ذكر ما جاء في الحجر والصلاة فيه:
قال الفاكهي: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثني محمد بن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال لأبي هريرة: "يا أبا هريرة إن على باب الحجر ملكا يقول لمن دخل فصلى ركعتين: مغفورا لك ما مضى، فاستأنف العمل. وعلى باب الحجر الآخر ملك منذ خلق الله الدنيا إلى يوم يرفع البيت، يقول لمن صلى وخرج: مرحوما لك إن كنت من أمة محمد ﷺ تقيا" ١ ... انتهى.
وروينا في "تاريخ الأزرقي" عن ابن عباس ﵄: صلوا في مصلى الأخيار ... وسئل عن ذلك ابن عباس فقال: تحت الميزاب٢ ... انتهى.
وحكم الصلاة فيما في الحجر من الكعبة حكم الصلاة في الكعبة، في كونه من الكعبة، فلا تصح فيه على المشهور من مذهب مالك الفرض ولا النفل المؤكد، كالسنن، والوتر، وركعتي الطواف، وركعتي الفجر والطواف الواجب، ويصح فيه النفل غير المؤكد، ويستحب ذلك فيه كبقية الحجر، ويصح في بقية الحجر الفرض من غير كراهة. ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة: جواز جميع الصلوات في جميع الحجر.
стр. 317
ذكر ما جاء في الدعاء في الحجر تحت الميزاب:
روينا في "تاريخ الأزرقي" عن عطاء قال: من قام تحت ميزاب الكعبة فدعا استجيب له، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وقد تقدم مثل ذلك عن الحسن البصري في الباب الخامس عشر، وفي رواية عنه: من قام تحت مثغب الكعبة، يعني ميزابها١.
وروينا عن الحسن البصري في "رسالته" المشهورة قال: وسمعت أن عثمان بن عفان ﵁ أقبل ذات يوم، فقال لأصحابه: ألا تسألوني من أين جئت؟
قالوا: من أين جئت يا أمير المؤمنين؟ قال: ما زلت قائما على باب الجنة، وكان قائما تحت الميزاب يدعو الله عنده ... انتهى.
ومن فضائل الحجر: أن فيه قبر إسماعيل ﵇ روينا عن ابن إسحاق في سيرته تهذيب ابن هشام، وروايته عن زياد البكائي عن ابن إسحاق قال: وكان عمر إسماعيل ﵇ فيما يذكرون مائة سنة وثلاثين سنة، ثم مات رحمة الله وبركاته عليه فدفن في الحجر مع أمه هاجر، رحمهما الله٢ ... انتهى.
وقال الأزرقي: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني ابن إسحاق: فذكر شيئا من خبر إسماعيل ﵇ وذكر أولاده، ثم قال: وكان من حديث جرهم وبني إسماعيل، أن إسماعيل لما توفي دفن في الحجر مع أمه، وزعموا أنها دفنت فيه حين ماتت٢.
وذكر صاحب "الاكتفاء" أن قبر إسماعيل ﵇ في الحجر، وأن قبره مما يلي باب الكعبة.
وقد اختلف في قبر إسماعيل ﵇ فقيل: إنه في الحجر، وهو قول ابن إسحاق، وقيل: إنه في الحطيم، وقد سبق نقل الأزرقي له عن مقاتل في أخبار الحطيم، ونقله الفاكهي عن كعب الأحبار، وعن ابن سابط.
وقال الفاكهي في "فضائل مكة": حدثنا موسى بن محمد قال: حدثنا يزيد بن أبي حكيم، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط أنه قال: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيا، وإن قبر هود، وشعيب، وصالح، وإسماعيل ﵈ في تلك البقعة.
وقيل: إنه حيال الموضع الذي كان فيه الحجر الأسود. وهذا القول ذكره المسعودي، لأنه قال: وقبض إسماعيل وله من العمر مائة وسبع وثلاثون سنة، فدفن في المسجد الحرام حيال الموضع الذي كان فيه الحجر الأسود٣ ... انتهى.
كذا وجدت في النسخة التي رأيتها من "تاريخ المسعودي" في الموضع الذي كان فيه الحجر، وأظن أن لفظة "كان" زيادة من الناسخ، لأن إثباتها لا يستقيم به معنى والله أعلم.
وما ذكره المسعودي في قدر عمر إسماعيل ﵇ يخالف ما ذكره فيه ابن إسحاق، والله أعلم بالصواب.
стр. 318
وينبغي توقي النوم فيه، والاحتراز فيه من بدعتين، أحدثهما الناس لا أصل لهما على ما ذكره ابن جماعة فيما أخبرني به عنه خالي:
إحداهما: وقوفهم في فتحتي الحجر للصلاة والسلام على النبي ﷺ .
والأخرى: استقبالهم جهة النبي ﷺ في فتحتي الحجر للدعاء، واستدبارهم للكعبة، والمعروف في آداب الدعاء استقبالها، هذا معنى كلامه. قال: والله تعالى يوفقنا لاجتناب البدعة، واتباع السنة بمنه وكرمه ... انتهى.
стр. 319
ذكر المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ حول الكعبة:
قد ذكر المحب الطبري هذه الأماكن بدلائلها في كتاب "القرى"١، وذكرنا ذلك بنصه في أصل هذا الكتاب، ونشير هنا لشيء من تلك المواضع:
الموضع الأول: خلف مقام إبراهيم ﵇.
الثاني: تلقاء الحجر الأسود، على حاشية المطاف كما في النسائي، وابن حبان، من حديث المطلب بن أبي وداعة السهمي.
الثالث: قريبا من الركن الشامي مما يلي الحجر بسكون الجيم كما في مسند أحمد بن حنبل وسنن أبي داود من حديث عبد الله بن السائب٢.
الرابع: عند باب الكعبة كما في تاريخ الأزرقي، وفوائد تمام الرازي٣ من حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ : "أمَّنِي جبريل ﵇ عند باب الكعبة مرتين" ٤.
الخامس: تلقاء الركن الذي يلي الحجر من جهة المغرب جانحا إلى جهة المغرب قليلا، بحيث يكون باب المسجد، الذي يقال له اليوم: باب العمرة خلف ظهره، كما في مسند أحمد بن حنبل، وسنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث المطلب بن أبي وداعة: أنه رأي النبي ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه٥. وفي إسناده مجهول. وباب بني سهم هو باب العمرة المشار إليه.
стр. 320
السادس: في وجه الكعبة، كما في الصحيحين، من حديث أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج، فلما خرج ركع قِبل البيت ركعتين، وقال: "هذه القبلة"١ أخرجاه.
وقال النسائي: سبح في نواحيه كلها وكبر ولم يصل، ثم خرج وصلى خلف المقام ركعتين، ثم قال: "هذه القبلة"٢.
قال المحب الطبري: وجه الكعبة يطلق على بابها، ولهذا قيل للمحاذي له خلفها: دبر الكعبة، ثم قال: ويطلق على جميع الجانب الذي فيه الباب، وهو المتعارف، ثم قال: والظاهر أن هذا الموضع تلقاء المقام في فناء الكعبة، بحيث يكون المقام خلف المصلي فيه، وقال: ويحتمل على بُعد أن يكون هذا الموضع هو الموضع الرابع محل إمامة جبريل، وجوز فيه "المحب" وجها آخر، وهو أن يكون الموضع الأول هو خلف المقام، لأنه يقال فيه: وجه الكعبة، ثم قال: وقد ورد تفضيل وجه الكعبة على غيرها من الجهات.
الموضع السابع: بين الركنين اليمانيين، وذكره ابن إسحاق في "سيرته" في قصة طويلة.
الموضع الثامن: الحجر واستدل له بحديث خنق عقبة بن أبي معيط النبي ﷺ في الحجر، كما في الصحيحين٣ وذكر في هذا الفصل: صلاة النبي ﷺ في الكعبة، ثم قال: وورد أن آدم ﵇ ركع إلى جانب الركن اليماني ركعتين وعزاه "لليقين" لابن أبي الدنيا، وتاريخ الأزرقي٤، ثم قال: فصارت المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ يقينا وتخمينا تسعة مواضع.
العاشر: مصلى آدم ﵇ ... انتهى كلام المحب الطبري٥ وفيه أمور:
منها: أن ذكره في هذا الفصل صلاة النبي ﷺ في الكعبة لا يلائم الترجمة التي ذكرها، لأنه ترجم على هذا الفصل بقوله: ذكر مواضع حول البيت روي أن النبي ﷺ صلى فيها، وهذه الترجمة تقتضي أن يذكر فيها المواضع التي صلى النبي ﷺ فيها حول البيت، لا صلاته في البيت، والله أعلم.
ومنها: أن ذكره في هذه الترجمة مصلى آدم ﵇ غير ملائم.
стр. 321
ومنها: أن ذكره في هذه الترجمة مصلى آدم ﵇ فيه احتمال، لأن آدم ﵇ يحتمل أن يكون صلى عند الركن اليماني مما يلي الحجر الأسود، ويحتمل أن يكون صلى عند الركن اليماني مما يلي الباب المسدود في المستجار، وهذا أقرب، والله أعلم، لما سبق من قول الفاكهي.
وقال بعض الناس: إن الموضع الذي تاب الله تعالى فيه على آدم ﵇ عند الباب الذي فتحه ابن الزبير من دبرها عند الركن اليماني ... انتهى.
