ولولا الأمانة العامة بهياكلها وعلى رأسها سماحة الأمين العام الذي أحب المجمع حبًّا، فامتزج بكيانه وأصبح جزءًا من عقله وروحه. تتجاوز نظرته وبرامجه دومًا إمكانات المجمع المادية. ويشهد التاريخ ونحن نشهد أنه لولا مدد إلهي، ثم شخصيته الفذة، ودأبه الذي يشتد مراسه كلما واجهته المصاعب والعقبات، ما كان لمجمعنا هذا أن يبلغ مبلغه. ولا أن ينجز ما أنجزه، من محكم إعداد وتنظيم لدوراته، ومن موثق المجمع الأمين المجلة المثبتة بلسان المحتوى والحال ما يغني عن التنويه بالمقال لها منها عليها شواهد. ومن المشاريع السائرة في طريق الإنجاز من نشر الكتب الأمهات إلى معلمة القواعد.
فالله ندعو أن يتولاه بعونه، ويرزقه قوة على المضي، ويجزل ثوابه الثواب الأوفى الرضي.
وختامًا لكم خالص التقدير وجميل الثناء.
سمو الأمير وأصحاب المعالي والسماحة والسعادة السادة الأمجاد. بما شرفتم به حفل افتتاح هذه الدورة، فتألقت ببهجة الأعياد.
ونسألك اللهم أن تهدينا سبيلك سبيل الذين جاهدوا فيك حق الجهاد. ويسّر لنا ظهيرًا من صدق المعارف، وأيدًا متلاحقًا من فيض العوارف.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
سَماحَة الشيخ محمَّد المختار السّلامي
مُفتي الجُمهُورية التونسيّة
стр. 9697
بحث
الأسوَاق المالِيَّة
في
مِيزان الفقه الإسلاَمي
إعدَاد
الدكتور علي محيي الدّين القره داغي
جامعة قطر - كلية الشريعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للمخلوقات، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وسار على الهدى والبينات.
وبعد:
فقد أولى الإسلام عناية منقطعة النظير بالحضارة والتقدم، والرقي، والتمدن، وترك البداوة (١) . وحثّ على النشاط المالي وتوفير الرفاهية والرخص للجميع، ولذلك منّ الله تعالى على قريش بأن سهل لهم الوصول إلى أهم الأسواق في عصرهم، ووفر لهم نعمة أمن الطريق، حيث يقول: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١-٤] .
فقد من الله عليهم بنعمة توفير الرحلات التجارية التي يترتب عليها الغنى، كما منّ عليهم بنعمة الأمن الذي هو الأساس لكل ازدهار اقتصادي، وبنعمة الأمن الغذائي الذي هو العنصر الأساسي في الاستقرار النفسي.
стр. 9698
بل إن الإسلام بذل مجهودًا كبيرًا لإزالة الأوهام المستقرة في نفوس العرب حول الاسواق والأعمال التجارية، حيث كانوا يظنون أنها لا تتناسب مع هيبة القادة والأنبياء والرؤساء، فنزلت الآيات القرآنية لتدفع هذا الوهم، ولتبين بكل وضوح أن جميع الرسل كانوا يدخلون في الأسواق فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] .
فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] .
فصحح النظرة إلى السوق بأنها لا تتنافى مع الهيبة، ولا تتعارض مع الرسالة والنبوة، والشرف والرفعة والعزة والمكانة.
كما أن استعمال القرآن لـ: " السوق " بمعناها المعروف، وبمعنى ساق الشيء، وما يقوم عليه الشيء لمشعر بأهمية السوق للمجتمع، فكما أن الحيوان يقوم على ساقه، كذلك الاقتصاد يقوم على سوقه حيث يقول: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] .
وقال: ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩] .
فالأسواق المالية المنظمة المتطورة عنوان الحضارة والتقدم، وبقدر تطورها يكون تطور الحياة التجارية، والصناعية، والاقتصادية التي لا تستغني عنها المجتمعات المتقدمة، ولذلك أولى الرسول الكريم ﷺ عنايته بالسوق لكنه أراد أن يصوغها صياغة إسلامية قائمة على الأمانة والثقة والعفة والتقوى، وأن تكون عنوان ((بيع المسلم من المسلم)) (١) . أي لاغش فيه ولا خداع ...
стр. 9699
كما أولى الخلفاء الراشدون عنايتهم ببناء الأمصار، وازدهار أسواقها، وبرعايتها وتعيين المحتسبين عليها، حتى أصبحت مراكز حضارية ووسائل للتنمية المالية في العالم الإسلامي.
لذلك فإن العناية بأمر هذه الأسواق هي من تمام إقامة الواجب في حفظ المال، وتنميته باعتبار ذلك أحد مقاصد الشريعة، وباعتبار ما يستتبعه هذا من التعاون لسد الحاجات العامة، وأداء ما في المال من حقوق دينية أو دنيوية (١) .
وفي عصرنا الحاضر تطورت الأسواق المالية، وازدهرت آلياتها ازدهارًا رائعًا، وأدخلت فيها أنظمة متقدمة جدًّا من حيث الربط والاتصال، وربطت بالعالم أجمع من خلال (الكومبيوترات) فأصبحت حلقات الوصل في التجارة الدولية والتصدير والاستيراد، فلم تعد تقتصر على (سوق الإصدارات) بل تشمل الأسواق الثانوية، وتوفير السيولة، وتوظيف المال وغير ذلك من الأعمال والتجارة الدولية.
ولكن الأسواق المالية – بوضعها الحالي – ليست الأنموذج الذي تنشده الشريعة الإسلامية من تحقيق الكسب الحلال، واستثمار المال، وتنمية المدخرات بشكل يحقق الحلال الطيب، لذلك يتطلب الأمر من أولي العلم الثقات أن يعنوا بدراستها دراسة جادة جيدة للوصول إلى صورة متكاملة لسوق مالية إسلامية تتوفر فيها الشروط والضوابط الشرعية، وتقوم على الأسس والقواعد الشرعية.
فعالمنا الإسلامي بأمس الحاجة إلى أسواق مالية إسلامية نظرًا لسعة أطرافها، وما حباها الله تعالى بمواد خام، وثروات معدنية، وكثرة أفرادها حتى تكون منافعهم لهم، إضافة إلى حاجة المصارف الإسلامية إليها حاجة ماسة.
стр. 9700
فالأمل كبير بالله تعالى في أن يوفق مجمع الفقه الإسلامي لإيجاد حلول بناءة لهذه القضية، ويصل إلى فكرة متكاملة لسوق تبنى على شرع الله تعالى، وتجمع بين ثوابت الشرع ووسائل التقدم والتطور الذي يشهده عصرنا الحاضر.
ويشرفنا أن نشارك في إثراء هذا الموضوع المهم بجهد وإن كان متواضعًا، وأحاول أن يكون منهجي قائمًا على التأصيل الفقهي، والتقعيد، بحيث يكون رجوعي أولًا إلى الكتاب والسنة، ثم إلى أقوال الفقهاء لأجد للأمور المستحدثة دليلًا شرعيًّا، أو قياسًا فقهيًّا، أو اجتهادًا لأحد سلفنا الصالح، فإن وجدت ذلك فبها ونعمت حيث يكون دوري الترجيح فقط، وإلاَّ فأبحث عن مدى موافقة هذا العقد الجديد للقواعد العامة، وعدم مخالفته للنصوص الشرعية.
وقد بدأت في بحثي بالتعريف بالأسواق المالية، ونبذة تاريخية لها، والتكييف الشرعي للأسواق المالية، ثم أسهبت في أهم الأدوات المستخدمة في الأسواق المالية، وهي الأسهم والسندات، والخيارات والمستقبليات حيث فصلت فيها تفصيلًا في أنواع كل واحدة منها، وحكمها الشرعي، وقد بذلت جهدي قدر طاقتي لإيجاد البدائل الإسلامية المشروعة، وذكرها.
والله أسأل أن يعصمني من الخطأ والزلل في القول والعمل، وأن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم، إنه مولاي فنعم المولى ونعم النصير.
стр. 9701
التّعريفُ بالأسوَاق الماليّة لغَة واصطلاَحاً
تطلق كلمة " السوق " في اللغة ويراد بها: موضع البياعات قال ابن سيده: السوق التي يتعامل فيها، تذكر وتؤنث. ولها معان أخرى (١) وجاء بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (٢) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (٣) .
والأسواق جمع السوق وهي موضع البياعات والتعامل.
وورد لفظ " السوق " و " الأسواق " في السنة المشرفة كثيرًا حتى خصص بعض أصحاب الصحاح والسنن بابًا خاصًَّا بالسوق، بل ذكر البخاري أربعة أبواب لها، ترجم الأول: باب ما ذكر في الأسواق، وأورد فيه عدة آثار وأحاديث فذكر: قال عبد الرحمن بن عوف: لما قدمنا المدينة، قلت: هل من سوق فيه تجارة؟ فقال: سوق قينقاع ... وقال عمر: ألهاني الصفق بالأسواق، ثم روى بسنده عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ في السوق فقال رجل: (يا أبا القاسم ... ) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة أحدكم في جماعة تزيد على صلاته في سوقه وبيته بضعًا وعشرين درجة ... )) ، وترجم الثاني: باب كراهية السخب في الأسواق – أي رفع الصوت بالخصام، وترجم بابًا ثالثًا: باب الأسواق التي كانت في الجاهلية، فتبايع بها الناس في الإسلام، ثم روى عن ابن عباس ﵄، قال: " كانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ " [٢: ١٩٨] .
