الشيخ أحمد البازيع ياسين:
بسم الله الرحمن الرحيم , الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين الأتقياء الأنقياء وصحابته الكرام البررة ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وبعد.
أنا أود أن أبين بالنسبة ما أعرفه عن الأمية عندما يصف الله نبيه بالنبي الأمي, هذا كمال للمصطفى ﷺ وليس انتقاص. ولما يصف أمته ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ بالأميين هذا كمال أيضا وليس انتقاص. لأن بالرغم من أن محمدا ﷺ نبي أمي إلا أنه عندما نزل عليه الذكر الحكيم وأوحى إليه الله سبحانه تعالى مكنه من أن يقود العالم ولم تكن قيادته للعالم أو هدايته ﷺ آتية له من فلسفة يونانية أو شرقية أو غربية, إنما هو معجزة الله الدائمة وهو القرآن. والأميون كذلك حملة القرآن إذا حملوه لا شك بأنهم يسودون العالم, وهذا ما أعتقد أنها دليل بالنسبة إلى ما ذهب إليه أستاذنا أو علة للحساب. ثم أن في وقت المصطفى ﷺ فيه محاسبين. ثم الأمر الثالث عندما يكون الفقهاء إذا كان هناك نص من كتاب وسنة فلا اجتهاد, لماذا نكلف أنفسنا ما لا نطيق ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ . فما دام هناك نص ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)) . فلماذا نكلف أنفسنا في غير ذلك.
إنما أود أن أبين نقطة وهي قد لا تكون متوفرة في زمن المصطفى ﷺ . وهي نقطة وصول الأخبار. الآن الكرة الأرضية كما تعلمون صغيرة, لأن الواحد في أي مكان يستطيع أن يصل بالتليفون وبالتلكس أو بالبرقية إلى سائر أقطار المعمورة. ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ . هذا نص من كتاب الله فإذا اتحدت الأمة في صيامها وفي فطرها فهذا شئ جميل وشيء مرغوب فيه وشيء مدعو له. وأيضا أبين عن الحساب, إنما يعتري الحساب الخطأ, إذ مجرد ما نقول حساب, فالحساب يعتريه الخطأ, كما يعتريه الصواب. ثم إذا قلنا أن الحساب منبثق من محاسبين, المحاسب أيضا يعتريه ما يعتري الشاهد. إذا قلنا أن في الشهود قد يكون هناك مدلسين أو مزورين, إنما قد يكون في الحساب محاسبين نفس الشئ. إنما الذي يظهر لي ما دام أن الأمة الإسلامية ولله الحمد متجهة إلى توحيد شئونها وأمرها وأن المشكلة ليست مشكلة مطالع واتحاد بل مشكلة اختلافات في الآراء أو ربما في السياسات, إذا كان والحمد لله الاختلافات ما هي موجودة من الممكن أن يقترح مجمعكم تكوين هيئة رؤية شرعية, تجتمع هذه الهيئة في أي مكان ترى, وليت تجتمع في مكة المكرمة , تستعين هذه الهيئة بالرؤية وتستعين بالمرصد وتستعين بالحساب.
стр. 947
فهذه الأمور الثلاثة, الوسائل الرؤية أولا, ثم إذا تعذرت الرؤية (غم عليكم) , إذا كان ممكن في الحساب أو إذا كان في المرصد كما قال أخوانا أنه في الحقيقة رؤية, إنما مكبرة, هذه بالعين المجردة وهذه بوسيلة تكبر الرؤية, ثم الحساب يأتي درجة ثالثة حسب رأيي. إذا كان من الممكن أن نقترح هذا حتى يخرج اجتماعنا بشيء عملي وأنا في الحقيقة لست فقهيا وإنما كواحد من عامة الناس ينشرح صدري وأستر سرورا عظيما بالغا عندما يقول: صام المسلمون في يوم واحد وأفطر المسلمون في يوم واحد. ثم ((صوموا لرؤيته)) هل هذا الأمر موجه فقط لأهل المدينة أو للأمة الإسلامية عموما، للأمة الإسلامية عموما من نبي الأمة عموما، إذن لو كان النبي ﷺ في مقدوره أن يصل إلى هذا العلم إلى العالم كله في وقته ﷺ ، والكرة الأرضية كلها مسلمة هل يقول لأهل المدينة: ((صوموا)) ولا يقول لأهل أمريكا ((صوموا)) عندما يقول ((صوموا لرؤيته)) الأمة الإسلامية على الكرة الأرضية كلها أمة إسلامية مثلا رئيسها واحد، ثم يقول الرسول ﷺ ((صوموا لرؤيته)) يعنى هذا الخطاب موجه لمن؟ للأمة عموما أو لكل منطقة على حدة ... ؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
الشيخ رجب التميمى:
بسم الله الرحمن الرحيم.. أود في كلمتي أن أحدد مسألة هامة وردت في أقوال الإخوة العلماء وهي مسألة إثبات شهر رمضان أو شوال أو ذي الحجة، الشهور التي تتعلق بها عبادات. أولا، الرسول ﷺ قد بين لنا في الحديث الشريف الذي لم يعارضه المسلمون ولم يختلف أحد من المسلمين على صحته ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فأن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما)) هذا الحديث الشريف هو قول الرسول ﷺ والرسول لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . فهذا الحديث وهذا الأمر هو وحي يوحى، فهذا الحديث وهذا الأمر هو وحي من الله لا يجوز لنا أن نجتهد فيه لأنه لا اجتهاد في مورد النص، لأن العبادة متعلقة بالرؤية كما أمر الرسول، لا بالحساب.
стр. 948
وهنا أود أن أذكر شيئا، أن الحساب الفلكي لم يصل حتى الآن في تحديد الأشهر القمرية. مثلا، الأشهر القمرية شهر ٣٠ وشهر ٢٩ فيه شهرين يأتوا ٢٩ وراء بعض، كما درست في علم الفلك في الأزهر الشريف فهمت أن تحديد الشهر كونه ٣٠ أو كونه ٢٩ لم يصل إليه الفلك. كذلك لم يصل الحساب الفلكي إلى معرفة الشهرين اللذين هما ٢٩ وراء بعض إلا بالرؤية أما بالحساب فلم يصل ذلك قد درست هذا، والعالم والحساب الفلكي في الأشهر القمرية العربية هو حساب ظني، لكن الرؤية قطعية لا مجال للاختلاف فيها والرسول ﷺ شرع لنا ذلك في عباداتنا. لا يجوز أن نقول إننا ننطلق إلى الحساب، لا بأس من أن نسترشد بذلك على أساس أنه ليس حكما شرعيا لأننا مقيدون بالأحكام الشرعية التي وردت في الكتاب السنة والأصول التي اتفق عليها الفقهاء.. أما قول الأمية، الله يقول في كتابه العزيز ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . تأمرون بالمعروف أي تفيضون على العالم بالعلم والحكة لتخرجوه من الظلمات إلى النور. فقول الرسول ﷺ : ((إننا أمة أمية)) بمعنى أن هذه الأمة الأمية ستقود العالم إلى الخير وإلى العلم وإلى المعرفة، فهي كلمة فيها إعجاز، كرامة لهذه الأمة التي تبدل العالم من ظلم إلى عدل إلى رحمة إلى تقدم إلى فضل إلى كمال، هذه هي الأمة الأمية وليست علة أنها أمة "كذا وكذا" ولا تعرف أن تبدأ الشهر القمري، هذا كلام لا يقال، البدء بالشهر القمري الرؤية وحي من الله ولن يستطيع العلم ولن يستطيع الحساب الذي قلتم عنه إنه قطعي، أقول إنه ظني ولم يصل حتى الآن في تحديد الأشهر القمرية ولا معرفة الشهر ٣٠ من الشهر ٢٩ أو الشهرين ٢٩ وراء بعض واسألوا بذلك علماء الفلك، فكلهم يطلع علينا بالمفكرات المتناقضة، يحسبون مقدما ثم يختلفون في المفكرات، لا تكون مفكرة مثل الأخرى لأن الحساب العلمي لم يصل إلى درجة القطع في الشهور القمرية لأنه لأمر أراده الله أن تكون الأشهر القمرية ثبوتها بالرؤية وتعلق الصوم والعبادات بها وبناؤها على الرؤية، وهذا أمر لا يجوز لنا أن نجتهد فيه ولا يجوز لنا أن نسمع، فيه حكا شرعيا مادام الحكم (إن غم) بسبب الأحوال الجوية نكمل ثلاثين يوما وانتهي الأمر.. هذا من ناحية إثبات الأهلة.. شيء واضح لم يختلف فيه العلماء بالرؤية من عهد رسول الله ﷺ حتى يومنا هذا. الأمة الإسلامية كانت أعلم الأمم تقود العالم بالعلم في العصور الماضية، في العصر العباسي وفى الأندلس ما جاء واحد من العلماء وقال نحن كنا أميين وصرنا علماء إذن بودنا نحى الرؤية، هذا أمر لا يقوله مسلم أبدا.
الناحية الثانية: هي ما اجتمعنا لأجله وهو توحيد الشهور القمرية.. طبعا كما ذكر إخواني العلماء المطالع تختلف وما يثبت في بلد لا يثبت في بلد غيره، أما أن العلماء قد اختلفوا في ذلك وبعضهم يقول: أن اختلاف المطالع لا يؤثر، وهذا حكم قاله الحنفية والحنابلة وفى هذا العصر أن ثبت في بلد في دقيقة واحدة يعلم العالم بهذا الخبر، فيمكن أن نجتهد في توحيد الشهور القمرية حتى يجتمع المسلمون في عباداتهم في صومهم وفى حجهم. طبعا الحج هو العبرة بثبوت الرؤية في مكة المكرمة وفي بلاد الحجاز لأنها إذا ثبتت وجب على المسلمين جميعا أن يقوموا بذلك وأن يحجوا في اليوم التاسع حسب ثبوت الهلال في البلاد الحجازية هذا أمر لم يختلف فيه العلماء أبدا، لكن لا مانع من أن نجتهد في توحيد الشهور القمرية حتى يتحد المسلمون، وإن لم نجمع على ذلك من عظمة الإسلام ومن كرامة الإسلام الاختلاف وليس فوضى أبدا، هذا من عظمة الإسلام، اختلاف المطالع والصوم ليس فيه فوضى أبدا. ويجب حينما نتكلم عن أحكامنا وعما ثبت في أحكامنا أن نتكلم بالاحترام والتقديس لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .. وشكرا لكم.
