القسم الثاني
أحكام بورصة العقود (الكونتراتات)
الكلام في هذا القسم يتناول حكم بيع الإنسان ما لا يملك، وبيع الشيء قبل القبض، والعقد دون تحديد السعر، والعمليات الآجلة الشرطية البسيطة، والعمليات الآجلة الشرطية المركبة، والعمليات المضاعفة، وحكم بدل التأجيل للتسليم والتسلم، وبيع الدين بالدين، وعمولات المصارف مقابل الخدمات أو الضمانات.
أولا- حكم بيع الإنسان ما لا يملك (بيع المعدوم وبيع معجوز التسليم في الحال وبيع الغرر) :
اشترط جمهور العلماء لانعقاد العقد أن يكون محل العقد موجودا وقت التعاقد، فلا يصح التعاقد على معدوم، كبيع الزرع قبل ظهوره لاحتمال عدم نباته، ولا على ما له خطر العدم، أي احتمال عدم الوجود كبيع الحمل في بطن أمه، لاحتمال ولادته ميتا، وكبيع اللبن في الضرع، لاحتمال عدمه بكونه انتفاخا وكبيع اللؤلؤ في الصدف، ولا يصح التعاقد على مستحيل الوجود في المستقبل، كالتعاقد مع طبيب على علاج مريض توفي، فإن الميت لا يصلح محلا للعلاج، وكالتعاقد مع عامل على حصاد زرع احترق، فكل هذه العقود باطلة.
هذا الشرط مطلوب عند الحنفية والشافعية (١) ، سواء أكان التصرف من عقود المعاوضات أم من عقود التبرعات، فالتصرف بالمعدوم باطل، سواء بالبيع أو الهبة أو الرهن، لنهي النبي ﷺ عن بيع حبل الحبلة (٢) ونهيه عن بيع المضامين والملاقيح (٣) ، وعن بيع ما ليس عند الإنسان فيما رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)) .
واستثنى هؤلاء الفقهاء من قاعدة المنع من التصرف بالمعدوم عقود السلم والإجارة والمساقاة والاستصناع، مع عدم وجود المحل المعقود عليه حين إنشاء العقد، استحسانا مراعاة لحاجة الناس إليها، وتعارفهم عليها، وأذن الشرع في السلم والإجارة والمساقاة ونحوها.
واكتفى المالكية باشتراط هذا الشرط في المعاوضات المالية، دون التبرعات كالهبة والوقف والرهن (٤) .
стр. 8857
ولم يشترط الحنابلة هذا الشرط، واكتفوا بمنع البيع المشتمل على الغرر الذي نهى عنه الشرع، كبيع الحمل في البطن دون الأم، وبيع اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم، وأجازوا فيما عدا ذلك بيع المعدوم عند العقد إذا كان محقق الوجود في المستقبل بحسب العادة، كبيع الدار على الهيكل أو الخريطة، لأنه لم يثبت النهي عن بيع المعدوم، لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة، وإنما ورد النهي عن بيع الغرر: وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء أكان موجودا أم معدوما، كبيع الفرس الهارب والجمل الشارد، فليست العلة في المنع، لا العدم ولا الوجود، فبيع المعدوم إذا كان مجهول الوجود في المستقبل باطل للغرر، لا للعدم. بل إن الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع، فإنه أجاز بيع التمر بعد بدء صلاحه، والحب بعد اشتداده، والعقد في هذه الحالة ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يخلق بعد. وأما حديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان المتقدم، فالسبب فيه هو الغرر، لعدم القدرة على التسليم، لا أنه معدوم (١) .
وعلى أي حال فقد اتفقت المذاهب الثمانية (٢) وجميع الفقهاء، ومنهم ابن حزم وابن تيمية وابن القيم على أن بيع الإنسان ما لا يملك لا يجوز، إما لأنه معدوم أثناء العقد عند الأغلبية الساحقة، وإما لأنه غرر عند الحنابلة للأحاديث الثلاثة التالية:
١- حديث حكيم بن حزام الذي أخرجه أصحاب السنن قال: ((قلت: يا رسول الله، يأتيني الرجل، فيسألني البيع ليس عندي أبيعه منه، ثم أبتاعه له من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك)) .
٢- حديث عبد الله بن عمرو المتقدم الذي أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والدرامي قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل سلف وبيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)) .
٣- حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم وأحمد وأصحاب السنن: ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر، وعن بيع الحصاة)) .
стр. 8858
واتفقت المذاهب الأربعة على بطلان بيع معجوز التسليم أي ما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء، والسمك في الماء والجمل الشارد والفرس الهارب والمال المغصوب في يد الغاصب، وكبيع الدار أو الأرض تحت يد العدو، لأن النبي ﷺ – كما تقدم – ((نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر)) وهذا غرر (١) .
واتفق الفقهاء على عدم صحة بيع الغرر، كبيع اللبن في الضرع، والصوف على الظهر، واللؤلؤ في الصدف، والحمل في البطن، والسمك في الماء، والطير في الهواء قبل صيدهما، وبيع مال الغير على أن يشتريه فيسلمه قبل ملكه له، لأن البائع باع ما ليس بمملوك له في الحال، سواء أكان السمك في البحر أم في النهر، أم في حظيرة لا يؤخذ منها إلا باصطياد، وسواء أكان الغرر في المبيع أم في الثمن (٢) .
ثانيا- بيع الشيء المملوك قبل قبضه من آخر:
اتفق الفقهاء من حيث المبدأ على عدم جواز بيع الشيء قبل قبضه من مالك آخر، ولكنهم اختلفوا في مدى عموم الحكم إطلاقه وتقييده، لاختلاف روايات الأحاديث المانعة منه، أو بسبب تأويل معنى الحديث، أو للعمل بظاهر الحديث فقط.
فمنهم كالشافعية، ومحمد وزفر من الحنفية من منع التصرف في المبيع قبل قبضه مطلقا، ومنهم من منع منه في المنقولات دون العقارات وهو مذهب الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف، ومنهم من جوزه في غير الطعام وهم المالكية، ومنهم من جوزه في غير المعدود والموزون والمكيل من الطعام (أي غير المقدرات) وهم الحنابلة، وقريب منهم الإمامية والزيدية، ومنهم من جوزه في غير القمح خاص وهم الظاهرية.
وأما الشافعية ومحمد بن الحسن وزفر فقالوا: لا يجوز بيع ما لم يستقر ملكه عليه مطلقا قبل قبضه، عقارا كان أو منقولا، لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض، في حديث أحمد وغيره المتقدم عن حكيم بن حزام: ((لا يحل سلف وبيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)) وهذا من باب بيع ما لم يضمن، ومعناه: ما لم يقبض، لأن السلعة قبل تلفها ليست في ضمان المشتري، وإذا تلفت فضمانها من مال البائع، ولعدم القدرة على التسليم، ولأن ملكه عليه غير مستقر لأنه ربما هلك، فانفسخ العقد، وفيه غرر من غير حاجة، فلم يجز، فالعلة في منع البيع هي الغرر (٣) .
وأما المعتمد عند الحنفية وهو رأي الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف فهو التفصيل، وهو أنه لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض، لأن النبي ﷺ نهي عن بيع ما لم يقبض، والنهي يوجب فساد المنهي عنه، ولأنه بيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود، أي إنه يحتمل الهلاك، فلا يدري المشتري: هل يبقى المبيع أو يهلك قبل القبض، فيبطل البيع الأول، وينفسخ الثاني، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع فيه غرر، كما تقدم.
стр. 8859
وأما العقار: كالأراضي والدور، فيجوز بيعه قبل القبض، استحسانا استدلالا بعمومات البيع من غير تخصيص، ولا يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، ولا غرر في العقار، إذ لا يتوهم هلاك العقار، ولا يخاف تغيره غالبا بعد وقوع البيع وقبل القبض، أي إن تلف العقار غير محتمل، فلا يتقرر الغرر (١) . والخلاصة: أن العلة في مذهب الحنفية في عدم جواز بيع الشيء قبل قبضه هي الغرر، كما قال الشافعية.
وبما أن السلع التي تباع في البورصة (بيع الكنتراتات) هي منقولات لها مقدرات مثلية، وليست عقارات، فلا يجوز بيعها قبل قبضها عند الحنفية والشافعية.
ويكون البيع فاسدا عند الحنفية باطلا عند الشافعية، لأنه يتم فيه البيع قبل القبض وبثمن مختلف.
أما المالكية: فإنهم قصروا المنع في بيع الشيء قبل قبضه على بيع الطعام (٢) خاصة، إذا بيع الكيل أو الوزن أو العد، أما غير الطعام أو الطعام المبيع جزافا: فيجوز بيعه قبل قبضه، لغلبة تغير الطعام بخلاف ما سواه، ولمفهوم حديث ابن عمر الذي رواه أصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه أن رسول الله ﷺ قال: ((من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يقبضه)) . والعلة في منع بيع الطعام قبل قبضه عندهم: هي أنه قد يتخذ ذريعة للتوصل إلى ربا النسيئة، فهو شبيه ببيع الطعام بالطعام نسيئة، فيحرم سدا للذرائع (٣) .
وأما الحنابلة: فقالوا: لا يجوز بيع الشيء قبل قبضه إذا كان مكيلا أو موزونا أو معدودا أي المقدرات، لسهولة قبض المكيل والموزون والمعدود عادة، فلا يتعذر عليه القبض، واستدلالا بمفهوم حديث الطعام السابق، فإن تخصيصه الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه، يدل على إباحة البيع، فيما سواه ولم يصح غيره من الأحاديث. واشتراط الكيل أو الوزن أو العد، لأن الكيل والموزون والمعدود لا يخرج من ضمان البائع إلى ضمان المشتري إلا بالكيل أو الوزن أو العدد، وقد نهى الرسول ﷺ عن بيع ما لم يضمن. فالعلة في منع البيع عندهم هي الغرر كما قال الحنفية (٤) .
وأما غير المكيل والموزون والمعدود، أي غير المقدرات، فيصح عند الحنابلة بيعه قبل قبضه.
وبناء عليه يصح عند المالكية للمشتري التصرف في المبيع قبل قبضه، سواء كان البيع أعيانا منقولة أو أعيانا ثابتة كالأرض والنخيل ونحوها إلا الطعام المكيل أو الموزون أو المعدود. ويصح عند الحنابلة بيع غير المكيل أو الموزون أو المعدود. فلما يجري داخل البورصة من بيع العقود قبل قبضها يصح في هذين المذهبين بالتخلية، أي بتسليم البائع المبيع وقبض المشتري برفع الحوائل وإزالة المانع.
وأما الظاهرية: فأجازوا بيع الشيء قبل قبضه إلا القمح خاصة، سواء بيع كيلا أو وزنا أو جزافا، عملا بظاهر النهي في الحديث، والطعام عندهم لا يكون إلا في القمح. ومعنى القبض: أن يطلق البائع يد المشتري في المبيع، بألا يحول بينه وبينه (٥) .
стр. 8860
وأما الإمامية: فقالوا: لا بأس ببيع ما لم يقبض، ويكره فيما يكال أو يوزن، وتتأكد الكراهية في الطعام، وقيل: يحرم (١) .
وأما الزيدية: فأجازوا بيع الشيء قبل القبض إن كان مما لا يكال ولا يوزن، ومنعوا في الأظهر البيع بالربح فيما يكال أو يوزن قبل القبض (٢) .
والظاهر رجحان رأي الشافعية، لعموم النهي عن بيع الشيء قبل قبضه في حديث حكيم بن حزام، دون قصره على الطعام، ويكون حديث النهي عن الطعام في حالة من حالات النهي لا تمنع غيرها، وهو احتجاج بالمفهوم المخالف من الحديث، والمنطوق في حديث حكيم بن حزام مقدم عليه، ويؤيده حديث زيد بن ثابت الذي أخرجه أبو داود بسند صحيح أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، ثم إن الملكية في الشيء قبل القبض ضعيفة، وفيها غرر أي احتمال الحصول وعدم الحصول، ويترجح عدم الحصول في حال احتكار المنتجين للسلع وإيقاع البائعين على المكشوف في حرج.
ثالثا- البيع دون تحديد سعر (أو البيع بما ينقطع عليه السعر) :
اتفقت المذاهب الثمانية على اشتراط معرفة الثمن في عقد البيع حال العقد أو قبله، فلا يجوز البيع بثمن مجهول، ولا بد من بيان جنس الثمن وقدره وصفته (٣)
وعليه فلا يصح عندهم البيع بما ينقطع عليه السعر أو بسعر السوق في يوم معين أو في فترة محددة.
لكن روي عن الإمام أحمد جواز البيع بما ينقطع عليه السعر في المستقبل بتاريخ معين من غير تقدير الثمن أو تحديده وقت العقد، لتعارف الناس، ولتعاملهم به في كل زمان ومكان. وقد رجح ابن تيمية وابن القيم هذا الرأي، وأرادوا به سعر السوق وقت البيع، لا أي سعر في المستقبل (٤) .
وبه يتبين أن جميع المذاهب لا تجيز البيع الحالي في البورصة حيث تباع السلع الحاضرة بثمن السوق في يوم محدد أو في خلال فترة محددة هي فترة التصفية، حتى عند ابن تيمية وابن القيم ورواية عن أحمد الذين يجيزون البيع بما ينقطع عليه السعر، فإنهم أرادوا كما بينا سعر السوق وقت البيع، لا أي سعر في المستقبل، كمن يشتري شيئا من خباز أو لحام أو سمان أو غيرهم، بسعر يومه، ثم يحاسبه في نهاية الشهر ويعطيه ثمنه، وهذا ما يسمى ببيع الاستجرار.
стр. 8861
وقد تورط بعض الأساتذة المعاصرين برأي بعض الحنابلة، فأجازوا البيع بسعر السوق يوم كذا، أو بسعر الإقفال في بورصة كذا، لرضا المتعاقدين بذلك، ولأن جهالة الثمن حينئذ لا تؤدي إلى المنازعة، واحتجاجا بقول ابن تيمية بأنه عمل الناس في كل عصر ومصر، وقوله: هو أطيب لقلب المشتري من المساومة، يقول: لي أسوة بالناس.
وكل ذلك في رأيي محل نظر وتأمل، فإن ما أراده ابن تيمية غير ما يحدث في بورصة العقود الحالية، كما أن بيع الاستجرار ونحوه روعي فيه حاجة بعض الناس، وأين مثل هذه الحاجة في البورصة؟!
رابعا – العمليات الآجلة الشرطية البسيطة:
وهي كما عرفنا أن يكون من حق المضارب فسخ العقد في ميعاد التصفية أو قبله إذا أحس بانقلاب الأسعار في غير صالحه، على أن يدفع أولا تعويضا للطرف الآخر، ولا يرد إليه، ويسمى هذا بالشرط البسيط.
ويمكن معرفة حكم هذه العمليات في ضوء ما يعرف في فقهنا بشرط الخيار، وقد أجاز جميع الفقهاء ما عدا الظاهرية خيار الشرط (١) ، ولكنهم اختلفوا في مدة الخيار المشروع:
فقال أبو حنيفة وزفر والشافعي: يجوز شرط الخيار في مدة معلومة لا تزيد على ثلاثة أيام عملا بحديث حبان بن منقذ الذي أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عمر، فقد شكا أنه يُغْبَن في البياعات إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: ((إذا بايعت فقل: لا خلابة (٢) ، ولي الخيار ثلاثة أيام)) .
وأجاز أبو يوسف ومحمد والحنابلة والإمامية والزيدية اشتراط مدة الخيار حسبما يتفق عليه البائع والمشتري من المدة المعلومة، قلت مدته أو كثرت، لأن الخيار يعتمد الشرط، فيرجع في تقديره إلى مشترط كالأجل.
وأجاز المالكية الخيار بقدر ما تدعو إليه الحاجة، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال، فخيار الشرط في الفاكهة يوم، وفي الثياب والدابة ثلاثة أيام، وفي الأرض أكثر من ثلاثة أيام، وفي الدار ونحوها مدة شهر.
