ثم إن القواعد والضوابط والشرائط الشرعية لا تعنى بغير ضرورة التثبت من توافر شروط إقامة الحد والقصاص، ومراعاة مبدأ التكافؤ والمماثلة دون زيادة أو جور، ومنع من تعاقب واستمرار الأضرار التي قد تؤدي إلى الهلاك أو الموت نتيجة تطبيق الحد؟ لأن الحد شرع للزجر لا للإتلاف، كما بينا، لذا أمر النبي ﷺ بحسم محل القطع وأوجب حسم ما قطع، والحسم: الكي بالنار، فقال فيما أخرجه الحاكم والبزار من حديث أبي هريرة ﵁: ((اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه)) (١) والحسم دواء وإصلاح يتحرز به عن الإتلاف (٢) فيكوى بالنار محل القطع لينقطع الدم، لأن منافذ الدم تنسد، وإذا ترك فربما استرسل الدم، فيؤدي إلى التلف.
وينوب شرعاً العلاج الحديث الذي يمنع نزيف الدم مناب الكي بالنار، لأن المراد تحقيق غاية معينة، وهي قطع الدم ومنع النزيف، فبأي وسيلة تحقق الغرض، جاز ذلك شرعاً، لأن الله تعالى أمر بالإحسان في كل شيء.
وإذا كانت الغاية من الحسم هي الدواء والعلاج لقطع النزيف الدموي، فلا يكون المراد منه استئصال اليد أو العضو بحيث لا يمكن إعادة اليد مثلاً إلى موضعها إذا توافرت شروط معينة.
والاستحسان والمصلحة الضرورية أو الحاجية وغيرها من أصول الاستدلال لا تمنع من القول من إعادة اليد، بحجة مصادمتها للنصوص الشرعية، لأن إعمال النص قد تحقق بقطع اليد أو بالقصاص، وما وراء ذلك يكون على أصل الإباحة، والأصل في الأشياء النافعة الإباحة، وفي الأشياء الضارة المنع أو الحظر، ولا شك بأن إعادة اليد أمر نافع نفعاً محضاً لصاحبها، بعد أن ذاق وبال أمره، ونكل به، وتم التشهير بجريمته أمام ملأً من الناس.
ومبادىء السياسة الشرعية التي هي التدابير الممنوحة للحاكم لفعل ما يراه محققاً لمصلحة عامة، أو معالجة أمر مؤقت، لا تمانع من إعادة اليد إذا كان ذلك علاجاً لحالات معدودة، وليست ظاهرة عامة تؤدي إلى تجرؤ اللصوص والمحاربين (قطاع الطرق) والجناة على ارتكاب الجرائم، وهم في مأمن من آثار العقاب، إذ سيجدون الوسيلة أو الذريعة إلى إعادة ما قطع أو بتر أو هشم أو جدع أو قلع أو كسر لأنه إذا استمرأ الجاني فعله، وهان عليه اللجوء إلى الجريمة واستسهل العقاب، ورأى أمامه الحيلة الطبية في ترميم ما فقد منه، وجب حينئذ سد الذرائع وإقفال الباب أمامه، وأصبح غير مستحق للمعاملة الإنسانية الكريمة على الدوام.
стр. 9382
والحكم الاجتهادي لإعادة اليد ونحوها يختلف بحسب نوع طريق إثبات الجريمة، فإذا ثبت الحد بالإقرار، جاز القول بلا شك بإعادة اليد ونحوها، وإذا ثبت بالشهادة وكان الحد من حقوق العباد أو الآدميين، لم يجز القول بإعادة اليد، أما إن كان الحد من حقوق الله تعالى المحضة، فربما كان القول بجواز إعادة اليد أمراً مقبولاً اجتهاداً؛ لأن حقوق الله مبنية على المسامحة والإسقاط والرحمة والإشفاق.
الرأي الاجتهادي في الموضوع:
لا بد في تقديرنا من التفرقة بين حقوق العباد وحقوق الله تعالى.
(أ) ففي حالة استيفاء القصاص من طرف أو عضو كالعين واليد، لا أرى القول بجواز إعادة العضو إلى مكانه بعملية جراحية إلا إذا أذن المجني عليه ورضي بذلك، وعفا عن الجاني، لأن الغالب في القصاص كونه من حقوق العباد (الأشخاص) . والقصاص هو المماثلة، ويشترط فيه المماثلة بين الجناية والعقوبة في أمور ثلاثة: التماثل في الفعل، والتماثل في المحل (الموضع والاسم) والتماثل في المنفعة (أو الصحة والكمال) (١)
فالمساواة في المحل أثناء العقوبة مطلوبة في قصاص النفس والأطراف والأعضاء، ولا ينظر إلى التفاوت بين العضوين في الصغر والكبر.
وعدم مراعاة المماثلة أو المساواة يفتح باب الغيظ والحقد والثأر والانتقام، أو الاعتراض والنقد الجارح، لمجافاة العدالة والمساواة بين الجاني والمجني عليه. وإذا كان الحال هكذا فلا يعقل أن يظل المجني عليه بعين واحدة أو يد واحدة مثلاً، لتعذر إعادتها بسبب ظروف الجناية وقسوتها وتمزق أوصال العضو وتبدده يميناً وشمالاً، ثم يتمكن الجاني بعد القصاص من إعادة عضوه إلى مكانه الطبيعي، والمجني عليه ينظر ويحملق إليه بعين ملؤها الغضب والغيظ، وتحدثه نفسه بالتشفي والانتقام.
стр. 9383
أما إن عفا المجني عليه مجاناً أو بعوض بعد القصاص، جاز للجاني المبادرة إلى إجراء عملية جراحية تعيد له ما قطع أو اقتص منه، لأن المجني عليه يملك شرعاً إسقاط القصاص من الأصل، فيملك بطريق الأولى العفو عن الجاني بعد القصاص، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٧] ، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٧٨] ، ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٥] .
(ب) وأما في حال تطبيق حدي السرقة أو المحاربة (قطع الطريق) اللذين هما من حقوق الله تعالى بقطع اليد من الرسغ، والرجل من المفصل، ومراعاة الضوابط والشرائط الشرعية لاستيفاء الحدود، فلا يختلف الرأي لدي بحسب طريق إثبات الحد، ما دام الحد من حقوق الله تعالى المبنية على التسامح والإسقاط.
فإذا ثبت موجب الحد أي جريمة السرقة مثلاً بالإقرار، وقطعت يد السارق الذي أقر، ثم رجع عن اقراره، جاز له بلا شك أن يعيد يده إلى موضعها بعمل جراحي، لأنه يجوز شرعا الرجوع عن الإقرار قبل البدء بالحد وفي أثنائه وبعد تنفيذه ليتلافى الآثار المعنوية الناجمة عن تطبيق الحد، بدليل أن النبي ﷺ حينما هرب ماعز عند رجمه من أرض قليلة الحجارة إلى أرض أخرى قال لصحابته.: ((هلا تركتموه، لعله أن يتوب، فيتوب الله عليها)) (١)
стр. 9384
بل يستحب شرعاً للحاكم تلقين الرجوع عن الإقرار كما فعل النبي ﷺ مع ماعز حينما أقر أمامه في المسجد قائلاً له: ((لعلك مسستها أو لعلك قبلتها)) (١)
وفي السرقة روى يزيد بن خصيف ﵁ قال: ((أتي النبي ﷺ بسارق، فقال: أسرقت ما أخاله سرق)) ؟ فقال: نعم، قال رسول الله ﷺ : ((اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به، ففعلوا به ذلك، فقال: تب إلى الله، فقال: تبت إلى الله تعالى، فقال: اللهم تب عليه)) (٢)
قال السرخسي في المبسوط: وفيه دليل على أن الإمام مندوب إلى الاحتيال لدرء الحد، وتلقين المقر الرجوع، ويدل عليه: ما رواه عن أبي الدرداء أنه أتي بسارق أو بسارقة فقال: أسرقت؟ قولي: لا. وعن ابن مسعود ﵁ أنه أتي بسوداء يقال لها سلامة، فقال: أسرقت؟ قولي: لا، قالوا: أتلقنها؟ قال: جئتموني بأعجمية لا تدري ما يراد بها حين تفسر، فأقطعها؟!.
وفيه دليل أيضاً على أن المقر بـ السرقة إذا رجع درىء عنه الحد، وأن الرجل والمرأة في ذلك سواء.
وفيه دليل على أن القطع للزجر، لا للإتلاف، لأنه أمر بالحسم بعد القطع، وهو دواء وإصلاح يتحرز به عن الإتلاف.
وفيه دليل على أن التطهير من الجريمة لا يحصل بالحد إذا كان مصراً على ذلك، ولأنه خزي ونكال، وانما التطهير والتكفير به في حق التائب، فإنه دعاء إلى التوبة بقوله ﷺ : ((تب إلى الله)) (٣)
стр. 9385
والخلاصة:
أن إعادة اليد تعد رجوعاً عن الإقرار.
وأما إذا ثبت موجب الحد (الجريمة) بالشهادة فيجوز في رأيي - والله أعلم – إعادة اليد أيضاً إذا تاب السارق أو المحارب، وكان الحد من حقوق الله تعالى كحد السرقة (١) والحرابة والزنا والردة، وكانت حالات الإعادة قليلة أو نادرة، حتى لا يتجرأ الجناة على الجرائم والفواحش فإذا كثرت الجرائم بحيث صارت الجريمة ظاهرة فاشية فلا نجيز إعادة اليد أو العضو سداً للذرائع، وعملاً بمبدأ السياسة الشرعية التي تعالج فوضى مؤقتة، أو أمراً زمنياً طارئاً. ويجب عند الجمهور غير الحنفية إعادة المال المسروق إلى صاحبه. فهذه شروط أربعة لإعادة اليد إذا ثبتت الجريمة بشهادة الشهود.