стр. 949
الشيخ الصديق الضرير:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وسائر الأنبياء والمرسلين. وبعد.
أولا أود أن أقول أن فضيلة الشيخ رجب قد قال كثيرا مما في نفسي ولكن لابد أن أقوله تأكيدا. هذا الموضوع في رأيي يتطلب الحديث في مسألتين.. المسألة الأولى ثبوت الهلال أو إثباته ولا فرق عندي بين الثبوت والإثبات، هل يكون بالرؤية ولا يصح الاعتماد على الحساب أم يجوز أن نعتمد على الحساب، هذه هي المسألة الأولى.. والمسألة الثانية: هي ما يسميه الفقهاء قديما باختلاف المطالع لأن في رأيي أن البت في المسألة الأولى يؤثر تأثيرا كبيرا على بحث المسألة الثانية. ولهذا أنا كنت أول الأمر أردت أن أقترح أن ينحصر الكلام في المسألة الأولى، لأنه إذا انتهينا فيها إلى رأي هذا سيوصلنا بسهولة إلى البت في المسألة الثانية إذا انتهينا إلى أن الاعتماد على الحساب المسألة ستكون يسيرة جدا في موضوع التوحيد. وكذلك سأتكلم الآن عن المسألة الأولى فقط وأرجئ المسألة الثانية إلى فرصة أخرى.
قال المتحدثون الذين من رأيهم الاعتماد على الحساب: أن شهادة الشهود محتملة للخطأ ومحتملة للكذب إلى آخر ما قالوه. فهي حجة ظنية. نعم أقول معهم إنها حجة ظنية لكن هذا الاحتمال ليس حجة ظنية في إثبات الهلال وحده وإنما هي حجة ظنية في جميع الأحوال وشهادة الشهود يثبت بها ما هو أخطر من إثبات الهلال (هي تؤخذ في الدماء) فكيف نراها لهذه الاحتمالات هذه مجرد احتمالات، والواجب على من يتولى الأمر إثبات الهلال أو إثبات أي دعوى أخرى فيها شهود.
стр. 950
الواجب عليه أن يتحرى ويتثبت في أن هؤلاء الشهود عدول وأن يتخذ كل الطرق التي يصل بها إلى ما تطمئن به نفسه إلى أن هذه الشهادة حقيقة بحسب اجتهاده. هذه مسألة مفروغ منها، فشهادة الشهود وإن كانت ظنية فهي مقبولة من غير خلاف، فقد يقول قائل: وجدنا ما هو أثبت منها، وهذا ما قالوه. قالوا: أن الحساب الفلكي قطعي، وهذه ظنية، والقطعي مقدم على الظني نقول لهم: نعم، ولكن لا نسلم بأن الحساب الفلكي قطعي ولا قريب من القطعي كما قال بعض الإخوة. والدليل عندي الآن في هذا اليوم نحن الآن هنا اليوم الرابع عشر من شهر ربيع الآخر وفي السودان في اليوم الثالث عشر من شهر ربيع الآخر والتقويم موجود هناك وموجود هنا وكلاهما معتمد على الحساب الفلكي فأي الحسابين صحيح، ليس هذا في السنة التي حصل فيها الخلاف وندد فيا زميلنا وأظنه قد خرج وسخر من الذين صاموا ٢٨ يوم كانت النتائج تختلف على ثلاثة أيام وهذا شاهدته بنفسي وعندي هذه النتائج كلها معتمده على الحساب الفلكي، فكيف نقول: أن الحساب الفلكي يقيني. هذه مسألة مشاهدة. وأحب أن أقف قليلا لأعلق على رمضان الذي جعل فبراير لأني أنا صمت هذا رمضان ذلك ٢٨ يوم ولكني قضيت يوما وصام معي عدد كبير من السودانيين بناء على فتوى صدرت من مجلس الإفتاء وأنا أحد أعضائه عندما سمعنا بأن الهلال ثبت في السعودية وكان ذلك قبل الفجر فأصدرنا فتوى بأن هلال شوال ثبت وعليكم أن تفطروا في هذا اليوم وتقضوا يوما لأنه تبين مادام ثبت الهلال ومعروف عند جميع المسلمين أن الشهر لا يكون ٢٨ يوما إما ٢٩ أو٣٠ فأفتينا بأن يفطر المسلمون في السودان لأنه ثبت أن هذا اليوم عيد ولا يجوز الصوم يوم العيد وعليهم أن يقضوا لأنه تبين أنهم تركوا يوما في أول شهر رمضان، هذا هو ما حدث بالنسبة لمسألة ٢٨ يوما ولا يصح أن يندد بها ويسخر منها وليست هذه المسألة أول ما حصلت.
هذا حصل حتى في العصر الأول على ما أذكر حصل مثل هذا، فأعود إلى موضوع الحساب الفلكي ومسألة الظنية والقطعية، هو واضح أن كلا الطريقين طريق ظني إلى الآن على الأقل، الحساب الفلكي ظني، إذن لم نترك ظني إلى ظني؟ نترك ظني ثبت كما قال الإخوة ولا أريد أن أدخل في هذا. ثبت بالحديث الصحيح الأمر بالرؤية وأن الثبوت يكون بالرؤية، فرأيي هذه المسألة هي في نظري واضحة ولا يصح الاعتماد على الحساب الفلكي وحده. لكن مع ذلك قد أقترب من رأي الأستاذ الزرقاء وأقول وقال هذا الرأي بعض الإخوة أيضا: أن علينا أن نجعل الأصل ونعتمد على الرؤية مع الاستعانة بالحساب الفلكي، وأن نحث البلاد الإسلامية على الاهتمام بالرؤية لأن هذه مسألة واضحة في هذه الأيام. المسلمون لا يهتمون برؤية الهلال بتاتا، أذكر أنه قبل ثلاثين سنة كان اهتمام شديد برؤية الأهلة وفى كل شهر وليس في شهر رمضان فقط. وهذا كاد ينعدم الآن ويمكن في كل البلاد. فيجب أن نحث المسلمين على الاهتمام بالرؤية، رؤية كل شهر مع الاستعانة بالحساب الفلكي. وأعنى بالاستعانة بالحساب الفلكي مثلا الآن في هذا الشهر نريد أن نتحرى هلال شهر ربيع الآخر النتائج تقول ٢٩ يوما والنتيجة الأخرى تقول ٢٨ يوما أتحرى يوم ٢٩ فإن رأيته الحمد لله الرؤية أيدت هذا الحساب الفلكي، لم أره يأتي اليوم الذي بعده وهو ٢٩ بناء على حساب آخر أيضا أتحراه ولا أعتمد ولا أكمل هنا، ولا أقول أكمل ربيع الثاني ٣٠ قياسا على إكمال شعبان لابد أن أتحرى وأنظر فإن رأيته أعتبر أن النتيجة الثانية هي الصحيحة ولا أعتمد على أي من الحسابين الفلكيين.
стр. 951
وهذا رأي في مسألة ثبوت الهلال.. هي باختصار الاعتماد على الرؤية وجعلها هي الأصل مع الاستعانة بالحساب الفلكي.. وأعتقد أن هذه كانت توصية في أكثر من مجمع في هذا الموضوع. أما الموضوع الآخر فأترك الحديث عنه إلى أن يبت في هذه المسألة.
الشيخ عمر جاه:
بسم الله الرحمن الرحيم.. فضيلة الرئيس أريد أن أشير فقط إلى نقطتين من ضمن النقاط التي دار حولها النقاش في هذه المسألة.. النقطة الأولى هي مسألة الحساب العلمي وأنا متفق تماما مع من يميل إلى أن الحساب العلمي لم يصل بعد إلى اليقين الذي لا مجال للشك فيه، هذه حقيقة وكلنا يعرف هذا. ومع ذلك ينبغي أن نعترف أيضا أن الحساب العلمي كأي علم من العلوم تطور. لو وصل هذا العلم إلى ما وصل إليه اليوم في زمن الرسول أعتقد بأن المسألة سوف تختلف، لا ينبغي أن نهمل الحساب العلمى حينما نجتهد في أي أمر يتعلق بحياة المسلمين.. هذه ناحية.
والنقطة الثانية تتعلق بمسألة المطالع وكلنا يعرف أن الشمس تشرق أو تطلع في أقصى القارة في أوقات تختلف، اختلاف الأوقات قد يصل أحيانا إلى تسع ساعات أو أكثر، ومن هنا أريد أن أثنى ما ذهب إليه بعض أصحاب الفضيلة وخاصة الأمين العام للمجمع والدكتور عبد اللطيف الفرفور ومن ذهب إلى ما ذهبوا إليه. ينبغي أن نهتم إذا كنا نسعى إلى توحيد بداية الشهور الإسلامية نهتم بتوحيد المطالع، ومما لا شك فيه أن المطالع طبيعيا لا يمكن توحيدها على الكرة الأرضية كلها، ذلك لأنه ثبت الفرق الزمني بين منطقة والمنطقة ولا يمكن أن نفكر في أن الكرة الأرضية كلها يكون مطلعها واحدا، لكن يمكن كما ذهب الشيخ فرفور وهذه المسألة ليست جديدة أننا نجتهد، ونحدد مناطق جغرافية معينة ننصح أنه إذا ظهر شهر إذا رؤى شهر الهلال في أي منطقة من هذه المناطق ننصح من ينتسب إلى هذا المطلع أن يصوموا اليوم وأنا أيضا أميل إلى قول الشيخ التميمي الذي يقول إنه ليس فوضى أنا لا أرى أن هناك ضيقا من أن المسلمين في أمريكا يصومون في يوم يختلف عن اليوم الذي يصوم فيه المسلمون في جنوب شرق آسيا. هذا طبيعي حقيقة، والذي يهمني والذي يسعدني إنني أرى في دولتين مسلمتين متجاورتين يصومون في أيام مختلفة. أليس هناك ثقة؟ ألا نستطيع أن نضع الطريق ليستطيع المسلم الذي يعيش في دولة مجاورة لمسلم آخر أنه إذا ثبتت رؤية الهلال في هذه المنطقة ينبغي أن نتمسك بها ونصوم؟ لكن هذه هي المسائل العملية التي ينبغي أن نهتم بها فأنا أميل إلى أن اختلاف المطالع شئ واقع، علينا أن نجتهد في توحيد أو في تضييق شقة الخلاف فما يخص، المطالع ولا ينبغي أن نهمل الحساب العلمي إهمالا كليا لأنه ثبت علميا أن هذا العالم أثبت حقائق ملموسة يمكن أن نستعين بها في توحيد هذا المبدأ الذي نميل إليه وشكرا.