ومنها: أن ما ذكره من مصلى آدم ﵇ عند الركن اليماني يخالف ما ذكره ابن سراقة، وابن جماعة من أنه في جهة الكعبة الشرقية، وقد سبق في "الباب الثامن" من هذا الكتاب أن مصلى آدم ﵇ في الجهة الشرقية، وأن بينه وبين الحجرة المرخمة في هذه الجهة: ثلاثة أذرع إلا ثلث بالحديد، والله أعلم بالصواب.
ومنها: أن "المحب" لم يعين الموضع الذي صلى فيه النبي ﷺ بين الركنين اليمانيين، لأنه يحتمل أن يكون صلى إلى وسط الجدار، ويحتمل أن النبي ﷺ صلى إلى وسط الجدار، ويحتمل أن يكون مائلا عن الوسط إلى جهة الحجر الأسود، ويحتمل أن النبي ﷺ صلى إلى وسط هذا الجدار، وتحريره بالوسط من هذا الجدار بأنه الرخامة التي في شاذروان الكعبة المكتوب فيها: "أن الملك المنصور لاجين أمر بعمارة المطاف".
ومنها: أن المحب الطبري لم يبين أيضا الموضع الذي صلى فيه النبي ﷺ عند باب الكعبة، وهو يحتمل ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون صلى وجاه الباب.
والثاني: أن يكون صلى في الحفرة المرخمة التي عند باب الكعبة على يمينه.
والثالث: أن يكون صلى في الملتزم. وفي هذا الوجه بُعد.
والوجه الأول أقرب، لأنه عند الباب حقيقة بخلاف الوجهين الآخرين، فإنه إنما يصدق عليهم عند باب الكعبة لقربهما منه، والله أعلم.
وإنما نبهنا على ذلك، لأنه وقع لشيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام الشافعي، وشيخ اليمن أحمد بن موسى بن العجيل ما يقتضي أن مصلى جبريل ﵇ بالنبي ﷺ هو الحفرة المرخمة، ولم أقف على كلام ابن العجيل، وإنما بلغني أن الرضي الطبري إمام المقام وشيخ شيوخنا سأل الشيخ أحمد بن موسى بن العجيل عن تحقيق ذلك بطريق الكشف، فأخبره أن الحفرة المشار إليها هي مصلى جبريل ﵇ بالنبي ﷺ .
стр. 322
وأما كلام ابن عبد السلام فذكره عنه ابن جماعة في "منسكه"، لأنه قال: وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إن الحفرة الملاصقة للكعبة بين الباب والحجر هي المكان الذي صلى فيه جبريل بالنبي ﷺ الصلوات الخمس حين فرضها الله تعالى على أمته، ولم أر ذلك لغيره، وفيه بعد، لأنه لو كان صحيحا لنبهوا عليه بالكتابة في الحفرة، ولما اقتصروا على من أمر بعمل المطاف، والله أعلم ... انتهى كلام ابن جماعة١، وقد أخبرني بذلك عنه خالي ﵀.
وفي خبر المقام عن سعيد بن جبير٢ ﵀ أن موضعه اليوم حذاء موضعه في هذا الباب: الصندوق الذي فيه المقام، إلا أن يجاوز الحفرة مما يلي الحِجر بسكون الجيم، فعلى هذا يكون المقام عند الكعبة في نصف الحفرة الملاصق للكعبة المشار إليها، وإذا كان هذا موضع المقام عند الكعبة، فيكون النبي ﷺ صلى فيه بعد خروجه من الكعبة، لأن النسائي روى عن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ بعد خروجه من البيت ركع قبل البيت ركعتين، وفي رواية: أنه ﷺ صلى ركعتين خلف المقام٣، وهو وقبل البيت واحد، لأن المقام كان عند الكعبة على ما قيل، والله أعلم.
ومنها: أن كلام المحب الطبري يقتضي أن المصلى الذي ذكره ابن السائب غير المصلى الذي ذكره أسامة لعَدِّه ذلك مصليين، وفي ذلك نظر، لأن حديث ابن السائب في المصلى الذي ذكره موافق لحديث أسامة ﵁ في المصلى الذي ذكره ويظهر ذلك بذكر حديثهما، فلفظ حديث ابن السائب عند الأزرقي: حدثني جدي، حدثنا داود بن عبد الرحمن، عن محمد بن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن السائب: أن النبي ﷺ صلى يوم الفتح في وجه الكعبة حذو الطرفة البيضاء، ثم رفع يديه فقال: "هذه القبلة" ٤ ... انتهى.
ولفظ حديث أسامة ﵁: أن النبي ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج، فلما خرج ركع قبل البيت ركعتين وقال: "هذه القبلة" أخرجاه٥.
وقال النسائي: سبح في نواحيه وكبر ولم يصل، ثم خرج وصلى خلف المقام ركعتين، ثم قال: "هذه القبلة" ٦.
стр. 323
ولا منافاة بين قول أسامة ﵁ في الحديث الأول: "ركع قبل البيت"، وبين قوله في الحديث الثاني: "وصلى خلف المقام ركعتين"، لأن المقام كان في وجه الكعبة، على ما ذكر ابن عقبة في "مغازيه" وغيره، ويكون قوله: صلى خلف المقام: مفسرا لقوله: ركع قبل البيت لينتفي التعارض بين حديثيه، وهذا أولى من حمل قوله على أنه صلى خلف المقام في موضعه، لأنه إذا حمل على ذلك يفهم منه التناقض بين الحديثين، والله أعلم.
وإذا كان حديث ابن السائب يقتضي أن النبي ﷺ صلى عند الكعبة في يوم فتح مكة وقال: "هذه القبلة"، واقتضى ذلك أيضا حديث أسامة ﵁، ففي ذلك دليل على اتحاد المصلى الذي ذكره أسامة وابن السائب، ويتجه به النظر الذي أشرنا إليه في ما ذكره المحب الطبري، من أن المصلى الذي ذكره أسامة ﵁ غير المصلى الذي ذكره ابن السائب، ولا يقال الحديث الذي استدل به المحب الطبري على المصلى الذي ذكره ابن السائب، غير الحديث الذي ذكره الأزرقي، لأن المحب الطبري قال في "القرى" لما ذكره في المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ حول الكعبة: "الثالث: قريبا من الركن الشامي مما يلي الحِجر، عن عبد الله بن السائب أنه كان يقود ابن عباس عند الشقة الثالثة مما يلي الركن الذي يلي الحِجر مما يلي الباب، فيقول له ابن عباس: عند الشقة الثالث: أثبتَ أن رسول الله ﷺ كان يصلي ههنا؟ فيقول: نعم، فيقوم فيصلي، أخرجه أحمد، وأبو داود ... انتهى.
وقوله في هذا الحديث "أثبتَ" هو بنصب التاء لا برفعها، لأنه يلزم على رفعها أن يكون الحدث من رواية ابن السائب عن ابن عباس، ولا يعرف لابن عباس في هذا المعنى حديث، والله أعلم.
وقوله: أثبت بألف، يعني "همزة الاستفهام"، ثم ثاء مثلثة، ثم باء موحدة، ثم تاء مثناة، من الثبات الذي بمعنى التحقيق للشيء، كأنه يقول له: تحققتَ أن النبي ﷺ صلى في الموضع المشار إليه؟ فيقول: نعم. والله أعلم.
وإنما لا يقال الحديث الذي استدل به المحب غير الحديث الذي ذكره الأزرقي، لأن الحديث الذي ذكره المحب يقتضي أن ابن عباس ﵄ سأل ابن السائب عن موضع مصلى النبي ﷺ في وجه الكعبة، والحديث الذي ذكره الأزرقي يقتضى إخبار ابن السائب بأن النبي ﷺ صلى يوم فتح مكة في وجه الكعبة، وأنه رفع يديه، وقال: "هذه القبلة" وبيَّن المصلى بقوله: "عند الطواف"، وذلك لا ينافي إثباته صلاة النبي ﷺ عند الشقة الثالثة مقابلة الركن الشامي، لإمكان أن يكون موضع النظر فيه موضع الشقة الثالثة، فعرفه بالوجهين، واختصر في إخباره ابن عباس ﵁ بعض القصة، والله أعلم.
стр. 324
ووجدت بخط مفتي الحرم رضي الدين محمد بن أبي خليل العسقلاني ما يقتضي أن للنبي ﷺ مصلى بين هذه الحفرة وبين الحِجر بسكون الجيم، لأني وجدت بخط الرضي المذكور ما نصه: أخبرني الشيخ عثمان بن عبد الواحد العسقلاني المكي، عن بعض مشيخة مكة المتقدمين، أن المقام المحمدي: الحَجَر المشَوْبَر الذي عند الحفرة التي عند الكعبة على جانبها مما يلي حجر إسماعيل، وهو الحَجَر الذي إلى جانب هذه الحفرة المذكورة، والدعاء عنده مستجاب.
وأخبرني المفتي عماد الدين بن عبد الرحمن بن محمد المذكور أن من يدعو خلفه بهذا الدعاء: يا واجد، يا واحد، يا ماجد، يا بر، يا رحيم، يا غني، يا كريم، أتمم عليّ نعمتك، وألبسني عافيتك، أُستجيب له ... انتهى.
والحفرة المشار إليها هي السابقة، والحَجَر المشَوْبَر: الذي هو علامة هذا المصلى لا يعرف الآن، وهو الموضع الثالث الذي ذكره المحبّ، لأنه ليس بين الحفرة المشار إليها والركن الشامي مصلى للنبي ﷺ غير المصلى الثالث، والله أعلم.
