فترة الاختيار:
ورد التصريح بها في نهاية التعريف بالعبارة الآتية:
"عقد بعوض على حق مجرد يخول صاحبه بيع شيء محدد، أو شراءه، بسعر معين طيلة مدة معلومة، أو في تاريخ محدد ... ".
كما جاء في إيضاح التعريف ما يتعلق بها، حيث ذكر أن من العوامل المؤثرة في السعر ارتفاعًا، أو انخفاضًا " طول الفترة الزمنية المحددة للعقد".
هذه الفترة المحددة للقبول سواء في اختيار الطلب (اختيار الاستدعاء) ، أو أختيار البيع (اختيار الدفع) ليست في الحقيقة من العقد بل هي سابقة عليه، وهي مهلة تتيح للعاقد قبل إبرام العقد التفكير لنفسه بالإقدام على ما يعده من مصلحته، دون أن يكون هناك التزام بعقد، وكل ما كان قبل العقد فلا يعد منه.
ولا يعد هذا من الخيار المعروف في الفقه الإسلامي، ذلك أن الخيار في الفقه الإسلامي هو نتيجة إبرام عقد مشروط فيه الخيار أثناء العقد، إذ يعرف فقهًا بأنه: " طلب خير الأمرين من إمضاء عقد، وفسخه " (١) . والفترة المنوه عنها في (الاختيارات) سابقة على إيجاب العقد وإبرامه، فمن ثم لا يكون لها تأثير على العقد صحة، أو فسادًا.
ولو تم (الاختيار) كما هو مذكور في التعريف وإيضاحه نتيجة عقد شرط فيه (الخيار) بين إمضاء العقد، أو فسخه خلال فترة معينة لكان العقد صحيحًا من قبيل (خيار الشرط) " بأن يشترطاه (في) صلب (العقد، أو) يشترطاه بعده، (زمن الخيارين) ، أي خيار المجلس، وخيار الشرط، لأنه بمنزلة حال العقد (إلى أمد معلوم. فيصح) ... " (٢) .
стр. 9907
هيئة السوق:
هي المسؤولة إداريًّا، وقانونيًّا عما يجري في السوق، وهي من الناحية الشرعية: شخصية اعتبارية، معنوية، ذات ذمة قابلة للإلزام، وكافة الجوانب، والمسؤوليات الشرعية، مثلها في الفقه الإسلامي، مثل الأوقاف، وبيت مال المسلمين، والمساجد، والأربطة، والحق العام، والدولة، والقنطرة وغير ذلك (١) .
وهي بهذه الصفة الشرعية لها حق البيع، والشراء، والضمان، والدعوى، والخصومة، وخلافه.
ضمان هيئة السوق:
ورد التصريح بضمان هيئة السوق لحقوق الطرفين في تعريف (الاختيارات) .
كما ورد التصريح في إيضاح التعريف بأن ضمان الحقوق، هي مسؤولية " الأسواق المالية التي تؤدي خدمة الضمان لحقوق الأطراف الملتزمة بالتنفيذ في حينه" (٢) .
يعد هذا الضمان من قبيل (الكفالة بالمال) وهي:
" ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة". (٣) .
وأحكام الكفالة المالية مبنية على التوسع في الفقه الإسلامي فيجوز " (معلومًا كان المكفول به، أو مجهولًا، إذا كان دينًا صحيحًا، مثل أن يقول تكفلت عنه بألف، أو بما لك عليه، أو بما يدركك في هذا البيع) ، لأن مبنى الكفالة على التوسع، فيحتمل فيها الجهالة، وعلى الكفالة بالدرك إجماع وكفى به حجة" (٤) .
стр. 9908
وهو مذهب المالكية: " قال ابن يونس في كتاب الحمالة (١) ... إن الحمالة بالمال المجهول جائزة، فكذلك الحمالة بالمال إلى أجل مجهول جائزة، ويضرب له من الأجل بقدر ما يرى" (٢) .
وذهب الشافعية إلى أنه " لا يشترط رضا المضمون عنه قطعًا، ولا معرفته في الأصح، (ويشترط في المضمون) وهو الدين (كونه ثابتًا) ، فلا يصح الضمان قبل ثبوته ... ، لأنه وثيقة له فلا يسبقه كالشهادة، وهذا في الجديد، (وصحح القديم ضمان ما يجب) ببيع، أو قرض، لأن الحاجة قد تدعو إليه" (٣) .
ولم يشذ الحنابلة عن المذاهب السابقة فالضمان عندهم: " التزام من يصح ... مالًا (وجب على آخر) كثمن، وقرض، وقيمة متلف (مع بقائه) ، أي ما وجب على مضمونه عنه، فلا يسقط عنه ... ، (أو) ما (يجب) على آخر كجعل على عمل ... ، (غير جزية فيهما) ، أي فيما وجب، وفيما يجب فلا يصح ضمانها ... " (٤) .
كما يصح الضمان برغم جهالة الضامن للمضمون له، والمضمون عنه:
"ولا يعتبر لضامن (أن يعرفهما) أي المضمون له، والمضمون عنه (ضامن) لأنه لا يعتبر رضاهما، فكذا معرفتهما، (ولا) يعتبر (العلم) من الضامن (بالحق) لقوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] .
وهو غير معلوم، لأنه يختلف، (ولا) يعتبر (وجوبه) أي الحق (إن آل إليهما) أي العلم به، وإلى الوجوب للآية ... " (٥) .
стр. 9909
وحينئذ تكون هيئة السوق ضامنًا فيما صرحت بضمانه من حقوق، ومسؤوليات، وهذا من قبيل ما هو معروف فقهًا (ضمان السوق) ، وهو صورة من صور الضمان المنصوص عليه: " (ومنه) أي من الضمان مايؤول إلى الوجوب (ضمان السوق وهو) أي ضمان السوق (أن يضمن ما يلزم التاجر من دين، أو ما يقبضه) أي التاجر (من عين مضمونة) كمقبوض على وجه سوم ... " (١) .
سماسرة السوق:
جماعة مرخص لها بالعمل في الأسواق المالية، من وظائفهم: " أنهم يجمعون رغبات الشراء، والبيع بين أطراف غير معروف بعضها لبعض، ويجرون الارتباط بين المتوافق من الاختيارات" (٢) .
يتضح من هذه العبارة أن عمل السماسرة في عقد الاختيارات عمل تسويقي، وتنظيمي في نفس الوقت، " إذ يجرون الارتباط بين المتوافق من الاختيارات "، ومتابعة حركة السوق، للتوصل إلى التصفية النهائية، وكما في الحقيقة مجرد وسيط بين الأطراف لتسهيل الصفقة، وهذا العمل ليس له تأثير على العقد صحة، أو بطلانًا، والسمسار بمثابة وكيل (٣) .
إجراء الارتباط بين المتوافق من (الاختيارات) :
هذا العمل من جملة وظائف السماسرة في الأسواق المالية المنظمة " والمرخص فيها بذلك لسماسرة محصورين، يجمعون رغبات الشراء والبيع بين أطراف غير معروف بعضها لبعض، ويجرون الارتباط بين المتوافق من الاختيارات ... " (٤) .
стр. 9910
يمكن التعبير عن هذا العمل بأنه تصفية بين العقود المتفقة للتوصل إلى معرفة ما للمتعامل، وما عليه من خلال صفقات (الاختيارات) : اختيار الاستدعاء، واختيار الدفع.
هذه العملية لا تدخل تحت ما يسمى بـ (المقاصة) في الفقه الإسلامي، ذلك أنها تكون بين مدينين يسقط كل منهما ما له من دين على غريمه مقابل ما له في ذمة الآخر، بشروط معلومة في كتب الفقة حسب سبب الدين، ونوعه، اتفاقًا، أو اختلافًا وقدره، وصفته، وحلوله، وتأجيله، وقد جرى تعريف المقاصة فقهًا بأنها: " متاركة مطلوب، بمماثل صنف ما عليه، لما له على طالبه فيما ذكر عليهما" (١) . وبعبارة أخرى أوضح:
" (هي إسقاط ما لكَ من دين على غريمك في نظير ما له عليك) بشروطه". (٢) .
والعلاقة التي ينشئها السماسرة بين المتعاملين في السوق المالية ليست علاقة (مديونية) ، التي هي أساس مبدأ المقاصة، وما يقوم به السماسرة هو فقط عملية تصفية، للوصول إلى النتائج الربحية، أو عدمها من التعامل في هذا النشاط التجاري فحسب، فهي عملية إجرائية لا أثر لها صحة، أو بطلانًا في الاختيارات.
стр. 9911
خاتمَة بَحث الاختيارات
إن العرض الفقهي السابق، والتحليل لعقد (الاختيارات) كما هو ممارس في الأسواق المالية، وتكييفه فقهًا حسب القواعد الشرعية خلص إلى نتائج واضحة، تمثل مجموعة، ومنفردة الإجابة على الأسئلة التي ذيلت بها أوراق التعريف به، وتتلخص في الآتي:
أولًا: إن التعريف اشتمل على عقدين مختلفين.
(أ) عقد ابتدائي أوَّلي، وهو مدخل للعقود التي تبرم بين الأطراف داخل السوق، وهو عقد إجارة من الناحية الفقهية. و (العوض) المذكور في صدر التعريف هو في الحقيقة (أجرة) مقابل التسهيلات التي يحصل عليها المتعامل بالسوق، ومن جملة ما يحصل عليه من المنافع إعطاء حق (الاختيار) ، وهو منفصل عن الأخير شكلًا وموضوعًا.
(ب) عقد تال (الاختيار) : وهو ما جرى البحث فيه تفصيلًا.
ثانيًا: عقد (الاختيار) – حسب التعريف المقدم من قبل المجمع هو عقد بيع في جوهره، وموضوعه، تنزل أحكامه وفق أحكام البيع.