стр. 9702
قال ابن بطال: " فقه هذه الترجمة أن مواضع المعاصي وأفعال الجاهلية لا تمنع من فعل الطاعة فيها. . " (١) .، وأورد بابًا رابعًا ترجم له: باب التجارة أيام الموسم، والبيع في أسواق الجاهلية، وأورد فيه حديث ابن عباس السابق بلفظ: ((كان ذو المجاز، وعكاظ متجر الناس في الجاهلية ... )) (٢) .
والمال لغة هي كما يقول ابن الأثير: المال في الأصل: ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتني ويملك من الأعيان، وذكر الفيروز أبادي أن المال يطلق على كل ما ملكته من كل شيء وأصله من مال الرجل يمول، ويمال مولًا إذا صار ذا مال (٣) .
وقد ثار خلاف بين الفقهاء في تعريف المال، فعرفه الحنفية بأنه عين يجري التنافس والابتذال، حيث خصصوا المال بالأعيان دون المنافع، كما أنهم عمموه للمال المباح، والمحرم، وأما عند الجمهور فهو عام للأعيان والمنافع لكنه لا يشمل المحرمات لعينها كالخمر والخنزير (٤) .
فالأسواق المالية أو (البورصات) هي الأماكن الخاصة التي تخصص للنشاطات التجارية الخاصة بالصرف، والنقد، والأسهم والسندات، والأوراق التجارية وشهادات الودائع، ونحوها، بالإضافة إلى عقود السلع بين المنتجين والتجار (٥) .
стр. 9703
نبذة تاريخية:
وبما أن المال في اللغة والفقه عام للنقود والعروض (الموجودات المالية) فإن اسواقه، أو الأسواق المالية في عصرنا الحاضر لا يختلف مفهومها عن مفهومها في السابق، لكنها تطورت من أسواق عادية للبضائع إلى أسواق متطورة يغلب فيها العناية بالنقود والأسهم والودائع والسندات.
كانت الأسواق موجودة منذ التاريخ السحيق، منذ أن تكونت المجتمعات المدنية واحتاجت إلى التداول والمقايضة، والمبادلة حيث كان الناس من خلالها يحصلون على حاجياتهم ويتبادلون فيها الأموال، لكنها تطورت في القرون الأخيرة حيث ظهرت منذ القرن السادس عشر الميلادي كظاهرة حديثة يتم فيها بصورة عامة تبادل سندات التحويل، والسندات لأمر، والسندات التجارية وغير ذلك.
وقد ازداد عدد الأسواق المالية في العالم وازداد نشاطها، ويصل عددها في أمريكا أربع عشرة بورصة، أهمها بورصة نيويورك التي تقدر قيمة الأسهم فيها بحوالي ١٥٠٠ مليار دولار، وفي بريطانيا اندمجت كل الأسواق المالية منذ عام ١٩٧٣م في جهاز واحد وهو بورصة لندن التي تقدر قيمة الأسهم فيها بمليار دولار، وفي اليابان تعمل ثماني بورصات، وأهمها بورصة طوكيو حيث تستأثر بـ٧٥ % من مجموع المضاربات في اليابان، والتي تقدر قيمة أسهمها بأكثر من مليارين من الدولارات، وفي ألمانيا توجد ثماني بورصات تقع بورصة فرانكفورت في مقدمتها حيث تحقق ٤٤ % من مجمل الأعمال، وفي فرنسا توجد سبع بورصات أهمها بورصة باريس، وفي سويسرا أيضًا سبع بورصات أهمها بورصات جنيف، وبال، وزيوريخ (١) . وهكذا..
стр. 9704
التكييف الشرعي للأسواق المالية:
إن فكرة الأسواق المالية – من حيث المبدأ – تدخل تحت قاعدة المصالح المرسلة، والتنظيمات التي تعتبر من صلاحيات أولي أمر المسلمين، وهي بلا شك تساعد على تطوير الأعمال التجارية والاقتصادية التي هي شريان الحياة لكل المجتمعات المتقدمة، ولذلك عبر الله عن المال بأنه قيام للمجتمع لا ينهض ولا يقوم إلَّا به: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] .
وقد اشتهرت أمور المال والإشراف عليه منذ الصدر الأول بالحسبة، جاء في السيرة الحلبية: " أن هذه الولاية تعرف بالحسبة، وموليها بالمحتسب " (١) . وفي التيسير لابن سعيد: " اعلم أن الحسبة من أعظم الخطط الدينية، فلعموم مصلحتها، وعظيم منفعتها تولى أمرها الخلفاء الراشدون، ولم يكلوا أمرها إلى غيرهم مع ما كانوا فيه من شغل الجهاد، وتجهيز الجيوش ... " (٢) .
وقد اعتبر حاجي خليفة هذه الولاية علمًا خاصًّا فقال: " علم الاحتساب علم باحث عن الأمور الجارية بين أهل البلد من معاملاتهم اللاتي لا يتم التمدن بدونها من حيث إجراؤها على القانون المعدل حيث يتم التراضي بين المتعاملين، وعن سياسة العباد بنهي المنكر، وأمر بالمعروف بحيث لا يؤدي إلى مشاجرات وتفاخر بين العباد، بحيث ما رآه الخليفة من الزجر والمنع ثم قال: " ومبادؤه بعضها فقهي، وبعضها أمورٌ استحسانية ناشئة من رأي الخليفة، والغرض منه تحصيل الملكة في تلك الأمور، وفائدته إجراء أمور المدن في المجاري على الوجه الأتم، وهذا أدق العلوم، ولا يدركه إلَّا من له فهم ثاقب وحدس صائب، إذ الأشخاص، والأزمان، والأحوال ليست على وتيرة واحدة، بل لابد لكل واحد من الأزمان والأحوال سياسة خاصة، وذلك من أصعب الأمور، فلذلك لا يليق بمنصبها إلَّا من له قوة قدسية مجردة عن الهوى كعمر بن الخطاب ... " (٣) .
стр. 9705
وعلى ضوء ذلك فالأسواق المالية – من حيث المبدأ – من الأمور التي يسعى لتحقيقها الإسلام لكنه يضع لها الشروط والضوابط حتى لا تتنافى مع مبادئه وقواعده العامة، فهي بلا شك من المصالح النافعة، والتنظيمات المفيدة التي أخذ بأمثالها الخلفاء الراشدون ﵃ .
وإذا كانت الأسواق المالية اليوم لا تحقق المقاصد التي يتوخاها الإسلام فإن هذا لا يعني إغفالها، وتركها وشأنها، أو الحكم على ما فيها حكمًا مطلقًا بالتحريم، وإنما الأمانة تقتضي أن نبحث عن كل تفصيلاتها وجزئياتها، ونحكم من خلال تصور دقيق لكل جزئياتها، ونبذل كل ما في وسعنا، ونستفرغ كل جهدنا للوصول إلى بديل إسلامي يجمع بين الأصالة والتجديد والتطوير.
فالأسواق المالية تشمل عدة أمور، فلها أنظمتها الإدارية والإجرائية المتطورة، وهذا الجانب يدخل ضمن المصالح المرسلة، والسياسة الشرعية التي تعطي الحق لولي الأمر إلزام الناس بنوع من التنظيمات ما دامت لا تتعارض مع النصوص الشرعية الثابتة الخالية من معارض.
وبالإضافة إلى هذا الجانب، فإن هناك مهامًّا وأعمالًا تجري في الأسواق المالية لأداء دور الوساطة، أو السمسرة، أو الخدمات الإعلامية، والكتابية، أو الوكالة، أو القرض، أو الصرف فهذه التصرفات تطبق عليها الأحكام الشرعية الخاصة بكل تصرف أو عقد (١) .
لكن أهم الأدوات المستخدمة في الأسواق المالية هي الأسهم والسندات، والخيارات، والمستقبليات، إضافة إلى عمليات الصرف والسلع، والصيغ الجارية للعقود.
وسنخصص هذا البحث لدراسة هذه الأمور حسب الخطة التي وضعها المجمع الفقهي الموقر، دون الخوض في أمور أخرى لنصل إلى نتائج محددة بإذن الله تعالى.
стр. 9706
سوق الأسهم: أنواعها، وحكم كل نوع منها:
الأسهم هي جمع سهم، وهو لغة له عدة معانٍ منها: النصيب، وجمعه: " السهمان " بضم السين، ومنها العود الذي يكون في طرفه نصل يرمى به عن القوس، وجمعه: السهام، ومنها: بمعنى القدح الذي يقارع به، أو يلعب به في الميسر، ويقال: أسهم بينهم أي أقرع، وساهمه أي باراه ولاعبه فغلبه، وساهمه أي قاسمه وأخذ سهمًا، أي نصيبًا جاء في المعجم الوسيط: "ومنه شركة المساهمة " (١) وفي القرآن الكريم: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] .
أي قارع بالسهام فكان من المغلوبين (٢) . والاقتصاديون يطلقون السهم مرة على الصك، ومرة على النصيب، والمؤدى واحد، فباعتبار الأول قالوا: السهم هو صك يمثل جزءًا من رأس مال الشركة، يزيد وينقص تبع رواجها.