стр. 952
الشيخ عبد السلام العبادى:
بسم الله الرحمن الرحيم.. الواقع من مجريات النقاش اتضح أن المشكلة ليست في صيام أحد البلاد الإسلامية اليوم وصيام بلد إسلامي آخر غدا، لأن موضوع اختلاف المطالع يعالجه، لكن القضية في الواقع التي يعانى منها المسلمون في هذه الأيام، هذه الفوضى الواسعة في هذا المجال أن يصل موضوع اختلاف المطالع إلى ثلاثة أو أربعة أيام وهذا لا يرضي أحدا، مع ملاحظة اجتهادات الفقهاء المسلمين وأوضاع المسلمين التمسك بموضوع الرؤية الشرعية، لأن هذه القضية كانت في حديث رسول ﷺ الوسيلة المقررة شرعا للتأكد من دخول الشهر وخروجه لأن القران الكريم كما نعلم جميعا يوجب الصيام على من شهد الشهر، على من حضره وكان مكلفا شرعا عند شهود الشهر. والرؤية هي أداة تقرير دخول الشهر أو خروجه. السؤال الكبير في هذا المجال يتعلق بأمرين الأمر الأول: إذا قام يقين بخطأ شهود معينين جاؤوا للشهادة بأنهم رأوا الهلال هل ترد شهادتهم أم لا ترد؟ هذه قضية. والقضية الأخرى ترتبط بنص الحديث الذي هو أساس تمسكنا بالرؤية وهو أن الخطاب فيه لجميع المسلمين فهل يشترط رؤية جميع المسلمين للهلال أم يكفى رؤية بعضهم وعند ذلك يجب الصيام على جميعهم؟ الحسابات الفلكية التي تصدرها المجامع العلمية المتخصصة تقطع بالتأكيد، هذه قضية لها أصحابها ولها المختصون بها، لا نستطيع نحن بمعلوماتنا المحدودة في هذا المجال أن نقول بأن هذا الحساب ظني، لابد بأن نلتق بأهل الاختصاص وأن نرى مستنداتهم في القطع في هذه المجالات لنقرر أنه قطعي أو غير قطعي، وقد قدمت الدراسات العلمية في هذا المجال حسابات لحركة القمر بالنسبة لحركة الأرض ليس بالثانية ولكن بأقل من الثانية، وما يرى الآن في إطلاق السفن الفضائية وكيف يحسب وصول السفينة الفضائية إلى المريخ بأقل من الثانية متى تصل هذه السفينة، وقضية القطع أرجو أن لا يترك هذا الأمر لغير المختصين الأتقياء الورعين الذين لا يتقولون في هذا المجال، إنما يقولون الحق فما يعتقدون أنه الحق، مادام من خلاصة هذا الكلام أن الأمر منوط بالرؤية الشرعية والخطاب جاء للأمة الإسلامية جميعا وليس لبلد دون بلد، فلابد من تشكيل هيئة لإثبات الرؤية الشرعية وليكن مركزها مكة المكرمة للاعتبارات التي ذكرت وتكون من العلماء الذين تتوافر فيهم الشروط المقررة شرعا لمثل هذه الأمور.
стр. 953
وهى شروط القضاء كما تعلمون، ولها أن تستعين بمن ترى من الخبراء وأن تجري الاتصالات اللازمة بجميع البلاد الإسلامية وبخاصة أن موضوع اختلاف المطالع قضية علمية قضية واقعية وليست قضية فقه لأنه لا نستطيع أن نقول الفقيه الفلاني قد قال بأن اختلاف المطالع أمر جائز إذن أن نقول سلمنا بأن اختلاف المطالع أمر جائز، اختلاف المطالع قضية فلكية، والواقع في هذا الأمر تقدم الدراسات العلمية شيئا يجب أن ينتبه إليه أنه في كل أشهر رمضان مثلا يكون هنالك اختلاف المطالع هي تحسب التولد الفلكي للقمر ثم تحسب إمكانية الرؤية الشرعية ثم تقول: في هذا الشهر الهلال سيرى في ليلة واحدة عند جميع البلاد الإسلامية. وفى شهر آخر في سنة أخرى قد تقول غير هذا، تقول الحسابات الفلكية: أن التولد سيتم للقمر في غرب العالم الإسلامي وهذا يعنى أن شرقه لن يراه في تلك الليلة، فإذن اختلاف المطالع كما يقرر العلماء وهي قضية علمية واقعية، قد يكون في شهر ليس هنالك اختلاف المطالع من شهر رمضان مثلا أو في أي شهر من الأشهر القمرية، وقد يقول في وقت آخر في شهر آخر إنه في هذا الشهر اختلاف المطالع لأن العملية منوطة كما نعلم بتولد القمر بالنسبة لحركته من الأرض وإمكانية رؤيته شرعا. والقمر نظرا لحركته الدائبة حول الأرض وحركة الأرض حول نفسها في إطار حركة القمر حولها فقد تأتى ظروف يكون التولد في وقت من أوقات اليوم وقد يكون التولد في وقت آخر وهذا يرتبط بالليلة التي بعدها وفق إمكانية الرؤية الشرعية وعدد ساعاتها، فإذا كانت ساعاتها تغطى الليلة كاملة عند ذلك يقطع العلماء بأن الهلال يمكن رؤيته شرعا في خلال الليلة القادمة وهذا يعنى أن رمضان يكون في الليلة التي بعدها، ويكون في بعض الحالات وفق هذه الحركة قطع بأن تلك البلاد لا يمكن أن ترى القمر في تلك الليلة، كما قالوا في مستندهم الذي قدموه.
стр. 954
قالوا أن أمريكا في ذلك الشهر وليس في كل الأشهر سوف لن يكون هنالك رؤية، فنعود إلى الخطاب، الخطاب لعموم المسلمين، فهل هنالك ما يمنع شرعا وهو سؤال محدد يمكن للسادة العلماء أن يجيبوا عليه. هل هنالك ما يمنع شرعا أخذا بعموم الخطاب إذا ثبتت الرؤية في بلد أن يصوم جميع المسلمين في العالم؟ ليس هنالك مانع أخذا بعموم الخطاب لأن الخطاب جاء عاما أقول حتى في هذه الحالة يمكن من هذه الهيئة (هيئة الرقابة الشرعية) أن تستثنى بعض البلاد كما فعلت لجنة المواقيت عندما يقوم قطع بأن الهلال لن يكون من الممكن رؤيته بالنسبة لهؤلاء، وفى ظني أنه لو أخذنا بالشق الأول ظللنا في إطار التعبد لأننا من المعلوم أن القضية منوطة بعموم الخطاب كما أسلفت. ولذلك أرجو في نهاية كلامي أن قضية القطع في الحساب الفلكي لا نقوله نحن، هذه قضية تترك لأهل هذا الاختصاص فهم الذين يقدمون يقينا بأن هنالك قطعا وشكرا.
الرئيس:
هل هي قطعية أو ظنية لأنهم ما هم أصحاب الاختصاص.
الشيخ عبد السلام العبادي:
هم قدموا بالفعل ولكننا لم نحصل على ما قدموه وإنما هنالك دراسات واسعة في هذا المجال يمكن أن نستعين بها ولم تحضر لدينا.
стр. 955
الشيخ ادم شيخ عبد الله:
بسم الله الرحمن الرحيم.. فإن ثبوت الهلال بالرؤية البصرية أمر متفق عليه لصراحة النصوص الواردة من الكتاب والسنة. وإن ثبوت الهلال بالرؤية البصرية لا يختلف عليه إذا ثبتت الرؤية ثبوتا شرعيا. والخلاف منصب فقط على قضيتين هما اختلاف المطالع وعلم الحساب الفلكي.
أما اختلاف المطالع فالخلاف فيه هو هل يؤثر اختلاف المطالع في الأحكام أو لا يؤثر؟ لا خلاف في اختلاف المطالع نفسها لأنه أمر واقع لا يمكن الاختلاف فيه فالرأي الذي أراه وأؤيده وأرجو من المجمع أن يقره هو ما يلي:
أولا: التقيد في ثبوت الهلال بالرؤية البصرية الشرعية.
ثانيا: تجويز الإمكان بأن يصوم جميع المسلمين بالرؤية التي ثبتت ثبوتا شرعيا في بلد من بلاد المسلمين وأن يعتبروا جميعا هذا اليوم أول رمضان، فعند ذلك لا يضر الاختلاف في بدء الإمساك والإثبات، كاختلاف توقيت أوقات الصلوات سواء بسواء. وأما الحساب الفلكي فنتركه كما قال فضيلة الأستاذ الشيخ رجب فليوحدوا في تحديد توقيت أو مواقيت الشهور العربية. وشكرا.
стр. 956
الشيخ عبد الله بن بيه:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى أهله الطاهرين وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين وأصحابه الهداة المهتدين. في الحقيقة أن الحديث في هذا الموضوع يصبح تكرارا وإن كنت أريد أن أنبه إلى بعض المباديء العامة.. هناك مبدأ عام هو إذا لم يستفصل النبي ﷺ فإن قوله يحمل على العموم. وهذا العموم لا يجوز تخصيصه ولا نسخه إلا بمخصص شرعي هذه هي قاعدة أصولية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ . الذين يقولون لو كان النبي ﷺ حاضرا اليوم لغير الحكم فإنهم يخالفون هذه القاعدة الأصلية وهى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ . أن الله لا يخفى عليه اجتماعنا في هذا اليوم وبحثنا فيه ولأجل ذلك علينا أن نعتبر أن النبي ﷺ عندما تكلم بهذا الكلام لم يكن الله غائبا عنه أن الناس سيختلفون وسيتكلمون في هذا الأمر، فالنبي ﷺ فصل وقال: ((فإن غم عليكم فأكملوا العدة، أو عدة شعبان ثلاثين)) ولم يقل فان غم عليكم فإذا وجدتم وسيلة أخرى فارجعوا إليها. لم يقل هذا الكلام. وكان بالإمكان أن يقوله ولم يقله، عدم الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال وحتى قيل أيضا في الأفعال. هذه قاعده يجب أن نتنبه إليها..
