زراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص
إعداد
فضيلة حجة الإسلام محمد علي التسخيري
عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تحرير المسألة:
فهل يجوز شرعاً أن نزرع عضواً - كاليد مثلاً - استؤصل بحد أو قصاص لتعود إلى حالتها السابقة سليمة من أي نقص، وهو أمر ممكن؟
وهذه الحالة يمكن تصورها على أنحاء: منها إعادة نفس اليد المقطوعة، ومنها وضع يد أخرى من ميت آخر، ومنها أيضاً ترميم العضو المقتص منه بنقل قسم آخر من نفس البدن إليه.
وعلى أي حال فما هو الحكم الشرعي في الموضوع؟
ضرورة بحث المسألة:
ولا نرى صحة الغض عن هذه المسألة بحجة أن الحدود لا تطبق في كثير من البلاد الإسلامية، ذلك أن هذه المسألة ما دامت واقعة حتى في مورد واحد وجب علينا أن نستنبط حكمها الشرعي (وما من واقعة إلا ولله فيها حكم) ، فكيف بنا ونحن نواجه شوقاً إسلامياً عاماً لتطبيق الإسلام على كل مجالات الحياة، ومن أهم أجزاء النظام الإسلامي قانون العقوبات الإسلامية.
وبعد تقدم العلم لم يعد هذا الموضوع نادراً، بل أصبح أمراً عادياً، ومن هنا فمن الضروري بحث المسألة ومعرفة الرأي الشرعي فيها.
هل المسألة مستحدثة؟
يمكن القول بأن المسألة غير مستحدثة فقد تعرض لها بعض الفقهاء قديماً، بل لها جذور تطبيقية في عمر صدر الإسلام – كما سنرى – إلا أنها لما لم تكن حالة طبيعية متكررة نتيجة ضعف مستوى الطب فلم تشكل ظاهرة تستوجب البحث العلمي والفقهي فيها.. ونحن نشهد الإمام الشيخ الطوسي وهو من أئمة القرن الرابع الهجري ينقل قول الإمام الشافعي في موضوع مطالبة المجني عليه بقطع أذن الجاني بعد عمل هذا الأخير على إعادتها إلى محلها بعد أن اقتص منه بقطعها (١) ثم يرد عليه مستنداً إلى الإجماع، مما يكشف عن طرح المسألة آنذاك على بساط البحث!
стр. 9347
وقبل بحث مسألتنا هذه يطرح بعض الفقهاء، مسألة أخرى وهي ما لو افترضنا قيام المجني عليه بإلصاق أذنه المقطوعة في جانبه حتى برئت، فهل له المطالبة بالقصاص أم لا؟
ويجيبون عادة ببقاء حق المطالبة، إذ أن وقوع الجريمة كان مقتضياً للعقاب وثبوت الحق بالمطالبة بالقصاص، والإلصاق الطارىء لا ينفي بقاء ذلك الحق.
ولسنا بهذا الصدد حتى نتبين الحق فيه فلنركز على موضوع المسألة إذن لنعرف ما هو الموقف؟
الأقوال المتصورة في المسألة ثلاثة، هي:
أولاً: المنع من إعادة العضو مطلقاً ولو أعيد قطعه الحاكم.
ثانياً: الجواز مطلقاً.
ثالثاً: التفصيل بين حقوق الآدميين فلا يجوز وحقوق الله فلا مانع فيها، وعلى هذا فتجب ملاحظة أدلة كل قول ثم اختيار القول الأقرب للقواعد الشرعية.
* القول الأول:
المنع المطلق من إعادة العضو المبان بحد أو قصاص، وقد استدل لهذا - أو يمكن أن يستدل له - بالأدلة التالية:
ا - إن في التجويز استدراكاً على حكم الشارع، وهذا لا يجوز.
٢ - إن المقطوع قد تمحض حقاً لله وليس للمقطوع منه فيه حق شرعي.
٣ - إن العضو المقطوع قد حكم الشرع بقطعه نتيجة جرمه وبالتالي فهو يفصل عن البدن أبداً.
٤ - إن الشارع حكم بحسم اليد المقطوعة لسد منافذ الدم وسكت عما وراءه مما يفيد الحصر إذا كان في مقام البيان.
٥ - إن إعادة اليد فيه تفويت لاستكمال الحد بعد أن حكم الشارع بتعليق اليد في عنق السارق.
стр. 9348
٦ - إن فيه نقضاً للجزاء والنكال الوارد في حق السارق والسارقة.
٧ - كون القطعة المضافة من الميتة النجسة التي تمنع من صحة الصلاة، الأمر الذي يدعو الحاكم لإزالتها من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
٨ - فيه نفي للماثلة في الشين، وقد جاء في الرواية اعتباره، وهي على النحو التالي:
محمد بن الحسن الطوسي بإسناده، عن محمد بن الحسن الصفار، عن الحسين بن موسى الخشاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه ﵉ : أن رجلاً قطع من بعض أذن رجل شيئاً فرفع إلى علي ﵇ ، فأقاده فأخذ الآخر ما قطع من أذنه فرده على أذنه بدمه فالتحمت وبرئت، فعاد الآخر إلى علي ﵇ ، فاستقاده فأمر بها فقطعت ثانية وأمر بها فدفنت وقال ﵇ : "إنما يكون القصاص من أجل الشين " (١)
٩ - الإجماع.
هذا مجمل الأقوال التي ذكرت أو يمكن أن تذكر في البين (٢)
قال في جواهر الكلام:
وفي محكي الخلاف: إذا قطع أذنه قطعت أذنه فإن أخذ الجاني أذنه فألصقها فالتصقت كان للمجني عليه أن يطالب بقطعها وإبانتها. وقال الشافعي: ليس له ذلك، لكن وجب على الحاكم أن يجبره على قطعها، لأنه حامل نجاسة.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.
وفي محكي المبسوط: "لو قال المجني عليه قد ألصق أذنه بعد أن اقتطعها أزيلوها روى أصحابنا أنها تزال ولم يعللوا ".
стр. 9349
وفي التنقيح: "لا خلاف في جواز إزالتها، لكن اختلف في العلة فقيل ليتساويا في الشين، وقيل لكونه ميتة ويتفرع على الخلاف أنه لو لم يزلها الجاني ورضي بذلك كان للإمام إزالتها على القول الثاني لكونه حامل نجاسة فلا تصح الصلاة مع ذلك" (١)
* ثانياً - أدلة القول بالجواز مطلقاً:
ويستند القائلون به - أو يمكن أن يستدل لهم - بأنه لم يثبت دليل على المنع فيبقى الأمر على إباحته حيث الأصل هو (الإباحة) .
ذلك أن الأمر الصادر بالإبانة قد تم امتثاله لأنه يتعلق بطبيعتها وتتحقق الطبيعة بامتثال أول حصة منها، وحينئذ يسقط الأمر، كما قرر ذلك الأصوليون - بحق - وبالنسبة للرواية ذكروا أن فيها ضعفاً في السند. يقول الإمام الخميني ﵀ بهذا الصدد: "وفي الرواية ضعف" (٢)
أما الإجماع فهو منقول وغير محصل ولا يكشف عن شيء.
وأما دليل النجاسة فهو منتف موضوعاً لاتصالها بالبدن الحي وصيرورتها حية. وعليه فقد أفتوا بعدم جواز إبانتها بعد وصلها إذا صارت حية.
يقول الإمام الخميني: "ولو صارت بالإلصاق حية كسائر الأعضاء لم تكن ميتة وتصح الصلاة معها، وليس للحاكم ولا لغيره إبانتها، بل لو أبانها شخص فعليه القصاص لو كان عن علم أو عمد وإلا فالدية) (٣)
* ثالثاً - القول بالتفصيل بين حقوق الناس وحقوق الله:
وخلاصة الاستدلال لهذا القول أن الاستحسان والمصلحة الضرورية أو الحاجية وغيرها من أصول الاستدلال لا تمنع من القول بإعادة اليد بحجة مصادمتها للنصوص الشرعية، لأن إعمال النص قد تحقق بقطع اليد أو بالقصاص وما وراء ذلك يكون على أصل الإباحة.
стр. 9350
هذا ما يقوله العلامة الدكتور الزحيلي في بحثه القيم حول الموضوع والمقدم إلى المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت، إلا أنه يستثني من ذلك ما لو تحول العلاج إلى ظاهرة عامة تؤدي إلى تجرؤ اللصوص والمحاربين.
كما يستثني ما لو كان الحد من حقوق العباد وثبت بالشهادة إلا إذا أذن المجني عليه ورضي بذلك، وبدون ذلك ينتفي عنصر المماثلة ويؤدي ذلك إلى مفاسد لا تحمد عقباها، فالعلة في الاستثناء هو المنع من الضغائن.
وفيما عدا ذلك فالحكم هو الجواز، أما في حقوق العباد وقد تم الإثبات بالإقرار فإعادته إليه رجوع عن الإقرار.
وأما في حقوق الله كحد السرقة والحرابة فقد رجح الجواز لأن النص قد استوفى نصيبه ولا سلطان للحاكم بعد تنفيذ الحد، وقد تحققت أهدافه المادية والمعنوية ولا مانع من زراعة العضو من إنسان آخر كما قرر المجمع الفقهي ولأن التوبة تسقط الحدود في مذهب الحنابلة، ولأن في ذلك مصلحة ضرورية، ولأن حقوق الله مبنية على الدرء والإسقاط والمسامحة، وبعد ذلك لا مناص من الرجوع إلى عدالة الإسلام وسماحته.
تقويم الآراء والأدلة:
وإذا شئنا أن نقوم الآراء والأدلة السابقة وصولاً إلى الرأي الحق أمكننا بعد التأمل أن نلاحظ النقاط التالية:
* النقطة الأولى:
من الملاحظ أن بعض الأدلة التي سيقت من أنصار هذا الرأي أو ذاك هي أدلة استحسانية محضة ولا تنهض مطلقاً كدليل شرعي على الرأي وفقاً لقواعد الاستثناء، وهي من قبيل:
(١) الاستدلال على المنع من إعادة العضو بأن هذا العمل استدراك عل حكم الشارع وهذا لا يجوز.
ذلك أن كونه استدراكاً واعتراضاً وإلغاء لحكم الشارع هو أول الكلام إن أريد منه معنى الإلغاء، أما لو أريد منه مجرد عدم الانسجام الأدبي مع الحكم الشرعي فهو مجرد استحسان لا دليل عليه.
стр. 9351
(ب) الاستدلال على أن المقطوع لم يعد فيه مجال لحق المقطوع منه، فالقول فيه نفس القول السابق إذ يقال إن هذا هو المتنازع فيه أولاً ثم إن الوجد ان يبقي علاقة بينهما على أننا نتحدث لا عن الحق في العضو المقطوع وإنما نتحدث عن الإمكان الشرعي للإعادة والانتفاع الجديد به.