ثالثًا: (الحق المجرد) – بالصورة المدونة في هذا العقد نظريًّا وتطبيقًا – ليس مالًا، ولا منفعة ولا بما له تعلق بواحد منهما، فهو لا يصلح فقهًا أن يكون (معقودًا عليه) ، موضوعًا للعقد، ومحلًّا له.
رابعًا: (هيئة السوق) – شخصية معنوية، اعتبارية، ذات ذمة قابلة للإلزام والالتزام، وكافة المسؤوليات الشرعية، مثلها في الفقه الإسلامي مثل الأوقاف، وبيت المال، ودور التعليم، والمساجد، والأربطة وغير ذلك، فتكون بائعًا، ومشتريًا وضامنًا.
стр. 9912
خامسًا: الضمان الذي تقدمه الهيئة للطرفين هو تأكيد الشخصية المعنوية، ولا يتعارض مع النصوص الشرعية، خصوصًا وأن أحكامه مبنية على السنة والتسامح.
سادسًا: العوض في (اختيار الشراء) – لا دخل له في ثمن المعقود عليه في (الاختيارات) كما جرى تحليل هذا سابقًا.
وعلى فرض جعله من الثمن فإنه لا يؤثر على صحة العقد – لو كان صحيحًا في بقية الأركان والشروط – بل يعد من قبيل (بيع العربون) وهو (دفع بعض ثمن) في بيع عقداه، (أو ... أجرة) ، أو يقول مشتر، ومستأجر (إن أخذته) أي المبيع، أو المؤجر احتسبت بما دفعت من ثمن، أو أجرة، وإلَّا فهو لك، (أو) يقول: إن جئتك بالباقي من ثمن، أو أجرة، وإن لم يعينا وقتًا، (وإلَّا فهو) أي ما قبضته فهو لك ...
(وما دفع في عربون فلبائع) في بيع، (و) لـ (مؤجر) في إجارة (إن لم يتم) العقد ... (١) .
وهو صحيح وفق المذهب الحنبلي، ومقبول شرعًا أن يجعل العوض جزءًا من ثمن السلعة إذا اتفق على هذا المتعاقدان.
سابعًا: يمكن تعديل هذا النوع من البيوع مع الاحتفاظ بخصوصية (الاختيار) ، وهو (السعر المعين طيلة مدة معلومة، أو في تاريخ محدد) بإقامة أركان البيع التي تطرق الخلل للاختيارات من قبلها، خلوه عن موانع الصحة، وأسباب البطلان، والخلل في الأركان ظهر في العناصر التالية:
١- مالية المعقود عليه الثمن والمثمن على السواء: وهي لا تتمثل فيما يسمى بالحق المجرد بحال.
стр. 9913
وسلامة هذا الجانب وعلى الأصح هذا الركن في تحقق مالية الثمن، والمثمن بما جرى شرحه وتوضيحه سابقًا، وأن يكون المقصود الأساسي شراء سلعة لها صفة (المالية) .
٢- عدم قبض الثمن، والمثمن بمعنى غيابهما جميعًا عند العقد، وهذا يحيل العقد إلى (بيع الكالئ بالكالئ) .
وليكون العقد سليمًا في هذا الجانب فلا بد من تعجيل أحدهما على الأقل، ووصف المؤجل وصفًا دقيقًا، ينقطع به النزاع.
٣- عدم ملكية (المعقود عليه) للبائع في (خيار الاستدعاء) ، وهو بهذا يفتقد شرطًا من شروط انعقاد البيع عند الحنفية، وشرطًا من شروط الصحة عند الشافعية، وشرطًا من شروط اللزوم عند المالكية. وبالإمكان تصحيح هذا الخلل في ضوء المذهب المالكي بعد أن يظل العقد موقوفًا حتى يتم تملك البائع للسلعة تملكًا شرعيًّا صحيحًا، وحينها يصبح العقد صحيحًا ولازمًا.
ثامنًا: إعطاء شهادة حق التملك، وحق الأولوية في شراء الإصدارات من حيث هو – بالصورة الموضحة بالأوراق المقدمة من قبل المجمع – هو بمثابة مكافأة غير مشروطة، ممن يملك إصدارها ومنحها، وما دام أنها غير مشروطة في التعامل – وبخاصة إذا كانت معاملة قرض بين الأفراد والشركات المانحة لها – فإنها صحيحة بلا استثناء، أما لو كانت مشروطة في حالة القرض فعندئذٍ تدخل تحت القاعدة المشهورة (كل قرض جر نفعًا فهو حرام) .
وإعطاء إحدى الشهادتين أو كلتيهما مكافأة للعملاء، أو حماية لحقوقهم هو تمليك لهم ما يجوز لهم تملكه، وهذا يخولهم حق نقلها بمقابل وبدون مقابل إلى من عداهم، ما لم يكن هذا التمليك معينًا ومشروطًا لهم خاصة، ذلك أن (المسلمين عند شروطهم) .
стр. 9914
والأولوية في شراء الإصدارات الجديدة من الأسهم لا يطلق عليها (الشفعة) في الفقه الإسلامي، ولا تندرج تحت هذا المصطلح بحال، ذلك أن هذه التسمية (الشفعة) لا تطلق أصالة في الفقه الإسلامي إلَّا على " العقار " وهو الأرض وما اتصل بها من بناء وشجر، فلا شفعة في غيره إلَّا تبعًا " (١) . فشرط الشفعة " أن يكون محلها عقاراً" (٢) .
والله أسأل التوفيق والسداد وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
الدكتور عَبد الوهاب ابراهيم أبو سليمان
стр. 9915
مصادر بحث الاختيارات
١- البابرتي، أكمل الدين محمد: شرح العناية على الهداية. بهامش شرح فتح القدير لابن الهمام. الطبعة الأولى. مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، سنة ١٣٨٩هـ/١٩٧٠م.
٢- البهوتي، منصور بن يونس: شرح منتهى الإرادات. المدينة المنورة المكتبة السلفية.
كشاف القناع عن متن الإقناع. راجعه وعلق عليه هلال مصيلحي مصطفى هلال. الرياض: مكتبة النصر الحديثة.
٣- التهانوي، محمد علي الفاروقي: كشاف اصطلاحات الفنون. تحقيق لطفي عبد البديع. ترجمة عبد النعيم محمد حسنين. مصر: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، سنة ١٣٨٢هـ/١٩٦٣م.
٤- ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم: مجموع فتاوي. الرباط: مكتبة المعارف.
٥- الحجاوي، شرف الدين موسى: الإقناع في فقه الإمام أحمد. تصحيح وتعليق عبد اللطيف محمد موسى السبكي. مصر: المكتبة التجارية الكبرى.
٦- الحصكفي، محمد علاء الدين: شرح الدر المختار. مصر: مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده.
٧- الحطاب، أبو عبد الله محمد بن محمد: مواهب الجليل لشرح مختصر أبي الضياء سيدي خليل. الطبعة الأولى. مصر: مطبعة السعادة، سنة ١٣٢٩م.
٨- حيدر علي: درر الحكام شرح مجلة الأحكام. تعريب المحامي فهمي الحسيني. بيروت: مكتبة النهضة.
٩- الدردير، أحمد بن محمد: الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي. بيروت: دار الفكر.
الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك. تخريج وضبط كمال وصفي. مصر: دار المعارف سنة ١٣٧٤هـ.
١٠- الدسوقي، محمد عرفة: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
١١- الرشيدي، أحمد بن عبد الرزاق بن محمد المعروف بالمغربي: حاشية على نهاية المحتاج، بهامش نهاية المحتاج للرملي. مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.
١٢- ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد. مصر: مطبعة الاستقامة عام ١٣٧١هـ/ ١٩٥٢م.
стр. 9916
١٣- الرصاع، أبو عبد الله محمد الأنصاري: شرح حدود ابن عرفة. الطبعة الأولى. تونس: المطبعة التونسية، سنة ١٣٥٠هـ.
١٤- الرهوني، محمد بن أحمد: أوضح المسالك وأسهل المراقي إلى سبل إبريز الشيخ عبد الباقي. بيروت: دار الفكر، سنة ١٣٩٨هـ/١٩٧٨م.
١٥- الزرقاني، سيدي عبد الباقي: شرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل. بيروت: دار الفكر سنة ١٣٩٨هـ/١٩٧٨م.
١٦- الزيلعي، فخر الدين عثمان بن علي: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق. الطبعة الثانية، بيروت: دار الفكر.
١٧- سعدي جلبي، سعد الله بن عيسى: حاشية على فتح القدير، للكمال بن الهمام. الطبعة الأولى، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، سنة ١٣٨٩هـ/ ١٩٧٠م.
١٨- الشربيني، محمد الخطيب: مغني المحتاج إلى معرفة معاني المنهاج. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، سنة ١٣٩٨هـ/١٩٧٨م.
١٩- الشلبي، شهاب الدين أحمد: حاشية تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، بهامش تبيين الحقائق. الطبعة الثانية، بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر.
٢٠- الشوكاني، محمد بن علي: السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار. الطبعة الأولى، تحقيق محمود إبراهيم زايد. بيروت: دار الكتب العلمية، سنة ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م.
٢١- الصاوي، أحمد محمد: حاشية الصاوي على الشرح الصغير، بهامش الشرح الصغير. تخريج وضبط كمال وصفي، مصر: دار المعارف، سنة ١٣٧٤هـ.
٢٢- طموم، محمد: الشخصية المعنوية الاعتبارية في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي. الطبعة الثانية. القاهرة: مطبعة حسان، سنة ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧م.
٢٣- ابن عابدين، محمد أمين: رد المحتار على الدر المختار. بيروت: دار الكتب العلمية.
٢٤- ابن عرفة، أبو عبد الله محمد: الحدود مع شرحه لأبي عبد الله محمد المشهور بالرصاع. الطبعة الأولى. تونس: المطبعة التونسية، سنة ١٣٥٠هـ.
