالبون. ومع وجود هذه الأدوات التي تمثل حصصا في رأس المال القابل للانتقال من مالك لآخر دون أن يتطلب ذلك الانتقال القيام بإجراء تصفية الشركة أو يؤثر على سيرها جعل من الممكن أن تتهيأ الأذهان لإمكان التبايع في هذه الأموال. كما أن وجود السوق حوّل من صفة هذه الأسهم التي توصف عادة بأنها من الاستثمارات طويلة الأجل لكي تصبح استثمارا ماليا قصيرا عن طريق سهولة البيع في سوق منتظمة وبأسعار معلنة ليست خاضعة للمساومة بل محكومة بعوامل السوق والملاءة. كل ذلك أدى إلى بناء الركن الأول من الأركان المنشئة لسوق رأس المال وذلك عن طريق تشجيع رءوس الأموال للانتقال من دائرة الاكتناز إلى دائرة الاستثمار دون خوف من التجميد طالما أن هناك الوسيلة المتاحة لتسييل هذه الاستثمارات. ويسمى السوق الذي يتجمع فيه رأس المال ابتداء بالسوق الأولى، أما السوق الذي يتم فيه تسييل رأس المال المستثمر وتحوّله وتبديله فإنه يسمى بالسوق الثانوي.

стр. 8901

أما الشكل الآخر الذي شهد التطور كذلك إلى جانب وجود الأسهم فإنه يتمثل في الرديف المحرم بالمفهوم الإسلامي وهو السند ذو الفائدة. ذلك أن المعلوم أن السهم هو حصة مُشارَكة في ملكية الشركة، وأما السند فهو حصة إقراض للشركة، وفي الوقت الذي يأخذ فيه المالك نصيبا من العائد المتحقق ربحًا، فإن المقرض يتقاضى عائدا من المقترض بصفة فائدة والتي تعتبر أنها من الربا الحرام ومهما اختلفت الأشكال والأنواع والمسميات. وكما تطورت سوق الأسهم واتسعت آفاقها ومجالات عملها، كذلك تطورت سوق السندات وتعددت أشكالها وأنواعها حتى برز من بينها سندات الفائدة المتغيرة وسندات الفائدة المخصومة من أصل القيمة عند البيع المبتدأ وهي السندات التي ظن بعض المأسورين أنهم يستطيعون بها أن يحتالوا على بعض الناس أو أن يخادعوا رب الناس بهذه الأوهام العارية عن كل غطاء. وقد اشتركت في إصدار سندات الفائدة الشركات المساهمة الكبيرة والمؤسسات المالية العامة والخاصة والحكومات المحلية والسلطات النقدية المركزية حيث اختلطت هذه السندات بعضها ببعض سواء كانت سندات تعطي الفائدة كجزء مقتطع من الأرباح في حالة الشركات المنتجة أم كانت سندات تعطي الفائدة كعائد على القرض الذي اتخذ صورة السندات تسهيلا لتجزئة المال المقترض. غير أن هناك نوعا جديدا من السندات الذي أطلق عليه اسم سندات المقارضة وذلك على أساس أنها تمثل حصة امتلاك في مشروع أو جملة مشاريع معينة حيث يتحول رأس المال الموزع على صورة حصص إلى سندات ملكية يخضع فيها رأس المال المدفوع لكل ما يخضع له رأسمال المضاربة من موجبات شرعية. ورغم سلامة هذا التصوير الذي أقره مجمع الفقه الإسلامي لسندات المقارضة باعتبارها تمثل حصة شائعة في ملكية المشروع المخصصة له، إلا أن الأمر ما يزال مختلطا على بعض أهل الفكر الإسلامي الذين لم يغوصوا إلى عمق المفاهيم الشرعية للتمييز بين ما يجوز وما لا يجوز في مقاطع الحقوق والشروط. وقد تعرض الباحث لمثل هذا الهجوم الشكلي عندما طرح فكرة إصدار السندات المقارضة في المملكة الأردنية الهاشمية عام ١٩٨٠ حيث اعتبر بعض المتدخلين على الفقه الإسلامي أن كلمة السند بحد ذاتها حرام لا يجوز أن تستعمل بهذا المقام رغم أن المفهوم اللغوي للسند هو الوثيقة وأن الحل أو الحرمة إنما تتقرر بالوصف أو الإضافة. فسند القرض أي وثيقة القرض حلال بحد ذاتها ولكن إذا كانت سند قرض بفائدة فإن الحرام هو الفائدة وليس أصل القرض ولو كان السند سند قرض حسن مثلا فإن ذلك السند يكون حلالا.

стр. 8902

غير أن العذر الذي يلتمس لهؤلاء الأخوة الذين تشددوا مع كلمة السند مبني على شيوع فكرة السند الربوي أو سند الفائدة وإن كان شيوع الأمر الباطل لا يؤثر في الفهم الشرعي للأمور حيث لم يغير النبي ﷺ اسم البيع لمجرد مخالفة المشركين فيما يدخلونه في البيوع من بيوع باطلة مثل بيع النجش والمنابذة والملامسة. كذلك لم يغير المشرع لفظ النكاح مع أن الجاهليين كانت لديهم صور عديدة من الأنكحة التي أبطلها الإسلام من الأساس. والذي يهم الباحث بيانه هو أنه الأدوات المالية المعاصرة تنقسم إلى صورتين رئيستين هما: (أ) صورة حصة المشاركة القابلة للتداول والمعروفة بأنها من الأسهم التي تمثل حقا من حقوق الملكية أو المشاركة. (ب) وصورة حصة القرض القابلة أيضا للتداول والمعروفة بأنها من سندات الدين سواء كانت دينا عاما أم خاصا. ثانيا – توزين الأدوات المالية المعاصرة بالمعايير الشرعية: (أ) توزين المسألة بالنسبة لأسهم الشركات: يقوم بالنظر الإسلامي في عقود المعاملات على منهج الحلال والحرام حيث يسقط من سلطان الإرادة التعاقدية للإنسان أمام سلطان الإرادة الإلهية فيما يجيزه الشرع أو يمنعه من التصرفات. والقاعدة العامة في موضوع الأدوات المالية مبنية على التفريق بين مفهوم الملك ومفهوم القرض. فكل حصة امتلاك تأخذ عائدا ناتجا عن نماء المال تكون مقبولة شرعا مع مراعاة توافر شرط الغرم بالغنم. وبناء على ذلك فإن السهم في الشركة المساهمة أو حصة المشاركة القابلة للتداول أو سند المقارضة الذي يمثل حصة في ملكية المشروع المعين كل ذلك يعتبر من الأدوات المالية التي لا تتعارض مع الشرع إلا إذا كان هناك شرط مخالف مثل شرط الفائدة للسهم الممتاز إذا قلّت الأرباح عن نسبة معينة أو شرط الاختصاص والتفرد بالأرباح لصنف معين من الأسهم التي تنال نصيب الأسد دون غيرها من الأسهم. غير أن هنالك تبقى مسألة تتطلب النظر بالنسبة لامتلاك الأسهم في الشركات المساهمة التي تتعامل بالفائدة سواء عن طريق إيداع أموالها لدى البنوك المتعاملة بها أم عن طريق الاقتراض بالفائدة أيضا من تلك البنوك.

стр. 8903

وقد انقسم الرأي حول هذه المسألة إلى فريقين: - فريق يرى أنه طالما كانت أغراض الشركة مشروعة من الأساس مثل شركات التجارة في المواد الحلال وشركات الصناعة كالأسمنت ومصافي النفط ومصانع السيارات وغيرها، فإن امتلاك الأسهم في مثل هذه الشركات جائز وربحها مقبول رغم أن هناك من اشتراط إخراج الجزء من الكسب الحرام إذا أمكن معرفته بالحساب. إما إذا كان غرض الشركة غير جائز أصلا مثل شركات الإقراض بالربا ومصانع الخمور وتسمين الخنزير فإنه لا يجوز شراء أسهم هذه الشركات ولا أخذ الأرباح منها بطبيعة الحال. - أما الفريق الثاني فلم يميز بين العمل والغرض واعتبر كل مخالفة شبهة توجب الابتعاد مهما كانت الأسباب. وهناك من ربط المسألة بالغلبة أي بمعنى أنه إذا كان الغالب على الأموال المستعملة في الشركة من أموال المساهمين فإنها تجوز وأما إذا كان الغالب من أموال الاقتراض بالربا، فإن المساهمة في مثل تلك الشركات لا يجوز. والذي يظهر لنا أن الأحكام المتسرعة في مثل هذه الأمور لا تعود بالمنفعة على المجتمع الإسلامي، حيث لو سلمنا برأي من يقول بالابتعاد عن كل شركة مساهمة فيها شبهة من قريب أو بعيد لكان مؤدى ذلك أن ينسحب المسلمون من الحياة الاقتصادية في المجتمع لينفرد غير الملتزمين بالإسلام بإدارة الدفة الاقتصادية للبلاد دون وازع ولا ضابط ولا انقياد. وقد كان الأولى أن تتكاثر أسهم الإسلاميين بالفكر والالتزام لكي يفرضوا على مجالس الإدارة من خلال سلطة الانتخاب أن تلتزم الشركة في التعامل بالطرق الحلال كما حدث لدى العديد من الشركات في أكثر من بلد إسلامي خاصة عندما وجدت البنوك الإسلامية. (ب) توزين المسألة بالنسبة لسند القرض: لما كانت فكرة السندات مبنية على الاقتراض غير الحسن أي الاقتراض بمقابل فليس هناك مجال من تصحيح المسار الذي نشأ على الاعوجاج من الأساس. لذلك فإن وضوح المسألة يعفينا من الشرح الزائد من بداية الطريق. وإن ما يقال عن سندات التنمية والإعمار وكذلك ما يستدرج إليه البعض من أهل العلم الذين ينظرون إلى ترجيح المصلحة المتوهمة التي تطرحها الأفهام القاصرة عند بعض المروجين لشهادات الاستثمار زعما بأن ما يوزع من فوائد إنما يمثل جزءا من عائد المشروعات غير المخصوصة بالبيان، لا يقوم على أساس. فإن كل ذلك الكلام المبني على حيل أشبه بالصور التلفزيونية المتداخلة لا يجوز أن يكون محلا لإصدار الحكم الشرعي. فالسندات التنموية وشهادات الاستثمار هي أدوات اقتراض تدفع الخزينة عوائدها للمستثمرين. وإن معنى قيام الخزينة بدفع العوائد أو الفوائد إنما يعني أن الدولة تقتطع هذه الأموال من دخل المواطنين بصورة ضرائب ليكون في ذلك أسوأ تحوير لإعادة توزيع الثروة في المجتمع حين يأخذ المستثمر الذي لا يعمل نصيبا من جهد العامل الذي لا يملك.