(ج) الاستدلال بأن العضو المقطوع تمت الجريمة به فيجب أن تكون عقوبته مؤبدة..
وهذا أيضاً لم نتحقق من المراد منه.
إذ أن المجرم الحقيقي هو الذات الإنسانية التي ارتكبت الجريمة، وقد تمت عقوبتها وتعذيبها بالقطع فما معنى ملاحقة العضو الذي لا حراك فيه بآثار الجريمة.
(د) الاستدلال على المنع بأنه يفوت استكمال الحد بعد حكم الشارع بتعليق اليد في عنق السارق.
فإن التعليق ليس بواجب أولاً، ثم إن الكلام يبقى بعد استكمال الحد فهل يجوز الرد من جديد؟
(هـ) الاستدلال على تخصيص حرمة الإعادة بحالة ما إذا كان القطع في حقوق العباد للقصاص بأننا لو سمحنا بالإعادة لثارت الضغائن.
فإن مجرد احتمال المفسدة لاً ينهض على المنع ثم هي حالة استثنائية يجب أن تعالج بعلاج قانوني مانع على أننا لا نستطيع أن نعمم هذا الحكم لكثير من الحالات التي لا نحتمل فيها ذلك.
ومن هنا فلا نستطيع الاستناد لهذا التعليل.
وخلاصة الأمر أن هذه لا تعدو كونها استحسانات لا تملك قدرة الدليل الشرعي.
* النقطة الثانية:
ولو تجاوزنا الاستحسانات فإن هناك استدلالات لها أهميتها من كل طرف يجب أن يتم تقويمها بدقة لنقف على القوي منها.
ا - منها: الاستدلال برواية إسحاق بن عمار، عن الصادق، عن الباقر (ع) ، على المنع، وهنا نقول:
أولاً: هذه الرواية إن صحت - سنداً ومتناً - فهي مختصة بحالة القصاص، ولا يمكن أن يستدل بها على المنع في الحدود، خصوصاً مع ملاحظة التعليل الوارد فيها: (إنما يكون القصاص من أجل الشين) .
стр. 9352
ثانياً: اختلفت الأوصاف التي تطلق على الرواية المذكورة.
فقد وصفها صاحب جواهر الكلام بالحسنة والموثقة (١) ووصفها السيد الخوئي بالمعتبرة (٢)
في حين ذكر الإمام الخميني أن في سندها ضعفاً (٣)
فما هو الموقف الصحيح؟
إن هذه الرواية نقلت بسندين:
أحدهما: رواية التهذيب للشيخ الطوسي.
والثاني: رواية الشيخ الصدوق في (المقنع) .
أما رواية الشيخ الصدوق فهي مرسلة ولا اعتبار لها.
وأما رواية الشيخ الطوسي ﵀ فسندها عل النحو التالي:
محمد بن الحسن (الطوسي) بإسناده عن محمد بن الحسن (الصفار) ، عن الحسن بن موسى (الخشاب) ، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه ﵉ .
وعند دراسة السند هذا نجد ما يلي:
(أ) أن غياث بن كلوب لم ينص على وثاقته.
نعم ذكر الشيخ الطوسي في كتاب "العدة " أن الإمامية عملت بأخباره إن لم يكن لها معارض (٤) وهذا يعني درجة من التشكيك بلا ريب.
وقال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (٥) غياث بن كلوب عن مطرف بن سمرة ضعفه الدارقطني وقال: له نسخة عن مطرف بن سمرة. وقال البيهقي: غياث هذا مجهول.
стр. 9353
(ب) عند مراجعة سند الشيخ الطوسي إلى الخشاب نجد الشيخ الطوسي يقول في فهرسته ص ١٧١: "الحسن بن موسى الخشاب له كتاب أخبرنا به عدة من أصحابنا عن أبي المفضل، عن ابن بطة، عن محمد بن الحسن الصفار، عن الحسن بن موسى" (١)
وعن هذا السند يقول السيد الخوئي: (وطريق الشيخ إليه ضعيف بأبي المفضل وابن بطة) .
ومعنى هذا أن سند الشيخ الطوسي إلى الخشاب غير صحيح، فهل يمكن تصحيحه من طريق آخر بأن يقال: رغم ضعف هذا الطريق فإن هناك طرقاً صحيحة بين الشيخ الطوسي والراوي الذي يسبق الخشاب وهو العالم الكبير محمد بن الحسن الصفار، فيمكننا الاعتماد عليه محتملين أن الرواية نقلت من أحد تلك الطرق الصحيحة؟ إلا أننا نعتقد أنه ما دام احتمال نقل الرواية بالطريق الضعيف باقياً فلا يمكن الاعتماد على أنا نحتمل قوياً نقلها بالطريق الضعيف، وحينئذ لا يمكن الاستدلال بالرواية.
٢ - ومنها: الاستدلال على المنع من إعادة اليد بما ورد عنه ﷺ من الحسم بعد القطع: ((اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه)) .
باعتبار أنه ليس ثمة بعد القطع إلا الحسم فحسب، ولذا فإن إعادة العضو استدراك على الشرع ولدى علماء الوصول (إن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر) (٢)
ولسنا نرى أن المقام مقام بيان كل ما يترتب على القطع، وإنما المقام مقام المنع من نزيف الدم الذي يسري بالعقوبة إلى النفس فيقضي عليها، ومن هنا جاء الإرشاد النبوي الشريف بلزوم ايقاف النزف بالحسم.
٣ - ومنها: الاستدلال على المنع بأن فيه تفويتاً للنكال الوارد في الآية الشريفة:
﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا﴾ ، أو المثلية في قوله تعالى: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ، أو القصاص في قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ .
стр. 9354
وهنا أيضاً نفول إن النكال هي العقوبة التي تكون عبرة للغير (١) وكفى في قطع الطرف من الجاني نكإلا ومثلية لما عمله وقصاصاً لذلك ولا دليل على العبرة المؤبدة وما أكثر العبر التي مرت لحظة ثم بقي خبرها عبرة للتاريخ.
٤ - ومنها: الاستناد إلى دليل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر باعتبار القطعة المبانة من الميتة فهي نجسة، وحملها يبطل الصلاة فيجب النهى عن المنكر.
وهذا الاستدلال واضح الوهن، إذ أن الموضوع هنا ينتفي إذ تعود هذه القطعة حية موصولة بالجسد ولا يشملها دليل الميتة.
يقول الإمام الخميني: "ولو صارت بالإلصاق حية كسائر الأعضاء لم تكن ميتة، وتصح الصلاة معها ".
ولو افترضنا بقاء النجاسة فإن حصول الضرر بإزالتها تسقط وجوب إزالتها في الصلاة، بل يقال إنها كالمحمول النجس، وهناك قول بعدم بطلان الصلاة بالمحمول النجس كما يقول صاحب الجواهر.
وعلى أي حال فهذا الدليل رغم استناد الكثير من العلماء إليه (٢) ليس قوياً.
الإجماع:
حيث ذكر في التنقيح أنه (لا خلاف في جواز إزالتها، أي: القطعة المبانة الملصقة بعد ذلك، لكن اختلف في العلة) .
إلا أننا لم نتأكد أولاً من حصول هذا الإجماع خصوصاً مع وجود المخالفين له وعدم انطراح المسألة بشكل عام.
على أنه إجماع معلل تبقى أهميته بمستوى أهمية علته وقد درسنا العلل فلم نجدها تقوى على النهوض.
* النقطة الثالثة:
إن الأدلة التي ساقها الرأي التفصيلي، باستثناء ما قلناه وبعض الإيرادات الأخرى، يمكنها أن تنهض على جواز إعادة المقطوع في موارد حقوق الله وحقوق العباد الثابتة بالإقرار، وحينئذ فلو لم نقبل الجواز المطلق فإن القول بالتفصيل الذي ذكره الرأي الثالث هو المتعين ولا مجال للرأي الأول الذي يمنع من الإعادة مطلقاً.
والله تعالى أعلم.
حجة الإسلام محمد علي التسخيري
стр. 9355
زراعة عضو استؤصل في حد
إعداد
فضيلة القاضي محمد تقي العثماني
عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:
ا - فموضوع هذا البحث معرفة الحكم الشرعي في مسألة زراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص، وإعادته إلى محله بعملية من عمليات الطب الحديث، هل يجوز ذلك شرعاً؟. وما حكم من فعل ذلك؟
٢ - وبما أن المسألة أخذت اليوم مكانها من الأهمية بفضل ما وصل إليه التقدم الطبي في مجال زرع الأعضاء الذي لم يكن متصوراً في الأزمنة الماضية، فقد يزعم الزاعمون أنها مسألة مستجدة لا يمكن أن يوجد لها ذكر صريح في كتب الفقهاء السالفين، ولكن هذا الزعم غير صحيح. والواقع أن الفقهاء المتقدمين ذكروا هذه المسألة ودرسوها من النواحي المختلفة بما يدل في جانب على مدى توسعهم في تصوير المسائل ودقة أنظارهم في بيان الأحكام، وفي جانب آخر، على أن إعادة العضو إلى محله لم يكن أمراً غير متصور في عهدهم، بل كان أمراً عرفه وجربه المتقدمون، حتى في القرن الثاني من الهجرة، إذ يتحدث عنه الإمام مالك رحمه الله تعالى بكل بصيرة طبية لا تزال صادقة حتى اليوم.
٣ - وقبل أن آتي بنصوص الفقهاء في المسألة أريد أن أحدد مجال البحث في نقاط آتية:
(١) إذا جنى رجل على آخر، فقطع عضواً من أعضائه، ثم أعاده المجني عليه إلى محله قبل استيفاء القصاص أو الأرش، هل يؤثر ذك في سقوط القصاص أو الأرش؟ ولو أعاده بعد استيفاء القصاص، هل يؤثر ذلك فيما استوفاه من القصاص أو الأرش؟
(٢) إذا قطع عضو الجاني قصاصاً، فهل يجوز له أن يعيده إلى محله بطريق الزراعة؟ أو يعتبر ذلك إبطالاً لحكم القصاص؟ وإن أعاد الجاني عضوه المقتص منه هل يجوز للمجني عليه أن يطالبه بالقصاص مرة ثانية؟
(٣) إن زرع أحد عضوه المنفصل عنه (سواء كان في حد أو قصاص أو لسبب آخر فأعاده إلى محله، هل يعتبر ذلك العضو طاهراً؟ أو يعتبر نجساً، بحيث لا تجوز معه الصلاة، فيؤمر بقلعه مرة أخرى؟
(٤) هل يجوز للسارق المقطوعة يده أو رجله أن يعيدهما إلى محلهما؟ أو يعتبر ذلك اعتداء على الحكم الشرعي في قطع يد السارق، ولئن فعل ذلك أحد، هل تقطع يده مرة ثانية؟
стр. 9356
وأريد أن أتكلم عن كل واحدة من هذه المسائل في فصل مستقل وبالله التوفيق.