وبالاعتبار الثاني: قالوا: السهم هو نصيب المساهم في شركة من شركات الأموال، أو الجزء الذي ينقسم على قيمته مجموع رأس مال الشركة المثبت في صك له قيمة اسمية، حيث تمثل الأسهم في مجموعها رأس مال الشركة، وتكون متساوية القيمة (٣) .
وتتميز الأسهم بكونها متساوية القيمة، وأن السهم الواحد لا يتجزأ وأن كل نوع منها – عاديًّا أو ممتازًا – يقوم – من حيث المبدأ – على المساواة في الحقوق والالتزامات وأنه قابل للتداول، ولكن بعض القوانين – مثل النظام السعودي – استثنى الأسهم المملوكة للمؤسسين حيث لا يجوز تداولها قبل نشر الميزانية إلَّا بعد سنتين ماليتين كاملتين – كقاعدة عامة – وكذلك لا يجوز تداول أسهم الضمان التي يقدمها عضو مجلس الإدارة لضمان إدارته طوال مدة العضوية وحتى تنقضي المدة المحددة لسماع دعوى المسؤولية (٤) .
стр. 9707
حكم تقسيم رأس مال الشركة:
ومن الجدير بالتنبيه عليه أن تقسيم رأس مال الشركة إلى حصص وأجزاء، واشتراط الشروط السابقة لا يتنافى مع المبادئ العامة للشريعة الإسلامية، والقواعد العامة للشركة في الفقة الإسلامي، إذ ليس فيها ما يتنافى مع مقتضى عقد الشركة، بل فيها تنظيم وتيسير ورفع للحرج الذي هو من سمة هذه الشريعة، وداخل ضمن الوفاء العام بالعقود: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
وتحت قول الرسول ﷺ : ((المسلمون عند شروطهم)) (١) . وفي رواية: (( ... والمسلمون على شروطهم إلَّا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا)) (٢) . قال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح " (٣) .
فهذه النصوص وغيرها تدل على أن كل مصالحة وكل شرط جائزان إلَّا ما دل الدليل على حرمته، وعلى أن الأصل فيهما هو الإباحة، والحظر يثبت بدليل خاص، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهذا المعنى هو الذي يشهد عليه الكتاب والسنة ... " (٤) . ويقول أيضًا: " إن الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلَّا ما دل الدليل على خلافه ... فإن الكتاب والسنة قد دلا على الوفاء بالعقود والعهود، وذم الغدر والنكث ... والمقصود هنا: أن مقتضى الأصول والنصوص: أن الشرط يلزم إلَّا إذا خالف كتاب الله ... ".
ولا يخفى أن هذه القواعد السابقة تجعل الفقه الإسلامي يقبل بكل عقد، أو تصرف، أو تنظيم مالي أو إداري ما دام لا يتعارض مع نصوص الكتاب والسنة، وقواعدها العامة، وأن الشريعة الغراء تجعل كل حكمة نافعة ضالة المؤمن دون النظر إلى مصدرها أو اسمها، وإنما الأساس معناها ومحتواها، ووسائلها وغاياتها، وما تحققه من مصالح ومنافع، أو مضار ومفاسد.
стр. 9708
خصائص السهم وحقوقه:
للأسهم عدة خصائص من أهمها: تساوي قيمتها حسبما يحددها القانون، وتساوي حقوقها، وكون مسؤولية كل مساهم بقدر قيمة أسهمه، وقابليتها للتداول، وعدم قابلية السهم للتجزئه وأما حقوق السهم فهي حق بقاء صاحبه في الشركة، وحق التصويت في الجمعية العمومية، وحق الرقابة، وحق رفع دعوى المسؤولية على الإداريين، والحق في نصيب الأرباح، والاحتياطات والتنازل عن السهم والتصرف فيه، والأولوية في الاكتتاب، وحق اقتسام موجودات الشركة عند تصفيتها (١)
حكم الأسهم باعتبار نشاطها ومحلها:
ذكرنا أن تقسيم رأس مال الشركة إلى حصص متساوية تسمى بالأسهم جائز ليس فيه أية مخالفة لمبادئ الإسلام وقواعده.
وهنا نذكر بصورة عامة حكم تداول هذه الأسهم والتصرف فيها بالبيع والشراء وغيرهما بصورة عامة، ثم نذكر عند بيان كل نوع من الأسهم حكمه الخاص بإذن الله تعالى.
ومن الجدير بالتنبيه عليه أن بعض الباحثين (٢) . أطلقوا اختلاف العلماء المعاصرين حول الأسهم مطلقًا دون تفصيل من غير أن يجد منهم تصريحًا بذلك بل اعتمادًا على ما فهم من آرائهم في الشركات بصورة عامة (٣) .
وهذا الإطلاق لا ينبغي الركون إليه، إذ أن لازم المذهب ليس بمذهب – كما هو مقرر في الأصول – كما أن جل نقاش هؤلاء العلماء في الشركات التي أنشئت في بلاد الإسلام وليس في الشركات التي حدد نشاطها في المحرمات كالخنزير والخمور ونحوها.. (٤) .
стр. 9709
ولذلك نقسم الأسهم إلى نوعين: نوع محرم تحريمًا بينًّا، ونوع فيه النقاش والتفصيل والخلاف.
فالنوع الأول هو الأسهم التي محلها الخنزير، والخمور والمخدرات، والقمار ونحوها من المحرمات، وكذلك الشركات التي يكون نشاطها محصورًا في الربا كالبنوك الربوية.
فهذه الأسهم جميعها لا يجوز إنشاؤها ولا المساهمة في إنشائها، ولا التصرف فيها بالبيع والشراء ونحوهما، يقول ابن القيم بعد أن ذكر الأحاديث الخاصة بحرمة بيع بعض الأشياء -: " فاشتملت هذه الكلمات الجوامع على تحريم ثلاثة أجناس: مشارب تفسد العقول – كالخمر – ومطاعم تفسد الطباع وتغذي غذاء خبيثًا – مثل الميتة، والخنزير – وأعيان – كالأصنام تفسد الأديان وتدعو إلى الفتنة والشرك، فصان بتحريم النوع الأول العقول عما يزيلها، ويفسدها، وبالثاني القلوب عما يفسدها من وصول أثر الغذاء الخبيث إليها ... ، وبالثالث الأديان عما وضع لإفسادها " (١) .
هذا هو المبدأ الذي لا يجوز تجاوزه، ولا ينبغي التوقف فيه، وما سوى هذا النوع من الأسهم الحرام قسمان:
стр. 9710
القسم الأول
أسهُم لشركات قَائمة عَلى شَرع الله تعَالى
حيث رأس مالها حلال، وتتعامل في الحلال، وينص نظامها وعقدها التأسيسي على أنها تتعامل في حدود الحلال، ولا تتعامل بالربا إقراضًا واقتراضًا، ولا تتضمن امتيازًا خاصًَّا أو ضمانًا ماليًّا لبعض دون آخر.
فهذا النوع من أسهم الشركات – مهما كانت تجارية أو صناعية أو زراعية – من المفروض أن يفرغ الفقهاء من القول بحلها وحل جميع التصرفات الشرعية فيها، وذلك لأن الأصل في التصرفات والعقود المالية الإباحة، ولا تتضمن هذه الأسهم أي محرم، وكل ما فيها أنها نظمت أموال الشركة حسبما تقتضيه قواعد الاقتصاد الحديث دون التصادم بأي مبدأ إسلامي.
ومع ذلك فقد أثير حول هذا النوع أمران:
الأمر الأول: ما أثاره أحد الكتاب من أن هذه الأسهم جزء من النظام الرأسمالي الذي لا يتفق جملة وتفصيلًا مع الإسلام، بل إن الشركات الحديثة ولا سيما شركات الأموال حرام لا تجوز شرعًا، لأنها تمثل وجهة نظر رأسمالية فلا يصح الأخذ بها، ولا إخضاعها لقواعد الشركات في الفقه الإسلامي (١) .
وهذا الحكم العام لا يؤبه به، ولا يجنح إليه، فالإسلام لا يرفض شيئًا لأنه جاء من النظام الفلاني، أو وجد فيه، وإنما الحكم في الإسلام موضوعي قائم على مدى موافقته لقواعد الشرع، أو مخالفته، " فالحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها أنّى وجدها " وبما أن الأسهم القائمة على الحلال لا تتضمن مانعًا شرعيًّا فلا يجوز القول بتحريمها، - كما سبق.
стр. 9711
واستدل كذلك بأن الأسهم بمثابة سندات بقيمة موجودات الشركة، وهي تمثل ثمن الشركة وقت تقديرها وليست أجزاء لا تتجزأ من الشركة، ولا تمثل رأس مالها عند إنشائها (١) .
غير أن هذا الحكم والتصور للأسهم مجاف للحقيقة، والواقع الذي عليه الشركات المعاصرة، لأن الأسهم ليست سندات، وإنما هي حصص الشركة، وأن كل سهم بمثابة جزء لا يتجزأ من كيان الشركة، وأن مجموع الأسهم هي رأس مال الشركة (٢) .
كما قاس الأسهم على أوراق النقد حيث يهبط سعرها، ويرتفع، وتتفاوت قيمتها وتتغير، ومن هنا ينسلخ السهم بعد بدء الشركة عن كونه رأس مال، وصار ورقة مالية لها قيمة معينة.