٢٥- عميرة، شهاب الدين أحمد البرلسي: حاشية على شرح المحلى للمنهاج، بهامش شرح المحلى على المنهاج. بيروت: دار الفكر.
стр. 9917
٢٦- الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد: الوجيز في فقه مذهب الإمام الشافعي. مصر: مطبعة حوش قدم، سنة ١٣٨١هـ.
٢٧- القاري، ملا علي: النقابة شرح مختصر الوقاية. الطبعة الثانية. قازان خاريطوف، مطبعة سي، ١٣٢٤هـ.
٢٨- القباب، أبو العباس أحمد بن قاسم الجذامي: شرح المسائل التي وضعها ابن جماعة في البيوع. مخطوط. مكتبة مكة المكرمة. رقم ٣١ حنفي.
٢٩- ابن قدامة، موفق الدين أبو محمد: المغني. طبعة جديدة بالأوفست بعناية جماعة من العلماء. بيروت: دار الكتاب العربي، سنة ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.
٣٠- قليوبي، شهاب الدين أحمد: حاشية على شرح المحلى للمنهاج. بيروت: دار الفكر.
٣١- الكاساني، علاء الدين أبو بكر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. الطبعة الثانية. بيروت: دار الكتاب العربي، عام ١٣٩٤هـ/١٩٧٤م.
٣٢- ابن المبرد، جمال الدين: الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي. الطبعة الأولى. تحقيق رضوان مختار بن غربية. جدة: دار المجتمع للنشر والتوزيع، سنة ١٤١١هـ/١٩٩١م.
٣٣- المواق، أبو عبد الله سيدي محمد: التاج والإكليل لمختصر خليل، بهامش مواهب الجليل للحطاب. الطبعة الأولى. مصر: مطبعة السعادة سنة ١٣٢٩هـ.
٣٤- المرغيناني، أبو الحسن علي: الهداية على شرح بداية المبتدي. الطبعة الأخيرة. مصر: مكتبة ومطبعة مصطفى الباب الحلبي.
٣٥- ابن الهمام، كمال الدين حمد بن عبد الواحد السيواسي: شرح فتح القدير. الطبعة الأولى. مصر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده سنة ١٣٨٩هـ/١٩٧٠م.
стр. 9918
الاختيارَات في الأسوَاق الماليَّة
في ضَوء مُقرّرات الشريعَة الإسلاَميِّة
إعدَاد
الدكتور عبد الستار أبو غدّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(تمهيد) في أهمية الموضوع وتوصيات المجامع والندوات بشأنه:
لقد اشتمل أسواق الأوراق المالية والبضائع (البورصات) – كما جاء في قرار المجمع الفقهي بمكة – على جوانب إيجابية مفيدة في نظر الاقتصاديين والمتعاملين معها من حيث إقامة سوق دائمة وتسهيل عملية تمويل المؤسسات وتسهيل بيع الأسهم ومعرفة ميزان أسعارها، كما اشتملت على جوانب سلبية ضارة من حيث إن العقود الآجلة فيها ليست بيعًا وشراء حقيقيين لعدم التقابض، ولبيع ما هو غير مملوك للباعة، وتكرار البيع قبل القبض واحتكار المتمولين للأسهم والسندات والبضائع، وتأثير هذه السوق في الأسواق بصفة عامة وإحداث تقلبات.
وفي ضوء هذا قرر المجمع أن غاية السوق المالية فيها مصلحة لكنها مقترنة بصفقات محظورة (ولذا لا يمكن إعطاء حكم شرعي عام بشأنها، بل يجب بيان حكم المعاملات التي تجري في كل واحد منها على حدة) وقرر مشروعية العقود العاجلة على سلع حاضرة مملوكة للبائع متحقق فيها القبض حيث يشترط، وكذلك مشروعية التعاقد على أسهم لا يحرم التعامل بها، ومنع سندات القروض بفائدة. وانتهى إلى تحريم العقود الآجلة بأنواعها على ما ليس في ملك البائع، وأنها ليست من بيع السلم الجائز، لأن الثمن لا يدفع في مجلس العقد خلافًا للواجب في السلم. وكذلك (تباع السلعة المتعاقد عليها وهي في ذمة البائع الأول وقبل أن يحوزها المشتري الأول عدة بيوعات، وليس الغرض من ذلك إلَّا قبض أو دفع فروق الأسعار بين البائعين والمشترين غير الفعليين، مخاطرة منهم على الكسب والربح، كالمقامرة سواء بسواء، بينما لا يجوز بيع البيع في عقد السلم قبل قبضه) .
стр. 9919
كما أوصى المجمع الفقهي المسؤولين بتقييد تعاملات أسواق البورصة وإيجاب مراعاة الطرق المشروعة في صفقاتها ومنع العقود غير الجائِزَة.
وجاء قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم ٦١/١٠/٦ بعد الإشارة إلى ندوة الأسواق المالية بالرباط، والتنويه بما للأسواق المالية من دور في تداول الأموال وتنشيط استثمارها، فنص على أن الاهتمام بالأسواق المالية هو من تمام إقامة الواجب في حفظ المال وتنميته، وأنها في حالتها الراهنة ليست النموذج المحقق للهدف من الوجهة الإسلامية، وتتطلب بذل جهود لمراجعة ما تقوم عليه من أنظمة، وما تعتمده من آليات وأدوات وتعديل ما ينبغي تعديله في ضوء مقررات الشريعة الإسلامية.
وفي الندوة السادسة لمجموعة البركة بعد أن تداول المشاركون الرأي حول بيوع الخيار وشراء حق الاختيار رأوا (أنه غير جائز لأنه من أنواع المجازفات التي لا يراد فيها حقيقة البيع. كما أن تداول حق الخيار في البيع والشراء غير جائز لأن هذا الحق ليس مما يصح فيه البيع) [فتوى/٢٦] .
ولذا ظلت الحاجة قائمة إلى دراسة شرعية للاختيارات للبت في أمر بقائها في دائرة العقود التي يجب الوفاء بها كما هي، أو اشتراط تنقيتها من المحاذير والموانع الشرعية التي تلابسها، أو أنها في ماهيتها خارجة عن الاعتبار الشرعي ولا يمكن تعديلها بل يصار إلى بدائل مشروعة عنها.
ولا يخفى أنه لا أثر في الحكم عليها لكونها مستحدثة لم يعرض لها الفقهاء المجتهدون ومن سار على نهجهم، فإن العبرة بما تستحقه من حكم شرعي مستجد ينسجم مع التصور الصحيح لماهيتها والتكييف الشرعي لها بالفهم الفقهي. وذلك أنها بدأ العمل بها في أوساط غير إسلامية لا تهتم بمعيار الحلال والحرام ثم سرى التعامل بها إلى ديار المسلمين من خلال استخدام ما يطرح في تلك الأسواق للتداول من أوراق مالية وسلع وعملات غيرها.
والله ولي التوفيق.
стр. 9920
مَاهِيَّة الاختيارات
إن المعنيين بما يجري في الأسواق المالية من تعاملات قد عرفوا الاختيار بأنه (عقد يمثل حقًّا يتمتع به المشتري، والتزامًا يقدمه البائع، فيدفع الأول ثمنًا مقابل تمتعه بذلك الحق، ويقبض الآخر هذا الثمن مقابل تعهده والتزامه، وينتج عنه أداة قابلة للبيع وللتداول) .
كما ذكروا أن الاختيارات تمارس فقط في أسواق المستقبليات بالأسهم، والسلع، والعملات، والمؤشرات. وإنها تقترن دائمًا بكفالة جهة ثالثة تضمن وفاء الطرفين بالتزاماتهما، فهي كفالة مزدوجة الأثر مع وحدة الكفيل، إذ تكفل البائع لصالح المشتري فيما يترتب في ذمته من التزامات، وتكفل المشتري لصالح البائع فيما يترتب في ذمته من التزامات أيضًا، وهذه الجهة هي غرفة المقاصة أو السمسار.
وذكروا أن شكل إصدار الاختيارات نمطية، فهي متشابهة من حيث عدد الأسهم ونوعها ومدة الاختيار وسعر الممارسة (سعر السهم) وأن سعر الاختيار وهو غير سعر الممارسة لأنه (ثمن الاختيار) ليس موحدًا، بل يتغير تبعًا لقوى العرض والطلب.
أنواع الاختيارات:
إن الحكم على هذه الاختيارات لا بد أن يسبقه التعرف إلى ما تشتمل عليه من آثار والتزامات وتحديد التكييف الشرعي لماهيتها، ومن ثم النظر فيما يقارنها من ملابسات.
стр. 9921
والاختيارات نوعان: اختيار طلب، واختيار دفع:
١- اختيار الطلب: ويسمى أيضًا: اختيار الشراء، أو اختيار الاستدعاء، يعطي مشتريه حق شراء أسهم (مثلًا) بسعر محدد خلال فترة محددة ويلتزم بائعه ببيع تلك الأسهم عند طلب المشتري خلال الفترة المتفق عليها، وبالسعر المتفق عليه أيضًا.
٢- اختيار الدفع: ويسمى أيضًا: اختيار البيع، يعطي مشتريه حق بيع أسهم بسعر محدد خلال فترة محددة، ويلتزم بائعه بشراء تلك الأسهم بالسعر المتفق عليه خلال تلك الفترة.
التكييف الشرعي للاختيارات:
إن مما يساعد على التصور بمنظور فقهي لماهية هذه الاختيارات النظر في أطرافها وأركانها والعنصر الأساسي في ذلك (محل العقد) أي المعقود عليه، من ثمن ومثمن، لأن ذلك ضروري لمعرفة ما إذا كان مما يصلح محلًّا للتعاقد من حيث كونه مالًا متقومًا أو لا يصلح.