والحفرة المشار إليها جدد رخامها الذي هو بها الآن في سنة إحدى وثمانمائة، وقد حررنا أمورا تتعلق بذرعها، فكان طولها من الجهة الشامية إلى الجهة اليمانية، أربعة أذرع، وعرضها من الجهة الشرقية إلى جدار الكعبة: ذراعان وسدس، وعمقها: نصف ذراع كل ذلك بذراع الحديد والحفرة المشار إليها لم ترخم إلا بعد قدوم ابن جبير إلى مكة، وكان قدومه في سنة تسع وسبعين وخمسمائة، لأنه ذكر هذا الموضع في أخبار رحلته، وذكر أنه علامة موضع المقام في عهد إبراهيم ﵇ إلى أن صرفه النبي ﷺ إلى الموضع الذي هو الآن مصلى، وأنه مفروش برملة بيضاء١ ... انتهى بالمعنى.
فدل ذلك على أنه لم يكن ترخيما حين رآه ابن جبير، وقد نبهنا فيما سبق على عدم استقامة قوله: إن هذا الموضع موضع المقام في عهد إبراهيم ﵇ والله أعلم بالصواب.
стр. 325
الباب الثامن عشر
ذكر شيء من أخبار توسعة المسجد الحرام وعمارته
...
الباب الثامن عشر:
في ذكر شيء من أخبار توسعة المسجد الحرام وعمارته:
روينا بالسند المتقدم إلى الأزرقي قال: أخبرني جدي قال: أنبأنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج قال: كان المسجد الحرام ليس عليه جدارات محاطة به، إنما كانت الدور محدقة به من كل جانب، غير أن بين الدور أبوابا يدخل منها الناس، فاشترى عمر بن الخطاب ﵁ دورا فهدمها، وهدم على من قرب من المسجد دورهم، وأبى بعضهم أن يأخذ الثمن، وتمنع من البيع، فوضعت أثمانها في خزانة الكعبة حتى أخذوها بعد، ثم أحاط عليه جدارا قصيرا، وقال لهم عمر ﵁: إنما نزلت على الكعبة فهو فناؤها ولم تنزل عليكم. ثم كثر الناس في زمن عثمان ﵁، فوسع المسجد، فاشترى من قوم، وأبى آخرون فهدم عليهم١ ... انتهى باختصار.
ولم يذكر الأزرقي السنة التي وسع فيها عمر ﵁ المسجد الحرام، وهي سنة سبع عشرة من الهجرة٢، ولا السنة التي وسعه فيها عثمان ﵁، وهي سنة ست وعشرين من الهجرة٣، على ما ذكره ابن جرير وابن الأثير في تاريخ توسعتهما٤.
وذكر الأزرقي أن عبد الله بن الزبير ﵄ وسع المسجد من جانبه الشرقي، وهو أعلاه مما يليه من جانبه الشامي، ومن جانبه اليماني. وكان مما وسع به في الجانب الشرقي نصف دار الأزرقي جد الأزرقي، اشترى ذلك ببضعة عشر ألف دينار.
стр. 326
ثم وسعه أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس من جانبه الشامي ومن جانبه الغربي إلى أن أوصله إلى ما هو عليه اليوم، إلا أنه بلغ فيما وسعه من الجانب الغربي إلى باب بني جمح، الذي هو فيه الآن في محاذاته فيما أحسب الزيادة المعروفة بزيادة باب إبراهيم، ولم يجعل فيما وسعه من الجانبين إلا رواقا واحدا، وكان ابتداء عمل ذلك في المحرم سنة سبع وثلاثين ومائة١، والفراغ منه في ذي الحجة سنة أربعين ومائة. وكان الذي زاد فيه المنصور الضعف مما كان عليه قبل٢.
ثم وسعه المهدي بن أبي جعفر المنصور، من أعلاه ومن الجانب اليماني، ومن الموضع الذي انتهى إليه أبوه في الجانب الغربي، حتى صار على ما هو عليه الآن، خلا الزيادتين فإنهما أحدثتا بعده، كما سيأتي في خبرهما إن شاء الله تعالى. وكان توسعته له في نوبتين: الأولى في سنة إحدى وستين ومائة٣، وفيها زيد فيما زاد أبوه في المسجد رواقان، والثانية في سنة سبع وستين، وكان أمر بها لما حج حجته الثانية في سنة أربع وستين، ولم تكمل هذه الزيادة إلا في خلافة٤ ابنه موسى الهادي لمعاجلة المنية للمهدي بالاخترام، وكان مما عمل بعد موته بعض الجانب اليماني وبعض الغربي، وذلك من الأساطين الحجارة في الجانب اليماني إلى الموضع الذي انتهى إليه عمل المنصور في الجانب الغربي.
وأنفق المهدي في توسعة المسجد الحرام وعمارته أموالا عظيمة المقدار، لأن ثمن كل ذراع مكسر دخل في المسجد الحرام خمسة وعشرون دينارا، وثمن كل ذراع مكسر دخل في الوادي، خمسة عشر دينارا، ونقل إليه أساطين الرخام من الشام وغيرها، حتى أنزلت بجدة، وحملت منها على العجل إلى مكة، إلى غير ذلك من الأمور التي عظمت فيها نفقته، ولم يكن له في ذلك نظير، عظم الله له الأجر واسمه الآن مكتوب في مواضع من المسجد الحرام، منها: قرب المنارة المعروفة بمنارة باب علي التي فيها الميل، وما ذكرناه من حال المسجد الحرم في ابتدائه وتوسعته حتى صار إلى ما هو عليه الآن، خلا الزيادتين، فهو ملخص بالمعنى، مختصر مما ذكره الأزرقي في هذا الأمر.
وذكر في أخبار عمارته من غير توسعة فيه، أن عبد الملك بن مروان رفع جدرانه وسقفه بالساج، وجعل في رأس كل أسطوانة خمسين مثقالا ذهبا، وعمره عمارة حسنة.
стр. 327
وأن ابنه الوليد بن عبد الملك نقض عمل أبيه وعمله عملا محكما، وسقفه بالساج المزخرف، وأزر المسجد من داخله بالرخام، وجعل له شرفا، وجعل على رأس الأساطين الذهب على صفائح الشبه١ من الصفر، وجعل في وجوه الطبقات من أعلاه الفسيفساء، وهو أول من عمله في المسجد الحرام، وأول من نقل إليه أساطين الرخام. وذكر أنه عمر في زمن المتوكل العباسي، هذا معنى ما ذكره الأزرقي في عمارة المسجد الحرام من غير توسعة.
وذكر السهيلي في عمارة المسجد الحرام شيئا يستغرب، فنذكر ذلك، ثم نبين ما فيه، ونص كلام السهيلي: فلما كان زمن ابن الزبير ﵄ زاد في إتقانه لا في سعته، وجعل فيه عمدا من الرخام، وزاد في أبوابه وحسنها، فلما كان عبد الملك بن مروان، زاد في ارتفاع حائط المسجد، وحمل إليه السواري في البحر إلى جدة، واحتملت من جدة على العجل إلى مكة٢ ... انتهى.
وما ذكره السهيلي من أن ابن الزبير ﵄ لم يوسع المسجد الحرام فيه نظر، لمخالفته ما هو المشهور في ذلك، ومن حفظ حجة على مَن لم يحفظ، وما ذكره من أن ابن الزبير ﵄ جعل في المسجد عمدا من الرخام، وأن عبد الملك حمل إليه السواري، يخالف أيضا ما ذكره الأزرقي من أن الوليد بن عبد الملك أول من نقل إليه الأساطين الرخام، لكن وقع للأزرقي ما يفهم خلال ذلك؛ لأنه قال: حدثني جدي، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن سعيد بن فروة، عن أبيه قال: كنت على عمل المسجد في زمن عبد الملك بن مروان، قال: فجعلوا في رءوس الأساطين خمسين مثقالا من ذهب، في رأس كل أسطوانة٣ ... انتهى.
ووجه مخالفة ذلك لما سبق أن عمل الذهب في رءوس الأساطين يقتضي وجودها حين عمل فيها ذلك، وإذا كانت موجودة فهي ما عمله عبد الملك أو ابن الزبير، وأي الأمرين كان فهو يخالف ما ذكره الأزرقي من أن الوليد بن عبد الملك أول من حمل إليه ذلك، والله أعلم بالصواب.
стр. 328
ذكر شيء من خبر توسعة المسجد الحرام بعد الأزرقي ومن خبر عمارته بعده:
اعلم أنه لم يزد في المسجد الحرام بعد الأزرقي، إلا أن الزيادتين المعروفة إحداهما بزيادة دار الندوة بالجانب الشمالي، والثانية الزيادة المعروفة بزيادة باب إبراهيم بالجانب الغربي، ولم يزد فيه بعد المهدي غير هاتين الزيادتين، فأما قول الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه" في أخبار سنة إحدى وسبعين ومائة: أن الخيزران أم الرشيد خرجت إلى مكة فأقامت بها حتى شهدت الحج١، وقد اشترت الدار المشهورة لها بمكة المشرفة المعروفة بدار الخيزران فزادتها في المسجد الحرام٢ فهو غير مستقيم لأن الدار المشهورة بالخيزران بمكة إنما هي عند جبل الصفا، وبينها وبين المسجد الحرام طريق مسلوك يزيد على مائة ذراع على مقتضى ما ذكره الأزرقي في مقدار ما بين باب المسجد المعروف بباب الصفا. والصفا هو مبدأ السعي، وهو قرب هذه الدار، فدخولها في المسجد الحرام غير ممكن، وأيضا فإنه لو وقع منها ذلك لاشتهر كما اشتهر توسعة غيرها من المسجد الحرام، ولذكره الأزرقي في "تاريخه" كما ذكر ما وقع من غيرها في هذا الأمر، والله أعلم٣.