ثانيا: هذا المجمع هو مجمع إسلامي يتركب مبدئيا من الفقهاء، والفقهاء يلجأون إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويحجزهم ورعهم أن يقولوا ما ليس بحق والحق أن ما يعرف عن طريق الكتاب والسنة ولا يعرف عن طريق الرجال، كما قال أمير المؤمنين علي ﵁ وأرضاه قال له (إنك رجل ملبوس عليك اعرف الحق اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف من يأتيه) . لابد من الرجوع إلى الحق أولا لنعرف الحق ولا نلجأ إلى الرجال لنعرف الحق عن طريق الرجال وإنما نعرف الرجال عن طريق الحق. أنتم أيها المجمع من يسأل منكم أمام الله يوم القيامة هل يفضل أن يقول: يا ربى، قال نبيك ((افطروا لرؤيته وصوموا لرؤيته)) وأنا اتبعت نبيك ﷺ ، أو يفضل أن يقول: يا ربي أنا عدلت عما قال نبيك ﷺ لأني رأيت أن العلم تقدم وأنه وقع كذا وكذا، أي الفربقين أحق بالأمن أن كنتم تعلمون، هذا سؤال كل واحد منا أن يطرحه على نفسه أن يصم أذنيه ويقول وزراء الخارجية ويهول هذا الأمر كما يقول الشاطبي "والأمر ليس مهولا" الأمر في الحقيقة ليس مهولا وليس أمرا عظيما مطلقا ولا أهمية له لأننا شغلنا أنفسنا في أمر قد بت فيه وقطع ولا أهمية له، ولا ينبغي أن نشتغل فيه.
стр. 957
في البلاد الإسلامية من يطبق أحكام الله وفيها من لا يطبق أحكام الله، لماذا لا نتفق على تطبيق أحكام الله تعالى على وجه الأرض. هذا الأمر في غاية الأهمية إذن الذي أراه وأرى أن ينجينا من الله نستغفره ونتوب إليه ونستلهمه الرشد والصواب أن نطبق أقوال رسولنا ﷺ وأن نطبق أفعاله وأقوال أصحابه التي تحمل على الرفع فيما لا مجال فيه للاجتهاد، ولأجل ذلك حديث ابن عباس رض الله عنه حديث كريب يحمل على الرفع لأنه من الذي لا مجال فيه للرأي، وإذا قال الصحابي بقول لا مجال فيه للرأي فإنه يحمل على الرفع كما يقول علماء الأصول وكذلك لو قال كنا في عهد رسول الله ﷺ نعمل كذا فإن أكثر علماء الحديث قالوا إنه يحمل على الرفع، ولأجل ذلك فقول ابن عباس وقد أيده العلم الحديث، أيد قول ابن عباس، اتفقتم الآن قلتم العالم الحديث أثبت أنه يرى بالعين المجردة في مناطق ولا يرى في مناطق أخرى، أليس هذا ما قاله ابن عباس، لكل منطقة، أنا لست ضد النظر إلى مناطق محددة ومتقاربة أن تكون رؤيتها واحدة وأرى أن هذا هو الحق الذي لا غبار عليه، والعلماء كانوا يضربون المثل ببعد خراسان من الأندلس في الدولة الإسلامية الأولى لأن الأندلس بعيد جدا من خرسان وهؤلاء لا يجب أن يصوم أحدهم بصوم الآخر وأن لا يفطر بفطرهم. يمكن أن نحدد مناطق اجتهادية بعد بحث دقيق عن اتفاق هذه المناطق في خطوط الطول مثلا وهى الخطوط المعتبرة في الحقيقة في هذا، نرى اتفاق هذه المناطق في خطوط الطول وأن نحكم في أن هذه المناطق إذا رأت الهلال رؤية شرعية فإنه يجب أن نستجيب لهذه الرؤية الشرعية.
أود أن أقول أن مصداقية مجمعنا هذه تكمن في اتباعه للأثر وفى تقديمه للدليل فإذا أصبح المجمع من المجامع التي لا تهتم بالدليل والتي تقول من عند نفسها وتقول ما تراه أن كان لا يستند إلى دليل فإن المجمع سيفقد حقيقة مصداقيته وأن المسلمين لن يعبأوا به ولن يأبهوا بالقرارات التي يصدرها هذا المجمع.أخي وصديقي يقول ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ ويقول إنه استعمال مجاز واستعمال حذف وأيضا هذا يجاب به من ناحية أخرى، قلنا "شهد" بمعنى "حضر" فإننا نقع في نفس المشكلة التي حذر منها.
هناك مسألة في غاية الأهمية قد تفيدنا في المستقبل لدراسة هذه الموضوعات إننا إذا لجأنا إلى العلم في كل شئ، العلم يقول أن الخنزير كان فيه جراثيم وهذه الجراثيم زالت وأنهم يزيلونها الآن، هل نحن على استعداد غدا أن يجتمع مجمعنا هذا وبقول الخنزير كانت فيه جراثيم والعلم اليوم توصل توصلا قطعيا في إزالة هذه الجراثيم، والحرمة الآن ليست قائمة، لأن العلم توصل الآن إلى إزالة هذه الجراثيم، لنكن حذرين في غاية الحذر، فان هذا الصعيد صعيد فيه منزلقات وليس هذا تعصبا ولا جمودا على النصوص. وشخصيا لا أعرف هل الحساب الفلكي قطعي أو غير قطعي. قالوا قطعيا في الزمن القديم ولكن أرجو أن نكون على حذر وأن نكون على ورع فيما نصدره من الأحكام أن نكون على ورع أولا، هذا الورع ضروري جدا في ما نصدره من أحكام وشكرا.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 958
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسالم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أصحاب الفضيلة.
إنه من خلاله هذه البحوث وهذه المداولات المستفيضة تبين لنا عدة أمور:
أولا: أن الشارع علق الحكم بالرؤية كما في حديث ابن عمر كما في الصحيحين وغيرهما ((لا تصوموا إلا لرؤيته)) وفى لفظ ((صوموا لرؤيته)) .
ثانيا: عندنا مبحث آخر وهو مبحث اختلاف المطالع وهو الذي عليه جماهير أهل العلم وقد حكى ابن عبد البر الإجماع عليه لكن هناك طرف يبحث في عدم اختلاف المطالع.
ثم أن هناك مسألة مهمة وهى اختلاف الفقهاء بشروط الرؤية، هل يكتفي بمستور الحال أو يكتفي بعدل واحد أو لابد من عدلين أو لابد من الاستفاضة والشهرة. ثم أن هناك في صحيح مسلم وله حكم الرفع قطعا وهو حديث كريب الذي أرسلته أم الفضل بنت الحارث أم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما وقد سمعتموه من على ألسنة عدد من أصحاب الفضيلة المشايخ.
ثم أن هناك مسألة الحساب هل هي قطعية تحققت أمام أنظاركم مدونة لا عن طريق السمع ولا عن طريق وسائل الإعلام ولا عن طريق قال فلان وعلان، لكن هل ثبت لديكم بتقرير من ذوي الاختصاص مقروء أمامكم أن الحساب قطعي، تعلمون أن هذا انعقدت له ندوات وانعقدت له مؤتمرات وانتهت هذه المؤتمرات بنظريات وباتجاهات وقد سمعتم من ذكر على ألسنة البعض منهم أنه ظني وقد سمعتم من يحكي شيئا حول قطعيته ومنهم من يقول إنه شبه قطعي وما جرى مجرى ذلك.
стр. 959
بعد هذا فإن هذه المسألة ليست وليدة اليوم على مستوى المحافل العلمية فإنه على سبيل المثال هذه المسألة استغرقت ما يزيد عن عشرين عاما في جهة علمية واحدة وهي رابطة العالم الإسلامي وتعلمون جيدا أنها منذ عشرين عاما ولا تزال ولله الحمد فيها عدد كبير من فحول علماء الأقطار الإسلامية. فجلست عندهم في رابطة العالم الإسلامي ما يقرب أو ما يزبد عن عشرين عاما ثم بعد ذلك انتهت بما توصل إليه المجمع الفقهي بمكة، ثم إنه تعلمون أن مسألة الحساب وضبط المواقيت الشرعية بالحساب انعقدت لها عدة مؤتمرات وآخرها ما صار في مكة المكرمة قبل مدة قريبة وصار فيه بحوث ودراسات وتوصلوا إلى بعض النتائج.
ولهذا فإنني أعرض على أنظاركم وجهة النظر الآتية:
وهو أن هذا الموضوع خاصة ليس من المقبول أن يخرج بعدة آراء واختلافات ووجهات نظر. وأن الآراء التي قيدناها أمامنا ووجهات النظر فيها تباين شديد في جزئية الحساب أو في كلية الحساب في جزئية المطالع أو في كلية المطالع، في توحيد الشهور، أو في عدم توحيدها أو في عدم اعتبار الحساب مرة واحدة، أو في عدم التوحيد مطلقا وما جرى مجرى ذلك، عدة آراء مقيدة لدينا. ولهذا فأنا أرى أن هذا الموضوع بحاجة إلى ما يلي:
أولا: أن يحضره خبراء مختصون من ذوى الاختصاص في الحساب.
стр. 960
ثانيا: أن نستقطب ما لدى مؤتمر الأرصاد والذي عقد في مكة في آخر ندواته.
ثالثا: إذا تفضلتم فإن لدى ما يزيد عن عشرة كتب ورسائل ألفت في هذا الموضوع من عدد من علماء الأقطار الإسلامية ولم أر واحدا من أصحاب الفضيلة أشار إلى هذه البحوث وإلى هذه الكتب وإلى هذه الرسائل رغم أنها مطبوعة. وقد تيسر لي في زمن سابق أيام كنت في المدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلوات والتسليم أن استخلصت من هذه البحوث بحثا اسمحوا لي إذا قلت انه فيه استفاضة بأن حكت الخلاف وذكرت الأدلة لجميع الأقوال ووجوه الاستدلال وتركت إبداء الرأي كليا وذلك في مسألتين في مسألة الحساب، وفى مسألة توحيد الشهور. ولهذا إنني أقترح عليكم أصحاب الفضيلة أن هذه المسألة ينبغي أن نستقطب هذه الأمور والمسألة التي بقيت في مجمع رابطة العالم الإسلامي عشرين عاما لتبق لدينا إلى جلسة مقبلة، فأرجو أن تتكرموا بالموافقة إذا رأيتم ذلك، أن نؤجلها وأن على الأمانة العامة مشكورة أن تحضر هذه المعلومات ومن قبلي أحضر إذا عهدتم إلى بهذا البحث وبإحضاره ونحضر الأشخاص الثقات المؤتمنين المسلمين العدول الذين إن شاء الله تعالى يطمأن إلى قولهم ونستطيع بهذا أن نستكمل التصور وأن نرتب الحكم بأمان، وأملي بالله عظيم أن نخرج بحكم أو بقرار جماعي بعيد عن هذه الآراء التي قيدت منها أربعة آراء أن لم يكن هناك خامس فات علي فأرجوا موافقتكم علي ذلك إذا تكرمتم، أي إرجاء المسألة إلى المجمع الآتي إلى الدورة الآتية. إن شاء الله، شكرا. وبهذا ترفع الجلسة وأفيدكم أن الجلسة مساء ستكون علي الساعة الخامسة إن شاء الله.