ويتضح من البيانات الشارحة لماهية الاختيار (فنيًّا) وكيفية مزاولتها أن محل العقد فيها هو الحق في الشراء أو في البيع، وليس الأسهم نفسها. هذا من حيث المبيع أو المثمن. وأما من حيث الثمن فهو المبلغ المقدم عوضًا مقابل هذا الحق، ولا علاقة له بثمن الأسهم فقد أكد الفنيون (أن ثمن الاختيار ليس جزءًا من ثمن الأسهم أو السلع التي يقع عليها الاختيار، فهو لا يمثل دفعة مقدمة على حساب ثمن الأسهم أو السلع) .
стр. 9922
ولتحقيق المباينة بين محل الاختيار ومحل الصفقة الآجلة التي تأتي بعد الاختيار خلال الفترة المحددة فإن التأمل يدل على أن هناك تصرفين: أولهما قد اكتمل وجوده بالإيجاب والقبول، والمحل فيه هو حق الشراء أو حق البيع تبعًا لنوعي الاختيار، وبعدئذ قد يأتي التصرف الثاني بالشراء، أو البيع فعلًا، والمحل فيه هو الأسهم (مثلًا) . وقد لا يحصل الشراء أو البيع وإنما يصار إلى إهمال حق الاختيار والتخلي عن استعماله إذا كان استعماله يزيد خسارة صاحبه، كما قد يصار إلى نقل حق الاختيار من صاحبه إلى غيره بعوض.
والتصرف الأول مكتمل الصيغة، بصدور إيجاب من أحد الطرفين (بائعًا للاختيار، أو مشتريًا، لأن الإيجاب ما يصدر أولًا من الإرادتين) وقبول من الآخر، وبذلك يثبت حق الاختيار ويلزم ثمن الاختيار.
أما التصرف الثاني فقد حصل شطره فقط وهو الإيجاب من أحد الطرفين وثبت للطرف الآخر حق القبول (أو خيار القبول حسب التعبير الفقهي) ففي اختيار الطلب أو الشراء صدر إيجاب من مالك الأسهم (البائع) التزم به بالبيع، وصار للمشتري حق شراء الأسهم أو عدم شرائها. وفي اختيار الدفع أو البيع صدر إيجاب من الراغب في استملاك الأسهم (بحسب الظاهر، لأن التملك للأسهم ليس موجودًا حقيقة) وبه التزم بالشراء وصار لمالك الأسهم (البائع) حق القبول (خيار القبول) بأن يبيع أو لا يبيع.
وهذان الإيجابان في الاختيارين ثابتان اقتضاء تبعًا لثبوت الاختيار، وهما لم يحصلا مجانًا بل بالثمن المدفوع لقاء الاختيار.
كما أن هذا الإيجاب (الضمني) بالشراء أو بالبيع قابل للنقل إلى الغير مع نقل الاختيار تلقائيًّا. إذا لم يرغب من له الاختيار في ممارسة حقه. إذ يبيع ذلك الحق أي ينقله بعوض فينتقل معه حق القبول (خيار القبول) ويصير لطرف جديد بعد خروج ناقل الاختيار من العملية تمامًا.
стр. 9923
ومن هذا التصوير بالتعابير الفقهية تثور القضايا التالية:
١- هل حق الاختيار يصلح محلًّا للعقد. أو بعبارة أخرى أشمل: هل حق الاختيار للحصول على إيجاب من الغير يصلح محلًّا للعقد ويكون له مقابل هو ثمن الاختيار؟
٢- هل حق الاختيار يصلح للنقل للغير بعوض؟
٣- هل الأسهم غير المملوكة للبائع (حسب الصورة الغالبة في التعامل بالاختيارات) ، تصلح محلًّا للبيع؟
محل العقد في الاختيارات:
إن محل العقد لا بد أن يكون مالًا أو حقًّا ماليًّا أي متعلقًا بعين هي مال. وها هنا المحل عبارة عن إرادة ومشيئة، وهي ليست مالًا ولاحقًّا متعلقًا بمال. وقد عالج الفقهاء مسألة بيع الحقوق كما تعرضوا لحق الخيار وقابليته للاعتياض عنه بمال، أو قابليته للانتقال إلى الغير (بالإرث) وذلك بمناسبة خيار الشرط هل يورث أو لا يورث؟ والخلاف فيه على ثلاثة اتجاهات: يورث، لأن حق متعلق بالمال وهو المبيع، يورث بالطلب من المورث قبل موته، لا يورث لأنه صفة فهو ليس إلَّا مشيئة وإرادة، وهو وصف قائم بشخص من ثبت له، والوصف الشخصي لا يقبل النقل بحال. وبعبارة أخرى للحنفية (أصحاب هذا الاتجاه: منع الانتقال بالإرث) : " معني الخيار تخيره بين فسخ وإمضاء، وهو صفة ذاتية، كالاختيار، فلم يورث كعلم الشخص وقدرته، ولهذا لا تصح المصالحة على الخيار بمال) .
وإذا استرجعنا ما سبق من أن الاختيار يستتبع إيجابًا من أحد الطرفين بالشراء أو بالبيع ويترتب عليه خيار القبول للطرف الآخر، فإن خيار القبول لا يورث، للسبب نفسه، من أنه إرادة ومشيئة ووصف شخصي [ابن عابدين: ٤/٢٩؛ والفتاوي الهندية: ٣/٧] .
وعليه فإنه لا يقبل النقل بعوض أو بغير عوض لأنه إذا كان لا يقبل الانتقال الجبري بالميراث فإنه لا يقبل ذلك هنا بالأولى.
стр. 9924
علاقة الاختيار ببيع العربون:
قد يقال إن الاختيار يشبه أو يقاس على بيع العربون الذي قيل بجوازه، فالمشتري في بيع العربون يحصل على إيجاب ملزم للبائع ويكون له خيار القبول طيلة الفترة المحددة لقاء العربون الذي يدفعه. وهذا التشبيه هو في (اختيار الطلب) الذي يثبت به حق الشراء للأسهم أو عدمه.
وهذا غير صحيح، لأن المحل في بيع العربون هو الشيء المبيع وليس حق الاختيار. والعربون جزء من الثمن، أما ثمن الاختيار فليس جزءًا من ثمن الأسهم التي يتوقع شراؤها. [نيل الأوطار: ٥/١٧٣؛ والشرح الكبير على المقنع: ٤/٥٨؛ والخرشي على الخليل: ٥/٧٨؛ والجمل على المنهج: ٣/٧٢] .
ورأى بعضهم أنه إذا كان الخيار للبائع، وهو يتصور هنا في (اختيار الدفع) حيث يثبت به حق البيع للأسهم أو عدمه فإن ثمن الاختيار المدفوع لقاء التزام الطرف الآخر بشراء الأسهم (مثلًا) هو بمثابة هبة مشترطة في عقد البيع، لأن المشتري لا حق له في مبلغ المال إلَّا إذا كان على وجه الهبة. واشتراط عقد في عقد آخر لا يصح للنهي عن صفقتين في صفقة. وهذا التخريج – رغم النتيجة السلبية الصحيحة – غير مسلم لأنه ليس هنا في (الاختيار) بيع لكي يقال أنه اشترطت فيه هبة، بل هناك إراداتان لوجود الاختيار، وإيجاب فقط للالتزام بالشراء أو البيع. [الموسوعة الفقهية – الكويت: ٩/٢٥٩ و ٢٦٤؛ ونظرية الشروط للشيخ زكي الدين شعبان: ص١٥٧] .
стр. 9925
دراسة الصورة الغالبة في الاختيارات (بيع ما لا يملكه الباعة) :
إن إصدار الاختيارات إما أن يكون من جهة تملك الأسهم التي يقع عليها الاختيار في وقت إصدار الخيار، ويسمى هذا (مصدرًا مغطى) أو يكون من جهة لا تمتلك الأسهم في وقت إصدار الخيار ويسمى (مصدر غير مغطى) وقد ذكر الفنيون أن هذا هو الغالب، وأن مصدر الاختيار هو الجهة التي تلتزم بالتعهد بالبيع في (اختيار الطلب) أو تلتزم بالشراء في (اختيار الدفع) ويسمى هذا المصدر (كاتب الاختيار) وكثيرًا ما يشتري المستثمر اختيارات متعارضة يلغي بعضها بعضًا عند نهاية مدتها، أو يقلل بعضها من المخاطرة المتضمنة في البعض الآخر.
وبالرغم من أن سبب المنع في الاختيارات كامن في البداية وهي عملية الاتفاق على بيع أو شراء الخيار، والتي رأينا أنها تستتبع إيجابًا ملزمًا لأحد الطرفين لصالح الآخر وقد تم الحصول على هذا الإيجاب بالعرض المقدم من صاحب الاختيار (ثمن الاختيار) بالرغم من هذا، فإن هناك أسبابًا إضافية للمنع جاءت الإشارة إليها في قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة، ونوهت بها في (التمهيد) وعلى رأسها أن المتعاقدين في الاختيارات غالبًا يتفقان على التعامل فيما ليس مملوكًا للبائع إذا عزم على البيع.
وبيع ما لا يملكه الإنسان ممنوع شرعًا، وقد جاءت عدة أحاديث في النهي عن بيع الإنسان ما لا يملك، من ذلك حديث حكيم بن حزام عند أبي داود والنسائي أنه قال: قلت يارسول الله يأتيني الرجل فيريد مني المبيع ليس عندي فأبتاع له من السوق، قال: ((لا تبع ماليس عندك)) . وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)) ، [رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه وابن خزيمة والحاكم] .
стр. 9926
وهذه البيوع لما لا يملكه الباعة ليست مستوفية لشروط بيع السلم، التي منها تعجيل دفع الثمن كله في مجلس العقد، فإنه في الاختيارات لا يدفع منه شيء البتة، لأن ما يدفع لقاء الحصول على الاختيار هو ثمن الاختيار وليس جزءًا من ثمن ما سيباع أو يشتري فيما بعد.