وأدلة الجواز في هذه الحالة هي ما يأتي:
ا - لقد تم إعمال النص الشرعي الآمر بالحد بمجرد القطع أو البتر فيبقى ما عدا ذلك على أصل الإباحة الشرعية، فيمكن الاستفادة في عصرنا من معطيات التقدم الطبي العلمي، أما في الماضي فكان يظل موضع أثر القطع قائما على ما هو عليه، وهو مجرد أمر واقع لا يحتج به، كما لا يحتج بالوقائع التي لم تتعلق بها نصوص شرعية. قال السرخسي مبيناً مذهب الحنفية في أنه لا يجمع بين الحد وضمان المال المسروق، وقوله يفيدنا في بيان مدى إعمال النص:
قوله ﵎: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ فقد نص على أن القطع جميع موجب فعله؛ لأن في لفظ الجزاء إشارة إلى الكمال، فلو أوجبنا الضمان معه، لم يكن القطع – قطع يد السارق – جميع موجب الفعل، فكان نسخاً لما هو ثابت بالنص. أقول: وهذا عملاً بالقاعدة المقررة عندهم "عدم جواز الزيادة على النص إلا بقرآن أو بمكافىء للقرآن من الحديث المتواتر والمشهور".
стр. 9386
وأضاف السرخسي قائلاً: وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا غرم على السارق بعد ما قطعت يده وفي رواية: لا غرم على السارق فيما قطعت يمينه فيه)) (١)
لكن إذا اجتمع في يد الجاني قطع في السرقة والقصاص بدىء بالقصاص وضمن السرقة؟ لأنه إذا اجتمع في اليد حقان: أحدهما لله تعالى، والآخر للعبد، فيقدم حق العبد، لحاجته إلى ذلك، وإذا استوفى القصاص، تعذر استيفاء القطع، فيضمن المسروق (٢)
٢ - لا سلطان للحاكم على المحدود بعد تنفيذ الحد، فإذا بادر السارق أو المحارب إلى إعادة يده أو رجله المقطوعة بعمل جراحي، فلا يحق للحاكم التدخل في شأنه، كما لا يحق له في الوقت الحاضر منعه من تركيب يد أو رجل صناعية، وتكون إعادة العضو الطبيعي أجدى وأنفع وأولى.
هذا مع العلم بأنه إذا قطعت اليد فالسنة أن تعلق في عنق صاحبها ساعة، أي مدة زمنية، فله الاحتفاظ بها.
٣ - لقد تحققت أهداف الحد المادية والمعنوية بتنفيذه، ففي القطع إيلام وتعذيب، وزجر ونكال، وتشهير وإساءة سمعة، ووخز للاعتبارات الأدبية والإنسانية، وكل ذلك تحقق بإقامة الحد شرعاً.
٤ - إن زراعة العضو من إنسان آخر كالقلب والكلية والرئة والعين أمر جائز للضرورة لإنقاذ حياة الإنسان، كما قرر مجمع الفقه الإسلامي في جدة في دورته الرابعة، فيجوز بالأولى لأي إنسان إعادة ما قطع من أعضائه أثناء إقامة الحد عليه.
٥ - التوبة تسقط جميع الحدود التي هي حق لله تعالى في مذهب الحنابلة، فليس في شرع الله وقدره عقوبة تائب البتة، كما قالوا (٣) لقوله ﵊: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) (٤)
стр. 9387
٦ - لو نبتت سن جديدة أو إصبع جديدة بعد القصاص أو الحد لا تستأصل مرة أخرى في الراجح لدى الفقهاء، لأن النابت نعمة جديدة من الله تعالى، أو هبة مجددة، ليس للمجني عليه قلعه، وليس هو في حكم المقلوع أو المقطوع (١)
٧ - لا شك بأن إعادة اليد أو غيرها مصلحة ضرورية لصاحبها، ولا تتصادم هذه المصلحة مع النصوص الشرعية الآمرة بتطبيق الحد أو القصاص، إذ أن النص قد أعمل وفرغ منه، وهو ساكت عما وراء تنفيذ مقتضاه الواضح.
٨ - إن حقوق الله تعالى مبنية على الدرء والإسقاط، والمسامحة، خلافاً لحقوق الآدميين.
٩ - ليس في إعادة اليد أو أي عضو قطع حداً عبث أو تحايل على أحكام الشريعة؟ لأن العبث والتحايل في الوضع القائم الذي يفر من تطبيق الحدود الشرعية ويعطل النصوص الآمرة بها. ويمكن تطهير اليد المقطوعة بالماء قبل تركيبها.
١٠ - ليس المراد من حسم موضع القطع إلا التداوي وقطع النزيف الدموي كما أوضحنا سابقاً، ولا يقصد به الاستئصال الأبدي إلا من ناحية الواقع فقط، لا من ناحية الإمكان العلمي، فذلك أمر مسكوت عنه في النصوص، والأصل في الأشياء الإباحة.
١١ - ان الاعتبارات الإنسانية وسماحة الإسلام ورحمة الله بعباده تؤكد لنا القول بجواز إعادة اليد، والله أعلم.
الخاتمة:
تبين لدينا أن إعادة أي عضو قطع في قصاص لا يجوز شرعاً ما لم يأذن المجني عليه ويسقط حقه، منعاً من إثارة الأحقاد والضغائن.
أما إعادة العضو المستأصل في حد كإعادة اليد أو الرجل بعد قطعها في السرقة والحرابة، فذلك أمر جائز في رأيي، بالشروط والضوابط المتقدمة، ما لم يؤد الأمر إلى فساد عام وشر شامل، فيؤخذ حينئذ بما يحسم الفساد بالحكم الأشد، والله ولي الأمر والتوفيق.
الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي
стр. 9388
حكم إعادة اليد
بعد قطعها في حد شرعي
إعداد
فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع
القاضي بمحكمة التمييز بالمنطقة الغربية
وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد الله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه.. وبعد
فإجابة للرغبة الكريمة من معالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في إعداد بحث يتعلق "بحكم إعادة اليد بعد قطعها في حد شرعي،.. وحيث سبق أن عرض هذا الموضوع على مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته السادسة والعشرين فأجل النظر في ذلك حتى يتم إعداد بحث يتضمن كلام أهل العلم في الموضوع نفسه تمهيداً لدراسة ذلك في دورته السابعة والعشرين ثم أعد البحث من قبل الأمانة العامة لمجلس هيئة كبار العلماء في المملكة.. وبعد الاطلاع عليه صدر بخصوصه قرار من المجلس بعدد (١٣٦) في ١٧/٦/١٤٠٦هـ، وفيما يلي نص من البحث المعد من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية:
بسم الله الرحمن الرحيم:
الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه.
وبعد:
فمن المعلوم أن الشرائع السماوية يقصد بها عدة أمور من أهمها أربعة:
الأول: معرفة الله وتوحيده وتمجيده ووصفه بصفات الكمال وتنزيهه عما لا يليق بجلاله وعظمته.
الثاني: معرفة كيفية أداء عبادته المحتوية على تعظيمه وشكر نعمه التي لا تعد ولا تحصى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ .
стр. 9389
الثالث: الحث على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والتحلي بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، والمزايا التي تسمو بالمرء إلى مراتب الشرف والرفعة.
الرابع: إيقاف المتعدي عند حده بوضع الأحكام المقررة في المعاملات والحدود والعقوبات والزواجر والتعزيرات الرادعة لمن يخالف ما قرره الشرع في ذلك (١)
الحكمة من إقامة الحدود:
إن الله وإن كان قد جعل لمن يرتكب الذنوب والآثام ويعمل المعاصي عقاباً يوم القيامة.
إلا أن ذلك لا يمنع أهل الشر وأصحاب النفوس الضعيفة عن ارتكاب ما يضر بالمصلحة العامة أو الخاصة في الحياة الدنيا.
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم
وأيضاً فإن من الناس من له قوة وسلطان لا يقدر المظلوم الضعيف على أخذ حقه منه وبذلك تضيع الحقوق ويعم الفساد.
وهدف الشريعة الإسلامية من فرض العقوبة هو إصلاح النفوس وتهذيبها والعمل على سعادة الجماعة البشرية، ذلك لأن للإسلام في العقاب رأياً ينفرد به.
стр. 9390
من أجل ذلك وضع الله الحدود وضعاً شرعياً كافلاً لراحة البشر في كل زمان ومكان حتى يكون الناس في مأمن وتمتنع الجرائم التي ترتكب، فكل فعل سيىء يحدث في الأرض قد لا يمكن إصلاحه إلا بالعقوبة.
فالعقوبة إذا مصلحة للمجتمع، وليس في الشريعة ما يمنع من أن تكون أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح لا لكونها مفاسد بل لكونها مؤدية إلى المصالح بل إن دفع الضرر مقدم على جلب المنافع.
جاء في قواعد الأحكام ... ربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح، لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى المصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظاً للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد بل لكون المصلحة هي المقصودة من شرعها كقطع يد السارق وقاطع الطريق، وقد سميت مصالح من قبيل المجاز بتسمية السبب باسم المسبب (١)
وجاء في موضع آخر منها: الأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما ويجلبون أعلى السلامتين والصحتين ولا يبالون بفوات أدناهما وإن الطب كالشرع وضع لجلب مصلحة السلامة والعافية ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام ولدرء ما أمكن درؤه من ذلك ولجلب ما أمكن (٢) فالعقوبات شرعت لمصلحة تعود إلى كافة الناس.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: إن الله أوجب الحدود على مرتكبي الجرائم التي تتقاضاها الطباع، وليس عليها وازع طبعي، والحدود عقوبات لأرباب الجرائم في الدنيا كما جعلت عقوبتهم في الآخرة بالنار إذا لم يتوبوا، ثم إنه تعالى جعل التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فمن لقيه تائباً توبة نصوحاً لم يعذبه مما تاب منه" (٣)
ويقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: (شرعت العقوبات رحمة من الله تعالى بعباده فهي صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان اليهم، ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة بهم كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض) (٤)
стр. 9391
ويقول الدهلوي رحمه الله تعالى في كتابه حجة الله البالغة: (اعلم أن من المعاصي ما شرع الله فيه الحد وذلك كل معصية جمعت وجوهاً من المفسدة بأن كانت فساداً في الأرض واقتضاباً على طمأنينة المسلمين وكانت لها داعية في نفوس بني آدم لا تزال تهيج فيها، ولها ضراوة لا يستطيعون الإقلاع منها بعد أن أشربت قلوبهم بها وكان فيه ضرر لا يستطيع المظلوم دفعه عن نفسه في كثير من الأحيان، وكان كثير الوقوع فيما بين الناس فمثل هذه المعاصي قد لا يكفي فيها الترهيب بعذاب الآخرة بل لا بد من إقامة ملامة شديدة عليها وإيلام ليكون بين أعينهم ذلك فيردعهم عما يريدونه. ثم مثل ببعض المعاصي إلى أن قال: وكالسرقة فإن الإنسان كثيراً ما لا يجد كسباً صالحا فينحدر إلى السرقة ولها ضراوة في نفوسهم ولا تكون إلا اختفاء بحيث لا يراه الناس) (١)
حرمة التعدي على المال وأثر قطع يد السارق:
اهتم الإسلام بالأموال اهتماماً عظيما وحماها حتى جعل المال شقيق الروح ومقارناً لها في الحرمة فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: ((كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) ، وقال أيضاً في خطبته المشهورة: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذ)) .
