← История

История · id 8362

شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام

التقي الفاسي

Полный текст (1 072 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الباب الرابع: طاقان، ويعرف بباب أجياد الصغير. وسماه بذلك ابن جبير١، وسماه أيضا بباب الخلقيين، قال الأزرقي: ويقال له باب بني مخزوم٢. الباب الخامس: طاقان أيضا، ويعرف بباب المجاهدية، لأن عنده مدرسة الملك المؤيد المجاهد صاحب اليمن، ويقال له باب الرحمة، وما عرفت سبب هذه التسمية، وهو من أبواب بني مخزوم على ما ذكره الأزرقي. الباب السادس: طاقان أيضا، ويعرف الآن بباب مدرسة الشريف عجلان صاحب مكة، لأنها عنده. قال الأزرقي: ويقال لهذا الباب باب بني تيم. الباب السابع: طاقان، ويعرف الآن بباب أم هانئ بنت أبي طالب ﵂، وعرفه بذلك الأزرقي، ويقال له الآن أيضا باب الملاعبة، لأنه بحذاء دار تنسب للقواد تسمى الملاعبة. ووجدت بخط الشيخ أبي طيبة محمد بن أحمد بن أمين الأقشهري، نزيل الحرمين الشريفين تعريف هذا الباب بباب الفرج. والجانب الغربي ثلاثة أبواب: الأول: طاقان، ويعرف بباب عزورة، وهي الحزورة التي صحفت بهذه اللفظة كما سبق بيانه، قال الأزرقي: ويقال له باب بني حكيم بن حزام، وبني الزبير بن العوام والغالب عليه باب الحزامية، لأنه يلي الحزامية. الثاني: طاق واحد كبير، يقال له: باب إبراهيم في الزيادة التي بهذا الجانب، وإبراهيم المنسوب إليه هذا الباب خياط كان عنده على ما قيل كما ذكر ذلك أبو عبيد البكري في كتابه "المسالك والممالك"، وذكر أن العوام نسبوه إليه، ووقع للحافظ أبي القاسم ابن عساكر٣، وابن جبير وغيرهما من أهل العلم ما يقتضي أن إبراهيم المنسوب إليه هذا الباب هو إبراهيم الخليل ﵇ وذلك بعيد، لأنه لا وجه لنسبته إليه، والله أعلم. الباب الثالث: طاق واحد، ويعرف بباب العمرة، لأن المعتمرين من التنعيم يخرجون منه ويدخلون منه في الغالب. وذكر تسميته بباب العمرة: ابن جبير في رحلته١، والمحب الطبري في "القرى"، وسماه الأزرقي بباب بني سهم٢. وبالجانب الشمالي -ويقال له الشامي- خمسة أبواب: الأول: طاق واحد ويعرف بباب السدة، وسماه بذلك ابن جبير في رحلته، وغيره. ويقال له على -ما ذكر الأزرقي: باب عمرو بن العاص ﵁.

стр. 352

الثاني: طاق واحد، ويعرف بباب العجلة، لكونه عند دار العجلة. الثالث: طاق واحد، بزيادة دار الندوة في ركنها الغربي. الرابع: طاقان بالزيادة المذكورة في جانبها الشامي. الخامس: طاق واحد، يعرف بباب الدريبة عند المنارة التي عند باب بني شيبة. فهذه أبواب المسجد الحرام الآن وأسماؤها..... وقد ذكر الأزرقي ﵀ عدد أبوابه وصفاتها وأسمائها١، وقد تغير بعده كثير من ذلك في العدد والصفة والتسمية. أما العدد: فلأنه ذكر أنها ثلاثة وعشرون بابا، فيها ثلاثة وأربعون طاقا. وأما الصفة: فلأن بعض الأبواب التي ذكرها زال عنها مكانه. وذلك أربعة أبواب بالجانب الغربي، وأربعة أبواب بالجانب الشامي، وبعضها تغيرت صفته مع بقائه على مكانه. وأما التسمية فلأنه لا يعرف منها الآن كما ذكره الأزرقي إلا خمسة أبواب باب بني شيبة، وباب العباس، وباب الصفا، وباب أم هانئ وباب العجلة وقد ذكرنا في أصل هذا الكتاب كلامه بنصه وبينا ما فيه، مع ما ذكره ابن جبير في أبواب المسجد الحرام وأسمائها، ولم يذكر ابن جبير فيها باب بني سفيان٢. ولم أذكر في أبواب المسجد الحرام أبواب الدور التي في المسجد، وإن كان الأزرقي ذكرها، لأنها أبواب للدور لا للمسجد، وفي غالب هذه الدور أبواب صغار يخرج منها إلى سطح المسجد، وكانت سدت قبيل سنة ثمانمائة، أو فيما بعدها حسما لمادة مفاسد تقع في سطح المسجد، ثم فتحت واستمرت إلى الآن فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ونشير إلى أبواب المسجد الحرام التي ذكر الفاكهي أن فيها كان يصلى على الجنائز، وهي: باب بني شيبة، وباب العباس، وباب الصفا. قال الفاكهي: وكان الناس فيما مضى من الزمان يصلون على الرجل المذكور في المسجد الحرام٣ ... انتهى.

стр. 353

ومراده بالمذكور: المشهور. والناس اليوم يصلون على الموتى جميعا داخل المسجد الحرام، إلا أن المذكور من الناس يصلون عليه عند باب الكعبة. ويذكر أنهم كانوا إنما يصلون عند باب الكعبة على الأشراف وقريش، وأدركناهم يصلون عند باب الكعبة على غيرهم من الأعيان، وبعض الناس تسامح في ذلك بالنسبة لغير قريش والأشراف، وتسامح أيضا في إخراج غيرهم، وإن عظم قدره من باب بني شيبة، ولم أر في الخروج بالموتى من باب بني شيبة شيئا يستأنس به، وعندي: أن الخروج بالموتى من المسجد من الباب المعروف بباب الجنائز أولى، لأنه كان طريق النبي ﷺ من منزل زوجته أم المؤمنين خديجة ﵂ إلى المسجد الحرام، ولذلك قيل له: باب النبي ﷺ . وأما الصلاة على الموتى عند باب الكعبة: فرأيت فيه خبرا ذكره الأزرقي يقتضي أن آدم ﵇ صُلِّيَ عليه عند باب الكعبة١، والذين لا يُصلَّى عليهم عند باب الكعبة يُصلَّى عليهم خلف مقام إبراهيم ﵇ عند مقام الشافعي، وبعضهم يُصلَّى عليه عند باب الحزورة، وهم الفقراء الطرحاء، وذلك داخل المسجد الحرام أمام الرواق، لكون ذلك بالقرب من الموضع الذي يغسلونهم فيه، وكونه إلى موضع دفنهم أقرب.

стр. 354

ذكر منائر المسجد الحرام: للمسجد الحرام الآن خمس منائر، منها أربعة في أركانه، وواحدة في زيادة الندوة، وذكر ابن جبير أنه كان بالمسجد الحرام سبع منائر عد فيها هذه الخمسة، ثم قال: وأخرى على باب الصفا وهي أصغرها، وهي علم لباب الصفا وليس يصعد إليها لضيقها، قال: وعلى باب إبراهيم صومعة١ ... انتهى. وهذه الصومعة هي التي يقال لها الآن: خزانة القاضي نور الدين علي النويري، وأعلاها الآن منهدم، هدمه بعض أمراء مكة، لإشرافها على داره على ما قيل والله أعلم. وعمَّر أبو جعفر المنصور من منائر المسجد الحرام: منارة باب العمرة. وعمر ابنه المهدي منها: المنارة التي على باب بني شيبة، والمنارة التي على باب علي، والمنارة التي على باب الحزورة. وعمر الخواجا جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني وزير صاحب الموصل منائر المسجد الحرام على ما ذكر بعض مشايخنا، والله أعلم بحقيقة ذلك٢. وأخبرني من اعتمده، أنه رأى اسمه مكتوبا في منارة باب العمرة، بما معناه أنه أمر بعمارتها في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة٣. وعمرت منارة باب الحزورة في زمن الملك الأشرف شعبان بن حسين صاحب الموصل وكانت سقطت في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة٤، وسلم الناس منها، فوصل المعمرون لعمارتها في موسم هذا السنة، وفرغ منها في المحرم مفتتح شهور سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة٥. وعمرت منارة باب بني شيبة في زمن مولانا السلطان الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر برقوق، وذلك بعد أن سقطت في آخر شعبان سنة تسع وثمانمائة٦، وابتدأ في عمارتها سنة عشر، ولم يكمل بناءها إلا في آخر ذي القعدة من السنة التي بعدها واستحسنت عمارتها.٧.