стр. 961
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (٦) د ٣/ ٠٧/ ٨٦
بشأن "توحيد بدايات الشهور القمرية"
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ إلى ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ / ١١ إلى ١٦ أكتوبر ١٩٨٦ م.
بعد استعراضه في قضية "توحيد بدايات الشهور القمرية" مسألتين:
الأولى: مدى تأثير اختلاف المطالع على توحيد بداية الشهور.
الثانية: حكم إثبات أوائل الشهور القمرية بالحساب الفلكي.
وبعد استماعه إلى الدراسات المقدمة من الأعضاء والخبراء حول هذه المسألة.
قرر:
١- في المسألة الأولى:
إذا ثبتت الرؤية في بلد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا عبرة لاختلاف المطالع لعموم الخطاب بالأمر بالصوم والإفطار.
٢- في المسألة الثانية:
وجوب الاعتماد على الرؤية، ويستعان بالحساب الفلكي والمراصد ومراعاة للأحاديث النبوية والحقائق العلمية.
والله أعلم
стр. 962
خطاب الضمان
فضيلة الدكتور بكر أبو زيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ... وبعد
فإن من نوازل العصر وقضاياه جريان المعاملة بخطابات الضمان لدى البنوك الأهلية مع المستفيد شخص اعتباري أو طبيعي وتجلية موقعها من الشريعة المطهرة يقتضي إعطاء التصور الكامل لطبيعة خطابات الضمان وخطواتها الإجرائية وأنواعها وما جرى مجرى ذلك من القوالب التي تسير عليها ثم تنزيل الفقه الشرعي عليها. فاقتضى الحال إدارة التقييد فيها في مبحثين:
المبحث الأول: خطاب الضمان.
تعريفه.. نوع الطرف المستفيد.. الغرض منه.. خطواته الإجرائية.. أنواعه. (١)
المبحث الثاني: الفقه الشرعي لخطاب الضمان.
стр. 963
وبيان كل منها على ما يلي:
المبحث الأول
خطاب الضمان
وفيه الفروع الآتية:
ا-طبيعته:
خطاب الضمان المصرفي: هو تعهد قطعي مقيد بزمن محدد غير قابل للرجوع يصدر من البنك بناء على طلب طرف آخر (عميل له) - بدفع مبلغ معين لأمر جهة أخرى مستفيدة من هذا العميل لقاء قيام العميل بالدخول في مناقصة أو تنفيذ مشروع بأداء حسن ليكون استيفاء المستفيد من هذا التعهد (خطاب الضمان) متى تأخر أو قصر العميل في تنفيذ ما التزم به للمستفيد في مناقصة أو تنفيذ مشروع ونحوهما ويرجع البنك بعد على العميل بما دفعه عنه للمستفيد.
стр. 964
٢ - أركانه:
من هذا يتضح أن أركان خطاب الضمان أربعة وهى:
١- البنك: وهو الطرف (الضامن) .
والضامن هو من التزم ما على غيره.
٢- العميل: وهو الطرف (المضمون عنه) .
٣- المستفيد: وهو الطرف (المضمون له) .
وهو رب الحق الذي التزمه الضامن.
٤- قيمة الضمان: وهو (المبلغ المضمون) .
والمضمون به هو الحق الذي التزم الضامن.
فإذا أطلق خطاب الضمان حوى هذه الأركان.
٣- الشخص العميل (المضمون عنه) :
يكون شخصية حكمية (اعتبارية) كالشركة أو المؤسسة ممثلة في (مديرها المسئول) . ويكون شخصا طبيعيا.
٤- المستفيد: (المضمون له) :
عادة لا يكون إلا شخصية اعتبارية كمصلحة حكومية أو مؤسسة أو شركة معروفة. ومن النادر أن يكون شخصا طبيعيا.
стр. 965
٥ - أهدافه:
لخطاب الضمان أهمية كبيرة في حماية المستفيد (المضمون له) حكومة أو شركة لضمان تنفيذ المشاريع أو تأمين المشتريات وفق شروطها ومواصفاتها وفى أوقاتها المحددة. وبالتالي توفير الضمانة للمستفيد عن أي تقصير تنفيذي أو زمني من الطرف العميل إضافة إلى أن البنك لا يقبل في استقبال خطاب الضمان وأن يكون طرفا مع العميل لصالح المستفيد إلا إذا توفرت لديه القناعة بكفاءة العميل المالية والمعنوية. وبالتالي في هذا ضمان إضافي إلى سابقه أن لا يدخل في المشاريع والمناقصات إلا شخص قادر على الوفاء بما التزم به.
٦- طريقة إصدار خطاب الضمان:
يقدم طالب خطاب الضمان طلبا للبنك يحدد فيه مبلغ الضمان ومدته والجهة المستفيدة والغرض من الضمان. ويجب أن تكون لدى البنك قبل إصداره الضمان المذكور القناعة بأن كفاءة العميل المالية والمعنوية كفيلة بالوفاء بالتزامه فيما إذا طلب منه دفع قيمة الضمان أو تمديده وإذا كان مبلغ الضمان كبيرا فإن البنك يطلب عادة تأمينات لقاء ذلك إما أن تكون رهنا عقاريا مسجلا أو رهن أسهم في شركات أو بإيداع أوراق مالية لدى البنك يسهل تحويلها إلى نقد فيما لو طلب من البنك دفع قيمة مبلغ الكفالة - مع خطاب من مودعها بالتنازل عنها إذا اقتضى الأمر أو كفالة بنك خارجي معروف، وإضافة إلى كل ذلك فإن البنك يحتفظ عادة بتأمينات نقدية يودعها العميل بنسبة حوالى٢٥ % من قيمة الضمان وقد تزيد هذه النسبة أو تقل تبعا لمركز العميل المالي والمعنوي ولطبيعة المشروع الذي قدم الضمان من أجله، وبعد كل هذه الإجراء ات يقوم البنك بإصدار الضمان.
стр. 966
٧- أنواع خطابات الضمان:
تجرى المعاقدة عليها على أنواع:
أولا: خطاب الضمان الابتدائي:
ويكون مقابل الدخول في مناقصات أو مشاريع ويكون مبالغ الضمان مساويا لـ ١ % من كل قيمة المناقصة أو أكثر، وساري المفعول لمدة معينة وعادة تكون لثلاثة أشهر وهذا التعهد البنكي (خطاب الضمان) يقدمه العميل للمستفيد من مصلحة حكومية أو غيرها. ليسوغ له الدخول في المناقصة مثلا فهو بمثابة تأمين ابتدائي يعطى المستفيد الاطمئنان على قدرة العميل على الدخول في المناقصة. ولا يسوغ إلغاء هذا الخطاب إلا بإعادته بصفة رسمية من الجهة المقدم إليها (المستفيد) .
стр. 967
ثانيا: خطاب الضمان النهائي:
وهذا يكون مقابل حسن التنفيذ وسلامة الأداء في العملية من مناقصة أو مشروع ونحو ذلك ويكون مبلغه بنسبة ٥ % من قيمة المشروع أو المناقصة وهو محدد بمدة لعام كامل مثلا قابل للزيادة.
وهذا التعهد البنكي (خطاب الضمان النهائي) يقدمه العميل للمستفيد من مصلحة حكومية أو غيرها ليستحق المستفيد الاستيفاء منه عند تخلف العميل عن الوفاء بما ألتزم به فهو بمثابة تأمين نهائي عند الحاجة إليه, ولا يكون إلغاؤه ألا بخطاب رسمي من الطرف المستفيد.
ثالثا: خطاب الضمان مقابل غطاء كامل لنفقات المشروع أو المناقصة. (أي مقابل سلفة يقدمها العميل إلى البنك على حساب المشروع مثلا لصالح الطرف المستفيد والغاية منه كما في سابقه) - ثانيا الخطاب النهائي-.
رابعا: خطاب الضمان: (ضمان المستندات) :
وهناك نوع رابع من خطابات الضمان يقدمه البنك لصالح شركات الشحن أو وكالات البواخر, في حالة وصول البضاعة المستوردة إلى الميناء المحدد في المملكة وتأخر وصول مستندات الشحن الخاصة بالبضاعة إلى ذلك البنك الذي جرى الأستيراد عن طريقه فخشية من أن يلحق بالبضاعة تلف من جراء تأخر بقائها في جمرك الميناء يكون الضمان المذكور تعهدا من البنك بتسليم مستندات الشحن الخاصة بالبضاعة إلى وكلاء البواخر فور وصولها. واستنادا إلى هذا الضمان يتم فسح البضاعة للمستورد.
ولإصدار مثل هذا الضمان يقدم العميل المستورد طلبا بذلك إلى البنك ويسدد قيمة اعتماد الاستيراد بالكامل (وهي قيمة البضاعة المستوردة) ومن ثم يصدر البنك خطاب الضمان ويسلمه إلى العميل فيقوم العميل بتسيلمه إلى وكلاء الباخرة المعنيين.
٨- مدي استفادة البنك من خطاب الضمان:
هذا التعهد الذي الزم البنك به نفسه مع العميل له بأن يدفع للطرف المستفيد من عميله المبلغ الصادر بموجبه خطاب الضمان ووفق ما فيه من شروط وإجراءات للبنك من وراء هذا مصلحة مادية وهى ما تسمى بالعمولة بمعنى أن البنك يستحق بالشرط على العميل نسبة مئوية معينة مقابل هذا التعهد وهذه الخدمة نحو ٢ % حسبما يتم الاتفاق عليه.
(وبهذا ينتهي المبحث الأول الذي يعطى التصور الكامل لخطابات الضمان الجارية في المصارف والبنوك مع عملائها أمام المستفيدين منهم) .
стр. 968
المبحث الثاني
الفقه الشرعي لخطاب الضمان
قد علم بأصل الشرع جواز الضمان وهو: ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون في التزام الحقوق المستحقة , بمعنى التزام دين على آخر، وهو عقد إرفاق وإحسان جاء به الشرع مع ما فيه من توثيق للحقوق وحفظ لها.