стр. 8904

ولو شاء الحريصون على مصالح الناس أن يجدوا الطريق الميسر الحلال لكان لهم ما أرادوا من شهادات الاستثمار المخصصة بالمشاريع المعنية وسندات القراض والمقارضة المرتبطة بنشاطات محددة كما قد لا يخطر على بال الكثيرين من الخبراء والعلماء والاقتصاديين. *** أما الحكم الشرعي فإنه لا يخضع للتصورات الموهومة فيما يظنه البعض أنه من المصالح العامة الراجحة، لأن عدل الله أرحم بالناس من حدبهم على أنفسهم إن أرادوا لأنفسهم الخير الذي قد يتصورون. فهل هناك من سبيل لتطوير الأدوات المالية الحالية بما يتفق مع الأحكام الشرعية؟ هذا ما سوف نجيب عليه بإذن الله في الفرع الثاني من هذا البحث. * **

стр. 8905

الفرع الثاني أسس تطوير الأدوات المالية بما يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية إذا رجع الناظر إلى الغاية الأساسية من طرح الأدوات المالية للتداول العام يتبين أن المسألة تتطلب تحقيق أمرين هامين هما: * الأول: يتمثل في جمع رأس المال اللازم لتأسيس مشروع معين وذلك عن طريق تقسيم رأس المال المطلوب إلى وحدات متساوية قد تسمى سهما كما هو الشائع عنها أو حصة مشاركة أو صك امتلاك أو غير ذلك من الأسماء. وتسمى الأدوات المالية الهادفة إلى جمع رأس المال اللازم لإنشاء المشاريع المختلفة بالأدوات الأولية ويسمى سوقها بسوق رأس المال الأولي أو الابتدائي. ويكون المالك للسهم أو الحصة أو الصك شريكا مع الآخرين في ملكية المشروع بكل ما يمثله مركزه المالي من موجودات ومطلوبات وهو يتمتع بهذه الصفة بحق جني الربح ويتحمل الخسارة. وليس هناك من تعارض في ضوء هذا الوضع مع الأحكام الشرعية للمعاملات سواء كان رأس المال المتجمع مقصودا به إنشاء شركة أملاك أم شركة عقود وسواء كانت الشركة عنانا أم مضاربة عادية أم مساهمة، اللهم إلا إذا كان عدد الشركاء محدودا لأسباب تنظيمية بعدد معين كما في بعض أحوال شركات التضامن وشركات التوصية البسيطة والشركات المحدودة المسئولية. وبناء على ذلك، فإن الأساس العام للإدارة المالية التي تمثل حصة مملوكة في مجموع قائم من أموال مختلطة تعود لمشروع معين وله مركز مالي محدد يكون أساسا شرعيا طالما كانت المشاركة مرتبطة بالغنم والغرم فيما يتعلق بالأموال الداخلة في هذه المشاركة. * أما الأمر الثاني: فإنه يتعلق بتداول هذه الأدوات وذلك على أساس إمكان بيع وشراء الأداة المالية بما تمثله من حقوق صافية في المشروع المعين. فإن هذا التداول المفتوح للأدوات المالية هو الذي يقوم عليه بناء السوق الثانوية لرأس المال. فإذا كانت الأدوات المالية المنتجة في السوق الأولية مقبولة من الناحية الإسلامية أي بمعنى أنها تمثل حصص امتلاك وليس حقوق إقراض، فإن تداول هذه الأدوات المشروعة من حيث الأساس يعتبر تداولا صحيحا وتكون السوق الثانوية لرأس المال الإسلامي مبنية على أساس سليم.

стр. 8906

ومن هنا فإنه يمكن القول بأن أسس تطوير الأدوات المالية بما يتفق مع الشريعة الإسلامية يعتمد على القواعد التالية: ١- بلورة الأدوات المالية التي تمثل حصص امتلاك مثل الأسهم وما هو في حكمها وذلك على أساس تنقية بعض أحكامها مما يخالف الشريعة الإسلامية وذلك مثل حالات الأسهم التفضيلية وأسهم الامتيازات ذات الفائدة. ٢- توسيع مفهوم المحاصصة أي قسمة رأس المال إلى حصص متساوية كالأسهم في الشركات الشرعية مثل شركة العنان وشركة المضاربة حيث يمكن في شركة المضاربة بالذات تصور قيام شركة مضاربة مساهمة وذلك على أساس أن يكون رأس المال الصادر عبارة عن أسهم يدخل بها رب المال في الشركة وتكون له حقوق رب المال في شركة المضاربة الفردية. وإن هذا النظام الذي كان للباحث شرف تقديمه للعمل به في دولة البحرين في ١٩٨٦م حيث أخذت به وزارة التجارة والزراعة كنظام صادر بالقرار رقم ١٧ لسنة ١٩٨٦م يشبه إلى حد كبير النظام الإنجليزي الذي يسمح بإصدار نوعين من الأسهم في الشركات المساهمة وهما الأسهم الصوتية (Voting Shares) ، والأسهم غير المصوتة (Non- Voting Shares) . ولو نظر المدقق في حكم رب المال في شركة المضاربة من ناحية الشرط الفقهي الخاص بعدم تدخل رب المال في إدارة المضاربة لتأكد أن هذا النظام الإنجليزي في الأسهم غير المصوتة منقول بروحه عن الأساس الإسلامي الذي اشترط إعطاء التصرف للعامل في مال المضاربة وإلا فإن العقد يكون فاسدا من الأساس. ٣- فتح أبواب التداول عن طريق المبايعة لحصص المشاركة سواء كانت بصورة أسهم في الشركات المساهمة أو حصص مشاركة في شركات المضاربة أو العنان أو أي صورة من الصور الأخرى طالما أن هناك مجالا لتغيير أشخاص المتعاملين دون أن يؤثر ذلك على مسيرة المشروع. وتمثل هذه الخطوة نقلة نوعية في مسيرة العمل الجاد لإنشاء سوق رأس المال الإسلامي وذلك عن طريق إيجاد الأدوات المالية التي تقبل التداول بالبيع والشراء رغم أنها تمثل حصص المشاركة. . وطالما أن هذا التداول مبني على وجود أدوات مقبولة من ناحية الأساس الشرعي، فإن الوجود الواقعي لسوق رأس المال الإسلامي يصبح واقعا مرتبطا بالتطبيق والحياة المعاصرة. *** وخلاصة القول هو أن الأساس الذي يعتمد عليه إيجاد الأدوات المالية الإسلامية إنما يقوم على اعتبار هذه الأدوات أنها حصص امتلاك في المشروع المعين وليست أجزاء من عملية الإقراض للمشروع المعني. وإن مقتضى هذا الامتلاك أن يكون الريع مرتبطا بحقيقة العائد تبعا لما يحققه المشروع المملوك من ربح أو خسارة حيث يكون الغنم متقابلا مع الغرم الذي يمكن أن يؤدي إلى الخسارة أو نقصان القيمة. *** فما هي الأشكال الملائمة للتطبيق في هذا المجال؟ هذا ما يجيب عليه الفرع الثالث. * **

стр. 8907

الفرع الثالث الأدوات المالية الإسلامية القابلة للتطبيق أولا – الأسهم العادية في الشركات المساهمة العامة: تعتبر الأسهم المعروفة في نظام الشركات المساهمة أنها واحدة من الأدوات الأقرب للتطبيق والقبول في العالم الإسلامي وذلك بالنظر لاستقرار التعامل بالأسهم وانتشار الأسواق المالية التي يتم فيها تداول هذه الأسهم بالبيع والشراء دون نكير أو اعتراض من أحد باستثناء بعض الآراء المستهجنة. وأنه من الواضح أن قبول فكرة التداول في الأسهم رغم أنها تمثل حصصا مالية في موجودات مختلطة من النقود والديون والأعيان إنما يقوم على الأساس الذي يسبق بيانه في الفرع الثاني وهو أن هذه الأسهم تمثل حصص امتلاك في المشروع المعين حيث تباع هذه الحصة بقيمة تزيد أو تنقص تبعا لزيادة قيمة الموجودات أو نقصانها. وكل ما يهم الباحث التنبيه إليه هو أن الأسهم ذات الأفضلية التي تعطي لمالكها حقوقا متميزة في الأرباح أو أسهم الامتياز التي تضمن للمالك نسبة محددة من الفائدة إنما تعتبر غير مقبولة من الناحية الشرعية الإسلامية حيث يعتبر نظام الشركة الذي يجيز إصدار مثل هذه الأسهم أنه نظام مخالف لفقه المعاملات المالية الإسلامية. فليس هناك في الإسلام تمييز بين الأموال كما أنه لا يوجد تمييز بين الأشخاص في التكاليف الشرعية. وليس هناك مال ممتاز يأخذ نصيبا محفوظا له من الربح أو نسبة محددة من الفائدة وإنما هناك مساواة لا تتميز فيها دنانير زيد عن دراهم عبيد وطالما أن هذه الدنانير والدراهم شريكة في الخسارة إذا خسر المشروع فإنها كذلك تشارك في الربح إذا نما المال بنفس النسبة على أساس العدل والإنصاف. ثانيا – الأسهم غير العادية: وتتمثل هذه الأسهم في صيغة الأسهم غير المصوتة (Non-Voting Shares) ، وهي من نوع رأس مال المضاربة حيث لا يملك رب المال التدخل في الإدارة. ويمثل هذا النوع من الأسهم بابا من أبواب الخير الذي يحسن بالمفكرين والمشرعين في العالم الإسلامي أن ينتبهوا إليه لإدخاله في التطبيقات المعاصرة. لقد كانت دولة البحرين – كما سبقت الإشارة إلى ذلك – هي أول دولة إسلامية تتقبل نظام الأسهم غير المصوتة وذلك بصدور القرار الوزاري رقم ١٧ لسنة ١٩٨٦م وهو القرار الذي شهدت البلاد على أثره تسجيل عدد من الشركات المالية الإسلامية والتي كان من أوائلها شركة التوفيق للصناديق المالية وشركة الأمني للأوراق المالية حيث طرحت كلتا الشركتين أدوات مالية إسلامية بلغت قيمتها بضعة ملايين من الدولارات.

стр. 8908

وإن العالم الإسلامي بحاجة إلى المزيد من التشريعات التي تنظم إصدار مثل هذه الأسهم وذلك لتحقيق ما يلي: (أ) نشر المزيد من الأدوات المالية الإسلامية. (ب) التغلب على معوقات الحواجز الإقليمية التي تمنع المواطنين في البلد الإسلامي من المساهمة في الشركات العامة في بلد إسلامي آخر بسبب عوامل الخوف من السيطرة أو انتقال الإدارة إلى غير المواطنين. (ج) إمكان توفير السوق الثانوية لرأس المال عن طريق تسهيل تداول هذه الأسهم بسهولة أكثر مما يمكن أن تتداول به أسهم الشركات المساهمة العامة العادية. ثالثا – سندات المقارضة (١) : وهي نوع من حصص المشاركة في مشروعات معينة مبنية على أساس القابلية للتصفية التدريجية وذلك على نفس الأساس الذي يصفى به رأس المال في شركة المضاربة. فكما أن رب المال في شركة المضاربة يسترد رأسماله وحصته من الربح على أساس الحصة الشائعة المحددة من الابتداء، فإن مالك السند باعتباره مقدما لرأس المال إنما يسترد رأسماله مقسطا مع حصته من الربح الذي ينويه كشريك في المشروع المعين. وتعتبر سندات المقارضة وبخاصة بعد إقرارها بالشروط التي حددها مجمع الفقه الإسلامي في المؤتمر الرابع المنعقد في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية عام ١٤٠٨هـ أنها واحدة من أهم الأدوات المفيدة والقابلة للتطبيق على جميع حالات الاستثمار الإسلامي المخصص في بلاد العالم الإسلامي.