كذلك – كما أشارت الفقرة (ب) من البند السادس لقرار المجمع الفقهي – تباع السلعة المتعاقد عليها وهي في ذمة البائع الأول وقبل أن يحوزها المشتري الأول عدة بيوعات. وليس الغرض من ذلك إلَّا قبض أو دفع فروق الأسعار بين البائعين والمشترين غير الفعليين، مخاطرة فهم على الكسب والربح، كالمقامرة سواء بسواء.
ومن المقرر شرعًا أن ما بيع موصوفًا في الذمة بشروط السلم لا يجوز بيعه إلَّا بعد قبضه حتى لو كان من غير الطعام. وهاهنا تخلف شرط السلم وهو تعجيل الثمن، كما تتابعت البيوعات قبل القبض والبديل الشرعي في حال مراعاة شروط السلم في شراء سلعة ثم الرغبة في بيعها أن يبيع أيضًا بالصنعة مع مراعاة شروط السلم دون ربط بين الصفقة التي سيتم تملكها، والصفقة التي يتعاقد على تمليكها للغير. وهذا ما يسمى (السلم الموازي) .
وهناك محظور البيع قبل القبض في الطعام عند من قصر أحاديث المنع على الطعام دون غيره لحديث ابن عباس عند البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه)) . وهذا الشرط لا يراعى في البيوعات التي يتعامل لأجلها بالاختيارات.
والغرض من هذا أنه لو لم تكن الاختيارات نفسها ممنوعة شرعًا لشملها المنع باستخدامها وسيلة إلى ما هو ممنوع من هذه البيوعات.
стр. 9927
استخلاص الحكم الشرعي للاختيارات:
مما سبق من بيانات حول ماهية الاختيارات وملابساتها وتكييفها الشرعي يمكن الوصول إلى الرأي الشرعي التالي:
(أ) إن الاتفاق الذي يؤدي إلى الحصول على (اختيار) لقاء (ثمن الاختيار) لا يعتبر عقدًا، لأنه يفتقد محل العقد المعتبر شرعًا، وهو أيضًا يقصد منه التعاقد اللاحق في المستقبل. فهو إذن من قبيل (المواعدة) لا العقد. والمواعدة لا يشترط لها محل معتبر شرعًا لأنها تتناول أحيانًا أمورًا خارجة عن الحقوق والالتزامات كمن يتواعد مع غيره على زيارته، أو الخروج معه في سفر إلخ.
(ب) الثمن المبذول لإحكام هذه المواعدة التي يراد بها الحصول على إيجاب ملزم باعتباره شطر العقد يعتبر أكلًا للمال بالباطل، لأنه لم يدفع لتحقيق أو توثيق الشراء بل هو ثمن للاختيار، ولذا لم يعتبر جزءًا من ثمن المبيع كالأسهم وغيرها. فلا يستحق هذا الثمن لأن الإيجاب عبارة عن إرادة ومشيئة ومع ذلك ليس من الحقوق المالية التي يعتاض عنها فكيف بالإرادة التي هي من قبيل المواعدة في الاتفاق على تملك اختيار.
(ج) هذا الحق (الاختيار) غير قابل للنقل، بعوض أو بدونه، كما أن الإيجاب نفسه غير قابل للنقل، فلا سبيل إلى تسلسل تملك الاختيار.
(د) فإذا أهملنا حق الاختيار ووجهنا النظر إلى ما رافقه وهو الإيجاب الملزم لصاحبه خلال وقت فإن ذلك يمثل شطرًا للعقد ويخول الآخر حق القبول خلال الفترة المحددة (خيار العقد) وذلك إذا كان البائع يملك المبيع. وهذا نادر في الاختيارات، فإن تحقق وتحقق القبض فيما يشترط له، ثم اقترن به القبول فيكون هناك عقد على صفقة معينة فإن كانت معجلة التسليم فيها وإلَّا اشترط تعجيل الثمن كله لتنطبق عليها شروط بيع السلم.
(هـ) لا سبيل إلى بيع هذه الصفقة بيعًا آخر إلَّا بعد التأكد من ضمان المشتري لها أي دخولها في ضمانه، لكي يكون البيع المراد الإقدام عليه بيعًا حقيقيًّا أو ليمتنع تداخل الضمانين، ومن وسائل ذلك قبضه المبيع قبل بيعه ثانية أو ما ينوب مناب القبض مما يمنع تداخل الضمانين.
(و) بالاستقصاء تبين أن سلامة هذه البيوعات من المحاذير الشرعية غير حاصلة، وعليه فإن هذا البيع بما سبقه من اختيار وما لحقه من انتقال وملابسات حكمه التحريم.
стр. 9928
البدائل المشروعة:
إن الغرض من الاختيارات إما أن يكون المجازفة والحصول على فروق الأسعار بما يشبه المقامرة، فهذا الغرض لا سبيل إلى إيجاد بديل شرعي له، لأنه مما يجب اجتنابه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ .
وما فيه مقامرة هو الميسر.
وإما أن يكون الغرض التملك الفعلي للاسترباح مع تحمل الضمان فهذا يتحقق بالبيوع المعروفة من البيع الحال، وبيع الأجل، وبيع السلم، ويمكن لتوفير ما يحصل بالاختيار من فرص التروي والاحتياط للصفقات الأخرى الفعلية أن يستفاد من شرط العربون، وأن يتم التعاقد مقترنًا بأنواع الخيار المشترط في البيع الفعلي، سواء كان خيار الشرط لمجرد التروي والنظر هل تصلح له الصفقة أو لا تصلح، أو خيار النقد للتثبت من ملاءمة المشتري وقدرته على أداء الثمن وغير ذلك من صور الخيار المعروفة.
كما يمكن إيجاد البديل في الحصول على الإيجاب مباشرة دون توسط الاختيار ودفع مقابل لذلك، بأن يصدر أحد الطرفين إيجابًا مؤقتًا بوقت وبسعر محدد وبذلك يكون ملتزمًا بمقتضى ذلك الإيجاب عند بعض فقهاء المالكية [الحطاب: ٤/٢٤٠] .
ويكون للآخر حق – أو خيار – القبول خلال المدة.
كما يمكن أن يوجه ذلك الإيجاب للعموم مع ربطه بوقت وتقييده بشروط تخصص – إلى حد ما – من يستفيد منه، بمراعاة شروط أخرى تتوافر في القابل للإيجاب.
ويمثل هذه البيوع وما يقترن بها من شروط وصفات يتحقق البديل المشروع للاختيارات، كما أن محور (السلع) والمستقبليات المطروح في هذه الندوة هو مظنة الوفاء بتلك البدائل.
الدكتور عبد الستار أبُو غدّة
стр. 9929
عقُود المستَقبليات في السّلع
في ضَوء الشّريعَةِ الإسلاميَّة
إعداَد
القاضي محمَّد تقي العثماني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فمن أهم ما يتعامل به في الأسواق المالية اليوم نوع من المتاجرة يقال له المستقبليات (Futures) ، تباع فيه سلع مخصوصة لتاريخ مستقبل معين.
وقد أصبح هذا النوع من التعامل من أبرز أنواع المعاملات الجارية في الأسواق المالية العالمية، ولا سيما في البلاد الغربية، وتكوَّنت له بورصات مستقلَّة يتعامل فيها بالملايين في كل يوم، ويقال: أن أول بورصة قامت لتنظيم هذا التعامل هي " بورصة التجارة في شيكاغو " (Chicago Board Of Trade) التي أنشئت في سنة ١٨٤٨م، غير أن أهل اليابان يدعون أنهم ابتكروا هذا النوع من التجارة قبل نحو من قرن واحد من هذه السنة (١) .
أما حقيقة هذه المعاملة، فقد عرفتها دائرة المعارف البريطانية بمايلي:
(Commercial contracts calling for the purchase or sale of specified quantities of commodities at specified future dates) .
"هي عقود تجارية تقتضي الشراء أو البيع للكميات المعينة من السلع لتواريخ مستقبلة معينة" (٢) .
стр. 9930
وحاصل هذا التعريف أن العقد يشتمل على بيع بعض السلع التي يؤجل تسليمها إلى تاريخ مستقبل، ولكن هذا التعريف يشمل " البيوع المقدمة " (Forward sales) أيضًا، فإن تسليم المبيع في " البيوع المقدمة " يقع في تاريخ لاحق، ولكن المستقبليات تختلف عن البيوع المقدمة البسيطة (Simple forward sales) في أن " البيوع المقدمة " إنما تعقد للحصول على السلع في تاريخ مستقبل، والبائع يقصد تسليم البيع، والمشتري يريد تسلمها في ذلك التاريخ، ويقع التسليم والتسلم فعلًا عند حلوله. أما المستقبليات، فإن السلع إنما تستخدم فيها كأساس للتعامل، ولكنه لا يقصد بها في معظم حالات التسليم والتسلم، بل يقصد بها إما المخاطرة في الأرباح، أو تأمين الربح في أحد " البيوع المقدمة " (Forward sales) المتوازية، فلا يقع فيها تسليم السلع وتسلمها إلَّا في حالات نادرة، كما سنوضحه قريبًا إن شاء الله تعالى، وإن هذا الفرق بين البيوع المقدمة والمستقبليات مذكور في دائرة المعارف البريطانية عقيب تعريف المستقبليات، ونصّه:
(And the term commodity is used to define the undenging asset, even though the contract is frequently divorced from the product. It therefore differs from a simple forward puronase in the cash market, which involves actuel delivery of the commodity at the agreed time in the future) .
" إن اصطلاح " السلع " (في المستقبليات) إنما يستعمل لبيان الأساس الذي يقوم عليه التعامل، وإن كانت المعاملة في أكثر الأحوال خالية من المنتجات، فالمستقبليات تختلف عن البيوع المقدمة المتعامل بها في السوق الحالية التي تتضمن التسليم الفعلي للسلع في الوقت المتفق عليه في المستقبل " (١) .