وخلاصة ما تقدم في المبحث الأول لطبيعة خطاب الضمان تنحصر في الفقرتين الأخيرتين منه وهما: -
ا - أنواعه.
٢- عمولة البنك لقاءه.
أما أنواعه الأربعة المتقدمة فلم يظهر في ماهيتها ما يخرج عن المنصوص عليه في أحكام الضمان شرعا وتوفر شروطه فالضامن البنك ممن يصح تبرعه، ولوجود رضي الضامن وكون الحق معلوما حالا أو مألا وأن أجله معلوم غير مجهول. سوى ما جاء في النوع الأول وهو خطاب الضمان الابتدائي. فإنه من باب ضمان ما سيجب وضمان ما لم يجب عقد معلق وقد علم أن الضمان عقد التزام لازم فلا يعلق كغيره من العقود اللازمة، ولأن الضامن التزم ما لم يلزم الأصيل المضمون عنه وهو (العميل) بعد. لكن الجمهور من أهل العلم على جوازه وهو مذهب الأئمة الثلاثة – أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، والشافعي - في القديم والخلاف المذكور للشافعي في الجديد وما ذهب إليه الجمهور ألصق بأصول الشرع لا سيما إباحة التعامل في الأصل ما لم يعتوره مانع من غرر ونحوه.
стр. 969
ولا يظهر في ضمان ما لم يجب بعد ما يمنع فيبقي على الأصل. (١) والله أعلم ولهذا قال الحنابلة: في تعريف الضمان هو: التزام ما وجب أو يجب على غيره مع بقائه عليه أو: هو ضم الإنسان ذمته إلى ذمة غيره فيما يلزمه حالا أو مآلا (٢) .
وقالوا في ضمان ما يؤول إلى الوجوب (يصح الضمان بالحق الذي يؤول إلى الوجوب فيصح الضمان بما يثبت على فلان أو بما يقر به أو بما يخرج بعد الحساب عليه أو بما يداينه فلان) .
стр. 970
أخذ العمولة عليه:
أي أخذ (الأجرة) لا (الجعالة) فإن الجعالة: أن يجعل جائز التصرف شيئا معلوما لمن يعمل له عملا معلوما أو مجهولا من مدة معلومة أو مجهولة- فلا يشترط العلم بالعمل ولا المدة ولا تعيين العامل للحاجة.
فهي إذن: التزام مال في مقابلة عمل لا على وجه الإجارة فليس ما هنا مما هنالك إضافة إلى أن الجعالة: عقد جائزمن الطرفين لكل من العاقدين فسخها بخلاف الإجارة فهي عقد لازم ابتداء.
وإن كان وقع في عبارات بعضهم باسم الجعل على الضمان ففي هذا تسامح في التعبير أو على سبيل النزول بمعنى: أنه إذا لم يجز الجعل فالإجارة من باب أولى. وإن كانت الجعالة في معنى الإجارة لكن الجعالة أوسع من باب الإجارة فالجعالة كما علمت في تعريفها فلا يشترط العلم بالعمل ولا المدة ويجوز فسخها من الطرفين بخلاف الإجارة فهي عقد على منفعة أوعين لازم من الطرفين لا يملك أحدهما فسخها.
وعليه فإن جمهور أهل العلم على تقرير عدم الجواز لأخذ العوض على الضمان كما في مجمع الضمانات على مذهب الإمام أبي حنيفة البغدادى ص /٢٨٢. والشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي٣\٤٠٤. والشرح الصغير ٣\٢٤٢ والفروع لابن مفلح الحنبلي ٤\٢٠٧، كشاف القناع ٣\٢٦٢.
وغيرها مصرحة بالمنع وعدم الجواز، وجماع تعليلهم للمنع فما يلي:
١- أنه يؤول إلى قرض جر نفعا وجه ذلك: أنه في حال أداء الضامن للمضمون له يكون العوض مقابل هذا الدفع الذي هو بمثابة قرض في ذمة المضمون عنه. وفى خطاب الضمان: أقوى في بعض أحواله لأن المستفيد يستوفي عادة من البنك لا من العميل.
٢- أن هذا العقد مبناه على الإرفاق والتوسعة والإحسان ففي أخذ العوض لقاءه دفع لمقصد الشارع منه.
٣- أنه في بعض حالات الضمان يستوفي المضمون له من المضمون عنه فيكون أخذ الضامن للعوض بلا حق وهذا باطل لأنه من أكل المال بالباطل. وفى خطاب الضمان الابتدائي أو المستندي مثلا يستوفي المضمون له المستفيد من العميل لا من البنك.
وها هنا تنبيهان:
الأول: جرى في القواعد الفقهية قوله: الأجر والضمان لا يجتمعان. وهذه القاعدة ليست مما نحن فيه من أحكام الضمان لأن الضمان هنا يقصد به (ضمان المتلفات) .
الثاني: جرى في القواعد الفقهية لهم قولهم: (ليس كل ما جاز فعله جاز إعطاء العوض عليه) بل فيه ما يجوز كالجعالة على رد الآبق. وما يمتنع كالعوض على الضمان واللهو المباح ونحو ذلك. كما جاء في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣٠/٢١٥-٢١٦.
стр. 971
النتيجة
مما تقدم تعلم الحقيقتان الآتيتان:
الأولى:
أن خطاب الضمان من حيث العطاء له من قبل العميل ثلاثة أحوال:
ا-خطاب ضمان ليس له غطاء البتة:
فهذا ينسحب عليه ما قرره جمهور العلماء من منع العوض على الضمان فهكذا في هذه الحالة من خطابات الضمان.
٢- خطاب ضمان له غطاء كامل من العميل:
فهذه الحالة والله أعلم لا يظهر في العوض عليها ما يمنع في حق الضامن أو المضمون عنه لأن هذا العوض (العمولة) مقابل الخدمات الإجرائية ففي حال دفع البنك للمستفيد فهو من مال المضمون عنه وفى حال عدم دفعه فهو مقابل حفظه لماله وخدماته لذلك.
٣-خطاب ضمان قد صار الغطاء لنسبة منه:
فهذه تنسحب عليها أحكام الحالتين قبلها فيجوز فيما قابل المغطى لا فيما لم يقابله - والله أعلم.
стр. 972
وأختم هذا المبحث برأي رشيد للعلامة الشيخ/عمر بن عبد العزيز المترك في كتابه (الربا والمعاملات المصرفية) إذ قال - رحمه الله تعالى وغفر له امين - ص /٣٠٩: "والذي أرى أنه إذا كان الضمان مسبوقا بتسليم جميع المبلغ المضمون للمصرف أو كان له غطاء كامل فلا يظهر في أخذ الجعالة عليه شيء لأن العمولة التي يأخذها المصرف في هذه الحالة مقابل خدماته كالعمولة التي تؤخذ من قبله في عملية التحويل بالشيكات لأن هذه العملية ليست مقابل عملية فرض ولا ما يؤول إلى قرض لأن المصرف لا يدفع من ماله شيئا وإنما يدفع ما التزمه بموجب الضمان من مال المضمون عنه الموجود لديه، أما إذا كان خطاب الضمان غير مغطى فلا أرى جواز أخذ الجعالة عليه لأن هذا الضمان قد يؤدى إلى قرض فيكون قرضا جر فائدة والربا أحق ما حميت مراتعه وسدت الطرائق المفضية إليه.
لذا فإني أرى أن على طالب الضمان أن يضع لدى الجهة الضامنة له مبلغا يساوى المبلغ المضمون وهذا إجراء متفق مع الأصول الائتمانية المتبعة في بعض المصارف حيث تطلب من العميل المضمون أن يحجز لديها مبلغا مساويا لقيمة خطاب الضمان وهو ما يسمى بالغطاء الكامل يكون رهنا لكى يسدد منه فيما لو اضطر المصرف إلى تنفيذ التزامه ويفرج عنه عندما يتحرر المصرف من ضمانه. وفى هذا الإجراء من الفوائد مما لا يخفي منها:
١- عدم إفساح المجال لمن ليس لهم المقدرة على الوفاء بالتزاماتهم في الدخول في المناقصات والعطاءات.
٢- ان فيه حدا من التعامل الجشع والتوسع في الأعمال بما ليس في استطاعة الإنسان القيام به مما يعود عليه بالضرر وتنعكس عليه أثاره السيئة ذلك أن المناقض قد يقدم ضمانا مصرفيا بمبلغ ليس في استطاعته الوفاء به مما قد يضطره في النهاية إلى الخضوع لما تفرضه عليه المصارف من فوائد ربوية لقاء تسديده بمقتضي الضمان الذي التزمته.
стр. 973
دراسة حول خطابات الضمان
للدكتور حسن عبد الله الأمين
تلقيت خطابا من سعادة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بمنظمة المؤتمر الإسلامي الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجه، مرفقا معه استفسارات حول خطابات الضمان التي تقدمها المصارف لعملائها بغرض بيان الحكم الشرعي حوله. ولقد سبق لي أن شاركت في إصدار فتوى حول خطابات الضمان منذ سبع سنين مع زملائي أعضاء هيئة الرقابة الشرعية على بنك فيصل الإسلامي السوداني آنذاك وقد نشرها البنك ضمن فتاويه في كتابه الأول.
ويسرني أن أثبت خلاصة لها في صدر هذه الدراسة قبل مناقشة الأسئلة المختلفة.
الخلاصة: خلاصة تلك الفتوى: أن خطاب الضمان الذي تقدمه المصارف علي نوعين:
١- نوع مغطى بمعنى أن لطالب الضمان حسابا جاريا بالبنك مثلا وهذا يعتبر خطاب الضمان من البنك معه للجهة المستفيدة من قبيل الوكالة، والوكالة عمل يجوز أخذ الأجرة عليه.
٢- النوع الثاني مكشوف وغير مغطى بمعنى أنه ليس لطالب خطاب الضمان مبالغ مودعة بالبنك تغطي ما يقابل قيمة خطاب الضمان وهذا النوع من خطابات الضمان هو من قبيل الكفالة والكفالة تبرع بالجاه وليست عملا يستحق من أجله الأجر. هذه خلاصة تلك الفتوى.