стр. 8909

رابعا – سندات الخزينة المخصصة للاستثمار الإسلامي: قدم الباحث هذه الصيغة من صيغ الأدوات المالية الإسلامية كفكرة مهداه إلى إحدى الدول العربية الإسلامية تقديرا لمكانتها العالية في نفوس العرب والمسلمين وذلك حين واجهت هذه الدولة في عام ١٤٠٨هـ عجزا في ميزانيتها بمقدار كان فيه اضطرار لإصدار سندات قرض على أساس نظام سندات الدين العام. وقد أسس الباحث فكرة إصدار هذه السندات المخصصة على القواعد التالية: ١- إصدار سندات الخزينة المشاركة في المشاريع المنتجة للدخل وذلك على أساس بيع المشروع المعين أو جملة من المشروعات مقابل إعطاء سندات تمثل حصص امتلاك وانتفاع بريع المشروع أو المشروعات المعينة. ٢- إصدار سندات الخزينة الإيجارية لمشاريع مملوكة لمؤسسات وشركات مساهمة ذات نفع عام وذلك باعتبار أن هذه السندات تمثل حصص امتلاك قابلة للتأجير. ٣- إصدار سندات الخزينة البترولية بطريق السلم وذلك على أساس بيع الإنتاج المستقبل مع تنظيم بيوع السلم الأول والبيوع الموازية من أجل الموازنة بين الكميات المسلم فيها بالبيع والمطلوبة بالشراء. وتعتبر هذه الأداة واحدة من أنجح الوسائل الملائمة للدول البترولية حيث يساعد الإنتاج البترولي الضخم على اجتذاب آلاف الملايين من الدراهم والدنانير والريالات التي لا تجد طريقها للمشاركة في التنمية الوطنية. *** وخلاصة القول يتمثل في أن فتح أبواب العمل الاستثماري المنظم على أساس الإصدارات المخصصة لسندات الخزينة تعتبر بالنسبة للعالم الإسلامي بابا من أوسع أبواب الاستقطاب لرءوس الأموال من داخل البلاد الإسلامية وخارجها (١) . كما أن تضافر جهود البنوك المركزية للدول الإسلامية في سبيل ضمان التغطية وإمكانية إعادة شراء مثل هذه السندات يفتح المجال لقيام سوق رأس المال الإسلامي من أوسع الأبواب. * **

стр. 8910

الفرع الرابع مجالات تطبيق الأدوات المالية في عقود المعاملات الشرعية يدخل تطبيق الأدوات المالية في معظم عقود المعاملات الشرعية وذلك عندما يتطور استعمال هذه العقود من الصورة الفردية إلى الصورة الجماعية. ويتضح ذلك من استعراض العقود التالية المأخوذة على سبيل المثال وليس الحصر: ١- عقد المضاربة: المضاربة نوع من الشركة وهي تقوم على دفع المال من شخص لمن يتجر به والربح بينهما على ما شرطاه (١) . وتعتبر المضاربة من أوسع أبواب العقود المالية باعتبارها تقوم على أساس إعطاء المال لمن يعمل فيه مقابل حصة من الربح المتحصل من ذلك العمل. فالمضاربة تقوم أساسا على مفهوم تلاقي رأس المال مع جهد الإنسان لتحقيق عمل مربح. وكما أن رأس المال يمكن أن يقدمه فرد أو عدد محدود من الناس الراغبين في الاستثمار، فإنه من الممكن كذلك أن يكون رأس المال مقسما على هيئة حصص أو أسهم أو صكوك أو سندات امتلاك إلى غير ذلك من أشكال أو مسميات. وبما أن رأس المال في المضاربة يتحول من الصورة النقدية إلى صورة الموجودات المختلطة من النقود والديون والأعيان تماما كما هو الحال في تحول رأس المال في الشركات المساهمة، فإن تداول الأجزاء التي ينقسم إليها رأس مال المضاربة بالبيع والشراء أمر ممكن. صحيح أن الباحث يقرر من باب الأمانة في العرض أنه لم يقع على حالة من الحالات التي تعرض فيها الفقهاء لمسألة شراء رأس المال في المضاربة القائمة ولكن فلسفة الفقه الإسلامي بالمنظور الذي أحل فيه الله البيع وحرم الربا يمكن أن يشمل الكلام أي بيع ليس فيه ما يخالف الشرع. وأن رأس مال المضاربة الذي يكون مالا مختلطا من النقود والديون والأعيان يمكن أن يكون محلا للبيع بنفس المنطق الذي أجاز فيه الفقهاء مسالة المخارجة في التركة وهي نوع من البيع أو المصالحة القائمة على المعاوضة عن مال بمال.

стр. 8911

٢- عقود المشاركات الأخرى: ويشمل ذلك جميع عقود المشاركة الشبيهة بالمضاربة مما لا يكون لصاحب رأس المال أثر شخصي في الرضا بالعقد. فلا يستقيم الأمر مثلا في شركة العنان حيث يكون كل من الشريكين مفوضا بالتصرف ووكيلا عن الآخر فيه. ولكن المشاركة التمويلية أمر آخر فمن يقدم رأس المال اللازم مثلا لإقامة مشروع معين أو إنشاء بناء على أرض مملوكة للأوقاف يكون فيه الأمر خارجا عن الاعتبار الشخصي لصاحب رأس المال. فلو قدمه زيد أو عبيد يكون الأمر سيان. لذلك فإن تداول حصص المشاركة التمويلية بصورة أدوات مالية يكون جائزا ومقبولا. ٣- عقد السلم: عقد السلم هو من عقود التيسير التي أقرها رسول الله ﷺ في المدينة المنورة من أول عهد الهجرة وهو عقد على شيء – يصح بيعه – موصوف في الذمة مؤجل بثمن متعلق بثمن مقبوض (١) . ويقوم هذا العقد على أساس الدفع المقدم للثمن المطلوب فيما يجوز فيه السلم من المكيل أو الموزون أو المعدود المثلى مما يكون محلا للإنتاج حالا أو في المستقبل المعلوم. وكما يجوز أن يكون رأس مال السلم مدفوعا من شخص واحد أو عدة أشخاص مشتركين في التمويل، فإنه يجوز أن يكون رأس المال مقسما إلى أجزاء موزعة على عدد كبير من المالكين. وإن عقد السلم يمثل بابا من أبواب التطوير المناسب لإنشاء الأدوات المالية الإسلامية وبخاصة في مجال تخطيط الربح المحسوب على أساس التوقع المنظور. إن مفهوم تعليق الربح بالاتكال على الله على ما يرزق به لا يتنافى مع التخطيط لتحقيق الربح المتوقع بعد الاتكال على الله. فإذا كان المسلم (أي صاحب رأس المال في عملية السلم) قد تعاقد على شراء طن القمح بسعر مائة وعشرين دينارا لتسلمه في الأردن مثلا في شهر مايو (أيار) وذلك في الوقت الذي يعلم فيه من السوابق والظروف أن السعر سوف يكون في ذلك الوقت بحدود مائة وأربعين دينارا، فإن هذا التوقع المحسوب للأرباح لا يتنافى مع إمكان التخطيط لتداول الحصص الداخلة في السلم على أساس البيع الموازي.

стр. 8912

إن الممنوع في السلم – كما قال به أهل الفقه – هو بيع المُسْلَم فيه لأنه معدوم وقت العقد، ولكن الفقه لا يمنع من إجراء عقد جديد للسلم الذي يراعى فيه المُسَلِّم الكمية المحتملة فيما أسلم الكمية المحتملة فيما أسلم فيه. فإذا تعاقد زيد على شراء ألف طن من القمح الشامي يسلم له في شهر مايو (أيار) ، فإنه ليس هناك ما يحول شرعا دون قيامه بإبرام عشرة عقود للسلم يبيع بموجبها قمحا من ذات النوع حيث يكون كل عقد بمائة طن مثلا. إن فتح أبواب السلم الأصيل والسلم الموازي يمكن أن يغطي ساحة واسعة من ساحة الأدوات المالية الإسلامية في العالم الإسلامي (١) . ٤- عقد الاستصناع: يعتبر الاستصناع من العقود المبنية على دليل الاستحسان الذي برع فيه الأحناف للتخلص من آثار القياس. والاستحسان في علم أصول الفقه هو العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى بمقتضى هذا العدول (٢) . والاستصناع هو شراء ما سيصنع بطريق الطلب كأن يقول إنسان لآخر – كما أورد صاحب البدائع – اعمل لي خفا أو آنية من أديم أو نحاس من عندك بثمن كذا ويبين فيه نوع ما يعمل وقدره وصفته فيقول الصانع نعم (٣) . وقد كان الأصل في هذا العقد أنه غير لازم بمعنى أنه يجوز لكل من الطرفين فسخه كما في أصل المذهب الحنفي بلا خوف ما دام الشيء لم يصنع، أما بعد صنعه وإحضاره فيكون للمستصنع حق الفسخ من قبيل خيار الرؤية على المذهب الراجح (٤) ، غير أن مجلة الأحكام العدلية أخذت في المادة ٣٩٢ بلزوم العقد في حق الطرفين منذ انعقاد العقد إلا إذا جاء المصنوع على خلاف الوصف المعين في العقد حيث يكون للمستصنع حق الفسخ بمقتضى خيار فوات الوصف المشروط في العقد وليس بمقتضى عدم اللزوم في عقد الاستصناع (٥) .

стр. 8913

وبناء على لزوم عقد الاستصناع من ناحية، واستنادا إلى إمكان الالتزام في عقد الاستصناع من طرف المتقبل على أساس أنه يعطيه إلى طرف آخر لصنع المطلوب بنفس الشروط والمواصفات فإن تمويل عقد الاستصناع يمكن أن يتم على أساس تجزئة الحصص لبيعها بسعر الأساس (أي سعر التكلفة الأقل) عن طريق المستصنع الوسيط حيث يقبض المشاركون القيمة البيعية عند تمام التنفيذ والاستلام. فلو فرضنا أن بيت التمويل الكويتي تعاقد مع شركة الملاحة العربية في الكويت على تصنيع ناقلة نفط بمليون دينار كويتي مثلا، ثم قام بيت التمويل بالتعاقد مع شركة يابانية لصنع الناقلة بالمواصفات المطلوبة بسعر تسعمائة ألف دينار كويتي. فإنه يمكن لبيت التمويل أن يطرح حصص المشاركة في رأس المال اللازم للاستصناع على أساس البيع المجزأ لكل حصة بخمسة وتسعين دينارا كويتيا مثلا لكل حصة. وبذلك يصبح مالك الحصة شريكا في ملكية الناقلة بمقدار حصته، فإذا سلمت هذه الناقلة إلى شركة الملاحة وتم البيع فإنه يقبض ثمنا لحصته مائة دينار محققا بذلك ربحا قدره خمسة دنانير للحصة الواحدة. وإذا شاء أن يبيع حصته قبل ذلك فأن يبيع حصة في الناقلة أي أنه يبيع حصته الشائعة في ملكية الناقلة وهذا حقه طالما أنه المالك لهذه الحصة. وبذلك تكون هذه الأداة المتداولة بصورة سند الملكية الممثلة للحصة الشائعة محلا للبيع والشراء. * **