стр. 8862
وبناء على هذا الرأي للمالكية والحنابلة ومن وافقهم تجوز العمليات الآجلة الشرطية البسيطة إذا كانت مدة استعمال حق الخيار معلومة على النحو المذكور، ومدة الخيار في هذه العمليات معلومة وهي الفترة ما بين وقت العقد إلى وقت أقرب تصفية. ويجوز دفع المال بشرط متفق عليه أو التبرع به لاستعمال حق الخيار، لأن المسلمين على شروطهم، ولأن دفع المال يؤيد ما شرعه الشرع من حق الخيار. لكن لا يجوز الاتفاق على إسقاط حق الخيار بعوض، فقد نص فقهاؤنا على أنه لو صالح شخص بعوض عن خيار في بيع أو إجارة، لم يصح الصلح، لأن الخيار لم يشرع لاستفادة مال، وإنما شرع للنظر في الأحظ، فلم يصح الاعتياض عنه (١)
خامسا- العمليات الشرطية المركبة:
وهي العمليات التي يكون للبائع الحق فيها في أن يتحول إلى مشتر وأن يفسخ العقد، أو أن يظل بائعا حسبما يتراءى له من تقلبات الأسعار عند التصفية أو قبلها، مقابل تعويض أكبر مما يدفع في العمليات البسيطة يدفعه لصاحبه.
وهي جائزة كالعمليات الشرطية البسيطة (٢) ، عملا بما يراه الجمهور من اشتراط مدة في خيار الشرط حسب الحاجة أو الأحوال.
سادسا- العمليات المضاعفة:
وهي التي يكون فيها الحق لأحد العاقدين: البائع أو المشتري في مضاعفة الكمية التي باعها أو اشتراها، بسعر يوم التعاقد، مقابل تعويض يدفعه الراغب في المضاعفة عند اتضاح الأسعار، ولا يرد إليه، وتختلف قيمة التعويض حسب كمية الزيادة وموضوع التخزين. وهذا أيضا جائز إذا كانت الكمية المضاعفة معلومة (٣) ، لأنه لا يجوز تعديل العقد بشرط إضافي، ويعتبر التعويض مضافا إلى أصل الثمن، والمسلمون عند شروطهم.
سابعا- حكم بدل التأجيل:
إذا تم تسليم المبيع والثمن في وقت التسليم، فلا إشكال وتنتهي الصفقة، أما إذا اتفق العاقدان على تأجيل التسليم والتسلم لوقت لاحق هو وقت التصفية القادمة مقابل تعويض يدفعه إلى الآخر الذي يقبل نقل الصفقة إليه، وهو شخص آخر غير العاقدين، فهذا ربا واضح، لأنه يبيع دينا حالا بثمن مؤجل مع زيادة، كربا الجاهلية: إما أن تدفع أو تربي، لأن مشتري الصفقة الذي يحل محل المشتري، إنما يأخذ فائدة المبلغ الذي سيدفعه إليه العاقد الأصلي، وهذا ربا محقق، لأن الدافع للتعويض يدفعه مضطرا لنقل تصفية صفقته إلى وقت مؤجل، يأمل فيه تغير الأسعار لمصلحته، ولم يدفعه متبرعا كالعمليات الثلاثة السابقة، كما أن الآخذ لم يأخذ التعويض مقابل حق تنازل عنه كما هو الحال في العمليات المتقدمة.
стр. 8863
ثامنا – بيع الدين بالدين:
الدين هو الشيء الثابت في الذمة، كثمن مبيع، وبدل قرض، وأجرة مقابل منفعة، وغرامة متلف ومسلم فيه في عقد السلم (بيع آجل بعاجل) .
وبيع الدين: إما أن يكون لمن في ذمته الدين، أو لغير من عليه الدين، وفي كل من الحالين إما أن يباع الدين في الحال، أو نسيئة مؤجلا.
وبيع الدين نسيئة: هو ما يعرف ببيع الكالئ بالكالئ، أي ببيع الدين بالدين، وهو بيع ممنوع شرعا، لأن النبي ﷺ فيما يرويه الدارقطني عن ابن عمر، والطبراني عن رافع بن خديج نهى عن بيع الكالئ بالكالئ (١) . ومع أن الحديث ضعيف لكن أجمع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين، سواء أكان البيع للمدين، أم لغير المدين.
مثال الأول- وهو بيع الدين للمدين: أن يقول شخص لآخر: اشتريت منك هذه السلعة بدينار على أن يتم تسليم العوضين بعد شهر مثلا، أو أن يشتري شخص شيئا إلى أجل، فإذا حل الأجل، لم يجد البائع ما يقضي به دينه، فيقول للمشتري: بعني هذا الشيء إلى أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه ولا يجري بينهما تقابض، فيكون هذا ربا حراما تطبيقا لقاعدة: (زدني في الأجل، وأزيدك في القدر) ، كما تقدم في النوع السابق: سابعا.
ومثال بيع الدين لغير المدين: أن يقول رجل لغيره: بعتك السلعة التي لي عند فلان بكذا تدفعها لي بعد شهر. وهذا أيضا حرام.
وإذا كانت أغلب عمليات البورصة تتم في صورة بيع الدين بالدين دون تسليم ولا تسلم كما هو ملاحظ، فلا تجوزه هذه العمليات، ولا بد من تعجيل تنفيذ الصفقة دون تأخير.
أما بيع الدين نقدا في الحال: فمختلف فيه، فقد أجاز جمهور الفقهاء غير الظاهرية بيع الدين لمن عليه الدين أو هبته له، ولم يجز الجمهور غير المالكية بيع الدين لغير المدين، وأجازه المالكية بشروط ثمانية تبعده عن الغرر والربا وأي محظور آخر كبيع الطعام قبل قبضه (٢) . ولا داعي لتفصيل الكلام في هذا النوع من البيع في الحال، لأنه غير موجود في البورصة، لاعتماد أغلب العمليات بها على التأجيل.
تاسعا: عمولات المصارف (البنوك) مقابل الخدمات أو الضمانات:
إن ما يأخذه المصرف (البنك) مقابل خدمات الحراسة، واستئجار الأرض، واستعمال المخازن (التخزين) وأجرة إعداد الفواتير وكتابة الحسابات، جائز مشروع لا شبهة فيه، لأنه مقابل منفعة، وإجارة المنافع والأعمال جائزة شرعا.
أما ما يأخذه المصرف من الفوائد على المال المودع زيادة على الخدمات، أو مقابل القروض أو الضمانات غير المغطاة فعلا، فهو غير مشروع، إلا إذا دخل البنك مع المضارب في شركة صحيحة، أو مضاربة شرعية، في الحالات التي لا يجوز فيها البيع أو الشراء داخل البورصة وهي حالات البيع الحال أو الشراء الحال. أما المؤجل فقد بينا عدم جوازه للغرر والتصرف فيما لا يملك، وبيع الشيء قبل القبض (٣) .
والخلاصة: إن حكم عمليات العقود داخل السوق المالية أو البورصة ما يلي:
١- إذا كانت البضاعة حاضرة (أي وجود عينة) ، والسعر بات، فهذا حلال.
٢- إذا كانت البضاعة حاضرة، والسعر مؤجل ليوم التصفية، فهذا غير جائز عند جماهير العلماء، وأجازه بعض المعاصرين عملا برأي الإمام أحمد وابن تيمية وابن القيم في البيع بما ينقطع عليه السعر.
٣- العقود المؤجلة: وهي الحاصلة في بعض عمليات البورصة، فهذه غير جائزة، لأنها بيع الإنسان ما ليس عنده، وهو غير جائز بسبب وجود الغرر فيه، ولأنها بيع للشيء قبل قبضه، وهو الرأي الذي رجحناه من مذهب الشافعية ومن وافقهم، وهي بيع دين بدين.
والبديل الشرعي عن العقود المؤجلة هو عقد السلم الجائز شرعا، وهو بيع آجل بعاجل، أو بيع شيء موصوف في الذمة ببدل عاجل يجب قبضه عند الجمهور في مجلس العقد، ويجوز تأخيره مدة قليلة كيوم أو ثلاثة أيام عند المالكية، ويصح عقد السلم بلفظ البيع، ولا يشترط كون المعقود عليه موجودا عند التعاقد، ولا أن يكون في ملك البائع المسلم إليه، وإنما يكفي وجوده عند التسليم، وإنما يشترط فيه ألا يكون العقد مشتملا على ربا النسيئة، أي ألا يكون مطعوما أو نقدا في مقابل مطعوم أو نقد، ويصح أن يكون مطعوما مؤجلا في مقابل نقود.
الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي
стр. 8864
حكم أعمال البرصة
في الفقه الإسلامي
إعداد
فضيلة الدكتور علي أحمد السالوس
الأستاذ بكلية الشريعة – جامعة قطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حكم أعمال البرصة (١) . في الفقه الإسلامي
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونسأله السداد والرشاد. ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فإن ديننا العظيم الذي شرع العبادات كان موقفه من المعاملات أنه نظمها، فجاء والناس يتعاملون، فأخذ ينظم هذه المعاملات: حرم منها ما حرم، وأحل منها ما أحل، وعدل منها ما عدل.
أحل البيع وحرم الربا، ووجدت أسواق في عهد الرسول ﷺ ، وكان هو بنفسه ﵊ يمر على هذه الأسواق، وأرسل من يراقب الأسواق في مكة لما كان في المدينة.والخلفاء الراشدون من بعده ﷺ كانوا أيضا يراقبون الأسواق. ونعرف أن سيدنا عمر ﵁ كان لا يسمح لتاجر بأن يدخل سوق المسلمين إلا إذا كان عالما بفقه المعاملات حتى لا يقع في الربا، وكان يلاحظ عندما يدخل السوق ألا يكون ضرر بالمشترين ولا بالبائعين، ليست المسألة حماية المشترين فقط كما قد يتبادر إلى الأذهان، وإنما أيضا بالنسبة للبائعين فيذكر أن أحد البائعين أراد أن يبيع أقل من السوق فقال له: إما أن تبيع مثلهم وإما أن ترحل عن سوقنا. إذن هنا حماية للمشترين وحماية البائعين، وفرق بين أولئك البائعين الذي يستحقون الحماية، وبين بائعين محتكرين مستغلين جشعين.
وضعت القواعد العامة في البيوع، ولما تطورت الأسواق في ظل النظام الإسلامي كان التطور في حضانة الإسلام، ولذلك عندما نشأت عقود جديدة ومعاملات مستحدثة في تلك العصور: في القرن الثاني مثلا تعتبر مستحدثة بالنسبة للقرن الأول، وعقد ينشأ في القرن الثالث يعتبر مستحدثا بالنسبة لما قبله، وهكذا، كانت النشأة في حضانة الإسلام، ولذلك ما كان يأتي عقد من العقود، أو تنشأ معاملة من المعاملات إلا في ظل الإسلام، فإذا كانت تتفق مع كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ وفي ضوء المبادئ الإسلامية العامة أخذ بها، وإلا فلا يؤخذ بها.
ولهذا انتظمت الأسواق، وظهرت وظيفة المحتسب: والمحتسب كانت الوظيفة الأساسية له وظيفة دينية وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غير أنه أيضا كان يراقب الأسواق، فيمنع الغش في الكيل أو الوزن أو البضاعة وهكذا.
ولهذا وجدنا أن البائع يستفيد وأن المشتري يستفيد، وبين البائع والمشتري محبة ومودة وأخوة إسلامية، لا عداوة كالتي نراها بين المقامرين، لا يكسب هذا إلا على حساب ذاك، إذا خسر هذا ربح ذاك، أما في البيع الحلال فالبائع يبيع للمشتري ويدعو له، والمشتري يأخذ من البائع ويدعو له. والبائع إذا عرف أن المشتري أخذ يتاجر فباع فكسب يفرح لهذا ولا يغضب، إنما المقامر ربحه مرتبط بخسارة غيره لا يربح إلا إذا خسر غيره.
стр. 8865
من هنا وجدنا في البيوع أن ما فيه قمار فهو حرام أو ما هو شبيه بالقمار، فأكثر العقود مرد فسادها إلى أمرين أساسيين: الربا والميسر، وما في معنى الربا ومعنى الميسر.
لهذا وجدنا بيوعا ينهي عنها الإسلام كبيع الثمار قبل بدو صلاحها، لأنه لا يدري أتصلح أم لا تصلح؟ وكبيع الجمل الشارد، والعبد الآبق لأن هنا من باع إنما يبيع بثمن بخس، إذا كان هذا يساوي ألفا يمكن أن يبيعه بمائة، فإذا اشترى المشتري بمائة ثم بحث فوجده قال البائع له: قمرتني لأنك أخذت ما قيمته ألف بمائة، وإذا بحث المشتري ولم يجد وضاع عليه المائة أيضا قال للبائع: قمرتني.
الآن مثلا لو فرضنا أن سيارة ضائعة ومالكها يقول أنا أبيعها قيمتها خمسون ألفا وأبيعها بعشر آلاف. واشتراها شخص بعشرة آلاف بالتراضي بين الطرفين، المشتري راض والبائع راض، فإذا أخذ المشتري يبحث عن السيارة فوجدها في مكان قريب فهل التراضي الذي كان موجودا أهو فعلا لا يزال موجودا؟ إذا كان المشتري يبحث ولا يجد السيارة وخسر العشرة آلاف فهل يرضى؟ ولذلك مثل هذه البيوع حرمها الإسلام تماما.
والأصل في البيوع أن الإنسان يبيع الشيء أو يشتري لأنه في حاجة إلى المال أو السلعة أو في غنى عن السلعة، ولذلك يتم التقابض، وهناك بيوع لا بد فيها من هذا التقابض وهي تبادل الأجناس الربوية الستة وما يلحق بها، فاستبدال طعام بطعام، أو نقود بنقود، لا بد فيه من التقابض في المجلس. ولكن يمكن أن يكون هناك البيع الآجل، وهو بيع السلعة والثمن المؤجل، ويمكن أن يكون ما يسمى في الفقه الإسلامي بيع السلع، ندفع الثمن الآن والسلعة نتسلمها في وقت لاحق: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم) . وعند وضع الإسلام هذه القاعدة وضعها للتيسير على الناس، ولذلك إذا كان في البيع الآجل زيادة في الثمن فيها غبن فاحش وظلم بين كان البيع حراما.
في السلم المشتري يدفع الثمن ويستغني عنه ويستفيد البائع من هذا الثمن، وفي نظير ذلك قد تكون السلعة أرخص، ولكن لا يتخذ من هذا وسيلة للتجارة قبل أن يتسلم السلعة: لذا أجمع الفقهاء على أن من اشترى سلما لا يجوز له أن يبيع السلعة قبل قبضها، وفي الحوالة يقولون بأنه لا يجوز الحوالة إلا بدين مستقر، ويضربون مثلا على ذلك دين السلم، فيقولون لا يجوز الحوالة به لأنه دين غير مستقر، ما معنى دين غير مستقر؟ أنه إذا جاء الوقت الذي استحق فيه المشتري السلعة، ولأي سبب من الأسباب لم توجد، وأخذ الثمن يأخذ الثمن الذي دفعه ويفسخ العقد، والثمن دفعه بقي شهورا نرى هنا أنه لا يأخذ أكثر من الثمن.
وبعض الذين قرءوا لشيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه شيئا عن دين السلم بعضهم قرأ جزءا ولم يقرأ باقي الأجزاء، وقرأ شيئا متعلقا بموضوع معين ولم يفهم المقصود، ولم يجمع الموضوعات الأخرى، لأن شيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى نجد الموضوع الواحد قد يكون في أكثر من جزء، ولذلك هذا يستدعي التثبت، وبعض المعاصرين قرءوا لشيخ الإسلام بأنه يجوز للمشتري الاعتياض عن دين السلم بأن يأخذ مكانه شيئا آخر، وأن هذه مسألة خلافية ولكنه أيد هذا الاعتياض: فقالوا إذن هنا يجوز بيع دين السلم، واقترحوا فعلا في عصرنا أن نستفيد من هذا، فنصدر صكوكا بألف وبعد شهر بألف وعشرة، وبعد شهرين بألف وعشرين وهكذا.
