ثالثًا: إن الحكم بإباحة تداول هذه الأسهم – مع هذه الضوابط – خاص بما إذا كانت الأسهم عادية، أو ممتازة لكن ليس امتيازها على أساس المال.
وأما غيرهما فسيأتي حكم كل نوع على حدة.
أما أسهم الشركات التي يمتلكها غير المسلمين ولا ينصّ نظامها على التعامل في الحرام فقد شدد فيها البعض أكثر (١) ، ولكن لا أرى مانعًا من التعامل فيها حسب الضوابط السابقة، وقد انتهت ندوة الأسواق المالية من الوجهة الإسلامية التي عقدت في الرباط ٢٠- ٢٥ ربيع الآخر ١٤١٠هـ إلى أن أسهم الشركات التي غرضها الأساسي حلال لكنها تتعامل أحيانًا بالربا ... فإن تملكها، أو تداولها جائز نظرًا لمشروعية غرضها، مع حرمة الإقراض، أو الاقتراض الربوي، ووجوب تغيير ذلك، والإنكار والاعتراض على القائم به، ويجب على المساهم عند أخذ ريع السهم التخلص بما يظن أنه يعادل ما نشأ من التعامل بالفائدة بصرفه في وجوه الخير.
وكذلك ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي حيث أجازت باتفاق المشاركين شراء أسهم الشركات العاملة في البلاد الإسلامية لقصد العمل على أسلمة معاملاتها، بل اعتبروا ذلك أمر مطلوبًا، لما فيه من زيادة مجالات التزام المسلمين بأحكام الشريعة الإسلامية.
وأجازوا بالأغلبية شراء أسهم الشركات العاملة في البلاد غير الإسلامية، إذا لم يجدوا بديلًا خالصًا من الشوائب (٢) .
стр. 9732
والقول بالجواز إن كان نظام الشركة لا ينص على التعامل في الحرام، ومع الضوابط السابقة هو الذي يتناسب مع روح هذه الشريعة القائمة على التيسير، ورفع الحرج، ومراعاة حاجات الناس في الاستثمار، وذلك لأنه إذا وجد فيه حرام فهو نسبة ضئيلة لا تؤثر في باقي المال وكذلك يمكن التخلص منها عن طريق إعطائها للجهات الخيرية العامة، بالإضافة إلى أن محل البيع المعقود عليه في جملته أمور مباحة، وأن المشاركة في ذلك جائزة، ولم يمنع أحد من الرعيل الأول التعامل مع أهل الكتاب في الجملة، بل كان الرسول ﷺ والصحابة الكرام يتعاملون معهم، مع أن معاملات أهل الكتاب وأموالهم لم يكن جميعها على الشروط المطلوبة في الإسلام، فقد ترجم البخاري: باب المزارعة مع اليهود، فقال الحافظ ابن حجر: " وأراد بهذا: الإشارة إلى أنه لا فرق في جواز هذه المعاملة بين المسلمين وأهل الذمة " (١) كما صح ((أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل ورهنه درعه)) (٢) وكذلك الأمر عند الصحابة ﵃ حيث كان التعامل معهم سائدًا في الجملة.
حكم أسهم شركات تبيع السلاح للعدو، أو شركات قررت مكاتب مقاطعة إسرائيل عدم التعامل معهم.
فالحكم الخاص في التعامل مع هذه الشركات يدخل في باب السياسة الشرعية، وطاعة ولي الأمر، وفي باب سد الذرائع، وباب العقود وأثرها على التصرفات، وقد نص كثير من الفقهاء على حرمة العنب لمن يتخذه خمرًا، والسلاح أيام الفتنة، أو لمن يقتل به مسلمًا (٣) .
ولا يخفى أن مسألتنا هذه أخطر، ناهيك عن وجوب طاعة ولي الأمر المسلم العادل فيما ليس معصية.
стр. 9733
قاعدة لا بدَّ منها هنا:
وهي قاعدة الفرق بين الدين والعين، أي النقود والسلع حيث تتعلق الحقوق في النقود – سواء كانت ورقية أم غيرها – بالذمة، ولا تتعلق بذات النقد، بينما الحقوق في السلع تتعلق بالسلعة نفسها (١) .
فعلى ضوء هذه القاعدة فالأعيان إذا كانت حرامًا كأن كانت غصبًا، أو حصل عليها عن طريق الحرام فلا يجوز لغير صاحبها التعامل فيها، لا بيعها ولا شراؤها، ولا هبتها، ولا غير ذلك إلَّا من كان جاهلًا فيعذر إذا لم يكن عنده تقصير، فمن سرق شيئًا معينًا لا يجوز شراؤه منه بأي حال من الأحوال، أما من سرق نقودًا فلا يحرم التعامل معه إلَّا إذا غلب على أمواله الحرام – كما سبق -.
أنواع الأسهم:
للأسهم أنواع كثيرة وأسماء مختلفة متنوعة، لذلك لا يكون الحكم دقيقًا حتى نعرف بكل نوع منها، ثم نبين حكمه مع التوجيه، لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره.
وهذه الأنواع باعتبارات مختلفة، قد يتداخل بعضها في بعض، وقد يكون نوع واحد يعتريه عدة أحكام باعتبار حالاته المختلفة التي تحددها الشركة في نظامها الأساسي، لذلك نحاول أن نذكر كل ذلك بشيء من الإيجاز (٢) .
стр. 9734
(أ) أنواع الأسهم من حيث الحقوق: العادية والممتازة:
لا يخفى أن جميع الأسهم قيمتها متساوية، وهذا يقتضي تساويها في الحقوق والواجبات، وتكون مسؤولية المساهمين بحسب قيمة السهم، ولذلك فالأصل أن تكون الأسهم عادية لا ميزة لأحدهما على الآخر، ولكن بعض القوانين تبيح إصدار أسهم ممتازة وهذه الميزة قد تكون بمنح أصحابها الأولوية في الأرباح، أو في أموال الشركة عند التصفية، أو بغير ذلك.
فحكم الأسهم العادية الجواز من حيث المبدأ إلَّا إذا كان محلها حرامًا وحينئذٍ لا يجوز، كما سبق تفصيلها.
وأما أسهم الامتياز فحكمها يختلف باختلاف نوعية الامتياز فيها:
١- فإذا كان امتيازها بضمان نسبة مثل ٥ % من قيمة السهم، ثم يوزع باقي الأرباح على جميع الأسهم بالتساوي، أو استيفاء فائدة سنوية سواء ربحت الشركة أم لا.
فإن هذا النوع لا يجوز البتة في الشريعة الإسلامية، لأنه يتضمن الربا المحرم شرعًا، ولأن هذا الشرط مخالف لمقتضى عقد الشركة في الشريعة الغراء، فمبنى الشركة على المخاطرة، والمشاركة الحقيقية في الغرم والغنم على قدر الحصص، وعلى ذلك إجماع الفقهاء (١) .
٢- وإذا كان امتياز السهم بإعطاء الأولوية في الأرباح، أي يعطي لصاحبه الربح، ثم إن بقي يعطي لأصحاب الأسهم العادية ... فهذا الامتياز أيضًا مخالف لمقتضى عقد الشركة، فلا يجوز.
٣- وإذا كان هذا الامتياز بأن يعطي لصاحب السهم حق استعادة قيمة الأسهم بكاملها عند تصفية الشركة، ثم تعطي البقية الباقية لأصحاب الأسهم العادية، حيث قد يخسرون، وهو لا يخسر، فهذا أيضًا كسابقة لا يجوز للسبب نفسه.
٤- وأما إذا كان امتياز السهم يعود إلى إعطاء ضمان مالي لصاحبه دون غيره.
فإنَّ هذا الضمان مخالف لمقتضى عقد الشركة – كما سبق -.
стр. 9735
٥- وأما إذا كان الامتياز في حدود الأصوات بأن يتنازل صاحبه عن صوته، بأن لا يكون له حق التصويت في الجمعية العمومية في مقابل أن يعطى له حق دفع قيمة أسهمه بالأقساط. فلا أرى مانعًا من ذلك، لأنه يعود إلى القضايا الإدارية التي يتحكم فيها الاتفاق، وليس فيه أي مخالفة لنصوص الشرع، ولا لمقتضى عقد الشركة ولا يعود هذا الامتياز إلى الجوانب المالية، وإنما أعطي له نوع من التيسير في مقابل تنازله عن صوته، وكل ذلك قد تمَّ برضا الطرفين، ولا يتعارض هذا الرضا مع نصوص الشرع ولا مقتضى العقد، حيث يعود الأمر في ذلك إلى تنازل أحد الشركاء لأن يدير الشركة بعضهم دون الآخرين، وقد أجاز جماعة من الفقهاء استبداد أحد الشريكين بالعمل (١) .
وكذلك الأمر لو تم الاتفاق على أن يعطى لبعض الأسهم صوتان لكل سهم، فلا أرى أنه محرم شرعًا – وإن كان فيه خوف من الاستغلال – وذلك لأن هذا الامتياز ليس في نطاق الحقوق المالية، وإنما يعود إلى الجوانب الإدارية والإشراف على العمل – كما سبق -.
ولكن يشترط أن يكون هذا الامتياز منصوصًا عليه في قانون الاكتتاب، وبعيدًا عن الاستغلال.
وكذلك يجوز أن يكون الامتياز بإعطاء حق الأولوية في الاكتتاب بأسهم جديدة لأصحاب الأسهم القدامى بناء على أن الشركة قد انعقدت بالإيجاب والقبول، فإذا أرادوا توسيع أعمال الشركة فلهم أن يقرروا ذلك، إضافة إلى حق الشفعة (٢) .
стр. 9736
(ب) أنواع الأسهم من حيث ما يدفع (نقدًا أم عيناً) :
وبهذا الاعتبار تقسم إلى قسمين:
١- أسهم نقدية، وهي: الأسهم التي تدفع قيمتها نقدًا.
٢- وأسهم عينية، وهي التي تدفع قيمتها من الأموال العينية.
وقد اتفق الفقهاء على جواز المشاركة بالنقود، يقول ابن رشد: " فاتفق المسلمون على أن الشركة تجوز في الصنف الواحد من العين، أعني الدنانير والدراهم، وإن كانت في الحقيقة بيعًا لا تقع فيه مناجزة ومن شرط البيع في الذهب وفي الدراهم المناجزة، لكن الإجماع خصص هذا المعنى في الشركة " (١) .
وأما المشاركة بالأعيان – أو كما يعبر عنه الفقه الإسلامي بالعروض أي غير النقود – فمحل خلاف بين الفقهاء على ثلاثة آراء.