فحمى المال من أن تمتد إليه أيدي العابثين وتطلعات الطامعين فهددهم بالويل والثبور وعظائم الأمور حبساً أو قطعاً أو قتلاً أو صلباً أو تشريداً ذلك جزاؤهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار.
стр. 9392
كما نهى عن كل ما يجر إلى أكل أموال الناس بالباطل فحرم التعامل بالربا وجعله من أكبر الكبائر لما يجلبه من الأحقاد والضغائن. وحرم المقامرة والرشوة ونحوهما وحرم أكل أموال اليتامى والضعفاء وأكل صداق المرأة إلا ما طابت به نفسها. وجملة القول: أن الاعتداء على أموال الناس بأي وجه من الوجوه حرام سواء أكان عن طريق الكذب أو التحايل أو المماطلة والنصب أو جحد العارية والغش في المعاملة وأكل الأجور ومنعها أصحابها إلى غير ذلك مما يستحله أصحاب النفوس الضعيفة.
وفي مقدمة هذه الكبائر جريمة السرقة التي نهى عنها الإسلام وحذر منها. وتحريمها ثابت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وإجماع السلف الصالح، وليس هذا محل تفصيله.
وقد رتب الله عليها حد قطع اليد مما يدل على أن فاعلها قد ارتكب كبيرة من الكبائر وفعل جرماً عظيما فقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ .
فقد نصت هذه الآية الكريمة على أن عقوبة السارق قطع يده ولا خلاف بين الفقهاء ممن يعتد بقولهم في أن المراد بالقطع في الآية الكريمة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ هو إبانة اليد وإزالتها لأن لفظ القطع موضوع لها حقيقة لتبادرها منه، والتبادر أمارة الحقيقة كما هو مقرر عند علماء اللغة.
قال ابن منظور في كتابه لسان العرب (١) القطع إبانة بعض أجزاء الجسم من بعض فصلاً، والقطع مصدر قطعت الحبل قطعاً والأقطع المقطوع اليد، ويد قطعاء أي مقطوعة.
والأحاديث الشريفة والآثار الصحيحة تؤيد هذا المعنى وتدل عليه. وليس هذا مكان ذكرها وتفصيلها.
стр. 9393
ولا شك أن قطع اليد في السرقة عقوبة لها أثرها في القضاء على هذه الجريمة.
والشريعة الإسلامية المحكمة تهدف من وراء ذلك إلى حماية الجماعة وحفظها حتى تقضي قضاء تاماً على خطر يهدد الناس في أموالهم، وما يتبع ذلك من ترويع وإذلال. فلقد أحكم الشارع الحكيم وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجناية وشرعها على أكمل الوجوه مع عدم مجاوزة ما يستحقه الجاني من عقاب حتى يكون العقاب مكافئاً للجريمة، ولم يترك تحديد العقاب على السرقة إلى اجتهاد أو نظر أو رأي جماعة لما في ذلك من التناقض الذي لا تؤمن عاقبته ولا يضمن فيه تحقيق العدالة التي يجد الناس فيها أماناً من الظلم والقهر بل إن من رحمته بعباده ورأفته بهم أن تكفل بتقدير العقوبات عل الخطير من الجرائم حتى تحفظ الضروريات الخمس - التي هي حفظ النفس، وحفظ الدين، وحفظ النسل، وحفظ العرض، وحفظ المال. وجعل لكل جريمة عقوبة تناسبها قد يخفى علينا تعقلها ومعرفة الحكمة منها.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا المعنى ما نصه (١)
فلما تفاوتت مراتب الجنايات لم يكن بد من تفاوت مراتب العقوبات، وكان من المعلوم أن الناس لو وكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك، وترتيب كل عقوبة عل ما يناسبها من الجناية جنساً ووصفاً وقدراً لذهبت بهم الآراء كل مذهب، وتشعبت بهم الطرق كل مشعب ولعظم الاختلاف واشتد الخطب، فكفاهم أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين مؤونة ذلك، وأزال عنهم كلفته، وتولى بحكمته وعدله ورحمته، تقديره نوعاً وقدراً ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة وما يليق بها من النكال. اهـ. فالإسلام في أهدافه السامية معني بتوفير الحياة الكريمة والعيش المطمئن ولا يكون ذلك إلا بحماية الفضيلة، والقضاء على الفساد والرذيلة، وكل ما شأنه أن يدنس واجهة الإسلام التي أرادها نقية ناصعة، ولما كانت الغاية السامية تبرر الوسيلة الحازمة، وأن القسوة والشدة ليست شراً دائما كان من العدل الضرب بشدة على يد من لا يراعي مصلحة الجماعة، ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الله، فالعدل كل العدل أن يعاقب من يستحق العقاب، وليس أجدر بذلك النوع من العقاب الأ المجرمون الذين تقتضي طبيعة جرائمهم أن تتم في الخفاء الذي يترك الرهبة والرعب الشديد في نفوس الناس.
стр. 9394
وقد قال الله تعالى بعد تقرير عقوبة السرقة: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ .
فإن هذا النص يدل على أن العقوبة مكافئة ومساوية للجريمة بكل آثارها الناتجة عنها مما تحدثه السرقة من ترويع وإفساد، وكل ما يمكن السارق من تحقيق مآربه ولو أدى ذلك إلى القتل فإن طبيعة السارق موسومة بالشراهة والنهم، فلا يهمه إلا ما يحصل عليه من أموال الناس، من أجل ذلك شدد الشارع في تلك العقوبة حتى يردع الآثم ويطمئن الآمن.
ولما كانت العقوبة مرتبة على ما تشيعه السرقة من خوف واضطراب بدليل أن الشارع قطع يد السارق في ربع دينار، كما قطع سارق الأكثر. ولو كان القطع على ذات الفعل لتفاوتت العقوبة في كل منهما (١)
يقول العز بن عبد السلام في قواعده (٢) إن السرقتين استويتا في المفسدتين، وما ذلك إلا بأثرهما على الجماعة وإلا فإنه لا وجه لتساويهما كما هو ظاهر. وقد جعل الله تلك العقوبة نكالا تمنع الغير من ارتكاب السرقة اعتباراً بما وقع للسارق المقطوعة يده من شدة وحزم. وإن مادة النكال من نكل بفلان إذا صنع به صنعاً يحذر منه غيره إذا رآه ومنه قول الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ ، أي عبرة.
ولا عبرة أعظم من قطع يد السارق في السرقة يفتضح بها صاحبها طول حياته، ويوسم بميسم الخزي والعار يلاحقه حتى مماته. ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٣)
стр. 9395
ومن المعلوم أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم ويجعل الجاني نكالاً وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته في الكبر والصغر والقلة والكثرة. ويقول العز بن عبد السلام في قواعده الفقهية (١) من أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان مصالحها على مفاسدها قطع يد السارق، فإنه إفساد لها ولكنه زاجر حافظ لجميع الأموال فقدمت مصلحة حفظ الأموال على مفسدة قطع يد السارق. اهـ. ومن الحكمة في قطع اليد ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره حيث قال ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ : هذا تعليل للحد، أي اقطعوا أيديهما جزاء لهما بعملهما وكسبهما السيىء ونكالا وعبرة لغيرهما، فالنكال مأخوذ من النكل وهو (بالكسر) قيد الدابة ونكل عن الشيء عجز أو امتنع لمانع صرفه عنه.
فالنكال هنا ما ينكل الناس ويمنعهم أن يسرقوا، ولعمر الحق أن قطع اليد الذي يفضح صاحبه طول حياته، ويسمه بميسم الذل والعار وهو أجدر العقوبات بمنع السرقة، وتأمين الناس على أموالهم، وكذا على أرواحهم، لأن الأرواح كثيراً ما تتبع الأموال، إذا قاوم أهلها السراق عند العلم بهم، إلى أن قال: فهو سبحانه يضع الحدود والعقوبات بحسب الحكمة التي توافق المصلحة (٢)
стр. 9396
وقال الدهلوي في معرض كلامه على السرقة وما يتعلق بها ما نصه:
وقال ﷺ في سارق "اقطعوه ثم احسموه " أقول إنما أمر بالحسم لئلا يسري فيهلك، فإن الحسم سبب عدم السراية. وأمر ﵇ باليد فعلقت في عنق السارق أقول إنما فعل هذا للتشهير وليعلم الناس أنه سارق. (١) أما الفقهاء رحمهم الله تعالى فلم يتعرضوا في كتبهم في الغالب لعلة الحكم الشرعي أو حكمة تشريعه بل جل اهتمامهم بذكر الأحكام فقط اللهم إلا بالنزر القليل الذي يأتي في معرض الكلام كقول السرخسي من جملة كلامه على قوله ﵊ في حق السارق ((اذهبوا به فاقطعوه)) فيه دليل على أن القطع للزجر لا للإتلاف لأنه أمر بالحسم بعد القطع وهو دواء وإصلاح يتحرز به عن الإتلاف، وفيه دليل على أن التطهير لا يحصل بالحد إذا كان مصراً على ذلك، ولأنه خزي ونكال، وإنما التطهير والتكفير به في حق التائب (٢)
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى تحت عنوان (لماذا قطعت يد السارق ولم يقطع فرج الزاني) فصل: وأما معاقبة السارق بقطع يده وترك معاقبة الزاني بقطع فرجه ففي غاية الحكمة والمصلحة، وليس في حكمة الله تعالى ومصلحة خلقه وعنايته ورحمته بهم أن يتلف على كل جان كل عضو عصاه به فيشرع قلع عين من نظر إلى المحرم وقطع أذن من استمع إليه، ولسان من تكلم به، ويد من لطم غيره عدواناً.