стр. 8866
هؤلاء الذين قرءوا لابن تيمية هذا القول لم يقرءوا له ما كتبه في مكان آخر من أن الأئمة الأربعة أجمعوا على أنه لا يجوز بيع دين السلم، ولم يفرقوا بين كلمتي بيع واعتياض: فالبيع للربح أما الاعتياض فمعناه أن يأخذوا بمثل السلعة أو بأقل، فلا يجوز الربح.
هذه قواعد عامة لاحظها فقهاء سابقون، بعد هذا نأتي إلى عصرنا، نظم الاقتصاد في العالم المعاصر بعيدا عن الإسلام، ونشأت المعاملات بعيدة عن الإسلام، ولذلك رأينا في المحاضرات السابقة كيف أن البنوك نشأت نشأة يهودية ربوية، فدخلت بلاد الإسلام كما هي يهودية ربوية، ولا تزال إلا ما نسمعه الآن عن المصارف الإسلامية.
ولننظر إلى البرصة: وهي تختلف عن الأسواق في بعض الأشياء، فصفقاتها مثلا عمليات كبيرة في أشياء مثلية متجانسة ... إلخ لا نريد أن نقول كثيرا في هذا، وإنما نريد أن نقف عند الصفقات التي تعقد في البرصة لنرى جانب الحل والحرمة. إذن البرصة هذه ما دامت نشأت في غير ظل الإسلام لا نتوقع أن تكون إسلامية. لا نتوقع هذا، قد يكون فيها شيء يتفق مع الإسلام، ولكن لا نتوقع أن تكون إسلامية خالصة، بل إننا عندما ننظر في أعمال البرصة فإننا سنجد أن أكثر أعمالها بعيدة عن الإسلام.
فعندنا مثلا بورصة الأوراق المالية: ماذا يباع فيها؟ السندات والأسهم، وبورصة سلع حاضرة، وآجلة، وبرصة النقود يباع فيها النقود. ننظر إلى ما يتم في تلك البرص.
السندات التي تباع، ما حقيقة هذه السندات؟ السندات سواء أكانت حكومية أم تصدرها هيئة أم شركة عبارة عن قروض طويلة الأجل أو قصيرة الأجل، وهذه القروض الهيئة أو الشركة أو الحكومة التي أصدرتها ضامنة لها، فتدفع فائدة سنوية محددة، سند مثلا بمائة وله فائدة سنوية عشرة، فلو فرضنا مثلا أن شركة من الشركات هي التي أصدرت السندات فإنها في نهاية العام قبل توزيع الأرباح على المساهمين تخرج الزيادة الربوية للمقرضين، وما يتبقى يوزع على المساهمين، إذا لم تربح الشركة أخذ من أصولها، إذا أفلست الشركة دخل أصحاب السندات مع الدائنين، والمساهمون لا يأخذون شيئا إلا بعد الديون.
إذن لا خلاف حول أن السندات قرض بزيادة في مقابل الزمن، وهذا هو ربا الديون الذي حرمه الإسلام. كأن البرصة إذن عندما تبيع سندات إنما تبيع قروضا ربوية. أمر عجيب أن القرض نفسه يباع. وأيضا قد يباع ربويا في الحال وقد يباع بالأجل كما سنرى في طريقة البيع، إذن هنا ما دام السند له فائدة محددة مقابل الزمن بالقيمة الاسمية فهذه الزيادة الربوية تجعل السند قرضا ربويا، وما دام قرضا ربويا فلا يحل بيعه ولا شراؤه ولا تملكه ولا إصداره ولا حيازته. كل من تعامل في سندات فقد أذن بحرب من الله ورسوله.
стр. 8867
هذا بالنسبة للسندات، ونأتي للأسهم: الأسهم عبارة عن ماذا؟ مثلا وجدنا اثنين أو ثلاثة يكونون شركة بينهم، وكل دفع جزءا من رأس المال في شركة صغيرة عادية، غير أننا نجد بعض الشركات وبالذات في عصرنا. رأس المال يكون كبيرا، ولذلك نسمع عن اكتتاب لشركة تحت التأسيس، أو بيع أسهم شركة كذا، معنى بيع أسهم يعني أن رأس مال الشركة قسم إلى أجزاء، السهم يمثل جزءا من هذه الأجزاء.
فلو فرضنا أن الشركة طرحت ألف سهم واشترى واحد عشرة أسهم، إذن هو يملك من الشركة عشرة في الألف (١ %) ، الشركة هذه التي تكونت من الأسهم أصبح المساهمون يمثلون أصحاب رأس المال.. أصحاب رأس مال الشركة. ومعنى هذا أن الربح للمساهمين والخسارة أيضا على المساهمين والغنم بالغرم.
وأحيانا نجد شركة تريد أن تزيد في رأس المال، فتصدر أسهما جديدة، أيضا من اشترى هذه الأسهم أصبح شريكا بنسبة أسهمه إلى مجموع الأسهم.
ولكن الشركة أحيانا تصدر سندات بدلا من الأسهم، لماذا؟ لأن الشركة تنظر بتفكير ربوي معاصر، الأفضل السند بفائدة كذا أم إصدار أسهم؟ فإذا وجدت أن السند بفائدة يحقق للمساهمين أرباحا أكثر أصدرت سندات، وإذا وجدت أن الأسهم تحقق أرباحا أكثر أصدرت أسهما. وقد تكون السندات لوقت قصير حتى يعاد القرض ويبقى عدد الأسهم كما هو.
إذن الفرق بين الأسهم والسندات أن السندات قرض ربوي وأن الأسهم جزء مشاع في شركة، ومعنى هذا أن من اشترى أسهما أصبح شريكا في الشركة. وهل هذا يعني أن شراء الأسهم في البرصة حلال؟. ننظر هنا: الأسهم هذه لأي شركة؟ لا بد أن ننظر أولا للشركة التي أصدرت الأسهم.
فلنفرض أنها شركة تتعامل بالحرام، شركة مصنع خمور وتجارة خمور، إذن من اشترى أسهما أصبح تاجر خمور. شركة لإنشاء بنك ربوي إذن شراء سهم من أسهم البنك الربوي يعين أن المشتري أصبح أحد المرابين. إذن لا بد أن ننظر إلى عمل الشركة. لنفرض أن الشركة تتعامل في الحلال، شركة نقل بحرية مثلا، أو شركة صناعية، ولكن هذه الشركة فائض أموالها أين تستثمره؟ إنها عادة تضع في البنوك الربوية بفائدة ربوية، ولذلك المشترك في هذه الشركة سيكون من كسبه هذا الجزء من الربا.
стр. 8868
ولهذا حتى لا يلتبس الأمر، وحتى نضع حدا فاصلا لمن أراد أن يشتري الأسهم، وضعت هيئة الرقابة الشرعية لمصرف قطر الإسلامي شرطين لا بد من تحققهما إذا أراد المصرف شراء أسهم أي شركة، وهذان شرطان هما:
أن تكون الشركة مالكة الأسهم شركة إسلامية، ولها رقابة شرعية. فإذا نظرنا إلى البرصة فأين الشركات المساهمة الإسلامية التي لها رقابة شرعية وتتعامل في البرصة؟ إذا وجدت هذه الشركات يكون الاشتراك في الشركات حلالا أما إذا لم توجد وقد لا توجد إلا إذا وجدت سوق إسلامية؟
معنى هذا أن الأسهم في البرصة معظمها إن لم يكن كلها حرام التعامل فيها: الشراء والبيع والحيازة وهكذا ما دامت الشركة ليست إسلامية.
أمر آخر: لو فرضنا أن الأسهم في الشراء حلال فكيف يتم البيع والشراء في البرصة؟
من المعلوم عند عقد البيع وجوب قبض البدلين كليهما أو أحدهما. فإما أن نقبض السلعة والثمن أو نقبض الثمن في السلم، أو نقبض السعلة في البيع الآجل، أما أن نبيع ولا ثمن ولا سلعة الآن فهذا ما يسمى ببيع الكالئ بالكالئ، أو الدين بالدين، والأئمة يمنعونه.
الشراء كيف يمنعونه في البرصة؟ البيع في السوق العاجل: يشتري ويبيع ويقبض، فإذا كان السهم حلالا فالعقد صحيح حلال، ولكن نأتي إلى البيع الآجل سواء أكان هذا في أسواق الأوراق المالية، أم البضائع، أم النقود، هذا البيع الآجل ماذا يعني؟
له صور مختلفة، منه ما يسمى بالبيع البات وهو بيع آجل وبات، يعني نهائي، بمعنى أن المشتري والبائع يتفقان على شراء أسهم معينة محددة تسمح بها نظم البرصة، فالبرصة تجعل البيع لعدد معين ومضاعفاته، وتتم الصفقة في أول تصفية، فوقتها هو موعد التقابض، فالثمن لا يدفع الآن، والأسهم لا تسلم الآن، ثم عندما يأتي الوقت ينظر إلى الثمن الحال في وقت التصفية كم هو؟ أزاد عن وقت الاتفاق أم قل أم بقي كما هو؟ فإذا كان أكثر أو أقل ننظر هنا: ألصالح البائع أم المشتري؟
نضرب مثلا: البائع والمشتري اتفقا على شراء أسهم معينة بسعر مائة، معنى هذا أن البائع ملتزم ببيع أسهم من هذا النوع في وقت التصفية بسعر مائة، وأن المشتري يلتزم بشراء هذه الأسهم بسعر مائة، فإذا كان السعر السائد في وقتها مائة انتهى الأمر بلا كسب ولا خسارة إلا بقدر ما يخسره المتعاملون في البرصة، وهو ما يدفع للإدارة والسماسرة. إذن يسلم الأسهم ويأخذ الثمن، ولكن لا حاجة إلى هذا، لأنه لا بيع ولا شراء أصلا في الواقع، وإنما هو ما يسمى بالمضاربة.
والحقيقة البرصة فيها أسماء تلتبس على المسلمين مثل كلمة مضاربة ومرابحة: المضاربة في الإسلام تعني شركة رأس المال من جانب والعمل من جانب والربح يقسم بين الأثنين بالنسبة المتفق عليها، إنما المضاربة في البرصة تعني المقامرة. كيف هذا؟ المشتري عندما اشترى بمائة اشترى لأنه يضارب (يقامر) على الزيادة، والبائع عندما باع بمائة إنما باع لأنه يتوقع النقصان: مثلا السهم الذي اتفق عليه بمائة في موعد التصفية أصبح يباع حالا في السوق العاجلة بمائة وعشرة، والمسألة اشترى بمائة.. إذن هنا معناه أنه يأخذ من البائع بمائة ويبيع هو بمائة وعشرة، والمسألة لا تحتاج إلى تعب وتسليم وتسلم، وإنما الوسيط الذي يقوم بالعلميتين يسجل العملية الأولى بأن المشتري اشترى مثلا ألف سهم بسعر مائة، ثم الآن له الألف هذا في مائة وعشرة، إذن المكسب عشرة آلاف، فيقيد لحسابه، وهذه تعني أنها تخصم من حساب البائع، ولذلك قلت بأنه لا كسب لأحد إلا على حساب الآخر، تماما كالمقامرين.
стр. 8869
لنفرض أن هذا السهم جاء على غير ما توقع المشتري، المشتري توقع أن تزيد فإذا به ينخفض كما توقع البائع. فأصبح بخمسة وتسعين إذن البائع يستطيع أن يشتري من السوق الحال بخمسة وتسعين ويبيع بمائة، ولكن الوسطاء والقائمون على البرصة يسهلون المسألة، لا حاجة إلى تسليم وتسلم، ما جاء به الإسلام من مسألة القبض والتسليم والتسلم هذا أمر لا حاجة إليه عند هؤلاء، أنت الآن بعت واتفقت على أن تبيع بمائة والسعر الآن أصبح خمسة وتسعين، يعني إذن إذا اشتريت بخمسة وتسعين تبيع بمائة وتكسب خمسة، إذن لك خمسة آلاف، فيكون هذا كسبا لمن باع خصما من حساب المشتري. هذه حالة، فهل مثل هذا يمكن أن يعد بيعا وشراء.
شيء آخر: المشتري قد يحتاط لنفسه، يخشى أن تنخفض الأسعار لدرجة كبيرة جدا، فيشتري مع خيار شرطي، وهو إما أن يتم الصفقة أو يدفع تعويضا للبائع، أوضح هذا: المشتري يشتري ويجعل لنفسه الخيار: يتفق مع البائع بأن له الخيار إما أن يتم البيع أو يدفع له تعويضا، يعني مثلا في الحالة السابقة المشتري قد يشتري بمائة مع شرط التعويض بخمسة إذا رغب في عدم إتمام الصفقة، فعندما يأتي الوقت إما أن يشتري بمائة، أو يترك الصفقة ويدفع خمسة عن كل سهم، فلو فرضنا أن السعر في وقتها أصبح بمائة يشتري حتى لا يخسر، وإن كان بمائة وعشرة فهي فرصة للكسب، لأنه يشتري بمائة ويبيع بمائة وعشرة، وإن كان بخمسة وتسعين استوى عنده إتمام الصفقة وعدم إتمامها، فهو خاسر حتما، والخسارة واحدة: إذا اشترى بمائة وباع بخمسة وتسعين خسر خمسة، وإذا لم ينفذ العملية خسر خمسة، فإذن هنا الوسيط يقيد عليه عدد الأسهم وخسارتها، ولو أن قيمة الأسهم قلت عن هذا فأصبحت مثلا بثمانين فإنه يخسر عشرين في كل سهم إذا أتم الصفقة، ولهذا فإنه لا يتمها، ويكتفي بدفع التعويض للبائع.
هذا بالنسبة للمشتري، أما البائع فإنه على عكس هذا، يتوقع انخفاض السعر فيبيع مع شرط الخيار له أيضا في أن يتم الصفقة أو يدفع تعويضا. فهنا اتفق بمائة، ثم أصبح سعر السهم عند التصفية بتسعين، إذن يشتري بتسعين ويبيع بمائة ويربح عشرة، وإذا أصبح بمائة ويبيع ويشتري ولا يدفع تعويضا، ولا يربح ولا يخسر إلا الخسارة التي أشرت إليها من قبل وهي ما يأخذه السماسرة وإدارة البرصة. وإذا وصل سعر السهم إلى مائة وخمسة، وهو اتفق أن يبيع بمائة، إذن لو اشترى من السوق العاجل بمائة وخمسة وباعه بمائة خسر خمسة، والتعويض أصلا خمسة، إذن التعويض يدفعه وانتهى الأمر. وإذا ارتفع السعر أكثر من هذا، أصبح مائة وعشرة أو مائة وعشرين، هنا لا ينفذ العملية وإنما يدفع التعويض وهو خمسة.
فهذا كما نرى شرط للمشتري أو شرط للبائع، ولا ثمن ولا سلعة، ولا تسليم ولا تسلم، وإنما هي مسألة أن هذا يتوقع أن يكون السوق في اتجاه الارتفاع، والآخر يضارب – أي يقامر – في اتجاه الانخفاض، فإذا جاء كما توقع أحدهما ربح على حساب الآخر الذي جاء على خلاف توقعه، وهكذا.
стр. 8870
قد يأتي واحد ويقول هنا: البيع في الإسلام فيه خيار الشرط، وأجازه الأئمة الأعلام؟ نعم يوجد خيار الشرط، ولكن ما معنى خيار الشرط في البيع في الفقه الإسلامي؟ عندنا خيار المجلس وخيار الرؤية وخيار التعيين وخيار العيب وهكذا، خيارات مختلفة، البيعان بالخيار ما لم يتفرقا.
إن خيار الشرط يعني أن البائع عندما يبيع السلعة يسلم ويتسلم المشتري، قد يشترط المشتري الخيار مدة يوم أو يومين أو ثلاثة مثلا، بحيث إنه في هذه المدة يشاور، قد يكون اشتراه لغيره فيسأل غيره، قد يكون على غير دراية بالسوق، فيقول هنا لي خيار يوم أو يومين أو ثلاثة حتى أبحث هل السعر مناسب أم لا؟ والبائع كذلك قد يجعل خيارا لنفسه، وخيار الشرط يعني أن المدة إذا انقضت ولم ينفسخ البيع فإن البيع تام كما هو، لا زيادة ولا نقصان ولا تعويض، إذا جاء المشتري في مدة الخيار وفسخ البيع أخذ البائع سلعته وأخذ المشتري الثمن. إذا جاء البائع وكان له حق الخيار – خيار الشرط – وأراد أن يسترد سلعته أخذها ورد الثمن.