وأيضا النقل، فإن إسحاق بن أحمد الخزاعي قال في خبر زيادة دار الندوة: أن الساعي فيها كتب إلى وزير المعتضد العباسي٤ يحسن له جعل ما بقي من دار الندوة مسجدا ويقول له إن هذه تكرمة لم تهيئ لأحد من الخلفاء بعد المهدي، وذكر إسحاق الخزاعي شيئا من خبر هذه الزيادة وملخص ذلك أن الساعي فيها سأل قاضي مكة محمد بن أحمد المقدمي وأميرها "عج بن حاج" مولى أمير المؤمنين يعني المعتضد العباسي أن يكتبا فيها بمثل ما كتب، فكتبا، فعرضت كتبهم على المعتضد، فأمر المعتضد بعمارة دار الندوة مسجدا يوصل بالمسجد الكبير، وأخرج لذلك مالا عظيما، فحمل إلى قاضي بغداد يوسف بن يعقوب، فأنفذ بعضه صفائح، وأنفذ بعضه على يد ابنه عبد الله بن يوسف في وقت الحج، وقدم معه برجل يقال له أبو الهياج الأسدي، فوكله بالعمل، وخلف معه عمالا وأعوانا لذلك، فأخرجت القمائم من دار الندوة، وهدمت، ثم أنشئت مسجدا من أساسها بأساطين وطاقات وأروقة مسقفة بالساج المذهب المزخرف، ثم فتح لها في جدار المسجد الكبير اثنا عشر بابا: ستة كبار سعة كل باب خمسة أذرع، وارتفاعه إلى السماء أحد عشر ذراعا، وجعل بين الستة الأبواب الكبار ستة أبواب صغار، سعة كل باب منها ذراعان ونصف، وارتفاعه في السماء ثمانية أذرع وثلثا ذراع، وجعل سوى ذلك: ثلاثة أبواب شارعة في الطريق التي حولها، منها: بابان طاقان، وباب طاق واحد، وسوى جدرها وسقوفها بالمسجد الحرام، وجعل لها منارة وشرفا، وفرغ منها في ثلاث سنين، ولم يبين إسحاق الخزاعي السنة التي فرغ منها في عمارة هذه
стр. 329
الزيادة حين أنشئت، ولعل ذلك في سنة أربع وثمانين ومائتين على مقتضى ما ذكره من أنه كتب إلى المعتضد سبب إنشائها في سنة إحدى وثمانين ومائتين١.
وذكر أبو الحسن محمد بن نافع الخزاعي ابن أخي إسحاق الخزاعي أن القاضي محمد بن موسى لما كان إليه إمرة البلد، غير الطاقات التي كانت في جدر المسجد الكبير حين عمرت هذه الزيادة وقد تقدم ذكرها وجعل ذلك بأساطين حجارة مدورة، عليها مصعد من ساج بطاقات معقودة بالآجر الأبيض والجص، ووصله بالمسجد الكبير وصولا أحسن من العمل الأول، حتى صار من في دار الندوة من مصل ومستقبل يستقبل القبلة فيراها كلها. عمل ذلك في سنة ست وثلاثمائة٢.
وأما الزيادة التي بالجانب الغربي المعروفة بزيادة باب إبراهيم، فذكر أبو الحسن محمد بن نافع الخزاعي شيئا من خبرها عند ذكر الأزرقي لباب بني جمح، ونص كلامه: قد كان هذا على ما ذكر الأزرقي، حتى كانت أيام جعفر المقتدر بالله أمير المؤمنين العباس. وكان يتولى الحكم بمكة محمد بن موسى، فغير هذين البابين، المعروف أحدهم بالحناطين، والآخر ببني جمح، وجعل ما بين دار زبيدة مسجدا أوصله بالمسجد الكبير، وعمله بأروقة وطاقات وصحن، وجعله شارعا على الوادي الأعظم بمكة، فانتفع الناس به وصلوا فيه، وذلك كله في سنة ست وسبع وثلاثمائة٣ ... انتهى.
ذكر صفة هذه الزيادة:
أما صفة هذه الزيادة: فإنها تخالف الزيادة السابقة، لأنه ليس لها رواق غربي، وإنما لها رواق شرقي وشمالي وجنوبي، وموضع الغربي أبواب، وبينهما باب الزيادة، وكل رواق منها شقة واحدة، وغالب الجنوبي مما يلي الجهة الشرقية محوط ببيت فيه شبابيك من خشب، وهو السبيل المنسوب لملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاون الصالحي، وكانت عمارته في آخر عشر الستين وسبعمائة على ما بلغني، ولها صحن، هذا ملخص مختصر من خبر ما زيد في المسجد الحرام بعد الأزرقي.
وأما ما وقع فيه من العمارات بعده فكثيرة، وقد شرحنا في أصل هذا الكتاب شيئا من خبرها واقتصرنا على أعظم ما وقع فيه من العمارة بعد الأزرقي وسببها، وذلك أن في
стр. 330
ليلة السبت الثامن والعشرين١ من شوال سنة اثنين وثمانمائة، ظهرت نار من رباط رامشت بالجانب الغربي من المسجد الحرام، ولم يكن غير لحظة حتى تعلقت بسقف المسجد وعمت بالحريق الجانب الغربي منه، وبعض الرواقين المقدمين من الجانب الشامي بما في ذلك من السقوف والأساطين الرخام وصارت قطعا، وانتهى الحريق إلى محاذاة باب دار الصحابة، وسبب ذلك أن النار لم تجد شيئا تتعلق به لخلو باب دار الصحابة، وسبب ذلك: أن النار لم تجد شيئا تتعلق به لخلو ذلك الموضع، وهو عمودان عليهما عقود وسقف بعد سقوطه لتخربه في السيل المهول الذي كان بمكة في هذه السنة أيضا، فصار ما احترق من المسجد الحرام أكواما عظاما تمنع من الصلاة في موضعها ومن رؤية الكعبة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قدر الله تعالى عمارة ذلك في مدة لطيفة على يد الأمير بيسق الظاهري٢ أعزه الله تعالى، وكان قدومه لذلك في موسم سنة ثلاث وثمانمائة، فلما رحل الحاج من مكة في هذه السنة شرع في شيل تلك الأكوام العظيمة، حتى فرغت، ثم أخذ في العمارة حتى عاد ذلك كما كان. إلا أن الأساطين التي بالجانب الغربي حجارة منحوتة، وكذلك الأساطين التي في الجانب الشامي خلا أساطين يسيرة في مقدمة الجانب المذكور، فإنها رخام مكسر ملصق بالحديد، وكان الفراغ من عمارة ذلك في العشر الأخير من شعبان سنة أربع وثمانمائة٣.
وعجب الناس كثيرا من سرعة عمارة ذلك في هذه المدة، لأن من رأى ذلك قبل عمارته كان يقطع بأن هذه العمارة إنما تنهض في مدة سنين، باعتبار العادة في العمارات، فلله الحمد على نعمه التي لا تحصى ولم يبق من ذلك محتاجا إلى العمارة إلا سقف الجانب الغربي، والذي أوجب تركه أنه لم يوجد بمكة خشب ساج يسقف به، ولو وجد بمكة لما جاء الموسم من سنة أربع وثمانمائة إلا وجميع ذلك فارغ بقدرة الله تعالى.
ولما كان المحرم مفتتح شهور سنة سبع وثمانمائة، قدم إلى مكة الأمير بيسق المذكور أحسن الله إليه، لعمارة هذا السقف وغيره مما تشقق من المسجد الحرام، ونهض أيضا في مدة لطيفة بقدرة الله لأن الأمير بيسق المشار إليه جرى على عادته في علو الهمة وعني من حين وصوله بتحصيل الأخشاب، ثم بتهيئتها لعمل السقف، ثم بتركيبها في محلها، والخشب الذي سقف به ذلك يقال له خشب العرعر٤، جيء به إلى
стр. 331
مكة من جهة الطائف، وأصلح الأمير المذكور في هذه السنة مواضع أخرى كانت متشققة بالمسجد الحرام وسقوفا فيه، فلله الحمد على ذلك١.
ثم عمرت أماكن من المسجد الحرام في سنة خمس عشرة وثمانمائة، فمن ذلك: عقدان على أسطوانة واحدة في الصف الأول من الرواق اليماني، مقابل المدرسة البنجالية، وأماكن في سقف المسجد الحرام كثيرة، وكان المتولي لأمر هذه العمارة شيخنا قاضي مكة جمال الدين محمد بن عبد الله بن ظهيرة القرشي المخزومي المكي٢ من مال تطوع به بعض أهل الخير أثابهم الله٣.
ثم كثر الشعث والخراب بالمسجد الحرام بعد ذلك، وسقط كثير من سقوفه، ومن ذلك: أماكن بالجانب الغربي، وموضع بالجانب اليماني يقابل العقدين المشار إليهما.
ومن ذلك: سقف بالجنب الشرقي في موضع يقال له باب العباس، قريبا من سقف عقدين.
ومن ذلك: ما يقابل باب الجنائز، ورباط المراغي، والسدة: نحو أربعة عقود.
ومن ذلك: بالجانب الشامي سقف عقد بقرب باب الدريبة، وموضع آخر بهذا الجانب يقابل رباط أم الخليفة الناصر العباسي المعروف بالعطيفية.