стр. 8914

الخلاصة وخاتمة الكلام من ذلك نتبين أن الأدوات المالية الإسلامية يمكن أن تجد لها مجالا رحبا للتطبيق في ظلال تطور الحياة الإسلامية المعاصرة. كما أن هذه الأدوات هي أقرب وأرحب من أدوات الاقتراض التي لا تسد الحاجات وإنما تزيد الكروب على المسلمين، وذلك لأن ارتباط رأس المال بالإنتاج يقود إلى طريق الانفراج أما ربط رأس المال بالربا فإنه يقود إلى الأذى. وإن العالم الإسلامي الذي تزيد موجوداته بمجموعها من الأموال المقتناة بالعملات الأجنبية عن ديونه المقترضة جدير بأن تتفتح لديه التوجهات للاستفادة من أموال البلاد الإسلامية وتوجيهها لخير المسلمين ولخير الإنسان في كل مكان. ذلك أن هذا العالم الذي نعيش فيه مع ظلام الجهل والابتعاد عن أنوار الهداية والإرشاد الإلهي، لا يكون إلا المسرح المهيأ لممارسة الإنسان ظلمه لنفسه وظلمه لأخيه الإنسان. ولم يكن العالم في يوم من الأيام بأحوج إلى هداية السماء من هذا الوقت الذي ظن فيه الناس أنهم قد بلغوا بالعلم إلى الهبوط على سطح القمر ولكنهم غفلوا عن أبسط مبادئ العدل في تكريم الإنسان أمام المال. وإن إيجاد الأدوات المالية الإسلامية القادرة على بناء سوق رأس المال الإسلامي تمثل المنطلق لتحرير المال الإسلامي من الوقوع في شراك الاصطياد السهل، وذلك حتى يعطي هذا المال ما عليه من حقوق لأهل البلاد التي خرج منها بسبب انعدام وسائل التعبئة والتوجيه للاستثمار الحلال. سائلين الله أن يبارك جهود العاملين الواعين لما يصلح حال هذه الأمة وأحوال العالم التائه في ظلام الجهل والبعد عن الصراط المستقيم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الدكتور سامي حسن حمود

стр. 8915

الأدوات المالية الإسلامية إعداد فضيلة الدكتور حسين حامد حسان رئيس الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد – باكستان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: ١- قامت البنوك الإسلامية لتحقيق أمل شعوب الأمة الإسلامية، في تحقيق التنمية الشاملة في أوطانها، وذلك عن طريق قيام هذه البنوك بجمع مدخرات المسلمين وتوجيهها للاستثمار وفق منهج الله، بما يحفظ لهذه الشعوب استقلالها، ويحمي حريتها، ويكفل أسباب التقدم والرقي لها حتى تتمكن من أداء رسالتها التي صارت خير أمة أخرجت للناس من أجلها. ٢- ولقد أقبل الناس على التعامل مع البنوك الإسلامية فور قيامها، وذلك بالإيداع فيها وطلب التمويل منها. ولقد تمثلت إيداعات هذه البنوك غالبا في حسابات استثمار قابلة للسحب عليها، وودائع استثمارية قصيرة الأجل , مما اضطرت معه هذه البنوك إلى استخدام مواردها في استثمارات قصيرة الأجل تجنبًا للمحاذير التي تترتب على استخدام موارد قصيرة في استثمارات متوسطة وطويلة الأجل، وبذلك كان إسهامها في قضية التنمية دون المستوى المطلوب منها. ٣- ومن الظواهر التي صاحبت نشأة البنوك الإسلامية انعدام التوازن بين مواردها واستخداماتها في كثير من الحالات. ففي الوقت الذي تعاني فيه بعض هذه البنوك من زيادة في السيولة لا تتاح لها الفرص المناسبة لاستخدامها، ولا المجالات الملائمة لاستثمارها، يعاني البعض الآخر من نقص في هذه السيولة، تعجز معه عن مواجهة ما يتوافر لها من فرص استثمار تعينها على تحقيق أهدافها. ولقد واجهت البنوك الإسلامية بسبب ذلك صعوبات عاقت مسيرتها، وضاعفت من ذلك أن البنوك الإسلامية بوضعها الحالي ليس لها مؤسسة مالية تقوم بدور البنك المركزي بالنسبة للنظام المصرفي التقليدي، تلجأ إليه عند الشدة كمقرض أخير لها. كما أن أسواق المال القائمة في البلاد الإسلامية لا تسمح أوضاعها الحالية باستخدام البنوك الإسلامية لها أو اللجوء إليها لاستحداث التوازن المطلوب، كما تفعل البنوك التقليدية. ٤- لكل هذه الأسباب ظهرت حاجة البنوك الإسلامية الماسة، إلى وضع سياسات جديدة لموارد هذه البنوك واستخداماتها، واستحداث أدوات مالية مبتكرة تمكنها من تنفيذ هذه السياسة، وتتفق مع مقاصد الشريعة العامة وقواعدها الكلية، وتمكن هذه البنوك من المساهمة الجادة في قضية التنمية الشاملة. ٥- وتحقيقا لهذه الغاية فقد عقدت ندوات، وحلقات بحث، ومجموعات عمل؛ قدمت فيها بحوث ودراسات لمعالجة هذه القضية. وقاد البنك الإسلامي للتنمية بجدة الجهود الرامية إلى استحداث أدوات مالية إسلامية، فكون مجموعات خبراء تضم علماء الاقتصاد وخبراء المال، وأساتذة الشريعة، وقد ظلت هذه تعمل على مدى عامين، حتى قدمت مشروعا للأدوات المالية الإسلامية القائمة على أحكام الشريعة، قدمته للاجتماع السابع للبنوك الإسلامية المنعقد في عمان في ٢١ مارس عام ١٩٨٦، ثم تبع ذلك تبني البنك نفسه لصيغ تطبيقية، تقوم على أساس هذه الأدوات. ٦- وهذا البحث دراسة لنتائج هذه البحوث والدراسات، وتوصيات هذه الندوات واللجان، والصيغ التي استحدثت بناء عليها، والأدوات المالية التي صدرت تطبيقا لها، وذلك كله في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية.

стр. 8916

تعريف الأدوات المالية الإسلامية: يعبر بعض الباحثين عن الأدوات المالية الإسلامية (بالأوراق المالية) تارة و (بشهادات الاستثمار) تارة أخرى، ويفرق البعض الآخر بين (الأوراق المالية) و (الأدوات المالية) ، فيرى أن الأولى تعني الأوراق المالية التقليدية أي الأسهم والسندات وأما الثانية فتعني الأوراق المالية المستحدثة وفق أحكام الشريعة الإسلامية، ونحن نرى أن هذه عبارات متساوية في الدلالة على نفس المعنى، ولذلك فسوف نستعمل عبارة الأوراق المالية، ونعني بها الأوراق المالية التي استحدثت وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وأما الأوراق المالية التقليدية فإننا سنعبر عنها بوصف التقليدية، أو بذكرها باسم أنواعها كالأسهم والسندات. وتعرف الورقة المالية الإسلامية بأنها (صك يمثل حصة شائعة في مال جمع بقصد استثماره للحصول على ربح، يصدره الشخص المستثمر، بصفته مضاربا؛ أو يصدره شخص آخر لحساب المستثمر، يقبل التداول، والتحويل إلى نقود) . ١- الصك يمثل حصة شائعة في مال: والصك شهادة أو وثيقة تصدر باسم المكتتب، مقابل المبلغ الذي اكتتب به في المشروع، وفقا لقواعد وشروط معينة، نذكرها عند الكلام على إصدار الأوراق المالية. وهو يمثل حصة شائعة في مال، وليس مالا في ذاته؛ لأن المال هو المتقوم، ولا قيمة لهذا الصك في ذاته. ويقصد بالحصة جزء أو سهم يمثل نسبة قيمة الورقة المالية إلى مجموع حصيلة الاكتتاب، أو المجموع المالي الذي تحول إليه حصيلة الاكتتاب بعد قيام المشروع. ويقصد بالمال الذي يمثل الصك حصة شائعة فيه: الحصيلة النقدية لبيع الأوراق المالية في فترة الاكتتاب، وهو الذي يمثل رأس مال المشروع، أو التمويل المطلوب للنشاط الاستثماري الذي صدرت الأوراق لتمويله. أما بعد قيام المشروع، وتحويل النقود إلى أعيان ومنافع وحقوق لدى الغير، فإن الصك يمثل حصة شائعة في هذا المجال المالي. وملكية حامل الصك ملكية شائعة، وليست مفرزة، والشريعة تجيز أن يتعدد أرباب المال وينفرد المضارب، فيملك كل واحد من أرباب المال حصة شائعة في مال المضاربة بنسبة رأس ماله إلى مجموع رأس مال المضاربة. كما أن الشريعة تجيز التصرف في الحصة الشائعة، كما تجيز التصرف في مجموع المال الذي يتكون من الأعيان والحقوق والمنافع، كما في تخارج أحد الورثة من التركة في مقابل مال يدفع إليه. وسوف نرى أن الورقة المالية يتم تداولها بقيمتها الاسمية في مرحلة الاكتتاب وبعده قبل بدء النشاط الاقتصادي، إذ لا تجيز الشريعة بيع النقد بالنقد متفاضلا، وأما بعد بداية النشاط الاقتصادي فإنه يجوز بيع الورقة المالية بقيمتها، وبأكثر أو أقل، كالشأن في التصرف في الأعيان والمنافع.

стр. 8917

وقد تتحول أصول المشروع في أثناء حياته إلى نقود أو ديون، فيمتنع تداول الأوراق المالية في هذه الحالة، إلا وفق الشروط التي قررتها الشريعة في تداول النقد والتصرف في الدين، كما سنرى. ففي حالة تحول أصول المشروع إلى نقود يتم تداول الورقة المالية بما يساوي حصتها من النقود، وليس بقيمتها الاسمية؛ إذ قد تزيد حصتها من النقود على قيمتها الاسمية. وفي حالة الديون تباع الورقة المالية بحصتها من الديون للمدين بها، وأما بيعها لغيره فلا يجوز إلا بغير جنس الدين، كأن تباع بالأعيان أو بعملة أخرى، كما سنفصله فيما بعد. أما إذا كان المشروع الذي صدرت الأوراق المالية لتمويله يتمخض ديونا، طوال حياة المشروع، كالشأن في عقد السلم إذا ما تم تمويله بإصدار أوراق مالية دفعت حصيلتها ثمنا، أو رأس مال للمُسلَم فيه، فإن تداول هذه الأوراق يخضع لشروط بيع الدين؛ ذلك أن المُسلَم فيه قبل قبضه يعد دينا في ذمة المُسلَم إليه، والورقة تمثل هذا الدين. وسوف نرى أنه عند قيام المشروع وأثناء حياته واشتمال أصوله على أعيان وحقوق ومنافع ونقود في الخزينة، فإن العبرة في جواز تداول الأوراق المالية بالغالب. فإذا غلبت الأعيان والمنافع على الديون والنقود جاز التداول دون قيود، وأما إذا غلبت الديون أو النقود، أو هما معا على الأعيان والمنافع فإن الشريعة تفرض قيودا على هذا التداول كما سنفصل القول فيه. ٢- استثمار المال بقصد الحصول على ربح: والورقة المالية صك يمثل حصة شائعة في مال جمع بقصد استثماره للحصول على ربح، والمال الذي جمع بقصد استثماره هو حصيلة الاكتتاب في الأوراق المالية المصدرة لتمويل مشروع أو نشاط اقتصادي، وهو يتمحض نقودا في فترة الاكتتاب وبعدها، قبل بدء النشاط الاقتصادي، أو قيام المشروع الاستثماري الذي صدرت الأوراق المالية لتمويله، ثم يتحول إلى أعيان وحقوق ومنافع عند بداية النشاط، أو قيام المشروع، كما ذكرنا، وهذا المال يكون رأس مال المضاربة، وقد أجازت الشريعة الإسلامية أن يدفع جماعة بوصفهم أرباب مال إلى مضارب واحد، مالا يستثمره والربح بينهم على وفق شرطهم، ويكون أرباب المال شركاء في هذا المال على الشيوع، ويقتسمون ربحه بينهم بنسبة مساهماتهم في رأس المال، بعد استنزال حصة المضارب من الربح.