والواقع أن هذا التكييف الفقهي للأسهم غير دقيق، وقياسها على الأوراق النقدية قياس مع الفارق، لأن الأسهم في حقيقتها هي حصص الشركة، وأجزاء تقابل أصولها، وموجوداتها، وهي وإن كانت صكوكًا مكتوبة لكنها يعني بها ما يقابلها.
ومسألة الهبوط والارتفاع يختلف سببها في الأسهم عن سببها في النقود، فتغير قيمة الأسهم يعود إلى نشاط الشركة نفسها، حيث ترتفع عندما تزداد أرباحها، أو تزداد معها موجوداتها، وثقة الناس بها، وتنخفض عند الخسارة، ومثل ذلك كمثل شخص أو شركاء لهم سلع معينة فباعوها بأرباح جيدة فزادت نسبة مال كل واحد منهم بقدر الربح، وكذلك تنقص نسبة مال كل واحد منهم لو فقد منها بعضها، أو هلك، أو بيعت السلعة بخسارة، فهذا هو الأنموذج المصغر للأسهم في الشركات.
стр. 9712
أما الورقة النقدية فيعود انخفاضها إلى التضخم، وإلى الأنظمة الدولية بهذا الخصوص وسياسة الدولة في إصدار المزيد من الأوراق النقدية التي قد لا يوجد لها مقابل حقيقي، وغير ذلك من العوامل الاقتصادية، بينما السهم يمثل ذلك المبلغ الذي تحول إلى جزء من الشركة ممثل في أصولها وموجوداتها.
الأمر الثاني: الذي أثير حول هذا النوع من الأسهم هو ما أثير حول شرائها، أو بيعها من ملحوظات ثلاث نذكرها مع الإجابة عنها (١) .
الملحوظة الأولى: الجهالة، حيث لا يعلم المشتري علمًا تفصيليًّا بحقيقة محتوى السهم.
للجواب عن ذلك نقول: إن الجهالة إنما تكون مانعة من صحة العقد إذا كانت مؤدية إلى النزاع، أو كما يعبر عنه الفقهاء بالجهالة الفاحشة (٢) يقول الإمام القرافي: " الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعًا كالطير في الهواء، وقليل جائز إجماعًا كأساس الدار ... ، ومتوسط اختلف فيه " (٣) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيع المغيبات كالجزر، واللفت والقلقاس: " والأول – أي القول بصحة بيعها وهو مذهب مالك وقول لأحمد – أصح ... ، فإن أهل الخبرة إذا رأوا ما ظهر منها من الورق وغيره دلهم ذلك على سائرها، وأيضًا فإن الناس محتاجون إلى هذه البيوع، والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك، كما أباح بيع الثمار قبل بدو صلاحها مبقاة إلى الجذاذ وإن كان بعض المبيع لم يخلق ... وأباح بيع العرايا بخرصها فأقام التقدير بالخرص مقام التقدير بالكيل عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا الذي هو أعظم من بيع الغرر، وهذه قاعدة الشريعة، وهو تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما " (٤) ، ويقول الأستاذ الصديق الضرير: " الغرر الذي يؤثر في صحة العقد هو ما كان في المعقود عليه أصالة، أما الغرر في التابع.. فإنه لا يؤثر في العقد " (٥) .
стр. 9713
فالواقع أن المشترى يعلم علمًا إجماليًّا كافيًا بقيمة السهم، وما يقابله من الموجودات من خلال نشر الميزانية ونشاط الشركة ونحو ذلك، وهذا العلم يكفى لصحة البيع بالإضافة إلى أن العلم في كل شيء بحسبه.
ثم إن بيع الحصص المشاعة جائز بالاتفاق، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " يجوز بيع المشاع باتفاق المسلمين، كما مضت بذلك سنة رسول الله ﷺ ... " (١) . ويقول ابن قدامة: " وإن اشترى أحد الشريكين حصة شريكه جاز، لأنه يشتري ملك غيره وكذلك الأمر لو باعه لأجنبي وكذلك الأمر عند غيره من العلماء (٢) .
الملحوظة الثانية: إن بيع السهم يعني بيع جزء من الأصول، وجزء من النقود، وهذا يقتضي ملاحظة قواعد الصرف من التماثل والتقابض في المجلس بين الجنس الواحد، والتقابض فيه عند اختلاف الجنس، وذلك لأن السهم في الغالب يكون مساويًا لموجودات الشركة بما فيها النقود. للجواب عن ذلك أن وجود النقود في الأسهم يأتي تبعًا غير مقصود لأن الأصل والأساس فيها هي الموجودات العينية، ولذلك نقول: إن بيع السهم قبل بدء عمل الشركة وقبل شراء المباني ونحوها لا يجوز إلَّا مع مراعاة قواعد الصرف.
فالسهم يراد به هذا الجزء الشائع من الشركة دون النظر إلى تفصيلاته فما دام للسهم مقابل من موجودات الشركة لا يعامل معاملة النقد بسبب أن جزءًا من الموجودات نقد، والقاعدة الفقهية تقضي أنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره، وأنه يغتفر في الشيء ضمنًا ما لا يغتفر فيه قصدًا، قال السيوطي: " ومن فروعها ... أنه لا يصح بيع الزرع الأخضر إلَّا بشرط القطع، فإن باعه مع الأرض جاز تبعًا ... " (٣) .
стр. 9714
بل إن مسألتنا هذه لها أصل مقرر في السنة المشرفة حيث إن الرسول ﷺ أجاز شراء عبد وله مال – وحتى وإن كان نقدًا – فيكون ماله تبعًا للمشترى إذا اشترط ذلك دون النظر إلى قواعد الصرف، فقد روى البخاري ومسلم، وغيرهما ... بسندهم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (( ... ومن ابتاع عبدًا وله مال فماله للذي باعه إلَّا أن يشترط المبتاع)) (١) . قال الحافظ ابن حجر: " ويؤخذ من مفهومه أن من باع عبدًا ومعه مال وشرطه المبتاع أن البيع يصح ". ثم ذكر اختلاف العلماء فيما لو كان المال ربويًّا، حيث ذهب مالك إلى صحة ذلك ولو كان المال الذي معه ربويًّا لإطلاق الحديث، ولأن العقد إنما وقع على العبد خاصة والمال الذي معه لا مدخل له في العقد" (٢) . قال مالك: " الأمر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إن اشترط مال العبد فهو له نقدًا كان أو دينًا أو عرضًا يعلم أو لا يعلم ... " (٣) .
الملحوظة الثالثة: أن جزءًا من السهم يمثل دينًا للشركة وحينئذٍ لايجوز بيعه بثمن مؤجل، لأنه يكون بيع الدين بالدين وهو منهي عنه حيث روي ((أن الرسول ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ)) – أي الدين بالدين - (٤) .
стр. 9715
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الحديث ضعيف، لأن في سنده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف (١) فلا ينهض حجة، كما أن الحديث فسره بعدة تفسيرات لا يدخل موضوعنا في أكثرها.
الوجه الثاني: لا ينطبق عليه بيع الدين بالدين، إذ أن هذا الجزء من ديون الشركة داخل في السهم تبعًا، وحينئذ يكون الجواب السابق في الملحوظة الثانية جوابًا لهذا الإشكال بكل تفاصيله.
الوجه الثالث: ليس الحكم السابق – في كون الدين جزءًا من السهم – عامًا، إذ قد لا توجد الديون للشركة، وإنما تتعامل بالنقد، وعلى فرض وجودها فهي تمثل نسبة قليلة من موجودات الشركة، والقاعدة الفقهية تقضي بأن العبرة بالأكثر (٢) .
والخلاصة أن الأسهم التي تقوم على الحلال، وتتبع الشركات التي تمتنع عن مزاولة أي نشاط محرم، وتتوفر فيه قواعد الشركة من المشاركة في الأعباء، وتحمل المخاطر، ولا تكون لهذه الأسهم ميزة مالية على غيرها ... فهي حلال لما ذكرناه ويجوز إنشاؤها، والتصرف فيها، وذلك لأن ذلك كله داخل حدود التصرفات المباحة التي أجازها الشارع للمالك في ملكه، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
والأدلة الأخرى التي ذكرنا بعضها.
стр. 9716
القسم الثاني
أسهُم لَم تَتَوفّر فيَها الشُروط السَّابقَة
وهي الأسهم التي ليست شركات تزاول المحرمات – كالنوع الأول – ولا لشركات قائمة على الحلال – كالقسم الأول – وإنما هي أسهم لشركات قد تدع في بعض الأحيان بعض فلوسها في البنوك بفائدة، أو تقترض منها بفائدة، أو قد تكون نسبة قليلة من معاملاتها تتم من خلال عقود فاسدة كمعظم الشركات في الدول الإسلامية، والشركات في الدول غير الإسلامية مما يكون محلها أمورًا مباحة كالزراعة، والصناعة والتجارة (أي فيما عدا المحرمات السابقة في النوع الأول) .
وقبل أن أذكر حكم هذه الأسهم أود أن أبين جملة من المبادئ الشرعية في هذا الصدد منها:
أولًا: أن المسلمين مطالبون بتوفير المال الحلال الطيب الذي لا شبهة فيه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] .
﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا﴾ [النحل: ١١٤] .
ويقول الرسول ﷺ : ((الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ... )) (١) .