الرأي الأول: جواز الشركة بالعروض مطلقًا – أي اتفقت جنسًا أو اختلفت – حيث تنعقد الشركة بقيمتها يوم عقد الشركة، وهذا مذهب مالك (٢) . وإحدى الروايتين عن أحمد، اختارها أبو بكر الخلال، وأبو الخطاب، وابن تيمية، وبه قال ابن أبي ليلى، وبه قال في المضاربة طاوس والأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان (٣)
وقد استدلوا بقياس العروض على النقود، حيث أنها عند تقويمها أصبحت بمثابة النقود يقول ابن قدامة: " لأن مقصود الشركة جواز تصرفهما في المالين، جمعيًا، وكون ربح المالين بينهما وهذا يحصل في العروض كحصوله في الأثمان ". " ويرجع كل واحد منهما عند المفاصلة بقيمة ماله عند العقد، كما أننا جعلنا نصاب زكاتها قيمتها " (٤) .
стр. 9737
الرأي الثاني: صحة الشركة بالمثليات كالحبوب، والأدهان، ونحوها، وهذا الرأي الراجح عند الشافعية (١) وبه قال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة (٢) ، وذلك لأن المثلي إذا اختلط بجنسه ارتفع معه التمييز فأشبه النقدين، ولذلك اشترطوا الخلط.
وقالوا في الرد على من أجاز في العروض: " وليس المثلى كالمتقوم لأنه لا يمكن الخلط في المتقومات، وربما يتلف مال أحدهما ويبقى مال الآخر، فلا يمكن الاعتداد بتلفه عنهما، وفي المثليات يكون التالف بعد الخلط تالفًا عنهما جميعًا، ولأن قيمتهما ترتفع، وتنخفض، وربما تنقص قيمة مال أحدهما دون الآخر، وتزيد، فيؤدي إلى ذهاب الربح في رأس المال، أو دخول بعض رأس المال في الربح (٣) .
الرأي الثالث: عدم صحة الشركة بالعروض مطلقًا، سواء كانت من الطرفين، أو من طرف بحيث يعطي الآخر النقد، وهذا رأي أبي حنيفة وأبي يوسف (٤) . وظاهر مذهب أحمد، وكره ذلك ابن سيرين، ويحيى بن كثير، والثوري (٥) غير أن الحنفية وصلوا إلى ما وصل إليه الرأي الأول عن طريق حيلة، وهي أن يبيع كل واحد من الشريكين – مثلًا – نصف عرضه بنصف عرض الآخر، ثم عقداها مفاوضة أو عنانًا، قال الحصكفي: " وهذه حيلة لصحتها بالعروض وهذا إن تساويا قيمة، وإن تفاوتا باع صاحب الأقل بقدر ما تثبت به الشركة " (٦) .
стр. 9738
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بما يأتي:
أولًا: إن العروض يمتنع وقوع الشركة على أعيانها، أو قيمتها، أو أثمانها، أما امتناع وقوعها على أعيانها فلأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله، وهذه العروض لا مثيل لها حتى يرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدها دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح، أو جميع المال، وقد تنقص قيمته فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح.
وأما امتناع وقوعها على قيمتها فلأن القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلى التنازع، وقد يقوّم الشيء بأكثر من قيمته، ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فشاركه الآخر في العين المملوكة له.
وأما امتناع وقوع الشركة على أثمان العروض فلأنها معدومة حال العقد، ولا يملكانها، ولأنه إن أراد ثمنها الذي اشتراها به فقد خرج عن مكانه وصار للبائع، وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به فإنها تصير شركة معلقة على شرط وهو بيع الأعيان، وهذا لا يجوز (١) .
ثانيًا: إن وقوع الشركة على العروض يؤدي إلى أن يشترك أحد الشريكين في حصة الآخر المالك للعرض إذا ظهر ربحه قبل التصرف فيه، بمقتضى عقد الشركة، مع أن الشريك غير المالك كيف يستحق هذا الربح الذي هو زيادة فيما لا ملك له فيها ولا ضمان ولا تصرف (٢) .
стр. 9739
المناقشة والترجيح:
يمكن أن نناقش أدلة الرأي الثاني والثالث بأنها جميعًا تنطلق من منطلق أصحابهما في النظرة إلى الشركة في العروض باعتبار ذاتها، ومن منطلق عدم تحقق الضمان إلَّا بعد التصرف فيها، وكلتا النظرتين تدخل في منطق المصادرة وإلزام الغير بمقتضيات ومسلمات لا تعتبر مسلمة عنده.
وذلك لأن القائلين بصحة الشركة في العروض مطلقًا يقولون بأن الشركة فيها لا تتم إلَّا بعد تقويمها، والاتفاق على القيمة، ثم تصبح القيمة هي محل الشركة، وإذا لم يتم الاتفاق على القيمة لم تنعقد، وعلى ضوء ذلك يتحقق الضمان بعد هذا التقويم، وما يحدث للعروض من زيادة أو نقصان يكون من نصيب الشركاء، وحينئذٍ تطبق عليهما قاعدتا: الغرم بالغنم، والخراج بالضمان (١) .
وبذلك يتضح رجحان القول الأول، وقوة مسلكه ومناطه، ولا سيما أن المخالفين لم يجدوا لأنفسهم دليلًا من الكتاب والسنة الثابتة دعم اجتهادهم، وحينئذٍ تبقى المسألة في دائرة المصالح المرسلة وهي تتحقق بالقول الأول الذي يفتح باب الشركة على جميع الموجودات بضوابطها الشرعية – والله أعلم -.
стр. 9740
(ج) أنواع الأسهم من حيث الاسم وعدمه:
تقسم الأسهم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:
١- أسهم اسمية، وهي التي يكتب عليها اسم صاحبها، وهذا هو المطلوب حفاظًا على الحقوق، وضمانًا لعدم خلط حق شخص بحق آخر، وهذا النوع تنتقل ملكيته بنقل قيده في سجل المساهمين الذي تحتفظ به الشركة (١) .
٢- أسهم لحاملها، أي يصدر السهم دون ذكر الاسم، فيكون حامله هو صاحبه.
وهذا النوع لا يجوز في الفقه الإسلامي بدون خلاف – نعلمه – بين الفقهاء المعاصرين (٢) والسبب أن عدم كتابة اسم صاحب السهم يؤدي إلى عدم معرفة الشريك، وبالتالي إلى النزاع والخصومة، كما أنه يؤدي إلى إضاعة الحقوق، لأن أي شخص وقعت يده عليه، سواء كان عن طريق السرقة، أو الغصب، أو غير ذلك فإنه يعتبر صاحبه، وأحد الشركاء في الشركة بحكم القانون، ولا شك أن كل ما أفضى إلى النزاع والضرر ممنوع شرعًا، إضافة إلى أنه قد يصبح فاقد الأهلية حامل السهم، مع أنه لا يصح اشتراكه بنفسه (٣) وحتى من الناحية القانونية فإن القانون المصري، والسوري، والكويتي، يمنع هذا النوع (٤) .
٣- أسهم للآمر، وهي الأسهم التي يكتب عليها اسم صاحبها، ولكن تضاف عبارة " لأمر أو لإذن " وحينئذٍ يكون تداولها عن طريق التظهير أي يكتب على ظهر الصك تحويله إلى آخر مع التوقيع وحينئذٍ يصبح الثاني مباشرة صاحبه، دون الرجوع إلى الشركة.
وهذا النوع نادر الوقوع، وكذلك نادر في التشريعات حيث لم تتناوله أكثرها (٥) .
стр. 9741
ومن الناحية الفقهية فإن بعض الباحثين (١) . لا يرى فيه أي مانع شرعي، وذلك لأن الشريك الأول معروف للشركة وقد أجازت له حق نقل سهمه عن طريق التظهير من خلال النظام والعقد التأسيسي للشركة (والمؤمنون عند شروطهم) ثم إن الشريك الأول يتخلى عن حقه بنقل مالية السهم إلى الثاني، وهذا النوع من انتقال الحصة إلى شريك آخر، وهو جائز شرعًا، سواء أكان بعوض كالبيع ونحوه، أم بدونه كالهبة.
الأسهم قبل تكوين أصول الشركة:
الأسهم إذا كانت نقدية (أي دفعت قيمتها نقدًا أو مقطعة) فلا يجوز تداولها بالبيع والشراء إلَّا بتطبيق قاعدة الصرف، (أي التقابض في المجلس مع التماثل عند اتحاد الجنس، والتقابض فقط عند اختلافه) .
أما إذا تكونت الشركة كلها، أو غالبها من العينيات فيجوز حينئذٍ التصرف في أسهمها مباشرة بعد تكوينها على ضوء قواعد البيع.
وبعد تكوين الشركة فإذا كانت نقودها تحولت كلها، أو غالبها إلى أصول، أو يتاجر بها في العروض والسلع فإن أسهمها يجوز تداولها وتملكها على ضوء الضوابط العامة للتصرفات في الفقه الإسلامي بناء على أن العبرة بالغالب، والأصل، وليس بالقليل، والتابع،- كما سبق-.
وأما إذا كانت الشركة أساسًا تتعامل في النقود والصيرفة فقط أو كان غالب أعمالها فإنه لابد حينئذٍ من ملاحظة ضوابط الصرف في الفقه الإسلامي عند تداول أسهمها، وتملكها.
وهذا التقسيم والحكم للشركات التي تتعامل في نطاق المباحات، ولا تزاول الأعمال المحرمة كالخمر، والربا ونحوهما.
وكذلك لا مانع شرعًا من بيع السهم قبل الوفاء بقيمته كاملة على ضوء القواعد السابقة من العلم بعدد الأسهم، ومقدار رأس مال الشركة، وقيمة السهم، ونحو ذلك (٢) .
стр. 9742
(د) أنواع الأسهم من حيث إرجاع قيمتها:
تنقسم بهذا الاعتبار إلى نوعين:
١- أسهم رأس المال، وهي التي تبقى قيمتها إلى حين التصفية النهائية فهذه الأسهم حكمها من حيث المبدأ الجواز مع ملاحظة ما ذكرناه، وما سنذكره من حكم كل نوع، وهي الأصل والقاعدة في الشركات.
٢- أسهم تمتع: وهي الأسهم التي ترد قيمتها تدريجيًّا، أو مرة واحدة قبل انقضاء الشركة، أو بعبارة الاقتصاديين: تستهلك قيمتها في حياة الشركة دون انتظار لانتهاء أجلها وتصفية موجوداتها، ويعتبر استهلاك السهم عملية استثنائية.