стр. 355

وذكر الفاكهي منائر المسجد الحرام الأربعة التي بجوانبه الأربعة، وبدأ في ذكرها بمنارة باب بني سهم. ثم بمنارة باب الحزورة ثم بالمنارة التي فيها الميل الذي يهرول الساعي بين الصفا والمروة عنده، ثم بمنارة باب بني شيبة. وذكر الفاكهي أن في منارة باب بني سهم يؤذن صاحب الوقت بمكة، ومراده بصاحب الوقت والله أعلم: الذي يقال له في هذا الزمان رئيس المؤذنين، وهذا يخالف ما عليه الناس اليوم بمكة، لأن منارة صاحب الوقت الآن هي منارة باب بني شيبة١. وذكر الفاكهي أن في منارة باب الحزورة يسحر المؤذن في شهر رمضان، ولم يذكر أن ذلك يصنع في غيرها، فدل ذلك على أن اختصاصها به، والذي عليه المؤذنون الآن بمكة أنهم يسحرون في جميع منائر المسجد الحرام الخمس، وإنما لم يذكر الأزرقي والفاكهي المنارة الخامسة التي بزيادة الندوة لحدوثها بعدهما٢. ونختم هذه الترجمة بمنائر في غير المسجد الحرام كان يؤذن فيها بمكة وظاهرها، ذكرها الفاكهي ونص ما ذكره الفاكهي: ذكر عدد المنارات التي على رؤوس الجبال بمكة. وكان أهل مكة فيما مضى من الزمان لا يؤذنون على رؤوس الجبال، وإنما كان

стр. 356

الأذان في المسجد الحرام وحده، فكان الناس تفوتهم الصلاة من كان منهم في فجاج مكة، ونائيا عن المسجد، حتى كان في زمن أمير المؤمنين هارون، فقدم عبد الله بن مالك أو غيره من نظرائه بمكة، ففاتته الصلاة ولم يسمع الأذان، فأمر أن يتخذ على رؤوس الجبال منارات تشرف على فجاج مكة وشعابها، يؤذن فيها للصوات، وأجرى على المؤذنين في ذلك أرزاقا، ولعبد الله بن مالك الخزاعي على جبل أبي قبيس المشرف على المسجد الحرام منارة على القبلة بعينها، ومنارة أخرى بحذائها مشرفة على أجياد، ومنارة إلى جنب المنارة التي على القبلة، وأخرى تحتها، فتلك أربع منارات، ولعبد الله بن مالك منارة على جبل مرازم المشرف على شعب ابن عامر، وجبل الأعرج. ثم أمر بُغا مولى أمير المؤمنين الذي يكنى بأبي موسى١ بمنارة على رأس الفلق، فبنيت به، ولعبد الله بن مالك منارة تشرف على المجزرة، وله هناك منارتان على جبل تفاحة، ولعبد الله بن مالك منارة على رأس الجبل الأحمر. بناها على موضع منه يقال له الكبش مرتفع على جبل الأحمر، وعليه منارة لبغا أيضا. ولعبد الله بن مالك منارة على جبل خليفة بن عمر البكري ومعها منارة لبغا أيضا، ولعبد الله على كُدَيّ منارة تشرف على وادي مكة، ولبغا منارة على جبل المقبرة، وله أيضا منارة على جبل الحزورة، وله منارتان على جبل عمر بن الخطاب، ﵁، وعلى جبل الأنصار الذي يلي "أجياد" منارة، وله منارة على ثنية أم الحارث، تشرف على الحصحاص، ولبغا منارة على جبل معدان مشرفة على حائط خرمان، وله أيضا منارة تشرف على الخضراء وبئر ميمون، ولبغا أيضا منارة بمنى عند مسجد الكبش، فكانت هذه المنارات عليها قوم يؤذنون فيها للصلوات وتُجرى عليهم الأرزق في كل شهر، ثم قطع ذلك عنهم، فترك ذلك بعضُهم، وبقي منها مناراتٌ يؤذن عليها، يجري على من يؤذن فيها: عبد العزيز بن عبد الله السهمي اليوم ... انتهى. وقد ترك الأذان على جميع هذه المنارات في عصرنا، إلا أن في شهر رمضان يسحر جماعة من الناس على جبال بمكة، في كل جبل إنسان، ويؤذن كل منهم في الجبل الذي يسحر عليه، وهي: جبل أبي قبيس، والجبل الذي على القرارة المعروف بلعلع، وفي الجبل الأحمر، ويقال له جبل الحارثي نسبة إلى مؤذن كان يسحر فيه. ويؤذن، وللمؤذن على هذه الجبال جامكية٢ يسيرة تصل من مصر مع ما يصل لمؤذني المسجد الحرام وأرباب الوظائف به.

стр. 357

ذكر ما صنع في المسجد الحرام لمصلحة أو لنفع الناس به ... ذكر ما صنع في المسجد الحرام لمصلحته أو لنفع الناس به: مما صنع في المسجد الحرام لمصلحته: قبة كبيرة بين زمزم وسقاية العباس ﵁ لحفظ الأشياء الموقوفة لمصالح المسجد، وما فيها من الربعات والمصاحف الشريفة، منها: مصحف عثمان ﵁ على ما يقال، وفيها ما يقتضي أنها عمرت في زمن الناصر العباسي، وكانت موجودة قبل ذلك على ما ذكر ابن عبد ربه في "العقد"١، وقد تقدم أنه توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وذكرها ابن جبير في أخبار رحلته، وذكر أنها تنسب لليهودية٢، ولم يبين سبب هذه التسمية والنسبة، وعمر بعضها في سنة إحدى وثمانمائة٣. ومن ذلك "المزولة" التي بصحن المسجد الحرام، وهي من عمل الوزير الجواد، واسمه مكتوب في اللوح النحاسي المعمول لمعرفة الوقت، وهو بأعلى هذه المزولة، يقال لها أيضا ميزان الشمس، وبينها وبين ركن الكعبة الشامي الذي يقال له العراقي: ثلاثة وأربعون ذراعا بذراع الحديد وثمن ذراع. ومنها ظلة للمؤذنين في سطح المسجد، تظلهم من الشمس، ذكرها الأزرقي٤، ولا أثر لها الآن. ومنها: فسقية من رخام بين زمزم والركن والمقام، عملها "خالد القسري"٥ في ولايته لمكة بأمر سليمان بن عبد الملك، وساق إليها ماء عذبا ضاهى به زمزم، وقيل: إنه عمل ذلك بأمر الوليد بن عبد الملك، ذكر هذا القول السهيلي٦، والأول ذكره الأزرقي٧.

стр. 358

ثم بطلت فلم يبق لها أثر، وذلك في سنة اثنين وثلاثين ومائة، أبطلها داود بن علي العباسي لما قدم مكة واليا عليها لابن أخيه أبي العباس السفاح١. ومما جعل في المسجد الحرام لينتفع الناس بذلك: المنابر التي يخطب عليها، وأول من خطب على منبر بمكة معاوية بن أبي سفيان٢، وهو منبر صغير على ثلاث درجات، قدم به من الشام لما حج، وكانت الخلفاء والولاة قبل ذلك يخطبون يوم الجمعة قياما على أرجلهم في وجه الكعبة وفي الحجر، وكان منبر معاوية يعمر إذا تخرب، ولم يزل يخطب عليه حتى حج هارون الرشيد، وأهدى له منبر منقوش عظيم في تسع درجات، أهداه له عامله على مصر موسى بن عيسى، فكان منبر مكة وجعل المنبر القديم بعرفة، ثم أمر الواثق العباس بعمل منبر بمكة، ومنبر بمنى، ومنبر بعرفة، هذا ما ذكره الأزرقي من خبر المنابر٣. وذكر الفاكهي ذلك، وزاد أن المنتصر ابن المتوكل العباس لما حج في خلافة أبيه، جعل منبرا عظيما يخطب عليه بمكة ثم خرج وخلفه بها ... انتهى. وجعل بعد ذلك عدة منابر للمسجد الحرام منها: منبر عمله وزير المقتدر٤ العباسي. وكان منبرا هائلا استقام بألف دينار ولما وصل إلى مكة أحرق، لأنه كان بعث به ليخطب عليه للخليفة المقتدر فمنع من ذلك المصريون وخطبوا للمستنصر العبيدي صاحب مصر، وأحرقوا المنبر المشار إليه. ومنها: منبر عمل في دولة الملك الأشرف شعبان صاحب مصر في سنة ست وستين وسبعمائة٥. ومنها: منبر بعث به الملك الظاهر برقوق صاحب مصر سنة سبع وتسعين وسبعمائة، وهو باق يخطب عليه الخطباء إلى تاريخه٦، وأصلح بعد وصوله إلى مكة غير مرة. ومنها منبر حسن أنفذه الملك المؤيد صاحب مصر في موسم سنة ثماني عشرة وثمانمائة، فخطب عليه في سابع ذي الحجة٧، وهجرت الخطبة على الذي قبله، وأنفذ

стр. 359

معه درجة حسنة للكعبة، فنصبت للرقي عليها إلى الكعبة، وأعرض عن التي قبلها وكانت عملت في سنة ست وستين وسبعمائة من قبل الأشرف شعبان صاحب مصر، وكان مدة الرقي عليها إلى الكعبة اثنتين وخمسين سنة أو تزيد قليلا، وكان مدة الخطبة على المنبر الذي عمل في دولة الأشرف إحدى وثلاثين سنة أو تزيد قليلا، والله أعلم١.