قال الحافظ بن حجر: " واختلف في حكم الشبهات، فقيل: التحريم. وهو مردود، وقيل: الكراهة، وقيل: الوقف ". ثم قال: " ... رابعها: أن المراد بها المباح، ولا يمكن قائل هذا أن يحمله على متساوى الطرفين من كل وجه، بل يمكن حمله على ما يكون من قسم الخلاف الأولى ... " ونقل ابن المنير في مناقب شيخه القباري عنه أنه كان يقول: " المكروه عقبة بين العبد والحرام فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام ... ، وهو منزع حسن " (٢) .
стр. 9717
ثانيًا: أن الشريعة الإسلامية الغراء مبناها على رفع الحرج ودفع المشقة، وتحقيق اليسر والمصالح للأمة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وهذا المبدأ من الوضوح ما لا يحتاج إلى دليل، بل هو مقصد من مقاصد الشريعة.
وبناء على هذا الأصل العظيم أبيحت المحظورات للضرورة، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
وكما أن الضرورة مرفوعة كذلك نزلت الحاجة منزلة الضرورة، يقول السيوطي، وابن نجيم وغيرهما: " الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت، أو خاصة ". ولهذا جوزت الإجارة والجعالة، ونحوها (١) .
يقول الشيخ أحمد الزرقاء: " والمراد بالحاجة هي الحالة التي تستدعي تيسيرًا، أو تسهيلًا لأجل الحصول على المقصود فهي دون الضرورة من هذه الجهة وإن كان الحكم الثابت لأجلها مستمرًا، والثابت للضرورة مؤقتًا ... " (٢) .
ومن الأمثلة الفقهية لهذه القاعدة ما أجازه فقهاء الحنفية من بيع الوفاء مع أن مقتضاه عدم الجواز، لأنه إما من قبيل الربا، لأنه انتفاع بالعين بمقابلة الدين، أو صفقة مشروطة في صفقة كأنه قال: بعته منك بشرط أن تبيعه مني إذا جئتك بالثمن، وكلاهما غير جائز، ولكن لما مست الحاجة إليه في بخارى بسبب كثرة الديون على أهلها جوز على وجه أنه رهن أبيح الانتفاع بثمراته ومنافعه كلبن الشاة، والرهن على هذه الكيفية جائز (٣) .
стр. 9718
ومن هذه الاجتهادات ما ذكره ابن عابدين أن مشايخ بلخ، والنسفي أجازوا حمل الطعام ببعض المحمول، ونسج الثوب ببعض المنسوج لتعامل أهل بلادهم بذلك، وللحاجة مع أن ذلك خلاف القياس، وأن متقدمي الحنفية صرحوا بعدم جوازه (١) .
وذكر أيضًا أن بعض قدماء الحنفية لما سئلوا عن النسبة المئوية التي يأخذها السمسار مثل ١٠ % قالوا: ذاك حرام عليهم، وإنما يجب لهم أجر المثل. بينما أجازه بعضهم مثل محمد بن سلمة حيث سئل عن أجرة السمسار فقال: أرجو أنه لا بأس به – وإن كان في الأصل فاسدًا -، لكثرة التعامل، وكثير من هذا غير جائز فجوزوه لحاجة الناس إليه ... (٢) .
ولهذه القاعدة أدلة عملية من السنَّة المشَرَّفة، منها أن الرسول ﷺ أباح بيع العرايا (٣) . مع أن أصلها يدخل في باب الربا، حيث لم يجوز ﷺ بيع التمر بالرطب (٤) لوجود النقصان، وعدم تحقيق التماثل الحقيقي، ومع ذلك أباح العرايا لحاجة الناس إليها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية " وأباح بيع العرايا ... عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا ... " (٥) " ويقول أيضًا: "الشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم " (٦) ويقول: "والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه في البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك " (٧) .
стр. 9719
ثالثًا: لا ينكر دور العرف وأثره في الفقه الإسلامي ما دام لا يتعارض مع نصوص الشريعة، يقول ابن نجيم: " واعلم أن اعتبار العادة والعرف يرجع إليه في الفقه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا ... "، ثم قال: " والحاصل أن المذهب عدم اعتبار العرف الخاص، ولكن أفتى كثير من المشايخ باعتباره، فأقول على اعتباره أن يفتى بأن ما يقع في بعض أسواق القاهرة من خلو الحوانيت لازم، ويصير الخلو في الحانوت حقًا له، فلا يملك صاحب الحانوت إخراجه منها، ولا إجارتها لغيره ولو كانت وقفًا، وقد وقع في حوانيت الجملوث بالغورية أن السلطان الغوري لما بناها أسكنها للتجار بالخلو، وجعل لكل حانوت قدرًا أخذه منهم، وكتب ذلك بمكتوب الوقف، وكذا أقول على اعتبار العرف الخاص".
ويقول ابن نجيم مضيفًا إلى ما سبق من مسائل: " وقد اعتبروا عرف القاهرة في مسائل، منها ما في فتح القدير من دخول السُّلم في البيت المبيع في القاهرة دون غيرها، لأن بيوتهم طبقات لا ينتفع بها إلَّا به " (١) .
بل إن المحققين من العلماء لا يبيحون لعالم يفتي إلَّا بعد معرفته بأحوال الناس، وأعرافهم، وأن يلاحظ عرف كل بلد، وفي هذا يقول ابن القيم: " ... فمهما تجدد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغِهِ، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله على عرف بلده فأجره عليه ... " (٢) .
стр. 9720
رابعًا: إننا – نحن المسلمين اليوم – لا نعيش عصرًا يطبق فيه المنهج الإسلامي بكامله، فيسوده نظام الإسلام السياسي، والاقتصادي والاجتماعي والتربوي، وإنما نعيش في عصر يسوده النظام الرأسمالي، والاشتراكي، وحينئذٍ لا يمكن أن نحقق ما نصبو إليه فجأة من أن تسير المعاملات بين المسلمين على العزائم دون الرخص، وعلى المجمع عليه دون المختلف فيه، وعلى الحلال الطيب الخالص دون وجود الشبهة، فعصرنا يقتضي البحث عن الحلول النافعة حتى ولو قامت على رأي فقيه واحد معتبر ما دام رأيه يحقق المصلحة للمسلمين، بل لا ينبغي اشتراط أن نجد رأيًا سابقًا، وإنما علينا أن نبحث في إطار المبادئ والأصول العامة التي تحقق الخير للأمة، ولا يتعارض مع نصّ شرعي ثابت.
علينا أن نبحث عن تحقيق نظام اقتصادي، علينا أن نبحث بجد عن حماية أموال المسلمين، وإبقاء اقتصادهم بأيديهم، دون سيطرة غيرهم عليه، فلننظر إلى هذا الأفق الواسع لشيخ الإسلام العز بن عبد السلام حيث يقول: " لو عمَّ الحرام الأرض بحيث لا يوجد فيها حلال جاز أن يستحل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، ولا يقف تحليل ذلك على الضرورات لأنه لو وقف عليها لأدَّى إلى ضعف العباد، واستيلاء أهل الكفر والعناد على بلاد الإسلام، ولا نقطع الناس عن الحرف والصنائع والأسباب التي تقوم بمصالح الأنام (١) .
стр. 9721
حكم هذا القسم من الأسهم:
بعد ذكر تلك المبادئ نعود إلى حكم هذا القسم من الأسهم، واختلاف المعاصرين، وأدلتهم مع الترجيح.
لقد اختلف المعاصرون على رأيين:
الرأي الأول: هو حرمة التصرف في هذه الأسهم ما دامت لا تقوم على الحلال المحض، وبعضهم اشترط وجود هيئة رقابة شرعية لها (١) .
الرأي الثاني: إباحة الأسهم (السابقة) والتصرف فيها.
هذا وقد قال الكثيرون بإباحة الأسهم في الدول الإسلامية مطلقًا دون التطرق إلى التفصيل الذي ذكرته، منهم الشيوخ: على الخفيف، وأبو زهرة، وعبد الوهاب خلاف، وعبد الرحمن حسن، وعبد العزيز الخياط، ووهبة الزحيلي، والقاضي عبد الله سليمان بن منيع، وغيرهم على تفصيل وتفريع لدى بعضهم يجب أن يراجع (٢) .
وقد بنى أصحاب الرأي الأول رأيهم على أن هذه الأسهم ما دام فيها حرام، أو تزاول شركاتها بعض أعمال الحرام كإيداع بعضها بعض أموالها في البنوك الربوية فتصبح هذه الأسهم محرمًا شراؤها، بناءً على النصوص الدالة على وجوب الابتعاد عن الحرام، والشبهات، وعلى قاعدة: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام.
أما المبيحون فهم يعتمدون على أن الأسهم في واقعها ليست مخالفة للشريعة، وما شابها من بعض الشوائب والشبهات والمحرمات قليل بالنسبة للحلال، فما دام أكثرية رأس المال حلالًا، وأكثر التصرفات حلالًا فيأخذ القليل النادر حكم الكثير الشائع، ولا سيما يمكن إزالة هذه النسبة من المحرمات عن طريق معرفتها من خلال الميزانية المفصلة، أو السؤال عن الشركة، ثم التخلص منها (٣) .