ولا خفاء بما في هذا من الإسراف والتجاوز في العقوبة، وقلب مراتبها، وأسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة تأبى ذلك.
وليس مقصود الشرع مجرد الأمن من المعاودة ليس إلا، ولو أريد هذا لكان قتل صاحب الجريمة فقط، وإنما المقصود الزجر والنكال والعقوبة على الجريمة، وأن يكون إلى كف عدوانه أقرب، وأن يعتبر به غيره، وأن يحدث له ما يذوقه من الألم توبة نصوحاً، وأن يذكره ذلك بعقوبة الأخرة إلى غير ذلك من الحكم والمصالح.
стр. 9397
ثم إن في حد السرقة معنى آخر وهو أن السرقة إنما تقع من فاعلها سراً كما يقتضيه اسمها ولهذا يقولون: فلان ينظر إلى فلان مسارقة إذا كان ينظر إليه نظراً خفياً لا يريد أن يفطن له، والعازم على السرقة مختف كآثم خائف أن يشعر بمكانه فيؤخذ به، ثم هو مستعد للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيء.
واليدان للإنسان كالجناحين للطائر في إعانته على الطيران، ولذلك يقال وصلت جناح فلان إذا رأيته يسير منفرداً فانضممت إليه لتصحبه، فعوقب السارق بقطع اليد قصا لجناحه، وتسهيلاً لأخذه إن عاود السرقة فإذا فعل به هذا في أول مرة بقي مقصوص أحد الجناحين ضعيفاً في العدو ثم يقطع في المرة الثانية رجله فيزداد ضعفاً في عدوه، فلا يكاد يفوت الطالب، ثم تقطع يده الأخرى في الثالثة ورجله الأخرى في الرابعة، فيبقى لحما على وضم، فيستريح ويريح. اهـ. (١)
ويقول في موضع آخر - وأما القطع فجعله عقوبة مثله عدلاً وعقوبة السارق فكانت عقوبة به أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد ولم تبلغ جناية حد العقوبة بالقتل فكان أليق العقوبات به إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس، وأخذ أموالهم، ولما كان ضرر المحارب أشد من ضرر السارق وعدوانه أعظم ضم إلى قطع يده قطع رجله ليكف عدوانه وشر يده التي بطش بها، ورجله التي سعى بها، وشرع أن يكون ذلك من خلاف لئلا يفوت عليه منفعة الشق بكماله، فكف ضرره وعدوانه، ورحمه بأن أبقى له يداً من شق ورجلاً من شق (٢)
стр. 9398
ويقول رحمه الله تعالى في موضع آخر: فصل: وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم وترك قطع المختلس والمنتهب والغاصب فمن تمام حكمة الشارع أيضاً، فإن السارق لا يمكن الاحتزاز منه فإنه ينقب الدور، ويهتك الحرز ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتزاز أكثر من ذلك، فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضاً وعظم الضرر، واشتدت المحنة بالسراق، بخلاف المنتهب والمختلس، فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويخلصوا حق المظلوم، أو يشهدوا له عند الحاكم (١)
وقال عبد الرحمن الجزيري: حد السرقة من الحدود الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة فذكر الله تعالى حده في الآية الكريمة. وأمر بقطع يد السارق ذكراً كان أو أنثى، عبداً، أو حراً، مسلما أو غير مسلم صيانة للأموال وحفظاً لها، ولقد كان قطع يد السارق معمولاً به في الجاهلية قبل الإسلام فلما جاء الإسلام أقره وزاد عليه شروطاً معروفة (٢) إلى أن قال: ولهذا علل الله تعالى قطع اليد في السرقة بقوله : ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ ، أي تقطع مجازاة على صنيعهما السيىء في أخذهما أموال الناس بأيديهما فناسب أن يقطع العضو الذي استعانا به على ذلك: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ ، أي تنكيلاً من الله بهما على ارتكاب ذلك الفعل، وعبرة لغيرهما، فإن قطع اليد يفضح صاحبه طول حياته ويجلب له الخزي والعار ويسقطه في نظر المجتمع، وهو أجدر العقوبات بمنع السرقة، وتأمين الناس على أموالهم وأرواحهم، وأعراضهم.
стр. 9399
وها هنا سؤال معروف وهو أن قطع اليد فيه إتلاف لعضو من أعضاء الإنسان وذلك لا يتناسب مع الجريمة إذا كانت يسيرة، فإن أقل ما تقطع فيه اليد عشرة دراهم فالعقوبة شديدة. وهذا الكلام منشؤه الغفلة عن معنى الجريمة، وعن الآثار الضارة المترتبة عليها، فإنك قد عرفت أن هذه الجريمة من أشد الجرائم خطورة، فإذا فشت السرقة بين الناس فقد هددوا في أموالهم، وأعراضهم وأنفسهم كما ذكرنا وأصبحت حياتهم مريرة لا فائدة منها، فإن السارق كالحيوان المفترس الذي يفتك بكل ما يلاقيه، فجريمته يجب أن تقابل بالقسوة المتناهية كي ينقطع دابرها من بين الناس بتاتاً فإذا تخيل شخص أن العقوبة شديدة فإنه يجب أن يعلم أن فظاعة الجريمة وآثارها في المجتمع أشد وأنكى، ثم إن العقوبات لم توضع إلا لزجر فاسدي الأخلاق وهؤلاء لا ينزجرون بالرفق واللين بدون نزاع، فإذا لم تتمثل أمامهم شدة العقوبة فإنهم لا ينزجرون أبداً (١)
وقال الشيخ علي أحمد الجرجاوي أحد علماء الأزهر (٢) ما نصه: (حكمة عقاب السارق) إن الذين لم يفقهوا هذا الدين الحنيف الذي جاء شاملاً لكل منفعة بني الإنسان ولم يقفوا على حقيقة العلل الشرعية التي لأجلها جعلت العقوبات متنوعة في الشدة. هؤلاء يقولون إن عقاب السارق بهذا الشكل مضر ببني الإنسان وليس فيه مصلحة للأمة.
стр. 9400
وهذا القول منقوض مردود وهووهم وليس من الحكمة في شيء ولأجل أن نوقف هؤلاء الناقدين والطاعنين على الإسلام في وجوب العقاب هكذا نبين لهم بقدر الإمكان ضرر السرقة، ثم نكل إلى ذوي العقول منهم الحكم بعد ذلك.
أولاً: إن المرء يكد ويكدح في هذه الحياة طلباً للرزق وما يقوم به أود حياته إما بفلح الأرض واستثمارها فيصهر جلده لعاب الشمس في الصيف ويهري أطرافه الزمهرير في الشتاء، وهكذا من المشاق التي يعانيها الفلاح المسكين كما هو مشاهد لنا برأي العين، وإما بالسفر مشياً على القدمين أو ركوباً على الدابة معرضاً نفسه للوحوش الضارية والسباع الكاسرة في فسيح الفلوات وبين الجبال والوهاد، يترقب الخطر كل لحظة وأخرى والطامة الكبرى إذا فقد الزاد فإنه يقع بين خطرين عظيمين وهما فقد الأمن والزاد. وفي هذه الحالة يكون الموت والهلاك منه قاب قوسين أو أدنى، هذا مع بعد المسافات واحتمال الحر والبرد. وإما بركوب السفن فيكون دائما معرضاً للخطر إذا هبت الرياح الهوج وهاج البحر واضطرب وجرت السفينة في موج كالجبال خصوصاً إذا كان البر بعيدا والقاع عميقاً في المحيطات الكبرى الفسيحة اللجج والغمرات. وقد يكون الريح ساكنا فتتعطل السفينة إذا لم تكن بخارية وتطول الشقة ويفنى الزاد، وهكذا من وعثاء السفر وإما بالاتجار في البضائع وهو في بلده فيوماً يربح ويوماً يخسر. وآونة يفقد رأس المال وهو في كلتا الحالتين يبقى دائما في همين. هم وقوع الخسارة إذا لم يربح أو فقد رأس المال فهو دائما في كد وكدح وهم ونصب. وإما بمباشرة الصناعة التي تهد الجبال وتفني الجسد. وإما بالخدمة في الحكومة أو غيرها فهو دائما في تعب وذل لسطوة الرؤساء وغطرستهم وعقابهم إياه أهمل أو لم يهمل، بل لمجرد الصولة والسطوة، وربما كان عقابه قطع راتبه شهراً أو أقل أو أكثر أو الرفت في بعض الأوقات، فيكون الضرر أعظم كما لا يخفى. وهلم جراً من الأعمال التي يعانيها الإنسان في سبيل الكسب والتي يعرض لأجلها روحه على الموت، والتي تدعو أرباب الأعمال في كثير من الأحايين إلى الإضراب عن العمل وتوقف الحركة فيختل النظام ويجرد الحسام كما هو واقع في الشرق والغرب.
стр. 9401
ثانياً: إن هذه الأموال التي يكتسبها الإنسان بالكد والكدح تصرف إما للقوت وهو قوام الحياة، وإما على الملبس وعليه وقاية الجسد. وإما لإعانة الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، واليتامى، والمرضى، وذوي البيوتات التي لا يحصى عددها الذين أخنى عليهم الدهر. وقل ما شئت في وجوه الصرف التي لا يحصى عددها. والتي عليها قوام الحياة، ونظام هذا الكون، فيجتهد الإنسان هذا الاجتهاد في الكسب لهذه الأغراض الشريفة. ثم يأتي اللص فيسلبه ثمرة أتعابه سلباً هو في الحقيقة تقويض لدعائم العمران والأمن العام للأسباب التي سلفت.
ثالثاً: إن اللص قد يسرق سلباً ونهباً بالإغارة على الناس وهم آمنون في ديارهم فيزعجهم ويقلق راحتهم. وربما أدت الحالة إلى إراقة الدماء فتذهب الأرواح وتيتم الأطفال وترمل النساء كما هو الحال في بلاد الأرياف وبعض المدن.
رابعاً: إن السارق إذا تعود السرقة مالت نفسه إلى الكسل والبطالة، فتتعطل حركة الأعمال ويحل بالعالم النكال والوبال ويأكل الناس بعضهم بعضاً لجلب ما يحتاجون إليه من ضروريات الحياة.
إذا عرفت هذا، عرفت أن اللص عضو فاسد في جسم الأمة يجب تلافي شره.