وهذا النوع في الغالب يكون في الشركات التي تكون محددة بفترة زمنية محددة ثم تفنى أصولها كشركات السفن، أو التي لا يتوقع أن تبقى عند انقضائها أصول توزع على المساهمين، مثل شركات الامتياز للبترول أو المعادن التي يعطي لها حق الامتياز لفترة محددة، والتزمت بأيلولة ما تملك إلى الحكومة – مثلًا -، وحينئذٍ تعمل على تعويض المساهمين بإعادة القيمة الاسمية إليهم قبل انقضاء الشركة إضافة إلى الأرباح إن وجدت.
وهذه الأسهم لا تسمح بإنشائها كثير من القوانين الوضعية إلَّا إذا كان غرض الشركة يتعلق باستغلال موارد الثروة الطبيعية أو مرفق عام ممنوح لمدة محددة، أو كانت أصولها مما يستهلك بالاستعمال، أو يزول بعد مدة معينة (١) وهذا النوع لصاحبه حق التصويت في الجمعية العمومية، والحصول على نصيب من الأرباح، بل وموجودات الشركة إن بقيت.
وقد اختلف القانونيون في تكييف هذا الاستهلاك فبعضهم يرى أنه عبارة عن توزيع الأرباح، وبعضهم يقول: إنه رد لرأس المال الذي قدمه المساهمون، وثالث يقول: إنه يعتبر " وفاء معجلًا " لنصيب المساهم في رأس مال الشركة (٢) إلى غير ذلك مما لا يسع المجال لطرح أدلة كل فريق ومناقشته.
стр. 9743
وهناك تفاصيل كثيرة لأسهم التمتع في قوانين الشركات، لذلك لا نخوض فيها، وإنما نبين الصور الشرعية – حسب نظرنا – لأسهم التمتع على ضوء التفصيل الآتي وهو:
١- إن أسهم الشركة إذا جعلت جلها على هذا الشكل (أي ما يسمى بأسهم التمتع) ونص النظام الأساسي لها هذا التفصيل، ثم مع انقضاء كل سنة يوزع ما حصلته الشركة من النقود على جميع المساهمين بالتساوي حسب الحصص، فهذا جائز لا غبار عليه، وأن ذلك يكيف شرعًا على أن ما يعطى يمثل جزءًا من الأصول، والأرباح، أو بعبارة أخرى، أن ذلك كان بمثابة تصفية جزئية مستمرة في كل سنة إلى أن تنتهي، وتنتهي معها موجودات الشركة.
لكنه إذا بقى من أصول الشركة يوزع على هؤلاء المساهمين حسب حصصهم، إن كان نظامها ينص على ذلك، كما في شركات السفن ونحوها مما يبلى، أو تفنى، وأما إن كانت الشركة شركة امتياز يعود ملكية ما يتبقى من المكائن للحكومة التي منحتها الامتياز فلا مانع منها أيضًا ما دام الشركاء قد أخذوا حقوقهم، ووافقوا في النظام الأساسي على إعطاء ما تبقى للحكومة بناء على أن ذلك كان وعدًا بالتنازل ثم يتحقق التنازل الفعلي في الأخير، أو من باب الهبة للدولة.
والخلاصة إن المساواة بين حقوق جميع المساهمين مطلوبة لا يجوز لصاحب حقه أن يأخذ أكثر من الآخر، وأن الفقه الإسلامي لا ينظر إلى الأسهم، وإنما إلى المسمى والمقصد، ولذلك يعتبر ما سبق جائزًا شرعًا، سواء كان سُمِّي بأسهم التمتع أم لا.
٢- أما إذا كانت أسهم الشركة نوعين: أسهمًا عادية، يبقى أصحابها ملتزمين بالتزامات الشركة، وأسهم تمتع يستهلكها أصحابها، ويتخلصون من خسارتها، فهذا لا يجوز، لأنه مخالف لمقتضى عقد الشركة من المساواة بين الجميع، واحتمال المخاطرة للجميع، فلا يجوز أن ينجو مساهمون من تحمل الخسارة حين يأخذون قيمة أسهمهم، ويتحمل الباقون الخسارة كلها، فهذا ظلم وإجحاف وضرر لا يجوز شرعًا (١) .
ويمكن أن يعوض عن هذه الفكرة بالمضاربة، وصكوك المضاربة لأجل محدد، أو أن تنشئ الشركة فرعًا خاصًّا لهذا النوع من الشركات تكون جميع أسهمها أسهم تمتع.
стр. 9744
أنواع القيم وحكمها:
هناك أربع قيم للأسهم:
١- القيمة الاسمية، وهي القيمة التي تحدد للسهم عند إنشاء الشركة بمعنى أن مجموع القيم الاسمية تساوى برأس مال الشركة عند إنشائها.
فهذه في الواقع حصة الشريك في رأس مال الشركة، فالصك الذي سجلت عليه هذه القيمة بمثابة وثيقة لإثبات المشاركة بهذا القدر، فيجب أن يكون مطابقًا للمبلغ الذي ساهم به الشريك حقيقة في رأس المال (١) .
وهذه المساواة مطلوبة شرعًا حتى تتحقق العدالة في توزيع الأرباح والخسائر.
٢- القيمة الحقيقية، هي نصيب السهم من صافي أصول الشركة بعد إعادة تقديرها وفقًا للأسعار الجارية، وبعد إعادة تقدير الخصوم، لإظهار الالتزامات الحقيقية للشركة (٢) .
فالقيمة الحقيقية للسهم هي المقدار الذي يساويه من موجودات الشركة بعد ملاحظة الأرباح والخصوم، فهي بمثابة المؤشر الحقيقي لأرباح الشركة أو خسارتها، وهذا هو المطلوب فقهًا لمعرفة أرباح الشركة أو خسارتها.
٣- القيمة السوقية، وهي القيمة التي يباع بها السهم، وهي ترتبط بنجاح الشركة، أو فشلها، وبحسب رأس مالها الاحتياطي، والظروف، والأزمات المالية والسياسية، وبحسب الرغبة، والدعاية ونحوها (٣) .
ومراعاة هذه القيمة، وتداول الأسهم على ضوئها لا تتعارض مع الشريعة الغراء، إذ للإنسان الحق في بيع ماله (المفرز والمشاع) حسب أسعار السوق، بل هو المطلوب.
стр. 9745
٤- قيمة إصدار: بالنظر إلى هذا المصطلح نجد أنه يطلق على معنيين:
أحدهما: إطلاقه على نسبة محدودة محددة مثل ٥ % مما يدفع للأسهم تتطلبها الشركة عند تأسيسها لمصاريف الإصدار الإدارية والحكومية والدعائية ونحوها حتى تبقى قيمة الأسهم صافية لرأس مال الشركة فهذه لا بأس بها ما دامت هذه النسبة مقدرة تقديرًا مناسبًا ثم يودع ما يتبقى منها في إحتياطي الشركة.
الثاني: إطلاقه على أسهم الإصدار، ولذلك أرى أن يسمى هذا: قيمة أسهم الإصدار.
فهذه الأسهم تصدر الشركة لزيادة رأس مالها عندما تتوسع في المشاريع، فتحتاج إلى مصادر مالية طويلة الأجل لدعم توسعاتها، وحينئذٍ تصدر أسهمًا جديدة للاكتتاب فيها، قد تكون مساوية لقيمة الأسهم الاسمية، وقد تكون أعلى، أو أقل من ذلك.
والحكم الشرعي في هذه المسالة هي أن هذه القيمة لتلك الأسهم الجديدة إن كانت مساوية لقيمة الأسهم الحقيقية أو السوقية، فهذا لا مانع منها شرعًا سواء أكانت مساوية لقيمة الأسهم الاسمية، أو أعلى منها، أو أقل، لأن العبرة بالواقع، وبسعر السوق، لأن الشركة قد تخسر، وقد تربح – كما لا يخفى.
أما إذا كانت هذه القيمة أقل من القيمة الحقيقية لأسهم الشركة، فهذا لا يجوز، لأن ذلك يضر بحقوق المساهمين حيث يؤدي إلى إنقاص قيمة أسهمهم، أو حرمانهم من حقهم في هذا المال، وكل ما يؤدي إلى ضرر بين، وحرمان من حقوق فعلية لا يجوز شرعًا تطبيقًا للقاعدة الشرعية " لا ضرر ولا ضرار " إلَّا إذا عوضوا عن حقوقهم تعويضًا عادلًا من خلال منح أسهم جديدة بقدر حقوقهم، أو دفع الفروق لهم نقدًا أو مقسطةً أو نحو ذلك.
أما إذا كانت أعلى من القيمة الحقيقية فحينئذٍ إذا كانت تعبر عن سعرها السوقي فهذا جائز ما دامت الشركة لم تستعمل أية وسيلة محرمة من الخداع والتغرير ونحوهما مما حرمه الإسلام.
стр. 9746
أنواع الأسهم من حيث المنح وعدمه:
تقسم إلى قسمين:
١- أسهم يدفع صاحبها قيمتها.
٢- وأسهم منح: وهي الأسهم التي تمنحها الشركة للمساهمين مجانًا في حالة زيادة رأس مال الشركة على شكل ترحيل جزء من الأرباح المحتجزة، أو الاحتياطي إلى رأس المال الأصلي، ويتم توزيعها حسب قدر الأسهم.
وهذا لا غبار عليه شرعًا ما دام المنح يتم بالتساوي حسب الأسهم، لأن ذلك مال المساهمين، فلهم الحق في الحصول عليه بأي طريق مشروع.
حصص التأسيس:
وهي عبارة عن نصيب مقدار من أرباح الشركة على شكل صكوك قابلة للتداول تصدرها شركات المساهمة بغير قيمة اسمية، لأولئك الذين قدموا خدمات جليلة أثناء تأسيس الشركة، مثل براءة اختراع، أو تحصيل التزامات من شخص اعتباري عام.
فهذه الصكوك يعطي لأصحابها نصيب من أرباح الشركة، وتقبل التداول، وبذلك تتفق مع الأسهم، لكنها تختلف جوهريًّا من حيث أنها تصدر بدون قيمة اسمية على عكس الأسهم، ولا تمثل أي حصة من رأس المال، ولا تخول لأصحابها أي حق لإدارة الشركة، فضلًا عن أنه يمكن إلغاؤها (١) .