ومن ذلك: سقف ستة عقود في محاذاة زيادة دار الندوة في الرواق الذي يليها.
ومن ذلك: سقف عقد مقابل باب دار العجلة.
ومن ذلك: سقف عقدين بالرواق الغربي من زيادة دار الندوة.
ومن ذلك: ما فوق أحد بابي الجنائز الذي يلي رباط المراغي المعروف بالقيلاني إلى آخر جدار المسجد الحرام الذي يلي رباط المراغي، وقد عمر من ذلك باب الجنائز عمارة حسنة، مع جدار المسجد الحرام الذي يلي رباط القيلاني، وكان ما بين بابي الجنائز قائما لم يسقط قبل عمارته، وإنما تخرب٤، فهدم ذلك حتى بلغ الأرض، وأزيلت أسطوانتان من رخام كانتا متصلتان٥ بالبناء الذي بين البابين، وبين بابي الجنائز تبرة كبيرة بحجر منحوت من ظاهرها فيما يبدو للناس وباطنها بحجر غشيم، حتى ارتفعت عن الأرض نحو أربعة أذرع بالعمل، وبني فوقها عقدان عليها وعلى جدار المسجد الحرام إلى المدرسة الأفضلية، وجدار المسجد الحرام إلى رباط القيلاني.
стр. 332
وهذان العقدان مبنيان بحجارة منحوتة مما يلي المسعى، وفيه رخام وشيء فوق أسقفة البابين مما يلي بطن المسجد، وفوق الدرج عقدان من آجر بالنورة، وفي كل عقد عقد لطيف، واستحسنت عمارة ذلك وكتب بسبب هذه العمارة في لوح من رخام: أن ذلك عمر في سنة خمس وعشرين وثمانمائة في ذي القعدة، بأمر صاحب مصر الملك الأشرف برسباي على يد الأمير زين الدين مقبل القديدي صاحبنا١، ونصبت الأخشاب في المواضع الساقطة من هذا الجانب أعني الشرقي وفي الجانب اليماني، وفي الجانب الغربي، وفي الجانب الشامي بقرب باب الدريبة، وقبالة العطيفية، وبقي سقف ذلك الأعلى وإتقانه بالجص والدلك.
وكان بالجانب الشامي في محاذاة باب دار العجلة في الرواق الأوسط أسطوانة من رخام مشدودة بالحديد والرصاص، فأزيلت وعوض عنها بأسطوانة صحيحة من رخام، هي إحدى الأسطوانتين اللتين كانتا بظاهر باب الجنائز، وبني في هذا الجانب في الصف الأول الذي يلي بطن المسجد سبعة عقود، وبني في هذا الجانب عدة عقود في مؤخرة عقد فوق الدكة المنسوبة للفقيه أبي السعود بن ظهيرة، وعقود أخر تلي ذلك إلى باب دار العجلة، وزيد بناء يشد العقود المذكورة في عرض ما تحتها وطوله، واستحسن جميع ذلك.
ومما بني في هذا الجانب، ثمانية عقود في العقد الثاني، وثلاثة عقود في الصف الذي يليه بعد إحكام الأساطين الذي٢ تحت ذلك الحملة المبني من العقود سبعة في الصف الذي يلي بطن المسجد، وثمانية في التي تليه، وثلاثة في المؤخرة، وبني عقدان قبالة باب الجنائز، وبترة بين باب المجاهدية.
وجددت أبواب المسجد الحرام، منها: بابان لباب الجنائز، وثلاثة لباب العباس، والباب الأوسط من باب الصفا، وباب الصحابة، وباب الزيادة المفرد، وأصلحت مواضع في أبواب المسجد، وعمرت سقوفه، ونورت أو أكثرها بالنورة، وذلك في سنة ست وعشرين وثمانمائة، إلا قليلا، في سنة خمس وعشرين وذلك على يد الأمير زين الدين مقبل المذكور، أثابه الله تعالى٣.
стр. 333
ذكر ذرع المسجد الحرام غير الزيادتين:
وبالسند المتقدم إلى الأزرقي قال: ذرع المسجد الحرام مكسرا مائة ألف ذراع وعشرون ألف ذراع، وذراع المسجد الحرام طولا من باب بني جمح إلى باب بني هاشم الذي عنده العلم الأخضر بمقابل دار العباس بن عبد المطلب أربعمائة ذراع وأربعة أذرع، مع جدر به تمر في بطن الحجر لاصقة١ بجدر الكعبة، وعرضه من باب دار الندوة إلى الجدار الذي يلي الوادي عند باب الصفا لاصقا بوجه الكعبة: ثلاثمائة ذراع وأربعة أذرع، وذرع عرض المسجد الحرام من المنارة التي عند المسعى إلى المنارة التي عند باب بني شيبة الكبير: مائتا ذرع وثمان وسبعون ذراعا، وذرع عرض المسجد الحرام من منارة باب أجياد إلى منارة باب بني سهم: مائتا ذراع وسبعون ذراعا٢ ... انتهى.
قلت: باب بني جمح لا أثر له الآن، وموضعه فيما أظن بعض الأساطين المتقدمة في زيادة باب إبراهيم التي في وزان جدار المسجد من هذا الجانب، والله أعلم.
وباب بني سهم: هو باب المسجد المعروف الآن بباب العمرة.
وقد حررنا ذرع طول المسجد الحرام وعرضه فكان طوله من جداره الغربي إلى جداره الشرقي المقابل له: ثلاثمائة ذراع وستة وخمسين ذراعا وثمن، بذراع الحديد، ويكون ذلك بذراع اليد: أربعمائة ذراع وسبعة أذرع، وذلك من وسط جداره الغربي الذي هو جدار رباط الخوزي إلى وسط جداره الشرقي عند باب المسجد المعروف بباب الجنائز، يمر به في الحجر ملاصقا لجدار الكعبة الشامي، وكان عرضه من جداره الشامي إلى جداره اليماني: مائتي ذراع وستة وستين ذراعا بذراع الحديد، ويكون ذلك بذراع اليد: ثلاثمائة ذراع وأربعة أذرع، وذلك من وسط جداره القديم عند العقود التي يدخل منها إلى زيادة دار الندوة إلى وسط جدار المسجد اليماني، فيما بين مقام إبراهيم والكعبة، وهو إلى المقام أقرب، حرر لذلك جماعة معتمد عليهم من أصحابنا أثابهم الله وكان تحرير ذلك في ليلة الخمس السابع عشر من ربيع الأول سنة أربع عشرة وثمانمائة، وقد طابق ما حررناه في ذرع عرض المسجد الحرام ما ذكره في ذراعه من وسطه.
وذكره ابن خرداذبه في ذرع المسجد طولا وعرضا ما يخالف ذلك، لأنه قال: وطول المسجد الحرام ثلاثمائة وسبعون ذراعا، وعرضه ثلاثمائة وخمسة عشر ذراعا٣ ... انتهى. وهذا غريب، لذلك ذكرناه.
وذكر القاضي عز الدين بن جماعة في مقدار المسجد الحرام وجها آخر، لأنه قال ومساحة المسجد الحرام ستة أفدنة ونصف وربع، والفدان عشرة آلاف ذراع بذراع العمل
стр. 334
المستعمل في البنيان بمصر، وهو ثلاثة أشبار تقريبا١ ... انتهى. أخبرني بذلك عن ابن جماعة خالي، رحمهما الله.
وذكر الأزرقي ﵀ مقدار المسجد الحرام في زمان ابن الزبير ﵄ لأنه قال حدثني جدي قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن زادان بن فروخ قال: مسجد الكوفة تسعة أجربة، ومسجد مكة سبعة أجربة وشيء.
قال أبو الوليد: قال جدي: وذلك في زمن ابن الزبير٢ ... انتهى.
ونذكر مقدار الجريب لما في ذلك من زيادة الفائدة في بيان مقدار المسجد الحرام في زمن ابن الزبير ﵄، وقد ذكر ذلك الماوردي في الأحكام السلطانية"، والنووي، والقلعي، وصاحب "الوافي" فأما الماوردي فقال: إنه عشر قصبات في عشر قصبات ذرع كل قصبة ستة أذرع٣، قال ابن الرفعة بعد ذكره لكلام الماوردي: فإذا ضربت ذلك بالتكسير بلغ ثلاثة آلاف ذراع وستمائة، وأما النووي والقلعي وصاحب "الوافي" فقالوا: إنه أرض مربعة كل قائمة منها ستون ذراعا، قال ابن الرفعة بعد ذكره لذلك: وأنت إذا ضربت ذلك في مثله بلغ ثلاثة آلاف ذراع وستمائة ذراع، وقال ابن يونس: الجريب ستة آلاف ذراع وأربعمائة ذراع ... انتهى.
وعلى ما ذكره الماوردي ومن وافقه في مقدار الجريب، يكون المسجد الحرام في زمان ابن الزبير ﵄ خمسة وعشرين ألف ذراع ومائتي ذراع، لأن ذلك مقدار سبعة أجربة، ويزيد مقداره على ذلك بزيادة على السبعة الأجربة التي قيلت في مقداره.
وعلى ما ذكره ابن يونس في مقدار الجريب يكون المسجد الحرام في زمن ابن الزبير ﵄ خمسة وأربعين ألف ذراع ينقص مئتي ذراع، لأن ذلك مقدار السبعة الأجربة على هذا القول، ويزيد مقدار المسجد على ذلك بزيادة على السبعة الأجربة، وأظن أن ما قيل من أن مسجد مكة سبعة أجربة وشيء في زمان ابن الزبير ﵄، يكون مقدار هذا بعد أن وسَّعه ابن الزبير ﵄ لا قبل أن يوسعه، والله أعلم.