стр. 360

ذكر صفة المقامات التي هي الآن بالمسجد الحرام ومواضعها منه ... ذكر صفة المقامات التي هي الآن بالمسجد الحرام ومواضعها: أما صفة المقامات فإنها غير مقام الحنفي أسطوانتان من حجارة، عليها عقد مشرف من أعلاه، وفيه خشبة معترضة فيها خطاطيف للقناديل، وما بين الأسطوانتين من مقام الشافعي لا بناء فيه وما بينهما في مقام المالكي والحنبلي مبنى بحجارة مبيضة بالنورة، وفي وسط هذا البناء محراب، وكان عمل هذه الثلاثة المقامات على هذه الصفة في سنة سبع وثمانمائة١. رغبة في بقائها، فقد ذكرنا صفتها القديمة في أصل هذا الكتاب. وأما صفة مقام الحنفي الآن: فأربع أساطين من حجارة منحوتة، عليها سقف مدهون مزخرف، وأعلا السقف مما يلي السماء مدكوك بالآجر، مطلي بالنورة، وبين الأسطوانتين المتقدمتين بناء فيه محراب مرخم، وكان ابتداء عمله على هذه الصفة في شوال، أو في ذي القعدة من سنة إحدى وثمانمائة، وفرغ منه في أوائل سنة اثنتين وثمانمائة٢. وأنكر عمله على هذه الصفة، جماعة من العلماء من مشايخنا وغيرهم، منهم: العلامة زين الدين الفارسكوري الشافعي٣، وألف في ذلك تأليفا حسنا، ثم أخبرني بالقاهرة في أوائل سنة اثنين وثمانمائة أن شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني٤،

стр. 361

وابنه سيدنا ومولانا قاضي القضاة بالديار المصرية الآن شيخ الإسلام جلال الدين١ أبقاه الله ورحم سلفه وقضاة القضاء بالديار المصرية في هذه السنة أفتوا بهدم هذا المقام، وتعزير من أفتى بجواز بنائه على هذه الصفة، وأن ذلك جنحة فيه، وأن وَلِيّ الأمر بمصر رسم بهدمه، فعارض في ذلك بعض ذوي الهوى، فتوقف في ذلك. وسبب الإنكار في بناء هذا المقام، ما حصل فيه من كثرة شغل الأرض بالبناء وقلة الانتفاع بموضعه في الليالي الحارة لأجل سقفه إلا بمشقة فادحة، وما يتوقع من إفساد أهل اللهو فيه، لأجل سترته لهم وغير ذلك. وأما مواضعها في المسجد الحرام: فإن مقام الشافعي خلف مقام إبراهيم الخليل ﵇ والحنفي بين الركنين الشامي والغربي، والمالكي بن الركن الغربي واليماني والحنبلي تجاه الحجر الأسود.

стр. 362

ذكر ذرع ما بين كل من هذه المقامات وبين الكعبة: أما مقام الشافعي: فبينه وبين جدار الكعبة الشرقي تسعة وثلاثون ذراعًا ونصف ذراع بذراع الحديد، وبينه وبين الأسطوانتين المؤخرتين ساباط مقام إبراهيم ﵇ تسعة أذرع ونصف. وأما مقام الحنفي: فإن من جدار محرابه إلى وسط جدار الحجر اثنين وثلاثين ذراعا إلا سدس ذراع. وقد تقدم في الباب السابع عشر في أخبار الحجر مقدار ما بين جدار دائر الحجر من داخله إلى جدار البيت، وعرض جدار الحجر، فأغنى ذلك عن ذكره هنا، ومن جدار محرابه إلى حاشية المطاف: عشرة أذرع ونصف بالعتبة، وعرض العتبة نصف ذراع وقيراطان. وأما مقام المالكي: فإن من جدار محرابه إلى وسط جدار الكعبة على الاستواء: سبعة وثلاثين ذراعا وثلثا ذراع، ومن جدار المحراب إلى حاشية المطاف بالعتبة عشرة أذرع وثلث. وأما مقام الحنبلي فإن من جدار محرابه إلى الحجر الأسود: ثمانية وعشرين ذراعا إلا ثلثا بعتبة الحاشية، والذراع المحرر به هو ذراع الحديد١. وكان تحرير ذلك بحضوري. وقد ذكرنا في أصل هذا الكتاب ارتفاع هذه المقامات وذرعها بزيادة في ذلك.

стр. 363

ذكر كيفية صلاة الأئمة بهذه المقامات وحكم صلاتهم بها: أما كيفية صلاتهم: فإنهم يصلون مرتين، الشافعي، ثم الحنفي، ثم المالكي، ثم الحنبلي، وذكر ابن جبير ما يقتضي أن المالكي كان يصلي قبل الحنفي١، وأدركناه كذلك، ثم تقدم عليه الحنفي بعد التسعين بتقديم التاء على السين وسبعمائة، واضطراب كلام ابن جبير في الحنفي والحنبلي، لأنه ذكر ما يقتضي أن كلا منهما يصلي قبل الآخر، وهذا كله في غير صلاة المغرب فإنهم يصلونها جميعا في وقت واحد، وسبب اجتماعهم في هذه الصلاة: أنه يحصل للمصلين لبس كثير بسبب التباس أصوات المبلغين، واختلاف حركات المصلين، وهذا الفعل ضلال في الدين، لما فيه من المنكرات التي لا تخفى إلا على من غلب عليه الهوى. ولم يزل العلماء ينكرون ذلك قديما وحديثا نسأل الله زوال البدعة ثم زالت هذه البدعة بسعي جماعة من أهل الخير فيها عند ولي الأمر أثابهم الله تعالى، وذلك أن في موسم سنة إحدى عشرة وثمانمائة ورد أمر السلطان الملك الناصر فرج نصره الله تعالى بأن الإمام الشافعي بالمسجد الحرام يصلي المغرب بمفرده دون الأئمة الباقين، فنفذ أمره الشريف بمكة كما رسم به٢. واستمر هذا الحال إلى أن ورد أمر الملك المؤيد أبي النصر شيخ صاحب مصر بأن الأئمة الثلاثة يصلون المغرب كما كانوا يصلون قبل ذلك. ففعلوا ذلك، وأول وقت فعل فيه ذلك ليلة السادس من ذي الحجة من سنة ست عشرة وثمانمائة٣. وكذلك تجمع الأئمة الثلاثة غير الشافعي على صلاة العشاء في رمضان، ويجتمع أيضا هؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة بالمسجد الحرام في صلاة التراويح في المسجد، وتحصل بسبب اجتماعهم في ذلك: المنكر القبيح الذي كان يقع دائما في صلاة المغرب وأعظم، لكثرة الأئمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وأما حكم صلاة الأئمة الثلاثة: الحنفي والمالكي، والحنبلي، في الفرائض على الصفة التي يصفونها، فاختلف فيه آراء العلماء المالكية، لأن الشيخ الإمام أبا القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الحباب المالكي٤ أفتى في سنة خمسين وخمسمائة بمنع

стр. 364

الصلاة بأئمة متعددة، وجماعات مترتبة بحرم الله تعالى، وعدم جوازها على مذاهب العلماء الأربعة. ثم إن بعض الناس استفتى في ذلك بعض علماء الإسكندرية، فأفتوا بخلاف ما رآه ابن الحباب، والذي أفتى بذلك. شداد بن المقدم، وعبد السلام بن عتيق، والشيخ أبو طاهر بن عوف بن الزهري. ولما وقف ابن الحباب على فتاويهم أملى في الرد عليهم أشياء كثيرة حسنة، ونقل إنكار ذلك عن جماعة من العلماء. الشافعية، والحنفية، والمالكية، حضروا الموسم بمكة سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، فمن الشافعية: أبو النجيب مدرس النظامية، ويوسف الدمشقي صاحب أسعد البهتي، ونقل عنهما أنهما قالا: وأما صلاة المغرب فهي أشنع وأبشع، وأقره العطاري في بقية فقهاء نيسابور، ومحمد بن جعفر الطائي يعني صاحب الأربعين. ومن الحنفية: الشرف الغزنوي. ومن المالكية: عمر المقدسي، وأقام الدلالة على فسادها، وأنها مخالفة لرأي مالك وأصحابه، وذكر ابن الحباب أن أبا بكر الطرسوسي، ويحيى الزياتي شيخ شداد بن المقدم لم يصليا خلف إمام المالكية بالحرم الشريف ركعة مع كونه مغموصا عليه، قال: ولا شيء أقبح من جهل الإنسان بحال شيوخه. وأما وقت حدوثهم: فلم أعرفه تحقيقا، ورأيت ما يدل على أن الحنفي والمالكي كانا موجودين في سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وأن الحنبلي لم يكن فيه موجودا وذلك لأن الحافظ أبا طاهر السلفي١ حج في هذه السنة، ورأى فيها أبا محمد بن العرضي القروي المقرئ إمام مقام الخليل ﵇ وذكر أنه أول من يصلي من أئمة الحرم المقدسي قبل المالكية والحنفية والزيدية ... انتهى. ووجه الدلالة من هذا على ما ذكرناه من أن الحنبلي لم يكن موجودا في هذه السنة: عدم ذكر السلفي له، وذكره لإمام الزيدية، ولو كان الحنبلي موجودا حينئذ لذكره السلفي، فإنه أولى بالذكر من إمام الزيدية، والله أعلم. ووجدت ما يدل على أنه كان موجودا في عشر الأربعين وخمسمائة، وقد ذكرت ذلك في أصل هذا الكتاب، والله أعلم. وكان بعض المتعصبين على الحنابلة قلع حطيمهم من مكة، لأن أبا المظفر سبط ابن الجوزي قال في كتابه "مرآة الزمان" في ترجمة "مرجان" خادم المقتفي العباسي٢ بعد

стр. 365

أن ذكر عنه أنه قال: قصدي أن أقلع مذهب الحنابلة، لأنه لما حج قلع الحطيم١ الذي كان لهم بمكة، وأبطل إمامتهم بها وبالغ في أذاهم ... انتهى٢.