المسألة الأولى
زرع المجني عليه عضوه
٤ - أما المسألة الأولى، وهي أن يعيد المجني عليه عضوه المقطوع إلى محله، فأول من سئل عنها وأفتى فيها فيما أعلم: إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى. فقد جاء في المدونة الكبرى:
"قلت: (القائل سحنون) أرأيت الأذنين إذا قطعهما رجل عمداً، فردهما صاحبهما فثبتتا، أو السن إذا أسقطها الرجل عمداً، فردها صاحبها فبرئت وثبتت، أيكون القود على قاطع الأذن أو قالع السن؟ (قال: أي ابن القاسم) سمعتهم يسألون عنها مالكاً، فلم يرد عليهم فيها شيئا (قال) وقد بلغني عن مالك أنه قال: في السن القود وإن ثبتت، وهو رأيي، والأذن عندي مثله أن يقتص منه. والذي بلغني عن مالك في السن لا أدري أهو في العمد يقتص منه، أو في الخطأ أن فيه العقل، إلا أن ذلك كله عندي سواء في العمد وفي الخطأ (١)
٥ - ثم تتابعت فيه الروايات عن الإمام مالك وتلامذته رحمهم لله، واتفقت الروايات جميعا على أن المجني عليه في العمد إن أعاد عضوه إلى محله، فلا يسقط به القصاص عن الجاني، سواء كان العضو قد عاد إلى هيئته السابقة أو بقي فيه عيب، أما إذا كانت الجناية خطاً فإن قضي على الجاني بالدية، ثم أعاد المجني عليه عضوه بعد القضاء، فالروايات متفقة أيضاً على أن الأرش لا يرد. وأما إذا أعاد عضوه قبل القضاء على الجاني بالدية، ففيه ثلاث روايات. وقد فصل ابن رشد الجد هذه المسألة في كتابه "البيان والتحصيل" فقال:
"وأما الكبير تصاب سنه فيقف له بعقلها، ثم يردها صاحبها فثبتت، فلا اختلاف بينهم في أنه لا يرد العقل إذ لا ترجع على قوتها. هذا مذهب ابن القاسم، وقول أشهب في كتاب ابن المواز، وروايته عن مالك.
стр. 9357
والأذن بمنزلة السن في ذلك، لا يرد العقل إذا ردها بعد الحكم فثبتت واستمسكت. وإنما اختلف فيهما إذا ردهما، فثبتتا، واستمسكتا، وعادتا لهيئتهما قبل الحكم على ثلاثة أقوال: أحدهما قوله في المدونة إنه يقضى له بالعقل فيهما جميعاً، إذ لا يمكن أن يعودا لهيئتهما أبداً. وقال أشهب إنه لا يقضي له فيهما بشيء إذا عادا لهيئتهما قبل الحكم. والثالث: الفرق بين السن والأذن، فيقضى بعقل السن وان ثبتت، ولا يقضى له في الأذن بعقل إذا استمسكت وعادت لهيئتها، وان لم تعد لهيئتها عقل له بقدر ما نقصت ... ولا اختلاف بينهم في أنه يتم له بالقصاص فيهما، وان عادا لهيئتهما (١)
٦ - فالحاصل أن القصاص لا يسقط بالإعالة في حال من الأحوال، وأما الأرش ففيه ثلاث روايات:
(١) لا يسقط الأرش بإعادة عضو المجني عليه.
(٢) يسقط الأرش بذلك.
(٣) يسقط الأرش في الأذن ولا يسقط في السن.
٧ - ووجه الفرق بين السن والأذن على هذه الرواية الثالثة ما حكاه العتبي في المستخرجة عن ابن القاسم برواية يحيى، قال:
"وسئل (يعني ابن القاسم) عن الرجل يقطع أذن الرجل فيردها وقد كانت اصطلمت فثبتت، أيكون له عقلها تاماً؟ فقال: إذا ثبتت وعادت لهيئتها فلا عقل فيها، فإن كان في ثبوتها ضعف، فله بحساب ما يرى من نقص قوتها.
قبل له: فالسن تطرح، ثم يردها صاحبها فتثبت، فقال: يغرم عقلها تاماً، قيل له: فما فرق بين هذين عندك؟ قال: لأن الأذن إنما هي بضعة، إذا قطعت ثم ردت، استمسكت، وعادت لهيئتها، وجرى الدم والروح فيها. وإن السن إذا بانت من موضعها ثم ردت لم يجر فيها دمها كما كان أبداً، ولا ترجع فيها قوتها أبداً. وإنما ردها عندي بمنزلة شيء يوضع مكان التي طرحت للجمال، وأما المنفعة فلا تعود إلى هيئتها أبداً.
стр. 9358
٨ - وشرحه ابن رشد ببيان الروايات الثلاثة المذكورة (١) ولكن لم يذكر أحد منهم وجه الفرق بين القصاص والأرش، على الروايات التي تقول بسقوط الأرش دون القصاص عن الجاني بعد إعادة المجني عليه عضوه المقطوع. والذي يظهر لي - والله أعلم - أن القصاص إنما يجب في العمد جزاء للاعتداء القصدي من الجاني، عملاً بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ، وبقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ، وإن هذا الاعتداء واقع لا يزول بإعادة المجني عليه عضوه إلى محله، فلا يسقط القصاص في حال من الأحوال. أما الأرش، فإنما يجب في الخطأ الذي لا يتعمد فيه الجاني اعتداء على أحد، فليس الأرش إلا مكافأة للضرر الحاصل من فعله، واستدراكاً لما فات المجني عليه من العضو أو المنفعة، فإن عاد العضو بمنفعته الفطرية وجماله السابق، إنعدم ضرر المستوجب للأرش، فسقط الأرش.
٩ - ولكن الذي يظهر أن المختار عند المالكية عدم الفرق بين القصاص والأرش، حيث لا يسقط واحد منهما، هكذا ذكره خليل في مختصره، واختاره الدردير والدسوقي وغيرهما، وعلله الدردير بأن الموضحة إذا برئت من غير شين، فإنه لا يسقط الأرش، فكذلك الطرف إذا أعيد، فإنه لا يسقط أرشه مع كون كل منهما خطاً (٢)
مذهب الحنفية في المسألة:
١٠ - ثم الذي ذكر هذه المسألة بعد الإمام مالك، هو الإمام محمد بن الحسن الشيباني ﵀، فقال في كتابه "الأصل":
"وإذا قلع الرجل سن الرجل، فأخذ المقلوعة سنه فأثبتها في مكانها، فثبتت، وقد كان القلع خطاً، فعلى القالع أرش السن كاملاً، وكذلك الأذن " (٣)
стр. 9359
فاختار محمد ﵀ أن إعادة العضو لا يسقط الأرش عن الجاني. ثم أخذ عنه الفقهاء الحنفية فقال شمس الأئمة السرخسي ﵀:
"واذا قلع الرجل سن رجل خطأً، فأخذ المقلوع سنه، فأثبتها في مكانها فثبتت، فعلى القالع أرشها، لأنها وان ثبتت لا تصير كما كانت، ألا ترى أنها لا تتصل بعروقها؟.. وكذلك الأذن إذا أعادها إلى مكانها، لأنها لا تعود إلى ما كانت عليه في الأصل، وإن التصقت " (١)
وهنا علل السرخسي عدم سقوط الأرش بكون العضو لا يعود إلى حالته السابقة بعد الالتصاق، وفرع عليه المتأخرون أن "هذا إذا لم يعد إلى حالته الأولى بعد الثبات في المنفعة والجمال، والغالب أن لا يعود إلى تلك الحالة. وإذا تصور عود الجمال والمنفعة بالإثبات لم يكن على القالع شيء، كما لو نبتت السن المقلوع، كما ذكره الزيلعي وغيره عن شيخ الإسلام) . (٢)
١١ - ولكن المسألة عند الحنفية مفروضة في جناية الخطأ، كما رأيت في عبارة الإمام محمد والإمام السرخسي، ولهذا اكتفوا بذكر سقوط الأرش، ولم أجد في كتب الحنفية حكم العمد، وأنه هل يسقط القصاص عندهم فيه بإعادة العضو أولا؟ والظاهر أنه لا يسقط وإن أعاده المجني عليه إلى هيئته، وذلك لما ذكرنا في الحديث عن مذهب المالكية (فقرة ٨) من أن القصاص جزاء للاعتداء القصدي من الجاني، وهو واقع لا يزول بهذه الإعادة، فلما ذهب الحنفية إلى أن الأرش لا يسقط بها، فلأن لا يسقط بها القصاص أولى (٣)
стр. 9360
١٢ - نعم، ذكر الحنفية أن القصاص يسقط فيما إذا ثبتت سن المجني عليه بنفسها، ولكن لا يقاس عليه مسألة زرع العضو وإعادته، وذلك لأمرين: الأول أن العضو المزروع لا يكون في قوة النابت بنفسه، والثاني: أن نبت السن بنفسها ربما يدل على أن السن الأولى لم يقلعها الجاني من أصلها، فتصير شبهة في وجوب القصاص، بخلاف ما أعيد بعملية، فإنه ليس في تلك القوة، ولا يدل على أن الجاني لم يستأصله. فالظاهر أن إعادة العضو من قبل المجني عليه لا يسقط القصاص عند الحنفية أيضاً كما لا يسقط عند المالكية.
مذهب الشافعية:
١٣ - ثم تكلم في المسألة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فقال في كتاب الأم: " وإذا قطع الرجل أنف رجل أو أذنه أو قلع سنه فأبانه، ثم إن المقطوع ذلك منه ألصقه بدمه، أو خاط الأنف أو الأذن، أو ربط السن بذهب أو غيره، فثبت وسأل القود فله ذلك، لأنه وجب له القصاص بإبانته، (١)
وذكر النووي ﵀ هذه المسألة في الروضة، فألحق بها مسألة الدية، فقال: "قطع أذن شخص، فألصقها المجني عليه في حرارة الدم، فالتصقت، لم يسقط القصاص ولا الدية عن الجاني، لأن الحكم يتعلق بإبانة، وقد وجدت) (٢)
فاتضح بهذه النصوص أن مذهب الشافعي في هذا مثل المختار من مذهب المالكية أن إعادة العضو المجنى عليه لا يسقط القصاص ولا الأرش.