وقد ذكر الأزرقي في حد المسجد الحرام وجها آخر، لأنه قال فيما رُوِّينا عنه: حدثني جدي قال: أخبرنا أبا مسلم بن خالد قال: سمعت محمد بن الحارث بن سفيان يحدث عن علي الأزدي قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: إنا لنجد في كتاب الله أن حد المسجد الحرام من الحَزْوَرَة إلى المسعى وحدثني محمد بن يحيى قال: حدثنا هشام بن سليمان، عن عبد الله بن عكرمة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: أساس المسجد الحرام الذي وضعه إبراهيم ﵇ من الحزورة إلى المسعى إلى مخرج سيل أجياد، وقال: والمهدي وضع المسجد على المسعى٤ ... انتهى.
стр. 335
ذكر ذرع زيادة دار الندوة:
ذرعها طولا: أربعة وسبعون ذراعا بتقديم السين إلا ربع ذراع، بذراع الحديد المتقدم ذكره، وذلك من جدار المسجد الكبير إلى الجدار المقابل له الشامي، وعنده باب منارتها، وذرعها عرضا من وسط جدارها الشرقي إلى وسط جدارها الغربي: سبعون ذراعا -بتقديم السين- ونصف، وذرع صحنها طولا من الأساطين التي في مقدم الجانب الجنوبي إلى الأساطين التي في مقدم الجانب الشمالي: سبعة وثلاثون ذراعا، وذرع عرض صحنها كذلك بزيادة سدس ذراع، كل ذلك بذراع الحديد.
стр. 336
ذكر ذرع زيادة باب إبراهيم
...
ذكر ذراع زيادة باب إبراهيم:
أما ذرعها طولا: سبعة وخمسون ذراعا إلا سدس ذراع، وذلك من الأساطين التي في وزان جدار المسجد الكبير، إلى العتبة التي فيها باب هذه الزيادة.
وأما ذرعها عرضا: فاثنان وخمسون ذراعا وربع، وذلك من صدر حائط رباط الخوزي إلى جدار رباط رامشت، المقابل له من جدار دار زبيدة إلى جدار رباط رامشت أيضا، إلا أنه ينقص من هنا عن الأول ربع ذراع، وذرع صحنها طولا: ستة وثلاثون ذراعا وربع وثمن وذلك من الأساطين التي تلي صحنها إلى عتبة باب القبة وذرع صحنها عرضا: ثلاثة وثلاثون ذراعا ونصف، كل ذلك بذراع الحديد المشار إليه، وكان تحرير ذرع هاتين الزيادتين بحضوري١.
الباب التاسع عشر:
ذكر عدد أساطين المسجد الحرام غير الزيادتين وصفتها:
رُوِّينا عن الأزرقي بالسند المتقدم إليه أن عدد الأساطين التي بجوانب المسجد الحرام وأبوابه: أربعمائة أسطوانة وأربعة وثمانون أسطوانة١، منها على الأبواب، عشرون أسطوانة. ووصف الأزرقي جميع هذه الأساطين٢.
والأساطين التي هي الآن في جوانب المسجد الحرام وأبوابه، على غير ما ذكره الأزرقي في العدد أو الصفة الآن، لأن في الجوانب الأربعة من المسجد الحرام غير الزيادتين، أربعمائة أسطوانة وتسعة وستين أسطوانة، وعلى أبواب المسجد من داخله وخارجه سبعة وعشرون أسطوانة، فتصير جملة الأساطين بجوانب المسجد الحرام وما على أبوابه أربعمائة أسطوانة وستة وتسعين أسطوانة بتقديم التاء على السين غير ما في الزيادتين وذلك يزيد على ما ذكره الأزرقي عشرة أساطين.
وجملة الأساطين التي بالجانب الشرقي: ثمانية وثمانون أسطوانة، كلها رخام خلا واحدة في الصف الأوسط عند باب علي. فإنها آجُر مجصَّص.
وجملة الأساطين التي في هذا الجانب الشمالي ويقال له الشامي، الذي يلي دار الندوة ودار العجلة: مائة أسطوانة وأربعة أساطين، منها الأسطوانة الحمراء، وهي الثانية والعشرون من عدد الصف المقدم من هذا الجانب، وجميع الأساطين التي في هذا
стр. 339
الجانب رخام، خلا أربعة عشرة أسطوانة من آخر الصف الأوسط مما يلي دار العجلة وباب السدرة فإنها حجارة منحوتة.
وجملة الأساطين التي في الجانب الغربي: سبعة وثمانون أسطوانة، كلها حجارة منحوتة، وهي مما عمل بعد الحريق للمسجد الحرام لتكسر أساطينه الرخام التي كانت فيه قبل الحريق.
وجملة الأساطين التي في الجانب الجنوبي وهو اليماني مائة وأربعون أسطوانة، وجميعها رخام خلا خمسة وعشرين أسطوانة فإنها غير رخام، وهي حجارة منحوتة، خلا اثنين فآجر مجصص وجميع ما في جوانب المسجد الحرام وأبوابه الآن من الأساطين الرخام: ثلاثمائة أسطوانة وأربعون أسطوانة، وجميع ما فيه من الأساطين غير الرخام: مائة أسطوانة وسبعة وعشرون أسطوانة كلها حجارة منحوتة، خلا ثلاثة أساطين فإنها أجر مجصص، وقد تقدم بيان موضع هذه الأساطين، والأساطين الحجارة المنحوتة وكذا الأساطين الرخام في جوانب المسجد الحرام وأبوابه.
стр. 340
ذكر عدد الأساطين التي بصحن المسجد الحرام وصفتها:
فأما عددها: فمائتين وثلاثون أسطوانة، وأما صفتها: فأربعة عشر منها حجارة منحوتة دقيقة، والباقي آجر مجصص، وبين كل من الأساطين خشبة ممدودة راكبة عليها وعلى المقابل لها، لأجل القناديل التي تعلق فيها، وكان في موضع هذه الأساطين قبل ذلك أخشاب على صفة الأساطين، وعمل ذلك للاستضاءة بالقناديل حول الكعبة. وكلام القاضي عز الدين بن جماعة يوهم أن ذلك وقع بعد العشرين وسبعمائة١ وأن الأساطين الحجارة جعلت في سنة تسع وأربعين وسبعمائة، ثم ثارت ريح عاصفة في سنة إحدى وخمسين فألقتها ثم جددت فيها.
وكلام ابن محفوظ المكي يوهم أن إحداث هذا الدائر للقناديل في سنة ست وثلاثين وسبعمائة٢، والله أعلم.
وجدد بعض هذه الأساطين في عصرنا وفيما قبله غير مرة. ذكر الأزرقي أنه كان حول الطواف عشرة أعمدة من صفر تستصبح بها على أهل الطواف بعث بها الواثق العباسي، وأن أول من استصبح لأهل الطواف: جده عقبة بن الأزرقي. الغساني٣.
стр. 341
ذكر عدد أساطين زيادة دار الندوة:
عدد أساطين هذه الزيادة: ستة وستون أسطوانة في جميع جوانبها الأربعة، منها في الجهة الشرقية اثنتا عشرة، ومنها في الجهة الشامية عشرون، ومنها في الجهة الغربية إحدى عشرة، ومنها في الجهة الجنوبية ثلاث وعشرون.
стр. 342
ذكر عدد أساطين زيادة إبراهيم:
عدد أساطين هذه الزيادة سبع وعشرون أسطوانة حجارة منحوتة، منها في الرواق الشرقي الذي يلي المسجد الكبير: سبع عشرة في صفين، وأربعة من هذه الأساطين السبعة عشر لاصقة بجدار رباط الخوزي ورباط رامشت، بكل رباط اثنتان، وفي الجانب الشمالي ستة أساطين، واحدة منها لاصقة بجدار الإيوان الغربي، وفي الجانب الجنوبي ستة أساطين، واحدة منها لاصقة بالمنارة التي كانت بهذه الزيادة وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر شيء من خبرها، وليس بالجانب الغربي من هذه الزيادة أساطين كما قدمناه في صفتها١.
стр. 343
ذكر عدد طاقات المسجد الحرام وشرفاته وقناديله:
أما عدد الطاقات التي بجوانب المسجد الحرام وهي العقود التي على الأساطين بجوانبه الأربعة غير الزيادتين: فأربعمائة طاق: وأربعمائة وثمانون طاقا. من ذلك بالجانب الشرقي: تسعة وتسعون طاقا في ثلاثة صفوف.
ومن ذلك بالجانب الشامي: مائة وستة وخمسون في ثلاثة صفوف.
ومن ذلك بالجانب الغربي: ثمانية وثمانون في ثلاثة صفوف.
ومن ذلك بالجانب الجنوبي وهو اليماني مائة وواحد وأربعون في ثلاثة صفوف.
وفيما ذكره الأزرقي في عدد طاقات المسجد الحرام مخالفة لما ذكرناه، لأنه قال: وعلى الأساطين أربعمائة طاقة وثمان وتسعون طاقة١ وبيّن ما في كل جهة منها. وقد ذكرناها في أصل هذا الكتاب.
стр. 344
ذكر عدد طاقات زيادة دار الندوة:
جملة هذه الطاقات التي على الأساطين بهذه الزيادة في جوانبها الأربعة: ثمانية وستون طاقا، منها في الجهة الشرقية: أربعة عشر في صفين.