стр. 9722
ويمكن تأصيل ذلك من خلال القواعد الفقهية، ونصوص الفقهاء المبنية على عموم الشريعة ومبادئها في اليسر، ورفع الحرج على ضوء ما يأتي:
أولًا: اختلاط جزء محرم لا يجعل مجموع المال محرمًا عند الكثيرين، حيث أجازوا في المال الحلال المختلط بقليل من الحرام التصرفات الشرعية من التملك والأكل والبيع والشراء ونحوها، غير أن الفقهاء فرقوا بين ما هو محرم لذاته وما هو محرم لغيره، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " إن الحرام نوعان ".
حرام لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير، فهذا إذا اختلط بالماء والمائع وغيره من الأطعمة، وغير طعمه، أو لونه، أو ريحه حرمه، وإن لم يغيره ففيه نزاع ...
والثاني: الحرام لكسبه: كالمأخوذ غصبًا، أو بعقد فاسد فهذا إذا اختلط بالحلال لم يحرمه، فلو غصب الرجل دراهم، أو دنانير أو دقيقًا، أو حنطة أو خبزًا، وخلط ذلك بماله لم يحرم الجميع لا على هذا، ولا على هذا، بل إن كانا متماثلين أمكن أن يقسموه ويأخذ هذا قدر حقه، وهذا قدر حقه. فهذا أصل نافع، فإن كثيرًا من الناس يتوهم أن الدراهم المحرمة إذا اختلطت بالدرهم الحلال حرم الجميع، فهذا خطأ، وإنما تورع الناس فيما إذا كانت – أي الدراهم الحلال – قليلة، أما مع الكثرة فما أعلم فيه نزاعًا ... " (١) .
стр. 9723
وعلى ضوء ذلك فمسألتنا هذه من النوع الثاني حيث كلامنا في أسهم شابتها بعض تصرفات محرمة كإيداع بعض نقودها في البنوك الربوية، وحتى تتضح الصورة أكثر نذكر نصوص الفقهاء في هذه المسألة:
يقول ابن نجيم الحنفي: " إذا كان غالب مال المهدي حلالًا فلا بأس بقبول هديته، وأكل ماله ما لم يتبين أنه حرام، وإن كان غالب ماله الحرام لا يقبلها، ولا يأكل إلَّا إذا قال: إنه حلال ورثه، أو استقرضه "، ثم ذكر أنه إذا أصبح أكثر بياعات أهل السوق لا تخلو عن الفساد والحرام يتنزه المسلم عن شرائه، ولكن مع هذا لو اشتراه يطيب له. وقال أيضًا: " إذا اختلط الحلال والحرام في البلد فإنه يجوز الشراء، والأخذ إلَّا أن تقوم دلالة على أنه من الحرام، كذا في الأصل (١) .
ثم ذكر صورًا أخرى فقال: " ومنها البيع، فإذا جمع بين حلال وحرام في صفقة واحدة، فإن كان الحرام ليس بمال كالجمع بين الذكية والميتة، فإنه يسري البطلان إلى الحلال لقوة بطلان الحرام، وإن كان الحرام ضعيفًا كأن يكون مالًا في الجملة كما إذا جمع بين المدبر والقن ... فإنه لا يسري الفساد إلى القن لضعفه ... " (٢) .
وقال الكاساني: " كل شيء أفسده الحرام، والغالب على الحلال فلا بأس ببيعه " (٣) .
وقد أفاض الفقيه ابن رشد في هذه المسألة، نذكر منها ما يلي: حيث قال: " فأما الحال الأولى: وهي أن يكون الغالب على ماله الحلال فالواجب عليه في خاصة نفسه أن يستغفر الله تعالى، ويتوب إليه بردِّ ما عليه من الحرام ... أو التصدق به عنهم إن لم يعرفهم ... وإن كان الربا لزمه أن يتصدق بما أخذ زائد على ما أعطي ... ".
ثم قال: " وإن علم بائعه في ذلك كله ردّ عليه ما أربى فيه معه فإذا فعل هذا كله سقطت حرمته، وصحت عدالته، وبرئ من الإثم، وطاب له ما بقي من ماله، وجازت مبايعته فيه وقبول هديته وأكل طعامه بإجماع من العلماء.
واختلف إذا لم يفعل ذلك في جواز معاملته، وقبول هديته، وأكل طعامه فأجاز ابن القاسم معاملته، وأبى ذلك ابن وهب وحرَّمه أصبغ ...
стр. 9724
ثم قال ابن رشد: " وقول ابن القاسم هو القياس، لأن الحرام قد ترتَّب على ذمته فليس متعينًا في جميع ما في يده من المال بعينه شائعًا ... وأما قول أصبغ فإنه تشديد على غير قياس".
وأما الحال الثانية: وهي أن يكون الغالب على ماله الحرام فالحكم فيما يجب على صاحبه في خاصة نفسه على ما تقدم سواء.
وأما معاملته وقبول هديته فمنع من ذلك أصحابنا، قيل على وجه الكراهة – وعزى هذا القول إلى ابن القاسم – وقيل على وجه التحريم إلَّا أن يبتاع سلعة حلالًا فلا بأس أن تشترى منه وأن تقبل منه هبةً ... (١) .
وقال العز بن عبد السلام: " وإن غلب الحلال بأن اختلط درهم حرام بألف درهم حلال جازت المعاملة ... " (٢) ، ومثله قال الزركشي (٣) .
بل إن السيوطي ذكر أن الأصح عند فقهاء الشافعية – ما عدا الغزالي – أنهم لم يحرموا معاملة من أكثر ماله حرام إذا لم يعرف عينه، ولكن يكره، وكذا الأخذ من عطايا السلطان إذا غلب الحرام على يده كما قال في المهذب: إن المشهور فيه الكراهة، لا التحريم خلافًا للغزالي ... قال في الإحياء " لو اختلط في البلد الحرام لا ينحصر لم يحرم الشراء منه بل يجوز الأخذ منه إلَّا أن يقترن به علامة على أنه من الحرام "، وقال: ويدخل في هذه القاعدة تفريق الصفقة، وهي أن يجمع في عقدين حرام وحلال، ويجري في أبواب وفيها غالبًا قولان، أو وجهان أصحهما الصحة في الحلال، والثاني البطلان في الكل ... ومن أمثلة ذلك في البيع أن يبيع خلًّا وخمرًا ... (٤) ، وقال ابن المنذر: اختلفوا في مبايعة من يخالط ماله حرام، وقبول هديته وجائزته، فرخص فيه الحسن، ومكحول والزهري والشافعي، قال الشافعي: " لا أحب ذلك، وكره ذلك طائفة ... " (٥) .
стр. 9725
وقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة تفصيلًا حينما سئل سؤالًا لا نزال نسمعه حتى في عصرنا الحاضر، وهو: أن رجلًا نقل عن بعض السلف من الفقهاء: أنه قال: أكل الحلال متعذِّر لا يمكن وجوده في هذا الزمان، فقيل له: لم ذلك؟ فذكر: أن وقعة المنصورة لم تقسم الغنائم فيها، واختلطت الأموال بالمعاملات بها، فقيل له: إن الرجل يؤجر نفسه لعمل من الأعمال المباحة، ويأخذ أجرته حلال، فذكر أن الدرهم في نفسه حرام.
فأجاب – ﵀ – هذا القائل.. غالط مخطئ ... فإن مثل هذه المقالة كان يقولها بعض أهل البدع، وبعض أهل الفقه الفاسد، وبعض أهل الشك الفاسد، فأنكر الأئمة ذلك حتى الإمام أحمد في ورعه المشهور كان ينكر مثل هذه المقالة ... وقال: انظر إلى هذا الخبيث يحرم أموال المسلمين.
ثم ذكر خطورة آثار هذا التصور الفاسد، منها أن بعض الناس ظنوا ما دام الحرام قد أطبق الأرض، إذن لماذا البحث عن الحلال؟ فاعتبروا الحلال ما حل بأيديهم والحرام ما حرموا منه، وبعضهم اخترعوا الحكايات الكذبة بحجة الورع.
ثم ردَّ على هذه المقالة، وبين بأن الغالب على أموال المسلمين الحلال، ثم ذكر عدة أصول:
"أحدها: أنه ليس كل ما اعتقد فقيه معين أنه حرام كان حرامًا، وإنما الحرام ما ثبت تحريمه بالكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو قياس مرجح لذلك، وما تنازع فيه العلماء رد إلى هذه الأصول "، ثم بين بأن حمل المسلمين على مذهب معين غلط.
стр. 9726
ثم ذكر أصلًا آخر وهو أن خلط الحرام بالحلال لا يحرم جميع المال، - كما سبق -.
كما ذكر أصلًا آخر وهو أن المجهول في الشريعة كالمعدوم والمعجوز عنه، ولذلك إذا لم يعلم صاحب اللقطة حل لملتقطها بعد التعريف بها، ومن هنا، فإذا لم يعلم حال ذلك المال الذي بيده بنى الأمر على الأصل، وهو الإباحة (١) .
وذكر في جواب سؤال حول التعامل مع من كان غالب أموالهم حرامًا مثل المكاسين وأكلة الربا؟
فأجاب: إذا كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة وإن كان الحرام هو الأغلب، قيل بحل المعاملة، وقيل: بل هي محرمة، فأما المعاملة بالربا فالغالب على ماله الحلال إلَّا أن يعرف الكره من وجه آخر، وذلك أنه إذا باع ألفًا بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط وإذا كان في ماله حلال وحرام واختلط لم يحرم الحلال، بل له أن يأخذ قدر الحلال، كما لو كان المال لشريكين فاختلط مال أحدهما بمال الآخر، فإنه يقسم بين الشريكين، وكذلك من اختلط بماله الحلال والحرام أخرج قدر الحرام، والباقي حلال له (٢) .