ومن حكمة الشارع أنه جعل العقوبة على الجارحة التي استعان بها على السرقة وهي اليد التي تناول بها المسروق، والرجل التي سعى بها ليسرق، فإذا ما شاهد الناس سارقاً أو سارقة في الطريق بهذا الشكل ارتعدت فرائصهم من لفظ سرق - يسرق - سارق - مسروق - فضلاً عن مباشرة السرقة فعلاً. ولنام الناس في بيوتهم وهي مفتحة الأبواب.
стр. 9402
وكذا خزائن الأموال. ولا حارس لهم إلا عدل هذا الشارع الحكيم، ولخلت السجون من اللصوص، ولما احتاجت الحكومات إلى إتعاب الفكر في إيجاد أنجع الطرق والوسائل التي تقطع دابر اللصوص، ولما احتاجت للجند والشرطة اللهم إلا لعدو في الحرب أو طارق لا للص وسارق.
والحكمة في قطع الرجل عند العودة، والحبس إذا تكررت السرقة من السارق هو أن الإبقاء على اليد والرجل يمكنه الارتزاق بقدر الإمكان فلا يكون عولاً على الناس، إذا لمراد من القطع هو لأجل الاتعاظ والعقوبة. أما العقوبة فقد حصلت. وأما الاتعاظ فهو يحصل بالقطع إذا رآه الناس (١)
وعن أهمية قطع يد السارق وتنفيذ هذه العقوبة حسبما أمر به الشرع يقول
عبد القادر عودة ما نصه: ثانياً - القطع - أساس القطع: الأصل في القطع قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ .
وعقوبة القطع لا يجوز العفو عنها لا من المجني عليه ولا من رئيس الدولة، ولا يجوز أن تستبدل بها عقوبة أخرى أخف منها. والأصل في ذلك ما روي عن رسول الله ﵇ (تجافوا العقوبة فيما بينكم، فإذا انتهي بها إلى الإمام فلا عفا الله عنه إن عفا) كذلك لا يجوز تأخير تنفيذ العقوبة أو تعطيلها وهذه المبادىء متفق عليها (٢)
стр. 9403
وقال في موضع أخر: وعلة فرض عقوبة القطع للسرقة أن السارق حينما يفكر ني السرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره، فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال ويريد أن ينميه من طريق الحرام، وهو لا يكتفي بثمرة عمله فيطمع في ثمرة عمل غيره، وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق أو الظهور أو ليرتاح من عناء الكد والعمل أو ليأمن على مستقبله، فالدافع الذي يدفع إلى السرقة ويرجع إلى هذه الاعتبارات وهو زيادة الكسب أو زيادة الثراء وقد حاربت الشريعة الإسلامية هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب إذ اليد والرجل كلاهما أداة العمل أياً كان، ونقص الكسب يؤدي إلى نقص الثراء، وهذا يؤدي إلى نقص القدرة على الإنفاق وعلى الظهور ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل والتخوف الشديد على المستقبل.
فالشريعة الإسلامية بتقريرها عقوبة القطع دفعت العوامل النفسية التي تدعو لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة تصرف عن جريمة السرقة، فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية وارتكب الإنسان الجريمة مرة كان في العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلب العوامل النفسية الصارفة فلا يعود للجريمة مرة ثانية.
ذلك هو الأساس الذي قامت عليه عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية، وإنه لعمري خير أساس قامت عليه عقوبة السرقة من يوم نشأة عالمنا حتى الآن. وإنه السر في نجاح عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية قديماً. وهو السر الذي جعلها تنجح نجاحاً باهرا في الحجاز في عصرنا هذا فتحوله من بلد كله فساد واضطراب ونهب وسرقات إلى بلد كله نظام وسلام وأمن وأمان.
стр. 9404
لقد كان الحجاز قبل أن تطبق فيه الشريعة الإسلامية أخيراً أسوأ بلاد العالم أمناً فكان المسافر إليه أو المقيم فيه لا يأمن على نفسه وماله وعياله ساعة من ليل، بل ساعة من نهار بالرغم مما له من قوة وما معه من عدة، وكان معظم السكان لصوصاً وقطاعاً للطرق، فلما طبقت الشريعة أصبح الحجاز خير بلاد العالم كله أمناً يأمن فيه المسافر والمقيم، وتترك فيه الأموال على الطرقات دون حراسة فلا تجد من يسرقها أو يزيلها من مكانها على الطريق حتى تأتي الشرطة فيحملونها إلى حيث يقيم صاحبها (١) ويقول السيد سابق في معرض كلامه عن حد السرقة وحكمة التشديد في العقوبة فيها: وشدد في السرقة فقضى بقطع يد السارق التي من شأنها أن تباشر السرقة وفي ذلك حكمة بينة إذ أن اليد الخائنة بمثابة عضو مريض يجب بتره ليسلم الجسم، والتضحية بالبعض من أجل الكل مما اتفقت عليه الشرائع والعقول. كما أن في قطع يد السارق عبرة لمن تحدثه نفسه بالسطو على أموال الناس، فلا يجرؤ أن يمد يده إليها، وبهذا تحفظ الأموال وتصان. يقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، إلى أن قال: والحكمة في تشديد العقوبة في السرقة دون غيرها من جرائم الاعتداء على الأموال هي ما جاء في شرح مسلم للنووي: قال القاضي عياض ﵁: صان الله الأموال بإيجاب القطع على السارق، ولم يجعل ذلك في غير السرقة كالاختلاس والانتهاب والغصب، لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمور، وتسهل إقامة البينة عليه بخلاف السرقة فإنها تندر إقامة البينة عليها فعظم أمرها واشتدت عقوبتها ليكون أبلغ في الزجر عنها: (٢) .
стр. 9405
ويقول أحمد الحصري - وقد أجمع المسلمون على وجوب قطع يد السارق دون نكير ممن يعتد بآرائهم وأفكارهم.
المعقول: قال الشافعية المال من أهم دعائم الحياة فيجب الحفاظ عليه من أن تعبث به يد اللصوص ويجب أن يأمن الناس على أموالهم حتى تستقر أمورهم وتنتظم حياتهم، ولقد وردت السنة تفيد وتؤكد وجوب الدفاع عن المال واعتبار من يموت دفاعا عن ماله أنه مات في سبيل الله.
ولهذا كان لا بد للشارع الحكيم من أن يشرع من العقوبات ما يحفظ بها المال من الضياع ويؤمن أصحاب الأموال على أموالهم حتى تسير أمور المسلمين على خير حال.
فكانت عقوبة السرقة عقوبة رادعة زاجرة مؤكدة تصميم الشارع على عدم ترك العابثين يعبثون دون ردع وزجر فكانت العقوبة هي قطع اليد الآثمة السارقة.
وقد حاول الزنادقة والمغرضون من أعداء الإسلام التشكيك على الشريعة في الفرق بين دية اليد، إذا اعتدي عليها من إنسان وبين وجوب قطعها عقوبة على سرقة دراهم معدودة.
فقال أبو العلاء المعري:
يد بخمس مئين عسجد وديت
ما بالها قطعت في ربع دينار
وأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله:
وقاية النفس أغلاها وأرخصها
ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
وهذا الرد هو جواب بديع مع الاختصار ومعناه أن اليد لو كانت تودى بما قطع فيه لكثرت الجنايات على الأطراف لسهولة الغرم في مقابلتها لكن الشارع الحكيم وقاية للنفوس غلظ الغرم على الأطراف حفظاً لها.
стр. 9406
قال ابن الجوزي: وقد سئل عن شدة العقوبة في السرقة في مقابل مال زهيد بينما اليد التي تقطع عقوبة لهذه الجريمة قيمتها لو اعتدي عليها يزيد أضعافاً مضاعفة على قيمة المسروق الذي تقطع فيه قال: لما كانت اليد أمينة كانت ثمينة فلما خانت هانت. اهـ (١)
ويقول الدكتور محمد فاروق النبهان: أود أن أشير إلى أن حد القطع هو حد من حدود الله أريد به حماية المجتمع من أخطار من يهددون أمنه واستقراره، فالسرقة جريمة من الجرائم الأساسية التي يعاني منها مجتمعنا المعاصر، وكم سقطت ضحايا نتيجة هذه الجريمة الشرسة التي لم تستطع القوانين الجزائية المعاصرة أن تضع حداً لها، بل إن الإحصائيات تشير إلى أن هذه الجرائم تزداد مع الزمن ولا تختص بالمجتمعات المتخلفة والفقيرة، وإنما هي ظاهرة نجدها بصورة أكثر شراسة ووحشية في المجتمعات المتقدمة والغنية، حيث نجد العصابات الإرهابية تأخذ طابعاً مميزاً في جرائمها الوحشية التي تأنف منها إنسانية الإنسان.
وإن الذين يتباكون على اليد المقطوعة التي روعت المجتمع بجرائمها أولى بهم أن يتباكوا أيضاً على الضحايا الذين يسقطون بالمئات نتيجة أعمال النهب والسلب في كل مجتمع من المجتمعات المعاصرة، ويد واحدة تقطع على ملأ من الناس كفيلة بردع كل مجرم، وزجر كل من تسول له نفسه أن يتخذ من السرقة باباً من أبواب الرزق.
стр. 9407
وإذا كان علماء القانون الجزائي يضعون النظريات المثالية التي يستدرون بها الدموع ويستجدون بها العواطف على المجرمين، فأولى بهؤلاء أن ينظروا ولو مرة واحدة إلى الجرائم المروعة الدامية التي تحل بالآمنين المطمئنين من السكان الذين استسلموا أو ألقوا سلاحهم اعتماداً على الأمن والاستقرار والحماية التي توفرها أجهزة الأمن لهم من خلال التشريعات الجزائية الواقية.
وقطع يد السارق هي عقوبة السماء فأولى بالبشر أن يتمسكوا بهذه العقوبة الرادعة الزاجرة التي ما أريد بها إلا حماية المجتمع وحماية أمنه واستقراره.