يقول د. أبو زيد: لقد ظهرت حصص التأسيس لأول مرة سنة ١٨٥٨م بمناسبة تأسيس شركة " قناة السويس البحرية " كوسيلة لشراء ذمم رجال السياسة ... ونتيجة لطبيعة الأهداف التي تسعى إليها حصص التأسيس، وما أدت إليه من نتائج بالغة السوء وقفت الكثير من التشريعات منها موقف العداء، فحرمها المشروع الفرنسي في قانون الشركات الصادر سنة ١٩٦٦ ... كذلك فعل المشروع السوري ... وتجاهلها القانون العراقي والكويتي " (٢) . وأقرها قانون الشركات بمصر الصادر لسنة ١٩٨١، في مادته ٣٤، وكذلك نظام الشركات في السعودية في مواده ١١٢، ١١٣، ١١٤، ١١٥.
стр. 9747
وقد ثار جدل قانوني حول تكييف حصص التأسيس فيرى البعض أن صاحبها بمثابة الدائن، لا المساهم (١) ، ويرى آخرون إلى أنه في مركز خاص حيث لا يعتبر دائنًا، ولا شريكًا (٢) .
وحكم هذا النوع على ضوء قواعد الفقه الإسلامي غير جائز، لأن صاحب حصة التأسيس ليس شريكًا حتى باتفاق القانونيين لأنه لم يقدم حصة نقدية ولا عينية، ولا عملًا مستمرًا مع أن العمل لا يجوز الاشتراك به في شركات المساهمة، والشركات ذات المسؤولية المحددة، حتى عند القانونيين (٣) .
وحصة التأسيس تكيف فقهًا على أن صاحبها قدم للشركة خدمة غير محددة ولا مبينة، ثم تمنحه الشركة عدة صكوك في مقابلها، وهي صكوك غريبة لا هي مثل الأسهم حيث ليس لصاحبها الحق في موجودات الشركة، وإنما في أرباحها، ولا هي مثل السندات، كما أن الشركة لها الحق في إلغائها وإن كان بتعويض.
ولذلك فلا يمكن تكييفها على البيع أي أن الشركة تبيع عدة صكوك في مقابل خدمات صاحبها لجهالة الثمن والمثمن معًا، إذ الخدمة التي قدمها ليست محددة حتى يرد عليها عقد البيع، كما أن الصك أيضًا غير محدد من حيث ما يأخذه صاحبه، لأنه مقيد بنسبة الربح الذي هو معدوم عند العقد، أو مجهول يظهر في المستقبل.
كذلك لا يمكن تكييفها على عقد الإجارة لأن مقدار الأجرة المتمثلة في الصك مجهول لا يعلم قدره، ولا على عقد الجعالة لنفس السبب السابق، ولا هبة، لأن طبيعتها أنها في مقابل عمل، والهبة بعوض يشترط فيها ما يشترط في البيع كمبدأ عام (٤) .
إضافة إلى أن فتح هذا الباب سيؤدي إلى فتح أبواب المجاملات والمحاباة على مصراعيها، وحتى معظم القانونيين قد هاجموا عليها هجومًا عنيفًا، وكشفوا عن عوارها، وعيوبها، وأخطائها، وبينوا نتائجها السلبية جدًا، فطالبوا بإلغائها (٥) .
ويمكن أن تستبدل هذه الفكرة بفكرة المكافأة النقدية أو العينية لهؤلاء الذين قدموا خدمات فعلية، أو براءة اختراع، كما يمكن تحويل قيمة هذا المكافأة بعد تحديدها بأسهم عادية تتساوى معها في جميع الحقوق والالتزامات (٦) .
стр. 9748
السَنَدات وأنَواعهَا
التعريف بالسند، وخصائصه:
السند لغة بمعنى الاعتماد، والركون إليه، والاتكاء عليه، وما ارتفع من الأرض في قبل الوادي، أو الجبل، والجمع أسناد، وغير ذلك (١) .
ولكن السند في عرف الاقتصاد الحديث عبارة عن وثيقة بقيمة محددة يتعهد مصدرها بدفع فائدة دورية في تاريخ محدد لحاملها.
وكما تصدر الحكومة السندات كذلك تصدرها بعض المؤسسات والشركات الخاصة في كثير من الدول.
والتكييف المتفق عليه عند الاقتصاديين للسندات هو أنها وثيقة بدين، ولذلك يعامل مالكها كمقرض، وليس كمالك، وتسري عليه القوانين المنظمة للعلاقة بين الدائن والمدين.
والسندات تشترك مع الأسهم في تساوي القيمة الاسمية لكل فئة، وقابليتها للتداول حسب كونها اسمية، وللآمر، أو لحاملها، وفي عدم قابليتها للتجزؤ، غير أن السندات تتميز عن غيرها بالخصائص الآتية:
١- أن السند يعتبر شهادة دين على الشركة، وليس جزءًا من رأس المال كما هو الحال في الأسهم.
٢- حصول صاحبه على الفائدة الدورية المقررة له دون النظر إلى أن الشركة ربحت، أم خسرت، أو كانت الأرباح كثيرة؟!
٣- عدم مشاركة صاحبه في إدارة الشركة.
٤- تحديده بوقت محدد على عكس الأسهم، وبالتالي يحصل صاحبه على قيمة سنده وفوائده في التاريخ الذي حدد له، دون النظر إلى تصفية الشركة، ومدده مختلفة أقصرها تسعون يومًا، وبعضها يمتد إلى مائة عام، على أن بعض السندات تستمر لحين قيام المصدر باستدعائها، أو شرائها من السوق.
٥- يحصل حامله على ضمان خاص على بعض موجودات الشركة وقد يكون الضمان عامًّا على أموالها، ولذلك يحصل على حقه في حالات التصفية قبل أن يحصل حامل السهم على أي شيء (٢) .
стр. 9749
أنواع السندات:
للسندات أنواع كثيرة (١) ، ولا تزال الأفكار الاقتصادية تبتكر الكثير، ونحن نذكر أهمها مع حكمها:
(أ) أنواعها من حيث مصدرها وهي:
١- سندات الدولة، حيث تصدرها لتمويل الإنفاق العام.
٢- سندات الهيئات الدولية – كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير – حيث تصدرها لتمويل مشاريعها.
٣- سندات المؤسسات الحكومية المحلية التي تصدرها لتمويل إنفاقها ومشاريعها.
٤- سندات الشركات التجارية والصناعية، والخدمية، التي تصدرها بضمان بعض أموالها، أو جميعها لتمويل مشاريعها.
ولا يخفى أن جميع هذه الأنواع تصدر بفائدة دورية على رأس المال، ولذلك فهي محرم إصدارها وتداولها، ولصاحبها إن عاد إلى رشده رأس ماله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] .
стр. 9750
(ب) أنواع السندات باعتبار فوائدها حيث هي إما:
١- سندات مستحقة الوفاء بعلاوة إصدار حيث تصدر الشركة سند الإصدار بمبلغ تسعين ريالًا – مثلًا – ولكنها تحسبه بمائة ريال، إضافة إلى فوائد منخفضة نسبيًّا عن غيرها.
٢- سندات النصيب: وهي السندات التي تخول لصاحبها الحصول على فوائد سنوية ثابتة، إضافة إلى اليانصيب المخصص لها والذي يمكن أن يكون من نصيب السندات التي يحالفها الحظ حسب القرعة.
٣- سندات عادية ذات الاستحقاق الثابت التي ليس لها سوى قيمة واحدة، وتعطى عليها فوائد ثابتة فضلًا عن قيمة السند عند نهاية مدة القرض.
٤- سندات مضمونة، وهي مثل النوع السابق لكنها مضمونة بضمان شخصي، أو عيني، والسندات وإن كان جميع أنواعها مضمونة بأصل الشركة، لكن هذا النوع يتميز بضمان شخصي، أو عيني أيضًا.
٥- السندات القابلة للتحول إلى الأسهم، التي تعطى للمساهمين بقرار من الجمعية العامة غير العادية، وتعطي هذه السندات لحاملها الحق في طلب تحويلها إلى أسهم حسب القواعد المقررة لزيادة رأس المال.
وهذا النوع قد أقره القانون المصري للشركات (م/٥١/١ لسنة ١٩٨١م) والقانون الفرنسي والألماني، بينما لم يقره كثير من التشريعات (١) .
٦- سندات الدخل حيث يكون لها فوائد ثابتة، إضافة إلى نسبة محددة من أرباح الشركة، بينما غيرها تكون فائدتها دورية دون مشاركتها في أرباح الشركة.
(ج) أنواع السندات من حيث التملك حيث توجد سندات اسمية، وسندات لحاملها.
(د) ومن حيث الرّد لها ثلاثة أنواع:
١- سداد نقدي في موعد الاستحقاق، وحينئذٍ قد تكون القيمة التي تسترد هي نفس ما دفع، وقد تكون أعلى فترد بعلاوة الإصدار.
٢- ردها عن طريق تحويلها إلى أسهم – كما سبق -.
٣- ردها عن طريق الإحلال، حيث تقوم الشركة عند تاريخ استحقاقها بإحلالها بسندات أخرى جديدة، وبمزايا حسب نظام الشركة (٢) .
стр. 9751
أنواع أخرى جديدة في كل يوم:
لا تزال المؤسسات الاقتصادية ودور المال تفكر في المزيد من أنواع السندات وغيرها، وتتفنن في كيفية جلب أصحاب الأموال، وشدهم وجذبهم إلى إيداع مدخراتهم في تلك المؤسسات بأية وسيلة مجدية في نظرها.
وتكاد أبصارنا تقع كل يوم على نوع جديد، وابتكار جديد في الأوراق المالية، وأدوات السوق، وآلياتها، وفي العلميات البنكية، ونحن هنا نذكر بعض أنواع السندات التي هي جديدة نوعًا ما وهي:
١- سندات بفائدة ثابتة، وشروط متغيرة، حيث تعطي لصاحبها حرية أكثر من ناحية انتقال الملكية، والاستفادة منها.
٢- سندات مسترجعة، حيث يعطى لحاملها الحق في استرجاع قيمتها الاسمية بعد فترة محددة مثل ست سنوات، ثم تقوم الشركة المصدرة بإعطاء شروط أحسن من السابق في حالة إبقاء قيمتها فترة أخرى.
٣- سندات ذات أصوات، تعطي صاحبها حق التصويت في الجمعية العمومية للشركة.
٤- سندات بفائدة عائمة تتغير كل سنة، أو ستة أشهر، على أساس سعر الفائدة الدولية – مثلًا – أو أي أساس آخر، إضافة إلى حق صاحبها من تحويلها إلى سندات ذات فائدة ثابتة حسب رغبته.