ومنها في الجهة الشامية: أربعة وعشرون في صفين.
ومنها في الجهة الشرقية أربعة عشر.
ومنها في الجهة الجنوبية: أربع وعشرون في صفين، في كل صف منها اثنا عشر.
وذلك غير الطاقات التي في جدار المسجد الكبير في هذه الجهة، وهي إحدي عشرة طاقة، وغير ما على الأبواب من الطاقات، والطاقات هي العقود.
стр. 345
ذكر عدد طاقات زيادة باب إبراهيم:
عدد طاقات هذه الزيادة ستة وثلاثون طاقا: منها: خمسة على جدر دار زبيدة ورباط الخوزي.
ومنها: خمسة على الجدر المقابل لهذا الجدار، وهو جدر رباط رامشت، والباقي على الأساطين، منها: ستة عشر على الأساطين التي في الجانب الشرقي، ثمانية في كل صف.
ومنها خمسة على الأساطين التي في الجانب الشمالي.
ومنها: خمسة على الأساطين التي في الجانب الغربي.
стр. 346
شرفات المسجد الحرام:
وأما عدد شرفاته التي تلي بطن المسجد الحرام فهي: أربعمائة وثلاثة وعشرون شرافة، وسبعة أنصاف شرافات. منها في الجانب الشرقي: إحدى وثمانون شرافة ونصف.
ومنها في الجانب الشمالي: مائة وخمسة وعشرون شرافة ونصفان.
ومنها في الجانب الغرب: سبعة وتسعون شرافة وأربعة أنصاف.
ومنها في الجانب الجنوبي: مائة وثمانية وعشرون شرافة.
وفي نحو النصف من كل جهة من هذه الأربعة جهات شباك كبير مخرم من آجر معقود بالنورة.
وأما الشرافات التي على جدار المسجد الحرام من خارجه، فهي: اثنان وخمسون شرافة منها: خمس عشرة شرافة على باب المسجد المعروف بباب العباس.
ومنها: إحدى عشرة شرافة على باب المسجد المعروف بباب علي.
ومنها: إحدى عشرة شرافة على باب المسجد المعروف بباب بازان بالجانب الجنوبي.
ومنها: ثلاثة شرافات على باب أجياد بالجانب الجنوبي أيضا.
ومنها: ست شرافات على الباب الذي يليه.
ومنها: ست شرافات على الباب الذي يليه أيضا.
وما ذكرناه من عدد الشراريف مخالف لما ذكره الأزرقي في ذلك، لأنه قال: الشراف الذي على جدران المسجد الحرام من خارجه مائتا شرافة واثنتان وسبعون شرافة١ ... انتهى.
стр. 347
ذكر عدد الشرافات التي بزيادة دار الندوة:
والجوانب الأربع من هذه الزيادة التي تلي بطنها: اثنتان وسبعون شرافة، في كل جهة ثماني عشرة، وكلها متساوية في الشكل، إلا التي في الأركان فإنها مخالفة لها في الصفة.
стр. 348
ذكر عدد الشرافات التي بزيادة باب إبراهيم:
عدد الشرافات التي بجوانب هذه الزيادة مما يلي بطنها: بضع وأربعون، منها: عشر في الجهة الشرقية.
ومنها: اثنتا عشرة في الجنوبية، وكذلك في الشمالية وفي الغرب: ست بمحاذاة القبة، وبقية الصف خال، والظاهر أنه كان هناك شرافات فتخربت، والله أعلم.
стр. 349
ذكر عدد قناديل المسجد الحرام:
وأما ذكر عدد قناديل المسجد الحرام الآن المرتبة فيه غالبا فهي ثلاثة وتسعون قنديلا بتقديم التاء على السين منها في الجانب الشرقي: سبعة قناديل.
ومنها في الجانب الشمالي: أحد عشر قنديلا.
ومنها في الجانب الغربي: سبعة أيضا بتقديم السين على الباء كالجانب الشرقي.
ومنها في الجانب الجنوبي: ثمانية قناديل.
ومنها في الدائرة التي حول المطاف ثلاثون قنديلا.
ومنها في مقام الخليل إبراهيم: أربعة قناديل.
ومنها في كل مقام من المقامات الأربعة حول المطاف: خمسة قناديل.
ومنها: قنديل على باب بني شيبة من خارجه.
ومنها: ثلاثة قناديل بزيادة دار الندوة في كل جانب منها قنديل، خلاف الجانب الشرقي منها فإنه لا قنديل فيه.
ومنها: قنديل عند باب الزيادة بالجانب الغربي المعروف بباب إبراهيم من داخله فهذه القناديل المرتبة في المسجد الحرام غالبا.
ويزاد فيه في شهر رمضان من كل سنة ثلاثون قنديلا في الدائر الذي حول المطاف، وزاد في هذا الدائر في كل من المقامات الأربعة وفي مقام إبراهيم عدة قناديل في بعض ليالي العشر الأخير من رمضان في كل سنة عند ختم المصلين، فهذه الأماكن للقرآن الكريم ويزاد في هذا الدائر في زمن الموسم نظير ما يزاد فيه في شهر رمضان ويزاد في جوانب المسجد الحرام الأربعة في زمن الموسم عدة قناديل، في سلاسل معلقة في الرواق الأوسط من هذه الجوانب، وهي التي فيها القناديل المرتبة المشار إليها. إلا أن في الرواق الثالث من الجانب الشمالي الذي يلي زيادة دار الندوة ست سلاسل مفرقة. وفي الرواق الأوسط من هذا الجانب أيضا تسع سلاسل بتقديم التاء على السين، وفي الرواق الأوسط من هذا الجانب أيضا تسع سلاسل بتقديم التاء على السين، وفي الرواق الأوسط من هذا الجانب الجنوبي: عشر سلاسل، وفيه وفي الجانب الشرقي والغربي سلاسل مقطعة، وجميع هذه السلاسل لا قناديل فيها، وعدد قناديل المسجد الحرام وسلاسله الآن تنقص كثيرا عما ذكره الأزرقي في قناديل المسجد الحرام، لأنه ذكر أن فيه من القناديل أربعمائة قنديل وخمسة وستين قنديلا١ ... انتهى.
стр. 350
ذكر عدد أبواب المسجد الحرام وأسمائها وصفاتها:
للمسجد الحرام -الآن- تسعة عشر بابا بتقديم التاء على السين، تفتح على ثمانية وثلاثين طاقا، منها:
في الجانب الشرقي أربعة أبواب:
الأول: ثلاث طاقات، وهو الباب المعروف بباب بني شيبة، ويقال له أيضا باب السلام.
الثاني: طاقان، ويعرف بباب الجنائز؛ لأن الجنائز يخرج بها منه في الغالب. ذكر الأزرقي أنه باب النبي ﷺ الذي كان يخرج منه ويدخل إلى منزله دار خديجة بنت خويلد ﵂ في زقاق العطارين١. وذكر أنه كان طاقا واحدا، ولم أدر متى جعل له طاقان، إلا أنه كان على ذلك من سنة تسع وتسعين وخمسمائة؛ لأن ابن جبير ذكره هكذا في أخبار رحلته، وكانت في هذه السنة٢.
الباب الثالث: ثلاث طاقات، يعرف بباب العباس بن عبد المطلب ﵁، لأنه يقابل داره بالمسعى، وعرفه بذلك الأزرقي١، وسماه ابن الحاج في "منسكه" باب الجنائز، لأنه قال لما ذكر صفة السعي: ثم ينزل عن الصفا ماشيا حتى يحاذي العلم الأخضر، وهو أول بطن الوادي، يسعى سعيا في الهرولة حتى يجاوز العلم الأخضر الذي عند باب الجنائز. وهو آخر بطن الوادي، فيمشي على هيئته حتى يأتي المروة ... انتهى.
ولعل تسميته له بباب الجنائز والله أعلم، لأن الجنائز كان يصلى عليها فيه، كما ذكر الفاكهي٣. وذكر أيضا موضعين غيره من أبواب المسجد الحرام كان يصلى على الجنائز فيهما، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا.
الباب الرابع: ثلاث طاقات أيضا، ويعرف بباب علي، وقد عرفه بذلك ابن جبير، لأنه قال: وباب علي رضي الله عنه٢، وعرفه الأزرقي بباب بني هاشم٤.
وبالجانب الجنوبي سبعة أبواب:
الأول: طاقان، ويقال له باب بازان، لأن عين مكة المعروفة ببازان قربه، وعرفه الأزرقي بباب ابن عائذ٥.
الثاني: طاقان، ويعرف بباب البغلة بباء موحدة وغين معجمة ولم أدر ما سبب هذه التسمية والشهرة، وعرفه الأزرقي بباب بني سفيان٦.
الثالث: باب الصفا، لأنه يليه، وهو خمسة أبواب. قال الأزرقي: ويقال له اليوم باب بني مخزوم.
стр. 351
الباب الرابع: طاقان، ويعرف بباب أجياد الصغير. وسماه بذلك ابن جبير١، وسماه أيضا بباب الخلقيين، قال الأزرقي: ويقال له باب بني مخزوم٢.
الباب الخامس: طاقان أيضا، ويعرف بباب المجاهدية، لأن عنده مدرسة الملك المؤيد المجاهد صاحب اليمن، ويقال له باب الرحمة، وما عرفت سبب هذه التسمية، وهو من أبواب بني مخزوم على ما ذكره الأزرقي.
الباب السادس: طاقان أيضا، ويعرف الآن بباب مدرسة الشريف عجلان صاحب مكة، لأنها عنده. قال الأزرقي: ويقال لهذا الباب باب بني تيم.