стр. 974
ولنعد لمناقشة الاستفسارات التي نحن بصدد دراستها، وهى تتكون من ثماني نقاط سوف نتحدث عنها فيما يلي:
١- تقول الفقرة الأولى: المعلوم فقها أن الأجر (المشروط) على الضمان لا يجوز ثم يستدرك الكاتب قائلا: غير أن بعض الفقهاء والحنفية والحنابلة والزيدية) أجازوا الربح بالضمان، إذ أجازوا شركة الوجوه) واستطرد قائلا: ويتخرج على مذهبهم أن وجيها لو اشترك مع آخر (خامل) على الضمان والربح مناصفة، ولم يشترو لم يبع، جاز لمجرد الضمان. وعلل لذلك بقوله: وهذا مثل المال لا يجوز إقراضه بأجر، لكن لا يجوز قراضه بربح. ونقول: أن شركة الوجوه: ويقال لها شركة المفاليس، لأنها شركة عقد بين اثنين أو أكثر- على أن يشتريا في ذمتها - بجاههما - شيئا يشتركان في ربحه، من غير أن يكون لهما رأس مال، على أن ما اشترياه فهو بينهم نصفين، أو ثلاثا، أو نحو ذلك، مميت بشركة الوجوه لأنهما يعاملان فيها بوجهيهما، والجاه والوجه واحد، يقال فلان وجيه، إذا كان ذا جاه. وهى جائزة عند الأحناف والحنابلة والزيدية كما ذكر الأخ الفاضل كاتب الاقتراح، وقول الكاتب: (في المذاهب الثلاثة المذكورة بإجازتها لشركة الوجوه إنما أجازت أرباح هذه الشركة بالضمان، ويتخرج على مذهبهم أن وجها لو اشترك مع آخر (خامل) على الضمان والربح مناصفة ولم يشتر ولم يبع جاز لمجرد الضمان. هذا القول يحتاج إلى مراجعة، ذلك أن الأحناف والحنابلة الذين أجازوا شركة الوجوه قالوا: أن هذه الشركة منعقدة على عمل، ووكالة، وكفالة، فالعمل: أنهما يشتركان في الشراء بجاههما-كما أنهما يشتركان في بيع ما اشترياه بجاههما، وكل منهما وكيل الآخر في البيع والشراء وكفيله بالثمن. فاستحقاق الربح المشترك بينهما بالعمل لا بالجاه، سواء أكان الاشتراك بالتساوي بينهما في كل شئ -الاشتراك في قدر الملك، والعمل، والربح، على قاعدة شركة المفاوضة. أو كان بالاختلاف والتفاوت في تلك الأشياء، على قاعدة شركة العنان، التي لا يشترط فيها التساوى في كل شئ، والتي يمكن أن يقوم بالعمل فيها بعد العقد أحد الشريكين منفردا أو مع شريكه الآخر. وشركة الوجوه تكون مفاوضة، وتكون عنانا وإذا ثبت أن الربح في شركة الوجوه مستحق للشريكين بالعمل الذي يبدأ بالشراء بوجهيهما لتحقق الشركة، ثم لا يهم أن ينتهي في مرحلة البيع بأن يقوم به أحد الشريكين أو بهما معا على أساس شركة العنان، إذا ثبت ذلك لم يعد هنالك مجال للتخريج بأن وجيها لو اشترك مع خامل إلى آخر ما ذكر في الاقتراح، لم يعد لهذا القول مكان. كما أنه لا وجه للشبه بين هذه الشركة (وبين المال الذي لا يجوز إقراضه بأجر، ولكن يجوز قراضه بربح) الذي ضرب به المثل صاحب الاقتراح، وهو قد بنى ذلك على صحة الافتراض، بأن جواز الربح، بالضمان مبنى على جواز شركة الوجوه وقد بينا فما سبق عدم صحة هذا الافتراض. نعم أن الحنفية يقولون: أن الربح فيها -أي شركة الوجوه - مستحق بالضمان، والمضمون هنا هو رأس المال المتمثل في البضاعة التي يأخذها الوجيهان بثمن اجل، وهما يستحقان الربح الناشئ عن تسويق هذه البضاعة والانفراد به دون صاحب البضاعة، بأن ثمنها له. وليس الضمان هنا من أحد شريكي الوجوه تجاه شريكه الآخر إذ لا ضمان بينهما. وبناء على ما تقدم فقد تبين عدم صحة المقدمة التي تضمنتها الفقرة الأولى من هذا الاقتراح. وبالتالي عدم صحة النتيجة المترتبة عليها - وهى جواز صحة أخذ الأجر في مجرد الضمان.
٢ - وهذا ما أقرته الفقرة الثانية من الاقتراح صراحة حيث قالت: (وهذا الأجر المحرم على الضمان لا ريب فيه، إذا كان الضمان لا يكلف الضامن أية متاعب أو مشقة أو مالا أو جهدا، إنما هو فقط ضمان محض لا يقترن بأية خدمة أخرى إلخ) .
٣- ولا يغير من هذه النتيجة أو هذا الحكم، قول صاحب الاقتراح في الفقرة الثالثة: (لكن المشاهد أن الضمان لو بقي يقدم طوعا وتبرعا بدون أجر ولا التزام لتعسر على كثير من الناس في أيامنا هذه الحصول عليه. والسؤال: متى كان الوصول إلى المنفعة مبررا للحصول عليها بكل الطرق الجائز منها، والممنوع؟
стр. 975
٤- وفى الفقرة الرابعة من الاقتراح، يفرق الكاتب بين الأجر على الضمان نفسه والأجر على تنظيم هذا الضمان وقيام مؤسسات له وإدارتها، فيمنعه على الضمان ويبيحه لتنظيم الضمان وإدارته قائلا: (علما بأن هذا الأجر ليس أجرا على الضمان، لأن ذلك حرام شرعا، إنما هو أجر يتقاضاه الضامن من المستفيد لقاء أعمال تنظيم هذا الضمان وإدارته بما يليق بمستوى العصر) .
ولصحة هذه التفرقة لابد من التأكد بأن هنالك عملا حقيقيا غير الجاه يستحق الأجرة ويجب أن تكون الأجرة وحدود أجرة مثل هذا العمل حتى لا تكون مدخلا، لأخذ الأجرة على الضمان نفسه.
٥- أما في الفقرة الخامسة فقد عاد الكاتب مرة أخرى إلى محاولة إباحة الأجرة على مجرد الضمان. قياسا هذه المرة على الأجر للإمام والمؤذن والمعلم.. إلخ ولا يخفي أن هؤلاء جميعا يؤدون عملا واضحا لا مجرد جاه. وبالتالي فلا وجه للقياس عليهم.
٦ - وفى الفقرة رقم (٦) غموض في البداية وخلط في النهاية لا يخرج منه القارئ بفهم المراد، فهو في السطرين الأولى، يتساءل تساؤلا غامضا عن الفرق في الحكم بين القربات " التي هي موضع كسب مدني عارض أو موضع احتراف تجاري" كما يقول. ثم ينتقل إلى ضرب المثل بالحمال الذي يستأجر غيره للقيام بمهماته بأجر أقل، ويستفيد بفرق الأجرة، وهو يعترض على ذلك.
وينسى أن ذلك الفرق استحقه الحمال الأول بضمان التنفيذ الذي التزم به مباشرة بنفسه، أو بالاستعانة بآخر. وبعد ذلك يورد الكاتب عقد الاستصناع وكيف يصبح من بيوع السلم فما لم يجر الصرف بالتعامل به عند تحديد أجله - عند الأحناف، يسوق ذلك وما قبله استدلالا به على أن الفرق يغير حكم الشئ الواحد في زمن دون آخر فيقول: ألا ترى أنهم لم يجزوه إلا فما جرى عليه الصرف في التعامل.
وعبارة: لم يجيزوه إلا فما جرى عليه الصرف إلخ ... غير سليمة لأنهم في الواقع لم يمنعوه أبدا- أي الاستصناع – وإنما كيفوه على أنه بيع سلم لا بيع استصناع في حالة ما لم يجر الصرف بالتعامل به، مع تحديد أجله.
وهو والحال هذه لا يصلح للاستدلال على قرار الكاتب. ولم تتضمن الفقرتان ٧، ٨ جديدا في الاستدلال على مراد الكاتب وإنما هما تعليقات على ما قبلهما.
стр. 976
الأجر علي الضمان - بمعنى الكفالة لدى الفقهاء
بعد ما تقدم من مناقشة موضوع الضمان - بمعنى الكفالة في إطار النقاط التي طرح بها ومن خلالها، كما ورد لمجمع الفقه الإسلامي، نعود للموضوع في ضوء النصوص الفقهية التي تعرضت لبيان حكمه الشرعي فنجد الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير للدرديرى يذكر عدة نقول للمالكية في ثمن الجاه.
١- منها قوله: وفى المعيار سئل أبو عبد الله القورى عن ثمن الجاه فأجاب بما نصه:
اختلف علماؤنا في حكم الجاه، فمن قائل بالتحريم بإطلاق. ومن قائل بالكراهية بإطلاق ومن مفصل فيه، وأنه إن كان الجاه يحتاج إلى نفقة وتعب وسفر، فأخذ أجر مثله، فذلك جائز. وإلا حرم. أهـ
قال أبو على المنياوى وهذا التفصيل هو الحق.
٢- ومنها قال ابن عرفة: يجوز دفع الضيعة لذي الجاه " وللضرورة أن كان يحمى بسلاحه فإن كان يحمى بجاهه فلا، لأنها ثمن الجاه. اهـ
وبيان ذلك ثمن الجاه. إنما حرم لأنه من باب الأخذ على الواجب ولا يجب على الإنسان أن يذهب مع كل أحد.
ومن هذين النصين يتبين أن للمالكية عدة أقوال عن ثمن الجاه. أحدهما بالتحريم مطلقا. وثانيها بالكراهة مطلقا.
стр. 977
ووالثالث فيه تفصيل فإن احتاج إلى تعب ونفقة وسفر، فيجوز أخذ أجر المثل عليه، وإن خلا من ذلك فلا يجوز. وعلل المالكية لعدم جواز الأجر على الضمان المجرد، بأن ذلك من باب أخذ الأجرة على الواجب (١) .
ويتفق مذهب الشافعية مع القول الثالث المفصل للمالكية عن الأجر على الضمان قال ابن حجر الهيثمي: "وكقول من حبس ظلما لمن يقدر على خلاصه - وإن تعين عليه، على المعتمد-: أن خلصتنى فلك كذا" بشرط أن يكون في ذلك كلفة تقابل بأجرة عرفا "وعلق الشرواني على قوله (لمن يقدر عليه) بقوله: أي بجاهه أو غيره. وقال تعقيبا على لزوم أن يكون في ذلك كلفة وتعبا (وينبغي أن المراد بالتعب، التعب بالنسبة لحال الفاعل) (٢) .