стр. 8918

ويشترط في اعتبار الصك ورقة مالية أن يكون المال الذي جمع بطريق إصدار الأوراق المالية والاكتتاب فيها، قد قصد بجمعه استثماره في نشاط اقتصادي بقصد الربح. فإن كان قد جمع لاستثماره في مشروع خيري لا يقصد به الربح، كبناء لمستشفى خيري أو مدرسة أو دار أيتام، أو كان الصك يمثل حصة في ملكية عقار مشترك بين اثنين أو أكثر للاستعمال لم يكن الصك ورقة مالية بالمعنى الذي نقصده. ٣- المستثمر يصدر الصك أو يصدره الغير لحسابه: المستثمر هو مصدر الصك أو الورقة المالية، لتمويل مشروعه الخاص، أو نشاطه المعين، وقد يكلف المستثمر شخصا آخر، بنكا أو مؤسسة مالية، بإصدار هذه الورقة لحسابه في مقابل أجر معين، وهو يقوم بإعداد دراسة جدوى لمشروعه، ويحدد رأس مال هذا المشروع، والربح المتوقع منه، ثم يعد نشرة إصدار يضمنها جميع أركان وشروط عقد المضاربة، يطرحها على الجمهور طالبا منهم الاكتتاب في المشروع في مقابل منحهم أوراق مالية تسلم إليهم. وسوف نرى أن نشرة الإصدار تعد إيجابا من جانب المصدر بوصفه مضاربا، موجها إلى الجمهور، فإذا صادفه قبول المكتتبين بشراء الأوراق المالية انعقدت المضاربة صحيحة منتجة لآثارها، والشريعة تجيز أن يوجه إيجاب إلى الجمهور مع التزام الموجب بالبقاء على إيجابه مدة محددة، فإذا صادف الإيجاب قبولا في هذه المدة انعقد العقد. ٤- المستثمر يصدر الورقة المالية بوصفة مضاربا: مصدر الورقة المالية أو من تصدر لحسابه ويتلقى حصيلة الإصدار لاستخدامها في تمويل مشروع معين، إنما يصدر هذه الورقة ويتلقى حصيلتها بوصفة مضاربا والجمهور الذين يكتتبون في الأوراق المالية يكتتبون فيها بوصفهم أرباب مال مشترك بينهم، على النحو الذي سبق بيانه، وهذا يعني: (أ) أن علاقة مصدر الورقة المالية، والمتلقي حصيلة الاكتتاب فيها، بالمكتتبين؛ حملة هذه الأوراق، ليست علاقة دائن بمدين، بل علاقة مضارب يستثمر حصيلة الاكتتاب في مشروع اقتصادي بجماعة أرباب المال؛ فالمشروع ملك لحملة الأوراق المالية، ويد مصدر الاكتتاب عليه يد أمانة، يديره لحسابهم، في مقابل حصة معلومة من الربح، تحددها نشرة الإصدار، وبهذا تختلف الأوراق المالية عن السندات التي تصدرها الشركات والتي تمثل مديونية عليها لحملة السندات، وتتعهد الشركة فيها بدفع فوائد محددة مقدما، في فترات دورية، ثم تدفع قيمة السند في موعد استحقاقه. (ب) أن حق إدارة المشروع وسلطة إصدار القرارات الاستثمارية الخاصة به تكون للمستثمر مصدر الأوراق المالية وحده، دون تدخل من حملة الأوراق المالية، الذين يقتصر دورهم على مراقبة المصدر المضارب في إدارته للمشروع، للتأكد من التزامه بشروط عقد المضاربة، التي تضمنتها نشرة الإصدار، وهذه النشرة – كما قلنا - تحتوي على شروط عقد المضاربة، وقد تتضمن هذه النشرة تعيين أمين للإصدار، يرعى حقوق المكتتبين ويحميها في مواجهة المصدر (المضارب) .

стр. 8919

وبهذا تختلف الأوراق المالية عن الأسهم التي تمنح مالكيها حق إدارة الشركة عن طريق اختيار مجلس للإدارة، ثم عن طريق الجمعية العمومية، التي لها أوسع السلطات في إصدار القرارات التي لم تمنح لمجلس الإدارة المنتخب؛ ذلك أن الاستثمار بطريق تمويل المشروعات بأوراق مالية، وهو تطبيق حديث للمضاربة، يعني أن كل ما يريده أرباب المال من أوضاع وشروط، من حيث طبيعة المشروع وحجمه، وطريقة إدارته، ونسبه الربح التي يأخذها المضارب يتضمنها العقد الذي تمثله نشرة الإصدار، وهي وإن كانت تعد من قبل المضارب المصدر للورقة، إلا أن المصدر يراعي أن يضمنها شروطا وبيانات تجذب أرباب رءوس الأموال وتشجعهم على الاكتتاب، ويكون التنافس في ذلك كفيلا بحمل المضاربين المصدرين للأوراق المالية على تقديم أفضل شروط حتى يقبل الجمهور على الاكتتاب في مشروعاتهم. (ج) أن المضارب المصدر للأوراق المالية ليس مأذونا في خلط حصيلة الاكتتاب بماله الخاص إلا في الحدود التي يكتتب هو فيها، في المشروع، كغيره، وذلك إذا كان الإصدار لتمويل مشروع معين، أو نشاط خاص، أما إذا كان الإصدار للمشاركة في أنشطة المضارب المختلفة، فهو مأذون له في ذلك، على النحو الذي سنبينه تفصيلا فيما بعد. (د) أن المشروع المعين أو النشاط الخاص يعد (مال مضاربة) ، والمضاربة تختص في الفقه الإسلامي بحساب مستقل، وتتمتع بذمة مالية مستقلة، في حدود معينة، عن ذمة كل من أرباب المال والمضارب، فرب المال لا يسأل عن ديون المضاربة إلا في حدود رأسمال المضاربة، وما أذن فيه للمضارب من قرض يُضَم لرأس المال , ولا يستطيع ورثة رب المال نزع هذا المال من يد المضارب قبل انتهاء مدة المضاربة أو النض؛ أي تصفية المضاربة وتحويل أعيانها إلى نقود، وهذا المال ليس مملوكا للمضارب قطعا، ولا يرثه عنه ورثته، ولاينفذ عليه دائنوه، ولكل من المضارب ورب المال أن يشتري من مال المضاربة ولذا صرح بعض الفقهاء بأن بعض المصروفات التي ينفقها المضارب تلزم المضاربة، وتكون في مالها، ولا تلزم رب المال ولا المضارب. وهذا يدل على أن للمضاربة، شخصية مستقلة، وذمة مالية منفصلة، عن ذمة كل من رب المال والمضارب في حدود معينة، وأن على المضارب أن يمسك حسابات مستقلة للمضاربة، ويعد ميزانية دقيقة للأرباح والخسارة، حتى يتم توزيع الربح حسب الاتفاق في عقد المضاربة. قابلية الورقة المالية الإسلامية للتداول والتسييل: الورقة المالية الإسلامية قابلة للتداول؛ أي البيع والشراء بالأسعار السائدة وقت التداول، والتي تتحدد وفقا للمركز المالي للمشروع، الذي يعلنه البنك أو المستثمر في فترات دورية متقاربة، وذلك لحين قيام السوق المالية الثانوية الإسلامية، وهي الهدف المقصود، والشرط المسبق لجمع المدخرات الإسلامية وتوجيهها للاستثمار، في مشروعات متوسطة وطويلة الأجل، بما يحقق التنمية الشاملة في المجتمعات الإسلامية. وسوف نعرض لموضوع تداول الأوراق المالية بالتفصيل فيما بعد.

стр. 8920

وحتى تستجمع الورقة المالية الإسلامية خصائصها، وتحقق هدفها، فإن البنك الذي أصدر الورقة المالية يتعهد، وحده، أو مع غيره من البنوك، بشراء ما يعرض عليه منها بالسعر السائد، وقت تقديم الورقة، وهذا ما يسمى بتسييل الورقة المالية؛ أي تحويلها إلى نقود عند الاقتضاء، وذلك تشجيعا لأصحاب المدخرات على شراء الأوراق المالية، ومن ثم استثمار حصيلتها في مشروعات متوسطة وطويلة الأجل، ذلك أن أصحاب المدخرات لا يقبلون عادة على إيداع مدخراتهم لمدد طويلة، تمكن المستثمر من الاستثمار في مشروعات متوسطة، أو طويلة الأجل؛ لأنهم قد يحتاجون هذه المدخرات لمواجهة ظروف طارئة، تقتضي مدفوعات غير منظورة، فكان استعداد البنك مُصدر الورقة لشرائها وتحويلها إلى نقود عند الطلب، بالسعر الذي يعلنه في فترات دورية متقاربة، وهو الحل الوحيد في غيبة السوق المالية الإسلامية النشطة، لتداول هذه الأوراق. فإذا ما قامت هذه السوق لم يصبح ذلك ضرورة ملحة، وإن ظل هذا الإجراء مرغوبا فيه. وسوف نرى أن محل البيع والشراء ليس هو الشهادة أو الورقة المالية؛ لأنها ليست مالا متقوما في ذاتها، ولكن محل البيع هو ما تمثله الورقة المالية من قيمة مالية؛ أي الحصة المالية الشائعة في صافي أصول المشروع، والذي يتكون عادة من أعيان ومنافع ونقود وحقوق مالية لدى الغير، والبيع لا ينصب على القيمة النقدية للورقة؛ لأنه لا يجوز بيع النقد بالنقد إلا متساويا، ولكن على حصة من المجموع المالي من النقود والأعيان والحقوق والمنافع والديون لدى الغير، وللمجموع حكم يختلف عن حكم كل جزء من أجزائه على حدة، وقد قرر فقهاء الشريعة أن ما لا يجوز بيعه استقلالا يجوز بيعه تبعا، و (أن العبرة بالغالب) ، و (أن النادر لا حكم له) ، وعلى ذلك، فإن حصيلة الاكتتاب قبل قيام المشروع، وبدء النشاط الاستثماري، وكذلك صافي أصول المشروع لو تمحضت في أي وقت أثناء حياة المشروع نقودا فقط، أو ديونا فقط، أو نقودا وديونا، فإن التداول لا يجوز إلا وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، الخاصة بالتصرف في الديون والنقود، كما سنفصله عند الكلام على تداول الأوراق المالية. الفرق بين الأوراق المالية الإسلامية وغيرها من الأوراق المالية التقليدية: الأوراق المالية التقليدية هي السهم والسند، وسوف نعقد مقارنة سريعة بين كل منهما، وبين الأوراق المالية، التي بدأت البنوك الإسلامية في إصدارها، والتعامل بها.