стр. 9931
وأما كيفية التعامل بهذه العقود المستقبلية، فهي كما يلي:
إن المستقبليات إنما تعقد في سوق منظمة أنشئت لهذا الغرض، وتسمى " سوق تبادل السَّلع " (Commodity Exchange) التي تجري على أساس العضوية فيها، فمن يحب أن يتعامل في المستقبليات يجب له أن يكون عضوًا لهذه السوق، وإن العضوية تتكون من منتجي عدة سلع وتاجر بها، ومن مؤسسات السماسرة. ومن أراد أن يتعامل في هذه السوق دون أن يكون عضوًا فيها، فإنما يستطيع ذلك عن طريق السماسرة الأعضاء، ويجب للتعامل في المستقبليات أن يفتح المتعامل حسابًا عند إدارة السوق يتضمن مبلغًا معينًا يبقى عند إدارة السوق كضمان لتصفية التعامل حسب قواعد السوق، ولا يزيد هذا المبلغ عادةً على ١٠ % من قيمة العقد عند التوقيع، و ٧ % في اليوم اللاحق، والمقصود بهذا المبلغ تغطية الخسارة المحتملة في حال تخلف أحد الفريقين عن الوفاء بما التزمه.
وبعد فتح الحساب يجوز للعضو أن يبيع أو يشتري كمية معينة من السلع لتاريخ مستقبل، وإن كميات السلع المتعامل بها مقسمة على وحدات تجارية (Trading units) كل وحدة منها تنبئ عن كمية معروفة من تلك السلعة المخصوصة، فالوحدة المعتبرة في القمح مثلًا، هي خمسة آلاف كيس، فلا يقع التعامل بكمية أدنى من هذه الكمية، وللمتعامل أن يتعامل في وحدة واحدة من القمح، أو في وحدتين، أو في ثلاث، وهكذا. وكذلك أنواع السلعة محددة بدقة من حيث جودتها ورداءتها، ويشار إلى هذه الأنواع بأرقام الدرجات، فهناك قمح الدرجة الأولى، وقمح الدرجة الثانية، وقمح الدرجة الثالثة، وهكذا. وإن مواصفات كل من هذه الدرجات معروفة لدى جميع المتعاملين.
стр. 9932
فمن أراد بيع وحدة من قمح الدرجة الأولى مثلًا في شهر يناير لتسليم شهر أكتوبر، فإنه يعرض على السوق ما ينبئ عن رغبته لبيع وحدة من قمح الدرجة الأولى، لشهر أكتوبر بثمن يتوقع أن يكون رابحًا عند التسليم، فمن رغب شراء هذه الوحدة بهذه الشروط قبل ذلك العرض، ولا يحتاج أي منهما إلى الالتقاء بالآخر في أسواق البورصة. ولكن إدارة السوق ضامنةٌ لوفاء التزامات الفريقين. فالبائع يقدم عرضه إلى السوق بواسطة الإدارة، والمشتري يقبل هذا العرض عن طريق الإدارة، والإدارة تتكفل له بتسليم السلعة من قبل البائع، وبتسليم السلع من قبل المشتري عند حلول تاريخ التسليم.
وليس الأمر حقيقة بهذه البساطة التي تبدو مما ذكرنا من طريق هذا التعامل، ولا يقع أبدًا أن ينتظر المشتري تاريخ التسليم ويتسلم السلعة المبيعة عندئذٍ، وإنما يظل هذا العقد فيما بين شهر يناير وشهر أكتوبر محل بيع وشراء في كل يوم، وربما يقع على العقد الواحد عشرات البياعات يوميًّا، إلى أن يأتي الأجل، فلو باع زيد مثلًا إلى عمرو وحدة من القمح لتسليم شهر أكتوبر، فإن عمرًا يبيعه بعد ذلك إلى خالد، وخالد إلى حامد، كل واحد منهم بثمن ربما يختلف عن الثمن الأول، والفارق بين سعري البيع والشراء هو الربح الذي يخاطر فيه المتعاملون في أثناء هذه المدة وكل من اشترى عقدًا بسعر أقل وباعه بسعر أكثر، فإنه يستحق أن يطالب بفرق السعرين كربح له، دون أن يدفع الثمن كمشترٍ، أو يسلم المبيع كبائع، ففي المثال المذكور لو اشترى عمرو من زيد وحدة من القمح لتسليم شهر أكتوبر بعشرة آلاف دولار مثلًا، وباعه من خالد بأحد عشر ألف دولار، فإنه لا يدفع الثمن إلى زيد، ولا يسلم المبيع إلى خالد، وإنما يستحق ألف دولار كالربح الحاصل على تعامله.
стр. 9933
ولإنجاز هذه العمليات تكون إدارة السوق غرفة تسمى " غرفة المقاصة " (Clearing house) وإن جميع هذه العمليات تسجل في غرفة المقاصَّة، وهي التي تتولى تصفية جميع الالتزامات في آخر النهار كل يوم. فإن عمرًا في المثال المذكور يأخذ ربحه، وهو ألف دولار، ويستلمه من غرفة للمقاصّة، ويخرج من العملية بتاتًا.
وهكذا يستمر التعامل في هذا العقد الواحد إلى أن يأتي شهر التسليم، وفي هذا الشهر يصدر من قبل إدارة السوق إخطار للمشتري الأخير بحلول تاريخ التسليم، وباستفساره: هل يرغب في استلام المبيع في التاريخ المتفق عليه؟ أو يريد بيع هذا العقد؟ فإن رغب في استلام المبيع، فإن البائع يسلم السلعة المبيعة إلى المستودعات المعينة، ويسلم وثيقة الإدخال إلى المستودع، ويحصل مقابلها على الثمن، وإن لم يرغب المشتري الأخير في استلام السلعة، ورغب في بيع العقد، فإنه يبيعه من البائع الأول مرة أخرى، حينئذٍ فإن المعاملة تصفى على أساس دفع فوارق السعر كما يقع في العمليات التي تمَّ إنجازها قبل حلول التاريخ، وحينئذٍ لا يقع التسليم والتسلم، حتى في المعاملة الأخيرة.
وإن ما يقع فعلًا في أسواق السلع في معظم المعاملات هو هذا الشق الثاني، ولا يقع التسليم والتسلم إلَّا في أحوال نادرة، لعلها لا تبلغ نسبتها إلَّا إلى الواحد في المائة.
стр. 9934
والذين يتعاملون في المستقبليات هم نوعان، لكل واحد منهما غرض مستقل عن غرض الآخر للدخول في سوق المستقبليات.
أما النوع الأول، فهم المخاطرون (Speculators) الذين لا يقصدون شراء السلع وبيعها للحصول على المبيع أو الثمن، وإنما يقصدون الحصول على الأرباح التي تتكون من فروق أسعار البيع والشراء، كما تقدم ذكر ذلك، وإنهم على ثقة من خبرتهم بتقلبات الأسعار، يشترون المستقبليات على أمل أنهم سوف يبيعونها بسعر أكثر، ويتخلص لهم ربح من وراء هذه العملية، بدون أن يخوضوا في استلام المبيع وتسليمه. فربما تنجح آمالهم في عقد، وتفشل في أخرى.
والنوع الثاني، هم الذين يقصدون تأمين ربحهم على بيوع حقيقية عقدوها في الأسواق الحالَّة، وإن هذه العملية تسمى في الاصطلاح (Hedging) ، ويمكن لنا أن نترجمه إلى العربية بتأمين الربح.
ومن المناسب أن نشرح هذه العملية بمثال: إن زيدًا اشترى من السوق الحالَّة عشرة آلاف كيس من القمح بسعر خمسة دولارات لكل كيس مثلًا، وإن البيع حقيقي يقع في التسليم، ولكن نظرًا إلى ظروف السوق، يريد زيد أن يبيع هذه الكمية بعد ثلاثة أشهر مثلًا، ولكنه يخاف أنه إن انخفض سعر القمح بعد ثلاثة أشهر، فإنه سوف يخسر خسارة كبيرة. هب أن السعر انخفض بعد ثلاثة أشهر بمقدار نصف دولار لكل كيس، فإنه يخسر خمسة آلاف دولار في هذه العملية الواحدة.
ولتجنب هذه الخسارة، يدخل زيد في سوق المستقبليات، ويبيع مثل هذه الكمية لتسليم ثلاثة أشهر بالسعر الموجود في السوق الحالة يوم العقد، فتكون له عملية شراء في السوق الحالة، وعملية بيع في سوق المستقبليات بكميتين متوازيتين من القمح. وإن الربح في إحداهما يجبر الخسران في الأخرى، فلو انخفض سعر القمح بعد ثلاثة أشهر بمقدار نصف دولار للكيس الواحد مثلًا، فإنه سوف يخسر في صفقته الحالَّة بمقدار خمسة آلاف دولار، ولكنه في الوقت نفسه يربح في سوق المستقبليات بما يقارب هذا المقدار، لأن سعر المستقبليات سوف ينخفض أيضًا بما يقارب نصف دولار لكيس واحد، فما باعه بسعر أعلى قبل ثلاثة أشهر في سوق المستقبليات يشتريه الآن بسعر أدنى، ويستحق الفرق بين السعرين، وهو خمسة آلاف دولار. وإن هذا الربح الذي حصل له في المستقبليات يجبر ما أصابه من الخسران في الصفقة الحالَّة، وإن النتيجة الصافية تظهر من الجدول الآتي:
стр. 9935
السوق الحالة سوق المستقبليات
سبتمبر: يشتري ١٠٠٠٠ كيس يبيع ١٠٠٠٠ كيس
من القمح بسعر ٥ دولارات من القمح بسعر ٥ دولارات
ديسمبر: يبيع ١٠٠٠٠ كيس يشتري ١٠٠٠٠ كيس
من القمح بسعر ٤.٥٠ دولارات من القمح بسعر ٤.٥٠ دولارات
خسارة: ٠.٥ دولار ربح + ٠.٥ دولار
وبالعكس من ذلك، لو ارتفع سعر القمح في شهر ديسمبر بمقدار نصف دولار لكل كيس، يقع العكس، يعني أنه يخسر في سوق المستقبليات، ويربح في السوق الحالة. وفي كل من الحالين تجبر خسارته في إحدى العمليتين بالربح في العملية الأخرى، وهذا هو المراد من " تأمين الربح " (Hedging) .