стр. 366

الباب العشرون: ذكر حفر بئر زمزم وعلاجها: أول من أظهر زمزم على وجه الأرض جبريل ﵇ عند ظمأ إسماعيل ﵇ سقيا من الله تعالى، واختلفت الروايات في كيفية صنع الأمين جبريل ﵇ حين أخرج ماء زمزم، ففي رواية: "بحث بعقبه"، وفي رواية: "همز بعقبه"، وهاتان الروايتان في "صحيح البخاري". ولما أظهر الله ماء زمزم لإسماعيل ﵇ حوضت عليه أمه هاجر خشية أن يفوتها قبل أن تملأ منه شنها ولو تركته لكان عينا تجري، على ما رويناه عن النبي ﷺ في الصحيح. وذكر الفاكهي خبرا يقتضي: أن الخليل ﵇ حفر زمزم وقصته كانت بينه وبين ذي القرنين في زمزم، لأنه قال: حدثنا عبد الله بن عمران المخزومي، قال: حدثنا سعد بن سالم قال: حدثنا عثمان بن ساج قال: بلغنا في الحديث المأثور عن وهب بن منبه قال: كان بطن مكة ليس فيه ماء، وليس لأحد فيه قرار، حتى أنبطه الله لإسماعيل لما أراد من عمارة بيته لم يكن لأحد بها يومئذ مقام١. قال عثمان: وذكر غيره: أن زمزم تدعى سابق، وكانت وطأة من جبريل. وكانت سقياها لإسماعيل ﵇ يوم فرج له عنها جبريل، وهو يومئذ وأمه عطاش،

стр. 367

فحفر إبراهيم بعد ذلك البئر، ثم غلبه عليها ذو القرنين، وأظن أن ذا القرنين كان سال إبراهيم ﵇ أن يدعو الله له، فقال: كيف، وقد أفسدتم بئري؟ فقال ذو القرنين: ليس عن أمري، ولم يخبرني أحد أن البئر بئر إبراهيم، فوضع السلاح، وأهدى إبراهيم إلى ذي القرنين بقرا وغنما، فأخذ إبراهيم سبعة أكبش، فأقرنهم وحدهم، فقال ذو القرنين: ما شأن هذه الأكبش يا إبراهيم؟ فقال إبراهيم: هؤلاء يشهدون في يوم القيامة أن البئر بئر إبراهيم ... انتهى. وفي حاشية كتاب الفاكهي في هذا الحديث مكتوب ما صورته: عطاشا ما أقرأ عبد الله بن عمران عطاشا، قال أبو عبد الله: والصواب عطشانان١ ... انتهى. ولم تزل ماء زمزم ظاهرا ينتفع به سكان مكة، إلى أن استخفت جرهم بحرمة الكعبة والحرم، فدرس موضعه ومرت عليه السنون عصرا بعد عصر، إلى أن صار لا يعرف. وقيل: إن جرهما دفنتها حين نفت عن مكة، ذكره الزبير بن بكار وغيره، والله أعلم. ثم بوأه الله تعالى لعبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ لما خصه الله به من الكرامة، فأتي في المنام وأمر بحفرها، وأعلمت له بعلامات استبان بها موضع زمزم فحفرها، وكان حفره لها قبل مولد النبي ﷺ ، لأنا روينا من حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن جده عبد المطلب حين حفر زمزم لم يكن له ولد سوى ابنه الحارث، روينا ذلك عنه في سيرة ابن إسحاق٢ بسند رجالُه ثقات. وروينا في تاريخ الأزرقي، عن الزهري، ما يقتضي أن حفر عبد المطلب لزمزم كان بعد مولد النبي ﷺ ، لأن الأزرقي روى بسنده إلى الزهري: أن حفر عبد المطلب لزمزم كان بعد الفيل٣، والنبي ﷺ ولد عام الفيل على الصحيح، والله أعلم. وروينا في مسند البزار، عن ابن عباس ﵄ قال: كان أبو طالب يعالج زمزم، وكان النبي ﷺ ينقل الحجارة وهو غلام، وإسناد هذا الحديث ضعيف، وبتقدير صحته، فعلاج أبي طالب غير علاج عبد المطلب، لأن حديث علي ﵁ يقتضي أن النبي ﷺ وأبا طالب لم يكونا موجودين حين حفر عبد المطلب زمزم، لأنه ذكر فيه أنه لم يكن لعبد المطلب حين حفرها ابن غير ابنه الحارث، والله أعلم.

стр. 368

ذكر علاج زمزم في الإسلام: روينا عن الأزرقي بالسند المتقدم إليه أنه قال: ثم كان قد قل ماؤها جدا، حتى كانت تجم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين وأربع وعشرين ومائتين قال: وخرب فيها تسعة أذرع سحا في الأرض في تقرير جوانبها، ثم قال: وقد كان سالم بن الجراح قد خرب فيها في خلافة الرشيد أذرعا، وكان قد خرب فيها في خلافة المهدي أيضا، وكان عمر بن ماهان وهو على البريد والصواف في خلافة الأمين محمد بن الرشيد قد خرب فيها، وكان ماؤها قد قل حتى كان رجل يقال له: محمد بن بشير من أهل الطائف يعمل فيها، قال: وأنا صليت في قعرها١ ... انتهى باختصار٢.

стр. 369

ذكر ذرع بئر زمزم وما فيها من العيون وصفة الموضع الذي هي فيه الآن: وأما ذرعها: فذكره الأزرقي، لأنه قال فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: كان ذرع غور زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعا، وفي قعرها ثلاث عيون عين حذاء الركن الأسود، وعين حذاء أبي قبيس والصفا، وعين حذاء المروة، وذكر ذلك الفاكهي١. وذكر الفاكهي خبرا به: أن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال لكعب الأحبار: فأي عيونها أغزر؟ العين التي تجري من قبل الحجر الأسود، قال: صدقت٢ ... انتهى.

стр. 370

وبه إلى الأزرقي قال: فغورها من رأسها إلى الجبل أربعون ذراعا، كله بنيان، وما بقي فهو جبل منقور، وهو تسعة وعشرون ذراعا. قلت: هذا مخالف لما تقدم في غورها، والله أعلم بالصواب. وبه إلى الأزرقي قال: وذرع حنك زمزم في السماء: ذراعان وشبر، وذرع تدوير فم زمزم: أحد عشر ذراعا، وسعة فم زمزم: ثلاثة أذرع وثلثا ذراع١ ... انتهى. وقد اعتبر بعض أصحابنا بحضوري ارتفاع فم زمزم عن الأرض، وسعته، وتدويره، فكان ارتفاع فمها في السماء: ذراعين إلا ربعا، وسعته: أربعة أذرع ونصف، وتدويره: خمسة عشر ذراعا إلا قيراطين، كل ذلك بذراع الحديد المشار إليه. وأما صفة الموضع الذي فيه زمزم: فهو بيت مربع، وفي جدرانه تسعة أحواض للماء، تملآن من بئر زمزم، ليتوضأ الناس منها، إلا واحدا منها معطلا، وفي الحائط الذي يلي الكعبة، شبابيك، وهذا البيت مسقوف بالساج ما خلا الموضع الذي يحاذي بئر زمزم، فإنما عليه شباك خشب، ولم أدر من عمل هذا الموضع على هذه الصفة، وهي غير الصفة التي ذكرها الإمام الأزرقي فيه. وكانت ظلة المؤذنين التي فوق البيت الذي فيه بئر زمزم قد خربت لأكل الأرضة لأساطينها الخشب والأرضة دابة صغيرة كنصف العدسة، تأكل الخشب وتفسده كثيرا فشدت الظلة المذكورة بأخشاب تمنعها من السقوط في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، فلما كان السابع من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة هدمت الظلة المذكورة، وأزيل المقرنص الخشبي الذي كان تحتها ليصلح، والدرابزين الذي كان يطيف بها وبسطح البيت الذي فيه بئر زمزم، فوجد الخشب المقرنص مركبا خرابا لأكل الأرضة له، فاقتضى الحال قلعه، وأن يبنى فوق الجدار الذي يلي الكعبة، والجدار الذي يلي مقام الشافعي، والجدار الذي يلي الخلوة التي إلى جانب هذا البيت أساطين دقيقة من آجر بالنورة لئلا تفسدها الأرضة كما أفسدت الأساطين الخشب قبلها، ليعمل عليها ظلة للمؤذنين، وأن يقوى الجدار الشامي من هذا البيت، وهو الجدار الذي يلي مقام الشافعي بزيادة بناء في عرضها، فسلخ الجدران المشار إليها من أعلاها إلى الأرض، وأوسعوا في أساس الجدار الذي يلي الكعبة نحو ذراع باليد، وذلك لإحكام البناء، ونزلوه به في الأرض نحو قامة، وبنوا ذلك مخالطا للأساس الأول ووجدوا الأساس الذي يلي مقام الشافعي عريضا محكم البناء، فبنوا عليه وأكملوا بناء ما سلخ من الجدارين حتى