٥- سندات مربوطة بالقوة الشرائية للنقود، أي يحدد النقد الذي دفع بسعره يوم الدفع حتى يتفادى صاحبها التضخم الذي قد يكون أكثر من نسبة الفائدة.
٦- سندات بشهادة حق، حيث تعطي صاحبها الحق في شراء أوراق مالية طيلة فترة محددة، وبسعر محدد مسبقًا (١) .
стр. 9752
الحكم الشرعي لهذه السندات:
إذا كان هناك خلاف طفيف سابق حيث أباحها البعض، فإن هذه الإباحة في نظري تعود إلى عدم فهم طبيعة هذه السندات في وقتها، واعتبارها مضاربة، أو تكييفها على الضرورة (١) ، ولذلك لا داعي لمناقشة هؤلاء، لأنه الآن قد ظهر بما لا يوجد أدنى شك أن السندات حتى في نظر القانونيين (٢) تكيف على أنها قروض بفوائد كما رأينا في جميع أنواعها، وأن صاحبها دائن للحكومة، أو الشركة يستحقها في وقتها إضافة إلى فوائدها دون النظر إلى خسارة الشركة وأرباحها، وبذلك يظهر جليًّا بعدُها – بعد المشرقين– عن المضاربة، والمشاركة في الشريعة الإسلامية الغراء.
وهذه الفوائد هي عين ربا النسيئة الذي لا خلاف في حرمته، كما أنه لا توجد ضرورة في شراء هذه السندات أو تداولها، بل إن بعض أنواعها عبارة عن الربا والقمار كما في سندات اليانصيب (٣) .
هذا هو ما عليه واقع السندات اليوم بجميع أنواعها لكنها لو غير واقعها وأطلقت على عقد مشروع مثل " سندات المضاربة " فالعبرة بالمضمون والمدلول، وإن كان الأفضل تسميتها بغير السند لأنه اشتهر في الأعراف الاقتصادية إطلاق السند على القروض بالفوائد التي هي محرمة، ولذلك فالأولى إطلاق لفظ الصكوك أو نحوها على أوراق مالية لو وجدت دفعًا للالتباس والغموض والاشتباه.
стр. 9753
وقد صدر قرار من المجمع الفقهي حول السندات، وهذا نصّه:
قرار رقم (٦٢/١١/٦) بشأن السندات
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ – ٢٣ شعبان ١٤١٠هـ، الموافق ١٤–٢٠ آذار / مارس ١٩٩٠م.
بعد إطلاعه على الأبحاث والتوصيات والنتائج المقدمة في ندوة (الأسواق المالية) المنعقدة في الرباط ٢٠-٢٤ ربيع الثاني ١٤١٠هـ/ ٢٠-٢٤/١٠/١٩٨٩م بالتعاون بين هذا المجمع والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية، وبإستضافة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية.
وبعد الإطلاع على أن السند شهادة يلتزم المصدر بموجبها أن يدفع لحاملها القيمة الاسمية عند الاستحقاق، مع دفع فائدة متفق عليها منسوبة إلى القيمة الاسمية للسند، أو ترتيب نفع مشروط سواء أكان جوائز توزع بالقرعة أم مبلغًا مقطوعًا أم خصمًا.
قرَّر:
إن السندات التي تمثل التزامًا بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط محرمة شرعًا من حيث الإصدار أو الشراء أم التداول، لأنها قروض ربوية سواء أكانت الجهة المصدرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولة ولا أثر لتسميتها شهادات أو صكوكًا استثمارية أو ادخارية أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحًا أو ريعًا أو عمولة أو عائدًا.
٢- تحرم أيضًا السندات ذات الكوبون الصفري باعتبارها قروضًا يجري بيعها بأقل من قيمتها الاسمية، ويستفيد أصحابها من الفروق باعتبارها خصمًا لهذه السندات.
٣- كما تحرم أيضًا السندات ذات الجوائز باعتبارها قروضًا اشترط فيها نفع أو زيادة بالنسبة لمجموع المقرضين، أو لبعضهم لا على التعيين، فضلًا عن شبهة القمار.
٤- من البدائل للسندات المحرمة – إصدارًا أو شراء أو تداولًا – السندات أو الصكوك القائمة على أساس المضاربة لمشروع أو نشاط استثماري معين، بحيث لا يكون لمالكيها فائدة أو نفع مقطوع، وإنما تكون لهم نسبة من ربح هذا المشروع بقدر ما يملكون من هذه السندات أو الصكوك ولا ينالون هذا الربح إلَّا إذا تحقق فعلًا. ويمكن الاستفادة في هذا من الصيغة التي تم اعتمادها بالقرار رقم (٥) للدورة الرابعة لهذا المجمع بشأن سندات المقارضة.
البدائل الإسلامية:
стр. 9754
بخصوص " الأسهم " فهي كما رأينا حلال، وجائز تملكها وتداولها ما دامت تصدرها شركات لا تزاول نشاطًا محرماً, ولا تتعامل في المحرمات، وليس لبعض أسهمها ميزة مالية لا تمنح لجميعها – كما سبق -.
ومن هنا فباب الأسهم مفتوح على مصراعيه بهذه الضوابط السابقة.
وأما السندات فهي كما رأينا صكوك تتضمن القرض وفوائده ولذلك فهي محرمة لأنها تدخل في ربا النسيئة الذي حرمه الكتاب والسنة، وأجمع على حرمته العلماء – كما سبق -.
والبديل عنها يكمن في إصدار صكوك المضاربة سواء كانت لفترة طويلة الأجل، أو لمشروع معين، أو صكوك المشاركة لمشروع معين، وسواء كانت هذه الصكوك ترد قيمتها في الأخير مرة واحدة، أم بالتدريج.
وفي نظري أن الفقهاء والاقتصاديين الإسلاميين تقع عليهم مسؤولية كبيرة في إبداع مجموعة من البدائل الإسلامية المتطورة تتناسب مع حجم التطور الهائل لدى الاقتصاديين الغربيين، حيث توصلوا إلى استنباط أساليب عمل وطرق وآليات لتسهيل انسياب الأموال من أربابها واستحدث الفكر المالي فنيات عديدة ومتطورة لتوظيف الأموال، وتغطية الإصدارت الجديدة، كما أن على الحكومات، وأصحاب الأموال توفير السوق الثانوية لتسهيل مهمة تبادل الأوراق المالية، فالمسؤولية مشتركة بين الجميع، ولن تتحقق المهمة إلَّا إذا قام الجميع بمسؤوليته أمام الله، ثم أمام الأمة (١) .
ولذلك، فإن الاقتصار على الأسهم – مهما كان السبب – غير مجد ولا سيما في عالم يأتي فيه الفكر المالي كل يوم بجديد في نطاق السوق الأولية، أو في الآليات والأساليب المالية، ولهذا السبب نحاول أن نذكر أنواعًا من أوراق مالية مقبولة شرعًا، وهي ما يأتي:
(أ) سندات المقارضة، أو صكوك المقارضة (٢) ، وقد وضع المجمع الفقهي الموقر في دورته الرابعة ضوابط هذا النوع وشروطه وهذا هو نصّ قراره:
стр. 9755
القرار رقم (٥) د ٤/٠٨/٨٨ بشأن
سندات المقارضة وسندات الاستثمار
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨ – ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ الموافق ٦ – ١١ فبراير ١٩٨٨م.
بعد إطلاعه على الأبحاث المقدمة في موضوع " سندات المقارضة وسندات الاستثمار " والتي كانت حصيلة الندوة التي أقامها المجمع بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية بتاريخ ٦ – ٩ محرم ١٤٠٨هـ/٣٠/٨ – ٢/٩/١٩٨٧م تنفيذًا لقرار رقم (١٠) المتخذ في الدورة الثالثة للمجمع وشارك فيها عدد من أعضاء المجمع وخبرائه وباحثي المعهد وغيره من المراكز العلمية والاقتصادية وذلك للأهمية البالغة لهذا الموضوع وضرورة استكمال جميع جوانبه. للدور الفعال لهذه الصيغة في زيادة القدرات على تنمية الموارد العامة عن طريق اجتماع المال والعمل.
وبعد استعراض التوصيات العشر التي انتهت إليها الندوة ومناقشتها في ضوء الأبحاث المقدمة في الندوة وغيرها. قرر مايلي:
أولًا – من حيث الصيغة المقبولة شرعًا لصكوك المقارضة:
١- سندات المقارضة، هي أداة استثمارية تقوم على تجزئه رأس مال القراض (المضاربة) بإصدار صكوك ملكية برأس مال المضاربة على أساس وحدات متساوية القيمة ومسجلة بأسماء أصحابها باعتبارهم يمكلون حصصًا شائعة في رأس مال المضاربة وما يتحول إليه، بنسبة ملكية كل منهم فيه.
ويفضل تسمية هذه الأداة الاستثمارية (صكوك المقارضة) .
стр. 9756
٢- الصورة المقبولة شرعًا لسندات المقارضة بوجه عام لا بد أن تتوافر فيها العناصر التالية:
العنصر الأول: أن يمثل الصك ملكية شائعة في المشروع الذي أصدرت الصكوك لإنشائه أو تمويله، وتستمر هذه الملكية طيلة المشروع من بدايته إلى نهايته.
وترتب عليها جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعًا للمالك في ملكه من بيع وهبة ورهن وإرث وغيرها، مع ملاحظة أن الصكوك تمثل رأس مال المضاربة.
العنصر الثاني: يقوم العقد في صكوك المقارضة على أساس أن شروط التعاقد تحددها (نشرة الإصدار) وأن (الإيجاب) يعبر عنه (الاكتتاب) في هذه الصكوك، وأن (القبول) تعبر عنه موافقة الجهة المصدرة.
ولا بد أن تشتمل نشرة الإصدار على جميع البيانات المطلوبة شرعًا في عقد القراض (المضاربة) من حيث بيان معلومية رأس المال وتوزيع الربح مع بيان الشروط الخاصة بذلك الإصدار على أن تتفق جميع الشروط مع الأحكام الشرعية.
العنصر الثالث: أن تكون صكوك المقارضة قابلة للتداول بعد انتهاء الفترة المحددة للاكتتاب باعتبار ذلك مأذونًا فيه من المضارب عند نشوء السندات مع مراعاة الضوابط التالية:
(أ) إذا كان مال القراض المتجمع بعد الاكتتاب وقبل المباشرة في العمل بالمال ما يزال نقودًا فإن تداول صكوك المقارضة يعتبر مبادلة نقد بنقد وتطبق عليه أحكام الصرف.
(ب) إذا أصبح مال القراض ديونًا تطبق على تداول صكوك المقارضة أحكام تداول التعامل بالديون.