مذهب الحنابلة:
١٤ - وأما الحنابلة، فلهم في هذه المسألة وجهان. وقد ذكرهما القاضي أبو يعلى، فقال:
"إذا قطع أذن رجل فأبانها، ثم ألصقها المجني عليه في الحال فالتصقت، فهل على الجاني القصاص أم لا؟ قال أبو بكر في كتاب الخلاف: لا قصاص على الجاني، وعليه حكومة الجراحة، فإن سقطت بعد ذلك بقرب الوقت أو بعده كان القصاص واجباً، لأن سقوطها من غير جناية عليها من جناية الأول، وعليه أن يعيد الصلاة. واحتج بأنها لو بانت لم تلتحم، فلما ردها والتحمت كانت الحياة فيها موجودة، فلهذا سقط القصاص.
стр. 9361
وعندي أن على الجاني القصاص، لأن القصاص يجب بالإبانة، وقد أبانها. ولأن هذا الإلصاق مختلف في إقراره عليه، فلا فائدة له فيه، (١)
وكذلك ذكر ابن قدامة القولين، ولم يرجح واحداً منهما، وكذلك فعل أبوإسحاق ابن مفلح (٢) وذكر المرداوي وشمس الدين ابن مفلح القولين، واختار قول القاضي انه لا يسق القصاص (٣) واختار البهوتي قول أبي بكر في أنه يسقط القصاص والأرش كلاهما (٤)
القول الراجح في المسألة:
١٥ - والقول الراجح عندنا ما ذهب إليه الجمهور من المالكية والحنفية والشافعية، وجماعة من الحنابلة أن زرع المجني عليه عضوه لا يسقط القصاص أو الأرش من الجاني، لأن القصاص جزاء للاعتداء الصادر منه، وقد حصل هذا الاعتداء بإبانة العضو، فاستحق المجني عليه القصاص في العمد، والأرش في الخطأ، فلا يسقط هذا الحق بإعادة عضوه إلى محله، وذلك لأمور:
(١) ان إعادة العضو من قبل المجني عليه علاج طبي للضرر الذي لحقه بسبب الجناية، وان البرء الحاصل بالعلاج لا يمنع القصاص والأرش، كما في الموضحة، إن عالجها المجني عليه فبرىء، فإنه لا يمنع حقه في استيفاء القصاص أو الأرش. فكذلك العضو إذا أعيد بعد الإبانة من الجاني، فإنه لا يؤثر فيما ثبت له على الجاني من قصاص أو أرش.
(٢) ان إعادة العضو من قبل المجني عليه، وإن كان يستدرك له بعض الضرر، فإن العضو لا يعود عادة إلى ما كان عليه من المنفعة والجمال، فإسقاط القصاص أو الأرش فيه تفويت لحق المجني عليه بعد ثبوته شرعاً.
стр. 9362
(٣) إن القصاص أو الأرش قد ثبت بالقلع يقيناً، وذلك بالنصوص القطعية، فلا يزول هذا اليقين إلا بيقين مثله، وليس هناك نص من القرآن والسنة يفيد سقوط القصاص بإعادة العضو.
١٦ - ولما ثبت أن إعادة المجني عليه عضوه لا يسقط القصاص عن الجاني، فلو قطع رجل عضوه المزروع مرة ثانية، هل يجب فيه القصاص مرة أخرى؟ قد صرح أكثر الفقهاء بأنه لا يجب، وعلل بعضهم بأن العضو المزروع لا يعود إلى هيئته الأصلية في المنفعة والجمال، فهذا الإلصاق لا يعتد به، قال الموصلي الحنفي رحمه الله تعالى:
"والمقلوع لا ينبت ثانياً، لأنه لا يلتزق بالعروق والعصب، فكان وجود هذا النبات وعدمه سواء، حتى لو قلعه إنسان لا شيء عليه (١)
ومقتضاه أنه لا يجب القصاص ولا الأرش، لأنه جعل النبات وعدمه سواء، ولكن اليوم أمكن في كثير من الأعضاء المقلوعة أن تعاد فتلزق بالعروق والعصب، فلا يتأتى فيها التعليل الذي ذكره الموصلي، فالظاهر في حكم أمثالها أنه لا يوجب القصاص، لأن العضو المزروع، وإن التزق بالعروق والعصب، فإنه عضو معيب لا يكون بمثابة العضو الأصلي، فلا يقطع به العضو الصحيح في أصل خلقته. ولكن يجب أن يلزم به الأرش على الجاني الثاني. وهو قول الحنابلة. قال البهوتي ﵀:
" (وإن قلعه) أي ما قطع ثم رد فالتحم (قالع بعد ذلك فعليه ديته) ولا قصاص فيه، لأنه لا يقاد به الصحيح بأصل الخلقة لنقصه بالقلع الأول" (٢)
стр. 9363
المسألة الثانية
إعادة الجاني عضوه المقطوع بالقصاص
١٧ - أما المسألة الثانية، فهي أن الجاني إذا قطع عضوه في القصاص، فأعاده إلى محله بعد استيفاء القصاص، هل يعتبر ذلك مخالفة لأمر القصاص، فيقتص منه مرة أخرى؟ أو لا يعتبر؟
١٨ - فجزم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بأن القصاص قد حصل بإبانة عضو الجاني مرة، فلو أعاده إلى محله فإنه لا يلغى استيفاء القصاص السابق، فلا يقتص منه مرة ثانية، وان ترك العضو المزروع في محله لا يعتبر مخالفة لأمر القصاص. قال رحمه الله تعالى بعد بيان المسألة الأولى (وهي إعادة المجني عليه عضوه إلى محله) :
"وإن لم يثبته المجني عليه، أو أراد إثباته فلم يثبت (١) وأقص من الجاني عليه، فأثبته، فثبت، لم يكن على الجاني أكثر من أن يبان منه مرة، وان سأل المجني عليه الوالي أن يقطعه من الجاني ثانية لم يقطعه الوالي للقود، لأنه قد أتى بالقود مرة إلى أن يقطعه لأنه ألصق به ميتة " (٢)
فظهر أن الجاني لم يمنعه من ذلك، ولا يقطع عضوه مرة ثانية، لمخالفته لموجب القصاص. وأما ما ذكره الشافعي ﵀ من الأمر بقطعه بسبب إلصاق الميتة فسيجيء الكلام على ذلك تحت المسألة الثالثة إن شاء الله تعالى.
١٩ - وأما الحنابلة، فعندهم في هذه المسألة قولان، أحدهما موافق للشافعية، وجزم به ابن قدامة في المغني، فقال:
"وإن قطع أذن إنسان، فاستوفي منه، فألصق الجاني أذنه، فالتصقت، وطلب المجني عليه إبانتها، لم يكن له ذلك، لأن الإبانة قد حصلت، والقصاص قد استوفي، فلم يبق له قبله حق ... والحكم في السن كالحكم في الأذن " (٣)
стр. 9364
وكذلك جزم القاضي أبو يعلى بأنه لا يقتص منه ثانياً. فقال ﵀:
"فإذا قطعنا بها أذن الجاني، ثم ألصقها الجاني، فإن قال المجني عليه: ألصق أذنه بعد أن أثبتها، أزيلوها عنه، قلنا: بقولك لا نزيلها، لأن القصاص وجب بالإبانة وقد وجد ذلك " (١)
ولكن جزم ابن مفلح في الفروع بأنه يقتص من الجاني مرة ثانية، فقال:
"ولو رد الملتحم الجاني أقيد ثانية في المنصوص" (٢) واختاره المرداوي والبهوتي أيضاً. قال البهوتي:
"ومن قطعت أذنه ونحوها كمارنه قصاصاً، فألصقها فالتصقت، فطلب المجني عليه إبانتها، لم يكن له ذلك، لأنه استوفى القصاص. قطع به في المغني والشرح. والمنصوص أنه يقاد ثانياً، اقتصر عليه في الفروع، وقدمه في المحرر وغيره. قال في الإنصاف " (٣) في ديات الأعضاء ومنافعها: أقيد ثانية على الصحيح من المذهب. وقطع به في التنقيح هناك وتبعه في المنتهى. قال في شرحه: للمجني عليه إبانته، ثانياً، نص عليه، لأنه أبان عضواً من غيره دواماً، فوجبت إبانته منه دواماً لتحقيق المقاصة " (٤)
٢٠ - وأما المالكية، فقد ذكروا إعادة المجني عليه عضوه، كما نقلنا عنهم في المسألة الأولى، ولم يذكروا إعادة الجاني عضوه بعد القصاص بهذه الصراحة التي وجدناها في كتب الشافعية والحنابلة. ولكن وجدت للمسألة ذكراً مختصراً في كلام ابن رشد ﵀، حيث يقول:
"فإن اقتص بعد أن عادا لهيئتها، فعادت أذن المقتص منه أو عينه فذلك، وإن لم يعودا، وقد كانت عادت سن الأول أو أذنه فلا شيء له، وإن عادت سن المستقاد منه أو أذنه، ولم تكن عادت سن الأول ولا أذنه كرم العقل. قاله أشهب في كتاب ابن المواز " (٥)
стр. 9365
وحاصله أن إعادة الجاني عضوه انما لا يؤثر في القصاص، إذا كان المجني عليه أعاد عضوه أيضاً، أما إذا لم يعد المجني عليه وأعاده الجاني، فإن الجاني يغرم العقل.
٢١ - وأما الحنفية، فلم أجد عندهم مسألة إعادة الجاني عضوه، ولكن ذكر في الفتاوى الهندية عن المحيط مسألة تشابه ما نحن فيه، وهي ما يلي:
"إذا قلع الرجل ثنية رجل عمداً، فاقتص له من ثنية القالع، ثم نبتت ثنية المقتص منه، لم يكن للمقتص له أن يقلع تلك الثنية التي نبتت ثانياً " (١)
وهذا يدل على أن الأصل عند الحنفية أن المجني عليه إنما يستحق إبانة عضو الجاني مرة واحدة، وليس من حقه أن يبقي العضو فائتاً على الدوام، فالظاهر أن مذهبهم مثل مذهب الشافعية في هذه المسألة، وذلك لأمور:
(١) إنهم أجازوا بقاء الثنية النابتة بنفسها، ولم يروها معارضة لمقتضى القصاص، مع أنها أحكم وأثبت من السن الملصقة، وأكثر منها نفعاً، فالظاهر أن السن المزروعة أولى أن لا تكون معارضة لمقتضى القصاص.
(٢) قد ذكرنا في المسألة الأولى أن المجني عليه إذا أعاد عضوه إلى محله، فإن ذلك لا يؤثر في ما ثبت على الجاني من القصاص والأرش، بل يجب القصاص كما كان يجب عند عدم الزرع. فيقاس على ذلك زرع الجاني عضوه، وأنه لا يؤثر في ما استوفي من قصاص. وإلا فليس من الإنصاف أن يزرع المجني عليه عضوه، ويمنع الجاني من ذلك بتاتاً.