стр. 371

اتصل ذلك بالسقف، وعملوا في كل من الجدارين ثلاثة عقود بالنورة، وفيما بين كل عقد من العقود التي في الجدار الذي يلي الكعبة أسطوانة دقيقة من رخام مشدودة بالرصاص، وترك لها محلا خاليا من البناء في الجدار المذكور، وأوسعوا في الشبابيك التي في هذين الجدارين، وفي الأحواض التي في هذين الجدارين من داخل البيت، لاتساع عرض الجدارين، وبنوا عليهما منحوتة كبار يقال لها: الفصوص، وبنوا ما فوق العقود بحجارة غير منحوتة، وكل ذلك بالنورة، وسلخوا من الجدار الشرقي من البيت الذي فيه زمزم أيضا ما فوق العتبة العليا من هذا الجدار إلى أعلاه، وبنوا ذلك بالنورة والآجر، وبنوا بهما أسطوانتين فوق هذا الجدار الشرقي يشدان الدرابزين الخشب المخروط الذي يكون في ذلك ولم يكونا قبل وكشفوا سقف هذا البيت، وأخرجوا من ذلك ما كان متخربا من الخشب، وعوضوا عنه بخشب جديد، وبنوا فوق الجدار الغربي من هذا البيت. ثلاث أساطين دقيقة من آجر بالنورة، وبنوا أسطوانتين مثل ذلك، إحداهما في الجدار الشامي، والأخرى في الجدار اليماني من هذا البيت، ونصبوا أسطوانة من خشب بين هاتين الأسطوانتين تحاذي الأسطوانة الوسطى من الأساطين الآجر المشار إليها، وركبوا بين كل أسطوانة من الست الأساطين أخشابا، وستروا جميع هذه الأخشاب بألوح من خشب مدهونة وركبوا فيها بين الأساطين المشار إليها سقفا من خشب مدهون، ساترا لمقدار ما بن الست الأساطين، إلا أنهم جعلوا بعض ما بين الأسطوانة الآجر الوسطى، والأسطوانة الخشب المقابلة لها خاليا من السقف، وركبوا في هذا الموضع الخالي قبة من خشب مدهونة، وجعلوا فوقها قبة ساترة لها من خشب وجريد وقصب، وجعلوا رفرفا من خشب مدهون يليق بهذا السقف الذي هو ظلة للمؤذنين وأتقنوا تسمير السقف والقبة والرفرف إتقانا كثيرا بمسامير زنة كل سبعة منها مَنٍّ١ من حديد، وزنة بعضها دون ذلك، وبكلاليب من حديد، وجعلوا فوق هذا السقف المدهون سقفا من خشب غير مدهون، ودكوا ما فوق السقف الأعلى بالآجر والنورة، وطلوا ما فوق الآجر بالنورة، وطلوا ما فوق القبة التي في وسط هذا السقف بالجبس، وأتقنوا ذلك وأصلحوا جميع سطح البيت الذي فيه زمزم بالنورة والآجر، وجعلوا درابزين من خشب مخروط يطيف بجميع جوانب البيت الذي فيه زمزم خلا الجانب اليماني، وجعلوا درابزين أيضا يطيف بجانبي ظلة المؤذنين اليماني والشرقي، ولم يكن قبل ذلك درابزين أيضا يطيف بجانبي ظلة المؤذنين اليماني والشرقي، ولم يكن قبل ذلك درابزين في هذين الجانبين، وجعلوا شباكا من حديد فوق بئر زمزم ليمنع من السقوط فيها، بعد أن ضيقوا سعة الفتحة التي كانت تحاذي بئر زمزم بأخشاب

стр. 372

مسمرة جعلت هنالك، ولم يكن هناك قبل ذلك شباك من حديد، وجعلوا درابزين من خشب مخروط يطيف بجوانب هذه الشبابيك الأربعة، وكان قبل ذلك في موضع هذه الدرابزين أخشاب مرتفعة كالقامة يطيف بما يحاذي البئر من الجوانب الأربعة، مطلية بالنورة. وزنة الشباك الحديدي الذي فوق بئر زمزم الآن: اثنان وستون منًّا كل منٍّ: مائتان وستون درهما. وزادوا حديدا في بعض الشبابيك التي في الجدار الغربي من بيت زمزم،، ووسعوا الدرجة التي يصعد منها إلى سطح البيت الذي فيه بئر زمزم، وإلى ظلة المؤذنين، لضيق الدرجة حين عُمِّرت في سنة ثماني عشرة وثمانمائة، لما عمرت الخلوة التي إلى جانب هذا البيت سبيلا. وجعلوا لهذه الدرجة درابزين خشب غير مخروط، واستحسنت توسعة هذه الدرجة، وكذا جميع ما عمر من جدران بيت زمزم، وما صنع في سطحه من ظلة المؤذنين وغيرها استحسانا كثيرا، وكان الفراغ من ذلك في أثناء رجب سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، وكان القائم بأمر مصروف هذه العمارة الجناب العالي الكبير العلائي خواجه شيخ علي بن محمد بن عبد الكريم الجيلاني١، نزيل مكة المشرفة، زاده الله رفعة وتوفيقا٢. وكان إلى جانب هذا البيت خلوة فيها بركة تملأ من زمزم، ويشرب منها من دخل إلى الخلوة وكان لها باب إلى جهة الصفا، ثم سد وجعل في موضع الخلوة بركة مقبوة، وفي جدارها الذي يلي الصفا زبازيب يتوضأ الناس منها على أحجار نصبت عند الزبازيب، وفوق البركة المقبوة خلوة فيها شباك إلى الكعبة، وشباك إلى جهة الصفا، وطابق صغير إلى البركة، وكان عمل ذلك على هذه الصفة في ذي الحجة سنة سبع عشرة وثمانمائة٣، لما قيل من أن بعض الجهلة من العوام يستنجي هناك. وعمر عوض ذلك سبيل لمولانا السلطان الملك المؤيد أبي النصر شيخ نصره الله ينتفع الناس بالشراب منه، فتضاعف له الدعاء، ولمن كان السبب في ذلك. وصفة هذا السبيل: بيت مربع مستطيل، فيه ثلاثة شبابيك كبار من حديد فوق كل شباك لوح من خشب صنعته حسنة، منها واحد إلى جهة الكعبة، واثنان إلى جهة الصفا، وتحت كل شباك حوض في داخل البيت، وفيه بركة حاملة للماء، وله سقف مدهون يراه من دخل السبيل، وبابه إلى جهة الصفا، وله رفرف خشب من خارجه مدهون، وفوق

стр. 373

ذلك شراريف من حجارة منحوتة، وباطن السبيل منور، وظاهره مرخم بحجارة ملونة، وجاءت عمارته حسنة، وفرغ منه في شهر رجب سنة ثماني عشرة وثمانمائة١، وابتدئ في عمله بأثر سفر الحجاج. وفي موضع هذه الخلوة كان مجلس عبد الله بن العباس ﵄ على مقتضى ما ذكره الأزرقي والفاكهي٢. وبين الحجر الأسود إلى وسط جدار البيت الذي فيه بئر زمزم: أحد وثلاثون ذراعا وسدس ذراع، بذراع الحديد.

стр. 374

ذكر أسماء زمزم: قال الفاكهي: أعطاني أحمد بن محمد بن إبراهيم كتابا ذكر أنه عن أشياخه من أهل مكة، فكتبته من كتابه، فقال: هذه هي تسمية أسماء زمزم، وهي: همزة جبريل، وسقيا الله إسماعيل، لا تنزف، ولا تذم، وهي بركة، وسيدة، ونافعة، ومضنونة، وعونة، وبشرى، وصافية، وبرة، وعصمة، وسالمة، وميمونة، ومباركة، وكافية، وعافية، ومغذية، وطاهرة، ومفداة، وحرمية، ومروية، ومؤنسة، وطعام طعم، وشفاء سقم١ ... انتهى. ومن أسمائها على ما قيل: طيبة وتكتم وشباعة العيال، وشراب الأبرار، وقرية النمل، ونقرة الغراب، وهزمة إسماعيل، وحفيرة العباس، ذكر هذا الاسم ياقوت، لأنه ذكر أنه الحفيرة عشرة مواضع، وقال في عددها وحفيرة العباس من أسماء زمزم. انتهى من "مختصر معجم البلدان"٢ لياقوت وهو غريب، والله أعلم. ومن أسماء زمزم: همزة جبريل بتقديم الميم على الزاي ذكر هذا الاسم السهيلي، لأنه قال: وذكر أن جبريل ﵇ همز بعقبه في موضع زمزم فنبع الماء، وكذلك زمزم تسمى همزة جبريل بتقديم الميم على الزاي، ثم قال: وحكى في أسماء زمزم: زمازم حكي ذلك عن المطرز٣، ورأيت في النسخة التي رأيتها من "الروض الأنف": وزمزم مضبوطة بالشكل على الزاي ضمة، وعلى الميم الأولى شدة وفوق الشدة فتحة.

стр. 375

ومن أسماء زمزم: سابق، ذكر ذلك الفاكهي في خبر رواه عن عثمان بن ساج وفيه قال عثمان: وذكر غيره يعني غير وهب بن منبه أن زمزم تدعى: سابق١ ... انتهى. وقد اختلف في تسمية زمزم بزمزم، فقيل: لكثرة مائها، قال ابن هشام: والزمزمة عند العرب الكثرة والاجتماع. وقيل: إنها سميت زمزم، لأنها زمت بالتراب لئلا يأخذ الماء يمينا وشمالا، ولو تركت لساحت على الأرض حتى تملأ كل شيء، وهذا يروى عن ابن عباس ﵄ فيما ذكره البرقي. وقيل: سميت زمزم: لزمزمة الماء، وهو صوته. قال الحربي: وقيل: سميت زمزم، لأن الفرس كانت تحج إليها في الزمن الأول فزمزمت عليها. قال المسعودي٢: قيل لي: والزمزمة صوت يخرجه الفرس من خياشيمها عند شرب الماء، وقد كتب عمر ﵁ إلى عماله أن أنهوا الفرس عن الزمزمة ... أنشد المسعودي: زمزمت الفرس على زمزم ... وذلك في٣ سالفها الأقدم وقيل: إنها غير مشتقة، والله أعلم. وقد ذكرنا معاني بعض هذه الأسماء في أصل هذا الكتاب.