هذه خلاصة وجيزة لكيفية التعامل في المستقبليات، وإن هذه العقود قد أصبحت اليوم معقدة للغاية، وقد تجاوزت دائرتها من السلع إلى النقود وإلى الخيارات (Option) وغيرها، ولكننا لخصنا من العملية ما يمكن به فهم حقيقتها وتفاصيلها التي لابدَّ من معرفتها لبيان حكمها في الشريعة الإسلامية (١) .
стр. 9936
وأما حكمها الشرعي، فكل من له إلمام بقواعد الشريعة ومصالحها، لا يشك بعد النظر في تفاصيل هذه العملية أنها عملية محرمة شرعًا، ومصادمةً لعدة أحكام الشريعة الغرّاء.
أمَّا أولًا، فلأنه بيع لما لا يملكه الإنسان، وقد روى حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله: إنَّ الرجل ليأتيني فيريد مني البيع، وليس عندي ما يطلب، أفأبيع منه ثم أبتاعه من السوق؟ قال: ((لا تبع ما ليس عندك)) [أخرجه النسائي والترمذي وأبو داود] (١) .
أما البيوع اللاحقة التي تتم خلال مدة التسليم، فإنها بيوع تتم قبل قبض السلعة المبيعة، وقد روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:
((من اشترى طعامًا، فلا يبعه حتى يستوفيه)) [أخرجه البخاري ومسلم] .
وقد حاول بعض الناس تخريج جواز هذه العملية على أساس بيع السلم، ولكن ذلك لا يصح إطلاقًا، لأسباب آتية:
١- يجب في السلم شرعًا أن يعجل الثمن بكامله، وهو الذي يسمى " رأس مال السلم " قال ابن قدامة ﵀ في بيان شرائط صحة السلم:
"ويقبض الثمن كاملًا وقت السلم قبل التفرق، هذا الشرط السادس، وهو أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل ذلك بطل العقد، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك يجوز أن يتأخر قبضه يومين وثلاثة وأكثر ما لم يكن ذلك شرطًا، لأنه معاوضة لا يخرج بتأخير قبضه من أن يكون سلمًا، فأشبه ما لو تأخر إلى آخر المجلس. ولنا أنه عقد معاوضة لا يجوز فيه شرط تأخير العوض المطلق، فلا يجوز التفرق فيه قبل القبض كالصرف" (٢) .
стр. 9937
فتبين أن قبض رأس مال السلم في مجلس العقد شرط لصحة السلم عند الجمهور، وإنما أجاز مالك تأخير القبض إلى يوم أو يومين أو أكثر إن لم يكن التأخير شرطًا في صلب العقد، فتأخير قبض الثمن إن كان مشروطًا في العقد، فإنه لا يجوز عند أحد من الفقهاء.
أما في المستقبليات، فإنَّ تأخير قبض الثمن مشروط في العقد، فلا يصح سلمًا عند أحد من الأئمة الأربعة. وقد يقال: إن حصة من الثمن مدفوعة إلى البائع عند العقد، ولكن ذلك لا يجدي نفعًا في تصحيح هذا التعامل، أما أولًا، فلأن دفع بعض الثمن لا يكفي لصحة السلم، بل يجب دفع الثمن بكامله كما ذكرنا، وثانيًا: إن ما يوضع لدى إدارة السوق ليس جزءًا من الثمن، ولا يدفع إلى البائع، وإنما هو مبلغ مودع لدى طرف ثالث ليكون ضمانًا على الوفاء بالتزام المشتري.
٢- وبما أن الثمن لا يدفع إلى البائع عند العقد، فالثمن دين على المشتري كما أن المبيع دين على البائع، فصار هذا بيع الكالئ بالكالئ، وهو ممنوع بنص الحديث فيما أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن عمر ﵄ قال:
((نهى رسول الله ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ)) (١) .
وقد يقال: إن إدارة السوق تضمن أداء الثمن، فبفضل هذا الضمان أصبح الثمن كأنه مدفوع إلى البائع. ولكن هذا التوجيه ليس بصحيح، لأن ما يشترط لصحة السلم هو أن يقع دفع الثمن فعلًا، لا أن يكون مضمونًا أو موثقًا من قبل إحدى الجهات، لأن ضمان الطرف الثالث لا يخرج الثمن من كونه دينًا، فلا يكون هذا البيع إلَّا بيع دين بدين، وهو لا يجوز.
стр. 9938
٣- إن من الشرائط التي اتفق عليها جميع الفقهاء لصحة السلم أن تكون السلعة المسلم فيها موصوفة بصفات دقيقة، فلو كانت المواصفات مجهولة أو مترددة مفضية إلى النزاع، فإنه لا يصح السلم عند أحد من الفقهاء.
وإن عقود المستقبليات، وإن كانت مشتملة على المواصفات الدقيقة ببيان الدرجات، ولكن الذي يقع فعلًا، أن البائع ربما يبيّن درجات مختلفة في العقد الواحد، ويكون الخيار بيد البائع في تسليم ما شاء من هذه الدرجات. جاء في دائرة المعارف البريطانية:
(Futures Market, on the other, hand, generally permits trading in a number of grades of the commodity to protect hedger seellers from being (cornered) by speculators buyers who might otherwise insist on delivery of a particular grade whose stocks are smalle. since a number of alternative grades can be tendered, the futures market is not suitable for the acquisition of the physical commodity. For this reason physical delivery of the commodities in fulfillment of the futures contract generally does not take place, and the contract is usually settled between buyers and sellers by paying the difference between the buying and selling price) .
إن سوق المستقبليات في جانب آخر، تسمح بالتجارة في عدة درجات من السلع لوقاية البائع الذي يريد تأمين ربحه من أن يتغلب عليه المشترون المخاطرون في مطالبته بتسليم درجة مخصوصة من السلعة توجد ذخائرها بقلة. وبما أنه يجوز أن البائع في السوق عدة درجات متبادلة، فإن سوق المستقبليات لاتناسب للحصول على السلع الحقيقية. وبهذا السبب، فإن الوفاء بالتزام العقود المستقبلية لايقع بالتسليم الفعلي للسلع عمومًا، بل إن العقد يصفى فيما بين البائع والمشتري في النهاية على أساس دفع الفرق بين سعر البيع وسعر الشراء (١) .
فتبين بهذا أن البائع يكون له الخيار في تسليم إحدى الدرجات التي عرضها عند العقد على سبيل التبادل، وإن هذه جهالة للوصف يضطر بها المشتري في نهاية العقد إلى أن يقبل التسليم، وإن مثل هذه الجهالة تفسد كذلك عقد البيع، فضلًا عن السلم.
стр. 9939
٤- إن المقرر في عقود المستقبليات أن تسليم السلعة إلى المشتري لا يقع عمومًا، بل يكون الخيار بيد المشتري الأخير إن شاء طالب بتسليم السلعة وإن شاء باعها على البائع مرة أخرى، ويقبل التصفية على أساس دفع الفرق بين سعري البيع والشراء، وإن هذا الأمر مشروط في العقد منذ أول الأمر، ولاشك أن مثل هذا الشرط مفسد لعقد السلم، بل بيع المسلم فيه إلى البائع لا يجوز، ولو لم يكن مشروطًا في عقد السلم، جاء في المغني لابن قدامة:
(وبيع المسلم فيه من بائعه أو من غيره قبل قبضه فاسد) (١) .
٥- ولو فرضنا أن العقد الأول قد انعقد سلمًا بعد استيفاء شروط، فإنه لا يجوز لرب السلم، وهو المشتري، أن يبيع المسلم فيه إلى غيره قبل أن يقبضه، قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:
"أما بيع المسلم فيه قبل قبضه، فلا نعلم في تحريمه خلافًا، وقد ((نهى النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه، وعن ربح ما لم يضمن)) ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه كالطعام قبل قبضه" (٢) .
وقد مرَّ في كيفية التعامل بهذه العقود المستقبلية، أن العقد الواحد تجري عليه البياعات الكثيرة قبل أن يجيئ وقت التسليم، فلا سبيل إلى القول بجوازه.
فهذه وجوه خمسة، كل واحد منها يمنع من تخريج جواز هذه العقود بجعلها سلمًا.
وإذا لم يكن جعل هذا العقد سلمًا، فإنه بيع مضاف إلى تاريخ مستقبل، وقد أجمع الفقهاء على أن البيع لا يقبل التعليق أو الإضافة إلى تاريخ مستقبل. فلا يصح البيع الأول، فكيف بالبيوع التي تتابعت على أساس هذا البيع الأول؟
стр. 9940
وهنك احتمال آخر في التكييف الفقهي لهذا العقد، وهو أن هذا العقد ليس بيعًا، وإنما هو وعد لبيع سلعة مخصوصة في تاريخ معين بسعر معين، والموعود له قد استحق شراء تلك السلعة بسعر متفق عليه في الوعد، ثم إنه يبيع هذا الحق إلى رجل ثالث، وثالث إلى رابع إلى أن يأتي يوم التسليم، ولكن هذا التكييف لا يصلح أن يكون مبررًا شرعيًّا لهذه العملية فيما أرى، وذلك لوجوه:
أمَّا أولًا، فلأن الواقع لا يوافق هذا التكييف، فإن المتعاملين في سوق المستقبليات لا يدخلون في هذه العقود كوعد محض، وإنما يدخلون فيها لإبرام عقد البيع بنفسه، فلا يصح أن يسمى وعدًا.
وأمَّا ثانيًا، فلأن الوعد المحض ليس ملزمًا في القضاء عند جمهور الفقهاء، ومن جعله ملزمًا في القضاء في بعض العقود، فإنه فعل ذلك لضرورة ملحَّة، ولا ضرورة ههنا.