стр. 8921

أولا- السهم والورقة المالية: يشترك السهم مع الورقة المالية الإسلامية في الأمور التالية: ١- يمثل كل من السهم والورقة المالية الإسلامية حصة شائعة في صافي أصول الشركة أو المشروع، وهذه الأصول تشمل غالبا على أعيان وحقوق ونقود ومنافع وديون لدى الغير، بنسب مفتاوته. والشرط في صحة تداول كل من الورقة المالية والسهم ألا تكون النقود وحدها، أو الديون وحدها، أو هما معا تمثل غالب صافي أصول المشروع أو الشركة، فإن كانت كذلك، خضع تداول السهم والورقة المالية لأحكام التصرف في الديون والنقود، في الشريعة الإسلامية، كما أشرنا إليه سابقا، وكما سنفصله عند عرض أحكام تداول الأوراق المالية بالتفصيل. ٢- يستحق مالك السهم والورقة المالية حصة في صافي ربح الشركة أو المشروع، تتناسب مع قيمة الأسهم التي يملكها في الشركة، أو الأوراق المالية التي يملكها في المشروع، إلى رأس مال الشركة أو المشروع. ٣- يقوم كل من السهم والورقة المالية مقام الحصة الشائعة في صافي أصول الشركة أو المشروع في التسليم والحيازة والقبض، وهي أمور تلزم لصحة التصرف، أو لزومه وتمامه، أو تعد حكما للعقد، وأثرا من آثاره، فشرط محل البيع والهبة والرهن أن يكون مقدورا على تسليمه. وتقوم حيازة كل من السهم والورقة المالية وقبضها وتسليمها مقام الحصة المالية الشائعة التي يمثلها كل منها حيث تكون هذه الحيازة والتسليم والقبض لازمة لانعقاد العقد أو تمامه ولزومه، أو تكون حكما من أحكامه، وأثرا يرتبه الشرع عليه، فشرط محل التعاقد في البيع والهبة والرهن أن يكون مقدورا على تسليمه، وشرط صحة عقد الرهن عند البعض، أو تمامه ولزومه عند البعض الآخر أن يقبض المرتهن المال المرهون ويحوزه حيازة دائمة، فهنا يقال: إن الحصة المالية الشائعة في صافي أصول الشركة أو المشروع مقدور على تسليمها بتسلم الصك نفسه؛ السهم أو الورقة المالية وقبض المرتهن وحيازته للصك يقوم مقام حيازة الحصة الشائعة نفسها. وقد قرر المالكية أن قبض وثيقة الدين تقوم مقام قبض الدين نفسه، في صحة عقد الرهن وتمامه، مع أن القبض شرط في تمام الرهن، بنص القرآن الكريم، في قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ . فالقبض – كما يقول الشافعي – معنى عام يكون في كل شيء بحسبه، وقد أجاز الفقهاء التصرف في الحصة الشائعة، ولم يشترطوا الإفراز في صحة البيع، وقد أجاز الفقهاء المحدثون التصرف في أسهم الشركات المساهمة، ولا شك أن السهم يمثل حصة شائعة في صافي موجودات الشركة، التي تتكون من أعيان وحقوق ومنافع ونقود وديون في ذمة الغير، وقرروا أن للمجموع حكما يختلف عن حكم كل فرد من أفراده، وجعلوا الحكم للغالب. وإذا تم بيع السهم أو الورقة المالية، فإن حيازة الصك وقبضه يعد حيازة للحصة الشائعة نفسها، كحكم من أحكام العقد، وأثر من الآثار المترتبة عليه، فيعد حامل السهم أو الورقة المالية حائزا للحصة الشائعة التي يمثلها كل منها.

стр. 8922

ويفترق السهم عن الورقة المالية الإسلامية فيما يأتي: ١- يشترك مالكو الأسهم في إدارة الشركة، عن طريق انتخاب مجلس للإدارة من بينهم، وعن طريق الجمعية العامة لهم، وتكون سلطات الإدارة موزعة بين المجلس والجمعية على النحو الذي يراه ملاك الأسهم في حدود القوانين السائدة في مكان تسجيل الشركة، أما ملاك الأوراق المالية الإسلامية، فإنهم لا يشاركون في إدارة المشروع بطريق مباشر، فهم لا ينتخبون مجلس إدارة للمشروع من بينهم، وليست لهم جمعية عمومية، تشترك في إدارة المشروع، بل إن الإدارة توكل للمضارب وحده، والمضارب ملتزم في إدارته للمشروع، بأحكام عقد المضاربة وشروطها الشرعية، ولملاك الأوراق المالية أن يكونوا من بينهم أو من غيرهم مجلس مراقبة يرعى مصالحهم، ويحمي حقوقهم، في مواجهة المضارب، ويكون مسئولا عن مراقبة تنفيذ شروط العقد التي تضمنتها نشرة الإصدار، وما يلحق بها من دراسات الجدوى والبيانات والمعلومات التي تنص عليها هذه النشرة، وهي كما ذكرنا تعد إيجابا من جانبه، يقابله قبول المكتتبين. فالشريعة الإسلامية ترى أن هذه الصورة من صور الاستثمار والتمويل تعتمد على أن رب المال لا يشارك في اتخاذ القرار الاستثماري، ولا يتدخل في إدارة المشروع، وله فقط أن يختار المستثمر الذي يجمع بين الأمانة والخبرة، ويضمن عقد المضاربة ما يراه من الشروط والقيود التي تتعلق بمجالات الاستثمار، ومكانه وطرقه التي يراها محققة لمصالحه، تاركا، المضارب وحده يتخذ القرار الاستثماري على مسؤوليته، وهو أن تعدي أو قصر، أو خالف شرطا من شروط المضاربة في إدارته، كان مسئولا عن كل ضرر يلحق بالمضاربة، ويضر بحقوق أرباب المال، ولذا فإن على رب المال أن يختار لهذا النوع من الاستثمار الكفء الأمين، وأن يضمن عقد المضاربة كل ما يرى من شروط وتعليمات، كما قلنا. وقد يقال أن المضارب في هذا النوع من التمويل والاستثمار يستقل بإعداد نشرة الإصدار، وما تتضمنه من دراسة الجدوى للمشروع، وشروط الاستثمار، ولا يملك المكتتبون (أرباب المال) إلا قبول هذه النشرة والاكتتاب فيها، أو عدم قبولها، فكيف يتسنى لهم وضع الشروط التي يرونها محققة لمصالحهم؟ والجواب أن مبدأ العرض والطلب على رأس المال سوف يحمل المضاربين مُصدّري الأوراق المالية، على تضمين نشرات الإصدار الشروط التي تحقق مصالح أرباب المال، وتجذبهم إلى الاكتتاب لتمويل مشروعاتهم فتحقق الغرض، ويكون قبول المكتتب دليلا على رضاه بما جاء في نشرة الإصدار، فكأنه شريك في إعدادها، إذ العقد يتكون من الإيجاب والقبول.

стр. 8923

٢- الأسهم مشاركة دائمة في الشركة، تبقى مدة حياة الشركة، وإن انتقلت ملكيتها من شخص إلى شخص آخر: لأنها تمثل رأس مال الشركة المصدر، فهي إذن غير قابلة للرد من جانب الشركة، في حين أن الأوراق المالية ليست بالضرورة مشاركة دائمة في المشروع، فقد يكون إصدار الأوراق المالية لتمويل مشروع بطريق المشاركة المتناقضة، بحيث يتم إطفاء بعض الأوراق المالية على مراحل زمنية معينة. الأوراق المالية والسندات: يختلف السند عن الورقة المالية الإسلامية فيما يأتي: ١- ذكرنا أن الورقة المالية، كالسهم تمثل حصة مالية شائعة في صافي أصول الشركة، أي جملة الأصول بأنواعها المختلفة، مادية ومعنوية، ثابتة وغير ثابتة، مطروحا منها صافي التزامات الشركة، فحق صاحب الورقة المالية أو السهم حق عيني يتعلق بموجودات الشركة أو المشروع، في حين أن السند يمثل دينا في ذمة الشركة التي تصدره، ولا يتعلق بموجودات الشركة. ٢- حامل السند لا يتأثر بنتيجة أعمال الشركة، ولا بمركزها المالي بطريق مباشر؛ لأن مالكه يستحق القيمة الاسمية لسنده في مواعيد الاستحقاق المدونة فيه، مضافا إليها الفوائد المحددة سلفا، بصرف النظر عن المركز المالي للشركة أو الربح الذي حققته، أو الخسارة التي منيت بها؛ فمالك السند لا يشارك في تحمل مخاطر الاستثمار للشركة المصدرة للسندات، بخلاف مالك السهم والورقة المالية فإنه يتأثر بنتيجة أعمال الشركة أو المشروع، ويشارك في تحمل المخاطر، فله الغنم الذي يحققه المشروع، وعليه الغرم الذي يتعرض له. فالسهم والورقة المالية يشاركان في الأرباح المحققة، ويتحملان الخسارة التي يتعرض لها المشروع أو الشركة. على أنه قد ظهر نوع من السندات لا يستحق حامله فائدة محددة مسبقا، بل يشارك في أرباح الشركة التي أصدرته، وتسمى سندات مشاركة في الأرباح، وهذه قد تتحول إلى أسهم في أوقات لاحقة. على أن هذا النوع من السندات يبقى مساهمة مؤقتة في الشركة؛ لأن الشركة تدفع قيمة هذه السندات في مواعيد استحقاقها، ما لم تتحول إلى أسهم، فهي تمثل مشاركة متناقصة، غير أن الشركات المصدرة لهذا النوع من السندات لا تلتزم في استثماراتها بأحكام الشريعة الإسلامية. * **

стр. 8924

خصائص الأوراق المالية الإسلامية يؤخذ من تعريف الورقة المالية الإسلامية السابق، ومن الفرق بينها وبين كل من السهم والسند، أي الأوراق المالية التقليدية، أن للأوراق المالية الإسلامية خصائص لا بد من توافرها، حتى يكون إصدارها وتداولها، والأرباح المحققة منها موافقا لأحكام الشريعة من جهة، ومحققا للغرض من إصدارها من جهة أخرى، وهو تشجيع أصحاب المدخرات على شراء هذه الأوراق، ومن ثم تمكين المستثمر مصدر الورقة المالية من استثمار حصيلتها في مشروعات متوسطة، وطويلة الأجل، لإحداث تنمية اقتصادية شاملة، في ظل سوق مالي إسلامي نشط. وهذه الخصائص هي: ١- الورقة المالية الإسلامية تخول حاملها حق ملكية في صافي أصول المشروع الذي يمول من حصيلة إصدارها، وهذا الحق يتمثل في حصة شائعة في صافي موجودات المشروع على النحو الذي سبق بيانه، فإذا انعدمت هذه الخصيصة؛ بأن كانت الورقة تمثل دينا في ذمة مصدرها، لم تكن ورقة إسلامية، فلا يجوز إصدارها، ولا تداولها، ولا يحل العائد منها وإن كان حصة محددة في نشرة الإصدار، من الربح؛ لأن حل العائد يعتمد على شرطين: أحدهما: ألا تكون القيمة الورقة مضمونة على المستثمر، وثانيهما: أن يكون هذا العائد حصة محددة من الربح عند التعاقد؛ أي في نشرة الإصدار، التي تعد إيجابا من جانب المضارب، والاكتتاب الذي يعد قبولا لهذا الإيجاب. والدين مضمون في ذمة المدين، بصرف النظر عن نتيجة المشروع الممول بهذه الورقة، والواقع أن الورقة المالية في هذه الحالة تعد سندا مشاركا في الأرباح، ومضمونا على المشروع الذي أصدره، فالمشروع يلتزم برد قيمة السند في مواعيد استحقاقه، وإن كان ما يدفعه عائدا ليس محددا مسبقا بنسبة من القيمة الاسمية له، بل حصة محددة من الأرباح. ٢- الورقة المالية الإسلامية تخصص حصيلة الاكتتاب فيها للاستثمار في مشروع أو نشاط يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية، فإذا كانت هذه الحصيلة تستثمر في أنشطة محرمة، كصناعة الخمور، والإقراض بفائدة، فإن الورقة لا تعد إسلامية، فلا يجوز إصدارها، ولا تداولها، ولا يحل الربح العائد منها؛ لأن إصدار مثل هذه الأوراق وشراءها يعد مساهمة في نشاط محرم، والربح العائد منها هو ربح في نشاط لا تجيزه الشريعة. ٣- الورقة المالية الإسلامية وسيلة تمويل تقوم على مبدأ المضاربة الشرعية، من كل جوانبها، وتأخذ جميع أحكامها، فمصدر الورقة المالية، والمتلقي لحصيلة هذا الإصدار بقصد استثماره مضارب، ويده على هذه الحصيلة يد أمانة، لا يد ملك ولا يد ضمان، إلا في حالات التعدي، أو التقصير، أو مخالفة شروط المضاربة التي تتضمنها نشرة الإصدار، وحملة الأوراق المالية أرباب مال، يملكون حصيلة الاكتتاب قبل قيام المشروع، ويملكون المشروع بعد قيامه، وهم بهذه الصفة يتحملون كافة المخاطر التي يتعرض لها المشروع، وذلك في حدود الأموال التي اكتتبوا بها في المشروع، أو المبالغ التي أذنوا للمضارب باقتراضها لحسابهم لزيادة رأس مال مشروع.