стр. 376

ذكر فضائل ماء زمزم وخواصه: روينا في "معجم الطبراني" بسند رجاله ثقات، وفي "صحيح ابن حبان" من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم"١. وروينا معنى ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ في تاريخ الأزرقي٢. وسمعت العلامة زين الدين الفارسكوري يقول: إن شيخنا، شيخ الإسلام، سراج الدين البلقيني قال: إن ماء زمزم أفضل من ماء الكوثر. وعلل ذلك لكونه غسل به صدر النبي ﷺ ، ولم يكن ليغسل إلا بأفضل المياه ... انتهى بالمعنى.

стр. 377

وذكر شيخنا الحافظ العراقي الحكمة من غسل صدر النبي ﷺ بماء زمزم، ليقوى به ﷺ على رؤية ملكوت السماوات والأرض، والجنة والنار، لأن من خواص ماء زمزم: أنه يقوي القلب، ويسكن الروع ... انتهى. وروينا في تاريخ الأزرقي عن ابن عباس ﵄: اشربوا من شراب الأبرار. وفسره بماء زمزم١. وروينا فيه عن وهب بن منبه معنى ذلك٢. وروينا في "المعجم الكبير" للطبراني من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : "أن التضلع من ماء زمزم علامة ما بيننا وبين المنافقين" ٣. وروينا من حديثه ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم: أخرج هذه الأحاديث الحافظ شرف الدين الدمياطي، وقال فيما أثبت به عنه: إسناد صحيح. وروينا عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، وهي هزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل" ٤. أخبرني بهذا الحديث أحمد بن محمد بن عبد الله الحميري، وإبراهيم بن عمر، ومحمد بن محمد الصالحيان إذنا عن الحافظ شرف الدين الدمياطي، أن الحافظ يوسف بن خليل أخبره، قال: أخبرنا أبو الفتح ناصر بن محمد الوبرج٥، قال: أخبرنا إسماعيل بن الفضل الإخشيد، قال: أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا الحافظ أبو الحسن الدارقطني، قال: حدثنا عمر بن الحسن بن علي، قال: حدثنا

стр. 378

محمد بن هشام بن علي المروزي، قال: حدثنا محمد بن حبيب الجارودي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره، أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد إن سلم في الجارودي١. قال شيخنا العراقي الحافظ: قد سلم منه، فلله الحمد، فإن الخطيب ذكره في "تاريخ بغداد"، وقال: كان صدوقا٢. وحسن شيخنا الحافظ العراقي هذا الحديث من هذا الطريق، وقال في "نكته" على ابن الصلاح: إن حديث ابن عباس أصح من حديث جابر ... انتهى. ولكن يعكر على ما ذكره شيخنا العراقي ما ذكره الذهبي في "الميزان" في ترجمة عمر بن الحسن القاضي الإشناني بسنده: فآفة٣ هذا هو عمر، فلقد أثم الدارقطني بسكوته عنه، فإنه بهذا الإسناد باطل، ما رواه ابن عيينة قط٤، هذا والمعروف حديث عبد الله بن المؤمل، عن ابن الزبير، عن جابر مختصرا. وقال الذهبي بعد أن ذكر أن الدارقطني ضعف الإشناني وكذبه٥: وهذا الإشناني صاحب بلايا، فمن ذلك قال الدارقطني ... وساق الحديث ... انتهى. وحديث جابر ﵁ رواه الحافظ الدمياطي بسنده إلى سويد بن سعيد، عن ابن المبارك، عن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁

стр. 379

عن النبي ﷺ . وصحح الدمياطي هذا الحديث والإسناد، وفي صحته نظر على ما ذكره الحافظ ابن حجر١. وقد أخرجنا في أصل هذا الكتاب حديث جابر ﵁ من طرق، وحديثا لعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ في هذا المعنى، وبينا ما في ذلك، وذكرنا فيها أخبارا عمن شرب ماء زمزم لقصد له فناله، فمن ذلك أن الإمام الشافعي ﵁ شربه للعلم، فكان فيه غايته، وللرمي، فكان يصيب العشرة من العشرة، والتسعة من العشرة. ومنها: ما ذكره الفاكهي، لأنه قال: وحدثني أحمد بن محمد بن حمزة بن واصل، عن أبيه، أو عن غيره من أهل مكة أنه ذكر: أنه رأى رجلا في المسجد الحرام مما يلي باب الصفا والناس مجتمعون عليه، فدنوت منه، فإذا برجل مكعوم قد عكم نفسه بقطعة خشب، فقلت: ما له؟ فقالوا: هذا رجل شرب سويقا، وكانت في السويق إبرة فذهبت في حلقه، وقد اعترضت في حلقه، وقد بقى لا يقدر يطبق فمه، وإذا الرجل في مثل الموت، فأتاه آت، فقال له: اذهب إلى ماء زمزم فاشرب منه، وجدد النية، وسل الله الشفاء، فدخل زمزم فشرب بالجهد منه حتى أساغ منه شيئا، ثم رجع إلى موضعه، وانصرفت في حاجتي، ثم لقيته بعد ذلك بأيام وليس به بأس، فقلت له: ما شأنك؟ فقال: شربت من ماء زمزم، ثم خرجت على مثل حالي الأول حتى انتهيت إلى أسطوانة، فأسندت ظهري إليها، فغلبتني عيني، فنمت، فانتبهت من نومي وأنا لا أحس من الأثر شيئا٢ ... انتهى. ومنها: أن شيخنا الحافظ العراقي ذكر أنه شرب ماء زمزم لأمور، منها: الشفاء من داء معين ببطنه، فشفي منه بغير دواء. ومنها: أن أحمد بن عبد الله الشريفي الفراش بالحرم الشريف بمكة شربه للشفاء من عماء حصل له، فشفي منه، على ما أخبرني به عنه شيخنا العلامة تقي الدين عبد الرحمن بن أبي الخير الفاسي، رحمة الله عليهم أجمعين. ومنها: أن الفقيه العلامة المدرس المفتي أبا بكر بن عمر بن منصور الأصبحي المعروف بالشنيني، بشين معجمة، ثم نون، ثم ياء مثناة من تحت ونون وياء للنسبة، أحد العلماء المعتبرين ببلاد اليمن، شرب ماء زمزم بنية الشفاء من استسقاء عظيم أصابه بمكة، فشفي بأثر شربه له على ما أخبرني به عنه ولده الفقيه الصالح عفيف الدين بن

стр. 380

عبد الله بمكة، وأخبرني عن أبيه: أنه لما اشتد به الاستسقاء خرج يتعرض لطبيب بمكة، فأعرض عنه الطبيب الذي قصده، فأنكر خاطره لذلك، وألقى الله تعالى بباله أن يشرب من ماء زمزم للحديث الوارد في أنه لما شرب له، فقصد زمزم، واستسقى بدلو، فشرب منها حتى تضلع، وأنه بعد أن تضلع منه أحس بانقطاع شيء في جوفه، فبادر حتى وصل إلى رباط السدرة ليستنجي به، فما وصل إليه إلا وهو شديد الخوف من أن يلوث في المسجد، فألقى شيئا كثيرا، ثم عاد إلى زمزم فشرب منه ثانيا حتى تضلع، وأخرج شيئا كثيرا، ثم صح، وبينما هو في بعض الأيام برباط ربيع بمكة يغسل ثوبا له وهو يطؤه برجله، وإذا بالطبيب الذي قد أعرض عن ملاطفته، فقال له: أنت صاحب تلك العلة؟ قال: نعم، قال له: بِمَ تداويت؟ قال: بماء زمزم، فقال الحكيم: لطف بك. قال: وبلغني عن ذلك الحكيم أنه قال حين رآه أولا: هذا ما يعيش ثلاثة أيام. هذا ما أخبرني به الفقيه عبد الله ابن الفقيه أبي بكر الشنيني المذكور عن أبيه، في خبر مرضه بالاستسقاء وخبر استشفائه بماء زمزم، وهذه الأخبار مما تؤيد صحة حديث "ماء زمزم لما شرب له" مع أنه صحح بالإسناد كما سبق بيانه. ولم ينصف ابن الجوزي في ذكره هذا الحديث في كتاب "الموضوعات" لكونه صحيحا أو حسنا، كما سبق بيانه، ويتعجب من هذا، لأنه روى في كتاب "الأذكياء" له بإسناده إلى سفيان قصة فيها أنه قال: هذا الحديث صحيح١، ولم يتعقب ذلك، وليس بين هذا الحديث وحديث "الباذنجان" لم أكل له" تساو في الثبوت، لأن حديث "ماء زمزم" صحيح أو حسن، وحديث الباذنجان" غير صحيح. بل هو موضوع على ما بلغني عن العلامة الكبير شمس الدين بن قيم الجوزية الحنبلي، وقال لي شيخنا الحافظ نور الدين الهيثمي: إنه موضوع، وضعه بعض الزنادقة ليشين به الشريعة، هذا معنى كلام شيخنا نور الدين الهيثمي. وأنبأني شيخنا الحافظ العراقي قال: وأما ما اشتهر على ألسنة الناس، بل على ألسنة كثير من أهل العلم، أن حديث "الباذنجان لما أكل له"، أصح من حديث "ماء زمزم لما شرب له"، فلا يصح ذلك بوجه من الوجوه، ولم نجد لحديث الباذنجان أصلا إلا في أثناء حديث "مسند الفردوس" بإسناد مظلم، وليس له أصل في كتب الإسلام المتداولة بين الناس، وذكر أن مؤلف مسند الفردوس كثير الأوهام ... انتهى مختصرا. ورويناه في خبر ابن عكيك بإسناد ساقط. ومن خواص ماء زمزم: أنه يبرد الحمى لأمر النبي ﷺ بذلك كما في سنن النسائي من حديث ابن عباس ﵄ وهو في صحيح البخاري على الشك.