٢٢ - فالراجح عندي مذهب الشافعية وجماعة من الحنابلة، وهو مقتضى مذهب الحنفية، أن القصاص يحصل بإبانة العضو مرة واحدة، ولكل واحد من الفريقين الحرية في إعادة عضوه بعملية طبية إذا شاء. فلو فعل ذلك الجاني، ولم يفعله المجني عليه، فإن ذلك مبني على أن كل واحد يتصرف في جسمه بما يشاء، ولا يقال إن عمل الجاني مخالف لمقتضى القصاص، كما إذا أعاده المجني عليه، ولم يعده الجاني، فإن ذلك لا يؤثر في أمر القصاص، وكل واحد يختار في معالجة ضرر جسمه ما يتيسر له، ولا سبيل إلى إحداث المساواة بين الناس في علاج أجسامهم. والله سبحانه أعلم.
стр. 9366
المسألة الثالثة
هل العضو المزروع في المسألتين نجس؟
٢٣ – كل ما قدمنا كان يتعلق بمسألة القصاص، وإنما نظرنا إلى الآن في مسألة زراعة العضو المقطوع من حيث إنه يعارض مقتضى الحكم بالقصاص أو لا؟ وقد رجحنا مذهب جمهور الفقهاء أن الزراعة لا تؤثر في أمر القصاص شيئاً، فما كان ثابتاً قبل الزراعة، يبقى ثابتاً بعدها، وما استوفي قبلها، لا يحكم بإعادته بعدها.
٢٤ - وننتقل الآن إلى مسألة أخرى، وهي: هل يجوز للمجني عليه أو الجاني ديانة أن يعيد عضوه المبان إلى محله؟ وهل يعتبر ذلك العضو طاهراً أم نجسأ؟ وهل تجوز الصلاة معه أو لا تجوز؟
٢٥ – وإنما نشأت هذه المسألة، لأن الفقهاء قد اختلفوا في العضو المبان من الحي، هل هو طاهر أم نجس؟ فذهبت جماعة إلى أن كل ما أبين من الحي فهو نجس على الإطلاق، استدلالا بقوله ﵇:
((ما قطع من حي فهو ميت)) (١)
وبما رواه أبو واقد الليثي ﵁، قال:
((قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، فقال: ما يقطع من البهيمة وهي حية، فهو ميتة)) (٢)
فذهب الشافعي ﵀ إلى أن هذا الحكم عام لكل حي، فقال في كتاب الأم:
"وإذا كسر للمرأة عظم، فطار، فلا يجوز أن ترقعه إلا بعظم ما يؤكل لحمه ذكيا. وكذلك إن سقطت سنه صارت ميتة، فلا يجوز له أن يعيدها بعد ما بانت ... وإن رقع عظمه بعظم ميتة أو ذكي لا يؤكل لحمه، أو عظم إنسان فهو كالميتة، فعليه قلعه، وإعادة كل صلاة صلاها وهو عليه. فإن لم يقلعه جبره السلطان على قلعه (٣)
стр. 9367
وما نقلنا عنه في المسألة الثانية من قوله:
"وإن سأل المجني عليه الوالي أن يقطعه من الجاني ثانية، لم يقطعه الوالي للقود،
لأنه قد أتى بالقود مرة، إلا أن يقطعه، لأنه ألصق به ميتة" (١)
فهو في هذا السياق. فكأن الإمام الشافعي ﵀، حسب ما يبدو من كتاب الأم، لا يرى في إعادة الجاني عضوه مانعاً من حيث مخالفته لمقتضى القصاص، ولكنه لا يراه جائزاً من حيث أن العضو المبان نجس، فلا يجوز إلحاقه بالجسم، ولو ألحقه أمره السلطان بالقلع، لكونه مانعاً من صحة الصلاة.
٢٦ - ولكننا إذ نراجع كتب الشافعية المعتبرة، نجد أن معظمهم اختاروا طهارة جزء الآدمي، وإن بان منه حال حياته، فيقول النووي ﵀:
(الأصل أن ما انفصل من حي فهو نجس، ويستثنى الشعر المجزور من مأكول اللحم في الحياة ... ويستثنى أيضاً شعر الآدمي، والعضو المبان منه ... فهذه كلها طاهرة في المذهب، (٢)
وقال الشربيني الخطيب ﵀:
"والجزء المنفصل من الحيوان الحي ومشيمته كميتته، أي ذلك الحي، إن طاهراً فطاهر، وإن نجساً فنجس ... فالمنفصل من الآدمي أو السمك أو الجراد طاهر، ومن غيرها نجس) (٣)
ويقول الرملي، ﵀:
والجزء المنفصل بنفسه أو بفعل فاعل من الحيوان الحي كميتته طهارة وضدها ...
فاليد من الآدمي طاهرة، ولو مقطوعة في سرقة " (٤)
ويذكر الشبراملسي تحته:
"انظر لو اتصل الجزء المذكور بأصله وحلته الحياة، هل يطهر ويؤكل بعد التذكية أولا؟ ونظيره ما لو أحيا الله الميتة ثم ذكيت، ولا يظهر في هذه إلا الحل، فكذا الأولى (٥)
стр. 9368
وهذا يدل على أن العضو المبان من الآدمي الحي طاهر مطلقاً. وأما العضو المنفصل من غيره، فإنما يحكم بنجاسته إذا لم يتصل بعد الإبانة بمحله الأصلي، فلو اتصل وحلته الحياة، عاد طاهراً.
٢٧ - وإن هذه النصوص بظاهرها معارضة لما نقلنا عن كتاب الأم. فلعل ما في كتاب الأم رجع عنه الشافعي بعد ذلك، أو اختار الفقهاء الشافعية قولاً يخالف رأيه، وعلى كل، فالمذهب عند الشافعية الآن طهارة العضو المبان من الآدمي. وعليه فلا يؤمر بقلعه إذا أعاده إلى محله، ولا يحكم بنجاسته وفساد صلاته.
٢٨ - أما الحنفية، فالأصل عندهم أن الأعضاء التي لا تحفها الحياة، كالظفر، والسن، والشعر، لا تنجس بإبانتها من الآدمي الحي. ولكن الأعضاء التي تحفها الحياة، مثل الأذن، والأنف وغيرهما، فإنا تنجس بعد إبانتها من الحي. ولكن قرر المتأخرون منهم أنها ليست نجسة في حق صاحبها، فلو أعادها صاحبها إلى أصلها، لا يحكم بنجاستها، وإنما هي نجسة في حق غيره. فلو زرعها غير المقطوع منه في جسمه كانت نجسة. وهذا أيضاً إذا لم تحفها الحياة. أما إذا حفتها الحياة بعد الزرع، فلا نجاسة في حق الغير أيضاً.
٢٩ - أما الأصل المذكور فقد بينه ابن نجيم بقوله:
"إن أجزاء الميتة لا تخلو: إما أن يكون فيها دم أو لا، فالأولى كاللحم نجسة، والثانية ففي غير الخنزير والآدمي ليست بنجسة إن كانت صلبة، كالشعر والعظم بلا خلاف ... وأما الآدمي ففيه روايتان: في رواية نجسة ... وفي رواية طاهرة لعدم الدم، وعدم جواز البيع للكرامة " (١)
ولكن جاء في الفتاوى الخانية:
"قلع سن إنسان، أو قطع أذنه، ثم أعادهما إلى مكانه وصلى، أو صلى وفي كفه سنه أو أذنه، تجوز صلاته في ظاهر الرواية" (٢)
٣٠ - والمسألة مذكورة في التجنيس، والخلاصة، والسراج الوهاج أيضاً، كما في البحر ورد المحتار. واستشكلها بعض العلماء بالأصل المذكور، فإن الأذن تحفها الحياة، فينبغي أن تصير نجسة بالإبانة على ما ذكرنا من أصل الحنفية. وأجاب عنه المقدسي، كما نقل عنه ابن عابدين بقوله:
"والجواب عن الإشكال أن إعادة الأذن وثباتها إنما يكون غالباً بعود الحياة إليها، فلا يصدق أنها مما أبين من الحي، لأنها بعود الحياة إليها صارت كأنها لم تبن، ولو فرضنا شخصاً مات، ثم أعيدت حياته معجزة، أو كرامة، لعاد طاهراً" (٣)
стр. 9369
وعلق عليه ابن عابدين بقوله:
"أقول: إن عادت إليها الحياة فمسلم، لكن يبقى الإشكال لو صلى وهي في كمه مثلاً، والأحسن ما أشار إليه الشارح (أي صاحب الدر المختار) من الجواب بقوله وفي الأشباه ... إلخ، وبه صرح في السراج (أي حيث قال: والأذن المقطوعة والسن المقطوعة طاهرتان في حق صاحبهما، وإن كانتا أكثر من قدر الدرهم) فما في الخانية من جواز صلاته ولو الأذن في كمه، لطهارتها في حقة، لأنها أذنه " (١)
وعبارة الأشباه التي أشار إليها ابن عابدين نصها ما يلي:
"الجزء المنفصل من الحي كميته، كالأذن المقطوعة والسن الساقطة إلا في حق صاحبه فطاهر وإن كثر " (٢)
٣١ - وتبين بهذه النصوص الفقهية أن العضو المبان من الآدمي ليس نجساً في حق صاحبه عند الحنفية، وكذلك إذا حفته الحياة بعد الإعادة، فإنه ليس نجساً في حق أحد. وإنما النجس عند الحنفية في حق الغير ما أبين من الآدمي فلم تحفه الحياة بالإعادة. فثبت أن الحكم عند الحنفية في مسألتنا مثل المختار من مذهب الشافعية، أن إعادة عضو المبان إلى محله ليس نجساً، فلا يمنع منه، ولا تفسد به الصلاة.
٣٢ - فأما المالكية، فإن المعتمد عندهم أن ما أبين من الآدمي ليس نجساً.
قال الدردير في الشرح الكبير:
"فالمنفصل من الآدمي مطلقاً طاهر على المعتمد". وقال الدسوقي تحته:
"أي بناء على المعتمد من طهارة ميته، وأما على الضعيف فما أبين منه نجس مطلقاً ... على المعتمد من طهارة ما أبين من الآدمي مطلقاً، يجوز رد سن قلعت لمحلها لا على مقابله " (٣)
стр. 9370
"ئم ذكر الحطاب أن القول بالنجاسة، على كونه مرجوحاً، إنما يؤثر في ابتداء الإعادة فيمنع منه الرجل ابتداء، ولكن إذا رد الإنسان السن إلى موضعه، فثبت والتحم جازت صلاته على هذا القول أيضاً.