هذا معنى خيار الشرط، إنما خيار بمعنى إلا سلعة ولا ثمن، وأن هناك تخمينا وتظننا أن السعر قد يكون كذا، فهذا أشبه في الحقيقة بموائد القمار، لأن الهدف الأساسي هنا هو المضاربة كما يقولون، ولكن الواقع أنها المقامرة: المترجمون ترجموا الكلمة إلى العربية بكلمة مضاربة، لأن المترجمين أيضا لا يعرفون معنى المضاربة الإسلامية، ولذلك وجدنا أن بعض المسلمين الذين فهموا معنى مضاربة إسلامية عندما جاءوا للترجمة قالوا نسمي هذه متاجرة، وأقول: إنها ليست متاجرة، إلا إذا اعتبرنا القمار نوعا من التجارة، فإنه لا تسلم ولا تسليم وتسليم ولا بيع ولا شراء، وإنما كل واحد يضارب الآخر على الصعود أو الهبوط، أي يقامره.
وأنتقل بعد هذا لبيان صورة أخرى من صور التعامل في البرصة وهي: أن يحدد سعر أدنى وأعلى للبيع أو الشراء، على أن يكون للمشتري أو للبائع الخيار ... في ماذا؟ السعر مثلا اتفق على أنه من سبعين إلى ثمانين والخيار للمشتري، والخيار للمشتري يعني إما أن يبيع بسبعين وإما أن يشتري بثمانين. معنى هذا أن المشتري عندما يأتي وقت التصفية إما أن يظل مشتريا، وإما أن يتحول إلى بائع، والبائع يتحول إلى مشتر.
стр. 8871
فإذا كان السعر سبعين باعه بسبعين، وإذا كان ثمانين اشترى بثمانين، وإذا كان السعر بين السبعين والثمانين فإن البائع يربح، لأن المشتري إذا اختار أن يكون بائعا فسيبيع له بسبعين، يعني لو فرضنا مثلا أنه كان بخمسة وسبعين، فالمشتري الذي له الخيار إذا قال أنا أبيع فإنه يبيع بسبعين، إذن كان بخمسة وسبعين، فالمشتري الذي له الخيار إذا قال أنا أبيع فإنه يبيع بسبعين، إذن يخسر خمسة، أو يشتري بثمانين، فالبائع يشتري بخمسة وسبعين ويبيع بثمانين، يعني إذن البائع في حالة الخيار للمشتري يربح إذا كان السعر بين السعرين: السبعين والثمانين، أما إذا زاد عن الثمانين أو قل عن السبعين فإن البائع لا بد أن يخسر، والمشتري الذي قامره يكسب بقدر خسارة خصمه، بأن يتحول إلى بائع أو يظل مشتريا، والعكس بالنسبة للبائع لو أن الخيار كان له.
ونترك المضاربة ونأتي إلى مايسمى في البرصة بالمرابحة: قد يأتي الوقت المحدد للتصفية ولا يستطيع المشتري أن يتم الصفقة لأن الأسعار تطورت تطورا كبيرا على خلاف ما توقع، مثلا اشترى بمائة وثلاثين فإذا به يصل إلى مائة، فعليه أن يشتري الأسهم بمائة وثلاثين، ويبيع بمائة، فيخسر ثلاثين في كل سهم، ويمكن أن يكون اشترى مجموعة كبيرة من الأسهم، ونستطيع أن نتصور هنا الخسائر التي يمكن أن تقع، فإذا وجد المشتري أنه لا يستطيع أن يتم الصفقة في الموعد، هنا يمكن أن يؤجل هذه الصفقة إلى التصفية التالية عن طريق التأجيل بالمرابحة.
وقد يختلط الأمر عند سماع كلمة المرابحة، ونحن نعرف أن المصارف الإسلامية تبيع بالمرابحة، ولكن الأمر مختلف تماما كالمضاربة في البرصة والمضاربة في الإسلام، فالمرابحة في البرصة لا تعني المرابحة في المصارف الإسلامية، لأن المرابحة في المصارف الإسلامية تعني أن المصرف له الحق في بيع السلعة متى اشتراها وامتلكها وحازها، وضمن هلاكها قبل التسليم، ثم يقع على المصرف تبعه الرد بالعيب الخفي بعد البيع، إنما هنا التأجيل بالمرابحة معناه أنه يبحث عن ممول مما يخرجه من ورطته هذه مقابل زيادة (مقابل فائدة) ، فسمي هذا: زيادة بالمرابحة.. تأجيل بالمرابحة، أي قرض ربوي مقابل التأجيل.
والبائع قد يخسر ولا يستطيع تنفيذ الصفقة فهنا يؤجل بالوضيعة، الوضيعة أيضا نعرفها في الإسلام، فعندنا في الفقه الإسلامي البيع مساومة وبيوع أمانة. البيع مساومة وهو البيع الشائع الذي يتم به الشراء دون إشارة إلى ربح البائع أو عدم ربحه أو خسارته.
أما بيوع الأمانة فإنها تعتمد على أمانة البائع، وتنقسم إلى مرابحة وتولية وحطيطة أو وضيعة: فالمرابحة تكون عندما يتفق البائع مع المشتري على البيع مع تحديد ربح معين، كأن يقول، هذه كلفتني مائة وأبيعها لك بمائة وعشرة. هذا بيع مرابحة، وقد يكون التاجر عنده سلعة ويريد أن يتخلص منها فيقول أنا أبيعها بسعر التكلفة، فهذا بيع التولية: يعني لا ربح ولا خسارة. وقد يخشى التاجر على البضاعة أن تتلف أو لسبب ما فيقول: أنا أبيعها وأخسر فيها عشرة في المائة مثلا، فهنا يسمى ببيع الحطيطة أو الوضيعة.
إنما بالنسبة للبرصة الوضيعة لا تعني هذا، إنما تعني أن البائع إذا ارتفعت الأسعار، وأصبحت خسارته كبيرة، فأراد تأجيل الصفقة، فعليه أن يجد متعاملا يملك النوع المطلوب من الأوراق المالية، فيشتريها منه، ثم يبيعها له مرة أخرى على أساس موعد التصفية التالي حسب التقاص، أي تتم إعارة هذه الأوراق لقاء فائدة ربوية تسمى (وضيعة) .
стр. 8872
إذن المرابحة – في البرصة – قرض ربوي للمشتري، والوضيعة قرض ربوي للبائع.
وأحيانا تكون العملية مركبة بحيث يشترط أكثر من شرط، أو يدخل ليشتري هنا ويبيع هناك، حتى إذا كان الاتجاه في الصعود يقلل من الخسارة، وكذلك إذا كان الاتجاه في الهبوط.
البيع الآجل في الواقع لا يعني بيعا ولا شراء، ولا تسليما ولا تسلما، فعلى سبيل المثال فبورصة نيويورك عندما قاموا بإحصائية وجدوا أن القبض الفعلي لا يكاد يصل إلى اثنين في المائة، معنى هذا أن الداخلين إلى سوق البيع الآجل إنما هم مريدون للمضاربة، أي المقامرة، فلا يريدون الشراء، ليسوا في حاجة إلى أسهم، وإنما هم يدخلون السوق من أجل المقامرة، بمعنى أنه إذا رأى أن السعر سيرتفع من وجهة نظره اشترى، وإذا رأى أنه سينخفض باع بسعر معين.
ويذكرون مما يحدث أشياء عجيبة، يذكرون أشياء يلجأ إليها هؤلاء أحيانا، حيل للتلاعب بالأسعار، كأن تتفق مجموعة مثلا على حيازة سلعة معينة أو أسهم معينة، ثم تشتري بالأجل، فإذا جاء وقت الأجل يبحث البائع عن السلعة فلا يجدها، لأن المجموعة احتفظت بها، ويسمون هذا (الكورنر) . يعني وضعه (الكورنر) .. يعني وضعه هكذا بحيث لا يستطيع أن يتحرك.. ما هذا؟ هل هذا هو البيع الذي أحله الإسلام؟ هل هذا هو الذي يحقق المصلحة التي من أجلها أحل الله البيع وحرم الربا؟
ولذلك الأسواق المالية هذه لا يجوز لمسلم أن يدخلها بائعا أو مشتريا إلا إذا كان يريد بالفعل أن يشتري أسهما إسلامية، وأن يتسلم الأسهم، ويدفع الثمن، أو يدفع الثمن ويتحدد موعد الأسهم، إنما لا ثمن ولا أسهم.. لا (بيع الدين بالدين) .. لا.
وهنا كذلك الأسهم إذا كانت تمثل نقودا فمن شروط بيع النقود بعضها ببعض – وهو ما يسمى بالصرف في الفقه الإسلامي – التقابض في المجلس، فلا يجوز التأجيل.
بالنسبة للسلع كذلك نفس العمليات التي قلناها هناك هي هنا، وأحيانا يقوم بعمليات مركبة.. فعالم البرصة هذا عالم عجيب، لأنه كما قلنا نشأ بعيدا عن حضانة الإسلام، وعن أحكام الإسلام.
هناك أنواع من البرص تبيع سلعا حاضرة بحيث إن الإنسان يشتري ويتسلم السلعة ويدفع الثمن، لا شيء في هذا. ومن قبل كانت برص فعلا تقوم بهذا مثل بورصة مينا البصل، وبرص معينة كانت تقوم بهذا البيع فعلا، وتيسر البيع والشراء، لأن الكميات كبيرة فيمكن شراء كميات كبيرة أو بيع كمية كبيرة، أو جمع كمية كبيرة وبيعها ما دام الاتجاه للشراء الفعلي.
ولو فرضنا أنه اشترى معادن بالأجل، وتسلم المعادن والثمن مؤجل، أو باع المعادن والثمن مؤجل، هل هذا حلال أم حرام؟
стр. 8873
قلنا في الفقه بيع آجل وسلم، إذن هنا تبعا للبيع الآجل ممكن، أو تبعا للسلم هذا أيضا ممكن، ولكن يبقى هنا قول الرسول ﷺ : ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح يدا بيد سواء بسواء مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء)) . معنى هذا تبادل ذهب بذهب لا بد أن يكون بنفس الوزن، والنقود كذلك تلحق بالذهب والفضة. ولذلك قلنا في محاضرة النقود بأننا أصبح عندنا الآن أجناس كثيرة، ففي عهد الرسول ﵊ كان جنسان: جنس الذهب وجنس الفضة، أما في هذه الأيام تجد الفضة والذهب والعملات الورقية، كل دولة لها عملة، فكل دولة عملتها تعتبر جنسا: ريال قطر جنس، درهم الأمارات جنس، الريال السعودي جنس، وهكذا، فيمكن التبادل: ((إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) .
وقول سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه بأنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((الذهب بالورق (العملة الفضية) ربا إلا هاء وهاء)) (خذ وهات) ، ولذلك كانت الفتوى الإجماعية للمؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بأنه (لا يجوز إلا بالتقابض الفوري، وأن البيع الآجل هو من الربا المحرم، ومعنى هذا أننا إذا أردنا أن نشتري سلعا: والسلعة ستتأجل، أو الثمن سيتأجل، فإن هذا يمكن في غير الذهب والفضة، ولكن وجدنا في عصرنا من الباحثين المسلمين من قال بأن الذهب كما يجوز أن نشتريه ونقبضه يجوز مع الأجل. لماذا؟ قال: بالنسبة للذهب الرسول ﵊ جعل القبض يدا بيد في البيع لأنه كان ثمنا، والعلة الثمنية، والأثمان في عصرنا هي النقود الورقية لا الذهب.
ولتوضيح ما يتصل بالعملة في الذهب أقول: الفقهاء اختلفوا في التعليل، فبعضهم قال العلة الوزن، وقال: كل ما يوزن لا بد أن يكون التقابض في المجلس، فيلحق بالذهب النحاس والرصاص والحديد وغير ذلك مما يوزن. وبعضهم قال بالثمنية، والفقهاء الذين قالوا بالثمنية قالوا بأن هذه العلة قاصرة، ومعنى قاصرة أي أنها لا تتعدى الذهب ولا الفضة، بمعنى أن هذا الحكم قاصر على الذهب والفضة. ولماذا إذن أدخلنا النقود؟ قالوا: ربما شارك الأصل شيء فيلحق به، ولذلك المالكية قالوا بالعلة القاصرة، فلما ظهرت في عصرهم النقود النحاسية وراجت وأصبحت نقودا، قال الإمام مالك قوله المشهور: (لو أن الناس اتخذوا الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة) ، يعني أكره أن تباع بالذهب والورق مع التأجيل، والكراهة عند الأقدمين ليس معناها ما نسمعه من أن الحكم الشرعي خمسة أقسام: حلال وحرام ومستحب ومكروه ومباح، لا، الكراهة إذا أطلقت عند الأقدميين فإنما تعني التحريم.
стр. 8874
إذن الجلود في ذاتها لا تلحق بالذهب والفضة، ولكنها إذا أصبحت نقودا ألحقت بالذهب والفضة، الورق الآن لا يلحق بالذهب والفضة، فإذا أصبح هذا الورق ريالات قطرية أو سعودية أو غيرها ألحق بالذهب والفضة لا لأنه ورق، ولكن لأنه نقود. أما الذهب والفضة فالحكم باق بالنسبة لهما سواء أكانا نقودا أم غير نقود.
ومن المعلوم في أصول الفقه أننا عندما نبحث عن العلة للقياس، فإنها إذا وجدت في فرع ألحقناه بالأصل قياسا عليه، أما الأصل فهو ثابت بالنص لا بالاجتهاد، وعلى أي حال النص والإجماع مدة أربعة عشر قرنا على أنه لا يجوز التأجيل أبدا بالنسبة للذهب.
وبعض الاقتصاديين أيضا (أفتوا) بجواز التأجيل. قالوا: الآن الذهب لم يعد هناك علاقة بينه وبين النقود بعد أن ترك الدولار القاعدة الذهبية منذ عام ١٩٧٢ فأصبح الذهب ليس ثمنا. فما دام الدولار تخلى عن الذهب، فلم يعد الذهب نقدا ولا ثمنا، إنما أصبح سلعة كأي سلعة.
وهذا القول لا يصح فقها ولا اقتصادا:
فمن الناحية الفقهية لا يجوز الخروج على النص والإجماع، لا يجوز أبدا، ومسألة العلة إنما هي للإلحاق لا لإخراج الأصل، فأنا أبحث عن العلة لماذا؟ لألحق شيئا بالأصل لا لأخرج الأصل وأدخل الفرع، فالعلة إذا وجدت في حكم لم ينص عليه فهل نلحقه بحكم المنصوص عليه وأخرج الحكم المنصوص عليه؟ كيف هذا؟ فقها كيف هذا؟
وأما من الناحية الاقتصادية فبعض الاقتصاديين الذين لم يتحرجوا عن التصدي للإفتاء، والقول بعلم أو بغير علم، قالوا: الذهب الآن يباح أن يباع مع التأجيل لأنه سلعة بعيدة عن الثمنية. وإذا بحثنا وجدنا هذا القول الذي لا يصح فقها غير صحيح من الناحية الاقتصادية.
الاقتصادي عندما يقول هذا ألا يعلم مثلا أن صندوق النقد الدولي يشترط بالنسبة لحصص الأعضاء أن يكون الربع من الذهب الخالص والباقي بالعملة المحلية؟ وأن هناك هيئات دولية كثيرة تشترط مثل هذا الشرط، حتى أوروبا الشرقية عندما ارتبطت بالروبل ربطته بالذهب وقدرته بالذهب. فإلى جانب صندوق النقد الدولي نجد بنك التنمية الآسيوي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، وهيئات التنمية الدولية، والبنك الدولي للتعاون الاقتصادي لدول أوربا الشرقية، كل هؤلاء يشترطون جزءا معينا من الذهب، والفرق بين الذهب وباقي العملة أن العضو المشترك في صندوق النقد الدولي له أن يأخذ قروضا ميسرة مثل نصيبه من الذهب، وإن زاد عن النصيب من الذهب يأخذ بالقروض التي يفرضها البنك.