стр. 381

ومنها على ما قال الضحاك بن مزاحم: أنه يذهب الصداع. ومنها: أن المياه العذبة ترفع وتغور قبل يوم القيامة إلا ماء زمزم، قاله الضحاك أيضا، والله أعلم بذلك. ومنها: أنه يفضل مياه الأرض كلها طبا وشرعا، على ما ذكر شيخنا بالإجازة الإمام بدر الدين بن الصاحب المصري، لأنه قال فيما أنبأنا به: وازنت ماء زمزم بماء عين مكة، فوجدت زمزم أثقل من العين بنحو الربع، ثم اعتبرتها بميزان الطب، فوجدتها تفضل مياه الأرض كلها طبا وشرعا. ورأيت لشيخنا بدر الدين بن الصاحب هذا أبياتا حسنة في فضل زمزم، رأيت أن أثبتها هنا، منها: قوله فيما أنبأنا به: شفيت يا زمزم داء السقيم ... فأنت أشفى ما يُعاطى النديم وكم رضيع لك أشواقه ... إليك بعد الشيب مثل الفطيم ومنها: قوله فيما أنبأنا به: يا زمزم الطيبة المخبر ... يا من علت غورا على المشرب رضيع أخلافك لا يشتهي ... فطام إلا لدى الكوثر١ ومنها: قوله فيما أنبأنا به: بالله قولوا لنيل مصر ... بأنني عنه في غناء بزمزم العذب عند بيت ... مخلق١ الشرب بالوفاء ومنها: قوله فيما أنبأنا به: لزمزم نفع في الفؤاد وقوة ... يزيد على ماء الشباب لذي فتك وزمزم فاقت كل ماء بطيبها ... ولو أن ماء النيل يجري على المسك ومنها: أن ماءها يحلو ليلة النصف من شعبان ويطيب، ذكر ذلك ابن الحاج المالكي في منسكه نقلا عن الشيخ مكي بن أبي طالب، ونص كلامه: قال الشيخ مكي بن أبي طالب: وفي ليلة النصف من شعبان تحلو زمزم ويطيب ماؤها، يقول أهل مكة إن عين سلوان تتصل بها تلك الليلة، ويبذل على أخذ الماء في تلك الليلة الأموال، ويقع الزحام فلا يصل إلى الماء إلا ذو جاه وشرف، قال: عاينت هذا ثلاث سنين ... انتهى.

стр. 382

ومن خواص ماء زمزم: أن يكثر في ليلة النصف من شعبان في كل سنة، بحيث إن البئر تفيض بالماء على ما قيل لكن لا يشاهد ذلك إلا العارفون، وممن شاهد ذلك: الشيخ العام أبو الحسن المعروف بكرباج، على ما وجدت بخط جد أبي الشريف أبي عبد الله الفاسي، نقلا عن الشيخ فخر الدين التوزري، عن الشيخ على كرباج. ومن فضائل بئر زمزم: أن الاطلاع فيها يجلو البصر، قاله الضحاك بن مزاحم. ومن فضائلها أيضا: أن الاطلاع فيها يحط الأوزار والخطايا، لأن أبا الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني من الشافعية ذكر في كتاب "الإرشاد في المناسك" له: أنه يستحب لمن جاء إلى زمزم الإطلاع فيها، لأن النظر فيها عبادة وحط للأوزار والخطايا ... انتهى. ولم أقف على هذا الكتاب، وإنما نقل إلى ذلك عنه من اعتمده، وذكر: أنه رأى ذلك بخط من يعتمد عليه من حفاظ الحديث. وروى نحو ذلك عن النبي ﷺ مرسلا في كتاب الفاكهي، لأنه قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم الطبري قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن ثور، عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ : "النظر في زمزم عبادة وهي تحط الخطايا"١. ومنها: أن من حثا على رأسه ثلاث حثيات من ماء زمزم لم تصبه ذلة. ذكر ذلك الفاكهي، لأنه قال: وحدثني قريش بن بشير التميمي، قال: حدثنا إبراهيم بن بشير، عن محمد بن حرب، عمن حدثه: أنه أسر في بلاد الروم، وأنه صار إلى الملك، فقال له: من أي بلد أنت؟ قال: من أهل مكة، فقال: هل تعرف بمكة هزمة جبريل؟ قال: نعم، قال: فهل تعرف بها برة؟ قال: نعم. قال: فهل لها اسم غير هذا؟ قال: نعم، هي اليوم تعرف بزمزم. قال: فذكر من جملة بركتها، ثم قال: أما أنك إن قلت هذا، إنا نجد في كتبنا أنه لا يحثو رجل على رأسه منها ثلاث حثيات فأصابته ذلة أبدا٢ ... انتهى.

стр. 383

ذكر آداب شربه: يستحب لشاربه أن يستقبل القبلة، ويذكر اسم الله تعالى، ويتنفس ثلاثا، ويتضلع منه، ويحمد الله تعالى، ويدعو بما كان ابن عباس ﵁ يدعو به إذا شرب ماء زمزم، لأن في مستدرك الحاكم من حديث ابن عباس ﵁ السابق: وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال: اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء١ ... انتهى. ولا يقتصر على هذا الدعاء بل يدعو بما أحبه من أمر الآخرة في الدعاء، ويجتنب الدعاء بما فيه مأثمة.

стр. 384

ذكر حكمة التطهير بماء زمزم: أما حكم التطهير فإنه صحيح بالإجماع على ما ذكره الروميني في بحره، والماوردي في "حاويه"، والنووي في "شرح المهذب". وينبغي توقي إزالة النجاسة به، وخصوصا مع وجود غيره، وخصوصا في الاستنجاء به، فقد قيل: إنه يورث الباسور، ويقال إن ذلك جرى لمن استنجى به، وجزم المحب الطبري بتحريم إزالة النجاسة به، وإن حصل به التطهير، وأخذ ذلك من كلام الماوردي، ووافقه في الجزم بذلك، وأخذه من كلام الماوردي الشيخ كمال الدين النشائي في كتابه "جامع المختصرات وشرحه". ولابن شعبان من أصحابنا المالكية، ما يوافق ما ذكره الماوردي في منع التطهير بماء زمزم، لأنه قال: لا يغسل بماء زمزم ميت ولا نجاسة ... انتهى. ومقتضى ما ذكره ابن حبيب من المالكية: استحباب التوضؤ به، ومذهب الشافعي ﵁ استحباب الوضوء والغسل به، ولم يكره الوضوء به إلا أحمد بن حنبل ﵁ في رواية عنه. وذكر الفاكهي: أن أهل مكة يغسلون موتاهم بماء زمزم إذا فرغوا من غسل الميت وتنظيفه تبركا به، وذكر أن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ غسلت ابنها عبد الله بن الزبير بماء زمزم١.

стр. 385

ذكر نقل ماء زمزم إلى البلدان: أما نقله فإنه يجوز باتفاق المذاهب الأربعة، بل هو مستحب عند المالكية والشافعية، والفرق عند الشافعية بينه وبين حجارة الحرم في عدم جواز نقلها، وجواز نقل ماء زمزم، أن الماء ليس بشيء يزول فلا يعود، أشار إلى هذه التفرقة: الشافعي فيما حكاه عنه البيهقي. والأصل في جواز نقله: ما رويناه في "جامع الترمذي" عن عائشة ﵂: أنها حملت من ماء زمزم في القوارير، وقالت: حمله رسول الله ﷺ في الأداوي والقرب، وكان يصب على المرضى ويسقيهم١. ورويناه في "شعب الإيمان" للبيهقي، وفي سننه، وقال: أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه٢ ... انتهى. ويدل لذلك ما رويناه عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ استهدى سهيل بن عمرو من ماء زمزم٣. أخرجه الطبراني بسند رجاله ثقات. ورويناه في تاريخ الأزرقي: أن النبي ﷺ استعجل سهيلا في إرسال ذلك إليه، وأنه بعث إلى النبي ﷺ بروايتين٤.