стр. 8925

فإذا تضمنت نشرة الإصدار، أو الورقة المالية التي تصدر بناء عليها، حكما يخالف هذه الأحكام لم تكن ورقة إسلامية، فلا يجوز إصدارها، ولا تداولها ولا يحل العائد منها. ٤- الورقة المالية الإسلامية تعطي مالكها حصة من الربح، وليس نسبة محددة مسبقا من قيمتها الاسمية. وحصة ملاك الأوراق المالية من أرباح المشروع أو النشاط الذي تموله تحدد بالنسبة وقت التعاقد، أي في نشرة الإصدار التي تسبق الاكتتاب، أو في الورقة المالية نفسها، بحيث تتضمن هذه النشرة أو الورقة المالية حصة المضارب، وحصة أرباب المال، أي حملة الأوراق المالية من الربح الذي يتحقق في نهاية المشروع أو في فترات دورية معينة. فإذا كانت الورقة المالية تعطي حاملها مبلغا محددا، أو نسبة معينة من قيمتها الاسمية، أو تعطيه حصة من الربح غير محددة، في نشرة الإصدار، أو في الورقة نفسها، بل يحددها المضارب في نهاية المشروع، أو في فترات دورية لاحقة، لم تكن ورقة مالية إسلامية، فلا يجوز إصدارها، ولا تداولها، ولا يحل العائد منها؛ ذلك أن العلم بمحل التعاقد شرط عند التعاقد، لا بعده، ومحل عقد المضاربة هو رأس المال والربح وحصة المضارب ورب المال منه، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء، ولذا فإن ما جرت عليه بعض البنوك من عدم تحديد حصة كل من المودع والبنك المضارب في الربح عند الإيداع، يشكل مخالفة صريحة لأحكام الشريعة الإسلامية، في عقد المضاربة. ٥- الورقة المالية تلزم مالكها بتحمل مخاطر الاستثمار كاملة، في حدود المبالغ التي اكتتب بها في المشروع، فهو يتحمل بحصته في أية خسارة يتعرض لها المشروع بسبب لا يد للمضارب فيه؛ لأن حملة الأوراق المالية (أرباب المال) يملكون المشروع ملكية مشتركة، وتلف المال، وهلاكه وخسارته على مالكه، وفقا لقواعد الشريعة، فإذا تضمنت نشرة الإصدار أو الورقة المالية شرط ضمان مخاطر الاستثمار في المشروع، على غير حملة الأوراق المالية، لم تكن الورقة المالية إسلامية، سواء كان هذا الضمان من المضارب أو من شخص ثالث غيره، تبرع بهذا الضمان، أو تقاضي عنه عوضا، أما ضمان المضارب فهو شرط ينافي مقتضى العقد فيبطل، وأما ضمان غيره بعوض فإنه ينافي قاعدة الضمان، باعتباره عملا من أعمال البر والمواساة، التي لا تكون إلا لله، وأما ضمان ذلك الغير بدون عوض فإنه تبرع بالضمان في حالات لا يترتب عليها لزوم الضمان؛ لأن شرط الضمان أن يكون محله حقا مضمونا على المضمون عنه، ومخاطر الاستثمار ليست مضمونة على المضارب فإذا انصب شرط الضمان على ما يلزم المضارب بسبب تعديه أو تقصيره، أو مخالفة لشرط من شروط المضاربة كان شرط الضمان صحيحا.

стр. 8926

٦- الورقة المالية الإسلامية قد تخصص حصيلة الاكتتاب فيها للاستثمار في نشاط خاص أو مشروع معين، وقد تخصص هذه الحصيلة للاستثمار في أنشطة متنوعة ومشاريع متعددة، يقوم بها البنك الصدر مع أمواله التي تستثمر في هذه الأنشطة وتلك المشروعات، فيكون المكتتبون في هذه الأوراق شركاء للبنك المصدر لها في مشروعاته ونشاطاته، التي يقوم بها بنسبة اكتتاباتهم إلى مجموع الأموال المستثمرة، ويكون البنك في هذه الحالة مضاربا في مال غيره وعاملا في مال نفسه، وهو يستحق حصة من الربح بوصفة مضاربا، تستنزل من صافي الأرباح، ثم يستحق حصة من الربح الباقي بنسبة رأسماله المستثمر مع حصيلة الأوراق المالية التي أصدرها إلى مجموع الأموال المستثمرة. (أ) فالورقة المالية التي تخصص حصيلة الاكتتاب فيها للاستثمار في نشاط خاص، أو مشروع معين تقتضي أن توضع هذه الحصيلة في حساب خاص، منفصلة عن أموال المضارب مصدر الورقة المالية، وأن تكون للمشروع المعين، أو النشاط الخاص، بعد قيامه حسابات مستقلة، وذمة مالية منفصلة عن ذمة المضارب، ذلك أن المضاربة تتمتع بذمة مالية في حدود معينة، كما سبق بيانه، وبذلك يمكن تحديد الأرباح وتوزيعها بين المضارب وحملة الأوراق المالية، حسب الوارد في نشرة الإصدار والورقة المالية، وحتى يمكن تحديد خسائر المشروع إن كانت هناك خسارة. (ب) وأما الورقة المالية التي توجه حصيلتها للاستثمار في جميع المشروعات والأنشطة الاستثمارية للبنك الذي أصدرها، فإنها تقتضي أن يمسك البنك المضارب حسابات خاصة لجميع أنشطة البنك التي تساهم حصيلة هذه الأوراق في تمويلها، مع حقوق الملكية الموجهة للاستثمار في هذه المشروعات منفصلة عن الأنشطة الأخرى التي يقوم بها البنك، كالخدمات المصرفية والوكالات وغيرها، حتى يمكن تحديد الأرباح المتحققة من الأنشطة الاستثمارية، وتلك المتحققة من غيرها، وكذلك تحديد حصة المصاريف التي تلزم حساب الاستثمار من مجموع مصاريف البنك المضارب، ثم توزيع الأرباح بين حملة الأوراق المالية، بعد استنزال حصة البنك المضارب تبعا لذلك. فإذا تضمنت الورقة المالية أو نشرة الإصدار ما يخالف ذلك الحكم، بأن نصت على أن مصدر الورقة المالية والمستثمر لحصيلتها لا يمسك حسابات مستقلة للمشروع الخاص أو النشاط المعين في الحالة الأولى، أو لا يمسك حسابات مستقلة لمجموع الأنشطة الاستثمارية في البنك منفصلة عن حسابات الأنشطة الأخرى، في الحالة الثانية، كانت الورقة المالية غير مستكملة لخصائص الورقة الإسلامية، فإن خلت الورقة المالية ونشرة الإصدار عن الإشارة إلى هذا الموضوع بالكلية، التزم مصدر هذه الأوراق بإمساك هذه الحسابات المستقلة بحكم الشرع. حتى يكون ما يوزع من أرباح، أو ما يتحمله حملة الأوراق المالية من خسارة يمثل الحقيقة. فإذا تضمنت نشرة الإصدار أو الورقة المالية الصادرة بناء عليها ما يفيد التزام البنك الذي أصدر هذه الورقة بإمساك حسابات مستقلة على النحو السابق، ثم أخل البنك بهذا الالتزام، كان ضامنا، وأمكن لحملة الأوراق المالية حمله على تنفيذ التزامه قضاء.

стр. 8927

٧- الورقة المالية الإسلامية تقتضي أن يقوم مصدرها، المستثمر لحصيلة إصدارها بإصدار ميزانية أرباح وخسائر في نهاية المشروع المعين، أو النشاط الخاص، أو في فترات دورية منتظمة، حسب الوارد في نشرة الإصدار، والورقة المالية الصادرة بناء عليها. أما مصدر الورقة المالية بقصد تمويل جميع أنشطته ومشروعاته الاستثمارية، فإنه يلتزم بعمل ميزانية أرباح وخسائر لهذه الأنشطة وتلك المشروعات في فترات دورية منتظمة، والغالب أن تكون سنوية. وهذه الميزانيات لا بد أن تعلن للجمهور، وأن توضع تحت تصرف حملة الأوراق المالية، للتأكد من مقدار الأرباح الموزعة عليهم، وأنها تساوي النسبة المخصصة لهم في نشرة الإصدار والورقة المالية، أو مقدار الخسارة التي يتحملونها. فإذا قام البنك مصدر الورقة بتوزيع أرباح دون أن تكون هناك ميزانية معلنة، أعدت وفقا للأصول الفنية من أهل الخبرة، تظهر هذه الأرباح، أو كانت هناك ميزانية ولكن توزيع الأرباح جاء مخالفا لما ورد في نشرة الإصدار، والورقة الصادرة بناء عليها، وما تظهره الميزانية، كان هذا التوزيع مخالفا لأحكام عقد المضاربة، ذلك أن البنك بوصفه مضاربا يلتزم شرعا بمعرفة الربح، وهو ما زاد على رأس المال، ثم معرفة حصة حملة الأوراق المالية، من هذا الربح، وفقا للنسبة المحددة لهم في عقد المضاربة، الذي تمثله نشرة الإصدار، والورقة الصادرة بناء عليها، ونسبة المضاربة، وهم حملة أسهم البنك، أي أصحاب حقوق الملكية، ثم توزيعه بينهم وفق العقد، دون زيادة أو نقص، وإذا كانت هناك خسارة، وهي ما نقص من رأس المال المستثمر، فيلزمه كذلك معرفتها، وتحديد حصة حملة الأوراق المالية، وأصحاب حقوق الملكية فيها، وهذا كله لا يتأتى إلا بإصدار ميزانية حقيقية، وفقا للأصول الفنية المرعية، وأن يأتي التوزيع متفقا مع ما جاء في هذه الميزانية، وعقد المضاربة الذي يتمثل في نشرة الإصدار والورقة المالية المصدرة بناء عليها. وليس هناك ما يمنع شرعا من أن تتضمن نشرة الإصدار والورقة المالية الصادرة بناء عليها تحديد نسبة من الربح تودع في حساب أو صندوق خاص تخصص حصيلته لضمان مخاطر الاستثمار. فإذا وقعت خسارة في أحد الأعوام أمكن تغطيتها أو جزء منها من حصيلة هذا الصندوق. والنسبة المخصصة لضمان مخاطر الاستثمار تبرع من أصحاب الحق في الأرباح، فأما المضارب فقد نص عليه في نشرة الإصدار، وفي الورقة المالية التي طرحها، فهو راض به، على سبيل التبرع، وأما حملة الأوراق المالية فقد قبلوا هذا التبرع بقبول الاكتتاب في الأوراق المالية المطروحة، بناء على نشرة الإصدار، والتبرع يلزم بالقول عند المالكية.