إذن أيهما أكثر ثمنية ونقدية: الذهب أم النقود الإلزامية؟ ولو أن أي واحد منا عرض عليه أو أي دولة عرض عليها ذهب أو نقود ورقية فأيهما تفضل؟ ولو أن النقود الورقية لم تكن إلزامية من كان يأخذها؟ فيكف إذن أخرجت الذهب وهو الأصل؟ ولذلك أعجبني هذا الإعلان عن شركة إسلامية قامت لإعادة التعامل بالدينار الذهبي والدرهم الفضي، وأرباح المشتركين ستكون بالدينار الذهبي والدرهم الفضي.
وأذكر هؤلاء الاقتصاديين بأن فرنسا لا تزال مرتبطة بالذهب ارتباطا كليا، وأن بلادا أخرى تحتفظ بأرصدة ذهبية بنسبة معينة من قيمة عملتها.
стр. 8875
وأذكر للاقتصاديين والفقهاء أيضا أنه في وقت ما كانت قاعدة المدفوعات في مصر بالنحاس، بحيث كان الذهب يقوم بالنحاس. العملة كانت نحاسية في وقت ما الأوقات، ومن كان عنده ذهب أو عملة ذهبية فإن قدر العملة يقدر بالنسبة للنحاس، وخسر الناس وقتها كثيرا لأن النحاس أصبح هو القاعدة. يعني من يملك نحاسا أفضل ممن يملك ذهبا، ومع هذا ما وجدنا فقيها يقول: أخرجوا الذهب من النص وأدخلوا النحاس، ما وجدنا هذا. ثم ما استمر هذا، وإنما فترة معينة كواحد مغتصب ثم عاد الذهب إلى وضعه الطبيعي مرة أخرى.
ولذلك احتمال أن يعود الذهب، ولو فرضنا أنه لا يعود فعندنا نص وإجماع، فلا نستطيع أن نخرج على النص ولا على الإجماع إطلاقا، وعلى الاقتصاديين أن يتوقفوا عن الإفتاء، وعلى الفقهاء الذين أفتوا أن يبحثوا الجانب الاقتصادي بحثا دقيقا، ثم عليهم أيضا ألا يخرجوا على إجماع أو على نص، والحمد لله كما قلنا هنا بأن الفتوى التي صدرت في المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي صدرت بالإجماع، مع أن هناك من حاول أن يثير مسألة الذهب وأنه أصبح سلعة عادية، وبالمناقشة هو نفسه صوت مع الباقين على هذا القرار. إذن من قال بهذا لعله رجع أو يرجع، لأن هذه قضية خطيرة.
بعد هذا العرض السريع أقول:
إذا دخلنا في برصة السلع لنشترى بالسعر الحال، إنما مسألة أشترى في موعد التصفية القادمة، ولا سلعة تقبض ولا ثمن يقبض فهذا لا يبيحه الإسلام، وعلى ذلك ما دمنا قد عرفنا هذا أعتقد لو أننا أصبح في مقدورنا كمسلمين ونحن نمثل أكثر من خمس العالم , لو أصبح في مقدورنا أن ننشئ بورصة إسلامية (سوق إسلامية) لاستطعنا أن ننشئها كما كانت في الإسلام، ننشئها في ظل عقود المعاملات في الفقه الإسلامي، ولا نتخطى هذه العقود.
وأوضح مثل على هذا عندما وجدنا المسلمين يخرجون على هذه القاعدة، ويسايرون غيرهم، ويتعاملون بمثل هذا التعامل غير الشرعي، وجدنا في دولة شقيقة وهي الكويت وجدنا الكارثة التي حدثت في سوق المناخ: ربا وميسر، معاملات إذا أردنا أن نقومها فهي مجموعة من الربا والميسر، إلى أن تدخلت الدولة، واهتز الاقتصاد هناك، ثم لا تزال تعالج وتعاني من هذا.
إذن نحن كمسلمين لا حياة لنا حياة كريمة كمسلمين إلا إذا تمسكنا بكتاب ربنا، وسنة نبينا، وآمنا أننا في جميع المعاملات لا يمكن أن ننجح إلا إذا تعاملنا كمسلمين، لأننا في أي مجال.. في الحرب.. في السلم.. في أي مجال ما لم نتعامل كمسلمين: نقود الحرب كمسلمين.. نبيع كمسلمين.. نشتري كمسلمين، فلا خير فينا ولا في أموالنا، نسأل الله تعالى أن يزكي نفوسنا، وأن يزكي أموالنا، وأن يقنعنا بالحلال ويغنينا به، وأن يجنبنا الحرام ويبعده عنها ويبعدنا عنه، هو نعم المولى ونعم النصير، وشكر الله لكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدكتور علي أحمد السالوس
стр. 8876
الأسواق المالية والبورصة والتجربة التونسية
إعداد
سعادة الدكتور مصطفى النابلي
مدير بورصة تونس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
يهدف هذا البحث أولا إلى تقديم إشكالية الأسواق المالية بصفة عامة ودورها في التنمية وكذلك وصفا لآليتها وكيفية عملها.
ونبين في مرحلة ثانية التجربة التونسية في ميدان السوق المالية مع خصائصها والمشاكل التي تعترض تطورها وكذلك آفاقها الجديدة بمناسبة الإصلاحات التي هي في حيز التطبيق.
الأسواق المالية دورها وآلياتها
يستدعي التعريف بالسوق المالية وأساليب عملها التعرض في مرحلة أولى إلى تحديد موضعها أو منزلتها من إشكالية التنمية وفي مرحلة لاحقة إلى بيان مختلف المفاهيم والآليات المتعلقة بها:
١ - إشكالية دور السوق المالية والبورصة في التنمية:
من أهم إشكاليات التنمية الاقتصادية هي طريقة الربط بين الادخار من جهة والاستثمار من جهة أخرى، أي الآليات التي تمكن من التوفيق بين:
- توظيف الادخار من طرف الأفراد أو المؤسسات ذات الفائض المالي سواء منها المالية (كمؤسسات التأمين) أو غير المالية من جهة.
- وتمويل المؤسسات ذات العجز المالي بما في ذلك الدولة لفائدة برامجها الاستثمارية من جهة أخرى.
ويمكن تقويم نجاعة هذا الربط الذي يعبر عنه بالوساطة المالية وآلياته عبر معيارين اثنين:
- الأول: هو مدى نجاعة توظيف الموارد نحو الاستعمال الأفضل (الأحسن) ، أي التمكن من تمويل واختيار أحسن المشاريع للاستثمار بما في ذلك اختيار القطاع ونوعية الإنتاج ... إلخ.
- والثاني: هو التمكن من بعث نسيج اقتصادي ومؤسسات إنتاج متوازنة ماليا وقوية يمكنها أن تجابه التقلبات والصعوبات المالية وغير المالية سواء في السوق الداخلية أو الخارجية.
والهدف الأصلي لكل ذلك هو تطوير الإنتاج القومي وتنشيط التشغيل لليد العاملة وخلق الثروات لفائدة المجموعة. ولئن تشعبت المسائل الخاصة بالأوراق المالية فلا يجب أن ننسى بأن المهمة والدور الأصلي للأوراق المالية يرجع إلى إضفاء أكثر نجاعة وفاعلية لعمليات الاستثمار الاقتصادية التي هي ركيزة التطور الاقتصادي وخلق الثروات الجديدة.
وقنوات الربط بين الادخار والاستثمار في جل البلدان هي ثلاثة:
أولها: التمويل الذاتي، أي أن المدخر يوظف وسائله المالية لفائدة مشاريع يقوم هو نفسه ببعثها على غرار رئيس العائلة الذي يقوم ببناء منزله الخاص أو المؤسسة التي تمول برنامج استثمارها من الأرباح التي تحققها والمدخرات التي تجمعها.
стр. 8877
ثانيها: هو الجهاز البنكي والاقتراض، حيث تقوم البنوك بجمع المدخرات وتوظيفها عن طريق القرض لفائدة المؤسسات والأفراد.
وثالثها: هو السوق المالية التي تمكن باعث الاستثمار من التمول مباشرة لدى المدخر.
وتقاس نجاعة اقتصاد ما، بمدى استعمال القنوات الثلاثة للتمويل بصفة متوازنة وبعبارة أخرى فإن السوق المالية ليست السبيل الوحيدة إلى تمويل الاقتصاد بقدر ما هي الوسيلة الأنسب لتمويل الاستثمارات ذات الأمد الطويل خلافا للسوق النقدية مثلا التي هي موجهة لتمويل العمليات قصيرة الأمد.
ويمكن التذكير هنا بأن السوق المالية تنقسم عادة إلى قسمين:
- السوق الأولية أو سوق الإصدارات وهي التي يقع عبرها التمويل المباشر السابق ذكره. ويقع ذلك عن طريق مشاركة المدخرين في شراء مختلف الأوراق المالية كالأسهم والقروض الرقاعية أو السندات التي تصدرها مختلف المؤسسات ذات العجز في التمويل. وتتميز هذه التمويلات بطابع طول أمدها وتوفيرها لأموال قارة للمؤسسات.
- السوق الثانوية أو سوق البورصة وهي التي تمكن حاملي الأوراق المالية الموجودة والتي وقع إصدارها سابقا من تداولها من جديد. ودور هذه السوق هام إذ إنه يمكن من إعطاء الأوراق المالية السيولة التي تمكن بدورها من تنشيط السوق الأولية. وكذلك السوق الثانوية تمثل حافزا للشركات لتطوير تصرفها ونجاعتها، إذ إن السوق تشكل جهاز تقويم متواصل لفائدة المشاركين فيها.
ولهذين الجانبين من السوق المالية ارتباط متين إذ يكيف تطور الواحد منهما تطور الثاني.
٢- السوق الأولية أو سوق الإصدارات:
الإصدارات الجديدة هي مجموع الأوراق المالية من أسهم وسندات وأدوات مالية أخرى التي يقع إصدارها من طرف الشركات أو بقية المؤسسات الأخرى مثل المجالس البلدية ومجالس المحافظات والدولة ... ويقع اكتتابها من طرف عموم الأشخاص بالمدلول القانوني للكلمة أي الأشخاص الذاتيين والمعنويين.
ومن الناحية الاقتصادية فإن مثل هذه العملية يقع بموجبها استحداث رأس مال، جديد ينشأ عنه استثمار جديد بتجميعه من مدخرات المكتتبين الذين هم في وضع فائض مالي بالنظر إلى حاجيتهم الاستهلاكية عند الاكتتاب ووضعه على ذمة خلايا إنتاجية هي المؤسسات التي عادة ما تكون في وضع عجز مالي لتمويل استثماراتها وبالتالي فإن دور السوق الأولية يتمثل في إرساء مسالك وقنوات الربط والاتصال بين أصحاب العلاقة في هذه الحلقة التي تصل المستثمر المدخر بمحقق الاستثمار الإنتاجي أو الخدمي.
стр. 8878
ويستوجب منا تعريف السوق الأولية التعريج على أهم الأوراق المالية التي يقع إصدارها فيها ومواصفاتها القانونية والهيكلية من ناحية وعلى أبرز الطرق المتوخاة في توظيف هذه الأوراق لدى العموم من ناحية أخرى.
٢-١ الأوراق المالية ومواصفاتها:
تنقسم الأوراق المالية عموما إلى صنفين بالنظر إلى شكلها القانوني وهما:
- الأوراق المالية التي تمنح حاملها نصيبا من رأس مال الشركة على قدر مساهمته فيه وتسمى عادة الأسهم وما يرتبط بها.
- الأوراق المالية التي لا تمنح لحاملها إلا حق دين على المؤسسة المصدرة يقع استرجاعه بعد مدة بمقابل.
إلا أن الاستنباط المالي الذي شهد تطورا بنسق منقطع النظير في الفترة الأخيرة وهو ما أصبح يصطلح عليه (بالهندسة المالية) قد توصل إلى استحداث أدوات مالية متنوعة ومتشعبة أحيانا قد يسهل ترتيبها بالقياس إلى طبيعتها كأدوات مساهمة في رأس المال أو كأدوات دين وقد يصعب أحيانا أخرى.
أما الأسهم فهي كما ذكرنا أوراق مالية يتمتع حاملها بحق ملكية لجزء مشاع من رأس مال شركة مساهمة وبقية أصولها وأموالها وينجم عن ذلك تمتعه بكل ما يحصل من زيادة في القيمة إلى هذه الموجودات ويجني ما يعود له من أرباح تحققها الشركة. كما أنه وبالمقابل فإن كل تدهور يحصل في الشركة ويمس موجوداتها ومدخراتها وأصولها وينتج عنه نقص في قيمة السهم أو خسارة، يكون على حساب المساهم ولو وصل الأمر إلى فقدانه لكل المبلغ الذي اكتتب به السهم عند الإصدار.
أما حامل السند، وعلى أساس أن هذا الأخير يمثل وثيقة إقراض للشركة أو أية مؤسسة مصدرة أخرى فإنه يكون في وضعية الدائن حيث إنه لا يتمتع بأية حقوق على أموال الشركة فهو لا يشارك في المرابيح بل يتقاضى فائضا سنويا أو في نهاية المدة يكون قارا أو متغيرا بتغير بعض المؤشرات حسب الحالة ولا ينتفع بالزيادة في القيمة التي تحصل لها وليس له أن يتدخل في شئون الشركة ولا في تسييرها. ولكنه لا يتحمل عادة الخسائر التي تتكبدها الشركة إلا في الحالات القصوى عند إفلاسها إذ قد يخسر حامل السندات جزءا أو كامل رأس المال.
٢-٢ آليات السوق الأولية:
يجدر التذكير أولا بأن شركات المساهمة أو الشركات خفية الاسم كما يصطلح عليها في بعض التشريعات العربية تكون من نوعين:
- الشركات التي تقوم بين عدد محدود من المساهمين غالبا ما يكونون من أفراد عائلة واحدة أو مجموعة تسمى شركات المساهمة الخصوصية أو الشركات المقفلة على أساس أنها ترفض دخول مساهمين من غير أفراد العائلة أو أفراد المجموعة وإن تم ذلك فإنه يتم بناء على مصادقة مجلس الإدارة أو الجمعية العامة على المساهم الجديد.
стр. 8879
- شركات المساهمة العامة وهي التي تفتح رأس مالها للعموم بغض النظر عن انتسابهم وذلك بطرح رأس مالها للاكتتاب العام وهي ما تسمى بالشركات المفتوحة أو الشركات ذات القاعدة الواسعة للمساهمين حيث إن المساهمة في هذه الشركات تكون من رجال الأعمال ومن الأفراد العاديين كالأجراء وغيرهم ... إلى جانب المؤسسات الأخرى. وهذا الصنف من الشركات وهو الذي يقع تداول أسهمه في البورصة أو في السوق الثانوية.
وقد توصل الفكر المالي إلى استنباط أساليب عمل وطرق آليات لتسهيل انسياب الأموال من أصحابها إلى الذين هم في حاجة إليها مثلما أسلفنا سابقا. ومن أهم أركان هذه الآليات تجدر الإشارة إلى الوساطة المالية التي تقوم بها دور الوساطة المتخصصة وبنوك الإيداع والاستثمار وبنوك التنمية وغيرها من المؤسسات المهتمة بوصل حلقة الربط بين عارض الأموال وطالبها.
وقد استحدثت في هذا المجال فنيات عديدة ومتطورة لتوظيف الأموال وتغطية الإصدارات الجديدة حيث أصبحت المؤسسات التي ذكرناها تعد دراسة كاملة ومتكاملة لتمويل المؤسسات التي هي بحاجة إلى تمويل ثم تقتحم السوق بإصدار الأوراق والأدوات المالية لفائدة المؤسسة المصدرة (بتغطية) ذلك الإصدار أي أنها تتجمع كمؤسسات توظيف لتحصل على أقصى ما يمكن من الاكتتاب لدى الأفراد والمؤسسات وتتكفل بتغطية ما لم يمكن توظيفه لدى العموم باكتتابه مباشرة من طرفه كمؤسسات مغطية.
وتكون التغطية نفسها من نوعين:
- التغطية بضمان النتيجة، وهي التي يتكفل فيها الوسيط المالي بإنجاز الاكتتاب لفائدة المصدر بالبحث عن مكتتبين وبتحمل تبعة ما لم ينجح في توظيفه باكتتابه مباشرة من أمواله الذاتية.