ولتكف الأعين الدامعة أسى وحزناً على المجرمين، وإذا كان المجرم يستحق نظرة رحمة وشفقة فإن البريء بدون شك هو أحوج لهذه النظرة البريئة (١)
أقول: وخلاصة ذلك أن الله لما خلق الإنسان وفضله وكرمه على كثير من خلقه فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ، وقال : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ ، فقد أنزل من الأحكام على يد رسله الذين اصطفاهم واختارهم وكان الهدف من هذه الأحكام التي أنزلها على رسله هو المحافظة على الإنسان الذي كرمه على سائر خلقه، فكانت هذه الأحكام تهدف إلى المحافظة على الأرواح والأموال والأعراض والعقول وغيرها من مقاصد تنظيم المجتمع تنظيما دقيقاً ناجحا، ومن هذه الأغراض والمقاصد الأساسية التي تهدف إليها الشريعة الغراء - المحافظة على مال الإنسان ونفسه.
ولذلك فقد شرع الله حد السرقة وهو قطع يد السارق: لأن السرقة تؤدي إلى إتلاف المال وضياعه، والمال مخلوق لوقاية النفس والمحافظة عليها. فكانت الحكمة من شرعية حد السرقة هي المحافظة على المال وعلى النفس وعلى العرض.
стр. 9408
كما أن السرقة إذا انتشرت في قوم سادهم الخوف والقلق وعدم الاستقرار، وإذا سادت هذه الأشياء مجتمعاً من المجتمعات فلن يصلح حاله. ولن يتقدم مهما كانت أسباب التقدم فيه ولقد خلق الله المال حماية للإنسان يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ .. ويقول الشاعر:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه
لا بارك الله بعد العرض في المال
ولا يمكن المحافظة على النفس، أو العقل، أو النسل إلا به. لذا كانت ضرورته للحياة ملحة وكان مقصداً شرعياً لتضامن الأدلة على حفظه ورعايته قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ .
والسارق لما أخذ مال غيره خفية وظلما، وبغياً وعدواناً، وكان أكبر مساعد له على فعله اليد التي امتدت لأخذه وانبسطت لسلبه، كانت أحق بالعقوبة دون سائر الجوارح لذلك أوجب الله قطعها، لأن بها البطش والسطو - زجراً واعتباراً كيلا تمتد يد لسرقه، ولا تحدث نفس صاحبها بها أصلاً - لأنه إذا علم أنه إن سرق بترت يمينه، وشوهت بنيته، ونقصت خلقته وصار مثلاً يضرب، وعاراً يذكره الناس به إذا مشى خصوصاً إذا علقت يده في عنقه. (على رأي من قال بذلك من العلماء أو حسبما يراه ولي الأمر نكاية وزجراً لغيره، امتنع عن مجر التفكير فيها، فلأجل هذا أوجب الدين الإسلامي قطع يد السارق ليكون ذلك ردعاً ومنعاً من هذه الفعلة الشنيعة وقطعاً لدابر من تسول لهم أنفسهم بإخافة المجتمع وتعكير صفوه.
فإن يد الإنسان عزيزة إذا كانت أمينة، فإذا خانت الأمانة هانت واستحقت القطع. وقال الشاعر في معنى ذلك:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها
ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
وباستقراء ما سبق وتأمله نكاد نستخلص من حد قطع اليد الأهداف التي منها ما يلي:
ا - الشريعة الإسلامية تهدف من العقوبات والحدود أن ينال الجاني جزاءه مقابل ما اقترفه من جريمة. وخصوصاً حدود الجرائم التي قررها الشارع الحكيم.
стр. 9409
٢ - أنه لا يجوز العفو عنها متى علم بها الحاكم الشرعي إذا كانت حقاً لله وحده ولا يجوز تأخير تنفيذها إلا بمسوغ شرعي، يدل على ذلك أنه ﷺ لم يقبل الشفاعة في المخزومية التي سرقت وقال مقالته المشهورة: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) .
٣ - هذه العقوبة وهذا الجزاء فيه الردع والمنع لنفس الجاني ولغيره من الجناة الذين يفكرون في فعل مماثل لفعله، فحينما يرى السارق يده قد قطعت ويرى الآخرون ذلك ماثلاً أمام أعينهم يكون ذلك مانعاً قوياً من الجريمة مهما كانت.
٤ - بما أن الله عبر عن ذلك بأقوى الألفاظ وأوضح المعاني الدالة على إبانة العضو بقطعه حيث قال جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، فإذن الجزاء لا يتم إلا بالقطع والنكال لا يتم إلا برؤية اليد المقطوعة. والذي شرع هذا هو أرحم الراحمين وهو أعلم بما يصلح عباده.
٥ - إن الشارع الحكيم لو قصد أن ينال السارق غير عقوبة القطع لشرعها ابتداء فكأن الإعادة بعد القطع بمثابة الجرح المعالج أو الكسر الذي عولج بالتجبير فانتفت الحكمة أو الهدف من القطع ويكون في ذلك تغيير لأمر الله الذي أمر بالقطع.
٦ - من أهم أهداف القطع (والله أعلم) هو إظهار هذا السارق بين الملأ وتنقيصه بمظهر ينبىء عن خسته ودناءته وينفر المجتمع منه وليعرف من يراه أنه مجرم ومن ثم يحذر منه ومن أن يفعل مثل فعله، ويكون عبرة أمام غيره ممن تسول لهم نفوسهم ارتكاب هذا الذنب العظيم. وليس الغرض منه مجرد الألم بالقطع فهناك عقوبات آلم من القطع.
٧ - في إقامة الحد معنى الزجر أي ردع الغير عن الإقدام على السرقة أو أن يعيث في الأرض فساداً، وفيها معنى الإجبار أي الإجبار مرتكب السرقة على عدم العودة إليها.
٨ - في إعادة يد السارق إسدال للستار على هذه الجريمة ونفي للحكمة التشريعية من إقامة حدها.
стр. 9410
٩ - في الأمر بتعليق يد السارق على عنقه حسبما يقول به بعض العلماء زيادة في التشهير به وبيان لبعض حكمة مشروعية القطع إذ بالتعليق يشتهر أكثر ويظهر أمره.
١٠ - كما أن في الأمر بالحسم لموضع القطع دليل على عدم جواز الإعادة إذ يعتبر بمثابة العلاج الذي يبقيها على حالتها بعد قطعها - والله أعلم.
١١ - أما في القصاص أيضاً فإن الحدود تعتبر موانع وزواجر، فإن الجاني بالقتل أو الجرح أو القطع إذا عرف أنه يؤخذ منه ما أخذ ويفعل به كما فعل كف عن فعلته التي أرادها.
١٢ - إقامة الحدود تعتبر أيضاً روادع وموانع قبل الفعل فالعلم بشرعيتها يمنع الإقدام على الفعل زواجر بعده أي أن إيقاعها بعده يمنع العود إليه.
١٣ - يعتبرها بعض العلماء جوابر بمعنى إن اقترف جريمة من جرائمها ثم أقيم عليه الحد، فإن إقامة الحد عليه تعتبر كفارة لجريمته إذا تاب منها وردعه أيضاً عن الإقدام على أن يفعل مثل ما فعل من جرم.
وجملة القول في ذلك:
ا - إن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ مصالح الخلق، ومقاصدها لا تعدو أن تكون ضرورية أو حاجية أو تحسينية.
(أ) فالضرورية هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا إذا تحققت أحكامها جرت أحوال العباد في دنياهم على استقامة، وفازوا في الآخرة بجنات النعيم، وإذا فقدت فاتتهم الحياة السعيدة، وعاشوا في تهارج وفساد، وباؤوا في الأخرة بالخسران المبين وتنحصر تلك الضروريات في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي مراعاة في جميع الشرائع الإلية.
(ب) والحاجية هي التي يراعى فيها التوسعة ورفع الضيق إلى المشقة والحرج لكنها دون ما شرعت له الضروريات، كالرخص في العبادات، وكالقراض والمساقاة وإلغاء التوابع في العقد على المتبوعات في المعاملات، وضرب الدية على العاقلة في الجنايات.
(ج) والتحسينيات هي التي شرعت لحفظ مكارم الأخلاق كالطهارات والتقرب بالنوافل المشروعة وآداب الأكل والشرب والمنع من بيع فضل الماء والكلأ وأمثال ذلك في العبادات والمعاملات والعادات.
стр. 9411
٢ - أنه تعالى شرع الحدود والتعزيرات حماية لمقاصد الشريعة، وحفظاً لمصالح العباد ضرورية وحاجية وتحسينية، فأوجب حد القتل في الردة مثلاً، والتعزير في وسائلها، حفظاً للدين وأوجب القصاص حفظاً للنفس والأطراف، والتعزير فيما قد يفضي إلى ذلك من سباب وتشاجر ونميمة وظن سوء وشهر سلاح في المجامع العامة الآمنة، وأوجب الجلد والرجم في الزنا، حفظاً للنسل والأنساب والأعراض، وشرع التعزير في وسائله من خلوة بأجنبية، وسفر امرأة بلا محرم أو زوج ونحو ذلك، وأوجب الحد في شرب الخمر حفظاً للعقل، وحرم وسائلها، وشرع فيها التعزير، وأوجب قطع اليد في السرقة حفظاً للمال.
وكل ما ذكر من حدود وتعزيرات فيه ردع للناس، وزجر لهم عن ارتكاب الجرائم الموجبة لها والمؤدية إليها، وحفظ للأمن العام، وبعث للطمأنينة في النفوس، واستقرار لأوضاع الحياة، ومنع للهرج والاضطراب في المجتمع، إلى غير هذا مما تصير به العيشة هنيئة، والحياة سعيدة، حضراً وسفراً، ولذلك شرع إعلان هذه العقوبات، ليتحقق أثرها في الجاني وغيره ممن شاهد أو بلغه إقامة الحد (١)
٣ - إن استبشاع بعض الناس قطع يد السارق، واعتبارهم إياه في زعمهم - وحشية، وتشويهاً لخلق الإنسان وتقليلاً للأيدي العاملة - ومدعاة للتسول إنما نشأ ذلك من جهلهم بالعواقب، ورعاية لمصالح المجتمع، والمنهاج السوي الذي رسمه العليم الخبير الرؤوف الرحيم لقيادة الأمم وسياستهم بما فيه صلاح الجميع، وإن فات في سبيل ذلك بعض المصالح الجزئية الخاصة، فإن رعاية المصلحة العامة الكلية أحق وأولى من رعاية المصلحة الجزئية الخاصة.