الباب السابع: طاقان، ويعرف الآن بباب أم هانئ بنت أبي طالب ﵂، وعرفه بذلك الأزرقي، ويقال له الآن أيضا باب الملاعبة، لأنه بحذاء دار تنسب للقواد تسمى الملاعبة. ووجدت بخط الشيخ أبي طيبة محمد بن أحمد بن أمين الأقشهري، نزيل الحرمين الشريفين تعريف هذا الباب بباب الفرج.
والجانب الغربي ثلاثة أبواب:
الأول: طاقان، ويعرف بباب عزورة، وهي الحزورة التي صحفت بهذه اللفظة كما سبق بيانه، قال الأزرقي: ويقال له باب بني حكيم بن حزام، وبني الزبير بن العوام والغالب عليه باب الحزامية، لأنه يلي الحزامية.
الثاني: طاق واحد كبير، يقال له: باب إبراهيم في الزيادة التي بهذا الجانب، وإبراهيم المنسوب إليه هذا الباب خياط كان عنده على ما قيل كما ذكر ذلك أبو عبيد البكري في كتابه "المسالك والممالك"، وذكر أن العوام نسبوه إليه، ووقع للحافظ أبي القاسم ابن عساكر٣، وابن جبير وغيرهما من أهل العلم ما يقتضي أن إبراهيم المنسوب إليه هذا الباب هو إبراهيم الخليل ﵇ وذلك بعيد، لأنه لا وجه لنسبته إليه، والله أعلم.
الباب الثالث: طاق واحد، ويعرف بباب العمرة، لأن المعتمرين من التنعيم يخرجون منه ويدخلون منه في الغالب. وذكر تسميته بباب العمرة: ابن جبير في رحلته١، والمحب الطبري في "القرى"، وسماه الأزرقي بباب بني سهم٢.
وبالجانب الشمالي -ويقال له الشامي- خمسة أبواب:
الأول: طاق واحد ويعرف بباب السدة، وسماه بذلك ابن جبير في رحلته، وغيره. ويقال له على -ما ذكر الأزرقي: باب عمرو بن العاص ﵁.
стр. 352
الثاني: طاق واحد، ويعرف بباب العجلة، لكونه عند دار العجلة.
الثالث: طاق واحد، بزيادة دار الندوة في ركنها الغربي.
الرابع: طاقان بالزيادة المذكورة في جانبها الشامي.
الخامس: طاق واحد، يعرف بباب الدريبة عند المنارة التي عند باب بني شيبة.
فهذه أبواب المسجد الحرام الآن وأسماؤها..... وقد ذكر الأزرقي ﵀ عدد أبوابه وصفاتها وأسمائها١، وقد تغير بعده كثير من ذلك في العدد والصفة والتسمية.
أما العدد: فلأنه ذكر أنها ثلاثة وعشرون بابا، فيها ثلاثة وأربعون طاقا.
وأما الصفة: فلأن بعض الأبواب التي ذكرها زال عنها مكانه. وذلك أربعة أبواب بالجانب الغربي، وأربعة أبواب بالجانب الشامي، وبعضها تغيرت صفته مع بقائه على مكانه.
وأما التسمية فلأنه لا يعرف منها الآن كما ذكره الأزرقي إلا خمسة أبواب باب بني شيبة، وباب العباس، وباب الصفا، وباب أم هانئ وباب العجلة وقد ذكرنا في أصل هذا الكتاب كلامه بنصه وبينا ما فيه، مع ما ذكره ابن جبير في أبواب المسجد الحرام وأسمائها، ولم يذكر ابن جبير فيها باب بني سفيان٢.
ولم أذكر في أبواب المسجد الحرام أبواب الدور التي في المسجد، وإن كان الأزرقي ذكرها، لأنها أبواب للدور لا للمسجد، وفي غالب هذه الدور أبواب صغار يخرج منها إلى سطح المسجد، وكانت سدت قبيل سنة ثمانمائة، أو فيما بعدها حسما لمادة مفاسد تقع في سطح المسجد، ثم فتحت واستمرت إلى الآن فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ونشير إلى أبواب المسجد الحرام التي ذكر الفاكهي أن فيها كان يصلى على الجنائز، وهي: باب بني شيبة، وباب العباس، وباب الصفا.
قال الفاكهي: وكان الناس فيما مضى من الزمان يصلون على الرجل المذكور في المسجد الحرام٣ ... انتهى.
стр. 353
ومراده بالمذكور: المشهور. والناس اليوم يصلون على الموتى جميعا داخل المسجد الحرام، إلا أن المذكور من الناس يصلون عليه عند باب الكعبة. ويذكر أنهم كانوا إنما يصلون عند باب الكعبة على الأشراف وقريش، وأدركناهم يصلون عند باب الكعبة على غيرهم من الأعيان، وبعض الناس تسامح في ذلك بالنسبة لغير قريش والأشراف، وتسامح أيضا في إخراج غيرهم، وإن عظم قدره من باب بني شيبة، ولم أر في الخروج بالموتى من باب بني شيبة شيئا يستأنس به، وعندي: أن الخروج بالموتى من المسجد من الباب المعروف بباب الجنائز أولى، لأنه كان طريق النبي ﷺ من منزل زوجته أم المؤمنين خديجة ﵂ إلى المسجد الحرام، ولذلك قيل له: باب النبي ﷺ .
وأما الصلاة على الموتى عند باب الكعبة: فرأيت فيه خبرا ذكره الأزرقي يقتضي أن آدم ﵇ صُلِّيَ عليه عند باب الكعبة١، والذين لا يُصلَّى عليهم عند باب الكعبة يُصلَّى عليهم خلف مقام إبراهيم ﵇ عند مقام الشافعي، وبعضهم يُصلَّى عليه عند باب الحزورة، وهم الفقراء الطرحاء، وذلك داخل المسجد الحرام أمام الرواق، لكون ذلك بالقرب من الموضع الذي يغسلونهم فيه، وكونه إلى موضع دفنهم أقرب.
стр. 354
ذكر منائر المسجد الحرام:
للمسجد الحرام الآن خمس منائر، منها أربعة في أركانه، وواحدة في زيادة الندوة، وذكر ابن جبير أنه كان بالمسجد الحرام سبع منائر عد فيها هذه الخمسة، ثم قال: وأخرى على باب الصفا وهي أصغرها، وهي علم لباب الصفا وليس يصعد إليها لضيقها، قال: وعلى باب إبراهيم صومعة١ ... انتهى.
وهذه الصومعة هي التي يقال لها الآن: خزانة القاضي نور الدين علي النويري، وأعلاها الآن منهدم، هدمه بعض أمراء مكة، لإشرافها على داره على ما قيل والله أعلم.
وعمَّر أبو جعفر المنصور من منائر المسجد الحرام: منارة باب العمرة. وعمر ابنه المهدي منها: المنارة التي على باب بني شيبة، والمنارة التي على باب علي، والمنارة التي على باب الحزورة.
وعمر الخواجا جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني وزير صاحب الموصل منائر المسجد الحرام على ما ذكر بعض مشايخنا، والله أعلم بحقيقة ذلك٢.
وأخبرني من اعتمده، أنه رأى اسمه مكتوبا في منارة باب العمرة، بما معناه أنه أمر بعمارتها في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة٣.
وعمرت منارة باب الحزورة في زمن الملك الأشرف شعبان بن حسين صاحب الموصل وكانت سقطت في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة٤، وسلم الناس منها، فوصل المعمرون لعمارتها في موسم هذا السنة، وفرغ منها في المحرم مفتتح شهور سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة٥.
وعمرت منارة باب بني شيبة في زمن مولانا السلطان الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر برقوق، وذلك بعد أن سقطت في آخر شعبان سنة تسع وثمانمائة٦، وابتدأ في عمارتها سنة عشر، ولم يكمل بناءها إلا في آخر ذي القعدة من السنة التي بعدها واستحسنت عمارتها.٧.
стр. 355
وذكر الفاكهي منائر المسجد الحرام الأربعة التي بجوانبه الأربعة، وبدأ في ذكرها بمنارة باب بني سهم. ثم بمنارة باب الحزورة ثم بالمنارة التي فيها الميل الذي يهرول الساعي بين الصفا والمروة عنده، ثم بمنارة باب بني شيبة.
وذكر الفاكهي أن في منارة باب بني سهم يؤذن صاحب الوقت بمكة، ومراده بصاحب الوقت والله أعلم: الذي يقال له في هذا الزمان رئيس المؤذنين، وهذا يخالف ما عليه الناس اليوم بمكة، لأن منارة صاحب الوقت الآن هي منارة باب بني شيبة١.
وذكر الفاكهي أن في منارة باب الحزورة يسحر المؤذن في شهر رمضان، ولم يذكر أن ذلك يصنع في غيرها، فدل ذلك على أن اختصاصها به، والذي عليه المؤذنون الآن بمكة أنهم يسحرون في جميع منائر المسجد الحرام الخمس، وإنما لم يذكر الأزرقي والفاكهي المنارة الخامسة التي بزيادة الندوة لحدوثها بعدهما٢.
ونختم هذه الترجمة بمنائر في غير المسجد الحرام كان يؤذن فيها بمكة وظاهرها، ذكرها الفاكهي ونص ما ذكره الفاكهي: ذكر عدد المنارات التي على رؤوس الجبال بمكة. وكان أهل مكة فيما مضى من الزمان لا يؤذنون على رؤوس الجبال، وإنما كان