стр. 386

ذكر شيء من خبر سقاية العباس بن عبد المطلب ﵁: صفة هذه السقاية الآن: بيت مربع في أعلاه قبة كبيرة ساترة لجميعه، والقبة من آجر معقودة بالنورة، وفي أسفل جدرانها خلا الجنوبي شبابيك من حديد تشرف على المسجد الحرام، في كل جهة شباكان من حديد. وفي جانبها الشمالي من خارجها حوضان من رخام مفردان، وباب السقاية بينهما. وفي هذا البيت بركة كبيرة تملأ من بئر زمزم، يسكب الماء من البئر في خشبة طويلة على صفة الميزاب، متصلة بالجدار الشرقي من حجرة زمزم، ويجري الماء منها إلى الجدار المشار إليه، ثم إلى قناة تحت الأرض حتى يخرج إلى البركة من فوارة في وسطها. وأحدث وقت عمرت فيه هذه القبة سنة سبع وثمانمائة، وسبب عمارتها في هذه السنة: أن القبة التي كانت في سقف هذه السقاية أكلت الأرضة بعض الخشب الذي كان فيها فسقطت١. والأرضة دويبة صغيرة تأكل الخشب. وقد ذكرنا في أصل هذا الكتاب شيئا من خبر عمارة هذا المكان، وما ذكره الأزرقي في صفة هذه السقاية وهو يخالف هذه الصفة، ولذلك تركنا ذكره هنا.

стр. 387

وقد ذكر الأزرقي ذرع ما بين هذه السقاية وبين الحجر الأسود، وذرع ما بينها وبين جدارات المسجد، لأنه قال: ومن الركن الأسود إلى سقاية العباس وهو بيت الشراب خمسة وتسعون ذراعا. ومن وسط سقاية العباس إلى جدار المسجد الذي يلي المسعى: مائة ذراع. ومن وسط السقاية إلى الجدار الذي يلي باب بني جمح: مائتا ذراع، وإحدى وتسعون ذراعا. ومن وسط السقاية إلى الجدار الذي يلي دار الندوة: مائتا ذراع، ومن وسط السقاية إلى الجدار الذي يلي الوادي: خمسة وثمانون ذراعا١ ... انتهى. وقد حررنا مقدار ما بين هذه السقاية والحجر الأسود، فكان ما بين ذلك: ثمانون ذراعا ونصف ذراع، بذراع الحديد، وذلك من الحجر الأسود إلى وسط جدار السقاية مارًّا من جانب زمزم اليماني.

стр. 388

الباب الحادي والعشرون: في ذكر الأماكن المباركة التي ينبغي زيارتها الكائنة بمكة المشرفة وحرمها وقربه: هذه الأماكن مسجد ودور وجبال ومقابر، والمساجد أكثر من غيرها إلا أن بعض هذه المساجد مشتهر باسم المولد، وبعضها باسم الدار، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر هذين الأمرين قريبا، والمقصود ذكره هنا ما اشتهر من ذلك بالمسجد الحرام فمن ذلك: مسجد بقرب المجزرة الكبيرة من أعلاها على يمين الهابط إلى مكة ويسار الصاعد منها، يقال إن النبي ﷺ صلى فيه المغرب على ما وجدت بحجرين فيه، أحدهما: بخط عبد الرحمن بن أبي حرمي، وفيه: أنه عُمِّرَ في رجب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وفي الآخر: أنه عمر في سنة سبع وأربعين وستمائة. وطول هذا المسجد من الجدار الذي فيه بابه إلى الجدار المقابل له: سبعة أذرع إلا ربعا، بذراع الحديد المستعمل في القماش بديار مصر ومكة، وعرضه: خمسة أذرع وثمن. وذلك من الجدار الذي فيه محرابه إلى الجدار المقابل له، وكان تحرير ذلك بحضوري. وبين باب هذا المسجد وجدار باب بني شيبة أحد أبواب المسجد الحرام: خمسمائة ذراع وعشرة أذرع ونصف ذراع اليد المتقدم ذكره، ويكون ذلك بذراع الحديد أربعمائة ذراع وستة وأربعين ذراعا وخمسة أثمان ذراع ونصف ثمن، وحرر ذلك بحضوري أيضا. ويوهم بعض أهل العصر أن هذا المسجد هو الذي ذكر الأزرقي أن عنده قرن مسقلة عند موقف الغنم، وأن النبي ﷺ باع الناس عنده يوم فتح مكة على ما يقال، وسبب هذا التوهم: أن المسجد الذي ذكرنا ذرعه وشيئا من خبره يلحق بجبل وعنده الآن سوق الغنم، وليس هذا التوهم صحيحا، لأن الجبل الذي عنده هذا المسجد هو المشرف على المروة، ويسمى جبل الديلمي على ما ذكره الأزرقي، وهو في شق معلاة مكة

стр. 389

الشامي، وقرن مسقلة الذي أشار إليه الأزرقي: ذكره الأزرقي في شق معلاة مكة اليماني، ونص كلامه في أخبار هذه الجهة: وقرن مسقلة وهو قرن قد بقيت منه بقية بأعلى مكة في دبر دار "سَمُرَة" عن موقف الغنم بين شعب ابن عامر وحرف دار رابعة في أصله١ ... انتهى. وشعب ابن عامر هو الذي تسميه الناس اليوم شعب عامر بأعلى مكة بشقها اليماني، وبين المكانين بعد كثير، والله أعلم. ومن ذلك: مسجد فوقه يقال له: مسجد الراية، وعرفه بذلك المحب الطبري في "القرى" وهو من المساجد التي صلى فيها النبي ﷺ على ما يقال كما ذكر الأزرقي، وذكر أن عبد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بناه، وفيه الآن لوحان مكتوبان: أحدهما: كوفى لا يعرف، والآخر: فيه أن المستعصم العباسي أمر بعمله في شعبان سنة أربعين وستمائة٢، وعمره في أوائل سنة إحدى وثمانمائة الأمير قطلوبك الحسامي المنجكي٣ عمارته التي هو عليها الآن. وطول هذا المسجد من داخله ستة عشر ذراعا بالحديد، وذلك من الجدار الذي فيه بابه إلى الجدار المقابل له، وعرضه ستة أذرع إلا ثلث ذراع، وذلك من الجدار الذي فيه محرابه إلى الجدار المقابل له، وكان تحرير ذلك بحضوري، وبين باب هذا المسجد وجدار باب بني شيبة أحد أبواب المسجد الحرام: تسعمائة ذراع وأربعة وعشرون ذراعا بذراع الحديد، فيكون ذلك بذراع اليد ألف ذراع وستة وخمسون ذراعا، وكان تحرير ذلك بحضوري. ومن ذلك: مسجد بسوق الليل قرب مولد النبي ﷺ يقال له: المختبأ، يزوره الناس كثيرا في صبيحة اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول من كل سنة، ولم أر من ذكره ولا عرفت شيئا من خبره. وطول هذا المسجد من وسط الجدار إلى وسط الجدار المقابل له الذي فيه محرابه: ثمانية أذرع إلا ثلثا، وعرضه سبعة أذرع وثلث، الجميع بذراع الحديد، وكان تحرير ذلك بحضوري. ومن ذلك: مسجد بأسفل مكة ينسب لأبي بكر الصديق ﵁ ويقال: إنه من داره التي هاجر منها إلى المدينة والله أعلم. وقد ذكر ابن جبير هذا المسجد٤.

стр. 390

وذكرنا كلامه في أصل هذا الكتاب مع شيء من حال هذا المكان الآن، وهو مكان مشهور بالموضع المعروف بالحجارية براء مهملة بأسفل مكة بالقرب من باب الماجن. ومن ذلك: مساجد خارج مكة من أعلاها، منها: المسجد الذي يقال له مسجد الإجابة على يسار الذاهب إلى منى في شعب بقرب ثنية أذاخر، وهو مسجد مشهور يقال إن النبي ﷺ صلى فيه، وقد ذكره الأزرقي، وذكر شيا من خبر الشعب الذي هو به، لأنه قال فيما رويناه عنه بالسند المتقدم، شعب آل قنفذ، هو الشعب الذي فيه دار آل خلف بن عبد ربه بن السائب، مستقبل قصر محمد بن سليمان، وكان يسمى شعب اللام١. وهو قنفذ بن زهير من بني أسد بن خزيمة، وهو الشعب الذي على يسارك وأنت ذاهب إلى منى من مكة فوق حائط خرمان، وفيه اليوم دار الخلعيين من بني مخزوم، وفي هذا الشعب مسجد مبني يقال إن النبي ﷺ صلى فيه، وينزله اليوم في الموسم الحضارمة٢ ... انتهى. وهذا المسجد الآن متخرب جدا، وجدرانه ساقطة إلا القبلي، وفيه حجر مكتوب فيه إنه مسجد الإجابة، وأن عبد الله بن محمد، عمره في سنة عشرين وسبعمائة٣، وما عرفت عبد الله بن محمد المشار إليه. وطول هذا المسجد من الجدار الذي فيه محرابه إلى الجدار المقابل له: ثمانية عشر ذراعا بذراع الحديد، وعرضه كذلك، وحرر ذلك بحضوري، وكثير من الناس يقصدون زيارة هذا المسجد في بكرة أول سبت من شهر ذي القعدة الحرام كل سنة، وما عرفت سبب مثابرتهم على زيارته في هذا اليوم، والله أعلم. ومن ذلك: المسجد الذي يقال له مسجد البيعة، وهي البيعة التي بايع رسول الله ﷺ فيها الأنصار بحضرة عمه العباس بن عبد المطلب ﵁ على ما ذكر أهل الأخبار. وهذا المسجد بقرب العقبة التي هي حد منى من جهة مكة، وهو وراء العقبة بيسير إلى مكة، في شعب على يسار الداخل إلى منى، وفيه حجران مكتوب في أحدهما: أمر عبد الله أمير المؤمنين أكرمه الله ببنيان هذا المسجد، مسجد البيعة التي كانت أول بيعة بايع فيها رسول الله ﷺ الأنصار بعقد عقده له العباس بن عبد المطلب ﵁.
следующие страницы →