(ج) إذا صار مال القراض موجودات مختلطة من النقود والديون والأعيان والمنافع فإنه يجوز تداول صكوك المقارضة وفقًا للسعر المتراضى عليه، على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعيانًا ومنافع. أما إذا كان الغالب نقودًا أو ديونًا فتراعى في التداول الأحكام الشرعية التي ستبينها لائحة تفسيرية توضع وتعرض على المجمع في الدورة القادمة.
стр. 9757
العنصر الرابع: إن من يتلقى حصيلة الاكتتاب في الصكوك لاستثمارها وإقامة المشروع بها هو المضارب، أي عامل المضاربة ولا يملك من المشروع إلَّا بمقدار ما قد يسهم به بشراء بعض الصكوك فهو رب مال بما أسهم به بالإضافة إلى أن المضارب شريك في الربح بعد تحققه بنسبة الحصة المحددة له في نشرة الإصدار وتكون ملكيته في المشروع على هذا الأساس.
وإن يد المضارب على حصيلة الاكتتاب في الصكوك وعلى موجودات المشروع هي يد أمانة لا يضمن إلَّا بسبب من أسباب الضمان الشرعية.
٣- مع مراعاة الضوابط السابقة في التداول: يجوز تداول المقارضة في أسواق الأوراق المالية إن وجدت بالضوابط الشرعية وذلك وفقًا لظروف العرض والطلب ويخضع لإرادة العاقدين. كما يجوز أن يتم التداول بقيام الجهة المصدرة في فترات دورية معينة بإعلان أو إيجاب يوجه إلى الجمهور تلتزم بمقتضاه خلال مدة محددة بشراء هذه الصكوك من ربح مال المضاربة بسعر معين ويحسن أن تستعين في تحديد السعر بأهل الخبرة وفقًا لظروف السوق والمركز المالي للمشروع. كما يجوز الإعلان عن الالتزام بالشراء من غير الجهة المصدرة من مالها الخاص، على النحو المشار إليه.
٤- لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على نص بضمان عامل المضاربة رأس المال أو ضمان ربح مقطوع أو منسوب إلى رأس المال، فإن وقع النص على ذلك صراحة أو ضمنًا بطل شرط الضمان واستحق المضارب ربح مضاربة المثل.
стр. 9758
٥- لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار ولا صك المقارضة الصادر بناء عليها على نص يلزم بالبيع ولو كان معلقًا أو مضافًا للمستقبل. وإنما يجوز أن يتضمن صك المقارضة وعدًا بالبيع. وفي هذه الحالة لا يتم البيع إلَّا بعقد بالقيمة المقدرة من الخبراء وبرضا الطرفين.
٦- لا يجوز أن تتضمن نشرة الإصدار ولا الصكوك المصدرة على أساسها نصًا يؤدي إلى احتمال قطع الشركة في الربح فإن وقع كان العقد باطلًا.
ويترتب على ذلك:
(أ) عدم جواز اشتراط مبلغ محدد لحملة الصكوك أو صاحب المشروع في نشرة الإصدار وصكوك المقارضة الصادرة بناء عليها.
(ب) أن محل القسمة هو الربح بمعناه الشرعي، وهو الزائد عن رأس المال وليس الإيراد أو الغلة. ويعرف مقدار الربح، إما بالتنضيض أو بالتقويم للمشروع بالنقد، وما زاد عن رأس المال عند التنضيض أو التقويم فهو الربح الذي يوزع بين حملة الصكوك وعامل المضاربة، وفقًا لشروط العقد.
(ج) أن يعد حساب أرباح وخسائر للمشروع وأن يكون معلنًا وتحت تصرف حملة الصكوك.
٧- يستحق الربح بالظهور، ويملك بالتنضيض أو التقويم ولا يلزم إلَّا بالقسمة. وبالنسبة للمشروع الذي يدر إيرادًا أو غلة فإنه يجوز أن توزع غلته. وما يوزع على طرفي العقد قبل التنضيض (التصفية) يعتبر مبالغ مدفوعة تحت الحساب.
٨- ليس هناك ما يمنع شرعًا من النص في نشرة الإصدار على اقتطاع نسبة معينة في نهاية كل دورة، إما من حصة حَمَلة الصكوك في الأرباح في حالة وجود تنضيض دوري، وإما من حصصهم في الإيراد أو الغلة الموزعة تحت الحساب ووضعها في احتياطي خاص لمواجهة مخاطر خسارة رأس المال.
٩- ليس هناك ما يمنع شرعًا من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين، على أن يكون التزامًا مستقلًا عن عقد المضاربة بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطًا في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد.
[انتهى قرار المجمع]
стр. 9759
هذا وقد كانت وزارة الأوقاف الأردنية قد بدأت بإجراء دراسات اقتصادية وشرعية لإصدار سندات المقارضة، وتوفقت في إصدار قانون سندات المقارضة من قبل الحكومة الأردنية عام ١٩٨١م. ثم إن صكوك المضاربة يمكن أن تتفرع منها عدة أنواع:
١- صكوك مضاربة طويلة الأجل (عشر سنوات، عشرين مثلًا) غير مخصصة لمشروع معين، وإنما تخول مستثمرها (المضارب) حق الاستثمار المطلق (المضاربة المطلقة) ويبين في كل سنة (مثلًا) الأرباح التي تحققت، أو الخسارة التي لحقت، فينال كل صك حصته من الأرباح أو الخسائر، وفي حالة الأرباح يمكن صرفها، أو إضافتها إلى عملية المرابحة، فيعطى في مقابلها صك أو صكوك حسب قدرها، وحسب الضوابط السابقة التي بينها المجمع الفقهي.
وحينئذٍ قد يكون مصدرها الحكومة، أو شركة معينة، أو بنكًا إسلاميًّا، فيكون المضارب وصاحب الصك هو " رب المال " ويأخذ كل واحد منهما نسبته من الربح المتفق عليها.
٢- صكوك المضاربة لمشروع معين (سواء كان صناعيًّا، أم زراعيًّا، أم تجاريًّا ... ) وتكون محددة بمدة معينة حسب عمر المشروع.
وذلك بأن يقسم ما يحتاج إليه المشروع على صكوك متساوية محددة القيمة، فيصدرها البنك – مثلًا – ثم تطرح في الأسواق، فيقوم البنك (المضارب) باستثمار قيمة هذه الصكوك في المشروع نفسه، ويمكن أن توزع الأرباح كل سنة حسب الميزانية، ولا مانع من ترحيل جزء منها للاحتياطي الذي سوف يوزع على أصحاب الصكوك والبنك حسب النسب المتفق عليها، وعلى ضوء الضوابط التي بينها المجمع الموقر، حيث أجاز أن يقوم طرف ثالث بالوعد بالتبرع – دون مقابل – بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين إلى آخر فقرة ٩ من القرار السابق.
стр. 9760
وهذه الصكوك تمتاز بعدة مميزات:
منها: وجود نوع من الاطمئنان للمكتب من خلال وعد الطرف الثالث بجبر الخسران لو حدث، وعدم وجود ذلك أكبر عقبة في سبيل التشجيع على المضاربة.
ومنها: قابلية هذه الصكوك للتداول – كما أقر ذلك المجمع الموقر -.
ولا مانع شرعًا من أن تكون هذه الصكوك (أو شهادات الاستثمار) محددة بمدة طويلة أو قصيرة حسب قدرة البنك (أو الشركة) فيمكنها أن تصدر صكوك المضاربة أو شهادات الاستثمار لمدة ثلاثة أشهر، وحينئذٍ يمكن استثمارها في المرابحات والمعاملات قصيرة الأجل، ويمكن أن يكون لمدد مختلفة.
ومن هنا يتنوع من هذا النوع أنواع مختلفة مما يعطي المصرف مرونة وسيولة جيدة، وقدرة على النمو والازدهار.
٣- صكوك المضاربة (أو شهادات الاستثمار) المستردة بالتدرج.
وذلك بأن ترد قيمة الصكوك مع أرباحها (إن وجدت) في مدة زمنية محددة، فمثلًا أن ترد نسبة معينة مثل (العشر، أو الربع) بعد سنتين مثلًا، وهكذا.
٤- صكوك المضاربة المستردة في آخر المشروع.
وذلك بأن يكون رد المبلغ مع ملاحظة الخسائر والأرباح إن وجدت في آخر المشروع.
ويمكن أن توزع الأرباح، ويبقى أصل المال لآخر المشروع.
٥- صكوك المضاربة (الاستثمار) المنتهية بتمليك المشروع.
ويمكن أن يكون رد قيمة صكوك المضاربة من خلال التعويض عنها بجزء من المشروع.
وذلك بأن تطرح فكرة مشروع معين كبناء عمارة، ويصدر له مجموعة من الصكوك (أو شهادات الاستثمار) بحصص متساوية ويكون رد قيمتها في الآخر من خلال تمليك المشروع لأصحاب هذه الصكوك حسب حصصهم وشهاداتهم.
ولا شك أن البنك المصدر يأخذ نسبته من الأرباح السنوية. وهكذا.
стр. 9761
(ب) شهادات الاستثمار للبنك الإسلامي للتنمية:
حيث قام البنك بإصدار شهادات تمثل ملكية المستثمرين، وجاء وصف شهادات الاستثمار في محفظة البنوك الإسلامية التي يديرها البنك الإسلامي للتنمية بأنها: " المستندات التي تمثل نصيبًا في ملكية المحفظة، ويصدرها البنك الإسلامي للتنمية، وتسجل في سجل الشهادات بأسماء مالكيها ".
وتخصص هذه المحفظة لتمويل تجارة الدول الإسلامية، وتكون موجوداتها تحت يد البنك بصفته مضاربًا (١) .
ويوجد لهذه الشهادات نوعان:
النوع الأول: شهادات الإصدار الأساسي.
وهي مجموع الشهادات التي تصدر عند تأسيس المحفظة وتقتصر ملكيتها على البنك الإسلامي للتنمية، والبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية الأخرى.
النوع الثاني: شهادات الإصدارات اللاحقة.
وهي مجموع الشهادات التي تصدر بعد تأسيس المحفظة وتطرح للاكتتاب العام.
وهذه الشهادات تتمتع بإمكانية التسييل بإحدى الوسيلتين:
١- البيع إلى مؤسسة مصرفية إسلامية بالسعر الذي يتفق عليه، (وذلك بعد فترة الاكتتاب، والتشغيل الفعلي) .