- التغطية ببذل عناية، وهو العقد الذي بمقتضاه يتولى المغطّى البحث عن مكتتبين لفائدة المصدر مقابل عمولة متفق عليها دون الالتزام باكتتاب ما تبقى من الإصدار في حالة عدم توظيفه بالكامل.
إن مثل هذه الفنيات والوسائل المتبعة في ميدان الوساطة المالية لتهدف إلى بلوغ درجة عالية من مساهمة الأفراد والمؤسسات في السوق المالية عن طريق المشاركة الجماعية في تجميع الموارد الكافية لحاجيات الاستثمار وبما أن هذه العملية أصبحت تمس مصالح الفرد سواء كان عارفا بأصول المهنة وما تفرضه من حذق لأساليب وقواعد التعامل أو كان من غير أهل الاختصاص وهو ما يمثل السواد الأعظم من الناس، فإنه أصبح من المُتَحَتَّم على السّلطة الساهرة على سير الأسواق المالية حماية المتعاملين فيها بإرساء رقابة مختلفة الأوجه عليها سوف نتعرض إليها لاحقا.
стр. 8880
٣- السوق الثانوية:
السوق الثانوية هي سوق تبادل الأوراق والأدوات المالية التي سبق إصدارها طبقا للشروط التي أسلفنا ذكرها في السوق الأولية. وبصورة أدق فإن السوق الثانوية تجد تجسيما لها في البورصة وما يدور فيها من تداول للأوراق المالية المملوكة من طرف الأفراد والمؤسسات.
٣-١ دور السوق الثانوية:
من هذا المنطلق فإن الدور الأساسي الموكول للسوق الثانوية أو للبورصة هو تمكين حاملي الأوراق المالية من أسهم وسندات من عرضها على الراغبين في شرائها أو طالبيها بالمفهوم الاقتصادي للسوق وبالتقاء العرض والطلب يتم تحديد السعر وبالتالي فإن السوق الثانوية تمكن المستمر حامل الورقة المالية من ترجمتها إلى نقود أي من تسييلها.
لكن دور السوق الثانوية أو البورصة لا يقتصر على هذه المهمة إذ زيادة على ما يوفره من تجميع لعناصر السوق من عرض وطلب في مكان واحد فإن البورصة تمكن حامل الورقة المالية من تسعيرها بالسوق علما وأن تلك الورقة وقع إصدارها بالسوق الأولية بقيمة اسمية.
وتختلف كفاءة السوق الثانوية أي درجة استجابتها للسيولة وتحديدها للأسعار أقرب ما يمكن إلى السعر الأعدل من بورصة إلى أخرى وترتبط كفاءة السوق الثانوية شديد الارتباط بازدهار السوق الأولية حيث كلما كانت السوق الثانوية عالية السيولة والمردودية والكفاءة وجدت السوق الأولية إقبالا على اكتتاب الإصدارات الجديدة.
٣-٢ تنظيم السوق الثانوية وآلياتها:
تختلف تنظيمات الأسواق الثانوية من بورصة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر ولكنها تشترك في أساسيات لعله من المفيد إبرازها.
أولا: تقوم كل سوق أوراق مالية على وسطاء يتولون تداول الأوراق بالسوق لفائدة المتعاملين ويكون هؤلاء الوسطاء إما أشخاص ذاتيين أو شركات مختصة أو مصارف أو الكل معا حسب الأنظمة والبلدان ويحرص هؤلاء الوسطاء على حماية مصالح متعامليهم وتنفيذ أوامر الشراء والبيع التي يتلقونها منهم بما يخدم تلك المصالح.
ثانيا: الشركات أو الأوراق المالية المدرجة: وهنا أيضا يختلف الوضع من تشريع إلى آخر فهنالك الأسواق التي لا تسمح بالتعامل في الأوراق المالية البتة خارجها، وكل تعامل تم خارجها يعتبر لاغيا، وهنالك التشريعات التي تقيم سوقا نظامية لأسهم عدد من الشركات وسوقا موازية لعدد آخر من الشركات. المهم أن الأسواق وإن اختلفت فإنها على الأقل بالنسبة للصنف الأول من الشركات وهي التي عرفناها سابقا بشركات المساهمة العامة التي تطرح أسهمها للاكتتاب العام يتم إدراجها بالسوق النظامية (أو ما يسمى أيضا السوق الرسمية أو السوق الأولى أو السوق القارة ... ) .
ويتم هذا الإدراج أو هذا القيد بناءا على طلب الشركة أو وسيطها وبعد دراسة مستفيضة لموازينها وحساباتها المالية من طرف البورصة طبقا لشروط الإدراج المبينة بالقوانين والنظم واللوائح العامة والداخلية للبورصات.
стр. 8881
ثالثا: وجوب التزام الشركات المدرجة بالقواعد العامة لسير السوق والواجبات المفروضة عليها وتعليمات البورصة وتراتيبها خاصة فيما يتعلق بنشر المعلومات والإفصاح عنها بصفة مستمرة وكاملة وما يجب أن توفره من خدمة خاصة للمساهمين أو المشترين لأسهمها بالسوق.
أما القواعد التي تحكم السوق فتدخل ضمن آليات هذه السوق وهي تتمحور حول أساليب وإجراءات التعامل والوفاء والتسليم وطرق التداول وتحديد الأسعار.
٤- مراقبة الأسواق المالية:
تنسحب مراقبة سلطات السوق المالية على السوق بفرعيها الأولي والثانوي لأن مصلحة التعامل تقتضي ذلك باعتبارها مصلحة غير قابلة للتجزئة ويمكن المس منها في أي مستوى كان.
وتستند قضية مراقبة السوق إلى الحرص على أن تكون التشريعات والإجراءات وكل قواعد اللعبة محترمة من طرف الجميع وخاصة من طرف المصدر للأوراق المالية وعلى أن تتم عملية الاكتتاب وبالتالي رصد المدخر لأمواله في مؤسسة ما في كنف الشفافية التامة وبناءً على معلومات مالية وغير مالية صادقة وثابتة ومستفيضة. لذلك فإن أهم التشريعات الرقابية تنص على أن لا يطرح المصدر أوراقه للاكتتاب العام إلا بعد أن يوزع نشرة إصدار يفصح فيها عن نشاط مؤسسته ومركزها المالي والقوانين التي تحكمها ونظامها الأساسي والداخلي وعن آفاقها المستقبلية وعن الفائدة المنتظرة من الاستثمار فيها ...
وتقوم المصالح الساهرة على تطبيق الرقابة وهي عادة بورصات الأوراق المالية أو لجان البورصة بنشر الضوابط التي يتم على مقتضاها إعداد نشرة الإصدار وتوزيعها. كما تتولى هذه المصالح مراجعة المعلومات الواردة بنشرة الإصدار والتثبت من صحتها ومطالبة المصدر بتعديلها أو زيادة شرحها قبل نشرها. ولا يمكن عادة للمصدر أن يمر إلى طرح إصداره للاكتتاب العام قبل الحصول على تأشيرة الجهة المختصة على نشرة الإصدار لترويجها.
وتختلف درجة شدة الرقابة نوعيا من سوق إلى أخرى بخصوص مصداقية المعلومات المالية المنشورة حيث تشترط بعض الأسواق أن تكون تلك المعلومات مراجعة من طرف مدققين حسب أنماط محاسبة معينة. ويمكن لسلطات هذه الأسواق أن تعترض على أي إجراء إذا رأت فيه مساسا بمصلحة المستثمر. وقد مكنت بعض التشريعات ومن بينها التشريع التونسي رئيس بورصة الأوراق المالية من جميع الصلاحيات اللازمة للدفاع عن حقوق المستثمرين والمتعاملين بصفة عامة ومن بين هذه الصلاحيات خاصة حق التقاضي أمام المحاكم باسمهم لمنع الممارسات المخلة بحقوقهم أو إزالة الآثار المترتبة عنها.
стр. 8882
فيما يخص السوق الثانوية تهدف المراقبة إلى حسن تطبيق القواعد القانونية والإجرائية التي وقع سنها، وإلى احترام قانون اللعبة من طرف كل المتدخلين حتى تكون الفوائد المحققة والأرباح والفوارق المكتسبة في السعر مشروعة وعلى أساس سليم وهو ما يضمن السلامة والأمن لكل المتدخلين خاصة منهم الأفراد المدنيين الذين لا تسمح لهم وسائلهم ولا تكوينهم بمعرفة المخاطر والأساليب المعقدة التي قد تضر بمصالحهم.
ومهما كانت الجهات المكلفة بالرقابة حسب الأسواق والبلدان فإنها تهدف إلى توفر- على الأقل – ثلاثة عناصر أساسية وهي:
أولا: إرساء أخلاقيات وحد أدنى من المصداقية لدى المهنيين من وسطاء ومسيري مؤسسات واتصاليين ... وذلك بإرساء قواعد تعامل وشروط أخلاقية وتأديبية وغيرها.
ثانيا: الحرص على توفير المعلومات بالحد الأدنى المطلوب إلى المستثمر والمتعامل بصفة مستمرة ومتواترة وبعد مراقبتها والتصديق عليها من أهل الاختصاص.
ثالثا: حماية المستثمرين والمتعاملين والمتدخلين في السوق بصفة عامة من بعض المتعاملين الذي يستفيدون من معلومات داخلية بحكم وضعهم أو بمناسبة تأدية مهامهم وهو ما ينجر عنه عدم توازن في الاستفادة من المعلومات إذ يصبح تحرك المستفيد من المعلومات السرية بالبورصة غير متكافئ مع من يجهل هذه المعلومات وبالتالي، فإن قيام العلاقة بينهم في السوق تكون منخرمة. لذلك تعتبر بعض التشريعات ومن بينها التشريع التونسي الاستفادة من المعلومات الداخلية جنحة يعاقب عليها القانون كما يعاقب القانون التونسي على جنحة ترويج المعلومات الزائفة بخصوص الأوراق المالية قصد الاستفادة منها بالسوق ويعاقب أيضا على جنحة التناور بالأسعار للغرض نفسه.
وخلاصة القول أن الأوجه الرقابية متعددة ومتنوعة ومختلفة من بورصة إلى أخرى ولكنها بالأساس ترمي إلى صيانة العملية الاستثمارية من وقت مبادرة الاكتتاب إلى حين بيع الورقة المالية وقبض ثمنها مرورا بفترة تملكها والمساهمة في الشركة أو حمل سنداتها.
وكلما كانت العملية الاستثمارية سليمة وكلما كان دور الوسطاء الماليين والهياكل المالية من أسواق ومؤسسات مراقبة ناجعة، كلما ازدادت الدورة الاستثمارية كفاءة واستجابة لتطلعات من هو في حاجة إلى رأس المال ومن هم في فائض يبحثون عن استثماره.
стр. 8883
٥- تسعير الأوراق المالية في البورصة ومردوديتها:
٥-١ التسعير:
قد يكون من المفيد أن نتناول بنوع من التفصيل مسألة تسعير الأوراق المالية في الأسواق الثانوية أو البورصات.
من الناحية المبدئية فإن قيمة سهم في شركة ما تعكس آفاق المرابيح المستقبلية لتلك الشركة. فملكية سهم في شركة يعطي من يملكه حقا في الجزء المناسب من مرابيح الشركة ما دامت هذه الأخيرة تتعاطى نشاطها. ولذا تكون قيمة السهم من الناحية الجوهرية تعادل القيمة الآنية لكل المرابيح المستقبلية. وبما أن قيمة السهم من وجهة النظر هذه تعكس ما يتكهنه المستثمرون عن الآفاق المستقبلية للشركة فإن أسعار الأوراق المالية تتأثر كثيرا بتغير المعلومات التي تتوفر للمستثمرين وتجعلهم يغيرون تكهناتهم. ومن هنا نفهم أن أسعار الأوراق المالية تكون عرضة أكثر من غيرها لتقلبات متكررة وقد تكون فَجَئَيَّة.
أما من ناحية آليات السوق فإنه تنظيم يمكّن من تسعير الأسهم حسب قاعدة العرض والطلب لتلك الأسهم وذلك على غرار أي سوق للسلع. لكن خصوصيات الأوراق المالية تجعل هذه الأسواق أكثر حساسية من غيرها. فسعر سهم ما يكون في انخفاض أو في ارتفاع حسب ما تكون عروض البيع تفوق عروض الشراء أو العكس وذلك في مدة التسعير التي تنظم بالسوق. أما العروض نفسها فتنتج كما ذكرنا عن التقويم الشخصي من طرف كل مستثمر لآفاق الشركة. وفي حالة أن السوق طبيعية والحالة الاقتصادية العامة تمتاز بالاستقرار فإن الأسعار السوقية للأسهم تكون عكس قيمتها الحقيقية التي هي تنتج عن مكونات الشركة وآفاقها المستقبلية.
لكن كثيرا ما تدخل في ميدان تسعير الأوراق المالية اعتبارات ظرفية تجعل هذه الأسعار تبتعد عن القيمة الحقيقية. ويمكن الإشارة هنا إلى اعتبارين اثنين:
الأول: يخص النفوذ على الشركة: فإذا كانت الشركة تخضع لنفوذ فرد أو مجموعة مضيّقة فذلك يجعل باقي المستثمرين لا يقبلون عليها وبذلك تكون قيمتها أدنى من القيمة الحقيقية. وفي حالة أن فردا أو مجموعة تريد شراء كمية من الأسهم يمكن من تغيير النفوذ على الشركة من المجموعة القديمة إلى المجموعة الجديدة فالأسعار التي يتم فيها هذا التحول تكون عادة تفوق تلك التي كانت سارية قبل تلك العملية.
والاعتبار الثاني: يخص التأثيرات البسيكولوجية في الأسواق المالية. فالذي لوحظ لدى المتدخلين في الأسواق المالية تأثرهم بما يفكر به البعض أو يأخذه البعض الآخر من القرارات. وبذلك هناك اتجاه نحو التقليد الذي يولد تقلبات مضخمة لأسعار الأوراق المالية. فعندما تكون الأسعار في الارتفاع يميل المستثمرون إلى الاعتقاد بأنها ستواصل الارتفاع وبذلك يتوقعون التحصل على أرباح من ذلك الارتفاع ويزداد الطلب على الأسهم مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بصفة متواصلة ولو أن المعطيات الجوهرية لا تبرر هذه الأسعار المتضخمة. وقد يتواصل هذه الارتفاع لمدة من الزمن حتى يحصل التعثر ويقع انهيار في الأسعار يرجعها إلى مستواها الطبيعي. وبذلك نرى أن الأسعار قد تكون في فترة زمنية ما لا تعكس القيمة الأصلية والحقيقية للأوراق المالية.
стр. 8884
٥-٢ مردودية الأسهم:
يكون قياس مردودية سهم في شركة ما بمقارنة ما يمكن أن يتحصل عليه المستثمر من مدخول يخوله ذلك السهم في مدة ما مع سعر الشراء لذلك السهم. ويمكن تقسيم المدخول إلى عدة مكونات:
- الربح الذي يوزع من طرف الشركة في تلك الفترة.
- قيمة الحقوق التي قد يتحصل عليها المالك للسهم في تلك الفترة مثل حقوق الاكتتاب أو حقوق الإسناد وهي التي تمكن من التحصل على أسهم بدون مقابل.
- القيمة الإضافية التي يكسبها السهم بمقارنة سعره عند بداية الفترة بالسعر عند نهايتها إذ أنه يمكن للمستثمر بيع السهم في آخر الفترة وبذلك اكتساب هذه القيمة الإضافية كمربوح. وهذه القيمة الإضافية هي في الحقيقة وكما أسلفنا ذكره تعكس تطور المرابيح المستقبلية للشركة وتحسن مركزها المالي منذ بداية المدة وتمثل مردودا للمخاطرة التي يقدم عليها المستثمر.
- ويخصم من المكونات السابقة كل الضرائب والتكاليف.
стр. 8885
التجربة التونسية في ميدان السوق المالية
ترجع التجربة التونسية المعاصرة في ميدان الأوراق المالية إلى أواخر النصف الأول من القرن الحادي الميلادي حيث بدأ ظهور إصدار السندات خاصة من طرف البنوك وتكثيف في إصدار الأسهم لشركات المساهمة. وأدى ذلك وفي عهد الحماية إلى تقنين المعاملات المالية عبر بعث الديوان التونسي لتسعير الأوراق المالية أو ما كان يسمى بالقيم المنقولة بأمر ٢٣ أبريل (نيسان) ١٩٤٥.