"وفي البرزلي: إذا قلع الضرس وربط لا تجوز الصلاة به، فإن رده والتحم، جازت الصلاة للضرورة " (١)
وذكر الزرقاني عن المدونة أن القول بالنجاسة، (وإن كان ضعيفاً كما أسلفنا) يستثنى منه مواضع الضرورة. قال ﵀:
"وعلى عدم طهارة ميته لا ترد سن سقطت، وعلى طهارته ترد. وظاهره وإن لم يضطر لردها على هذا، بخلافه على الأول، فيجوز للضرورة كما في شرح المدونة، وروى عن السلف عبد الملك وغيره أنهم كانوا يردونها ويربطونها بالذهب" (٢)
٣٣ - فظهر أن الراجح في مذهب المالكية طهارة العضو المبان، فيجوز إعادته إلى محله، ولو عاد وثبت والتحم، حكم بطهارته وجواز الصلاة فيه على القولين جميعاً.
٣٤ - والحنابلة عندهم في ذلك روايتان. قال ابن مفلح:
"وإن أعاد سنه بجرارتها، فعادت فطاهرة، وعنه نجسة" (٣)
ولكن رجح المرداوي الطهارة، وذكر أن عليه الأكثرين، قال ﵀:
"فإن سقطت سنه فأعادها بجرارتها، فثبتت، فهي طاهرة. هذا المذهب وعليه الجمهور، وقطع به أكثرهم، وعنه أنها نجسة ... وكذا الحكم لو قطع أذنه فأعادها في الحال. قاله في القواعد" (٤)
стр. 9371
وبهذا القول جزم البهوتي أيضاً (١) وهو مؤيد بما رواه أبو يعلى عن الإمام أحمد ﵀ برواية الأثرم في مسألة القصاص نفسها. قال:
"ونقل الأثرم عنه في الرجل يقتص منه من أذن أو أنف، فيأخذ المقتص منه فيعيد، بجرارته، فيثبت، هل تكون ميتة؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، فقيل له: يعيد سنه؟ قال: أما سن نفسه فلا بأس، وهذا يدل على الطهارة، لأنه بعض من الجملة، فلما كانت الجملة طاهرة كان أبعاضها طاهرة" (٢)
٣٥ - فثبت بما أسلفنا - والحمد لله - أن الراجح في المذاهب الأربعة جميعاً: أن الرجل إذا أعاد عضوه المبان إلى محله، فإنه يبقى طاهراً، ولا يحكم بنجاسته، ولا بفساد صلاته، ولا يؤمر بقلعه من هذه الجهة.
٣٦ - فلما ثبت أن إعادة العضو لا يخالف مقتضى القصاص، ولا يستلزم النجاسة، ظهر أنه مباح لا بأس به. والله أعلم.
المسألة الرابعة
إعادة العضو المبان في حد
٣٧ - والمسألة الرابعة: إذا أبين عضو رجل في حد شرعي، كالسرقة والحرابة، هل يجوز للمحدود أن يعيده إلى محله بعد استيفاء الحد؟ وهل يعتبر ذلك افتياتاً على الحد الشرعي؟
стр. 9372
٣٨ – وإن هذه المسألة لم أجدها في كلام الفقهاء، ولعل وجه ذلك أن إبانة العضو في الحد إنما يتصور في اليد أو الرجل، لأن الحد الذي يبان فيه عضو من الأعضاء ينحصر في سرقة أو حرابة. والعضو المبان في كل واحد منهما يد أو رجل. ولعل الفقهاء لم يتصوروا إعادتهما إلى محلهما بعد الإبانة. والوضع لا يزال حتى الآن، كما كان في عهد الفقهاء، فإن تجارب الطب الجديد، وإن فتحت آفاقاً جديدة في مجال الجراحة وزرع الأعضاء، ولكنها لم تنجح إلى اليوم في إعادة هذه الجوارح إلى محلها نجاحاً كاملاً. وإن الأيدي والأرجل المزروعة، على ما تكلف من النفقات الباهظة، وتتطلب الجهد الشاق، لا تعمل عملها السابق، حتى أن الأعضاء المصنوعة من الخشب أو الحديد تفيد المريض أكثر بالنسبة إلى الأعضاء الأصلية المزروعة. وجاء في دائرة المعارف البريطانية:
“If the delicate sheaths constining the nerves are cut, however, as must happen if a nerve is partially or completely severd, regeneration may not be possible. Even if regeneration occures, it is unlikely to be complete ... Defective regeneration is the main reason why limb grafts usually are unsafisfactory. A mechanical artificial limb is likely to be of more value to the patient” (١) .
"إن قطع الخلاف النحيف الذي يحوي الأعصاب، كما يقع لزاماً حينما يبان عصب من الأعصاب كلاً أو جزءاً، فإن نشأتها الثانية غير ممكنة. ولو نشأت من جديد، فإن كون النشأة كاملة متعذرة ... وان هذا النقص في نشأتها الثانية هو السبب الأكبر في كون زراعة الجوارح غير ناجحة. والظاهر أن عضواً مكانيكياً مصنوعاً أكثر إفادة للمريض".
وذكر في محل آخر:
“Replacement of servered hands and arms has been tried in a few patients, and some of the results appear to have been worth-while: replacement of lower limbs seem much less justifiable, because the patient is likely to be better off with an artifical leg” (٢)
"إن إعادة اليدين والعضدين المقطوعتين قد حولت في بعض المرضى، وان بعض النتائج تبدو معتدة بها. ولكن يبدو أن المبرر لإعادة الجوارح السفلية (كالأرجل) أقل بكثير، لأن المريض يكون أحسن حالة باستعمال رجل مصنوعة".
стр. 9373
٣٩ - وقد راجعت بعض الأطباء الموثوق بهم فأيدوا هذا المعنى، وأكدوا أن إعادة اليد أو الرجل لا تكون ناجحة، ولما كانت إعادة اليد أو الرجل أمراً لا يقع، حتى في زماننا، فالبحث عن حكمه الشرعي بحث نظري بحت لا علاقة له بالواقع
العملي، بخلاف مسألة القصاص، فإنه يمكن أن يبان فيه أي عضو من أعضاء البدن بما فيها الأعضاء الممكن زرعها وإعادتها، فلا يخلو البحث فيها عن فائدة عملية، ولذلك ذكرتها بشيء من البسط والتفصيل.
٤٠ - أما البحث عن مسألة العضو المقطوع في السرقة أو الحرابة، فلا يتعلق بالواقع العملي، فالمناسب أن لا نخوض فيها قبل وقوعها، وكان السلف يكرهون الخوض في مسائل لم تقع بعد، ويقولون:
" لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله ".
٤١ - ولذلك، فلا أرى البحث في هذه المسألة حتى نشاهدها تقع عياناً، ولكني أريد أن أذكر الأصل الذي تبتنى عليه المسألة لو فرضنا أنها وقعت، ليكون مساعداً في استخراج الحكم حينئذ.
وذلك أن المسألة لها منزعان:
٤٢ - المنزع الأول: أن نقيس الحد على القصاص، فنقول: قد ثبت بما أسلفنا في مبحث القصاص أن المختار عند جمهور الفقهاء أن القصاص ينتهي حكمه بإبانة العضو، وليس من جملة القصاص أن يبقى العضو فائتاً إلى الأبد، فكذلك الحد، إذا أقيم مرة بإبانة اليد أو الرجل، انتهت وظيفة الحد، وليس المقصود تفويت اليد أو منفعتها على سبيل الدوام، ولذلك يجوز للسارق والمحارب أن يستعمل يداً أو رجلاً مصنوعة. فلا مانع من أن يزرع يده المقطوعة.
стр. 9374
٤٣ - والمنزع الثاني: أن بين الحد والقصاص فرقاً، وهو أن المقصود من القصاص أن يصيب الجاني ضرر مماثل لضرر المجني عليه، وذلك يحصل بإبانة عضوه، فإن الجناية الصادرة من الجاني لم تتجاوز أن تقطع عضواً، ولم تكن مانعة من إعادته إلى محله إذا اختار المجني عليه ذلك. فكذلك استيفاء القصاص يحصل بمجرد الإبانة، ولا يمنع ذلك أن يعيد الجاني عضوه إلى محله. بخلاف إبانة العضو في الحد، فإنه ليس مقابلا لضرر مماثل، وإنما هو مقدر من الله تعالى عقوبة ابتدائية، وحيث قد فرض الله قطع اليد أو الرجل فليس المقصود منه فعل الإبانة، وإنما المقصود إبانته لتفويت منفعته على الجاني، ولو أجزنا للجاني أن يعيده مرة أخرى، فإن ذلك تفويت لمقصود الحد.
٤٤ - فالنظر في المسألة موقوف على أن المقصود من الحد هل هو إيلام الجاني بفعل الإبانة فقط، أو المقصود تفويت عضوه بالكلية؟ وعلى الأول تجوز الإعادة، وعلى الثاني لا تجوز. ولكل من الاحتمالين دلائل. ولا يجب علينا القطع بأحدهما الآن، لكون المسألة غير متصورة الوقوع حتى اليوم. ولئن وقعت فسيشرح الله تعالى صدر الفقهاء حينذاك بما فيه رضاه إن شاء الله تعالى.
د. محمد تقي العثماني
стр. 9375
زراعة عضو استؤصل في حد
إعداد
فضلية الشيخ
محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ
عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للأولين والآخرين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد:
من البدهي شرعاً وعقلاً أن الحدود الشرعية والقصاص إنما شرعت زجراً وتنكيلاً لذوي النفوس الشريرة والأخلاق السيئة عن ممارسة الجرائم وارتكاب الفواحش حتى يعيش المجتمع الإنساني في سلامة وأمن واستقرار في الأرواح والممتلكات والأعراض، وحتى يكون الجزاء عادلاً في موجبات الحدود والتشفي كافياً في موجبات القصاص فتنقطع العداوة وتنحسم الضغائن والأحقاد التي تسبب الإقدام على قتل الأبرياء جزافاً كما كانت عليه الجاهلية قبل الإسلام. قال فضيلة الشيخ عبد الرحمن الجزيري: إن من الناس من لا يردعهم عقل ولا يمنعهم الحياء ولا تزجرهم الديانة ولا تردهم المروءة والأمانة فلولا الزواجر الشرعية من القطع والصلب ونحوهما لبادروا إلى أخذ الأموال مكابرة من أصحابها على وجه المجاهرة أو خفية على وجه الاستسرار وفيه من الفساد ما لا يخفى فناسب شرع هذه الزواجر في حق المستسر والمجاهر في سرقتي الصغرى والكبرى حسما لمادة الفساد وإصلاحاً لأحوال العباد (١)
стр. 9376
وعلى هذه الحكمة العادلة في تشريع الحدود والقصاص دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي وردت في القصاص والحدود مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٣] وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨] . ومثل قوله تعالى في القصاص: ﴿يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [سورة البقرة: الآية ١٧٨: ١٧٩]
ومن الأحاديث:
ما روى البخاري: عن عروة عن عائشة ((أن النبي ﷺ قطع يد امرأة. قالت عائشة وكانت تأتي بعد ذلك , فارفع حاجتها إلى النبي ﷺ فتابت وحسنت توبتها.))