وأمَّا ثالثًا، فلأن هذا الحق الذي حصل للموعود له ليس ممَّا يجوز بيعه أو الاعتياض عنه، لأنه ليس واجبًا حقًّا في القضاء، لأنه حق مجرّد، وبيع الحق المجرَّد مما ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جوازه إلَّا بشروط، وهي منتفية في هذا العقد.
وقد يقال: إذا كانت العقود المستقبليات لا تجوز شرعًا، فهل هناك من بديل لهذه المعاملة يتفق وأحكام الشريعة الإسلامية؟
وجوابي عن هذا السؤال، أن البديل إنما يبحث عنه فيما إذا كان الغرض المنشود صحيحًا، فيبحث عن البديل للحصول على ذلك الغرض بطريق مشروع.
стр. 9941
أما عقود المستقبليات، فلم يظهر لها غرض مشروع يحتاج إلى طريق شرعي لإنجازه، والواقع إن ما يقع في سوق المستقبليات لا يقصد به تجارة حقيقية، وإنما المقصود هو المخاطرة في الأرباح التي هي بالقمار أشبه منها بالبيع.
وقد ذكرنا أن المتعاملين في سوق المستقبليات نوعان: الأول هم المخاطرون (Speculators) الذين لا يقصدون شراء السلع أو بيعها، أو تسليمها وتسلُّمها، وإنما يقصدون الحصول على فرق سعري البيع والشراء فحسب، وظاهر أنه غرض غير مشروع، لأنه استرباح بدون التجارة الحقيقية، وربح لما لم يضمنه الإنسان، وهو حرام بالنص الصريح.
والنوع الثاني: هم الذين يريدون تأمين ربحهم (Hedging) على ما اشتروه في السوق الحقيقية، فيدخلون في سعر المستقبليات تجنبًا عن الخسائر المحتملة بتقلبات الأسعار، كما وصفنا من قبل. ولكن مثل هذا التأمين إنما يحتاج إليه فيما يريدون احتكاره لمدة طويلة. فإنهم لو باعوا سلعهم بعد ما اشتروها ببضعة أيام، فإنه لا حاجة إلى تأمين الربح (Hedging) حينئذٍ، ولكنهم إنما يلجأون إلى دخول المستقبليات حينما يريدون احتكار السلع إلى مدة ليزيد ربحهم، ولكنهم في الوقت نفسه يخافون من التقلب المعاكس للأسعار، فيريدون أن يعقدوا المستقبليات للوقاية عن الخسائر المحتملة بسبب هذا التقلب المعاكس.
стр. 9942
يقول جيرالد كولد: "إن اشترى تاجر عشرة آلاف كيس من الذرة من أحد الفلاحين، واستطاع أن يبيعها فورًا بسعر معين، مثل أن يشحن في مدة أسبوع مثلًا، فمثل هذا التاجر لا يحتاج إلى تأمين الربح (بدخول المستقبليات) ، لأنه قد نقل خطر انخفاض السعر إلى مشتريه فور ما باع السلعة منه.
ولكن التاجر ربما لا يستطيع أن يبيع الذرة فور ما استلمه بل يريد أن يمسكها معه إلى مدة يعتدّ بها ... وإن هذه الكمية التي أمسكها معه تحتمل خطر الخسران بسبب انخفاض السعر في وقت البيع، وتجنبًا عن هذا الاحتمال، يدخل هذا التاجر في عقد المستقبليات حفاظًا على الربح الذي يريد أن يحصل عليه" (١) .
فظهر بهذا أن عقود المستقبليات إنما يحتاج إليها التجار لإمساك المنتجات عندهم لمدة يعتدّ بها، وذلك إنما يكون في غالب الأحيان لغرض الاحتكار، وهذا غرض غير مشروع، فلما لم يكن للدخول في المستقبليات غرض مشروع يعتدّ به، فلا حاجة بنا إلى البحث عن البدائل المشروعة للمستقبليات، ولئن قامت هناك حاجة حقيقية للدخول في عقد يتأخر فيه تسليم المبيع، فالطريق المشرع له هو السلم، ويمكن أن يعقد بشروطه المعروفة في كتب الفقه.
والله أعلم.
القاضي محمَّد تقي العثماني
стр. 9943
بطَاقَة الائتمان وَتكييفها الشَّرعي
إعداد
الدكتور عبد السّتار أبُوغُدَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تمهيد:
إن لبطاقات الائتمان في المجتمعات الحديثة شأنًا عمليًّا كبيرًا ربما لم تبلغه في البلاد الإسلامية، لكنها فيما على مستوى الأفراد أصبحت من متطلبات السفر والترحال.
ذلك أنها تحقق للإنسان أمانًا على أمواله من حملها معه، فتتعرض للفقد أو السرقة، وكذلك يتمكن بها من شراء ما يبدو له شراؤه في ظروف مفاجئة لم يستعد لها بحمل ما يكفي لهذه المشتريات، فضلا عن أن البطاقة تيسر لحاملها السداد بأي عملة دون أن يحتاج لحمل العملات المختلفة التي توجد إجراءات لدخولها وخروجها في بعض البلاد التي بها قيود على تحويل العملة، ثم إنها تشكل وسيلة للمحاسبة وضبط المصاريف وتوثيق السداد للمطالبات.
لقد أصبح إصدار بطاقة الائتمان أحد الخدمات المصرفية المهمة، وهو أيضًا خدمة ذات طابع سياحي كالشيكات ولكنها تتفوق على الشيكات في عنصر الأمان والسهولة. ومن الضروري التعرض إلى تكييفها الشرعي وحكم إصدارها واستلامها وما يترتب عليه من التزامات مالية أصلية أو طارئة.
ولا يغرب عن البال أن في صيغ المعاملات المالية في الفقه الإسلامي ما يتسع لاستيعاب المستجدات العصرية سواء من خلال صيغة واحدة مسماة معروفة، أو من خلال صيغ مركبة تجمع أكثر من عقد، أو من خلال قواعد العقود العامة التي من خلالها يمكن إدراك طبيعة المعاملات المستحدثة وتحليل عناصرها (تكييفها) للوصول إلى حكمها الشرعي الصحيح.
والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 9944
أوّلًا:
بطَاقَة الائتمان المتَعَامَل بهَا حَاليا،
وَمعاملاتها
إن بطاقة الائتمان تنشأ عن علاقات متعددة من أطراف مختلفة فهناك:
الشركة التي ترعى البطاقة وهي عادة شركة عالمية.
وكالات محلية، وبنوك محلية للوساطة.
أصحاب المتاجر والخدمات (عملاء بيع بالبطاقة) .
حملة البطاقة (عملاء شراء بالبطاقة) .
وتدور العلاقات هكذا:
تتفق شركة البطاقة مع الوكالات أو البنوك لتسويق البطاقة للطرفين المتعاملين بها مباشرة وهما أصحاب المتاجر والخدمات وحملة البطاقات.
يقدم حامل البطاقة بطاقته إلى صاحب المتجر أو الخدمة فيتسلم ما اشتراه لقاء الالتزام بالدفع عن طريق شركة بطاقته.
يقدم صاحب المتجر أو الخدمة الإشعار الموقع من حامل البطاقة ويتسلم من شركة البطاقة أو وكيلها أو البنك المتعامل معها ثمن البضاعة أو الخدمة مخصومًا من الثمن المدون في الإشعار.
ترسل شركة البطاقة للعميل صورة من الإشعار الموقع من حامل البطاقة مع طلب تسديد ثمن ما دفعه بعد تحويله إلى عملة البطاقة أو ترسل ذلك إلى البنك الذي أعطى تعليمات من العميل لحسم المبالغ المترتبة على البطاقة من حساب صاحب البطاقة لدى البنك.
إذا تأخر حامل البطاقة عن سداد التزماته بتجاوز الفترة المحددة المسموح بها، فإنه يحسم عليه بالإضافة للمبالغ المطالب بها فائدة للتأخير وهي فائدة مركبة.
إذا لم يسدد حامل البطاقة التزاماته وما ترتب عليه، فإن البطاقة توضع في قائمة منع الاستخدام إلى أن تتم المخالصة مما على البطاقة من التزامات.
стр. 9945
هذه هي الخطوات الأساسية التي يقوم عليها التعامل بالبطاقات الائتمانية والتي تنظمها عقود بين الأطراف المتعددة.
ولعل من المفيد دراسة اتفاقية عضوية بطاقة ما وهي الاتفاقية التي توقع بين عضو البطاقة وبين شركة البطاقة العالمية أو أحد وكلائها أو خلفائها، كما قد يكون هناك ملتزم عن حامل البطاقة في حالة كونها بطاقة تابعة وهي التي تصدر للزوجة أو أحد الأولاد وتربط بالبطاقة الرئيسية.
تتكون تلك الاتفاقيات عادة من بضع عشرة مادة بعضها تعاريف، أو إجراءات، وبعضها ينظم العلاقة بين الطرفين ويحدد الالتزامات المتبادلة.
وبتجاوز البنود التمهيدية والتعاريف والبنود الإجرائية، فإن في البنود الموضوعة ما يلي:
استعمال البطاقة:
تنص بعض بطاقات الائتمان على " التعهد بعدم بيع أو إرجاع أي من البضائع أو التذاكر أو الخدمات التي يحصل عليها حامل البطاقة باستعمالها، بقصد الحصول على قيمتها النقدية. ولا يمنع هذا من إعادة البضائع، من أجل قيد قيمتها في حساب حامل البطاقة، إذا ما قبلت مؤسسة الخدمة بذلك".
وهذا النص يحقق منع بيع العينة بالرغم من عدم أخذ ذلك باعتبار شرعي، فإن الغرض منه الحيلولة دون الاستفادة من الأجل الموجود في نظام البطاقة دون تحمل الفائدة المناسبة له، لكنه في الوقت نفسه يحول دون ممارسة بيع العينة.