٢- شراء البنك الإسلامي للتنمية حيث تعهد بشراء ما قد تعرض البنوك الإسلامية بيعه مما تملكه من شهادات، وذلك بحد أقصى ٥٠ % مما يملكه البنك الواحد من الإصدار الأساسي (٢) .
стр. 9762
(ج) أسهم المشاركة دون التصويت:
القاعدة العامة في الأسهم هي الحل، إلَّا إذا كان مجال نشاطها المحرمات – كما سبق تفصيله – وإلاَّ أسهم الامتياز لكون الامتياز فيها عائدًا إلى ميزة مالية – كما سبق -.
ونظرًا لحاجة المؤسسات الإسلامية إلى هذا النوع، وبعد نظرها في عدم هيمنة من لا يرغب فيه على مقدرات الشركة، فإن هذه المؤسسات بالتعاون مع الفقهاء والاقتصاديين الإسلاميين قد وفقوا إلى أسهم امتياز يكون لصاحبها جميع الحقوق الممنوحة للأسهم العادية ما عدا حق التصويت في الجمعية العمومية، وقد يسّر الله تعالى عملية نقل الأفكار من الإطار النظري إلى الواقع العملي من خلال تأسيس شركة التوفيق للصناديق الاستثمارية في ١٥/١/١٩٨٧م وشركة الأمين للأوراق المالية في ٢٨/٦/١٩٨٧م في دولة البحرين وهما تهدفان إلى طرح أدوات مالية جديدة لجمهور المكتتبين، كما تتخذ الصناديق الاستثمارية أشكالًا متنوعة من حيث الربحية والمخاطرة والمدة، حيث يمكنها أن تكون صناديق مرابحات، أو تأجير، أو سلم، أو مشروعات، وقد صدر بذلك قرار وزاري رقم ١٧ في البحرين لسنة ١٩٨٦م يسمح بتأسيس شركات مساهمة إسلامية (١) .
وكذلك قام بنك التقوى (الذي أسس في بهاما عام ١٩٨٨) بتطبيق هذا النوع حيث يصدر نوعين من الأسهم: يخصص النوع الأول للأسهم العادية، والنوع الثاني لأسهم الامتياز التي ليس لصاحبها حق حضور الجمعية العامة، أو التصويت فيها، ويمكن دفع قيمتها على ثلاثة أقساط متساوية بين كل قسط وآخر ستة أشهر، ويدفع أولها مع الاكتتاب.
وقد كان لهيئة الرقابة الشرعية للبنك دور كبير في الوصول إلى هذه الصيغة كما نصّ على ذلك النظام الأساسي (٢) .
وإعطاء هذه الميزة (أي التقسيط) لهذا النوع من الأسهم لا يخالف الشريعة الغراء لأنه لا يحسب له الربح إلا بقدر قسطه المدفوع وإنما هو نوع من التيسير أعطَوْهُ برضا المساهمين، ثم إن التكييف الشرعي لهذه المسألة يكمن في أن صاحب الأسهم الممتازة حينما دفع القسط الأول لها أصبح مشتركًا بهذا القدر، ثم وعد بأن يكمل البقية، فمثلا لو دفع شخص الأقساط الأولية لثلاثين سهمًا فهو قد شارك فعلًا بعشرة أسهم، وبالقسط الثاني قد شارك في العشرة الأخرى، وبالقسط الثالث قد أكمل الثالثين، أي أنه اشترى أولا عشرة ووعد أن يشتري البقية المتفق عليها وهذا لا مانع منه شرعًا.
أما قضية التصويت في الجمعية العمومية فهي عملية إدارية يجوز لأي واحد من الشركاء أن يتنازل عن حقه في هذه المشاركة الإدارية – كما سبق -.
стр. 9763
(د) شهادات التأجير / أو الإيجار المتناقصة:
وهي شهادات اهتدى إليها بيت التمويل التونسي السعودي بفضل استشارات وتوصيات رقابته الشرعية، اشتراها من " الشركة التونسية للتأجير " وذلك كالآتي:
تقتني " الشركة التونسية للتأجير " معدات، وتؤجرها إلى زبائنها بسعر كراء معين، وتنقل ملكية المعدات إلى الزبون عند انتهاء العقد، ودفع كل أقساط الكراء، وطوال مدة الإيجار تصدر " الشركة التونسية للإيجار " شهادات لصالح مشترين بقيمة معينة تمثل قسطًا من ثمن شراء المعدات، ويتقاضى المشترون للشهادات نصيبًا من دخل الكراء، ويبدو أن هذا النوع من النمو.
يقول الدكتور المنصف: " ويبدو أن هذا النوع من التمويل يحترم السلامة الاقتصادية، فلا يوزع ثروة (صورية) كما يراعي قواعد الشريعة الإسلامية، ويساهم في تنشيط سوق الأوراق المالية، ويفتح المجال أمام تداولها في أسواق الإصدار، أو الأسواق الثانوية (١) .
وهذه الشهادات تشبه شهادات الاستثمار المخصص، لكنها تختلف عنها في أنها تمثل نوعًا من المساهمة المتناقصة، حيث تشمل أقساط الإيجار أرباح المؤجر، إضافة إلى استهلاك رأس المال، وعلى هذا فإن شهادات الإيجار هذه سوف تصفى تدريجيًّا حتى تنتهي تمامًا مع آخر الأقساط (٢) .
وبالإضافة إلى هذا النوع الذي رأى النور فليس هناك ما يمنع من إصدار شهادات إيجار غير متناقصة القيمة، تقدم كاملها معدل ربح أعلى من الشهادات المتناقصة نتيجة لإمكان إعادة استثمار الأقساط المدفوعة، وذلك لأن المصرف (مثلًا) يستثمر حصيلة الأقساط المدفوعة في عقود إيجارات جديدة.
وهذا النوع يمكن تسميته بشهادات الإيجار الثابتة (٣) .
стр. 9764
(هـ) صكوك المشاركة:
إذا نظرنا إلى فلسفة الاقتصاد الإسلامي، فإنها تقوم على أساليب المشاركة بمختلف صورها، من المشاركة بالأموال ثم المشاركة الحقيقية في أرباحها، وخسائرها، أو المشاركة بالمال من جانب، والعمل والخبرة من جانب آخر، ثم مشاركة الطرفين في الربح، وفي الخسارة حيث خسر صاحب المال ماله، أو جزءًا منه، وخسر صاحب العمل عمله، وضاع عليه الوقت دون أن يربح، وهكذا، فالمشاركة في الربح والخسارة، وفي الغرم والغنم، وفي المخاطرة هي أساس الاقتصاد الإسلامي.
وهذا الأساس (أي المشاركة) هو الذي يمكن الاقتصاد من ربط الدورة الاقتصادية (أي إنتاج السلع والخدمات) بالدورة المالية (أي النقود) وحينئذ يتقلص خطر الانزلاق بين هاتين الدورتين، ذلك الانزلاق الخطير الذي سبب كوارث مختلفة للبنوك، والمؤسسات الاقتصادية، والأسواق المالية (١) .
وإذا كانت المشاركة ضمانًا لتقليص خطر الانزلاق، فإن هذا المبدأ يكمله مبدأ آخر إسلامي، وهو التكافل والتعاون، من خلال تخصيص جزء معين من أرباح الشركة للمخاطر، وذلك بأن يتنازل المساهمون عن نصيب ضئيل من أرباحهم يكمل به الخسارة التي تلحق بعض الصفقات، أو في بعض السنوات.
وهذا بلا شك لا مانع منه شرعًا بالنسبة للمساهمين، لأن الشركة أولًا وأخيرًا لهم، وهذا القدر يرحل إلى احتياطي الشركة وهو بدوره جزء منها.
стр. 9765
ولكن المشكلة من الناحية الشرعية تظهر بالنسبة للمودعين المستثمرين حيث أن هؤلاء لا يتحملون الخسارة إلَّا بقدر الخسارة التي تحققت لأموالهم، وحسب سنوات المشاركة ولذلك فالعلاج يمكن أن يتم في إحدى الصور الآتية:
١- أن يعد طرف ثالث بالتبرع لمثل هذه الخسارة إن تحققت كما في البند ٩ من قرار المجمع بخصوص صكوك المضاربة – كما سبق -.
٢- أن يتم تحديد مشروع معين يشترك فيه المضاربون، ويلتزمون بالمدة المحددة له، وحينئذ يتفقون على تخصيص جزء من الأرباح لمثل هذه المخاطر، ثم يتم توزيع الأرباح جميعًا – بما فيها الاحتياطي – على الجميع حسب النسب المتفق عليها.
وهذا العمل يكيف فقهًا بأن المضاربة لم تنته إلَّا بإتمام المشروع أو بعبارة أخرى أن البضاعة لم تنض إلَّا بانتهاء المشروع، ومن هنا فجميع الأرباح والخسارة محسوبة حسب المشروع كله، وما عمل من الميزانيات السنوية فهي من باب التنضيض الجزئي، والحكمي.
وصكوك المشاركة – غير المضاربة – لها صور:
١- الأسهم بجميع أنواعها المباحة – كما سبق -.
٢- شهادات المشاركة في مشروع معين، والإدارة لمصدرها. وذلك بأن يطرح المصرف الإسلامي (أو الشركة) مجموعة من الشهادات بحصص متساوية تخصص لمشروع معين، يشترك المصرف نفسه بنسبة محددة (كالنصف والربع مثلًا) فيكون الجميع شركاء بما فيهم المصرف مصدر الشهادات.
ثم يقوم المصرف بإدارة هذا المشروع لقاء نسبة من الأرباح.
وهذه الشهادات بهذه الصورة تختلف عن الأسهم في عدة صور من أهمها أن أصحابها لا يشتركون في إدارة المشروع، ومنها أنها محددة بمدة معينة، ولا تنطبق عليها مواصفات شركة المساهمة.
٣- شهادات المشاركة في مشروع معين تكون الإدارة لجهة أخرى.
وهذا النوع هو مثل النوع الأول لكن إدارة المشروع المشترك بين المصرف (مصدر الشهادات) وأصحاب الشهادات تكون لجهة أخرى بنسبة من الأرباح.
стр. 9766
(و) سندات الخزينة المخصصة للاستثمار الإسلامي:
وقدم الدكتور سامي حمود هذه الفكرة وأسس فكرة إصدارها على القواعد التالية:
١- إصدار سندات الخزينة للمشاركة في المشاريع المنتجة للدخل، وذلك على أساس بيع المشروع المعين، وجملة من المشروعات مقابل إعطاء سندات تمثل حصص امتلاك، وانتفاع بريع المشروع أو المشروعات المعينة.