لقد كان الديوان التونسي للتسعير في شكل مؤسسة خاصة تعمل حسب قانون جمعية الوسطاء المرخص لها من طرف وزارة المالية وشملت هذه الجمعية في سنة ١٩٦٨ عشر مؤسسات أغلبها بنكية ويديرها مكتب منتخب من مهامه تسيير ومراقبة التداول وتسجيل الإحالات المباشرة الخاصة بأوراق الشركات غير المسعرة وتبين الإحصاءات المتعلقة بنشاط ديوان التسعير. وكانت عمليات التسجيل تمثل ٩٠ % من الحجم الكلي للمعاملات فأصبح شبة قباضة تسجيل مالية وابتعد كل البعد عن الغرض الذي بعث من أجله والذي يرمي أساسا لتشجيع الادخار وتنمية روح المبادرة عند المستثمرين ومواجهة متطلبات تمويل مخططات لتنمية التي فرضتها التحولات التي عرفها الاقتصاد التونسي خاصة مع بداية عهد الاستقلال. وجب عندئذ البحث عن أنجع الطرق لخلق عادات جديدة لرصد الادخار في الدورة الاقتصادية وتغيير عقلية المواطن بتشريكه مباشرة في تمويل المشاريع التي اقتضاها هذا الظرف ومحاربة الأشكال المتوازنة للادخار التي كانت لا تتعدى رصد متبقي الدخل في المجال العقاري أو الفلاحي أو حتى تجميده نقدا.
وفي هذا الاتجاه بالذات وقع تطوير السوق المالية وإحداث بورصة قصد إعطاء هذه السوق فاعلية الكافية وحظوظ النمو بإصدار القانون ١٣/٦٩ المؤرخ في ٢٨ فبراير (شباط) ١٩٦٩.
١- السوق المالية والبورصة بين ١٩٦٩ و ١٩٨٩:
أوكل القانون الجديد لسنة ١٩٦٩ اختصاصات جاءت في شكل أهداف يستدعي بلوغها وهو ما نص عليه الفصل الثاني من القانون المشار إليه وهي:
- تنظيم وتسيير سوق الأوراق المالية.
- تحقيق المعاملات بشأن تلك الأوراق في أحسن الظروف من حيث حسن السير والسرعة.
- تسهيل البحثعن رءوس أموال جديدة للشركات
- السعي والتشجيع لجمع وتوفير الادخار برصد المال في الأوراق المالية.
ويمكن درس التجربة التونسية بالتعرض إلى جانبي السوق أي السوق الأولية والسوق الثانوية.
١-١ السوق الأولية:
يقع إصدار الأوراق المالية من طرف المؤسسات بدون قيود في تونس فيما عدا إلزام إعلام البورصة بذلك. وفيما يخص الأسهم تصدر الأوراق بالقيمة الاسمية، وحسب قانون الشركات يعين القسط الذي يقع دفعه عند الإصدار مسبقا ولا يقل عن ربع القيمة ويقع دفع البقية حسب أقساط تحددها الشركة ولا يتعدى الأجل لتسديد كل قيمة المساهمة الخمس سنوات.
стр. 8886
وفي حالة أن القيمة السوقية للأسهم الموجودة للشركة تفوق القيمة الاسمية للأوراق الجديدة المطروحة يقع الإصدار مع دفع المشتري للسهم لقيمة إضافية تحددها الشركة لدى الإصدار وتسمى بعلاوة الإصدار.
وفي الكثير من الأحيان يقع إصدار أسهم جديدة مع تمكين المساهمين القدامى:
أولا: من عدد من الأسهم دون مقابل حسب نسب معينة بالرجوع إلى الأسهم الموجودة التي يملكونها.
وثانيا: من حق الأولوية في اكتتاب الأسهم الجديدة، وقد يختار المساهم أن لا يستعمل هذا الحق في المشاركة الإضافية في رأس مال الشركة وفي تلك الحال يمكن له أن يبيع ذلك الحق في السوق الثانوية. ويقع تداول حقوق الاكتتاب هذه في السوق الثانوية كسائر الأوراق المالية.
وفيما يخص التجربة التونسية فقد تطورت الإصدارات للأوراق المالية بصفة هامة في هذه المدة وأصبحت تمثل حوالي ٢٥ % من قيمة الاستثمار الإجمالي للبلاد. ولكن يجب الملاحظة بأن هذا التطور يرجع أساسا إلى استئثار نوعين من الأوراق المالية بالإصدارات:
الأول: هي السندات والرقاع التي تصدرها الدولة وخاصة منها التي تكتتب إجباريا لدى المؤسسات المالية.
الثاني: هي الأسهم التي تصدرها الشركات المقفلة.
ولذلك لم تلعب السوق الأولية دورا فعالا في توظيف الادخار العام لفائدة مؤسسات مفتوحة للمساهمة العامة إذ قلت العروض للاكتتاب العام الفائدة المؤسسات الإنتاجية.
١-٢ السوق الثانوية:
بحكم قانون ١٩٦٩ أعطيت البورصة خصوصية تسجيل كل المعاملات في السوق الثانوية للأوراق المالية إذا أوجب على كل المتعاملين في السوق تقديم تلك المعاملات للبورصة لإكسائها الصبغة القانونية ومن هنا جاء تنظيم السوق إلى جزءين أي السوق القارة والسوق غير القارة.
(أ) السوق القارة: هي التي يقع فيها تداول الأوراق المدرجة بالتسعيرة. وتم ضبط بعض الشروط لإدراج الشركة المصدرة للأسهم وهي أن:
- يكون لها رأس مال إسمي يساوي ٥٠٠٠٠ د على الأقل.
- تكون موجودة منذ ثلاثة أعوام وذلك بتقديمها ثلاث موازنات.
- تكون باشرت توزيع الأرباح مرة واحدة على الأقل منذ انبعاثها.
هذا وقد بلغ عدد الشركات المسعرة في السوق القارة إلى حد سنة ١٩٨٩ حوالي ٥٠ شركة في حين كان لا يتعدى سنة ١٩٧٠ سبع عشرة شركة وقع إدراجها مع بداية نشاط البورصة.
стр. 8887
فرغم تطور عدد الشركات المسعرة في هذه السوق، فإن نشاطها الكمي والنوعي بقي محدودا. فقد تطور حجم المعاملات في هذه السوق من المليون دينار تونسي سنة ١٩٧١ إلى ١١ مليون دينار سنة ١٩٨٨. وهذا التطور يبقى ضئيلا إذا ما قورن بتطور النشاط الاقتصادي العام أو النشاط المالي مثل حجم القروض أو حجم الكتلة النقدية.
وفي نطاق هذه السوق طغت المعاملات التي تهم أسهم القطاع البنكي بينما قلت تلك التي تخص القطاعات الإنتاجية الأخرى. وفي كل الحالات بقي نشاط السوق ضعيفا والأسعار المسجلة في غالب الأحيان دون القيمة الحقيقية للأسهم المتداولة.
(ب) السوق غير القارة: وهي التي يقع فيها تداول الأوراق التي غير المدرجة في السوق القارة وقد بعثت هذه السوق استجابة للمقتضى القانوني الذي يوجب مصادقة البورصة على كل عملية تتعلق بالأوراق المالية.
بصفة عامة تطور حجم المعاملات بصفة ملحوظة وواكب تطور النشاط الاقتصادي والمالي في البلاد حتى إن هذه المعاملات أصبحت تمثل ما يقرب من ٨٠ إلى ٩٠ بالمائة من نشاط السوق الثانوية الإجمالي. لكن هذه المعاملات ليست في غالب الأحيان إلا مجرد تسجيل اسمي لتحويلات يقع الاتفاق عليها خارج السوق وتهم شركات مقفلة.
١-٣ آليات أسواق البورصة بتونس:
يمكن وصف الآليات المستعملة في سوق البورصة في تونس كما يلي:
- يعطي العميل أوامره بالبيع والشراء لوسيط بالبورصة ويحدد له شروط العملية أي كمية الأسهم من جهة والسعر من جهة أخرى، وفيما يخص السعر يمكن له أن يختار أن يحدد السعر الأقصى الذي يقبله كمشتر أو الأدنى إذا كان بائعا أو أن يعطي الصلاحية للوسيط أن يقوم بعملية البيع أو الشراء حسب مقتضيات السوق مع مراعاة مصالح العميل. وتكون هذه الأوامر مكتوبة.
- يجمع الوسيط الأوامر التي يتلقاها من العملاء.
- يجتمع الوسطاء بصفة منتظمة (مرتين في الأسبوع في بورصة تونس) في حصص للتسعير والتداول. وتقع المناداة عن الأوراق واحدة واحدة وفي كل حال تقع المزايدة الشفوية بين الوسطاء بمعية موظف من البورصة. ويعبر كل وسيط عن رغبته في البيع أو الشراء حسب الأسعار التي تعلن حتى يتم الوصول إلى سعر يتفق عليه البائعون والمشترون ويكون السعر الذي تتم فيه الصفقات الممكنة حسب أوامر العملاء.
- يقع تسليم الأوراق المالية بالحاضر مقابل نقد بين الوسطاء الذين يتحصلون على الأوراق أو النقد من عملائهم مسبقا.
стр. 8888
- يقع دفع عمولة للوسيط من طرف العميل تقدر بـ٠.٨ % من قيمة المعاملة من طرف البائع وكذلك من طرف المشتري. ويقع استخلاص أداء لفائدة البورصة يعادل عمولة الوسيط. أي أن كل عميل في معاملة يدفع في الجملة ١.٦ % من قيمتها.
١-٤ الوسطاء:
لقد أحدث القانون المنظم للبورصة مهنة الوسيط واشترط فيه العديد من الضمانات المالية والأدبية وفرض عليه أداء القسم ومنحه الاختصاص في إجراء المعاملات المتعلقة بالأوراق المالية بكامل تراب الجمهورية ويؤلف الوسطاء جمعية تسهر على مصالحهم وتحافظ على شرف المهنة وكل وسيط ملزم بالانخراط في هذه الجمعية ويمكن للوسيط أن يكون شخصا معنويا أو ذاتيا أو بنكا تونسيا.
غير أن ضيق السوق التونسية لم تكن حافزا على مباشرة هذه المهنة من طرف الخواص فانحصر النشاط بأيدي البنوك وبعض الشركات المالية التابعة لها.
٢- تقويم التجربة:
٢-١ خصوصيات التجربة:
إذا أجدنا النظر في التجربة التونسية على مدى الثلاثين سنة الماضية في مجال تمويل الاستثمار تتبين لنا عدة خصوصيات يمكن حصرها فيما يلي:
أولا: الاعتماد المفرط على الجهاز البنكي في عملية توظيف الادخار لتمويل الاستثمار وذلك سواء لتمويل المؤسسات الاقتصادية المنتجة أو لتمويل حاجيات القطاع العمومي.
فبالنسبة للدولة اعتمدت ميزانية التجهيز على القروض الخارجية من جهة والقروض الداخلية من جهة أخرى التي تتحصل عليها إلزاما لدى البنوك والمؤسسات المالية الأخرى وذلك فيما عدا مناسبات قلائل اتجهت فيها الدولة إلى إصدار رقاع لدى العموم وكان ذلك خاصة سنة ١٩٨٦ وأخيرا في ١٩٨٨.
أما فيما يخص المؤسسات الاقتصادية فهي أيضا تتجه أساسا للبنوك لتمويل مشاريع استثماراتها باللجوء للقروض المتوسطة والطويلة الأمد، وحتى القصيرة الأمد كما سنتعرض إليه لاحقا.
وبهذه الصورة تطور القطاع البنكي بصفة هامة في تونس وتكونت لديه طاقات فنية وبشرية ومادية جعلت منه مركزا متميزا في عملية التمويل التنموي.
ثانيا: الاعتماد على التمويل الذاتي في كثير من الأحيان سواء من طرف الأفراد أو المؤسسات.
ثالثا: وكما تبين سابقا الضعف الفادح المسجل في تطور السوق المالية الذي جعلها لا تقوم بالدور الملائم المناط بعهدتها في توفير المعادلة بين الادخار والاستثمار. فمن جهة المدخرين لم يكن هنالك إقبال على السوق المالية وطلب الأوراق المالية المصدرة. ومن جهة أخرى فالمؤسسات نادرا ما طرحت أوراقا مالية لدى العموم قصد شرائها.
стр. 8889
وبصفة عامة لم تلعب السوق دورها لا في توظيف الادخار لعمليات الاستثمار ولا كآلية فعالة للتسعير المحكم للأوراق المالية.
رابعا: ومما انجر عن الاعتبارات السابقة أن المؤسسات الاقتصادية التونسية تركز تمويلها على القروض البنكية وبذلك تقلصت لديها المشاركة سواء من المساهمة الذاتية أو التي تأتي عن طريق السوق المالية، وأصبحت نسبة مديونيتها عالية جدا قد تجعلها عرضة للتقلبات الاقتصادية.
وتدل بعض الدراسات على أن المؤسسات التونسية تعتمد في جميع مواردها على الإفراط في المديونية القصيرة وخاصة منها لدى البنوك مما يجعلها هشة وعرضة للتقلبات المالية والاقتصادية وهذا ما حصل بالفعل منذ سنوات أي منذ الأزمة الاقتصادية الأخيرة وإعلان البرنامج الإصلاحي. فهذه المؤسسات يصعب عليها عادة مواجهة التوجهات الجديدة للاقتصاد من نهوض بالصادرات وقدرة أوفر على مزاحمة الواردات في السوق المحلية.
٢-٢ شرح الأسباب:
بما أنه ليس لنا المجال هنا للتعرض وبالتفصيل للأسباب التي أدت إلى التهميش النسبي للسوق المالية وعدم قيامها بالدور الموكول لها في التنمية فسنقتصر على ذكر أهمها وبذلك يمكن أن نتبين تعقد مشكلة السوق المالية إذ تتداخل عديد العوامل في إفرازها.
أولا- العوامل الاقتصادية العامة:
تتمثل الأسباب التي عرقلت تطور السوق المالية في:
- احتكار الدولة لجزء كبير من الإمكانات المالية للبلاد سواء عن طريق الضرائب أو البنوك وذلك بواسطة رقاع التجهيز وغيرها من الوسائل لتمويل مشاريعها ومشاريع المؤسسات العمومية التي قامت بتنفيذ الإنجازات الكبرى في البلاد.
- عدم بروز شركات خاصة لها الحجم والخصائص التي تمكنها من الحصول على التمويل عن طريق السوق المالية. فقد طغت على المؤسسات التونسية الخاصة سمة الإغلاق بين المساهمين فيها وعدم قبولها للمشاركة من طرف العموم. زيادة على عقلية الانكماش يرجع هذا الطابع للمؤسسات لعدة اعتبارات موضوعية تخص الجباية وسوق الشغل والتجارة الخارجية ... إلخ. فمن ناحية الجباية مثلا بينما يقع خصم محصول الفائدة الذي تدفعه المؤسسة للبنوك من الأرباح التي تطبق عليها الجباية لا يمكن ذلك بالنسبة لمردود الأموال الذاتية، مما يدفع بالمؤسسات للاقتراض.
- السياسة المالية في الميدان البنكي التي تركزت على اختيار التمويل لدى البنوك بوضع أسعار للفائدة ضعيفة ودون مستوى المردودية الجمليّة للاستثمارات زيادة على الحوافز التي تأتي لدى الاقتراض حسب القطاعات ونوعية الاستثمار.
стр. 8890
- ثقل الجباية الخاصة بمداخيل الشركات والتي توظف على مداخيل الأوراق المالية وحتى الحوافز الجبائية الممنوحة لم تكن كافية وواضحة بما فيه الكافية بالنظر خاصة إلى إمكانية التهرب الجبائي الذي هو أرفع وأسهل من التعقيدات الإدارية المصاحبة للحافز الجبائي.