стр. 9412
ثم ان دعواهم أن قطع يد السارق يترتب عليه تقليل اليد العاملة، وأنه مدعاة للتسول دعوى باطلة، فإن إقامة الحد عليه من شأنها في السنة الكونية وما دلت عليه التجارب العملية منع تكرار الجريمة أو تقليلها حتى لا تقع إلا نادراً، وبذلك لا تتعطل الأيدي العاملة، ولا يتأثر العمل في الحياة بما قطع منها نادراً، ولا يكون ذلك أيضاً مدعاة للتسول، فإن طرق الكسب الحلال كثيرة يسهل على من قطعت يده أن يجد سبيلاً من بينها يتناسب مع حاله، وإن كان أقل كسباً ممن لم تقطع يده، لكنه خير له من اللصوصية، والاعتداء على أموال الناس وسلبهم إياها بغير حق، وإزعاج الأمة، والذهاب بأمنها على مالها أو نفسها ودمها، بل التسول أخف شراً من آثار السرقة وما ينشأعنها من الخطر والبلاء العام، فليعطف هؤلاء على الأمة وليرثوا لمصابها بدلاً من أن يحنوا حنواً كاذباً على المجرم الأثيم وليرحموا المجتمع في أمنه الذي حرمه، وطمأنينته التي سلبها، وليردوا إليه سلبه بالقضاء على هذا، ففي ذلك العدل والإنصاف واستقامة الأمور، وراحة الرعية والحكام (١)
٤ - والمقصود الأهم أن ليس المراد بحد القطع مجرد إيلام السارق والتنكيل به وقتياً، وردعه وردع الناس عن هذه الجريمة ووسائلها بمشاهدة القطع وإعلانه حال التنفيذ، بل القصد أيضاً أن يرى الجاني يده مقطوعة كلما حدثته نفسه بالعودة إلى مثل فعلته الخبيثة، فيكف خشية أن يصاب بمثل ما أصيب به من قبل ويزداد بلاؤه، ويتجدد خزيه وعاره، وليراه الناس كلما واجهوه واختلط بهم، وشاهدوا أثر الحد، فيحذروه وينتبهوا لمكانه منهم، ويتقوا غائلته ذلك بأن أثر هذا الحد شعار ينادي في الناس عند كل مناسبة أن انتبهوا إلى ذات أيديكم وخذوا حذركم حتى لا تسلب أموالكم (٢)
بهذا يأمن الناس على ما ملكت أيمانهم وعلى أنفسهم، وتطمئن بهم مضاجعهم وينامون ملء أعينهم إذ لا خوف ولا إزعاج، بل الأمن والسلام، وما أعظمهما نعمة على العالمين.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الله سليمان بن منيع
стр. 9413
وفيما يلي نص قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.
قرار رقم (٣٦ ١) وتاريخ ١٧/٦/١٤٠٦
الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا محمد وآله وصحبه ومن اتبع هداه.. وبعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته السابعة والعشرين العادية المنعقدة بمدينة الرياض ابتداء من ٦/٦/١٤٠٦ قد ناقش الموضوع المتعلق بحكم إعادة اليد المقطوعة في حد إلى صاحبها بعملية جراحية وكان قد سبق للمجلس أن بحث هذا الموضوع في دورته السادسة والعشرين ورأى إعداد بحث فيه يتضمن كلام أهل العلم في الموضوع ثم يعاد عرضه في الدورة السابعة والعشرين وقد تم إعداد البحث المطلوب واستمع المجلس إلى خلاصته، ولما كان تشريع الله للحدود والتعزيرات تحقيقا لمقاصد الشريعة وحفظاً لمصالح العباد وإن في الحدود والتعزيرات ردعاً للناس وزجراً لهم عن ارتكاب الجرائم الموجبة لها والمؤدية إليها وحفظاً للأمن العام وبعثاً للطمأنينة في النفوس واستقراراً لأوضاع الحياة ومنعاً للهرج والاضطراب في المجتمع إلى غير ذلك مما تصير به العيشة هنيئة والحياة سعيدة حضراً وسفراً ولذلك شرع إعلان هذه العقوبات ليتحقق أثرها في الجاني وغيره ممن شاهد الحد أو بلغته إقامته، لهذا كله ولما ظهر للمجلس بعد البحث والمناقشة وتداول الرأي في هذا الموضوع الهام قرر المجلس بالإجماع أنه لا يجوز إعادة اليد المقطوعة في حد إلى صاحبها، لأن المقصود من القطع الزجر والردع لا الإيلام فقط.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء رئيس الدورة
عبد الله خياط عبد الرازق عفيفي عبد العزيز بن صالح
إبراهيم بن محمد آل الشيخ محمد بن جبير عبد العزيز بن عبد الله بن باز
صالح بن غصون عبد المجيد حسن سليمان بن عبيد
بعد الله بن منيع صالح اللحيدان راشد بن خنين
عبد الله بن غديان
стр. 9414
هل يجوز إعادة يد السارق
إذا قطعت بصفة شرعية أم لا؟
إعداد
فضيلة الشيخ مولاي مصطفى العلوي
رئيس رابطة علماء المغرب والسنغال
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الموضوع:
هل يجوز إعادة يد السارق إذا قطعت بصفة شرعية أم لا؟
الجواب بحمد الله وتوفيقه:
بنعمة الله على علماء العصر الحديث أصبح من الممكن والمطبق في كثير من معاهد العلم في ميدان الطب والجراحة توصل العلماء إلى هذا العمل الإنساني سواء في ذلك إرجاع عضو قطع من إنسان إلى جسمه، أو زرعه في جسم إنسان آخر أصبح في حاجة إليه، وهو عمل إنساني هام ومفيد جداً لأنه أنقذ كثيرين ممن كانوا على شفا موت عاجل محقق، وذلك بفضل الله على الإنسانية، حيث هدى علماء الطب والجراحة في عصرنا إلى بلوغ هذه المكرمة التي هي من الله العلي القدير سبحانه فهو الذي ألهم هؤلاء العلماء إلى معرفة الطبائع البشرية التي أبدعها سبحانه، وكونها من عناصر يختلف بعضها عن بعض كما تختلف مقادير كل عنصر في جسم الإنسان عن آخر من جنسه، وقد يكون من فصيلته، ومع ذلك توجد فوارق هي التي يبحثها العلم ويحدد مقاديرها في كل جسم وبذلك يتغلب على الصعاب فتنجح عملية غرس الإعضاء السليمة في الجسم المريض المحتاج إليها سواء في ذلك ما يعاد إلى جسم صاحبه أو ما يزرع في جسم آخر يساويه في التركيب والمزاج وصدق الله العظيم: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١) وليس الخلق الجديد المذكور في الآية هو إعادة الخلق يوم النشور يوم العرض على الله فحسب، ولكنه أيضاً الخلق المتجدد باستمرار ما دام الإنسان حياً يتغذى، فخلايا من جسده تموت وتعوضها خلايا عن طريق التغذية بقدرة السميع العليم كما شاء سبحانه أن تكون الخلية في جسم الإنسان مختلفة بعضها عن بعض وإن كان الإنسان من فصيلة واحدة وعنصر واحد فقد كشف العلم ذلك عن طريق الآية القرآنية، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (٢)
стр. 9415
وليس المراد الألوان من أبيض وأسود وأحمر فقط، ولكن اختلاف الخلايا التي يتكون منها الجسم كتقاطيع بصمات اليد التي تختلف عن بعضها حتى بين الأب وابنه وسبحان الخالق المبدع.
من هو السارق الذي تقطع يده؟
يقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١)
ولبيان الحكم الشرعي المستفاد من الآية الكريمة هناك أمور لابد من بيانها وشرحها لمعرفة من يصدق عليه مدلول الآية فيستحق قطع يده تطبيقاً لحدود الله.
أما السارق: وهناك الشيء المسروق، ثم المكان المسروق منه، والحرز وحقيقته.
أما السارق: فهو الشخص البالغ العاقل الذي لا يملك المال المسروق، ولا يملك المسروق منه وليس له ولاية على المال المسروق، ولا على من يملكه، فلا قطع على غير البالغ ولا على غير العاقل، كما لا قطع على من سرق مإلا له عليه ولاية وكذا من سرق مالا له ولاية على مالكه.. كمن سرق مال عبده، ولا قطع على من سرق مال ولده لقول الرسول ﵇: "أنت ومالك لأبيك "، كما أن العبد وماله ملك لسيده وكذلك العبد إن سرق مال سيده لقول سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ في قضية غلام لعبد الله بن عمرو الحضرمي لما سرق مرآة لزوجة عبد الله ثمنها ستون درهماً "غلامكم سرق متاعكم " ولم يقطع يده في تلك السرقة، كما لاً قطع على الولد إذا سرق من مال أبيه أو جده.
وأما المسروق: فلا بد أن يكون ثمنه نصاباً وهو ربع دينار ذهباً أو ثلاثة دراهم فضة على الأقل على خلاف في ذلك بين الأئمة بناة على قيمة المسروق الذي قطع فيه الرسول ﵇ يد السارق وهو المجن، كما يجب أن يكون مما يتمول ويمتلك ويحل بيعه، فلا قطع فيما لا يمتلك وما لا يجوز بيعه من المحرمات كالخمر والخنزير، ويستثنى من ذلك الحر الصغير فمن سرق طفلاً حراً صغيراً قطع فيه لأنه أعز وأهم من المال الذي يملك ويجوز بيعه وشراؤه.
стр. 9416
ويجب أن لا يكون فيه ملك ولا شبهة ملك كمن سرق مما رهنه لغيره، وأن يكون مما تصح سرقته كالعبد الصغير والمملوك الطاعن في السن إذا كان لا يفهم ولا يعرف ما يصنع به.
وأما المكان المسروق منه: فيجب أن يكون حرزاً للمسروق ولكل نوع من الأشياء حرزها، فالمتاجر حرز لما يباع فيها والمصانع حرز لما يصنع فيها، ولما يوجد فيها من المصنوعات والآلات التي تستعمل في الصناعة، والدور والمنازل حرز لما يوجد فيها حضر أهلها أو غابوا، وبيت مال المسلمين حرز لما يوجد فيها، ولا يقال إن للمسلم السارق نصيب فيها لأن ذلك لا يستحقه إلا بالعطية التي تتم من لدن الإمام، وظهور الدواب حرز لما عليها ومرابضها حرز لها، وكذلك أماكن عرضها للبيع. والمساجد حرز لما فيها رغم أنها مباحة لجميع المؤمنين فمن سرق من المسجد شيئاً.. مصحفاً أو كتاباً أو فراشاً أو غيره مما يتم في ثمنه النصاب يقطع فيه، وكذلك ما في السيارة والسفينة سفراً أو حضراً في حالة سلم أو حرب، وكذلك حقائب اليد وجيوب الثياب، من سرق منها ما يوجب القطع قطع لأنها حرز لما فيها من مال ومتاع، وتلك حدود الله.