٢- إصدار الخزينة الإيجارية لمشاريع مملوكة لمؤسسات وشركات مساهمة ذات نفع عام، وذلك باعتبار أن هذه السندات تمثل حصص امتلاك قابلة للتأجير.
٣- إصدار سندات الخزينة البترولية بطريق السلم، وذلك على أساس بيع الإنتاج المستقبل مع تنظيم بيوع السلم الأول، والبيوع الموازية من أجل الموازنة بين الكميات المسلم فيها بالبيع، والمطلوبة بالشراء.
ويقول الدكتور سامي: " وتعتبر هذه الإدارة واحدة من أنجح الوسائل الملائمة للدول البترولية حيث يساعد الإنتاج البترولي الضخم على اجتذاب آلاف الملايين من الدراهم والدنانير والريالات التي لا تجد طريقها للمشاركة في التنمية الوطنية (١) .
غير أن هذه السندات (أو الصكوك أو الشهادات) لا بد من ملاحظة القواعد الشرعية فيها من حيث المشاركة وعدم ضمان المصدر لرأس المال (أي وجود المخاطرة) وعدم تحديد أية نسبة من الفوائد، وإنما ربطها بالأرباح الحقيقية، إضافة إلى شروط عقد السلم من حيث المواصفات، ومن حيث تسليم الثمن في مجلس العقد عند الجمهور، أو في خلال ثلاثة أيام عند مالك (٢) .
стр. 9767
(ز) صكوك المرابحة:
وقد طرح هذه الفكرة الدكتور سامي حمود في ندوة البركة الثانية التي عقدت بتونس بين ٤ – ٧ نوفمبر ١٩٨٤م وقال: " وقد كان بيع المرابحة من أبرز الأمثلة المختارة لبيع الحصص الاستثمارية باعتبار أن بيع المرابحة بعد أن يتم يمكن فيه تمامًا معرفة الربح وموعد تحققه، ونسبة ما يستحق من الزمن، وما يتبقى لما هو باق من الأيام، وإذا كانت الديون بحد ذاتها لا تباع إلَّا مثلًا بمثل فإن هذه الديون إذا كانت جزءًا من موجودات مختلطة مع النقود والأعيان فإنها تصبح قابلة للبيع، ولذا جاز في المخارجة " (١) .
وقد كانت هذه الفكرة متمثلة في إنشاء شركة تابعة لبنك البركة الإسلامي في البحرين تكون متخصصة في تمويل المرابحة، وتكون أسهمها قابلة للبيع والشراء وفق أسعار معلنة مقدمًا على أساس محسوب تبعًا للعمليات المنفذة، والأرباح المستحقة في بيوع المرابحة القائمة، وذلك باعتبار أن السهم في الشركة التابعة يمثل جزءًا شائعًا في موجودات الشركة بكاملها، وقد صدر قرار وزاري بالبحرين لإنشاء شركة إسلامية مساهمة تمارس الإصدارات المختلفة في صناديق المرابحة، والإيجار والسلم، والمشروعات، وإيجاد أدوات مالية إسلامية تتمتع بالسيولة، والربحية، والقابلية للتسويق المنظم على أساس السعر المعلن والمكشوف (٢) .
(ح) صكوك السلم، وبيع الآجل:
كذلك يمكن إصدار صكوك بعقد السلم تنظم فيه مسائله حيث إنه يعالج العقود التي ترد على السلع المستقبلية، كما أن بيع الآجل يعالج الأثمان الآجلة.
(ط) صكوك الاستصناع:
وهذا النوع في نظري أهم الأنواع في علاج كثير من الموضوعات المعاصرة، ومع ذلك لم يول عناية مناسبة، لذلك سيكون بحثنا الخاص بالاستصناع منصبًّا على هذا الجانب بشكل تأصلي إن شاء الله.
стр. 9768
التعامل بالأسهم والسندات عن طريق الأسواق المالية (البورصة) :
لا يجوز التعامل بالسندات المالية (التي هي قروض بفوائد) لا عن طريق الأسواق المالية (البورصة) ولا عن طريق غيرها، كما سبق.
وأما الأسهم التي لا تزاول شركاتها نشاطًا محرمًا، وليس لها امتياز مالي – على التفصيل السابق – فحكم التعامل بها وتداولها عن طريق البورصة على التفصيل الآتي حيث نذكر أولًا أنواع العمليات، ثم نذكر كيفية البيع والشراء من حيث الدفع.
أولًا: أنواع العمليات في البورصة:
١- العمليات العاجلة التي تتم في سوق العاجل، وذلك بأن يلتزم كل من العاقدين بتنفيذ عقودهما، ويسلم البائع الأوراق المالية، والمشتري ثمنها حالًا، أو في مدة لا تتجاوز ٤٨ ساعة، وحينئذ يحتفظ المشتري بها، ويستفيد من أرباحها، ويتحمل خسارتها كذلك وتقوم السوق (البورصة) بإتمام الصفقة بصفة الوكيل عن الطرفين ويرسل الأوراق للطرفين للتوقيع عليها.
فالتعامل بِالأسهم بهذه الطريقة حلال – ما دامت بقية الشروط والضوابط التي يفرضها الشرع متوفرة (١) ولكن المشتري الجديد لا يبيع أسهمه إلَّا بعد استقرار ملكه عليها من خلال القبض حتى ولو كان حكيمًا ما دامت الأسهم تمثل السلع – أي غير النقود والطعام (٢) .
والخلاصة إذا كان البيع حالا وباتا، ولم يكن قائمًا على الاختيارات – كما ستأتي – ولم يكن فيه محظور شرعي آخر فإن هذه المعاملة عن طريق البورصة أيضًا جائزة، وكذلك التعامل في هذه الأسهم جائز بعد استقرار الملك فيها، ولكن دون أن يكون العقد الثاني على أساس ما تسميه البورصة بالمضاربة وهي تعني بها: عملية بيع وشراء صوريين، حيث تباع العقود، وتنتقل من يد إلى يد، وغاية العاقدين الاستفادة من فروق الأسعار (٣) ، بينما المضاربة في الفقه الإسلامي معروفة تعني العمل من جانب، والمال من جانب آخر.
стр. 9769
٢- العمليات الآجلة، التي يلتزم بمقتضاها العاقدان على تصفيتها في تاريخ آجل معين يتم فيه التسليم والتسلم، وقد يتفقان على تأجيل خاص وشروطه وكيفية التعويض.
وتجري التصفية في كل شهر مرة فتسوى الصفقات نهائيًّا، ويتم دفع الثمن وتسلم الأوراق المالية خلال عدة أيام من تاريخ التصفية (١) .
ثم إن هذه العمليات الآجلة تتم على إحدى الصور الآتية:
(أ) العمليات الباتة القطعية: وهي التي يحدد تنفيذها بموعد ثابت لاحق ويسمى موعد التصفية، الذي يدفع فيه الثمن، وتسلم فيه الأوراق المالية موضع الصفقة، وتسمى: الباتة لأن العاقدين ليس لهم حق الرجوع في تنفيذ العملية، ولكن لهم الحق في تأجيل موعد التصفية النهائية إلى موعد آخر.
وتنفيذ هذا النوع يؤدي بلا شك إلى خسارة أحد الطرفين إلَّا إذا كان سعر الأسهم (أو غيرها) معادلًا لسعر البيع نفسه، ففي الغالب يخسر أحد الطرفين، والآخر يربح حسب زيادة سعرها، أو نقصه عند التصفية فلا كسب لأحدهما إلَّا على حساب الآخر.
وقد يشترط المشتري وحده خيار التنازل لنفسه عن حق الآجل فيلجأ إليه عندما يلاحظ هبوط سعر تلك الأسهم، وحينئذ يطلب من البائع تسليم الأوراق المالية المتفق عليها، وحينئذ يضطر البائع لشرائها من السوق بسعر العاجل، وحينئذ يحق للمشتري أن يبيعها قبل موعد التصفية عن طريق وسيط، ويسجل رصيد العملية إذا اقترنت بربح في رصيد دائن (٢) .
وهذا النوع من العمليات كما رأينا لم يتم فيه تسليم المعقود عليه، لا الثمن ولا المثمن، بل اشترط تأجيلهما، فعلى ضوء ذلك لا يجوز، لأنه من الضروري لصحة العقود أن يتم فيها تسليم أحد العوضين – كما هو معروف أو لا يشترط تأجيل الاثنين.
стр. 9770
وذهب أحد الباحثين (١) إلى صحة هذا النوع ما دامت الأوراق المالية جائزة التعامل فيها، ويملك المشتري المبيع، والبائع الثمن، حيث يكون ملك المشتري للمبيع بمجرد عقد البيع الصحيح، ولا يتوقف على التقابض، وإن كان للتقابض أثره في الضمان.
وقد استند في قوله هذا على ما جاء في الموسوعة الفقهية، حيث تقول: " ولا يمنع من انتقال الملك في المبيع، أو الثمن كونهما ديونًا ثابتة في الذمة إذا لم يكونا من الأعيان... " (٢) .
غير أن كلام الموسوعة في " الدين " الذي هو مقابل للعين، وهو مصطلح فقهي لا يعني التأجيل، وإنما يعني به: ما لا يتعين بالتعيين ولذلك أوردت الموسوعة مثالًا بعد هذا الكلام مباشرة، فقالت: " كما لو اشترى مقدارًا معلومًا من كمية معينة من الأرز، فإن حصته من تلك الكمية لا تتعين إلَّا بعد التسليم، وكذلك الثمن إذا كان دينًا في الذمة " فليس في الموسوعة أية إشارة إلى جواز عقد يشترط فيه تأجيل الثمن والمثمن إلى وقت التصفية.
ثم استند الباحث على ما أجازه المالكية والحنابلة من جواز اشتراط تأجيل الحق إلى مدة، اعتمادًا على حديث جابر (٣) .
ولكن هؤلاء الفقهاء لم يقولوا – حسب علمنا – بجواز اشتراط الثمن والمثمن معًا، وهذا هو محل النزاع، بل إن المالكية أنفسهم صرحوا بأنه لا يجوز بيع الدين إلَّا إذا كان الثمن نقدًا، وأجازوا للحاجة تأخير رأس مال السلم ثلاثة أيام فقط (٤) أما الحنابلة فقد اشترطوا قبض الثمن في المجلس.
ثم إننا لا نسلم اعتبار الباحث الأسهم من الديون التي لا تتعين بالتعيين، وإنما التحقيق أنها معتبرة بما تمثله من أصول الشركة فهي حصص مشاعة من موجودات الشركة ومعتبرة بها دينًا وعينًا.