стр. 8928

ومن ثم فإنه يستفيد من خدمات هذا الصندوق حملة الأوراق المالية الحاليين، ومن يأتي بعدهم، ممن يشتري هذه الأوراق، فإذا انتهى المشروع صرف ما بقي في الصندوق من أموال في جهة من جهات البر، وفقا لما تنص عليه نشرة الإصدار. وليس هناك ما يمنع شرعا، كذلك، من النص في نشرة الإصدار والورقة المالية على اقتطاع نسبة محددة من الأرباح قبل توزيعها، لتكوين مخصص تنص عليه القوانين، أو يتبرع به أصحاب الحق في الأرباح، للغرض الذي نص عليه القانون أو نشرة الإصدار، لأن الحق في الربح للمضارب، وأرباب المال، فلهم حق التبرع منه للأغراض المشروعة. ٨- الورقة المالية إذا تضمنت نشرة إصدارها نتائج دراسات الجدوى التي أعدت عن المشروع الذي صدرت الورقة المالية لتمويله، ونسبة الربح المتوقعة للمشروع، فإنها تكون صحيحة، من الناحية الشرعية، ولا يعد ذلك تحديدا للربح بنسبة من رأس المال مقدما، ذلك أن المضارب ليس مسئولا عن هذه النسبة إذا ظهرت نتائج استثماره، مخالفة لها، وإنما يسأل عن صحة البيانات الواردة في دراسة الجدوى، وعن مخالفة هذه الدراسة للأصول الفنية لدراسة الجدوى، وبالتالي يلتزم بالتعويض إذا ثبت أنه أخفى بعض البيانات، أو أدلى ببعض المعلومات الكاذبة، أو خالف في دراسة الجدوى ما تواضع عليه أهل الاختصاص والخبرة، ولا يستطيع المضارب أن يتخلص من هذه المسؤولية، ويسقط عن نفسه الضمان إلا إذا أثبت أن مخالفة نسبة الأرباح التي أظهرتها ميزانيته لما ورد في دراسة الجدوى، الواردة في نشرة الإصدار، إنما كان بسبب لا يد له فيه، كصدور قوانين ضريبية أو جمركية أو نقدية جديدة، أو حدوث جائحة في إنتاجه الزراعي، أو مرض في إنتاجه الحيواني، أو حالة حرب منعت تصدير المنتج، أو غير ذلك من الظروف الطارئة، التي لم يكن من الممكن لمن قاموا بدراسة الجدوى توقعها. أنواع الأوراق المالية: تتنوع الأوراق المالية باعتبارات مختلفة، فهي من حيث اعتبار المدة يمكن أن تكون محددة بمدة طويلة، أو متوسطة، أو قصيرة، ويمكن أن تكون غير محددة المدة. ومن حيث اعتبار استخدام حصيلتها، يمكن أن تكون أوراقا مخصصة، وأوراقا غير مخصصة، ومن حيث نوع النشاط الذي تستخدم حصيلتها في تمويله يمكن أن تتنوع أنواعا كثيرة، بتنوع الأنشطة الاستثمارية نفسها، وسوف نعرض لكل تقسيم من هذه التقسيمات بشيء من التفصيل مع بيان حكم الشريعة في جواز إصدار أنواع كل تقسيم منها، وتداولها، واعتبارها وسيلة من وسائل التمويل المقبولة شرعا.

стр. 8929

أولا- أقسام الورقة المالية من حيث المدة: تنقسم الورقة المالية من حيث مدتها إلى قسمين، أولهما: أوراق مالية محددة المدة، وثانيهما: أوراق مالية غير محددة المدة، والأوراق محددة المدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أوراق مالية محددة بأجل قصير، وأوراق مالية محددة بأجل متوسط وأوراق مالية محددة بأجل طويل، مع ملاحظة أن الطول والقصر، في أجل الورقة المالية أمر نسبي، ويربط غالبا بأجل المشروع أو النشاط الذي تستثمر فيه حصيلة هذه الأوراق. ١- ورقة مالية غير محددة المدة: تجيز الشريعة إصدار أوراق مالية غير محددة المدة؛ ذلك أن الأصل في المضاربة أن تكون مطلقة عن المدة، فمصدر الورقة مضارب يطلب تمويلا غير محدد المدة، ويوجه لأرباب المال إيجابا، في شكل نشرة إصدار، لهذا الغرض، فإذا اكتتب الجمهور في هذه الورقة انعقدت المضاربة، مطلقة عن المدة؛ لتوافر الإيجاب والقبول. وإذا استخدمت حصيلة هذه الورقة في تمويل مشروع معين، فإنها تنتهي بانتهاء أجل هذا المشروع، وتصفيته بصفة نهائية، وعلى ذلك، فإن الأصل ألا توزع أرباح على حملة هذا النوع من الأوراق قبل تصفية المشروع بصفة نهائية، وتحديد أرباحه، ومع ذلك إذا كان المشروع طويل الأجل نسبيا أمكن إجراء توزيعات سنوية تحت حساب أرباح المشروع. وأما إذا استخدمت حصيلة هذه الورقة في تمويل الأنشطة المختلفة للبنك المضارب، دون التقيد بمشروع خاص، أو نشاط معين، فإنه يمكن للبنك مصدر هذه الورقة أن يوزع على حاملي هذه الورقة حصتهم من الأرباح المتحققة في فترات دورية، تكون سنوية عادة. ولمالك هذه الورقة أن يحتفظ بها للمدة التي يراها، وله أن ينقل ملكيتها لغيره، ويحل المالك الجديد محله في كافة حقوقه، وله أن يبيعها إلى البنك الذي أصدرها، بالسعر الذي يعلن البنك الشراء به، في فترات دورية، بناء على المركز المالي للأنشطة التي تستخدم فيها حصيلة هذه الأوراق. ونرى أنه من الناحية الشرعية يلتزم البنك الذي أصدر هذه الشهادة باعتباره مضاربا، بشراء الورقة المالية، لأن المضاربة غير محددة المدة تجيز لرب المال أن يطلب من المضارب إنهاء المضاربة ونض المال ليأخذ ماله مع ما قد يتحقق من أرباح المضاربة، وتطبيق هذا الحكم يقتضي التزام البنك مصدر الورقة بشرائها بالسعر السائد وقت تقديمها، والذي يتم تحديده بواسطة مراقبي حسابات معتمدين، تعينهم نشرة الإصدار عادة. إما إذا صدرت الورقة المالية غير محددة المدة لتمويل مشروع معين، فإن على صاحبها أن ينتظر إلى نهاية اجل المشروع وتصفيته، كما ذكرنا، أو يبيعها في سوق الأوراق المالية، وليس له أن يلزم البنك المصدر لها بشرائها؛ لأن المضاربة الخاصة بمشروع معين تلزم رب المال بعدم إنهائها، قبل تصفيه هذا المشروع، فليس له طلب نض المال قبل ذلك، لما فيه من ضرر على المضارب.

стр. 8930

٢- ورقة مالية محددة المدة: هذه الورقة قد تكون طويلة الأجل؛ أي لمدة خمس سنوات مثلا، وقد تكون قصيرة الأجل؛ لمدة سنة مثلا، وقد تكون متوسطة الأجل؛ أي لمدة ثلاث سنوات مثلا، وطول الأجل وقصره نسبي، كما ذكرنا. والشريعة الإسلامية تجيز إصدار أوراق مالية محددة المدة طويلة أو قصيرة أو متوسطة، بناء على رأي القائلين – بجواز تحديد المضاربة بمدة معينة – من الفقهاء، ذلك أن الورقة تمثل حصة المالية التي يقدمها المكتتب بوصفه رب مال، إلى المصدر للورقة بوصفه مضاربا، وهو يقدم هذه الحصة لاستثمارها، لمدة محددة، وطالب التمويل وهو البنك المصدر للورقة، يوجه إيجابا إلى الجمهور، في شكل نشرة إصدار، يطلب منهم الاكتتاب في هذه الورقة، على أن تستثمر حصيلتها لمدد محددة، وهذا الإيجاب قد صادف قبولا من أصحاب المدخرات، يتمثل في إقبالهم على الاكتتاب، وتقديمهم للمال، فتنعقد المضاربة صحيحة، لازمة لمدة الورقة المالية. ولمالكي الأوراق المالية محددة الأجل أن يحتفظوا بأوراقهم المدة المحددة، ولهم أن ينقلوا ملكيتها إلى الغير في سوق الأوراق المالية، ويحل المالك الجديد محل المالك القديم في كافة حقوقه، وليس لهم إلزام البنك مصدر الورقة بشرائها، قبل انتهاء مدتها؛ لأن المضاربة المقيدة بمدة تلزم رب المال البقاء عليها طوال هذه المدة. أما بعد انتهاء المدة، فإن على البنك مصدر الورقة أن يقبل شراءها بالسعر السائد وقت تقديمها، لأن المضاربة تنتهي بمدتها ويلتزم المضارب بنض المال وتسليم رأس المال لصاحبه، مع ما قد يتحقق من الأرباح. وواضح أن للبنك المصدر في جميع الأحوال أن يعلن، باختياره، تعهده بشراء ما قد يعرض عليه من أوراق أصدرها أيا كان أجلها، وذلك بالسعر السائد وقت الإصدار، ويمكن تحديد هذا السعر وفقا لمبدأ السعر العادل، الذي تكلم عليه الفقهاء. فإذا صدر منه هذا الإعلان كان ملتزما به، بناء على قاعدة وجوب بقاء الموجب على إيجابه، المدة التي يحددها في هذا الإيجاب، وهذه المدة قد تكون ثلاثة أيام أو عشرة، وقد تكون شهرا ينتهي التزامه بعدها، حتى يوجه إعلانا آخر. وهذا النوع من الأوراق المالية قد يصدر بقصد استثمار حصيلته في نشاط معين كالنشاط التجاري والاستثمار العقاري، وأعمال المقاولات، والإنتاج الحيواني واستصلاح الأراضي، وقد يصدر بقصد المشاركة بحصيلته في جميع أنشطة البنك المصدر ومشروعاته الاستثمارية، دون التقيد بمشروع معين، أو نشاط خاص. أما المشروع الخاص فلا يمكن تمويله بهذا النوع من الأوراق المالية، لاحتمال الاختلاف بين مدة الشهادة والمدة اللازمة لتصفية المشروع، والمضاربة إما أن تقيد بوقت معين، أو بعمل أو مشروع معين، أما الجمع بينهما فمتعذر للتنافي بين أحكامهما، كالشأن في عقد الإجارة مثلا، فإن العمل فيها إما أن يحدد بالمدة أو بعمل معين. على أنه إذا أمكن تحديد مدة تنفيذ المشروع المعين بدقة؛ بأن كانت طبيعته تسمح بذلك فإنه يجوز أن تكون الورقة المالية التي تصدر لتمويله محددة المدة؛ لعدم احتمال التنافي بين أجل الورقة، وتصفية المشروع. ويمكن توزيع الأرباح الناتجة عن النشاط المعين، أو عن مجموع أنشطة البنك واستثماراته على حملة الأوراق المالية، في فترات دورية، كل سنة، أو أقل، أو أكثر، إذا أمكن إعداد ميزانية أرباح وخسائر في هذه الفترات، لأن التوزيع يعتمد من الناحية الشرعية على العلم بالأرباح، بالطرق المحاسبية المتاحة، وهذا لا يتأتى بدون إعداد ميزانية تظهر هذا الربح.
следующие страницы →