أما القطع: فيكون من الرسغ في اليد وأسفل الكعب من الرجل، ويجب حسمها بعد القطع أي علاجها حتى لا يؤدي نزيف الدم منها إلى الموت.
وتعلق اليد أو الرجل في عنق السارق لما رواه أبو داود والنسائي عن ان رسول الله ﷺ جيء إليه بسارق فأمر بقطع يده ثم أمر بها فعلقت في عنقه، مما يدل على أنه ليس الغرض من تطبيق النص الشرعي على السارق هو التنكيل به جزاء ما كسبه من إجرام بل ما بعد ذلك من أخذ الموعظة والاعتبار لغيره من أفراد المجتمع الذين يعيش بينهم حتى لا يتجرأ الآخرون على اقتراف الجرم، وبذلك يصبح المجتمع في أمن وطمأنينة.
فإذا سرق المقطوع ثانية قطعت رجله اليسرى، فإذا سرق ثالثة قطعت يده اليسرى، فإذا سرق مرة أخرى قطعت رجله اليمنى فقد أتى لرسول الله ﷺ بلص فأمر بقتله فقيل له يا رسول الله إنما سرق فقال: اقطعوا يده فقطعت ثم سرق فقطعت رجله ثم سرق على عهد أبي بكر ﵁ فقطعت يده، ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق للمرة الخامسة فقال أبو بكر ﵁: كان رسول الله ﷺ أعلم بهذا حين قال اقتلوه ثم دفعه أبو بكر لفتية من قريش فيهم عبد الله بن الزبير فقتلوه وألقوه في قليب وقذفوا عليه الحجارة حتى دفنوه فيها. والحديث أخرجه أبو داود والنسائي عن جابر والحارث بن حاطب ﵄.
стр. 9417
واختلف العلماء فيمن سرق ثم قتل شخصاً قبل أن يقام عليه حد السرقة فقال بعضهم يقطع ثم بعد ذلك يقتل، أي أنه ينفذ عليه حد السرقة أولاً ثم القصاص. وقال آخرون يكتفى بالقتل لأن حد السرقة يدخل في القتل والأول أرجح لأنهما حقان لله مستحقان فيجب استيفاؤهما معاً والله تعالى أعلم وأحكم.
واختلف العلماء هل يجمع بين القطع والغرم، والأصح هو أنه إذا وجد الشيء المسروق أخذه صاحبه فإن لم يوجد فإذا كان السارق موسر اغرم ما سرق وإن كان معدماً اكتفي بقطعه والله أعلم.
وإذا تطوع المسروق منه وعفا عن السارق فلا غرم عليه.
أما القطع فإذا رفعه إلى الإمام أو نائبه فلا بد من تنفيذ القطع لأن إقامة الحد حق لله لأنه من أجل صيانة المجتمع من الوقوع في المفاسد كالسرقة وغيرها.
والدليل على ذلك حديث صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية أنه قيل له من لم يهاجر هلك، فقدم صفوان بن أمية إلى المدينة مهاجراً فنام في المسجد وتوسد رداءه فجاء سارق فأخذ رداءه فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى رسول الله ﷺ فأمر رسول الله ﷺ أن تقطع يده، فقال صفوان لم أرد هذا يا رسول الله - هو عليه صدقة - فقال رسول الله ﷺ : ((فهلا قبل أن تأتيني به)) .
والحديث يفيد أن الأمر يقتضي حالتين: العفو يصدر من المسروق منه عفواً وقبل الرفع إلى السلطان وبه يتجنب القطع.
والعفو: يأتي بعد تبليغ الأمر للسلطان، وهذا يتناول الشيء المسروق، ولا يوقف تطبيق الحد الذي هو حق لله، فقد قطعت يد سارق الرداء رغم عفو صاحبه صفوان بن أمية.
فأما ثبوت السرقة: فبإقرار الجاني أو بشهادة عدلين وقال جماعة من العلماء إن إقرار العبد بالسرقة لا يوجب القطع لأنه مملوك لسيده وإقراره يؤدي إلى خسارة مالكه بقطعه والله أعلم.
стр. 9418
فأما إرجاع العضو المقطوع في حد السرقة عن طريق الطب وما وصل إليه العلم الحديث من غراسة الأعضاء التي هي نعمة من الله العليم الخبير، فلا أرى جواز ذلك أخذاً من عمل رسول الله ﷺ عندما قطع يد السارق وأمر بأن تعلق في عنقه ليعتبر به غيره ويكون سبباً في تصفية المجتمع من الانحرافات، وكذلك من حديث صفوان بن أمية السابق فالرسول ﷺ لم يقبل عفو المسروق منه وأمر بقطع السارق ليكون عبرة لغيره، وكذلك سائر الحدود المفروضة من الحق تعالى، فليس جلد الزاني وتغريبه مجرد تعذيب وانتقام، وإنما هو تربية لغيره من الناس ممن تحدثهم أنفسهم بارتكاب نفس الجريمة، وكذلك رجم الزاني المحصن، والقصاص من قاتل النفس، وغير ذلك من أنواع الجرائم التي فرض الله فيها القصاص فهي لردع الظالمين والمفسدين قبل أن تكون نكإلا من الله للمجرم.
ولا شك أن حدود الله هاته يجب تطبيقها وتنفيذها كما أمر الله وفي جميع أقطار الدنيا المسلمة لتتجلى حكمة الله في شريعته، والذي يمعن النظر في مختلف الأقطار الإسلامية اليوم يدرك بوضوح الفرق البين بين قطر يطبق شريعة الله في الحدود والتعازير، وقطر يسير في تيار الأيديلوجيات اللادينية المجلوبة من الغرب الصليبي والشرق الملحد ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فبمقدار ما تطبق حدود الله بقدر ما تختفي المنكرات أو تقل، ويسود النظام والاطمئنان في المجتمع الذي يحافظ على تعاليم دينه، وفي مقدمتها حدود الله وصدق الله العظيم: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١)
والسلام عليكم ورحمة الله ومعذرة عن التأخير.
стр. 9419
زراعة الأعضاء البشرية
الأعضاء المنزوعة من الأجنة المجهضة.
الغدد والأعضاء التناسلية.
زراعة عضو استؤصل في حد كإعادة اليد التي قطعت في حد السرقة.
زراعة خلايا الجهاز العصبي.
إعداد
سعادة الأستاذ أحمد محمد جمال
أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة أم القرى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه المسألة: زراعة الأعضاء البشرية المنقولة من حي أو ميت إلى جسم مريض محتاج إلى عضو منها كالكلية أو القلب أو الكبد ... إلخ - سبق أن بحث فيها العلماء الأجلاء - في العالم الإسلامي - وأصدرت المجامع الفقهية فتاويها في جوازها وإباحتها بصفة عامة مع بعض القيود والشروط.
فأولاً: أصدرت هيئة كبار العلماء - بالرياض - قراراً برقم (٩٩) في ٦/١١/١٤٠٢ - بجواز نقل عضو أو جزء منه من إنسان حي أو ميت مسلم أو ذمي إلى نفسه أو غيره إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة في نزعه لمن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه ممن سيزرع فيه - كما يجوز كذلك تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك.
وثائياً: أجاز المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي - بمكة المكرمة - نقل الأعضاء البشرية وزراعتها، في دورته الثامنة المنعقدة بين ٢٨/ ٤/ ١٤٠٥ و ٧/٥/١٤٠٥ هـ على النحو السابق في قرار هيئة كبار العلماء.
وثالثاً: أجاز المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته المنعقدة في جدة سنة ١٤٠٨ - نقل الأعضاء البشرية وزراعتها على النحو السابق في قراري هيئة كبار العلماء ومجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي.
стр. 9420
رابعاً: أفتى فضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي مفتي مصر بإباحة الاستفادة بجميع أعضاء جسد المتوفي في حادث أو بطريقة عادية إذا كانت هناك ضرورة ومنفعة للمريض المنقول إليه العضو من المتوفي شريطة أن يحكم بذلك طبيب ثقة متخصص، ودون الرجوع إلى الورثة أو النيابة العامة لأن الضرورات تبيح المحظورات - وأضاف فضيلته: أن بيع الأعضاء البشرية كالكلى والعين حرام شرعا، لأن جسم الإنسان ليس ملكاً له، بل هو ملك لله ، أما التبرع بها فجائز شرعاً، دون مقابل مادي (١)
إذن فيكاد يكون هناك اتفاق بين أكثرية علماء المسلمين (٢) في العصر الحاضر على جواز زراعة الأعضاء البشرية بعد نقلها من أجسام حية أو ميتة لمصلحة المنقولة إليهم من المرضى.
خلاف العلماء بين البيع والتبرع:
ولكن هناك خلاف أو اختلاف بين التبرع بالعضو المنقول أو المزروع، وبين بيعه، فبعضهم يحرم البيع ويبيح التبرع، وبعضهم كالشيخ محمد متولي الشعراوي يمنع التبرع والبيع معاً بحجة أن الإنسان لا يملك جسده، وأن ملكه لله وحده، وما لا يجوز بيعه لا يجوز التبرع به.
وقد تكرر الحوار والجدل بين العلماء والأطباء حول مسألة البيع والتبرع بالأعضاء البشرية لزرعها في الأجسام المريضة المحتاجة إليها.
* فالدكتور علي عبد الفتاح - عميد كلية طب عين شمس بالقاهرة – يعرض الظاهرة الجديدة في حياة المسلمين اليوم، وهي اضطرار بعض المرضى لاستبدال أعضاء من أجساد أخرى بأعضائهم التالفة - كالكلى مثلاً - وفي البداية كان أقارب المرضى يتبرعون لهم بكلاهم، ثم أصبحت المسألة تجارة ومساومة ومطالبة بأثمان عالية من أصحاب الأعضاء الصحيحة يرهقون بها المرضى وأهاليهم.