وسئل عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام؟ فأجاب: يخرج قدر الحرام بالميزان، فيدفعه إلى صاحبه، وقدر الحلال له، وإن لم يعرفه وتعذرت معرفته تصدق به عنه (٣) .
стр. 9727
وقريبًا من ذلك يقرره ابن القيم موضحًا أن " التحريم لم يتعلق بذات الدرهم – أي الدرهم الحرام الذي اختلط بماله – وجوهره، وإنما تعلق بجهة الكسب فيه، فإذا خرج نظيره من كل وجه لم يبقَ لتحريم ما عداه معنى ... وهذا هو الصحيح في هذا النوع، ولا تقوم مصالح الخلق إلَّا به " (١) .
وعلى ضوء هذا المبدأ نرى كثيرًا من أهل العلم أجازوا التعامل مع من كان في ماله حرام، ولكن غالبه حلال، ومن هنا يمكن القول بإباحة التعامل في هذا النوع من الأسهم، ولكن يخرج صاحبها بقدر نسبة الحرام فيها إلى الجهات الخيرية العامة، مع مراعاة الضوابط التي نذكرها في الأخير (٢) .
ثانيًا: قاعدة: يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، وقد ذكرنا هذه القاعدة مع دليلها من السنة الصحيحة المتفق عليها (٣) .
وعلى ضوء ذلك فهذا النوع من الأسهم وإن كان فيه نسبة بسيطة من الحرام لكنها جاءت تبعًا، وليست أصلًا مقصودًا بالتملك والتصرف، فما دامت أغراض الشركة مباحة، وهي أنشئت لأجل مزاولة نشاطات مباحة، غير أنها قد تدفعها السيولة أو نحوها إلى إيداع بعض أموالها في البنوك الربوية، أو الاقتراض منها.
فهذا العمل بلا شك عمل محرم يؤثم فاعله (مجلس الإدارة) لكنه لا يجعل بقية الأموال والتصرفات المباحة الأخرى محرمة، وهو أيضًا عمل تبعي وليس هو الأصل الغالب الذي لأجله أنشئت الشركة.
стр. 9728
ثالثًا: قاعدة للأكثر حكم الكل، وقد ذكرنا فيما سبق نصوص الفقهاء في حكم المال المختلط بالحرام، حيث أن الجمهور على أن العبرة بالأغلب – كما سبق - (١) وقد ذكرنا الفقهاء لهذه القاعدة تطبيقات كثيرة في أبواب الطهارة، والعبادات والمعاملات، واللباس – كالحرير – والصيد، والطعام، والأيمان، وغيرها (٢) .
إضافة إلى قاعدة: " الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة " – كما سبق ذكرها – وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الشراء ممن في ماله شبهة لا كراهة فيه إذا وجدت الحاجة إليه (٣) .
وتنزيل هذه القاعدة على موضوعنا من حيث إن حاجة الناس إلى أسهم الشركات في عالمنا الإسلامي ملحة، فالأفراد كلهم لا يستغنون عن استثمار مدخراتهم، والدول كذلك بحاجة إلى توجيه ثروات شعوبها إلى استثمارات طويلة الأجل بما يعود بالخير على الجميع، ولو امتنع المسلمون من شراء أسهم تلك الشركات لأدى ذلك إلى أحد أمرين:
أحدهما: توقف هذه المشروعات التي هي حيوية في العالم الإسلامي.
ثانيهما: غلبة غير المسلمين على هذه الشركات، وعلى إدارتها، أو على الأقل غلبة الفسقة والفجرة عليها.
لكن لو أقدم على شرائها المسلمون المخلصون لأصبحوا قادرين في المستقبل على منع تعاملها مع البنوك الربوية ولغيروا اتجاه الشركة لصالح الإسلام.
وهذا لا يعني أن المسؤولين القادرين في الشركة وفي غيرها على التغيير معفوون عن الإثم، بل هم آثمون، لكن عامة الناس لهم الحق في شراء هذه الأسهم حسب الضوابط التي نذكرها، ولذلك لو كان المساهم قادرًا على منع الشركة من إيداع بعض أموالها في الشركة لوجب عليه ذلك.
стр. 9729
مناقشة الرأي الأول المانع من تداول هذا النوع من الأسهم:
أولًا: إن وجود نسبة ضئيلة من الحرام في المال الحلال لا يجعله حرامًا، وإنما يجب نبذ المحرم فقط – كما سبق تفصيله -.
ثانيًا: إن اشتراط البعض في حل الأسهم أو التعامل مع الشركات وجود رقابة شرعية لشركتها لا نجد له دليلًا من كتاب، أو سنَّة، أو إجماع، أو قياس صحيح، فالمسلمون مؤتمنون على دينهم وعلى الحل والحرمة، وهم مستورون، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " والمسلم إذا عامل معاملات يعتقد جوازها كالحيل.. "، التي يفتي بها من يفتي ... جاز لغيره من المسلمين أن يعامله في ذلك المال، ثم قال: " وأما المسلم المستور فلا شبهة في معاملته أصلًا، ومن ترك معاملته ورعًا كان قد ابتدع في الدين بدعة ما أنزل الله بها من سلطان " (١) .
بل إن التعامل مع الكفرة جائز فيما ليس محرمًا بالاتفاق، يقول ابن تيمية: " ... وحينئذ فجميع الأموال التي بأيدي المسلمين واليهود والنصارى لا يعلم بدلالة ولا إمارة أنها مغصوبة، أو مقبوضة لا يجوز معه معاملة القابض، فإنه يجوز معاملتهم فيها بلا ريب ولا تنازع في ذلك بين الأئمة أعلمه " (٢) .
نعم لا شك أن معرفة الحلال والحرام ضروري لكل من يدخل في السوق حتى يحافظ على دينه، ويعلم الحلال والحرام إما بنفسه، أو عن طريق السؤال من أهل الذكر.
لكن لا ينبغي الحكم بعدم جواز التعامل مع شركات المسلمين ... إلَّا مع وجود رقابة شرعية، فهذا الشرط تعسف وتضييق لما وسعته الشريعة.
وصحيح أن وجود الرقابة الشرعية للشركة يعطي الأمان للمتعاملين معها لكن اشتراط حل التعامل بوجودها أمر يستدعي إعادة النظر.
стр. 9730
الرأي الراجح مع ضوابطه:
الذي نرى رجحانه – والله أعلم – هو أن هذا النوع من الأسهم بالنسبة للشركات التي يمتلكها المسلمون هو ما يأتي:
أولًا: إن مجلس الإدارة، والمدير المسؤول لا يجوز لهم قطعًا مزاولة أي نشاط محرم، فلا يجوز لهم الإقراض أو الاقتراض بفائدة، ولو فعلوا ذلك لدخلوا في الحرب التي أعلنها الله تعالى عليهم: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] .
ولا سيما بعدما يسَّر الله للمسلمين وجود بنوك إسلامية في أغلب الأماكن، أو قيامها باستثمار جميع أموالها في خيارات إسلامية كثيرة.
ثانيًا: أما مشاركة المسلمين في هذه الشركات السابقة وشراء أسهمها، والتصرف فيها ... فجائزة ما دام غالب أموالها وتصرفاتها حلالًا، وإن كان الأحوط الابتعاد عنها.
ولكن ينبغي على من يشترك مراعاة ما يلي:
١- أن يقصد بشراء أسهم هذه الشركات تغييرها نحو الحلال المحض من خلال صوته في الجمعية العمومية، أو مجلس الإدارة.
٢- أن يبذل جهده وماله لتوفير المال الحلال الطيب المحض ما أمكنه إلى ذلك سبيلًا، ولا يتجه نحو ما فيه شبهة إلَّا عند الحاجة الملحة ومصلحة المسلمين، واقتصادهم من المشاركة في التنمية والاستثمار والنهوض باقتصادهم من خلال الشركات الكبرى.
٣- إن صاحب هذه الأسهم عليه أن يراعى نسبة الفائدة التي أخذتها الشركة على الأموال المودعة لدى البنوك، ويظهر ذلك من خلال ميزانية الشركة، أو السؤال عن مسؤولي الحسابات فيها، وإذا لم يمكنه ذلك اجتهد في تقديرها، ثم يصرف هذا القدر في الجهات العامة الخيرية.
٤- لا يجوز للمسلم أن يؤسِّس شركة تنصّ في نظامها الأساسي على أنها تتعامل بالربا إقراضًا واقتراضًا، ولا يجوز كذلك التعاون في تأسيسها ما دامت كذلك، لأنه تعاون على الإثم والعداون، إلَّا لمن يقدر على تغييرها إلى الحلال.
стр. 9731
ثالثًا: إن الحكم بإباحة تداول هذه الأسهم – مع هذه الضوابط – خاص بما إذا كانت الأسهم عادية، أو ممتازة لكن ليس امتيازها على أساس المال.
وأما غيرهما فسيأتي حكم كل نوع على حدة.