ونجد ابن عابدين الحنفي في حاشيته يقرر كما تنسب إليه فتاوى بنك فيصل الإسلامي السوداني: أن عدم جواز الأجر على الضمان، لأن الضامن مقرض للمضمون، فإذا شرط الجعل مع ضمان المثل، فقد شرط له زيادة على ما أقرضه، وهو ربا. (٣) .
стр. 978
وهنا نجد أنفسنا أمام تعليل آخر وهو أن الضامن مقرض وشرط الجعل له - الأجر على الضمان - زيادة على ما أقرض.
وفيما عدا هذه التعليلات المختلفة لعدم جواز الأجور على الضمان فيما وقفنا عليه من أقوال الفقهاء لم نجد لهم دليلا يعتمدون عليه من كتاب أو سنة أو إجماع.
ونعود إلى مناقشة هذه التعليلات للحكم الذي قرره الفقهاء لمنع الأجر على الضمان. ونبدأ بمسألة أن ثمن الجاه إنما هو من باب أخذ الأجرة على الواجب.
ونسأل: هل الجاه.. أو الكفالة أمر واجب على من يفعله أم أنه من أعمال التبرع؟
بداهة أنه ليس واجبا. إلا إذا تعين على شخص، بعينه. وليس من هذا النوع الضمان العرفي، إذ لا يتوقف على شخص معين أو حتى مصرف معين دون غيره. فقضية كون الضمان المصرفي من باب الواجب الذي لا يؤخذ عليه أجر غير واردة؟
ثم أن قاعدة عدم أخذ الأجرة على الواجب لا نراها مضطردة عند هؤلاء الفقهاء، فقد رأيناهم يجيزون أخذ الأجرة على حفظ الوديعة. وإن تعينت على شخص ما - وهو من باب الواجب. جاء في مغنى المحتاج للشربينى: وقضيته أن له أن يأخذ أجرة الحفظ كما يأخذ أجرة الحرز. ومنعه القرافي وابن أبي عصرون، لأنه صار واجبا عليه، فأشبه سائر الواجبات، والمعتمد الأول، كما هو ظاهر كلام الأصحاب (١) .
стр. 979
أفلا يصح أن يقاس على الضمان على فرض أنه واجب على الوديعة الواجبة ويأخذ حكمها في جواز الأجرة عليه؟
فإذا انتقلنا إلى تعليل منع الأجرة على الضمان المنسوب لابن عابدين (من كون الضامن مقرضا، فإذا شرط له الجعل مع ضمان المثل فقد شرط له زيادة على ما أقرض. وهذا ربا) . وجدنا أن هذا التعليل مقبول على وجه الإجمال ولكن عند التفصيل نجده لا ينطبق على خطاب الضمان المغطى، لأن الضمان هنا بمعنى الوكالة، كما أنه لا ينطبق على خطاب الضمان الذي ينتهي بوفاء المضمون بتعهده دون حاجة إلى الضامن.
وتبقي بعد ذلك حالة واحدة يمكن أن ينطبق عليها تعليل ابن عابدين وهى حالة ما إذا كان خطاب الضمان على المكشوف - غير مغطى - وتخلف المضمون عن الوفاء إلى أن قام به مصدر خطاب الضمان، ففي هذه الحالة فقط يصبح خطاب الضمان منطويا على قرض والجعل فيه زيادة يجب منعها كما قال ابن عابدين. وبناء على ما تقدم فيبدو لي أن خطاب الضمان يكون على الأوجه التالية:
١- خطاب الضمان المغطى وهو كفالة تجاه (المضمون له، ووكالة تجاه المضمون والعبرة بالعلاقة مع المضمون في تكييف حكمه - فهو إذن وكالة والوكالة تجوز بأجر وبدون أجر، وعليه فأخذ الأجرة عليه في هذه الحالة جائز.
стр. 980
٢- خطاب الضمان غير المغطى - المكشوف - الذي يقوم بالوفاء به المضمون نفسه دون الضامن - مصدر خطاب الضمان - وهذا النوع هو كفالة وليس وكالة، كما أنه ليس فيه قرض لأن مصدره لا يدفع شيئا من المال للمضمون له.
لقيام المضمون نفسه بالوفاء، وهو ليس من العمل الواجب القيام به لعدم تعينه على شخص أو مصرف معين لذلك فلا يدخل تحت قاعدة منع الأجر على أداء الواجب، فيصح أخذ الأجر عليه على أساس أنه عمل في تعامل رضائي. وعلى فرض أنه تعين وأصبح واجبا على من تعين عليه القيام به، شخصا أو مصرفا فإنه يمكن قياسه على الوديعة الواجبة التي يجوز أخذ الأجر على حفظها كما وضحنا، بحيث يصبح أخذ الأجر عليه جائزا لأن الضامن في هذه الحال يبذل جهدا كبيرا في التحري وجمع المعلومات عن صلاحية المضمون لهذا الضمان. ويتحمل عبئا نفسيا وذهنيا طوال فترة سريان الضمان حتى الوفاء به.
وبذلك كله يهييء للمضمون ويمكنه من الحصول على منفعة محققة تتمثل في بلوغ مرامه بهذا الضمان الذي قد يعود عليه بالفائدة والنفع الكثير.
ولا يوجد مبرر لإهدار هذا الجهد من الضامن وما يترتب عليه من مصالح ومنافع للمضمون دون مقابل. إذ ليس ذلك من العدل في شيء.
стр. 981
على أنه يلزم أن يكون الأجر في هذه الحالة والتي قبلها مراعى فيه عدم المبالغة والمغالاة بحيث يكون في حدود المعتاد عرفا.
كما أنه يلزم أيضا التنبيه إلى أن المغالاه في هذا الأجر مهما بلغت لا تدخل في نطاق الربا لانه ليس زيادة في عوض وإنما هو أجر علي عمل غايته إذا تجاوز المعتاد أن يكون مكروها أو محرما وليس ربا بالتأكيد
٣- أما الحالة الثالثة التي يكون خطاب الضمان فيها مكشوفا –غير مغطي- وتؤول مسؤولية الوفاء به إلى مصدره الضامن دون المضمون، أنه يكون فيها قرضا والجعل فيه يكون زيادة تمثل الربا فلا يجوز. ولكن يجوز لمصدره أخذ أجرة الإصدار فقط –التكلفة العملية ما يقدره المختصون دون الضمان نفسه المنطوي علي معني القرض.
هذا ما استطعت أن اصل إليه حتى الآن في هذا الموضوع أرجو أن يكون فيه مساهمة لعلماء المجمع فيما يصدرونه من قرارات أو توصيات في هذا الموضوع الهام.
والله نسال أن يهدينا إلى سواء السبيل.
стр. 982
خطاب الضمان
فضيلة الدكتور علي أحمد السالوس
مقدمة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .
والحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة منه، توجب على مؤدى ماضي نعمه بأدائها: نعمة حادثة يجب عليه شكره بها.
ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، الذي هو كما وصف نفسه، وفق ما يصفه به خلقه.
أحمده حمدا كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.
وأستعينه استعانة من لا حول له ولا قوة إلا به.
وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه.
وأستغفره لما أزلفت وأخرت. استغفار من يقر بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله (١) . أما بعد: ففي أحد اجتماعات هيئة الرقابة الشرعية دار حوار حول خطابات الضمان، ومما يلتزم به المصرف عند تقدير الأجر. ورأيت أن الأجر يكون في مقابل عمل المصرف وجهده، أما الكفالة ذاتها فهي عقد تبرع كما ثبت بالنص والإجماع. ورأي غيري من السادة الأجلاء أن العمل وحده لا يكفي، وإنما ينظر أيضا إلى عنصر الخاطرة التي يتحملها المصرف.
стр. 983
ونتيجة لهذا قمت بكتابة بحث عنوانه "أجور خطابات الضمان من الوجهة الشرعية" ثم رأيت أن أعطي وقتا لدراسة تجمع فقه الكفالة وتطبيقاتها المعاصرة وتمت بحمد الله تعالي وعونه وفضله هذه الدراسة في المذاهب الفقهية الإسلامية، والقانون الوضعي الذي يحتكم إليه عند الخلاف.
وفي مقدمة الكتاب قلت: أن مثل هذا البحث يمكن أن يكون نواة لمؤتمر ضخم، يبحث هذه المشكلة وغيرها مما اختلف فيه، ليخرج برأي يرتضيه الفقهاء، ويسهم في حل مشكلات العمل الإسلامي.
وقبل إتمام طبع الكتاب بلغتني الدعوة الكريمة لكتابة بحث عن خطاب الضمان.
فكنت سعيدا كل السعادة، وأسأل الله جلت قدرته أن يمد هذا المؤتمر بعونه وتوفيقه ليخرج برأي سديد يرضيه ، ويحسم الخلاف في مشكلة كثر النقاش حولها وتباينت الآراء، وظهر أثر الخلاف واضحا في التطبيق العملي.
والله المستعان، نعم المولي ونعم النصير، وله الحمد في الأولى والآخرة، والصلاة والسلام علي خاتم الرسل الكرام وعلي آله وصحبه، ومن اهتدي بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
стр. 984
الباب الأول
الكفالة في الكتاب والسنة
الفصل الأول
تعريف الكفالة
أولا: الكفالة في اللغة
قال ابن منظور في لسان العرب: ...
الكافل: العائل، كفله يكفله وكفله إياه، وفى التنزيل العزيز: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ . (١) ، وقد قرئت بالتثقيل ونصب زكريا، وذكر الأخفش أنه قرئ: وكفلها زكريا بكسر الفاء. وفى الحديث: ((أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة له ولغيره)) (٢)
стр. 985
والكافل: القائم بأمر اليتيم المربى له، وهو من الكفيل الضمين، والضمير في له ولغيره راجع إلى الكافل، أي أن اليتيم سواء كان الكافل من ذوى رحمه وأنسابه أو كان أجنبيا لغيره تكفل به، وقوله: كهاتين إشارة إلى إصبعيه السبابة والوسطى، ومنه الحديث: الراب كافل (١) .: الراب: زوج أم اليتيم لأنه يكفل تربيته وبقوم بأمره مع أمه. وفى حديث وفد هوازن: "وأنت خير المكفولين " (٢) .، يعنى رسول الله ﷺ ، أي خير من كفل في صغره وأرضع وربى حتى نشأ، وكان مسترضعا في بني سعد بن بكر.