ثانيا – العوامل التنظيمية للسوق:
ومن جهة أخرى فالإطار القانوني للسوق وخاصة القانون المحدث للبورصة سنة ١٩٦٩ والتراتيب التي تلته لم تتطور مع مستلزمات الظرف الاقتصادي ولم تمكن من خلق سوق مالية تتوفر فيها الأرضية الملائمة من:
- شفافية كافية في الإفصاح عن المعلومات وسيولة مرضية في مستوى المعاملات.
- مراقبة كافية وحماية دنيا للادخار ويرجع ذلك إلى سلبيات في قانون الشركات الذي لا يعطي حماية كافية لحقوق المساهمين الأقلية.
- ديناميكية خلاقة لدى وسطاء البورصة تجعلهم يقومون بدفع السوق من خلال مساعدة حرفائهم على اختيار أحسن السبل لتوظيف مدخراتهم.
- ديناميكية لدى البورصة نفسها للنهوض بالسوق وتطويره بالعمل على تحسين وسائله وظروفه.
- ثقل المصاريف المترتبة عن المعاملات في الأوراق المالية، وقد أشرنا إلى أن العميل في عملية بيع وشراء يدفع من قيمتها كعمولة للوسيط وأداء لفائدة البورصة ١.٦ % وهذه النسبة عالية جدا.
٣- إصلاح السوق المالية وآفاق تطورها:
في نطاق الإصلاح الاقتصادي العام الذي بدأت فيه السلطات التونسية منذ سنة ١٩٨٦ يأخذ إصلاح السوق المالية مكانا متميزا حيث إن إضفاء المزيد من النجاعة للاقتصاد القومي يمكن أن تساهم فيه بصفة فعالة سوق مالية متحركة وناجعة للأسباب التي ذكرناها آنفا.
ومن هذا المنطلق أدخلت وخاصة عن طريق قانون ٨ مارس (آذار) ١٩٨٩ المتعلق بالسوق المالية تحويرات جوهرية منذ سنتين على الإطار القانوني والتنظيمي للسوق وهي تخص تطوير الأدوات المالية وتنظيمها من جهة وإعادة تنظيم البورصة وإعطائها الصلاحيات اللازمة من جهة أخرى وباكتمال صدور النصوص القانونية في أواخر ١٩٨٩ ينطلق العمل لتطوير وتعصير السوق المالية والتي يمكن حصر أهم جوانبه فيما يلي:
أولا: إعادة تنظيم السوق الثانوية لإعطائها المزيد من النجاعة والديناميكية وذلك بإحكام نظام المعاملات وشروط إدراج الشركات ومراقبة الشركات المدرجة في السوق الرسمية.
стр. 8891
ثانيا: التخفيض بصفة في تكاليف المعاملات في السوق الثانوية وخاصة في السوق القارة لتحسين مردود الأوراق المالية.
ثالثا: إحكام تنظيم ومراقبة السوق الأولية وخاصة فيما يخص إصدارات شركات الاستثمار وتلك التي تهم أسهم الشركات المساهمة العامة.
رابعا: التكوين والإعلام من أجل تثبيت دور السوق المالية في الاقتصاد وحث الشركة التونسية على فتح رأس مالها للعموم وطرح أوراق مالية في السوق لتمويل برامجها الاستثمارية والعمل على إيجاد أنواع جديدة من الأوراق والأدوات المالية تأخذ بعين الاعتبار المعطيات والخصوصيات الذاتية للشركات والمستثمرين التونسيين.
خامسا: تطوير مهنة الوسطاء لدى البورصة والتشجيع على بروز وسطاء متخصصين في هذا الميدان إلى جانب البنوك. وقد أعطى قانون ٨ مارس (آذار) ١٩٨٩ حوافز جبائية هامة لفائدة هذا النوع من الوسطاء.
سادسا: العمل على تغيير الإطار العام للسياسة الاقتصادية التي كانت عائقا دون تطوير السوق المالية ونخص بالذكر منها الجباية والسياسة النقدية، وقانون الشركات، وتنظيم مهنة مدققي الحسابات.
الدكتور مصطفى النابلي
стр. 8892
السوق المالية ومسلسل الخوصصة
إعداد
سعادة الدكتور الحسن الداودي
الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في الاقتصاد الإسلامي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أنيطت الدولة في مجموعة البلدان الإسلامية كما هو الشأن في بقية البلدان السائرة في طريق النمو بدور المحرك الأساسي في الإنماء الاقتصادي عبر استثماراتها المكثفة، إنها ضرورة كانت تفرض نفسها بمعزل عن الإطار الأيديولوجي وهكذا لا يوجد بلد لم تعد فيه الدولة أكبر مالك وأكبر مستثمر.
وفيما يرجع إلى مثال المغرب فإن استثمارات الدولة عرفت بدايتها إبان عهد الحماية وبالأخص في مجال استخراج الثروة المعدنية إلا أن نطاق الاستثمارات العمومية أخذ يتسع منذ الاستقلال ليشمل جميع قطاعات النشاط الاقتصادي، وهكذا تطور القطاع العمومي المغربي من ٦٠ وحدة عام ١٩٦٠ إلى ١٥٨ وحدة سنة ١٩٦٩ ثم إلى ٦١٧ في ١٩٧٠ و ٦٨٠ حاليا دون الأخذ بعين الاعتبار ممارسة أحداث الشركات التابعة لها، الأمر الذي يثير بعض الغموض حول معرفة حدود القطاع العمومي المغربي.
إن منطق الدولة إنما هو منطق تنموي ولكنه أيضا منطق اجتماعي ومنطق الخدمات العمومية، ومنطق كهذا لا يسمح إلا بحيز ضيق للعقلانية الاقتصادية ذلك أن عجز القطاع العمومي كان بمثابة شر لا بد منه تتحمله الدولة من أجل إحداث فرص الشغل وتوفير ظروف الإقلاع الاقتصادي. ولقد ساعد على هذه المهمة كذلك الحصول على الرساميل الأجنبية بشروط قليلة التكاليف ذلك أن القروض التي منحتها الدول الصناعية كانت تعتبر مساعدة للتنمية ولكن منذ منتصف السبعينات التي شهدت تعميق أزمة المالية العامة في البلدان الغنية أصبحت القروض العمومية نادرة، ولم يبق للبلدان المقترضة إلا اللجوء إلى السوق العالمي، لتقترض منها بأسعار فائدة مجحفة، ومن شأن هذا التغيير ألا تتحمله اقتصاديات البلدان الناشئة التي من بينها اقتصاديات العالم الإسلامي، واتجهت الديون الخارجية لكل بلد نحو الارتفاع محدثة لها الاختناق الاقتصادي، الأمر الذي يحتم إعادة ترتيب الأمور في إطار هذه الاقتصاديات لأن عهد الإنفاق دون حساب قد ولى، وعلى الدولة أن تؤقلم سلوكها بحسب ما تمليه العقلانية، بل وأكثر من ذلك، يجب عليها أن تعيد النظر في وظيفتها على ضوء المعطيات الجديدة، والسؤال الذي يفرض نفسه على كل دولة من دولنا هو:
هل من الضروري أن تتبوأ الدولة حاليا مكانه المستثمر الرئيسي؟ إن عجز الميزانيات وكذا مستوى المديونية لم يتركا أي اختيار للدولة وما عليها إلا أن تقلل من النفقات كي تضمن للميزانية توازنها. ولا يمكن أن يشمل هذا الإجراء النفقات غير القابلة للتقليص إلا هامشيا، فيجب إذا تخفيض النفقات ذات الصبغة الاجتماعية ولكن هذا المستوى أيضا ليس لكل دولة أن تتعدى الحدود الضيقة لحرية تصرفها. والمنفذ الوحيد الذي يبقى هو التقليص الشديد من نفقات الاستثمار. ولقد تزامنت هذه الحالة مع بعض النضج لدى أصحاب الرساميل الوطنيين الذين استطاعوا أن يباشروا عملية التراكم تحت ظل الدولة منذ الاستقلالات الوطنية والذين يستطيعون أن يحلوا محلها في كثير من البلدان وهكذا تبدو الإجابة بالنفي على السؤال: هل من الضروري أن تتبوأ الدولة مكانة المستثمر الرئيسي؟ سهلة هنية، لأنه بإمكان القطاع الخاص أن يعوضها بنسب كبيرة ويبدو من المنطق إذا أن تخفف الدولة مجهوداتها الاستثمارية من أجل إعادة التوازنات الأساسية ولكن دون أن يكون لهذا التخفيف أثر كبير على المستوى العام للاستثمارات، والذي يطرح بمقابل المشكلة هو الضغط الداخلي والخارجي في آن واحد يكون تخلي الدولة عن جزء كبير من ثروتها لصالح القطاع الخاص.
стр. 8893
إن سيرورة الخوصصة تمضي على هذا المنوال هنا وهناك في العالم أجمع وتطرح المشكلة كذلك على مستوى الدولة الغنية كما هو الحال في بريطانيا العظمى. وتطرحها أكثر في بلداننا الناشئة لأن هذه الخوصصات ينبغي ألا تؤدي إلى تبديد الخيرات العمومية ولا إلى تراجع الاستثمارات ولا إلى تمركز الندوات. وهذه الشروط الثلاثة تصحب توفيرها في كل بلد على حدة. وإذا رجعنا إلى مثال المغرب فإننا نلاحظ الخوصصة تستهدف كثيرا من المقاولات العمومية.
والسؤال الأول الذي يفرض نفسه هو: من المستفيد من هذه الخوصصة وبأي ثمن؟
إننا نعلم يقينا أنه إذا كانت الدولة ترفض التمركز حريصة على بيع خيراتها بثمن مرتفع فلا بد من تمديد الخوصصة على فترة طويلة، الشيء الذي يحد مع مرور الزمن من مجهوداتها في مجال ترتيب نفقاتها، إلا أن أي عرض كبير في الوقت الراهن يؤدي لا محالة إلى انهيار الأثمان وإلى تمركز لصالح أشخاص معينين، ويكمن مبرر هذه المخاطرة الكبيرة في الضعف الشديد الذي يطبع السوق المالي المغربي العاجز عن استيعاب عرض كامن وفير، ويتضح هذا الضعف من خلال تحليل سوق القيم بالدار البيضاء.
بورصة الدار البيضاء:
أنشئت هذه المؤسسة بنص القانون الصادر يوم الأربعاء ١٤ ديسمبر (كانون الأول) ١٩٦٧، وحسب هذا القانون تتمثل مهمتها في تحريك الادخار ونشر رأسمال الشركات المنتجة، ولكن البورصة في أيامنا تعتبر وسيلة للبرالية الاقتصادية وأكثر فأكثر وسيلة لتقديم أنشطة المقاولات وميزانا للاقتصاد في مجمله.
وسوف نوضح فيما بعد أن بورصة القيم بالدار البيضاء، بعيدة أن مثل آلية كاملة من شأنها أن تمكن المقاولة المغربية من الاستفادة من مزاياها المختلفة، وعجزها عن القيام بمهماتها الرئيسية إنما هو راجع أساسا إلى نمط السير الخاص بها، وهذا ما سنتناوله أولا ثم نعكف على تحليل كمي لنشاطها ثانيا.
أولا- سير سوق البورصة المغربية:
يدور التحليل هنا حول مسألتين أساسيتين هما:
- أهمية القيم التي يتم تداولها في السوق.
- خصوصيات القائمين بالعمليات الطالبين منهم والعارضين.
стр. 8894
(أ) ضعف إصدار القيم المتنقلة:
يمكن الوقوف على أهمية سوق البورصة بواسطة صيغ كثيرة فإذا ما أعرنا اهتمامنا لحجم الإصدار الإجمالي للقيم المنقولة فلا يسعنا إلا أن نلاحظ هزالة هذا الأسلوب من التمويل سواء بالنسبة إلى الناتج الداخلي والإجمالي أو إلى التكوين الإجمالي للرأسمال الثابت، ذلك أن نسبة الإصدار الإجمالي إلى الناتج الداخلي الإجمالي لا يتجاوز ٣ % في ١٩٧٠ و ٤ % في ١٩٨٣، وأن هذه النسبة إلى التكوين الإجمالي للرأسمال الثابت بلغت على التوالي معدل ٢٢ % و ١٦ % ويبدو أن تفسير هذا الضعف يرجع إلى خصوصيات السوق ذاته، فعلا إن هذه السوق تمتاز بطابع الأحادية ما دامت كل العمليات التي تشهدها يكون العوض فيها نقدا، فنقص الأوراق المالية في البورصة وكذا ضعف الحركة فيها يدعمان محدودية هذا السوق. من جهة أخرى تستجيب بورصة القيم بالدار البيضاء لبعض التفضيل نحو البيع المباشر للقيم ذات الدخل المتغير، غير أنه كلما كثر هذا البيع كلما نزع الثمن المتوسط نحو الثبات. وهذا ما يبين الأسباب التي تجعل الأثمان الرسمية لكثير من الصكوك تبقى ثابتة خلال مدة طويلة. بالإضافة إلى ما سبق يمثل إهمال الشركات من جهة وانعدام مسايرة قنوات فعلية للأخبار من جهة أخرى عاملا رئيسيا آخر مسئولا من عدم فعالية البورصة. ويعكس هذا النمط من السير أيضا نمط سلوك مختلف المتدخلين في البورصة.
(ب) تقطب سوق البورصة:
ونعني بتقطب السوق تمركز القائمين بالعمليات في مجموعتين مختلفتين تدخلها شبه مؤسسي وبطريقة مهيمنة أحدهما في جانب العرض والآخر في جانب الطلب.
(١) عارضو الصكوك:
يجب التمييز بين فئتين من العارضين:
- الخزينة والهيئات العمومية من جهة.
- والشركات من جهة أخرى.
стр. 8895
بالنسبة للفئة الأولى يجب الإشارة إلى هيمنة إصدارات الخزينة وبالنسبة للفئة الثانية يجب التنبيه إلى أن إصداراتها تتمثل أساسا في أسهم تضم صكوكا لا تدخل بالضرورة إلى السوق لأنها تمثل إما الزيادات في الرأسمال أو إحداث شركات جديدة، وبالتالي فإنها لم تساهم بالفعل في خلق قيم مستقبلية.
(٢) طالبو الصكوك:
إزاء هيمنة القروض المستندية التي تصدر عن الدولة وبعض المؤسسات العمومية نصادف هنا أيضا التمركز القوي للأشخاص المشاركين في الاكتتاب، فإلى حدود ١٩٧٧ كان الأمر يتعلق بهيئتين رئيسيتين هما: صندوق الإيداع والتدبير وشركات التأمين ولقد انضاف إليهما البنك المركزي الشعبي ابتداء من ١٩٧٨.
هذه هي إذا الخطوط العريضة لخصوصيات سوق القيم بالمغرب، ما هي آثار هذه الخصوصيات على مستوى نشاط ديناميكية البورصة؟
ثانيا- التحليل الكمي لنشاط البورصة:
بالنظر إلى رقم أعمال البورصة بالدار البيضاء يتضح أنه في تراجع سريع، وهذا يفيد أن مكانة السوق المالية تعرف تدهورا قويا في السياسة المالية وفي الاقتصاد الوطني عموما كما يتراءى ذلك من خلال الجدول التالي (بملايين الدراهم) .
السنة ١٩٦٦ ٦٨ ٧٠ ٧١ ٧٢ ٧٣ ٧٤ ٧٥ ٧٦ ٧٧ ٧٨ ٧٩
رقم الأعمال ٢٠ ٣٣ ٥٠ ٦٣ ١٠٨ ١١٧ ١٩٣ ٢١٢ ١٨٢ ١٧٤ ١٠٧ ٢٠٢
السنة ٨٠ ٨١ ٨٢ ٨٣
رقم الأعمال ١٦٨ ١١١ ٨٦ ١٤٦
لقد دخل رقم الأعمال طور الانخفاض عمليا ابتداء من ١٩٧٥ إذا ما استثنينا التحسن الملاحظ خلال ١٩٧٩، وهذا التحسن راجع في هذا التاريخ إلى إدخال قرض الصحراء الصادر عام ١٩٧٦، ويرتبط التراجع المشاهد بعد ١٩٧٩ أيضا بصكوك الدولة وبالأخص بالأداء التدريجي لديونها من قبل الخزينة مما أدى إلى تقليص الصكوك المتداولة.