وروى الترمذي: عن عبد الرحمن بن محيريز قال: ((سألت فضالة بن عبيد عن تعليق اليد في عنق السارق أمن السنة هو؟ قال أتى رسول الله ﷺ بسارق فقطعت يده ثم أمر بها فعلقت في عنقه)) . رواه الخمسة إلا أحمد وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف لكن الترمذي حسنه وأخرج أن علياً ﵁ قطع يد سارق فمروا به ويده معلقة في عنقه.
قال الشوكاني في "نيل الأوطار" معلقاً على الحديث الآنف الذكر: فيه دليل على مشروعية تعليق يد السارق في عنقه لأن في ذلك من الزجر ما لا مزيد عليه، فإن السارق ينظر إليها مقطوعة معلقة فيتذكر السبب لذلك وما جره إليه ذلك الأمر من الخسارة بمفارقة ذلك وكذلك الغير يحصل له بمشاهدة اليد على تلك الصورة من الانزجار ما تنقطع به وساوسه الرديئة. وختاماً للبحث أنقل للقارىء الكريم تعليقات بعض المفسرين على قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨] ، أؤيد بها رأيي في عدم جواز زراعة العضو المقطوع بحد أو قصاص، قال الإمام محمد رشيد رضا في تعليقه على الآية: هذا تعليل للحد أي اقطعوا أيدهما جزاء لهما بعملهما وكسبهما السيىء ونكالا وعبرة لغيرهما فالنكال مأخوذ من النكل وهو بالكسر قيد الدابة ونكل عن الشيء عجز عنه أو امتنع صرفه عنه فالنكال ما ينكل الناس عنهم عن أن يسرقوا، ولعمر الحق أن قطع اليد الذي يفضح صاحبه طول حياته ويسمه بميسم الذل والعار وهو أجدر العقوبات بمنع السرقة وتأمين الناس على أموالهم وكذا على أرواحهم لأن الأرواح كثيراً ما تتبع الأموال إذا قاوم أهلها السراق عند العلم بهم: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، فهو غالب على أمره حكيم في صنعه وفي شرعه فهو يضع الحدود والعقوبات بحسب الحكمة التي توافق المصلحة (١)
وقال ابن كثير في التعليق على قوله تعالى: ﴿جزاء بما كسبا نكالا من الله﴾ أي مجازي على صنيعهما السيىء في أخذهما أموال الناس بأيديهم فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك نكالا من الله أي تنكيلاً من الله بهما على ارتكاب ذلك (٢)
стр. 9377
وقال الطبري في التعليق على قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية، لا ترثوا لهم أن تقيموا فيهم الحدود فإنه والله ما أمر بأمر قط إلا وهو صلاح وما نهى عن أمر قط إلا وهو فساد (١)
وقال محمد بن علي الصابوني في التعليق على قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية، وهذه العقوبات تعتبر بحق رادعة زاجرة تقتلع الشر من جذوره وتقضى على الجريمة في مهدها وتجعل الناس في أمن وطمأنينة (٢) واستقرار. قال فضيلة الشيخ محمد حسنين مخلوف في التعليق على قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٦٦] .
يقال نكل به تنكيلاً إذا صنع به صنيعاً يحذر غيره والاسم النكال وهو ما نكلت به غيرك وأصله من النكل وهو القيد الشديد واللجام لكونهما مانعين وجمعهما أنكالا وسميت العقوبة أنكالا لأنها تحذر غير من نزلت به ارتكاب ما أوجبها (٣)
وقال الدكتور محمد محمود حجازي: حد الله هذا الحد جزاء للسارق ونكالا للغير ومنعاً له حتى لا يقع في مثل ما وقع فيه، فإن قطع اليد ميسم الذل والعار الذي لا يمحى أبداً والله عزيز لا يغالب في كل ما سنه لنا من قوانين (٤)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه " السياسة الشرعية ": وأما السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية، ولا يجوز بعد ثبوت الحد عليه بالبينة أو الإقرار تأخيره لا بحبس ولا مال يفتدى ولا غيره، بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها فإن إقامة الحدود من العبادات كالجهاد في سبيل الله، وينبغي أن يعرف أن إقامة الحد رحمة من الله بعباده فيكون الوالي شديداً في إقامة الحد لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات لا إشفاء غيظه وإرادة العلو على الخلق بل بمنزلة الوالد إذا أدب ولده فإنه لو كف عن تأديب ولده كما تستر به الأم رقة ورأفة لفسد الولد وإنما يؤدبه رحمة وإصلاحاً بحاله مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجام وقطع العروق بالفصاد ونحو ذلك، بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة فكذلك شرعت الحدود وهكذا ينبغي أن تكون نية الوالي في إقامتها، فإن من كان قصده صلاح الرعية والنهى عن المنكرات بجلب المنفعة لهم ورفع المضرة عنهم وابتغاؤه بذلك وجه الله تعالى وطاعة أمره لأن الله له القلوب وتيسرت له أسباب الخير وكفاه العقوبة اليسيرة وقد يرضى المحدود إذا أقام عليه الحد، وأما إذا كان غرضه العلو عليهم وإقامة بأسه ليعطوه أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال انعكس عليه مقصوده. اهـ. بهذه التعليقات أعود فأؤكد رأيي أنه لا تجوز الرأفة بالجاني والعطف عليه بإعادة عضوه الذي قطع حداً أو قصاصاً. وبالله التوفيق.
الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ
стр. 9378
زراعة عضو استؤصل في حد
إعداد
فضيلة الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي
الأستاذ بكلية الشريعة – جامعة دمشق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد:
فهذا بحث اجتهادي محض يحتمل الصواب والخطأ حول "زراعة عضو استؤصل في حد، مثل إعادة اليد بعد قطعها في حد السرقة أو إعادة أي عضو قطع في قصاص". وهو موضوع جديد معروض على بساط البحث والاجتهاد تثيره بعض الجهات العلمية التي تأثرت بما آل إليه التقدم الطبي في زراعة الأعضاء والغدد التناسلية وخلايا الجهاز العصبي وبخاصة المخ.
فهل يجوز شرعاً إعادة يد قطعت في حد سرقة أو حرابة أو أي عضو آخر كالسن والعين والأذن واليد والرجل قطع في قصاص؟.
وبما أن هذه مسألة مستجدة لا نجد لها نظيراً في المسائل الفقهية القديمة لدى علمائنا، فإن الكلام فيها مجرد اجتهاد محض يحتمل الإقرار والقبول أو الرفض والنقد والاستنكار من العلماء المعاصرين.
ووجود أي من الاحتمالين لا يمنعنا من أن نقول كلمتنا في المسألة المعروضة في الواقع القائم، وليس مجرد مسألة افتراضية، وكل ما يجد يحتاج إلى حكم شرعي، فما من مسألة إلا وللإسلام حكم فيها إما بالتحليل أو التحريم كما قرر الإمام الشافعي ﵀ وغيره.
ويتبين الحكم الاجتهادي لدي من خلال النصوص الشرعية الواردة في الحدود والقصاص، وفي ضوء الحكمة التشريعية للعقوبة، وعلى هدي ما قرره علماء الأصول في دلالة الأمر على المرة الو احدة، وبالاعتماد على القواعد الشرعية وأصول الاستدلال من الاستحسان والمصالح المرسلة الضرورية أو الحاجية مع مراعاة مقتضيات مبادىء السياسة الشرعية وطرق إثبات موجب الحد وهو الجريمة من سرقة أو اعتداء وغيرهما.
стр. 9379
أما النصوص الشرعية الواردة في إيجاب الحدود وفرضية القصاص فهي معروفة، أذكر منها على سبيل المثال النص الوارد في القرآن الكريم بتشريع حد السرقة، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة: الآيتان ٣٧، ٣٨] .
كما أذكر النص الوارد في القصاص، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: الآيتان ١٧٨، ١٧٩] .
وكان القصاص أيضاً مقرراً مشروعاً في شرائع من قبلنا كشريعة اليهود في التوراة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٥] .
وأما الحكمة من تشريع الحدود والقصاص فهي زجر الناس وردعهم عن اقتراف الجريمة، وصيانة المجتمع عن الفساد والانحراف، والتطهر من آثار الذنب والمعصية أو الفاحشة. ويؤكد الفقهاء جميعاً هذه الحكمة، ويقولون في كتبهم: شرع الحد زاجراً لا متلفاً ويتحقق الانزجار في السرقة بتفويت اليد (١) وسميت الحدود حدوداً لمنعها من ارتكاب الفواحش (٢) قال ابن تيمية: "من رحمة الله أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال والقتل والجراح والقذف والسرقة.
стр. 9380
فأحكم وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع، فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل، ولا في الزنى الخصاء، ولا في السرقة إعدام النفس، وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه وصفاته من حكمته ورحمته، ولطفه وإحسانه وعدله، لتزول النوائب، وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان ويقتنع كل إنسان بما آتاه مالكه وخالقه، فلا يطمع في استلاب غيره حقه" (١)
وقال الماوردي: الجرائم محظورات شرعية، زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير (٢)
وأما آراء الأصوليين في دلالة الأمر، فإنهم قرروا أن تنفيذ الأمر يتحقق بامتثال مضمونه مرة واحدة، سواء عند الحنفية والحنابلة القائلين بأن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، وإنما يدل على مجرد طلب ماهية الفعل المأمور به وإيجاده من غير إشعار بمرة أو تكرار، فيبراً بالمرة، ويحتمل التكرار (٣) أو عند أكثر المالكية وأكثر الشافعية القائلين بأن الأمر يدل على المرة الواحدة لفظاً ويحتمل التكرار، لأن امتثال المأمور به يحصل بالمرة، فيكون لها (٤)
فإذا نفذ الحد أو القصاص، فقطعت يد السارق مثلاً، واقتص من الجاني بمثل جنايته، فقد تحقق الأمر القرآني، وبرىء الحاكم مما يجب عليه بالإجماع من تطبيق الحد على الجناة، ولا يطالب بمتابعة الجاني أو ملاحقته بعدئذ لينظر ماذا يفعل في يده أو بأي عضو من أعضائه فمثل تلك المتابعة أو المراقبة غير مطلوبة شرعاً، ولم يشر إليها أحد من الفقهاء.