أما أسهم الشركات التي يمتلكها غير المسلمين ولا ينصّ نظامها على التعامل في الحرام فقد شدد فيها البعض أكثر (١) ، ولكن لا أرى مانعًا من التعامل فيها حسب الضوابط السابقة، وقد انتهت ندوة الأسواق المالية من الوجهة الإسلامية التي عقدت في الرباط ٢٠- ٢٥ ربيع الآخر ١٤١٠هـ إلى أن أسهم الشركات التي غرضها الأساسي حلال لكنها تتعامل أحيانًا بالربا ... فإن تملكها، أو تداولها جائز نظرًا لمشروعية غرضها، مع حرمة الإقراض، أو الاقتراض الربوي، ووجوب تغيير ذلك، والإنكار والاعتراض على القائم به، ويجب على المساهم عند أخذ ريع السهم التخلص بما يظن أنه يعادل ما نشأ من التعامل بالفائدة بصرفه في وجوه الخير.
وكذلك ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي حيث أجازت باتفاق المشاركين شراء أسهم الشركات العاملة في البلاد الإسلامية لقصد العمل على أسلمة معاملاتها، بل اعتبروا ذلك أمر مطلوبًا، لما فيه من زيادة مجالات التزام المسلمين بأحكام الشريعة الإسلامية.
وأجازوا بالأغلبية شراء أسهم الشركات العاملة في البلاد غير الإسلامية، إذا لم يجدوا بديلًا خالصًا من الشوائب (٢) .
стр. 9732
والقول بالجواز إن كان نظام الشركة لا ينص على التعامل في الحرام، ومع الضوابط السابقة هو الذي يتناسب مع روح هذه الشريعة القائمة على التيسير، ورفع الحرج، ومراعاة حاجات الناس في الاستثمار، وذلك لأنه إذا وجد فيه حرام فهو نسبة ضئيلة لا تؤثر في باقي المال وكذلك يمكن التخلص منها عن طريق إعطائها للجهات الخيرية العامة، بالإضافة إلى أن محل البيع المعقود عليه في جملته أمور مباحة، وأن المشاركة في ذلك جائزة، ولم يمنع أحد من الرعيل الأول التعامل مع أهل الكتاب في الجملة، بل كان الرسول ﷺ والصحابة الكرام يتعاملون معهم، مع أن معاملات أهل الكتاب وأموالهم لم يكن جميعها على الشروط المطلوبة في الإسلام، فقد ترجم البخاري: باب المزارعة مع اليهود، فقال الحافظ ابن حجر: " وأراد بهذا: الإشارة إلى أنه لا فرق في جواز هذه المعاملة بين المسلمين وأهل الذمة " (١) كما صح ((أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل ورهنه درعه)) (٢) وكذلك الأمر عند الصحابة ﵃ حيث كان التعامل معهم سائدًا في الجملة.
حكم أسهم شركات تبيع السلاح للعدو، أو شركات قررت مكاتب مقاطعة إسرائيل عدم التعامل معهم.
فالحكم الخاص في التعامل مع هذه الشركات يدخل في باب السياسة الشرعية، وطاعة ولي الأمر، وفي باب سد الذرائع، وباب العقود وأثرها على التصرفات، وقد نص كثير من الفقهاء على حرمة العنب لمن يتخذه خمرًا، والسلاح أيام الفتنة، أو لمن يقتل به مسلمًا (٣) .
ولا يخفى أن مسألتنا هذه أخطر، ناهيك عن وجوب طاعة ولي الأمر المسلم العادل فيما ليس معصية.
стр. 9733
قاعدة لا بدَّ منها هنا:
وهي قاعدة الفرق بين الدين والعين، أي النقود والسلع حيث تتعلق الحقوق في النقود – سواء كانت ورقية أم غيرها – بالذمة، ولا تتعلق بذات النقد، بينما الحقوق في السلع تتعلق بالسلعة نفسها (١) .
فعلى ضوء هذه القاعدة فالأعيان إذا كانت حرامًا كأن كانت غصبًا، أو حصل عليها عن طريق الحرام فلا يجوز لغير صاحبها التعامل فيها، لا بيعها ولا شراؤها، ولا هبتها، ولا غير ذلك إلَّا من كان جاهلًا فيعذر إذا لم يكن عنده تقصير، فمن سرق شيئًا معينًا لا يجوز شراؤه منه بأي حال من الأحوال، أما من سرق نقودًا فلا يحرم التعامل معه إلَّا إذا غلب على أمواله الحرام – كما سبق -.
أنواع الأسهم:
للأسهم أنواع كثيرة وأسماء مختلفة متنوعة، لذلك لا يكون الحكم دقيقًا حتى نعرف بكل نوع منها، ثم نبين حكمه مع التوجيه، لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره.
وهذه الأنواع باعتبارات مختلفة، قد يتداخل بعضها في بعض، وقد يكون نوع واحد يعتريه عدة أحكام باعتبار حالاته المختلفة التي تحددها الشركة في نظامها الأساسي، لذلك نحاول أن نذكر كل ذلك بشيء من الإيجاز (٢) .
стр. 9734
(أ) أنواع الأسهم من حيث الحقوق: العادية والممتازة:
لا يخفى أن جميع الأسهم قيمتها متساوية، وهذا يقتضي تساويها في الحقوق والواجبات، وتكون مسؤولية المساهمين بحسب قيمة السهم، ولذلك فالأصل أن تكون الأسهم عادية لا ميزة لأحدهما على الآخر، ولكن بعض القوانين تبيح إصدار أسهم ممتازة وهذه الميزة قد تكون بمنح أصحابها الأولوية في الأرباح، أو في أموال الشركة عند التصفية، أو بغير ذلك.
فحكم الأسهم العادية الجواز من حيث المبدأ إلَّا إذا كان محلها حرامًا وحينئذٍ لا يجوز، كما سبق تفصيلها.
وأما أسهم الامتياز فحكمها يختلف باختلاف نوعية الامتياز فيها:
١- فإذا كان امتيازها بضمان نسبة مثل ٥ % من قيمة السهم، ثم يوزع باقي الأرباح على جميع الأسهم بالتساوي، أو استيفاء فائدة سنوية سواء ربحت الشركة أم لا.
فإن هذا النوع لا يجوز البتة في الشريعة الإسلامية، لأنه يتضمن الربا المحرم شرعًا، ولأن هذا الشرط مخالف لمقتضى عقد الشركة في الشريعة الغراء، فمبنى الشركة على المخاطرة، والمشاركة الحقيقية في الغرم والغنم على قدر الحصص، وعلى ذلك إجماع الفقهاء (١) .
٢- وإذا كان امتياز السهم بإعطاء الأولوية في الأرباح، أي يعطي لصاحبه الربح، ثم إن بقي يعطي لأصحاب الأسهم العادية ... فهذا الامتياز أيضًا مخالف لمقتضى عقد الشركة، فلا يجوز.
٣- وإذا كان هذا الامتياز بأن يعطي لصاحب السهم حق استعادة قيمة الأسهم بكاملها عند تصفية الشركة، ثم تعطي البقية الباقية لأصحاب الأسهم العادية، حيث قد يخسرون، وهو لا يخسر، فهذا أيضًا كسابقة لا يجوز للسبب نفسه.
٤- وأما إذا كان امتياز السهم يعود إلى إعطاء ضمان مالي لصاحبه دون غيره.
فإنَّ هذا الضمان مخالف لمقتضى عقد الشركة – كما سبق -.
стр. 9735
٥- وأما إذا كان الامتياز في حدود الأصوات بأن يتنازل صاحبه عن صوته، بأن لا يكون له حق التصويت في الجمعية العمومية في مقابل أن يعطى له حق دفع قيمة أسهمه بالأقساط. فلا أرى مانعًا من ذلك، لأنه يعود إلى القضايا الإدارية التي يتحكم فيها الاتفاق، وليس فيه أي مخالفة لنصوص الشرع، ولا لمقتضى عقد الشركة ولا يعود هذا الامتياز إلى الجوانب المالية، وإنما أعطي له نوع من التيسير في مقابل تنازله عن صوته، وكل ذلك قد تمَّ برضا الطرفين، ولا يتعارض هذا الرضا مع نصوص الشرع ولا مقتضى العقد، حيث يعود الأمر في ذلك إلى تنازل أحد الشركاء لأن يدير الشركة بعضهم دون الآخرين، وقد أجاز جماعة من الفقهاء استبداد أحد الشريكين بالعمل (١) .
وكذلك الأمر لو تم الاتفاق على أن يعطى لبعض الأسهم صوتان لكل سهم، فلا أرى أنه محرم شرعًا – وإن كان فيه خوف من الاستغلال – وذلك لأن هذا الامتياز ليس في نطاق الحقوق المالية، وإنما يعود إلى الجوانب الإدارية والإشراف على العمل – كما سبق -.
ولكن يشترط أن يكون هذا الامتياز منصوصًا عليه في قانون الاكتتاب، وبعيدًا عن الاستغلال.
وكذلك يجوز أن يكون الامتياز بإعطاء حق الأولوية في الاكتتاب بأسهم جديدة لأصحاب الأسهم القدامى بناء على أن الشركة قد انعقدت بالإيجاب والقبول، فإذا أرادوا توسيع أعمال الشركة فلهم أن يقرروا ذلك، إضافة إلى حق الشفعة (٢) .