стр. 9381
ثم إن القواعد والضوابط والشرائط الشرعية لا تعنى بغير ضرورة التثبت من توافر شروط إقامة الحد والقصاص، ومراعاة مبدأ التكافؤ والمماثلة دون زيادة أو جور، ومنع من تعاقب واستمرار الأضرار التي قد تؤدي إلى الهلاك أو الموت نتيجة تطبيق الحد؟ لأن الحد شرع للزجر لا للإتلاف، كما بينا، لذا أمر النبي ﷺ بحسم محل القطع وأوجب حسم ما قطع، والحسم: الكي بالنار، فقال فيما أخرجه الحاكم والبزار من حديث أبي هريرة ﵁: ((اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه)) (١) والحسم دواء وإصلاح يتحرز به عن الإتلاف (٢) فيكوى بالنار محل القطع لينقطع الدم، لأن منافذ الدم تنسد، وإذا ترك فربما استرسل الدم، فيؤدي إلى التلف.
وينوب شرعاً العلاج الحديث الذي يمنع نزيف الدم مناب الكي بالنار، لأن المراد تحقيق غاية معينة، وهي قطع الدم ومنع النزيف، فبأي وسيلة تحقق الغرض، جاز ذلك شرعاً، لأن الله تعالى أمر بالإحسان في كل شيء.
وإذا كانت الغاية من الحسم هي الدواء والعلاج لقطع النزيف الدموي، فلا يكون المراد منه استئصال اليد أو العضو بحيث لا يمكن إعادة اليد مثلاً إلى موضعها إذا توافرت شروط معينة.
والاستحسان والمصلحة الضرورية أو الحاجية وغيرها من أصول الاستدلال لا تمنع من القول من إعادة اليد، بحجة مصادمتها للنصوص الشرعية، لأن إعمال النص قد تحقق بقطع اليد أو بالقصاص، وما وراء ذلك يكون على أصل الإباحة، والأصل في الأشياء النافعة الإباحة، وفي الأشياء الضارة المنع أو الحظر، ولا شك بأن إعادة اليد أمر نافع نفعاً محضاً لصاحبها، بعد أن ذاق وبال أمره، ونكل به، وتم التشهير بجريمته أمام ملأً من الناس.
ومبادىء السياسة الشرعية التي هي التدابير الممنوحة للحاكم لفعل ما يراه محققاً لمصلحة عامة، أو معالجة أمر مؤقت، لا تمانع من إعادة اليد إذا كان ذلك علاجاً لحالات معدودة، وليست ظاهرة عامة تؤدي إلى تجرؤ اللصوص والمحاربين (قطاع الطرق) والجناة على ارتكاب الجرائم، وهم في مأمن من آثار العقاب، إذ سيجدون الوسيلة أو الذريعة إلى إعادة ما قطع أو بتر أو هشم أو جدع أو قلع أو كسر لأنه إذا استمرأ الجاني فعله، وهان عليه اللجوء إلى الجريمة واستسهل العقاب، ورأى أمامه الحيلة الطبية في ترميم ما فقد منه، وجب حينئذ سد الذرائع وإقفال الباب أمامه، وأصبح غير مستحق للمعاملة الإنسانية الكريمة على الدوام.
стр. 9382
والحكم الاجتهادي لإعادة اليد ونحوها يختلف بحسب نوع طريق إثبات الجريمة، فإذا ثبت الحد بالإقرار، جاز القول بلا شك بإعادة اليد ونحوها، وإذا ثبت بالشهادة وكان الحد من حقوق العباد أو الآدميين، لم يجز القول بإعادة اليد، أما إن كان الحد من حقوق الله تعالى المحضة، فربما كان القول بجواز إعادة اليد أمراً مقبولاً اجتهاداً؛ لأن حقوق الله مبنية على المسامحة والإسقاط والرحمة والإشفاق.
الرأي الاجتهادي في الموضوع:
لا بد في تقديرنا من التفرقة بين حقوق العباد وحقوق الله تعالى.
(أ) ففي حالة استيفاء القصاص من طرف أو عضو كالعين واليد، لا أرى القول بجواز إعادة العضو إلى مكانه بعملية جراحية إلا إذا أذن المجني عليه ورضي بذلك، وعفا عن الجاني، لأن الغالب في القصاص كونه من حقوق العباد (الأشخاص) . والقصاص هو المماثلة، ويشترط فيه المماثلة بين الجناية والعقوبة في أمور ثلاثة: التماثل في الفعل، والتماثل في المحل (الموضع والاسم) والتماثل في المنفعة (أو الصحة والكمال) (١)
فالمساواة في المحل أثناء العقوبة مطلوبة في قصاص النفس والأطراف والأعضاء، ولا ينظر إلى التفاوت بين العضوين في الصغر والكبر.
وعدم مراعاة المماثلة أو المساواة يفتح باب الغيظ والحقد والثأر والانتقام، أو الاعتراض والنقد الجارح، لمجافاة العدالة والمساواة بين الجاني والمجني عليه. وإذا كان الحال هكذا فلا يعقل أن يظل المجني عليه بعين واحدة أو يد واحدة مثلاً، لتعذر إعادتها بسبب ظروف الجناية وقسوتها وتمزق أوصال العضو وتبدده يميناً وشمالاً، ثم يتمكن الجاني بعد القصاص من إعادة عضوه إلى مكانه الطبيعي، والمجني عليه ينظر ويحملق إليه بعين ملؤها الغضب والغيظ، وتحدثه نفسه بالتشفي والانتقام.
стр. 9383
أما إن عفا المجني عليه مجاناً أو بعوض بعد القصاص، جاز للجاني المبادرة إلى إجراء عملية جراحية تعيد له ما قطع أو اقتص منه، لأن المجني عليه يملك شرعاً إسقاط القصاص من الأصل، فيملك بطريق الأولى العفو عن الجاني بعد القصاص، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٧] ، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٧٨] ، ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٥] .
(ب) وأما في حال تطبيق حدي السرقة أو المحاربة (قطع الطريق) اللذين هما من حقوق الله تعالى بقطع اليد من الرسغ، والرجل من المفصل، ومراعاة الضوابط والشرائط الشرعية لاستيفاء الحدود، فلا يختلف الرأي لدي بحسب طريق إثبات الحد، ما دام الحد من حقوق الله تعالى المبنية على التسامح والإسقاط.
فإذا ثبت موجب الحد أي جريمة السرقة مثلاً بالإقرار، وقطعت يد السارق الذي أقر، ثم رجع عن اقراره، جاز له بلا شك أن يعيد يده إلى موضعها بعمل جراحي، لأنه يجوز شرعا الرجوع عن الإقرار قبل البدء بالحد وفي أثنائه وبعد تنفيذه ليتلافى الآثار المعنوية الناجمة عن تطبيق الحد، بدليل أن النبي ﷺ حينما هرب ماعز عند رجمه من أرض قليلة الحجارة إلى أرض أخرى قال لصحابته.: ((هلا تركتموه، لعله أن يتوب، فيتوب الله عليها)) (١)
стр. 9384
بل يستحب شرعاً للحاكم تلقين الرجوع عن الإقرار كما فعل النبي ﷺ مع ماعز حينما أقر أمامه في المسجد قائلاً له: ((لعلك مسستها أو لعلك قبلتها)) (١)
وفي السرقة روى يزيد بن خصيف ﵁ قال: ((أتي النبي ﷺ بسارق، فقال: أسرقت ما أخاله سرق)) ؟ فقال: نعم، قال رسول الله ﷺ : ((اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به، ففعلوا به ذلك، فقال: تب إلى الله، فقال: تبت إلى الله تعالى، فقال: اللهم تب عليه)) (٢)
قال السرخسي في المبسوط: وفيه دليل على أن الإمام مندوب إلى الاحتيال لدرء الحد، وتلقين المقر الرجوع، ويدل عليه: ما رواه عن أبي الدرداء أنه أتي بسارق أو بسارقة فقال: أسرقت؟ قولي: لا. وعن ابن مسعود ﵁ أنه أتي بسوداء يقال لها سلامة، فقال: أسرقت؟ قولي: لا، قالوا: أتلقنها؟ قال: جئتموني بأعجمية لا تدري ما يراد بها حين تفسر، فأقطعها؟!.
وفيه دليل أيضاً على أن المقر بـ السرقة إذا رجع درىء عنه الحد، وأن الرجل والمرأة في ذلك سواء.
وفيه دليل على أن القطع للزجر، لا للإتلاف، لأنه أمر بالحسم بعد القطع، وهو دواء وإصلاح يتحرز به عن الإتلاف.
وفيه دليل على أن التطهير من الجريمة لا يحصل بالحد إذا كان مصراً على ذلك، ولأنه خزي ونكال، وانما التطهير والتكفير به في حق التائب، فإنه دعاء إلى التوبة بقوله ﷺ : ((تب إلى الله)) (٣)
стр. 9385
والخلاصة:
أن إعادة اليد تعد رجوعاً عن الإقرار.
وأما إذا ثبت موجب الحد (الجريمة) بالشهادة فيجوز في رأيي - والله أعلم – إعادة اليد أيضاً إذا تاب السارق أو المحارب، وكان الحد من حقوق الله تعالى كحد السرقة (١) والحرابة والزنا والردة، وكانت حالات الإعادة قليلة أو نادرة، حتى لا يتجرأ الجناة على الجرائم والفواحش فإذا كثرت الجرائم بحيث صارت الجريمة ظاهرة فاشية فلا نجيز إعادة اليد أو العضو سداً للذرائع، وعملاً بمبدأ السياسة الشرعية التي تعالج فوضى مؤقتة، أو أمراً زمنياً طارئاً. ويجب عند الجمهور غير الحنفية إعادة المال المسروق إلى صاحبه. فهذه شروط أربعة لإعادة اليد إذا ثبتت الجريمة بشهادة الشهود.
وأدلة الجواز في هذه الحالة هي ما يأتي:
ا - لقد تم إعمال النص الشرعي الآمر بالحد بمجرد القطع أو البتر فيبقى ما عدا ذلك على أصل الإباحة الشرعية، فيمكن الاستفادة في عصرنا من معطيات التقدم الطبي العلمي، أما في الماضي فكان يظل موضع أثر القطع قائما على ما هو عليه، وهو مجرد أمر واقع لا يحتج به، كما لا يحتج بالوقائع التي لم تتعلق بها نصوص شرعية. قال السرخسي مبيناً مذهب الحنفية في أنه لا يجمع بين الحد وضمان المال المسروق، وقوله يفيدنا في بيان مدى إعمال النص:
قوله ﵎: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ فقد نص على أن القطع جميع موجب فعله؛ لأن في لفظ الجزاء إشارة إلى الكمال، فلو أوجبنا الضمان معه، لم يكن القطع – قطع يد السارق – جميع موجب الفعل، فكان نسخاً لما هو ثابت بالنص. أقول: وهذا عملاً بالقاعدة المقررة عندهم "عدم جواز الزيادة على النص إلا بقرآن أو بمكافىء للقرآن من الحديث المتواتر والمشهور".